¬الرازي، صاحب المجرد، وأبو الحسن المحاملي، صاحب المجموع، وأبو علي البندنيجي صاحب الذخيرة، وغير هؤلاء ممن لا يُحصى كثرة.
فإذا أطلقوا في الكتب لفظ قال أصحابنا العراقيون كذا، وطريقة أصحابنا العراقيين كذا، فمرادهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني وأتباعه هؤلاء المذكورن.
كما أنهم إذا أطلقوا لفظ قال أصحابنا الخراسانيون كذا وطريقة أصحابنا الخراسانيين كذا فمرادهم القفال المروزي، شيخ طريقة خراسان وأتباعه، وهم أبو بكر الصيدلاني، وأبو القاسم الفوراني، والقاضي حسين المرورّوزي، والشيخ أبو محمد الجويني، وأبو علي السنجي، قيل والمسعودي، فتارة يقولون: قال الخراسانيون، وتارة يقولون: قال المراوزة، وهما عبارتان عن معبَّر واحد.
فالخراسانيون، وإن كانوا أعم من المراوزة؛ لأن مدن خراسان العظيمة أربعة: مرو، ونيسابور، وبلخ، وهراة، لكنهم يعبرون تارة عن طريقة الخراسانيين بقولهم: قال المراوزة، لأن شيخ طريقة الخراسانيين ومعظم أتباعه مراوزة، فالقفال المروزي أخذ عن أبي زيد المروزي، عن أبي إسحاق المروزي، والشيخ أبو حامد الإسفراييني أخذ عن أبي القاسم الداركي، عن أبي إسحاق المروزي، فأبو إسحاق المروزي إليه منتهى الطريقين.
وأما إذا قالوا: في كتب الخراسانيين كذا، فإن هذا الإطلاق يشمل كتب أصحاب الطريقة المذكورين وسائر كتب أئمة خراسان، كما أنهم إذا قالوا: في كتب العراقيين كذا، فإنه يشمل كتب أصحاب الطريقة المذكورين وسائر كتب أئمة العراقيين، فمن كتب الخراسانيين: النهاية لإمام الحرمين، والوسيط للغزالي، وتعليق القاضي حسين، والإبانة للفوراني، والتتمة للمتولي، والتهذيب للبغوي، والعدة لأبي المكارم الروياني، وبحر المذهب لأبي المحاسن الروياني وغيرها.
ومن كتب العراقيين: المجموع واللباب والمقنع للمحاملي، والذخيرة لأبي علي البندنيجي، والمجرد لسُليم، وتعليق القاضي أبي الطيب الطبري، والحاوي الكبير للماوردي، والمعتمد لأبي نصر البندنيجي، والمهذب والتنبيه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والشامل لابن الصباغ، والتهذيب لنصر المقدسي، والحلية لفخر الإسلام
стр. 142
¬الشاشي، والعدة للحسين بن علي الطبري، والذخائر لمجلي، وغيرها.
وأما إذا أطلقوا في الكتب لفظ الأصحاب فهذا الإطلاق يعم أصحاب الطريقين ومن عاصرهم ومن كان قبلهم من الأئمة العظام ومن كان بعدهم.
ثم بعد أصحاب الطريقين جماعة من الأصحاب ينقلون الطريقين كأبي عبد الله الحَليمي، والروياني صاحب البحر، ومجلي صاحب الذخائر، وإمام الحرمين، والمتولي صاحب التتمة، والغزالي، وغيرهم.
وأما أصحاب الوجوه، فهم أخص من لفظ الأصحاب لأن كل من كان من أصحاب الوجوه يدخل تحت لفظ الأصحاب ولا عكس، وأصحاب الوجوه معروفون ويدخل فيهم أصحاب الطريقين" ا. هـ (١)
هذا ما كتبه الشيخ في المقدمة عن الطريقتين، فإن أراد بقوله: " بسطته، وبينته بسطاً يعز على أهل عصرنا، ومن قبلهم بمئين السنين أن يقفوا عليه " أنه جمع مفرّقه، ولمّ شعثه، ورتب مشوشه، فقد فعل، وجزاه الله خيراً، وهذا أحد الأغراض السبعة التي يصح فيها التأليف.
وأما إذا أراد أنه زاد القضيةَ إيضاحاً أو تفسيراً، أو تعليلاً، أو استنبط مما قاله السابقون شيئاً، فلم يكن شيء من ذلك، وما أظنه يقصده.
وقد عاصر الشيخَ اثنان من علماء المذهب الذين عُنوا بالكتابة عن تطوره ومصطلحاته، وهما السيد علوي بن أحمد السقاف، المتوفى ١٣٣٥ هـ-١٩١٦ م، وابنُ سُميط العلوي، أحمد بن أبي بكر، المتوفى ١٣٤٣ هـ-١٩٢٤ م.
الأول له كتاب: (الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية من المسائل والضوابط والقواعد الكلية)
وكما هو واضح من عنوانه فإنه يتناول فيما يتناول المصطلحات التي تدور ويتداولها طلاب المذهب الشافعي، وقد أفاد فعلاً في ذكر قواعد وضوابط، ومقدمات ومبادىء لا يستغني عنها طالب العلم، وعقد فصلاً خاصاً بمصطلحات الشافعية أجاد فيه وأفاد
стр. 143
¬إلا أنه مرّ مرور الكرام على مصطلح الطريقتين، فلم يتكلم فيه بِجملةٍ واحدة.
وأما ابن سُمَيْط، فله رسالة لطيفة بعنوان: (الابتهاج في بيان اصطلاحات المنهاج) تحدث في هذه الرسالة عن نشاة المذهب وتطوره، وأهم أعلامه، والمؤلفات المشهورة والمعتمدة حتى عصره، كل ذلك في إيجاني بليغ، لم يزد عن بضع ورقات.
ومع ذلك عرض لمصطلح الطريقتين والجمع بينهما كحلقة من حلقات تطوّر المذهب، فتكلم عن نشأتهما، وشيخيهما، ورجالهما، وكتبهما بنحو ما تكلم به الشيخ أحمد بك الحسيني، وربما بالألفاظ نفسها تقريباً، فكلاهما نقل كلام النووي في (تهذيب الأسماء واللغات)، وما جاء في كتب الطبقات.
أما البحوث المعاصرة بما فيها الأطروحات الجامعية (١)، فلم نجد فيها من التفت إلى هذه المسألة إلا ذلك البحث الرائد (٢) للعلامة الشيخ محمد إبراهيم أحمد علي من علماء أم القرى، زادها الله تعظيماً وتشريفاً، وقد عزا ما قاله إلى الشيخ أحمد بك الحسيني في مقدمة دفع الخيالات ص ٥؛ ولذا جاء كلامه موجزاً عما نقلناه لك آنفاً من مقدمة (مرشد الأنام).
وأما شيخنا وشيخُ شيخنا الإمام محمد أبو زهرة، فقد عقد فصلاً، في كتابه الذي كتبه (الإمام الشافعي) (٣)، بعنوان (المجتهدون في المذهب الشافعي) تحدث فيه عن طبقات المجتهدين في المذهب وأصحاب الوجوه، ولكنه لم يلتفت إلى مصطلح
стр. 144
¬الطريقتين، مع أنه اعتمد فيما قاله على ما ذكره النووي في مقدمة المجموع، وفيه تعريف وبيان لمعنى الطريقة، ولكن شيخنا صرف النظر عن المسألة بالكلية، وسنحاول تفسير ذلك فيما يأتي.
...
من ثمار البحث
وبعد هذا البحث والتنقير ومحاولة الاستقصاء لم نجد جديداً نزيده على ما نقلناه لك حول مصطلح (الطريقتين).
ولكن ذلك لم يخل من ثمار تستحق أن نسجلها فيما يأتي:
١ - تصحيحُ وهم وقع من شيخنا الإمام محمد أبو زهرة، حين ظن أن (الأستاذ أبا إسحاق) الذي نقل عنه النووي قوله: " إن أصحاب مالك، وأحمد، وأبو داود، وأكثر الحنفية صاروا إلى مذهب أئمتهم ﵏ تقليداً لهم، ثم قال:
والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا، وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي، لا تقليداً له، بل إنهم لما وجدوا طرقه في الاجتهاد والقياس أسدَّ الطرق، ولم يكن لهم يد من الاجتهاد، سلكوا طريقه، فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي".
سبق إلى ظنه أن الأستاذ أبا إسحاق هو الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فترجم له في حاشية كتابه (١)، بناء على هذا الظن.
ولكن صاحب هذا القول هو الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران المتوفى ٤١٨ هـ.
والذي جعلنا نتوقف في صنيع شيخنا هو أننا لم نجد أحداً ممن ترجم للشيخ أبي إسحاق الشيرازي لقبه (بالأستاذ)، فدائماً يلقبونه (بالشيخ)، على حين أن أبا إسحاق الإسفراييني لا يذكر إلا بهذا اللقب (الأستاذ)، والذي يتأمل هذه الكتب، كتب التراجم والطبقات، يجد أن هذه الألقاب لم تكن تلقى جزافاً، بل يجد أنها تُلتزم دائماً حتى تصير أعلاماً أو كالأعلام على أصحابها.
стр. 145
¬ولكن هذا لم يكن كافياً بالجزم بأن المقصود أبو إسحاق الإسفراييني، فأعدنا قراءة كلام النووي في مصدره الذي أخذ منه شيخنا، وهو (مقدمة المجموع)، فوجدناه ينقل هذا الكلام عن (أبي عمرو) أي (ابن الصلاح) ولما كان الكلام في الفتوى وطبقات المفتين، رجعنا لكتاب (أدب الفتوى) لابن الصلاح، فوجدناه يصرح بالاسم كاملاً، فيقول: " وقد بلغنا عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني ... إلخ (١) " فانكشف الأمر، واستيقن الظن، وأغنانا عن البحث في مظان أخرى.
وهذا مجرد نموذج لمعاناة المحقق وواجبه.
٢ - كما ننبه أيضاً لعبارة موهمة وردت في البحث الأصيل لأخينا النبيل الشيخ محمد إبراهيم علي (المذهب عند الشافعية)، فقد جاء عند الحديث عن الطريقتين قوله: " وبقيت طريقة العراقيين وحيدة في الميدان الفقهي الشافعي، فقولها هو المعتمد، حتى نبغ القفال الصغير المروزي، واشتهر بالتدوين في الفقه، وتبعه جماعة لا يُحْصَون عدداً ... ".
فهذه العبارة توحي، بل تُصّرح أن طريقة العراقيين تقدّمت في النشأة عن طريقة الخراسانيين وظلت زماناً لا يعرف الفقهُ الشافعي غيرَها، حتى ظهرت طريقة الخراسانيين متأخرة عنها بزمانٍ طويل. هذا ما تقول به العبارة.
والواقع أن تمايز الطريقتين في رواية المذهب نشأ في وقتٍ واحد، وما قبلهما لم يكن يوصف بأنه عراقي ولا خراساني.
والذي يشهد بأنه نشوء الطريقتين كان متزامناً وفي وقت واحد، بصورة لا تقبل الشك هو النظر إلى ترجمة شَيْخي الطريقتين، الشيخ أبي حامد الإسفراييني، والقفال المروزي، فهما من طبقة زمنية واحدة، بل إن ميلاد القفال شيخ طريقة المراوزة قبل ميلاد أبي حامد شيخ طريقة العراقيين، فقد ولد القفال سنة ٣٢٧ هـ على حين ولد أبو حامد سنة ٣٤٤ هـ، وإذا قيل لنا: إن القفال تأخر اشتغاله بالفقه إلى سن الثلاثين، فالجواب أننا لو قدرنا تأخر ميلاده سبعة عشر سنة مثلاً (وهي فترة الطفولة والصبا)
стр. 146
¬لوقع ميلاده في السنة نفسها التي ولد فيها شيخ طريقة العراق وهي سنة ٣٤٤ هـ، أو نقول: إن القفال اشتغل بالفقه سنة ٣٥٧ هـ بعد ما بلغ سنّ الثلاثين، وأفتى بعد نحو عشر سنوات من اشتغاله بالفقه أي في سنة ٣٦٧ هـ، وقد ذكروا أن الشيخ أبا حامد كان مبكر النبوغ، فأفتى وهو ابن سبع عشرة سنة، أي في سنة ٣٦١ هـ.
فهذا التدقيق في تواريخ الميلاد والاشتغال بالفقه يضع أمامك الدليل القاطع بأنهما متعاصران تماماً، وإن تفاوتا بعض التفاوت ميلاداً ووفاةً (القفال ٣٢٧ - ٤١٧ هـ) و (الشيخ أبو حامد ٣٤٤ - ٤٠٦ هـ).
وواضح أن هذا الوهم بسَبْق طريقة العراقيين مبنيٌّ على ما هو أكبر منه، وهو أن العراقيين كانوا يروون المذهب القديم فقط، والخراسانيون كانوا يروون المذهب الجديد فقط، حتى مطلع القرن الخامس، حين جمع بينهما الشيخُ أبو علي السنجي المتوفى نحو سنة ٤٣٠ هـ، وهذا هو نص كلامه الذي أَفْهمَ ذلك: " وبظهور هؤلاء العلماء الذين جمعوا بين الطريقتين، بدأ الرافدان الأساسيان الناقلان لفقه الشافعي: قديمه وجديده يلتقيان في قولٍ موحَّد يمثل مذهبَ الشافعي والراجحَ من قوله (١) ".
وهذا لا قائل به، ولا هو بمعقول، فمنذ قرر الشافعي مذهبه الجديد، ودُوّنت كتبه الجديدة، وهي تُروى في العراق كما كانت تُروى في خراسان.
وهذا الوهم جاء الباحثَ من عبارة الشيخ أحمد بك الحسيني -التي هي مصدره-، حيث قال بعد أن ذكر طريقة العراقيين: "وحتى جاء القفال الصغير، وتبعه جماعة ... " (٢) فأوهم تعبيرُه بـ (حتى) وجودَ (غاية) زمنية، ومدّةٍ بين ظهور الطريقتين.
والواقع أن (حتى) في عبارة الحسيني معطوفة على مثلها بالنسبة لطريقة العراقيين، ونص كلامه وهو يتكلم عن تطور المذهب: " ... ثم جاء بعدهم بقية أصحاب الوجوه طبقة بعد طبقة، حتى جاء الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وتبعه جماعة ... وحتى جاء القفال المروزي وتبعه جماعة ... " فعند التنبه لهذا (العطف) لا توحي العبارة بوجود سبق زمني بين الطريقتين.
стр. 147
¬وخلاصة ما نحاول إثباته هو أن الطريقتين نشأتا معاً بدون فارق زمني، ولم تختص طريقة العراقيين بالمذهب القديم وحده، بل كل واحدة منهما كانت تنقل القديم والجديد معاً.
٣ - وأمرٌ ثالث ننبه إليه، وهو أن العلامة أحمد بك الحسيني شبه الطريقتين في المذهب بالمدرستين البصرية والكوفية في علم العربية، وذلك في قوله: " وانتهى فقه الشافعيه إلى الطريقتين، ... ، ولم يوجد بعدهما إلا من هو تابع طريقتيهما، فإما عراقي، وإما خراساني، وكان مثلهما في فقه الشافعي مثل الكوفيين والبصريين في علم العربية " (١).
وهذا لا يسلّم له، وأقل ما يقال فيه: إنه توسع في العبارة؛ فالذي يتضح من كلام النووي، وهو الأَقْمن بالتعبير عن المذهب: " أن الطرق هي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب " أي أنه خلاف في الرواية، فما يروي فيه المراوزة قولاً قد يروي فيه العراقيون قولين.
أما الخلاف بين مدرسة البصرة والكوفة في اللغة، فهو أبعد من الحكاية والرواية عمن تؤخذ منه اللغة، فتراه في التعليل، والتقعيد والتخريج، والله أعلم.
حقيقة المسألة
والواقع الذي انتهينا إليه -بعد طول التأمل والبحث- أن مسألة الطريقتين أهونُ بكثير من (اسمها) وكثرة تردادها، فحقيقة الأمر تتضح بالنظر إلى الحقائق الآتية:
١ - معلوم أن العلم عندنا يؤخذ بالتلقي عن الشيوخ، وينقل بالرواية والإجازة، فلما انتشر المذهب وحمله تلامذة الإمام الشافعي بعد وفاته إلى العراق وما حولها، وإلى خراسان وما وراءها، -كان ذلك في أول القرن الثالث- وأخذ عنهم تلاميذهم، ثم تلاميذ تلاميذهم عن تلاميذهم، وهكذا ... ، فمع تباعد الديار وتنائي المجامع والمجالس، ومرور الأزمان، وكثرة التدوين والمراجعة، ومضي أكثر من قرن ونصف، أي في أواخر القرن الرابع، ظهر أن ما يحكيه الخراسانيون في مجالس علمهم، وحلقات دروسهم، ويدونونه في مصنفاتهم يختلف عما يحكيه العراقيون في بعض المسائل،
стр. 148
¬سواء كانت الحكاية عن إمام المذهب، أو عن أصحاب الوجوه من الجانبين.
٢ - لم يدم الأمر على ذلك طويلاً، فقد رأينا من درس على شيوخٍ من الجانبين، وجمع بين الطريقين، وكان ذلك في مطلع القرن الخامس على يد الشيخ أبي علي السِّنجي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ وقيل سنة ٤٢٧ هـ ولم نصل إلى تاريخ ميلاده، فإذا فرضنا أنه توفي عن ستين عاماً، والمعهود أن يكون قد بلغ درجة الفتوى في سنّ الثلاثين، فمعنى هذا أن الجمعَ بين الطريقتين، قد بدأ في نحو سنة ٤٠٠ هـ، أي بعد نشأة الطريقتين بنحو ثلاثين سنة.
ولسنا نقول: إنه بظهور الشيخ أبي علي السنجي انتهت الطريقتان، وانقطع أثرهما في التدوين والتدريس، بل ظل القرن الخامس يشهد من يجمع من المصنفين بين الطريقتين، ومن يقتصر في تصنيفه على طريقة واحدة من الطريقتين، إلى أن انتهى الأمر بالجمع بين الطريقتين.
فكأن تمايز الطريقتين في حكاية المذهب لم يدم طويلاً، بل لم يكد يظهر حتى ظهر الجمع بين الطريقتين.
٣ - والحقيقة الثالثة التي نقررها أن العبارة عن الطريقتين ومصنفاتهما فيها كثير من التوسع، وآية ذلك أنهم يعدون إمام الحرمين مروزياً من أركان المراوزة، ومن تلاميذ القفال شيخ طريقة المراوزة، وفي الوقت نفسه يعدونه، ممن جمع بين الطريقتين، وهو فعلاً قد جمع بينهما.
كما يعدون كتابه (نهاية المطلب) هذا الذي بين أيدينا من كتب أصحابنا الخراسانيين، ذكر ذلك صراحة التقيُّ السبكي في أول تكملته للمجموع، وهو يعدّد المصادر التي يعتمدها في تكملة شرحه للمهذب، حيث قال: " وعندي من كتب الخراسانيين تعليقة القاضي حسين، والسلسلة، والجمع والفرق للشيخ أبي محمد الجويني، والنهاية لامام الحرمين، والبسيط للغزالي، و ... إلخ" (١).
وكما ترى يعدّ (النهاية) و (البسيط) من كتب الخراسانيين، وهما يجمعان بين
стр. 149
¬الطريقتين، ولكنه سوى بين المؤلفات التي تحكي طريقة الخراسانيين، والمؤلفات التي تجمع بين الطريقتين، فكأنه ينظر إلى نسبة أصحابها الجغرافية دون لون التفقه وطريقته، وهذا ما عنيناه بالتوسع في العبارة.
النتيجة:
في ضوء هذه الحقائق الثلاث، وما تقدم من حديث حول مسألة أو مصطلح الطريقتين نستطيع أن نفسر عدم العناية من أئمة المذهب والمؤرخين لتطوره وأعلامه بالكتابة عن الطريقتين؛ حيث لم يكن ذلك بالحجم أو بالشأن الذي يلفتهم إليه، فلم يكن ذلك عن تقصيرٍ منهم - حاشاهم!!
وبهذا نكون أيضا قد فسرنا -كما وعدنا- عدم ذكر شيخنا الإمام أبي زهرة مصطلح (الطريقتين) ولو بكلمة واحدة.
ثم نعود ونؤكد ما قلناه من قبل، وهو أن العمدة في كل ما كُتب -وقد سجلناه- هو كلام الإمام النووي، ﵁.
وأخيراً نقول: إن النظر إلى الشكل البياني رقم (٣) يوضح بإيجازٍ بليغ كلَّ ما قيل عن طريقتي الخراسانيين والعراقيين، فنكتفي به، ونحيل إليه.
البصرويون والكوفيون والبغداديون:
وقد حكى إمام الحرمين خلافاً بين البصريين والكوفيين في عدة مواضع في كتاب الفرائض، ولكنها كلها تقع بين فقهاء السلف، وليس خلافاً داخل المذهب.
ولكن الماوردي في كتابه (الحاوي) حكى خلافاً بين البغداديين والبصريين، نقله عنه النووي في (المجموع)، في حكم الوطء في الحيض، والتصدق بدينارٍ أو بنصف، قال الماوردي: " كان أبو حامد الإسفراييني وجمهور البغداديين يجعلونه قولاً قديماً، وكان أبو حامد المروزي وجمهور البصر لا يجعلونه قولاً قديماً، ولا يحكونه مذهباً للشافعي ... " (المجموع: ٣/ ٣٦٠).
ويلوح لي أن هذا خلاف ثانوي داخل طريقة العراقيين، ولذا لم يُشر إليه النووي وهو يتكلم عن الطرق في حكاية المذهب.
стр. 150
¬ المبحث الثالث: مرحلة تحرير المذهب
يزداد كلامنا عن تحرير المذهب وضوحاً إذا تذكرنا ما قلناه من قبل عن أصحاب الوجوه، وعن المجتهدين من داخل المذهب، وعن رواة المذهب، إذا تذكرنا كل ذلك، عرفنا أن حملة فقه الشافعي من تلاميذه، والأَمَنة على نصوصه ومناهجه، لم يكونوا مجرد نقلة، بل كان فيهم مجتهدون مستقلون وإن انتسبوا إلى الشافعي كالمحمَّدِين الأربعة: محمد بن جرير الطبري، ومحمد بن نصر المروزي، وابن خزيمة محمد بن إسحاق، وابن المنذر محمد بن إبراهيم، وغيرهم.
ومنهم من استقل فعلاً بمذهبٍ وعرف به، كأحمد بن حنبل، وداود الظاهري.
ومنهم من كان يُخرِّج على أصول الشافعي ونصوصه حيناً، وينفرد برأيه ومذهبه حيناً آخر كالمزني، قال إمام الحرمين في (نهاية المطلب): "إن كان لتخريج مخرّج التحاقٌ بالمذهب، فأَوْلاها تخريج المزني؛ لعلو منصبه في الفقه، وتلقِّيه أصول الشافعي من فَلْق فيه، وإذا تفرد برأي، فهو صاحب مذهب".
ومنهم من التزم التخريج على نصوصه وأصوله لم يَخْرج عنها، وهؤلاء هم أصحاب الوجوه الذين ذكرنا طائفة من أشهرهم فيما سلف، وأشرنا إلى "أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني ادعى لهم الاجتهاد المستقل، وأنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا تقليداً له، بل لما وجدوا طرقَه في الاجتهاد والقياس أسدَّ الطرق، ولم يكن لهم بدٌّ من الاجتهاد، سلكوا طريقَه، فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي".
وقد ذكر الشيخ أبو علي السِّنجي نحو هذا، فقال: اتبعنا الشافعي دون غيره؛ لأنا وجدنا قوله أرجح الأقوال وأعدلها، لا أنا قلدناه" (١).
стр. 151
¬حكى النووي هذا، وعقب قائلاً: " قلت: هذا الذي ذكراه موافق لما أمرهم به الشافعي، ثم المزني في أول مختصره " يعني نَهْيَ الشافعي أصحابه عن تقليده، وأَمْرهم أن يجتهدوا كما اجتهد هو.
استبحر الفقه الشافعي وملأ المكان والزمان، فكان له أنصاره وأتباعه في العراق، وفي بلاد الحجاز، واليمن وفارس، وخراسان، وما وراء النهر، وعاصر دولاً وأحداثاً، ونَصَره نظامُ الملك، ومكن له في دولة السلاجقة على اتساعها، وبنى لعلمائه وشيوخه المدارسَ النظامية، ببغداد، ونيسابور، وسائر مدن الدولة.
حمل ذلك التيارُ الهادرُ -مع تباعد الأقاليم وامتداد الزمان- تخريجاتٍ وآراءً، تتأثر -لا شك- بالبيئة هنا وهناك، وبالمشارب والمنازع، وأُودع كل ذلك مصنفات المذهب ومدوّناته، وكان فيها -بداهة- ما لا يتفق مع المذهب بصورةٍ أو بأخرى، من البعد والقرب.
يقول شيخنا الإمام أبو زهرة: " ولو أننا درسنا آراء فقهاء خراسان ونيسابور، وآراء فقهاء العراق، وحللَّناها، لوجدنا أثر البيئة واختلافَ النزعات يلوح وراءها، ولعل اجتهاد العراقيين، كان أقرب إلى المنقول عن الشافعي من اجتهاد الخراسانيين، والنيسابوريين (١) ".
وإلى شيء من هذا الفرق بين المدرستين قال النووي: " اعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه، ووجوه متقدمي أصحابنا أتقنُ وأثبتُ من نقل الخراسانيين غالباً، والخراسانيون أحسنُ تصرّفاً وبحثاً وتخريجاً وترتيباً غالباً " (٢).
...
стр. 152
¬ معنى تحرير المذهب، ولماذا ؟
بات الآن واضحاً معنى تحرير المذهب، وهو نَخْل مصنفات أئمته وشيوخه، وبيان ما هو موافق لقول الشافعي وأصوله، حتى يصح أن ينسب إليه، ويتميز عن غيره من الوجوه والاجتهادات التي لا يصح أن تنسب إلى الشافعي، وتُعتبر مذهباً له.
أما لماذا هذا التحرير، فيجيبنا على هذا التساؤل، الشيخ محمد إبراهيم علي في مفتتح بحثه بقوله:
" تُحتم الأمانة العلمية على الباحث أن يتحرى الصحة التامة في عزو الأقوال إلى قائليها، وخاصة الأقوال الفقهية، لما يترتب على الخطأ في عزوها من نسبة التحليل والتحريم إلى من لم يقل به.
ومن ثّم كان لزاماً على كل من يتعرض للبحث الفقهي -وخاصة المقارن منه- أن يعرف الاصطلاح المتفق عليه بين علماء المذهب -أيّ مذهب- والكتب التي اعتُمدت ممثلةً لرأي المذهب ودرجات اعتمادها ".
إذاً كان تحرير المذهب ضرورة بمقتضى الأمانة العلمية التي تحتم نسبة الأقوال إلى قائليها، فهذه الأقوال تتعلق بدين الله، تتعلق بالتحريم والتحليل، وقائلها كما سماه ابنُ القيم ﵀ موُقِّعٌ عن رب العالمين، وأي منصب أخطرُ من هذا.
وواضح أننا حينما نتكلم عن تحرير المذهب، ببيان وتحديد ما يصح أن يُنسب للإمام الشافعي، ويعتبر قولاً له، واضح أننا حينما نقول ذلك لا يخطر ببالنا أن الوجوه والاجتهادات التي لم تُعدّ من المذهب ليست فقهاً، أو ليست صحيحة، لا يخطر هذا ببال أحد، ولكن أحببنا أن ننبه إليه؛ قطعاً لأي وهم.
بل إن هذه الأقوال والاجتهادات -التي لا تُعد من المذهب- أهمُّ المصادر لاجتهادات الفقهاء المعاصرين (الآن)، منها يختارون، وعليها يتكئون، بعد أن يمتحنوا القواعد والأصول التي قامت عليها، والأدلة التي استندت إليها.
стр. 153
¬ شيخا المذهب:
في مفتتح القرن السابع الهجري، وجد أئمةُ المذهب هذه الثروة الفقهية الهائلة التي نمت وترعرعت واكتملت في غضون القرون السابقة، فكان من طبيعة الأمور، وسنن التطور أن ينصرف عملهم وجهدهم إلى تحرير المذهب، لم يكن أمامهم إلا العمل في هذا المجال، فقد كان الفقه قد نَضِج، وصار بعيداً -كما قال إمام الحرمين-: " أن تقع مسألة لم يُنصّ عليها في المذهب، ولا هي في معنى المنصوص، ولا مندرجة تحت ضابط ".
ومن هنا كان قَدَرُ الشيخين: الرافعي، عبد الكريم بن محمد القزويني. ت ٦٢٤ هـ، والنووي، يحيى بن شرف المُرِّي. ت ٦٧٦ هـ أن يصرفا جهدهما، ويستفرغا وُسعهما في تتقيح المذهب وتحريره: الأول في كتابه (فتح العزيز بشرح الوجيز)، المسمى بالشرح الكبير، و (المحرر)، والثاني في (روضة الطالبين)، و (منهاج الطالبين)، و (المجموع) شرح المهذب لأبي إسحاق الشيرازي (لم يتمه)
عُني هذان الإمامان الجليلان بتتبع كتب المتقدمين، والنظر في الأقوال والأوجه والاجتهادات والاختيارات، ووزن الأدلة وتقديرها، لتحديد ما هو المذهب منها.
ولهذا اصطلح علماء الشافعية بعدهما على تلقيبهما بشيخي المذهب، وصار القول المعتمد في المذهب ما اتفق عليه الشيخان، فإن اختلفا، فما جزم به النووي، ثم ما جزم به الرافعي.
"فَرَأْيُ الشيخين مقدم حتى لو عارضه نصُّ الشافعي، مع أن نص الشافعي في حقهم كنص الشارع في حق المجتهد.
وقد عللوا هذا التقديم بأن المتبحر في المذهب -كأصحاب الوجوه- له رتبة الاجتهاد المقيد، ومن شأن هذا أنه إذا رأى نصاً خرج عن قاعدة الإمام، ردّه إليها - أي أَوَّلَه- إن أمكن، وإلا عمل بمقتضى القاعدة، وخالف نص الإمام، فقد ترك الأصحاب إذاً نصوص الشافعي الصريحة، أو أوّلوها؛ لخروجها عن قاعدته.
فلا ينبغي الإنكار على الأصحاب في مخالفة النصوص، ولا يقال: إنهم لم يطلعوا
стр. 154
¬عليها؛ فإنها شهادة نفي، بل الظاهر أنهم اطلعوا عليها، وصرفوها عن ظاهرها بالدليل، ولا يخرجون بذلك عن متابعة الإمام الشافعي" (١).
وبلغ الوثوق بعملهما، والاعتماد على أقوالهما أن منع المتأخرون من الرجوع إلى الكتب المتقدمة على الشيخين واعتمادها في الفتوى، وإن تتابعت على حكم واحد؛ لأن هذه الكثرة قد ترجع إلى الحكاية عن واحد (٢).
وهذا المنع من كتب المتقدمين على الشيخين لا يمكن أن يؤخذ على إطلاقه، بل هو بالقطع خاص بالذين ليسوا من أهل الترجيح والنظر، وبالذين يريدون الحكم المتفق عليه من أقرب طريق.
إمام الحرمين وتحرير المذهب:
استقر الرأي عند علماء الشافعية أن تحرير المذهب بدأ بجهد الإمامين الرافعي والنووي، وذلك واضح من أعمالهما مطولة ومختصرة، ومن منهجهما الذي صرحا به أو رأيناه مطبقاً ملتزماً في مصنفاتهما.
ولكن ألم يسبقهما أحدٌ من أئمة المذهب؟
أستطيع أن أقول: إن إمام الحرمين كان -فيما رأينا للآن- أولَ من عُني بتحرير المذهب، وذلك في كتابنا هذا (نهاية المطلب). صرح بذلك في مقدمته، والتزمه على طول كتابه؛ فقد كان يحكي الأوجهَ والأقوالَ كلها، ويميز ما هو من المذهب عما عداه.
بل عندما كان ينصر وجهاً أو يبدي احتمالاً على خلاف المذهب كان يبين ذلك بوضوح تام، ويقول: لكن المذهب كذا" أي غير ما يراه.
(وسنبين ذلك، ونؤيده بالأمثلة والشواهد في فصلٍ آتٍ بعنوان: منزلة نهاية المطلب وأثره، فلا نكرر ما سنقوله هناك).
стр. 155
¬استقرار المذهب:
ظلت آراء الشيخين ومؤلفاتهما المعين الوحيد الذي يستقي منه علماء المذهب وأئمتُه، لا يعرفون غير كتبهما، ولايقولون بغير آرائهما، وانشغلوا بمؤلفاتهما -وبخاصة النووي- اختصاراً، وشرحاً، ونظماً، وتحشية، حتى يوفروا منها الزاد والري الذي يناسب مختلف الواردين: من الشُداة المبتدئين إلى الطامحين إلى الاجتهاد المنتهين.
وعلى طول القرون الثلاثة منذ وفاة الشيخين الرافعي والنووي في القرن السابع إلى القرن العاشر ظل الحال كما وصفنا؛ فقد كانت كتب الشيخين القطبَ الذي تدور حوله جميع التآليف، ومع ذلك لم يخل زمان من محقِّقٍ ينظر في كلام الشيخين، فيرجِّح بينهما إذا اختلفا، بل يخالفهما أحياناً.
وحظي القرن العاشر بعددٍ من هؤلاء المحققين، جمعوا إلى تحقيقاتهم تحقيق من سبقوهم، من هؤلاء: شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، المتوفى سنة ٩٢٦ هـ
والخطيب الشربيني، محمد بن أحمد، شمس الدين، صاحب (مغني المحتاج) المتوفى سنة ٩٧٧ هـ.
والشهاب الرملي -نسبة إلى رملة المنوفية-، أحمد بن حمزة، صاحب (فتح الجواد)، المتوفى سنة ٩٥٧ هـ.
وابنه شمس الدين، محمد بن أحمد بن حمزة، كان يلقب بالشافعي الصغير، صاحب (نهاية المحتاج)، المتوفى ١٠٠٤ هـ.
وابن حجر، الهيتمي، أحمد بن محمد، والهيتمي نسبة إلى محلة أبي الهيتم، وتسمى الآن (الهياتم)، من قُرى دلتا النيل بمصر، صاحب (تحفة المحتاج) ت ٩٧٤ هـ.
هؤلاء المحققون وغيرهم كان لهم من الجهد ما يمكن أن نسميه التحرير الثاني للمذهب فقد أدى اجتهادهم إلى مخالفة الشيخين في شيءٍ من ترجيحاتهما؛ وانتهى الأمر إلى اعتماد (التحفة) لابن حجر، (والنهاية) للشمس الرملي، في حق من لم
стр. 156
¬يكن من أهل الترجيح، فمن كان من أهل الترجيح، والقدرة على النظر في الأدلة ووزنها وتقديرها، له أن ينظر في كلام الرافعي والنووي، فيرجح ويختار، كما اختار الرملي وابن حجر، ولا يجوز له أن يعدو الرافعي والنووي إلى من فوقهما؛ لما استقر عليه المحققون طوال القرون الثلاثة على أنه لا يجوز العدول عن قولهما.
فإذا لم يكن من أهل الترجيح، فكما قلنا: يلزمه اعتماد (تحفة المحتاج) لابن حجر، (ونهاية المحتاج) للشمس الرملي، لا يعدوهما، فإن اتفقا، فلا كلام، وإن اختلفا يختار أيَّهما، على خلافٍ فيمن هو أولى بالتقديم منهما بين علماء الشام وحضرموت، والأكراد، وداغستان (١)، وأكثر اليمن والحجاز الذين يقدمون ما في تحفة ابن حجر، وعلماء مصر الذين يقدمون ما في (النهاية) للرملي (٢).
على هذا استقر المذهب في مطلع القرن الحادي عشر واستمر الحال على هذا نحو ثلاثة قرون أو تزيد، أي إلى أوائل القرن الرابع عشر، في هذه القرون كان عمل علماء المذهب -بالدرجة الأولى- هو التحشية على كتب المحققين من علماء الطور السابق، وعُرف من هؤلاء:
* الشيخ عطية الأجهوري صاحب حاشية على شرح التحرير، وحاشية على شرح المنهج، وثالثة على شرح ابن قاسم. توفي ١١٩٠ هـ.
* والشيخ محمد الكردي المدني، صاحب حاشية كبرى على شرح الحضرمية لابن حجر الهيتمي، وأخرى صغرى وحاشية ثالثة على شرح الغاية للخطيب، وهو صاحب الفوائد المدنية فيمن يُفتى بقوله من أئمة الشافعية، وله فتاوى جمعت في مجلدين.
توفي سنة ١١٩٤ هـ.
* والشيخ البجيرمي، العلامة، الفاضل، المحدث أحمد بن أحمد بن جمعة البجيرمي، توفي سنة ١١٩٧ هـ.
стр. 157
¬* والشيخ سليمان الجمل، سليمان بن عمر بن منصور، العجيلي نسبة إلى منية عجيل إحدى قرى الغربية بمصر، المعروف بالجمل، صاحب الحاشية المشهورة على تفسير الحلالين، وله حاشية على شرح المنهج. توفي ١٢٠٤ هـ.
* والشيخ عبد الحميد الشرواني " الداغستاني "، نزيل مكة، صاحب الحاشية المشهورة على تحفة ابن حجر، فرغ من تأليفها ١٢٨٩ هـ.
* الباجوري، العلامة الشيخ إبراهيم الباجوري، (نسبة إلى بلدة الباجور منوفية مصر)، له الحاشية المشهورة على شرح ابن قاسم الغزي.
* الشبراملسي (نسبة إلى شبراملس) قرية قريبة من قريتنا، فهو بلدُّينا من الغربية بمصر، وهو أبو الضياء، علي بن علي، صاحب حاشية على شرح ابن قاسم للورقات في أصول الفقه لإمام الحرمين، وحاشية مشهورة على نهاية المحتاج للشمس الرملي، توفي سنة ١٠٨٧ هـ.
* القليوبي، شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي (نسبة إلى قليوب) شمال القاهرة، صاحب الحاشية المشهورة على شرح الجلال المحلي للمنهاج، طُبعت مع حاشية أخرى، واشتهرت: بقليوبي وعميرة، و (عميرة) هو شهاب الدين البرلسي المتوفى سنة ٩٥٧ هـ، أما قليوبي، فقد توفي سنة ١٠٦٩ هـ.
* ونختم بالعلامة خاتمة المحققين -بحق- أحمد بك الحسيني، شهاب الدين، أحمد بن أحمد بن يوسف، الحسيني المصري، صاحب كثير من المصنفات التي تشهد له بالمنزلة والمكانة في علمي الأصول والفقه، مع الإحاطة بفقه الواقع، ونور البصر والبصيرة، فمن ذلك:
إعلام الباحث بقُبح أم الخبائث (الخمر)، ودليل المسافر في مسائل قصر الصلاة والمسافات، وأحكام النية، وتحفة الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد، وغيرها من الكتب والرسائل، ولكن عمدة مؤلفاته هو (مرشد الأنام لبر أم الإمام) الذي وقع ربع العبادات منه في أربعة وعشرين مجلداً، وقدم له في مجلدين كبيرين، توفي ﵀ سنة ١٣٣٢ هـ.
стр. 158
¬ الحالة الفقهية المعاصرة
صرفتُ النظر عمداً عن لفظ (النهضة) الذي يستخدمه الباحثون المعاصرون كافة في هذا المقام، حيث يقولون: (النهضة الفقهية المعاصرة)؛ وذلك أن هذا الوصف بـ (النهضة) يأتي معبراً عن ثقافة فاسدة، ومفاهيم مغلوطة، تقوم على أن عالمنا العربي والإسلامي كان في تخلف وانحطاط (كذا، بهذا اللفظ يصفون عالمنا منذ القرن السابع الهجري)، ولم نستيقظ، ولم ننهض إلا بعد أن أخذ بيدنا الغرب.
فقد كانت كتب التعليم -وأظنها ما زالت- تضع عنواناً رئيساً يقول: (عصر الضعف والانحطاط) (١) ويدرّسون تحت هذا العنوان الفترة التي تبدأ من سقوط بغداد سنة ٦٥٦ هـ إلى غزو نابليون للشرق.
ثم تطالعنا هذه المناهج بعنوان آخر يقول: (عصر النهضة) (٢) وتبدأ هذه النهضة بغزو نابليون للشرق (٣)، فقد صوروا لنا هذا الغازي المبير الذي سفك دماء العباد، وخرب البلاد، واتخذ من الأزهر اصطبلاً لخيوله، صوروا لنا هذا الغازي، الصليبي الحاقد بأنه جاءنا بالحضارة والتنوير، وأخذ بيدنا نحو الرقي.
ليس هذا استطراداً، ولا بعيداً عن الفقه -الذي هو موضوعنا- ذلك أن هذه الثقافة قادتنا في طريق التبعية للغرب، فأصبحت حياتنا كلها صورة مشوهة منقولة عن حياة الغربيين: في طراز المسكن، والأثاث، والزي، وألوان الطعام، إلى نظم التعليم ومؤسسات الاقتصاد، ومؤسسة القضاء والقوانين ... إلخ فجدت حياةٌ جديدة، في كل مظاهرها، قُنِّن فيها تعاطي الربا، وصناعة الخمور، وصالات القمار، واللهو
стр. 159
¬الفاضح، ولم يعد هناك ارتباط بين مواعيد العمل ومواقيت الصلاة ...
نشأت لهذا المجتمع مشكلات، وجدت له قضايا، وطُلب من الفقه الإسلامي أن يضع حلولاً لمشكلات لمجتمعٍ غير ملتزمٍ بالإسلام (١).
هذا هو المأزق الذي يعيشه فقهاء العصر، أعانهم الله، وأنا أتحدث عن صفوة كرام بلغوا من الفضل والفقه والورع درجة تؤهلهم للاجتهاد في نوازل هذا العصر، هؤلاء الصفوة وراء النجاحات التي تحققها المجامع الفقهية، ومراكز البحوث، والموسوعات الفقهية. في ضوء هذا المأزق الذي صورناه تُدرس هذه الجهود إنصافا لهؤلاء الأفاضل.
وهناك زعانف كُثر حملوا ألقاباً علميةً، وإن لم تَشَم أنوفُهم رائحة الفقه، راحوا يسخرون من تراثنا الفقهي، ويردّدون ترديد الببغاء: (إنه جهد بشري نشأ لعصرٍ غير عصرنا) ويدعون لاطّراحه وإلقائه وراءنا ظهرياً، والأَخدَ مباشرة من القرآن والسنة، ولو أردت واحداً منهم على أن يقرأ صفحة واحدة من صحيح البخاري ما استطاع أن يقيم لسانه بها إعراباً، ناهيك عن معرفة المعنى اللغوي للمفردات، ولا أقول معرفة العام من الخاص، والمطلق من المقيد، والناسخ من المنسوخ.
هؤلاء لا كلام لنا معهم، ولا شأن لنا بهم، ولكنْ للأسف لهم صوتٌ عالٍ، وكثيراً ما يشغبون على الفقهاء الأصلاء المتبتَّلين للعلم والبحث.
وبعد
نعود فنقول: إننا لم ننس أننا في هذه المقدمات نتكلم عن تطوّر المذهب الشافعي وحاله في هذا العصر. وقد وضح الآن مما أشرنا إليه آنفاً أن الفقه المذهبي -مع أنه ما زال يدرس في كليات الشريعة- لم يعد له مكان في الفتوى، والتشريع، والبحوث، بل صارت كلها دراسات مقارنة، تنظر في كل الفقه الموروث بمذاهبه الأربعة، بل أحياناً الثمانية، وتزن الأدلة وتقدّرها في قضية معينة، وتختار ما تراه
стр. 160
¬أرجح من بينها، مما يجعلنا نسمي هذا بالاجتهاد الجزئي، فمن أحاط ببابٍ من أبواب العلم، وعرف أدلته يمكن أن يجتهد فيه، ويكون مفتياً في مسائله، قال النووي: "قطع بذلك الغزالي، وصاحبه ابن بَرهان، وغيرهما، ومنهم من منعه مطلقاً، وأجازه ابن الصباغ في الفرائض خاصة، والأصح جوازه مطلقاً" (١).
...
стр. 161
¬ المبحث الرابع من مصطلحات المذهب وبخاصة ما جاء في نهاية المطلب
القديم والجديد:
عُرف في تاريخ المذهب الشافعي مصطلح (القديم) و (الجديد)، بل يقولون: (المذهب القديم) و (المذهب الجديد).
وعلى ذلك صار يُنظر في (القول) الذي يُروَى عن الشافعي أقديم هو أم جديد؟
القديم: هو ما أملاه الشافعي وقرره ببغداد من آراء وأقوال فقهية، ورواه عنه تلاميذه العراقيون، وأشهرهم الأربعة الذين عرّفنا بهم من قبل (١) (وانظر الشكل الأول)، وقد أُودعت هذه المجموعة من فقه الشافعي كتابه (الحجة)، ويسمى كتابه (العراقي).
الجديد: هو الفقه الذي قرره الشافعي وأملاه بمصر، ورواه عنه تلاميذه المصريون، واشتهر منهم الستة المعروفون (٢).
هذا القدر من اصطلاح القديم والجديد متفق عليه بين أهل المذهب، ولكنهم اختلفوا فيما قرره الشافعي أو أملاه في المدة التي كانت بين مغادرته بغدادَ ودخوله مصر واستقراره فيها -وهي نحو عامٍ- هل يُعد هذا من القديم أم يُعدّ من الجديد؟ فابن حجر الهيتمي يرى " أن القديم ما قاله قبل دخولها " (٣)، وذلك يشمل ما نقل عنه وهو في طريقه إلى مصر قبل دخولها.
стр. 162
¬في حين أن آخرين يرون أن القديم ما قاله الشافعي بالعراق تصنيفاً، أو أفتى به (١)، وأما ما وجد بين مصر والعراق، فالمتأخر جديد، والمتقدم قديم.
والرأي الأول أقرب إلى الراجح، وقد أيده الرملي في نهاية المحتاج (٢).
مدى الاختلاف بين القديم والجديد:
قد يتبادر إلى الذهن لدى البعض أن الشافعي أضرب عن القديم كَملاً، وأبطله كلَّه، وقد يساعد على ذلك ما روي عن الشافعي: " لا أجعل في حِلٍّ من روى القديم عني "، وما قاله الماوردي من " أن الشافعي غَيَّر جميع كتبه في الجديد إلا الصداق؛ فإنه ضرب على مواضعَ منه، وزاد في مواضعَ " (٣).
وهذا عند التأمل يظهر أنه غير معقولٍ، ولا مقبول، بل الواقع يقول بخلافه، فما يروى من خلافٍ بين القديم والجديد، قدرٌ محصور من فقه الشافعي، بمعنى أن ما حفظه تلامذة الشافعي ببغداد، وروَوْه من فقهه لا يخالف الجديد في كل حرفٍ ورأي.
وعلى هذا فما رواه تلاميذ الشافعي العراقيون مما أملاه وقرره بالعراق يعد مذهباً للشافعي غير مرجوعٍ عنه، ما لم يرد فيما أملاه بمصر ما يخالفه.
وأما النصوص الموهمة غير ذلك، فصرفها عن ظاهرها ميسور، وربما كان التشديد في عدم رواية القديم، وما يُفيد التغاير بين القديم والجديد خاصاً بالأصول؛ فمن المعروف أن الشافعي أعاد كتابة (الرسالة) في مصر، وغيَّرها عما كانت عليه عندما كتبها بالعراق، وأرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي.
أيّاً كان الأمر، فقد وضح ما نحاوله من بيان معنى القديم والجديد.
стр. 163
¬ القولان والوجهان:
القولان للإمام الشافعي صاحب المذهب، والوجهان للأصحاب الذين عرفوا بأنهم من أصحاب الوجوه.
القولان:
"قد يكون القولان قديمين، وقد يكونان قديماً وجديداً، وقد يكونان جديدين، وقد يقولهما في وقتٍ، وقد يقولهما في وقتين، وقد يرجح أحدهما، وقد لا يرجح" (١).
فهذه عدة صور، فما حكم كل صورة.
* إن كان القولان (قديمين) بمعنى أنه قالهما قبل الدخول إلى مصر، فإما أن يقول قولاً مخالفاً لهما في الجديد أو لا.
فإن قال قولاً يخالفهما في الجديد، فالعمل بالجديد.
وإن لم يقل بخلافهما في الجديد، يرجح بينهما بطرق الترجيح التي سنشير إليها، ويعمل بالراجح منهما.
وهذا معنى كلام النووي ﵀، إذ قال: " واعلم أن قولهم: القديم ليس مذهباً للشافعي، أو مرجوعاً عنه، أو لا فتوى عليه، المراد به قديم نصَّ في الجديد على خلافه.
أما قديم لم يخالفه في الجديد، أو لم يتعرض لتلك المسألة في الجديد، فهو مذهب الشافعي واعتقادُه، ويعمل به، ويفتى عليه؛ فإنه قاله ولم يرجع عنه، وهذا النوع وقع منه مسائل كثيرة " (٢).
فإن كانا قديماً وجديداً، فالعمل بالجديد، والقديم مرجوع عنه، وكما قال إمام الحرمين في كتابنا هذا: " المرجوع عنه ليس مذهباً للراجع ".
стр. 164
¬" واستثنى الأصحاب نحو عشرين مسألة أو أكثر، وقالوا يفتى فيها بالقديم، وقد يختلفون في كثير منها " (١).
هذا نص كلام النووي، وقد عدّد نحو عشرين مسألة، مع الخلاف في بعضها، فطالعها إن شئت، ولا داعي للإطالة بذكرها.
ولكن هل تعدّ هذه المسائل من مذهب الشافعي، أم يقال: إن أصحاب الشافعي خالفوه في هذه المسائل، وعملوا فيها بخلاف مذهبه؟
الصواب الذي قاله المحققون، وجزم به المتقنون من الأصحاب: أن العمل في هذه المسائل والفتوى بالقديم فيها ليس من مذهب الشافعي (٢).
وخالف آخرون حكى النووي قولهم بقوله: " وقال بعض الأصحاب: إذا نص المجتهد على خلاف قوله، لا يكون رجوعاً عن الأول، بل يكون له قولان " وعقب قائلاً:
" قال الجمهور: هذا غلط؛ لأنهما كنصين للشارع تعارضا، وتعذر الجمع بينهما، يعمل بالثاني، ويترك الأول، فإذا علمت حال القديم، ووجدنا أصحابنا أفتوا بهذه المسائل على القديم، حملنا ذلك على أنه أداهم اجتهادهم إلى القديم لظهور دليله، وهم مجتهدون، فأفتَوْا به، ولا يلزم من ذلك نسبته إلى الشافعي، ولم يقل أحد من المتقدمين في هذه المسائل: إنها مذهب الشافعي، قال ابن الصلاح: فيكون اختيار أحدهم للقديم فيها من قبيل اختيار مذهب غير الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه؛ فإنه إذا كان ذا اجتهادٍ، اتبع اجتهاده " (٣).
وكل هذا إذا لم يعضد القديمَ حديثٌ صحيح، لا معارض له، فإنه حينئذٍ يكون مذهباً للشافعي؛ عملاً بقوله: " إذا صح الحديث، فهو مذهبي ".
стр. 165
¬بل قد رأينا بعض المتأخرين لا يسلم بأن هذه من القديم، ويقول: إنه تتبعها، فوجد أن المذهب فيها موافق للجديد (١).
* فإن كان القولان جديدين، وقد قالهما في وقتين مختلفين، فالعمل بالمتأخر منهما إن علمه.
* فإن كان القولان جديدين، وقد رجح أحدهما، فالعمل بما رجحه.
* فإن كانا جديدين، ولم يعلم السابق منهما، ولم يرجح أحدهما، وجب البحث عن أرجحهما، فيعمل به، فإن كان أهلاً للتخريج أو الترجيح، استقل به متعرفاً ذلك من نصوص الشافعي، ومأخذه وقواعده.
فإن لم يكن أهلاً، فلينقله عن أصحابنا الموصوفين بهذه الصفة، فإن كتبهم موضحة لذلك، فإن لم يحصل له ترجيح بطريقٍ، توقف حتى يحصل (٢).
* فإن كان القولان جديدين، وقالهما في وقتٍ واحد، ولم يرجح أحدهما، فهو ترديد قولٍ، وتوقفٌ عن الفتوى والحكم، وحصرٌ له في هذين القولين.
وحكم العمل في هذه الحالة حكم الحالة السابقة تماماً، من وجوب البحث والترجيح ممن هو أهله ...
ويقول النووي وأئمة المذهب: إن ذلك لم يوجد إلا في ست عشرة أو سبع عشرة مسألة.
ويقول شيخنا الإمام أبو زهرة: (إن الشافعية يحاولون تقليل عدد هذه المسائل تعصباً للشافعي، ظناً منهم أن ذلك يغض من قدره، ويوحي بقصور اجتهاده، على حين العكس هو الصحيح، قال شيخنا: وإنك لترى الرازي كغيره من متعصبي الشافعية يظنون أن كثرة الآراء للشافعي لا تليق به، فيدفعونها عنه، ويقللون عدد المسائل التي
стр. 166
¬قال فيها أكثرَ من رأي، وترى بجوارهم المتعصبين على الشافعي يرون كثرة الآراء منقصة فيه، ودليلاً على عدم الوصول إلى الحق.
وذلك نقص في العلم، وقد رددنا زعمهم، وبينا أن العلم يوجب التردد في كثير من الأحيان، وأن التردد عن بينةٍ علمٌ، واليقين عن غير بينة جهل.
والحق أن الشافعي كان مخلصاً في طلب ما يعتقد أنه الحق في هذه الشريعة الغراء، والمخلص لا تستحوذ عليه فكرة، ولا يسترقُّه رأي يجمد عليه؛ فإن له مقصداً معيناً، وهو طلب العلم لله. وذلك يجعله يفحص آراءه بميزانٍ ناقدٍ كاشف، ونظرٍ مستبين فاحص، وفوق ذلك كان الشافعي ذا فكرٍ حي متحرك يسير في طلب الغايات العلمية صعداً، لا يسكن إلى غاية حتى يطلب ما وراءها.
ومن كانت هذه حاله لا يجمد على آرائه، بل يسبرها دائماً بالميزان الذي يصل إليه في طوره العلمي الأخير" (١).
وقد ذكر الشيخ أبو زهرة ثماني مسائل من فقه الشافعي له فيها أكثر من قول (٢)، وكأنه يريد بهذا أن يردّ القول بأن هذه المسائل محصورة في ست عشرة مسألة، ولذا عقب عليها قائلاً: " هذه أمثلة مما عثرنا عليه عند قراءتنا للمجموعة الفقهية المنسوبة للشافعي وتلاميذه، وهي كاشفة عما وراءها ومبينة، وإن لم تكن هي كل ما وجدناه من أقوال الشافعي ﵁ " (٣).
ويبدو أن اعتبار ترديد الأقوال منقصة وقصوراً في فقه الشافعي أمر قديم، فقد وجدنا إمام الحرمين يقول في البرهان: "استبعد مستبعدون من الذين قصرت هممهم عن درك الحقائق ترديدَ الشافعي أقوالَه في المسائل؛ وتخيلوا أن ذلك حكم منه بحكمين متناقضين، وجمعٌ بين تحليل وتحريم في قضية واحدة.
وهذا جهلٌ من الظان، وعماية، وقلة دراية؛ فإن التردد الذي ذكره الشافعي نَفْيُ
стр. 167
¬المذهب، واعتراف بالاعتراض والإشكال، وتصريح منه أنه لا مذهب لي في الواقعة بعدُ.
والشافعي بعدما ردد الأقوال، استقر رأيه على قولٍ واحد في جلة المسائل، ولم يبق على التردد إلا في ثماني عشرة صورة، فهو ليس كثير التردد" (١).
ولم يكن إمام الحرمين وحده الذي عُني بهذه القضية، بل وجدنا ذلك أيضاً عند الإمام أبي إسحاق الشيرازي (٢).
وفي كتابنا هذا (١٢/ ٢٢٩) قال إمام الحرمين أيضاً: " وقول عثمان هذا يدل على أن ترديد القول في الشرع ليس بدعاً، وفي مساق قول عمر ما يدل على مثله.
وبالجملة لا ينكر تردد المجتهد في المظنونات إلا أخرق، لا يعرف مسالك الاجتهاد ".
قال ذلك تعقيباً على قول عثمان ﵁ في حكم الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين، إذ قال ﵁: " أحلتهما آية، وحرمتهما آية " أي ردّد رأيه، ولم يقطع، وهو يشير إلى آية: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج: ٣٠]، فعموم الآية يقتضي الإباحة، وأراد بالآية الأخرى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].
وأما قول عمر الذي يُفهم منه التردد أيضاً، فهو قوله حينما سئل عن ذلك: " أما أنا، فلا أحب أن أفعل ذلك " فكرهه في خاصة نفسه، ولم يقطع بتحريمه.
ووضع شمس الدين محمد السلمي الشافعي الشهير بالمناوي رسالة في هذه المسألة وحدها بعنوان: (فرائد الفوائد في اختلاف القولين لمجتهدٍ واحد).
وعنوانها يكفي للدلالة على مضمونها، وهي رسالة كافية شافية، تحقق غرض الشافعية في الدفع عن إمامهم بأسلوب بعيد عن التعصب والإساءة.
وإن كانت القضية أصلاً لا تحتاج إلى اتهام ودفاع، كما قال شيخنا أبو زهرة.
стр. 168
¬ الوجهان:
الوجه أو الوجهان أو الأوجه، هي لأصحاب الشافعي المنتسبين إلى مذهبه، يخرجونها على أصوله، ويستنبطونها من قواعده، ويجتهدون في بعضها، وإن لم يأخذوه من أصله. فتارة يخرّج من نصٍّ معين لإمامه، وتارة لا يجده، فيخرج على أصوله، بأن يجد دليلاً على شرط ما يحتج به إمامه، فيفتي بموجبه، وتارة يجد نصاً لإمامه في مسألة، ونصاً على حكم مخالف في مسألة تشبهها، فيخرّج من أحدهما إلى الآخر قولاً، فيقال: في كلا المسألتين قولان، أحدهما بالتخريج، والآخر بالنص.
وشرط هذا التخريج ألا يوجد بين النصين فرق، فإن وُجد، وجب أن يقرّهما قرارهما: وعلى ظاهرهما، ويكثر الخلاف في هذا اللون من التخريج، لاختلافهم في إِمكان الفرق (١).
ومما ينبغي ذكره هنا قولُ إمام الحرمين: " ولعل الفقيه المستقلّ بمذهب إمامٍ أقدرُ على الإلحاق بأصول المذهب الذي حواه من المجتهد -أي صاحب المذهب- في محاولته الإلحاق بأصول الشريعة؛ فإن الإمام المقلَّد المقدّم بذل كُنه مجهوده في الضبط، وَوَضْع الكتاب وتبويب الأبواب، وتمهيد مسالك القياس، والأسباب.
والمجتهد الذي يبغي ردّ الأمر إلى أصل الشرع، لا يصادف فيه من التمهيد والتقعيد ما يجده ناقل المذهب في أصل المذهب المفرَّع المرتَّب " (٢).
والكلام على الأوجه من ناحيتين:
أولاً- ماذا يعد منها من المذهب، وما لا يعد.
إذا خرّج المجتهد المنتسب إلى المذهب على غير قواعد إمامه، وغير مستنبطٍ من نصوصه، فتخريجاته لا تعد وجوهاً في المذهب، بل تعدّ مذهباً خاصاً له، كبعض
стр. 169
¬تخريجات المزني، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن جرير وغيرهم، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك فيما سلف.
إما إذا خرّج على أصول إمامه وقواعده، أو خرّج من نصٍّ معين لإمامه، أو اكتفى في الحكم بدليل إمامه من غير أن يبحث عن معارض كفعل المجتهد المستقل في النصوص، فهذه الوجوه تعد من المذهب، قال إمام الحرمين في (نهاية المطلب) في باب ما ينقض الوضوء: " إذا انفرد المزني برأي، فهو صاحب مذهب، وإذا خرج للشافعي قولاً، فتخريجه أولى من تخريج غيره، وهو ملتحق بالمذهب، لا محالة ".
وعقب النووي على ذلك قائلاً: " وهذا الذي قاله الإمام حسن، لا شك أنه متعين " (١) وقد ذكر إمام الحرمين هذا المعنى بألفاظ أخرى حيث قال: " إن المفتي يحل في حق المستفتي محل الإمام المجتهد ... ، ثم يقلد المستفتي ذلك الإمامَ المقَّلدَ المنقلبَ إلى رحمة الله تعالى ورضوانه، لا الفقيهَ الناقلَ القيَّاسَ " (٢).
وإذا قلنا: إن هذه الوجوه المخرجة على أصول الشافعي وقواعده، والمأخوذة من نصوصه تلحق بمذهبه، ويقال فيها: هذا مذهب الشافعي، فهل يصح أن تنسب إلى الشافعي قولاً له؟
اختلف الأصحاب في ذلك، والأصح أنه لا يصح نسبته إلى الشافعي قولاً له، اختار ذلك أبو اسحاق الشيرازي، وابن الصلاح، والنووي، قال الشيرازي في (شرح اللمع): "فأما ما يخرجه أصحابنا على قوله، فلا يجوز أن ينسب إليه، ويجعل قولاً له.
ومن أصحابنا من أجاز ذلك، وقال: حكمه حكم المنصوص عليه.
والدليل عليه أن قول الإنسان ما نص عليه، أو دل عليه بما يجري مجرى النص، فأما إذا لم ينص عليه، ولم يدل عليه بما يجري مجرى النص، فلا يحل أن يضاف
стр. 170
¬إليه، ولهذا قال الشافعي: ولا ينسب إلى ساكت قول" (١).
وقد ذكر الشيرازي، ذلك المعنى أيضاً في كتابه (التبصرة في أصول الفقه) (٢) وبه أخذ ابن الصلاح والنووي (٣).
ثانياً - العمل بالوجهين:
الوجهان والأوجه لها صور لا تخرج عنها، ولكل منها حكمها:
* إذا كان أحد الوجهين منصوصاً أي لإمام المذهب، وما عداه للأصحاب، فالعمل بالمنصوص، إلا إذا كان المخرج من مسألة يتعذر فيها الفرق، فقيل: لا يترجح عليه المنصوص، وفيه احتمال، وقل أن يتعذر الفرق.
* إذا كان الوجهان أو الأوجه لواحدٍ من الأصحاب، فإن عرف المتأخر عمل به، وكان ما سبقه مرجوعاً عنه.
وإن لم يعرف المتقدم من المتأخر، وجب الترجيح لمن هو أهله على نحو ما ذكرنا في القولين.
* إذا كان الوجهان أو الأوجه لأكثر من شخص واحد، فلا اعتبار بالتقدم والتأخر، وهنا أيضاً يجب الترجيح ممن هو أهلٌ لذلك.
أما من لم يكن أهلاً للترجيح، فليأخذه عن الأصحاب الموصوفين بذلك، فإن وجد خلافاً بينهم، فليعتمد في الاختيار والتقديم الضوابط الآتية:
- يقدم الأكثر والأعلم والأورع.
- فإن تعارض الأعلم والأورع، قدم الأعلم.
- فإن لم يجد ترجيحاً عن أحد اعتبر صفات الناقلين للقولين والوجهين، فما رواه البويطي والربيع المرادي والمزني عن الشافعي مقدم عند أصحابنا على ما رواه الربيع
стр. 171
¬الجيزي وحرملة (١). (هذا في نقل القولين، وهو مثال لما يجب العمل به في نقل الوجهين).
الطريقة:
تكلمنا قبلاً عن نشأة الطريقتين، وأعلامهما، والجمع بينهما، وبيان أن ذلك مرحلة في تطور المذهب ونموه.
والآن بقي علينا تعريف الطريقة بصفتها مصطلحاً من المصطلحات التي تتردّد في مصنفات المذهب.
" الطرق: هي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب، فيقول بعضهم مثلاً: في المسألة قولان أو وجهان. ويقول الآخر: لا يجوز قولاً واحداً، أو وجهاً واحداً.
أو يقول أحدهما: في المسألة تفصيل، ويقول الآخر: فيها خلاف مطلق.
وقد يستعملون الوجهين في موضع الطريقين وعكسه " (٢).
الأصحاب: هم في الأصل أصحاب الشافعي، ثم توسّعوا في اللفظ فأصبح يشمل كل أعلام المذهب وفقهائه، فلم يقتصر على أصحاب الشافعي الذين جالسوه وأخذوا عنه.
ثم هم يسمَّوْن الأصحاب، ولو تباعد بينهم الزمان والمكان، ولذا يقول النووي في (تهذيبه): " وهذا مجاز مستفيض للموافقة بينهم، وشدة ارتباط بعضهم ببعض كالصاحب " يعني (كالصاحب) من صحابة رسول الله ﷺ .
...
والأصحاب عند ابن حجر الهيتمي " هم المتقدمون من أئمة المذهب، وهم أصحاب الوجوه غالباً، وضبطوا بالزمن، وهم من الأربعمائة (٣) ".
المتأخرون: وهم من بعد الأربعمائة، كما يفهم من كلام ابن حجر السابق.
стр. 172
¬النص: المراد به نص الشافعي، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، سمي بذلك لأنه مرفوع إلى الإمام، أو لأنه مرفوع القدر لتنصيص الإمام عليه (١)
من المصطلحات الخاصة برجال المذهب
الإمام: حيث يقال (الإمام) مطلقاً، فالمراد به إمام الحرمين. (طبعاً بعد إمام الحرمين)
* إذا قيل (الإمام) في كتب التفسير، فالمراد به الفخر الرازي
* وفي كتابنا هذا إذا قيل (الإمام)، فالمراد به شيخه ووالده، أبو محمد الجويني.
الربيع: إذا أطلق (الربيع) بدون تقييد، فالمراد به الربيع المرادي
الشيخان: المراد بهما الرافعي والنووي.
الشيوخ: يراد بهذا المصطلح الرافعي، والنووي، ومعهما (السبكي) تقي الدين.
القاضي: حيث يطلق (القاضي) فالمراد به القاضي حُسين بن محمد بن أحمد المرورّوزي، عند إمام الحرمين وغيره من الخراسانيين، ثم شاع وذاع عند الجميع؛ حيث بدأ الجمع بين الطريقتين منذ القرن الخامس.
والقاضي: عند أبي إسحاق الشيرازي، وشبهه من العراقيين، هو أبو الطيب الطبري، ولكن هذا توقَّف بعد القرن الخامس، وأصبح القاضي هو القاضي حسين.
والقاضي: إذا أطلق في كتب الأصول لغير المعتزلة، فالمراد به القاضي أبو بكر الباقلاني، وأما في كتب الأصول للمعتزلة، فالمراد به القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني.
القفال: إذا أطلق في النهاية وغيرها من كتب الخراسانيين كتعليق القاضي حسين،
стр. 173
¬والإبانة للفوراني، والتتمة للمتولي، والوسيط للغزالي، والبحر للروياني - فهو القفال الصغير المروزي، أبو بكر، عبد الله بن أحمد بن عبد الله، المتوفى ٤١٧ هـ عن تسعين سنة، وهو المذكور في كتب المذهب بعامة بعد الجمع بين الطريقين، وعند المتأخرين؛ فحيثما يقال: القفال مطلقاً، فاعلم أنه القفال المروزي الصغير، وهو رأس طريقة المراوزة، كما قررنا من قبل.
* القفال الكبير: وهناك قفالٌ آخر يشترك معه في الكنية، فكل منهما أبو بكر، ولكنهما يتميزان بالإسم والنسبة، فالكبير الشاشي، والصغير المروزي، والشاشي اسمه محمد بن علي بن إسماعيل، والصغير عبد الله بن أحمد بن عبد الله، والكبير أسبق وفاة، فقد توفي ٣٦٥ هـ.
ويتميزان أيضاً بأن الصغير المروزي أكثر ذكراً في كتب الفقه، والكبير أكثر ذكراً في كتب الحديث والتفسير، وإذا ذكر في كتب الفقه قُيِّد، كما فعل الإمام في النهاية.
وغير لائق أن نترك الكلام عن القفال الكبير الشاشي دون أن نقول إنه واحدٌ من أئمة المسلمين الذين أثر عنهم أنهم خرجوا غزاة في الجيوش الإسلامية، فقد كان فيمن غزا الروم من أهل خُراسان وما وراء النهر في الغزوة التي سميت عامَ النفير.
كما نذكر أنه كان في قلب السياسة، بقصيدته التي أجاب بها هجاء نقفور اللعين، فكان لها وقع الصواعق على الروم وملكهم وقادتهم.
وقد أحسن السبكي حين شغل بهذه القصة نحو عشر صفحات من الجزء الثالث من كتابه الطبقات.
* وهناك قفالٌ ثالث، وهو ابن القفال الكبير الشاشي، واسمه القاسم، فهو القاسم بن محمد بن علي بن إسماعيل، ومع أنه أولى بلقب (الصغير)، لكنه أبداً لم يعرف به، وذاعت شهرة كتابه (التقريب)، وتخرج به فقهاء خراسان، فغلب اسمُ الكتاب اسمَ صاحبه، فيقال دائماً: صاحب التقريب، كما في النهاية، فلم يذكره إمام الحرمين مرة واحدة باسمه، بل دائماً: (صاحب التقريب) على كثرة ما ذكره.
وعندي أن هذا هو الذي أوقع الاختلاف في اسمه، فبعضهم يخطىء، فيقول:
стр. 174
¬" أبو القاسم " والصواب كما قلنا: أنه (القاسم) وكنيته أبو الحسن. توفي ﵀ نحو ٣٩٩ هـ.
المحمدون الأربعة: يراد بهم: محمد بن نصر المروزي
محمد بن إبراهيم بن المنذر
محمد بن جرير الطبري.
محمد بن إسحاق بن خزيمة
* ومما يدخل في باب المصطلحات، قول السبكي (١): ومن مستحسن الكلام: الشيخ والقاضي زينة خراسان: وهما الشيخ أبو علي السنجي، والقاضي حُسين بن محمد بن أحمد المرورّوزي.
والشيخ والقاضي زينة العراق، وهما الشيخ أبو حامد الإسفراييني، والقاضي أبو الطيب الطبري.
* ومن هذا الباب التفرقة بين القاضي أبي حامد، والشيخ أبي حامد:
فالأول هو القاضي، أبو حامد، أحمد بن بشر بن عامر العامري، المرورُّذي، بميم مفتوحة، ثم راء ساكنة، ثم واو مفتوحة، ثم راء مضمومة مشدّدة (وقد تخفف) ثم ذال معجمة مكسورة نسبة إلى مرو الروذ، وقد يقال: المرُّوذي بضم الراء الأولى وتشديدها، وحذف الراء الثانية. صنف الجامع في المذهب، واشتهر به، فيقال: صاحب الجامع، وشرح مختصر المزني. توفي سنة ٣٦٢ هـ
وأما الشيخ أبو حامد، فهو شيخ طريقة العراقيين، الشيخ أبو حامد، أحمد بن محمد بن أحمد، الإسفراييني، ويعرف بابن أبي طاهر. توفي سنة ٤٠٦ هـ
* وكذلك التفرقة بين الأستاذ أبي إسحاق، والشيخ أبي إسحاق.
فالأول هو الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، ويقال له غالباًْ الأستاذ أبو إسحاق، وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، الأستاذ، الإسفراييني، برع في الكلام والأصول، ثم الفقه، ولذا تراه تكرر في البرهان لإمام الحرمين عشرات المرات على
стр. 175
¬حين لم يذكره بهذه الكثرة في النهاية. قيل فيه: إنه بلغ حد الاجتهاد؛ لتبحره في العلوم، واستجماعه شروط الإمامة، توفي سنة ٤١٨ هـ.
أما الشيخ أبو إسحاق، فهو الشيخ أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله، الشيرازي الفيروزابادي، صاحب المهذب والتنبيه، بدأ تفقهه بفارس، ثم انتقل مبكراً إلى البصرة، فبغداد، وتفقه فيها على شيخه القاضي أبي الطيب الطبري، وجماعة من مشايخه، فهو عراقي وذاك خراساني، توفي ببغداد سنة ٤٧٢ هـ.
* وهناك أبو إسحاق ثالث، ولكنه لا يشتبه مع هذين، وهو أبو إسحاق المروزي، وهو إمام جماهير الأصحاب، وإليه منتهى الطريقتين، ولعلو منزلته إذا قيل (أبو إسحاق) مطلقاً عرف أنهم إياه يعنون، توفي سنة ٣٤٥ هـ.
من المصطلحات التي تتردّد في كتابنا هذا (نهاية المطلب) ومنها ما هو خاص به، لم نره في غيره
وهذه المصطلحات بعضها علمية، وبعضها خاص بالرجال والكتب. فمن المصطلحات العلمية:
الاستناد، وقد يقال: الإسناد.
وهو مصطلح أصولي: معناه أن يثبت الحكم في الحال بوجود الشرط في الحال، ثم يستند الحكم في الماضي أي يرجع الملك القهقرى لوجود السبب في الماضي، وذلك كالحكم في المضمونات؛ تملك عند الضمان مستنداً إلى وقت وجود سبب الضمان، كما في الغصب، فإن الغاصب يملك المغصوب عند أداء القيمة مستنداً إلى وقت وجود السبب وهو الغصب، فإذا استولد الغاصب الجارية المغصوبة، فهلكت، ثم أدى الضمان، يثبت النسب من الغاصب؛ لأنها صارت ملكه من وقت الغصب وكما في الزكاة؛ فإن وجوبها عند تمام الحول يستند إلى ملك النصاب أول الحول.
التبين: وهو أن يظهر في الحال أن الحكم كان ثابتاً من قبل في الماضي بوجود علة الحكم والشرط كليهما في الماضي، مثل أن يقول في يوم الجمعة: إن كان زيد في الدار، فأنت طالق، ثم يتبين يوم السبت أنه كان في الدار يوم الجمعة، فوقع الطلاق يوم الجمعة، ويعتبر ابتداء العدة منه، لكن ظهر هذا الحكم يوم السبت.
стр. 176
¬وإتماماً للفائدة نذكر مصطلحين آخرين يتصلان بما سبق ويتم بهما الكلام، وإن لم يكن لهما ذكر في (نهاية المطلب)، فالأحكام تثبت بطرق أربعة هي:
الأول - الاقتصار: وهو أن يثبت الحكم عند وجود علته، لا قبله، ولا بعده، كما في الطلاق المنجز، فإن قال: أنت طالق، فيقع الطلاق عند قوله هذا، لا قبله ولا بعده.
الثاني - الانقلاب: وهو صيرورة ما ليس بعلة علة، كما في تعليق الطلاق بالشرط، بأن قال: إن دخلت الدار، فأنت طالق؛ فعند حدوث الشرط ينقلب ما ليس بعلة علة، يعني أن قوله: أنت طالق في صورة التعليق ليس بعلة قبل وجود الشرط، وهو دخول الدار، وإنما يتصف بالعلّية عند الدخول.
والثالث والرابع، هما الاستناد والتبين، وقد تقدما.
...
الارتكاب: تكرر هذا اللفظ بأكثر من صيغة من صيغ الاشتقاق، في مواضع كثيرة، على طول هذا الكتاب، ومنها على سبيل المثال قوله في خطبة الكتاب: " وما اشتهر فيه خلاف الأصحاب ذكرته، وما ذكر فيه وجهٌ غريب منقاس ذكرت ندوره وانقياسه، وإن انضم إلى ندوره ضعف القياس نبهت عليه ... وإن ذكر أئمة الخلاف وجهاً مرتكباً أنبه عليه ". وحين يعرض للاجتهاد في القبلة، يعقب على أحد الوجوه في صورة من الصور قائلاً: " وهذا إن ارتكبه مرتكب، ففيه بعدٌ ظاهر " وفي باب آخر يعقب على أحد الوجوه قائلاً: "ولم يصر إلى هذا أحد من أئمة المذهب، وإنما هو من ركوب أصحاب الخلاف" وفي كتاب النكاح يعقب على إحدى المسائل قائلاً: " ولما نظر القفال إلى ما ذكرناه، لم يجد فرقاً، وارتكب طرد القياس في المسألتين اللتين ذكرهما صاحب التقريب، وقال أولاً: إنه حكى فيهما نص الشافعي، وقد تتبعت النصوص، فلم أجد ما حكاه من المسألتين منصوصاً ... ".
هذه نماذج لورود هذا اللفظ، وصورٌ من اشتقاقاته، ولقد تبادر إلى الذهن أن هذا (الارتكاب) أحد مصطلحات علم الجدل والمناظرة، فبحثت واستقصيت جهدي في كل مظانه: في الكافية في الجدل لإمام الحرمين، المعونة في الجدل لأبي
стр. 177
¬إسحاق الشيرازي، واصطلاحات المتكلمين والفلاسفة للآمدي، المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية، وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، وتعريفات الجرجاني، وكليات أبي البقاء، ثم غريب ألفاظ الشافعي، ثم معاجم اللغة، ثم معجم الألفاظ التي شرحها ابن خلكان في الوفيات.
ويبدو أن المراد بالارتكاب هنا التعسف وركوب الطريق غير السوي، يظهر ذلك من سياق العبارات التي أمامنا، والذي يرشح هذا التفسير أن هذا (الارتكاب) يكون عادة من أئمة الخلاف، عند نصرة كل صاحب رأي لرأيه فيعتسف أيّ طريق، انتصاراً لرأيه، وفراراً من إلزامات خصمه. والله أعلم.
ومن المصطلحات الخاصة بالكتب والرجال (١):
السواد: يعني به الإمام مختصر المزني، وهذا اصطلاح خاص به، فلم نره لغيره.
صاحب التلخيص: وهو أبو العباس أحمد بن أبي أحمد، القاص، الطبري، توفي سنة ٣٣٥ هـ.
صاحب التقريب: هو الإمام، أبو الحسن، القاسم بن الإمام أبي بكر محمد بن علي القفال الشاسي، توفي نحو سنة ٣٩٩ هـ وقد تقدم آنفاً بأتم من هذا.
الأستاذ أبو منصور البغدادي، وقد يطلقه، فيقول: الأستاذ بغير قيد، وذلك في كتاب الفرائض فقط، ويسميه إمام الصناعة مطلقاً، فلا يشتبه بالأستاذ أبي إسحاق.
وأبو منصور، هو الأستاذ أبو منصور، عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله، البغدادي، التميمي، الإسفراييني، كان يدرّس في سبعة عشر فناً، صاحب (الفرق بين الفرق) ولد ونشأ في بغداد، ورحل إلى خراسان، فاستقر في نيسابور، ثم فارقها، مات في إسفراين سنة ٤٢٩ هـ.
بعض المصنفين: يعني به أبا القاسم الفوراني، صاحب الإبانة، وهو الإمام، أبو القاسم، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران، توفي سنة ٤٦١ هـ.
(وقد بينا حاله مع إمام الحرمين في أكثر من موضع، وأكثر من تعليق)
стр. 178
¬الشكل الرابع: يبين اصطلاح الإمام في الألقاب والكنى التي يطلقها على رجال المذهب الذين لهم ذكر في (نهاية المطلب).
١ - إبراهيم البلدي: إبراهيم بن محمد نسبة إلى بلد. ت قبل ٣٠٠ هـ.
٢ - الأستاذ أبو إسحاق: لا يأتي إلا بهذا اللقب والمقصود أبو إسحاق الإسفراييني. ت ٤١٨ هـ.
٣ - الأستاذ أبو منصور البغدادي. ت ٤٢٩ هـ.
٤ - أبو إسحاق: ويقيده أحياناً فيقول أبو إسحاق المروزي. ت ٣٤٠ هـ. وأحيانا المروزي
٥ - الاصطخري وأحياناً أبو سعيد الإصطخري. ت ٣٢٨ هـ.
٦ - أحمد بن بنت الشافعي: يأتي هكذا دائماً. ت ٢٩٥هـ.
٧ - أبو بكر الإسماعيلي: يأتي هكذا دائماً. ت ٣٧١ هـ.
٨ - أبو بكر الطوسي ت٤٢٠ هـ.
٩ - أبو بكر الفارسي: لايأتي إلا هكذا. ت ٣٠٥ أو ٣٥٠ هـ.
١٠ - أبو بكر المحمودي: وقد يقول: المحمودي. ت بعد ٣٠٠ هـ.
١١ - الأودني أبو بكر ت ٣٨٥.
١٢ - بعض المصنفين: لا يأتي إلا هكذا، والراد أبو القاسم الفوراني. ت ٤٦١ هـ
١٣ - البويطي: يأتي هكذا دائماً. ت ٢٣١ هـ.
١٤ - أبو ثور: يأتي هكذا دئماً. ت ٢٤٠ هـ.
١٥ - أبو جعفر الترمذي- ت ٢٩٥ هـ.
١٦ - أبو حامد المروروذي يأتي هكذا والمقصود القاضي أبوحامد. ت ٣٦٢ هـ.
١٧ - ابن الحداد: يأتي هكذا دائماً. ت ٣٤٥ هـ.
١٨ - حرملة: يأتي هكذا دائماً. ت ٢٤٣ هـ.
١٩ - الحسين الكراييسي: ومرة قال: الكرابيسي. ت ٢٤٥ هـ.
٢٠ - أبو حفص الوكيل: ومرة ابن الوكيل. ت ٣١٠ هـ.
٢١ - الحليمي أبو عبد الله. ت ٤٠٣ هـ.
٢٢ - الخضري: يأتي هكذا دائماً. ت ٣٧٣ هـ.
٢٣ - ابن خيران: يأتي هكذا دائماً. ت ٣٢٠ هـ.
٢٤ - الربيع: يأتي هكذا مطلقاً: فحيث أطلق فهو ابن سليمان المرادي ت ٢٧٠ هـ.
٢٥ - الربيع بن سليمان الجيزي: يأتي هكذا دائماً. ت ٢٥٦ هـ.
٢٦ - الزبيري: وأحياناً أبوعد الله الزبيري وقد يذكره بصاحب الكافي. ت ٣١٧ هـ.
٢٧ - الزعفراني، الحسن بن محمد ت٢٦٠ هـ.
٢٨ - الزيادي، أبو طاهر محمد بن محمد ت ٤١١ هـ.
٢٩ - أبو زيد: وقد يرد أبو زيد المروزي، وأحيا ناً الشيخ أبو زيد المروزي. ت ٣٧١ هـ.
٣٠ - الساجي، زكريا بن يحيى ت ٣٠٧ هـ.
٣١ - ابن سريج: لا يأتي إلا هكذا. ت ٣٠٦ هـ.
٣٢ - الشيخ الإمام سهل الصعلوكي ت ٤٠٤ هـ.
٣٣ - الشيخ أبوحامد الاسفراييني. ت ٤٠٦ هـ.
٣٤ - الشيخ أبو علي: يرد هكذا غالباً، والمراد به: أبو علي السنجي. ت ٤٣٠ هـ.
وقد يرد: الشيخ (مطلقاً) الشيخ في الشرح
الشيخ في شرح التلخيص، الشيخ في شرح الفروع
الشيخ أبو علي في شرح التلخيص، الشيخ أبو علي في شرح الفروع.
٣٥ - شيخي: المراد به: أبو محمد الجويني الأب. ٤٣٨ هـ.
وأحياناً يقول: شيخنا، وأحياناً: الإمام.
ومرة قال: الشيخ الأب.
ومرة قال: الشيخ أبو محمد ومرة قال: الشيخ والدي.
٣٦ - صاحب التقريب: لا يأتي إلا هكذا. قبل: ٤٠٠ هـ.
٣٧ - صاحب التلخيص: يأتي هكذا ومرة قال: أبو العباس. ٣٣٥ هـ.
٣٨ - الصيدلاني: يأتي هكذا غالباً وأحياناً الشيخ أبو بكر. ٤٢٧ هـ
أو أبو بكر الصيدلاني أو شيخنا أبو بكر الصيدلاني. ونادراً أبو بكر.
٣٩ - الصيرفي أبو بكر محمد بن عبد الله ٣٣٠ هـ.
٤٠ - أبو الطيب بن سلمة. ت ٣٠٨ هـ.
٤١ - أبو عبيد بن حربويه ٣١٩ هـ.
٤٢ - أبو علي الطبري: لا يأتي إلا هكذا. ت٣٥٠ هـ.
٤٣ - أبو القاسم الأنماطي: يأتي هكذا غالباً. ت ٢٨٨ هـ.
٤٤ - القاضي أبو الطب الطبري: ومرة القاضي أبو الطيب. ت ٤٥٠ هـ.
٤٥ - القاضي يأتي هكذا مطلقاً، وأحياناً: القاضي حسن. ت ٤٦٢ هـ.
٤٦ - القفال: يأتي هكذا فقط مطلقاً والمراد القفال الصير المروزي. ت ٤١٧ هـ.
٤٧ - القفال الشاشي: لا يأتي إلا هكذا، وهو القفال الكبير. ت ٣٦٥هـ.
٤٨ - ابن اللبان ت ٤٤٦ هـ.
٤٩ - الماسَرْجِسِي، أبو الحسن. ت ٣٨٤ هـ.
٥٠ - المحاملي: يأتي هكذا دائماً. ت ٤١٥ هـ.
٥١ - المزني يأتي هكذا. ت ٢٦٤ هـ.
٥٢ - أبو نصر الفشيري: الإمام عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم. ت ٥١٤ هـ.
٥٣ - ابن أبي هريرة: وأحيا ناً أبوعلي بن أبي هربرة. ت ٣٤٥ هـ.
٥٤ - أبو الولد النيسابوري ت ٣٤٩ هـ.
٥٥ - أبو يحيى البلخي ت ٣٣٠ هـ.
٥٦ - أبو يعقوب الأبيوردي نحو ٤٠٠ هـ.
٥٧ - يونس بن عبد الأعلى: يأتي هكذا. ت ٢٦٤ هـ.
стр. 179
¬بعض التصانيف: ويقصد بها مصنفات الفوراني (بعض المصنفين) وأشهرها (الإبانة).
شيخي: يريد به والده الشيخ أبا محمد الجويني. المتوفى سنة ٤٣٨ هـ.
الشيخ: إذا أطلقه الإمام، فهو الشيخ أبو علي الجويني، وكذلك لو قال: الشيخ أبو علي، أو الشيخ في الشرح، فالمراد بهذه كلها الشيخ أبو علي، الحسين بن شعيب بن محمد السنجي، المتوفى سنة ٤٣٠ هـ ومرة واحدة -فيما أذكر- قال: (الشيخ) وأراد به القفال، وقد بيناها في الحاشية ..
الشيخ أبو بكر: ويقصد به أبا بكر الصيدلاني. ت ٤٢٧
المحاملي: هذا اللقب أو النسبة حمله نحو ستة من أعلام الفقه الشافعي بعضهم أب لبعض، والذي يعنيه الإمام هنا هو أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الضبي، ويعرف بابن المحاملي، صاحب اللباب، والمجموع، والمقنع، وغيرها، وله تعليقة عن الشيخ أبي حامد.
والمحاملي هذا هو الأكثر ذكراً وأثراً في الفقه، توفي سنة ٤١٥ هـ.
المحققون: يستخدم الإمام هذا اللفظ كثيراً، وبالتتبع والملاحظة ظهر أن المحققين عنده هم:
١ - صاحب التقريب. توفي قبل ٤٠٠ هـ.
٢ - القفال الصغير المروزي، عبد الله بن أحمد ت ٤١٧ هـ.
٣ - الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني. ت ٤١٨ هـ.
٤ - الشيخ أبو بكر الصيدلاني. ت ٤٢٧ هـ.
٥ - الشيخ أبو علي السنجي. ت ٤٣٠ هـ.
٦ - الشيخ أبو محمد الجويني. ت ٤٣٨ هـ.
٧ - القاضي حسين. ت ٤٦٢ هـ.
أثبات النقلة: يعني بهم الإمام:
стр. 180
¬١ - الشيخ أبا بكر الصيدلاني
٢ - الشيخ أبا علي السنجي
٣ - الشيخ أبا محمد الجويني
٤ - القاضي حسين
الأئمة المعتبرون في المذهب: وهم أثبات النقلة السابقون، وزاد عليهم: الحليمي وهو الإمام الكبير أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد الحليمي، صاحب (المنهاج) في شعب الإيمان، وهو من كبار أصحاب الوجوه. توفي سنة ٤٠٣ هـ.
القفاليون = المراوزة الآخذون عن القفال = أصحاب القفال (يعبّر عنهم بواحدة من هذه العبارات الثلاث) وهم:
١ - أبو بكر الصيدلاني
٢ - أبو علي السنجي
٣ - أبو محمد الجويني
٤ - القاضي حسين.
أئمتنا: يعبر الإمام -أحياناً- بهذا اللفظ عن شيوخ المراوزة، وذلك عندما يستحضر صفته المروزية؛ فيقول: أئمتنا ويعني بهم أئمة المراوزة.
مَنْ لا أعدل به أحداً من بني الزمان: جاء في كتاب الخلع قول الإمام: " قال من لا أعدل به أحداً من بني الزمان: سألت القاضي -وهو على التحقيق حَبْر المذهب- لم غلّبنا في بعض هذه المسائل حكم المعاوضة؟ وغلبنا في بعضها حكم التعليق؟ وأثبتنا الأحكام على الاشتراك في بعضها؟ ... "
وقد يتبادر إلى الذهن أنه يعني بمن لا يعدل به أحدً من بني الزمان، والده الشيخ أبا محمد، ولكن يعكر على هذا أن والده أسنّ من القاضي، حيث توفي سنة ٤٣٨ هـ.
في حين كانت وفاة القاضي سنة ٤٦٢ هـ.
وقد كدنا نقول إن المقصود هو الإمام أبو نصر عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم القشيري. فالإمام كان يعتز به ويكثر الثناء عليه، ونقل عنه مسائل في الدور والوصية