← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وأما الطائفة الثانية، فإنهم يقومون إلى الركعة الثانية على صورة الانفراد، ثم يعودون -على الجديد- ويقتدون. فإن فرضنا هذه الصلاة في حالة الأمن والاختيار، فنقول: إذا انفردت الطائفة الأولى من غير عذر، ففي صحة صلاتهم قولان مشهوران تقدم ذكرهما، وأما الإمام، فإنه ينتظر، وقد ذكرنا في الانتظار في حالة الاختيار قولين، ثم قلنا: إذا لم نأمر به، فهل تبطل به صلاة الإمام أم لا؟ فعلى قولين، فإذا فرضنا الصلاة في حالة الاختيار، وقلنا تبطل صلاة الإمام، فالطائفة الثانية تلحق وقد بطلت صلاة الإمام، ولا يكاد يخفى تفريع ذلك في العلم والجهل. وإن لم تبطل صلاة الإمام بسبب الانتظار، فالطائفة الثانية إن جرت على ما ذكره مالك -وهو القول القديم- فصلاتهم صحيحة؛ فإنهم جروا على الترتيب الشرعي في صلاة المسبوق، وإن جروا على قياس القول الجديد، فقد انفردوا، ثم عادوا فعلَّقُوا صلاتهم بالقدوة، فيجتمع فيهم أصلان: أحدهما - الانفراد من غير عذر. والثاني - أن المنفرد إذا نوى الاقتداء بعد الانفراد، فهل يصح ذلك منه؟ ففي فساد صلاتهم حالة الاختيار عند طريان ما ذكره قولان مأخوذان من هذين الأصلين، فهذا بيان ما أردناه في هذا. فرع: ١٥٢٠ - إذا أراد الإمام أن يصلي بالطائفتين صلاة المغرب؛ فإنه يصلي بطائفة ركعتين، وبطائفة ركعة، وهذا التفصيل لا بد منه؛ فإن تشطير الثلاث عسر، ثم اختيار الشافعي فيما نقله الأئمة أن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة. وإنما اختار ذلك؛ لأنه لو صلى بالطائفة الثانية ركعتين، لاحتاجوا إلى الجلوس معه في التشهد الأول، ولا يكون محسوباً لهم، وحالة الخوف لا تحتمل هذا. ثم نص الأصحابُ قاطبة على أنه لو صلّى بالطائفة الأولى ركعةَ، وبالثانية ركعتين، جاز. وفي بعض التصانيف (١) عن الإملاء أن الأولى أن يصلي بالطائفة الثانية ركعتين،

стр. 1437

وهذا مزيف لا أعده من المذهب، نعم قد ذكر الصيدلاني "أن علياً ﵁ صلى بأصحابه صلاة المغرب ليلة الهرير، فصلى بالطائفة الأولى ركعة، وبالثانية ركعتين" (١)، ولكن الشافعي لم يَرَ اتباعَه لما ذكرناه. ثم إذا صلى بالطائفة الأولى ركعتين فمتى ينتظر الطائفة الثانية؟ قال الشافعي: إن انتظرهم في التشهد الأول، فجائز، وإن انتظرهم في قيام الركعة الثالثة، فحسن، فجوّز الانتظارَ في التشهد، واستحب إيقاعَ الانتظار في القيام، والسبب فيه أنه لو انتظر، لم يخل إذا جاءت الطائفة الثانية إما أن يبقى جالساً حتى يجلسوا، ولو فعل ذلك، لكان كلّفهم بما لا يحسب لهم، وإن قام عند لحوقهم، لكان خارجاً عن محل انتظاره، والقياس اللائق بحال المنتظر أن يبقى في محل انتظاره، حتى يلحقه من ينتظره، وأيضاً؛ فإنه لو طال انتظاره في التشهد، وهو قريب محصور، لطال سكوته، والقراءة في قيام الركعة الثالثة ليست بِدْعاً (٢)، وقد قال الشافعي في قول

стр. 1438

ظاهرٍ في الجديد: يستحب قراءة السورة في الركعات كلها. وذكر بعض المصنفين عن الإملاء ما يدل على أن الأولى أن ينتظر في التشهد الأول، وهذا لا أصل له، ولم أره في غير هذا الكتاب (١)، ولا أعتد به. الفصل الثالث فيه إذا صلى الإمام بالقوم صلاة إقامة أربع ركعات، وأراد أن يفرقهم أربع فرق ويصلي بكل فريق ركعة، ثم هم ينفردون بثلاث ركعات. ١٥٢١ - وتمام التصوير فيه أن يَقِرَّ ثلاثةُ أرباع الجند في الصف، ويصلي هو بطائفةٍ الركعةَ الأولى، ثم ينفردون بثلاث ركعات ويرجعون إلى أماكنهم، وهو ينتظر الطائفة الثانية في الركعة الثانية، فإذا لحقوه صلاها بهم، فإذا جلس للتشهد الأول، قاموا -على الجديد- ولم يتابعوه في التشهد، أو تابعوه -على القديم- ثم قاموا إلى ثلاث ركعات، فإذا نجزت صلاتُهم، قاموا إلى أماكنهم، ثم الأحسن على النص أن ينتظر الطائفةَ الثالثةَ في الركعة الثالثة، فلو انتظرهم في التشهد، جاز. ثم إذا صلى بهم ركعةً انفردوا بثلاث، ثم ينتظر الطائفةَ الرابعةَ في الركعة الرابعة، فيصليها بهم، ثم يجلس للتشهد، والنص في الجديد أنهم يقومون إلى ثلاث على ترتيب صلاتهم، والإمام ينتظرهم في التشهد حتى يلحقوه، ويتشهدوا، ثم يسلم. فهذا هو التصوير. ١٥٢٢ - وفي جواز ذلك قولان للشافعي: أحدهما - لا يجوز؛ لأن الرخص لا مجال للقياس فيها، ومعتمدها اتباعُ النصوص، وإنما نقل عن رسول الله ﷺ تفريق الجند فرقتين، فلا مزيد على ما نقل. والقول الثاني - أنه يجوز؛ فإن انتظار الطائفة الثالثة في معنى انتظار الطائفة الثانية،

стр. 1439

وقد تمهد [أن] (١) ما لا يجول القياس فيه [يجوز أن يلحق فيه] (٢) بالمنصوص ما في معناه. التفريع على القولين: ١٥٢٣ - إن قلنا: يجوز ذلك، فشرطه أن يظهر مسيس الحاجة إلى ذلك، واقتضاء الرأي له، فأما إذا لم يظهر فيه وجه الرأي، فالزيادة على الحاجة تجري في الترتيب مجرى ما لو جرى ما ذكرناه في حالة الاختيار، وقد بان ترتيب المذهب [فيه] (٣) ثم إذا مست الحاجة، جرى في انتظار الطائفة الثالثة ما ذكرناه، قال الشافعي: إن انتظرهم في التشهد الأول، فجائز، وإن انتظرهم في قيام الركعة الثالثة، فحسن، ويصلي بالطائفة الرابعة الركعة الرابعة. ثم المنصوص عليه في الجديد أنهم يفارقونه وهو ينتظرهم حتى يلحقوه، والقديم أنهم يتشهدون معه كما يفعله المسبوق ويسلم الإمام، ثم إنهم يقومون إلى الركعات الثلاث على قياس المسبوق. وإن قلنا: لا يسوغ المزيد على ما نقل عن رسول الله ﵇، فلو فعل الإمام، فأحسنُ ترتيب في التفريع على هذا القول أن نقول: أما الطائفة الأولى، فصلاتهم صحيحة؛ فإن انفرادهم ببقية الصلاة موافقة لترتيب الصلاة المنقولة عن الطائفة الأولى مع رسول الله ﷺ ، وكذلك الطائفة الثانية. ولا نظر إلى أدنى تفاوت في زيادة الركعات، وأن الانتظار وقع في وسط الصلاة، بخلاف ما جرى لرسول الله ﷺ ؛ فإن هذا القدرَ محتمل، وهو على القطع ملحق بالمنقول عن الرسول ﷺ ، إلحاق الأمةِ بالعبد في قوله: "من أعتق شركاً له من عبدٍ قُوّم عليه" (٤). ثم إذا انتظر الطائفة الثالثة في الركعة الثالثة، فالمنصوص عليه في هذا القول أن

стр. 1440

هذا غير جائز، والإمام من هذا الوقت مجاوز موقع النص. وخرج ابنُ سريج على هذا القول قولاً آخر أن هذا الانتظار محتمَل، وعلل بأن قال: هذا هو الانتظار الثاني؛ فإنه على التصوير الذي قدمناه [ينتظر] (١) الطائفة الثالثة، فيقع انتظارُه ثانياً لا محالة، وأن الطائفة الأولى لا انتظار معها، قال ابن سُريج: وقد نقل عن رسول الله ﷺ انتظاران: أحدهما - أنه انتظر الطائفة الثانية في قيام الركعة الثانية، فكان هذا انتظاره الأول، ثم لما فارقوه انتظرهم في التشهد، فكان ذلك انتظاراً ثانياً، فالانتظار الثاني للطائفة الثانية يقع وفقاً لما نقل عن رسول الله ﵇. ومن نصر النص قال: انتظار رسول الله ﷺ في التشهد كان للطائفة الثانية أيضاً، فهو مخالف لما يجري من انتظار طائفة أخرى. وابن سُرَيْج يقول: إذا توافق الانتظاران وقوعاً، فالتفاوت فيمن الانتظار له ولأجله قريب؛ فإن الممنوع مزيدُ انتظارِ في عينه، لم يصح عن رسول الله ﷺ ، وهذا متجه. التفريع: ١٥٢٤ - إن جرينا على التخريج، فتصح صلاة الطائفة الثالثة أيضاً. وإن جرينا على النص، فالإمام كان ممنوعاً من الانتظار، ولكن انتظاره الممنوع هل يبطل صلاته أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يُبطل صلاتَه؛ [فإنه] (٢) طول ركناً قابلاً للتطويل، وإضمارهُ أن يُلحَقَ غيرُ ضائر. والثاني - يُبطلُ صلاته؛ فإنه في انتظاره صرف جزءاً من صلاته إلى غرض مخلوقٍ؛ فكان ذلك منافياً لما أُمر به المصلِّي من تجريد القصد إلى عبادة الله تعالى. وقد ذكرنا هذا في انتظار الإمام للمسبوقين من غير خوف وحاجة. فإن قلنا: لا تبطل صلاةُ الإمام بانتظاره، فتصح صلاة الطائفة الثالثة أيضاً، وتعود

стр. 1441

فائدة القول إلى نهي الإمام عن هذا الانتظار، وتصح صلاة الطائفة الثالثة؛ فإنهم لم يأتهم فسادٌ من جهة الإمام، ولم يطرأ على صلاتهم إلا الانفراد، وقد تقدم أن انفراد المقتدي بعذر عن الإمام جائز، وإن لم يكن العذر خوفاً في حرب. والذي اتصف به هؤلاء لا ينحط عن عذرٍ في غير حالة الخوف. وإن قلنا: تبطل صلاةُ الإمام بانتظاره في الركعة الثالثة، فأول ما نُفرِّعه أنه إذا قرأ الفاتحة، وأدى المقدارَ الذي لا يظهر أثر الانتظار فيه، ثم أخذ يطوّل قصداً إلى الانتظار، فإذ ذاك أتى بالانتظار المفسد على هذا الوجه، فأما مادام في قراءة الفاتحة والسورة، ولم يجاوز حدّ صلاته لو لم ينتظر، فإذا عزم (١) قبل ظهور التطويل فعلاً على الانتظار، فهذا رجل علق نيته وقصده بما [لو] (٢) نَجَزَه (٣) أفسد صلاتَه. وقد ذكرت [ذلك] (٤) مفصلاً في فصول النية، وأبلغت في البيان والكشف. وعلى الجملة التعويل في ذلك على القصد؛ فإن الرجل لو طول صلاتَه قصداً، ولم يخطر له انتظار، وكان التطويل في ركن [طويل] (٥) لم يضر ذلك. فإذا فسدت صلاةُ الإمام بسبب الانتظار المنوي، فإن علمت الطائفةُ الثالثةُ بطلانَ صلاته واقتدَوْا به، فصلاتهم باطلة، وإن لم يعلموا بطلان صلاته، فاقتداؤهم صحيح، وهو بمثابة الاقتداء بالجنب مع الجهل بجنابته وحدثه، ثم يطرأ على صلاتهم (٦) الانفراد بعد عقد القدوة. ١٥٢٥ - ويعترض في ذلك أمران: أحدهما - أنهم انفردوا عن صلاةٍ باطلة في علم الله، وهذا فيه نظر.

стр. 1442

وكذلك من اقتدى بجنب على جهل، ثم نوى الانفراد عنه، ثم تبين أخيراً حقيقة الحال. وهذا التردد ينبني على أن حكم القدوة هل يثبت إذا كان الأمر هكذا؟ وفيه خلاف ذكرته في الجمعة إذا كان إمامها جنباً، وأدرك المسبوقُ الإمامَ في ركوع ركعة، وكان الإمام محدثاً. ويجوز أن يقال: إذا منعنا المقتدي من الانفراد، فانفراده ببقية صلاته، والإمام جنب غير سائغ من قصد المقتدي، وإضماره مخالفة من يعتقده إماماً. ثم كان شيخي يقول: إذا منعنا الإمام من انتظار الطائفة الثالثة، فلا نقيم لما يجري من العذر وزناً في جواز انفراد، القوم؛ فإن هذا على خلاف وضع الشرع، وفي هذا احتمال؛ فإنهم على الجملة معذورون، فلا يبعد أن يرتب أمره على معذورٍ في غير حالة الخوف، كما مضى ذلك مفصلاً في موضعه. وإن حكمنا بأن صلاة الطائفة الثالثة تصح أيضاً على التخريج، فنرد التفريع في المنع من الانتظار إلى الركعة الرابعة، ثم يتفرع على ذلك ما تقدم على النص في الركعة الثالثة. الفصل الرابع في حكم سجود السهو ١٥٢٦ - فنذكر حكمَ الطائفة الأولى: فكل سهو وقع للإمام في الركعة الأولى؛ فإنه [يَلْحق] (١) الطائفةَ الأولى [و] (٢) ما يصدر منهم في تلك الركعة، فالإمام يحمله عنهم، وما وقع في الركعة الثانية بعد مفارقة الطائفة، فلا يتعدى الحكمُ الساهيَ؛ فإنّ سهوَ الإمام لم يلحقهم، وإن سهَوْا، لم يتحمل الإمام عنهم، ثم حكم الركعة الأولى يمتد ماداموا في السجدة الأخيرة (٣).

стр. 1443

فإذا رفع الإمامُ رأسه ورفع القومُ رؤوسهم، فلو فرض سهوٌ قبل الانتهاء إلى حد الاعتدال، فهل يكون ذلك على حكم القدوة؟ فعلى وجهين ذكرهما الإمام ﵁: أحدهما - أن حكم القدوة باق إلى الاعتدال؛ فإن القوم والإمام مصطحبون. والثاني - حكم القدوة ينقطع برفع الرأس من السجود؛ فإن الركعة تنتهي بمفارقة السجدة الأخيرة (١). ثم كان يقول: إذا قلنا رفْعُ الرأس يقطع القدوة، فلو رفع الإمامُ رأسه، وهم بعدُ في السجود، فقد انقطعت القدوة، فلو فرض سهوٌ في هذه الحالة منه أو منهم، فلا يكون على حكم القدوة؛ فإن القوم وإن كانوا في السجود، فقد فارقهم الإمام، وإذا خرج الإمام عن حكم الإمامة، فقد انقطعت القدوة، والأمر على ما قال. ولم يختلف العلماء في أن الإمام في صلاة الرفاهية إذا سلّم، فسها المأموم قبل أن يسلّم، لم يحمل الإمام ذلك السهوَ؛ فإنه سها ولا إمام له. ١٥٢٧ - ومما يتعلق بهذه المسألة إذا قلنا: لا تنقطع القدوة قبل الاعتدال، فلا يبعدُ على هذا القول أن يقال: إنما ينفرد القوم إذا ركعوا وتركوا الإمام قائماً؛ فإنهم إنما يفارقونه حساً إذ ذاك، وهذا احتمالٌ، والذي نقلته ما تقدم. فهذا تفصيل القول في الطائفة الأولى. ١٥٢٨ - فأما الطائفة الثانية، فلا يخفى تفصيل السهو في الركعة الأولى من صلاة الطائفة الثانية. فأما إذا قام القوم إلى ركعتهم الثانية والإمام في التشهد ينتظرهم، فلو فرض سهوٌ من القوم في الركعة الثانية، أو من الإمام في التشهد، فهل يثبت حكم القدوة في ذلك السهو؟ فيه وجهان: أحدهما - لا يثبت؛ فإنهم ليسوا مقتدين فيها، بل هم منفردون في الحقيقة. والثاني - يثبت لهم حكم القدوة؛ فإنهم ما فارقوا الإمام مفارقة تامة، بل هو ينتظر القوم في التشهد، وهم صائرون إليه، فحكم القدوة شامل.

стр. 1444

وهذان الوجهان يجريان في المزحوم إذا تخلف، وأمرناه بأن يقتفي الإمامَ، فلو سها، أو سها الإمام، فهل يثبت حكم القدوة في ذلك السهو؟ فعلى ما ذكرناه. وذكر بعض المصنفين أن من كان منفرداً في ابتداء صلاته، ثم وجد جماعةً، فاقتدى في أثناء الصلاة بإمامهم، وجوزنا ذلك على أحد القولين، فالسهو الذي جرى في حالة الانفراد هل يرتفع بالقدوة؟ فعلى وجهين (١). وهذا بعيد جداً، والوجه القطع بأن حكم السهو لا يرتفع بالقدوة اللاحقة؛ فإنه لما سها كان منفرداً، لا يخطر له أمر القدوة، وإنما جرت القدوة من بعدُ متجدِّدةً، ولا انعطاف لها على الانفراد المتقدم. ١٥٢٩ - ومما يتعلق عندي بهذا الفصل أنا إذا جعلنا الطائفةَ الثانية في الركعة الثانية في حكم المنفردين في السهو، فإذا عادوا إلى التشهد وكان الإمام ينتظرهم، فهل يحتاجون إلى نية القدوة؟ أم هل يعودون إلى القدوة أم لا؟ يستحيل أن يقال: لا يعودون إلى القدوة؛ إذ لو كانوا كذلك لما (٢) كان في انتظار الإمام إياهم فائدة ومعنى، وإذا كانوا يعودون، وقد انفردوا على الوجه الذي نفرع عليه في حكم السهو، ففي عود حكم القدوة من غير نية القدوة بعد الانفراد بُعد، ولم أر أحداً من أصحابنا اشترط نية القدوة في العود إلى التشهد. فيخرج من مجموع ما ذكرناه أن الأصح أن حكم القدوة لا يرتفع بانفرادهم من حيث الصورة. والله أعلم. فهذا تمام القول في صلاة ذات الرقاع. ١٥٣٠ - وقد اختلفوا في اشتقاق ذات الرقاع، فمنهم من قال: كان القتال في سفح

стр. 1445

جبل فيه جُدَدٌ بيضٌ وحمر كأنها رقاع. ومنهم من قال: كان في أصحاب رسول الله ﷺ حفاةٌ قد لفّوا على أرجلهم الرقاعَ. فرع: ١٥٣١ - إذا كان الإمام والقوم في دار إقامة، فمست الحاجةُ يوم الجمعة إلى إقامة صلاة الجمعة على هيئة صلاة ذات الرقاع: من تفريق القوم فرقتين، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم من أجراها لمكان الخوف مجرى صلاةٍ ثنائية مقصورة، أو غير مقصورة، كصلاة الصبح، والإمام يكون في انتظار الطائفة الثانية في صورة منفرد، إلى أن تلحقه الطائفة المنتظرة، وهذا على صورة الانفضاض، والطائفة الأولى انفردوا بركعة والإمام في الصلاة، وهذا غيرُ سائغ مع زوال المعاذير، ولكن احتملنا ذلك لمكان الخوف. ١٥٣٢ - ومنهم من لم يصحح صلاة الجمعة بسبب الخوف إلا على قياس تصحيحها في حالة الاختيار؛ فإنها صلاة اختُصَّت بشرائطَ في رعاية الجماعة والعدد المخصوص، وكمال الصفات؛ فوجود الخوف وعدمه فيها بمثابة واحدة، وقياس الانفضاض وما فيه قد مضى، فلنجر ذلك القياس بعينه، وإذا أجريناه، فينبغي ألاّ تصحَّ جمعةُ الطائفة الأولى؛ فإنهم وإن صلوا ركعةً في جماعة، فقد انفردوا في الركعة الثانية، ولو فرض انفراد قومٍ بركعة حالة الاختيار قصداً، فلا مساغ لهذا. ١٥٣٣ - وفي كلام أئمة العراق ما يشير إلى ترددٍ في ذلك في (١) حق المختارين إذا صلوا ركعة مع الإمامِ، تخريجاً على الانفضاض، وهذا بعيدٌ جداً، فأما الخلاف في أن الخوف هل يُسوِّغ هذا، فمحتمل، وأما تجويز ذلك في حالة الاختيار وتخريجه على الانفضاض، فلا وجه له؛ فإن قاعدة الانفضاض على التردد في صحة صلاة الإمام ومن بقي معه، إن نقصوا عن العدد المشروط؛ من حيث إنهم ما انتسبوا إلى أمر فيما جرى. أما تسويغ انفراد طائفةٍ بركعة قصداً، تخريجاً على الانفضاض، فبعيدٌ، لا أصل له.

стр. 1446

فصل ١٥٣٤ - ذكر الشافعي صلاةَ شدة الخوف، ثم ذكر بعدها صلاةَ عُسفان، وينبغي أن يكون فرض الصورة حيث يكون العدوّ في وِجاه القبلة، ولم ينته الأمر إلى الالتحام وشدة القتال والخوف، وقد رُوي أن النبي ﵇ صلى بعُسفان (١) في مثل الحال التي وصفناها، وصلى معه جميعُ الأصحاب دفعة واحدة، ووقفوا صفين، فلما سجد رسول الله ﷺ في الركعة الأولى، بقي الصف الأول قائمين ينتظرون ما يكون من العدوّ، وتخلّفوا في السجدتين، وسجدَ وراءهم أهلُ الصف الثاني، فلما رفع رسول الله ﷺ رأسه وانتصب الصف الثاني، سجد الحارسون، ولحقوا رسول الله ﷺ ، ثم لما انتهى ﵇ إلى السجود في الركعة الثانية سجد من في الصف الأول، وحرس من في الصف الثاني، فلما قعد رسول الله ﷺ للتشهد، سجد الحارسون من الصف الثاني، وتناوب الصفان في الحراسة كما رويناه. فهذه صفة صلاته ﵇، وتمام النقل فيه أن خالد بن الوليد كان بعدُ مع الكفار، لم يسلم، وكانوا في قُبالة القبلة، فلما دخل وقت العصر تناجَوْا وقالوا: قد دخل عليهم وقت صلاة هي أعز عليهم من أبدانهم وأرواحهم، فإذا شرعوا فيها، حملنا عليهم حملة رجل، فنزل جبريل ﵇، وأخبر رسول الله ﷺ بما أضمروه، فصلى مع أصحابه كما وصفناه. ثم المنقول تناوب القوم في الحراسة، فلو قام بالحراسة في الركعتين جميعاًً طائفة

стр. 1447

واحدة، وتخلفت فيهما، ثم لحقت، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - المنع؛ فإن المتبع في تغايير وضع الصلاة النصوص، وما يصح النقل فيه، وقد صحت الحراسةُ على التناوب، وفي ذلك معنى معقول؛ فإن [في] (١) الحراسة تخلفاً عن الإمام بأركانٍ، فإذا تناوب فيها القوم، قلّ التخلفُ من كل فريق، وإذا تولاها قوم في الركعتين جميعاًً، كثر تخلفهم، وكانوا خارجين عن اتباع الشارع. ١٥٣٥ - ومن أئمتنا من جوز ذلك من طائفة واحدة وقال: تصوير ذلك في ركعة واحدةٍ تخلف لا يجوز مثله في حالة الاختيار، وفيه زيادة على الأمر الذي يحتمله، ولو ساغت الزيادة، لم ينضبط منتهاها، وإنما جعل رسول الله ﷺ الأمرَ على التناوب؛ لأن الصحابة كانوا لا يحتملون الإخلال برعاية الكمال في الصلاة، وإقامة الجماعة مع رسول الله ﷺ ، فكأن رسول الله ﷺ رعى التَّسوية والنَّصفة فيهم، فإذا رضي قومٌ فينا باحتمال النقيصة، [وإيثار الذب عن الآخرين] (٢) في جميع الصلاة، لم يمتنع. ولم يختلف أئمتنا في أن قوماً في الصف الأول لو حرسوا في الركعة الأولى، ثم لحقوا، ثم حرس في الركعة الثانية آخرون في الصف الأول أيضاً، ولم يحرس في الصف الثاني أحد، فاختص بالتناوب مخصوصون، جاز. وقد لا يصلح لذلك إلا مخصوصون في الجند. فهذا المقدار لا خلاف في احتماله وجوازه. ١٥٣٦ - ولو حرس في الركعة الأولى مَنْ في الصف الثاني، ثم حرس في الثانية من في الصف الأول، وكانت الحراسةُ واقعة على وجه يُفيد ويحصِّل الغرض، فقد كان شيخي يقطع بجواز هذا، وإن كان الأحزم حراسة الصف الأول. قال الشافعي: لو تقدم مَنْ في الصف الثاني إلى الصف الأول في الركعة الثانية، وتأخر مَنْ في الصف الأول، وقلّت أفعالُهم، جاز، وكان حسناً؛ فإنه كلما تقدم الحارسون كان الإمام أَصْون، وكانوا جُنةً لمن وراءهم، فهذا تمام المراد في ذلك.

стр. 1448

[وكنا] (١) فرضنا في صلاة ذات الرقاع إقامةَ الصلاة على تلك الهيئة حالة الاختيار، وأجرينا فيه تفصيل المذهب. ولو فرض فارض صلاةَ عُسفان في الاختيار، ففيها تخلّف عن الإمام بأركان من غير ضرورة، وهذا لا مساغ له مع استدامة [نيّة] (٢) القدوة قولاً واحداً، كما تمهد فيما سبق. ١٥٣٧ - ثم ذكر الشافعي صلاةَ رسول الله ﷺ ببطن النخل (٣): صلى رسول الله ﷺ بطائفة ركعتين وتحلّل، وتحللوا، ثم صلى بطائفةٍ أخرى ركعتين، كانتا له نافلة، ولهم فريضة. ولا اختصاص لجواز ذلك بحالة الخوف أصلاً؛ فإنه لو فرض في حالة الاختيار، جاز؛ إذ منتهاه اقتداء مفترض بمتنفل، وهو جائز عندنا. فصل ١٥٣٨ - تردد نص الشافعي في وجوب رفع السلاح في الصلاة المقامة في حالة الخوف، وهذا يجري في صلاة عُسفان جرياناً ظاهراً، وفي صلاة ذات الرقاع؛ فإن الطائفة المصلّية وإن كانت متنحية، فهي في معرض الخوف من حيث يُفرض جولان الفرسان، وانتهاء الأمر إلى المطاردة في أثناء الصلاة. ثم تردد أئمة المذهب: فقال قائلون: في المسألة قولان: أحدهما - أن ذلك يجب إقامةً للحَزْم، ويشهد له نص القرآن؛ فإنه تعالى قال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ثم أكد الأمر بالتكرير. والثاني - يستحب ويتأكد ولا يجب.

стр. 1449

ومن الأئمة من قطع القول بوجوب حمل السلاح في الصلاة، ومنهم من قطع بالاستحباب ونَفْي الإيجاب. والذي لا بد من التنبه له أنهم لو بعّدوا الأسلحة عن أنفسهم، وظهر بهذا السبب مخالفةُ الحزم، والتعرضُ للهلاك، فيجب منعُ هذا قطعاً؛ فإنه في صورة الاستسلام للكفار. وإن وضع الواضع سيفَه بين يديه، إذا لم يكن في حال مطاردةٍ، ولم يكن مخالفاً للحزم -ومَدُّ اليد إلى السيف الموضوع على الأرض في اليُسر كمدّ اليد إليه، وهو محمول متقلّد- فلست (١) أرى -لذلك- احتمالَ التردد في الجواز؛ بل الوجه القطع به، وإذا كان يُقطع به في غير الصلاة، فلأن يُقطعَ بجوازه في الصلاة أولى، وأحرى. وإن لم يظهر بتنحية السلاح [إمكانُ] (٢) خلل، ولكن لا يؤمن أيضاً إفضاءُ مثل تلك التنحية إلى خلل، [فلعل] (٣) التردّدَ واختلافَ النص في هذا. ولكن الأصحاب ذكروا حملَ السلاح في عينه في الصلاة، وأنا أرى الوضع بين اليدين في حكم رفع السلاح وحملِه. والله أعلم. ثم قال الأئمة: من كان واقفاً وسط الصف، فلا ينبغي أن يحمل ما يتأذى به من يجاوره [كالقوس] (٤) والجَعْبة المتجافية، فإن كان معه شيء من هذا، فليقف حاشية الصف. ١٥٣٩ - ثم لو وضع السلاحَ، ورأينا رفعَه واجباً، لم يؤثِّر ذلك في بطلان الصلاة عندي؛ فإنه أمر يحرم على الجملة في الصلاة، وفي غير الصلاة، فلا اختصاص له بالصلاة، وهو على ما أشرنا إليه قريب الشبه بإقامة الصلاة في الدار المغصوبة. ويحتمل أن يقال: إذا ترك الحزمَ وإنما أُثبت تغييرُ الصلاة حَزْماً على وجه لا ينخرم عليه

стр. 1450

النظر في مكيدة الحرب، وإذا خالف الرجل الحزم، كان كما لو صلى صلاتَه وهو مختار، وتفصيل المختار واضح، وقد ذكرناه قبلُ. فصل ١٥٤٠ - كل ما ذكرناه في غير شدة الخوف، وفي كل حالة يُعتبر (١) ما يليق بها، ويوافقها في التغايير، مع اتباع التصوير كما تقدم. فلو صلى الإمام صلاة عُسفان، حيث لا يوافق الحال، فهو كما لو أقامها في حالة الاختيار. ١٥٤١ - فأما إذا اشتد الخوف والتحم الفريقان، وكان لا يتأتى التفريق، ولا صلاة عسفان، ولابس الجند كلُّهم القتالَ والمطاردة، فمذهب الشافعي أنهم لا يُخرجون الصلاة عن الوقت بسبب الخوف أصلاً، بل يقيمون الصلاة مُشاةً وركبانا مطارِدين، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. والأصل في الباب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] قال ابن عمر في تفسير الآية: "مستقبلي القبلة وغير مستقبليها" (٢). والأصل الذي لا خلاف فيه أن الصلاة تقام راكباً وماشياً، ويسوغ تركُ الاستقبال في ضرورة القتال وفاقاً، وكذلك يجوز الاقتصار على الإيماء في الركوع والسجود، كما ذكرناه في إقامة النافلة على الراحلة، ومن ضرورة إقامة الصلاة راكباً [الإيماء] (٣)، والماشي المقاتل لو تمم السجودَ في المعترك، كان متهدِّفاً لأسلحة الكفار معرِّضاً نفسه للهلاك. ونحن نذكر على الاتصال بذلك أمرين: أحدهما - كثرة الأفعال في الصلاة. والثاني - تلطخ الأسلحة بالدم. فأما القول في الأفعال، فلا شك أن الفعل إذا كثر من غير حاجة إليه، فهو مبطلٌ

стр. 1451

للصلاة، وفي معناه الزَّعقةُ والصيحة، فلا حاجة إليها، والكمِيُّ المقنع السَّكُوت أَهْيبُ في نفوس الأقران. ولو كثرت أفعالُه في قتاله، وكان يوالي بين الضربات في أقران وأشخاص، فالذي كان يقطع به شيخي أن ذلك لا يقدح في الصلاة، وقياسه بيّن، وليس احتمال ذلك لأجل شدة الخوف بأشد من احتمال الاستدبار، والاكتفاء بالإيماء، وكثرة الضربات في الأقران معتادة، ليست نادرة عند التحام الفئتين. ١٥٤٢ - وذكر صاحب التقريب نصوصاً للشافعي دالة على أن كثرة الأفعال تبطل، وتوجب قضاء الصلاة، ونقل من النص توجيهَ ذلك، وذاك أنه قال: إقامةُ الفريضة راكباً وماشياً ومستدبراً من الرّخص الظاهرة، والقدْر الذي أشعر به نصُّ القرآن الركوب والمشي، قال الله تعالى: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] وانضم إلى ذلك تفسير ابن عمر حيث قال: "مستقبلي القبلة وغير مستقبليها"، فالزيادة على هذا مجاوزةٌ للنص في محل لا مجال للقياس فيه. وذكر العراقيون هذا قولاً للشافعي، كما ذكره صاحب التقريب، وذكره الشيخ أبو علي في الشرح. ١٥٤٣ - وسأذكر في ذلك قولاً الآن قاله الأئمة في التفريع على ظاهر المذهب، وهو أن كثرة الأفعال في الأشخاص والأقران المتعددين لا يضر، ولو ردد ذلك الضربَ في قِرن واحد ثلاث مرات، فقد بلغ الفعل في محل واحد حدَّ الكثرة وِلاءً، وهذا مبطل للصلاة؛ فإنَّ ذلك في المحل الواحد نادر، فلا يعد مما يظهر مسيس الحاجة إليه. وأنا أقول: قد ذكر صاحب التقريب في كتاب الطهارة تقاسيم حسنة في الأعذار التي تُسقط قضاء الصلاة، والتي لا تُسقط، والتي يختلف القول فيها، وقد سقتها أحسن سياقة، وغرضي الآن منها أني أجريتُ في التقاسيم قواعدَ هي المرعية، وهي النظر إلى انقسام الأعذار إلى ما يعم، وإلى ما يندر فيدوم، وإلى ما يندر ولا يدوم، ثم العذر العام، والنادر الدائم، يتضمنان إسقاطَ القضاء، والعذر النادر الذي لا يدوم ينقسم القول فيه إلى اختلال لا بدل فيه، وإلى خلل فيه بدل.

стр. 1452

ثم قال صاحب التقريب: صلاة شدة الخوف سببها عذر نادر؛ فإن انتهاء الأمر إلى الحالة المحوجة إلى إقامة الصلاة راكباً متردداً مستدبراً نادرٌ، ثم هذا لا يدوم، بل ينتجز الأمر (١) على القرب، ولكن مع ندور ذلك تعلقت به رخصةٌ ظاهرة، وهي صحة الصلاة من غير قضاء. هذا كلامه. وأنا أقول: لمن كان يعد القتالَ من الأعذار النادرة، فليس كذلك؛ فإن القتال في حق المقاتلة ليس نادراً، وإن كان يعدّ حالةَ التفاف الصفوف والتحام الفريقين نادرةً في القتال، فليس كذلك؛ فإن هذا كثير الوقوع، وهو عقبى كل قتال في الغالب. فالترتيب المرضيّ في ذلك أن يُعتمدَ النص، ثم يتلقى من فحواه ما ينبغي أولاً، فالركوب والمشي منصوصٌ عليه، ومما يفهم من فحوى النص ترك الاستقبال؛ فإن الراكب المقاتل المتردّد على حسب ما يقتضيه القتال، لا يتصور أن يلزم الاستداد (٢) في جهة واحدة، وهذا يعضده قولُ ابن عمر ﵁. والاقتصار على الإيماء مستفاد من النص أيضاً؛ فإن هيئة الركوب تقتضيه، وكثرة الضربات في [مقتولين] (٣) [وأقرانٍ] (٤) في الطراد، أو كثرة الأفعال الدافعة لائقةٌ بالقتال، قريبةُ المأخذ من الإيماء المستفاد من الركوب؛ فإن الاختيار إنما يفرض والصفوف قارّةٌ، وإذا التفَّت، فلا بد من توالي الضرب، أو الاتِّقاء بالحَجَفة (٥) والتُّرس. فهذا ينبغي أن يكون محتملاً، وهو الذي قطع به شيخي. وقد نقل صاحب التقريب، والعراقيون، وأبو علي النصَّ، وهو بعيد؛ فإنه من مُتَضمن القتال في غالب الحال عند شدة الخوف. فأما ترديد الضرب في قِرْن واحد، فقد عُد من النادر. وفيه نظر؛ فإنه قد يعم من

стр. 1453

جهة أن القِرْنَ قد يتقي، فتخطئه الضربة، وتمَسُّ الحاجة إلى أخرى، وقد لا تؤثر الضربات لمكان الدروع وغيرها من الملابس الواقية، فالحكم بأن الغالب أن تُريح (١) الضربة والضربات غير ظاهر، وكلام الصيدلاني مصرّح في فحواه، بأن الحاجة إذا مست إلى ترديد الضربة في مضروب واحد، لم تبطل الصلاة؛ فإنه قال لما ذكر هذه المسألة: المعتبر في ذلك كله الحاجة. ولا وجه عندي إلا هذا. ١٥٤٤ - والقول القريب فيه أنا حكينا قولاً في كتاب الطهارة: أن من صلى كما أمرناه وإن كانت صلاته مُختلّة بسبب عُذر نادر لا يدوم، فلا قضاء عليه، وهذا مذهب المزني، فينبغي أن يُتَّخذ هذا أصلاً، ويُرتّب عليه جريان الضربات في مضروب واحد، وهو أولى بإسقاط القضاء؛ لما أشرت إليه. فأما الأفعال التي لا حاجة إليها، فلا شك أنها إذا كثرت أبطلت. ومما يليق بتحقيق القول في ذلك أن المصلي لو لم يمر به قِرْن، ولكن كان يقتضي ترتيبُ القتال أن يُقصِد وإن لم يُقصَد (٢)، فهذا أراه من الأفعال الضرورية؛ فإن من لا يُقْصِد في القتال يُهْتَضم ويُتعسّى (٣) في التفاف الصفوف، وهذا واضح إن شاء الله. فهذا ترتيب القول في الأفعال إذا كثرت أو قلت. ١٥٤٥ - فأما القول في تلطخ السلاح بالدم أو تضمخ المصلي نفسِه، فالذي ذكره الأئمة أنه إذا تلطخ السيفُ بالدم، فإن نحاه على القرب بأن يلقيه، أو يردّه في قرب من زمان الإلقاء إلى قرابه تحت ركابه، فهذا لا يضر، وإن أمسكه ولم يفارقْه، بطلت صلاته. وهذا عندي فيه نظر؛ فإنَّ تلطخ السلاح بالدم والطعن على الوِلاء في شدة

стр. 1454

الخوف من الأمور العامة في القتال، وقد ثبت أن ما يقتضيه القتال محتمل، فليلحق هذا [به، ولنقلْ: نجاسةُ المستحاضة إذا لم تُبطل الصلاة للبلوى] (١)، فنجاسة السلاح أولى؛ فإنها في حق من يلقَى قتالاً [ضرورية، وتكليفُ المقاتل تنحيةَ السلاح بعيد] (٢)، والوجه أن نقول فيمن صلى في حُشٍّ وموضعٍ نجس، وكان محبوساً فيه: إن القضاء لا يجب، وهو مذهب المزني، والقول الظاهر فيه القضاءُ. وفي تنجيس سلاح المقاتل قولان مبنيان، وهذه الصورة أولى بنفي القضاء، لإلحاق الشرع القتالَ بالأعذار المسقطة لقضاء الصلاة، وتنزيله إياه منزلة عذر المستحاضة. والذي يحقق هذا أن الريح إذا طيرت نجاسةً وأوقعتها على ثوب [المصلي] (٣)، وتمكن المصلي من نفضها -وهي يابسة- على القُرب، ففعل، لم تبطل صلاته أصلاً، ولو تعاطى نجاسةً بيده قصداً ورماها، بطلت صلاته. فلو كان قياس الاختيار مرعياً في حق الغازي، للزم أن يقال: إذا تعاطى ضرباً، ونحَّى سيفَه على القرب، بطلت صلاته؛ لأنه اختار ذلك. فإن قيل: لا بد من ذلك في القتال. قلنا: ولا بد من استصحاب السيف في شدة الخوف، نعم: لست أنكر أن الحاجة إذا لم تَمَس، لزم تنحيةُ السيف بردِّها إلى القراب تحت الركاب، ولو كان متقلداً سيفاً، فردَّه إلى الغِمد، فهو حامل للنجاسة لا محالة. فهذا بيان ما أردناه في ذلك. فصل ١٥٤٦ - نقل المزني عن الشافعي نصين في صورتين فنذكرهما، ثم نذكر تفصيل القول فيهما إن شاء الله، قال الشافعي: "إذا كان يصلي الرجل مطمئناً على الأرض، فطرأ الخوف، ومست الحاجة إلى الركوب، فركب، لم تصح الصلاة، ولزمت

стр. 1455

الإعادة"، وقال: "لو كان يصلي في شدة الخوف راكباً فأمن، ونزل وأدى بقية الصلاة آمناً، صحت هذه الصلاة" (١). فحسب المزني أن سبب الفرق بين المسألتين أن فعل الراكب يكثر، وفعل النازل يقل، ثم أخذ يعترض ويقول: "ربَّ فارس ماهر يقلُّ فعله في ركوبه، وربَّ أخرقَ يكثر فعله في نزوله". ١٥٤٧ - ونحن نبدأ بالمسألة الأولى. وهي أن يطرأ الخوف، فيركب. فالنص ما حكيناه، وقد اختلف طرقُ الأئمة فيه: فقال بعضهم: إن كثر العمل في الركوب، بطلت الصلاة، ونصُّ الشافعي محمول على هذه الصورة، وإن قل العمل، لم تبطل الصلاة. وهذا ليس بشيء؛ فإن كثرةَ العمل بسبب الخوف محتملة على قاعدة المذهب، نعم، إن كثُر العمل من غير حاجة، فتبطل الصلاة. وقال بعض الأصحاب: سبب بطلان الصلاة أنه لما شرع في الصلاة، التزم تمامَ الصلاة على شرائطها، فإذا ركب، فهذا خلاف ما التزمه، فبطلت صلاتُه، ولا فرق بين أن يكثر عمله وبين (٢) أن يقل، فإن الركوب وإن قلّ العملُ فيه مخالف لوضع الصلاة المفروضة [وقد التزمها تامة] (٣)، وهذا ليس بشيء أيضاً؛ فإن من تحرم بالصلاة قائماً، ثم طرأت ضرورة أحوجته إلى القعود والإيماء؛ فإنه يبني على صلاته، فطَرَيَانُ الخوف بهذه المثابة. والله أعلم. والسر في هذا أن الالتزام إنما يؤثر فيما يتعلق بالرخص التي تجرى تخفيفاً مع الاختيار والتمكن، كرخصة القصر، فلا جرم لو نوى الإتمام، لم يقصر. فأما ما يتعلق بالضروريات، فتقدُّم الالتزام عند عقد الصلاة لا يؤثر فيه، كما ضربناه مثلاً من طريان القعود بسبب المرض.

стр. 1456

٥١٤٨ - فالطريقةُ المرضية ما ذكره الصيدلاني، فقال: "إذا طرأ الخوف، ولم يكن من الركوب، بدّ، ركب، وبنى على صلاته، ولا إعادة قطعاً، والنص محمول على ما إذا ركب قبل تحقق الضرورة والحاجة". ولا شك أن المذهب ما ذكره الصيدلاني، ولكن ما ذكر في تأويل النص فيه بُعد. فهذا تفصيل القول فيه إذا طرأ الخوف فركب. ١٥٤٩ - فأما إذا أمن وكان راكباً في صلاته، فنزل، [فالنص] (١) أنّه يبني على صلاته، وهذا منقاس ظاهر، ووجه النظر فيه [أنه] (٢) إن قل فعله في نزوله؛ فإنه يبني ولا إشكال، وإن أكثر الفعلَ من غير حاجة، فلا شك في بطلان الصلاة، وإن لم يُحسن النزول إلا بإكثار الأفعال، ففي بطلان صلاته وجهان في بعض التصانيف: أحدهما - أنها تبطل؛ فان هذه الأفعال الكثيرة جرت في حالة الأمن، فأبطلت. والثاني - لا تبطل؛ لأن هذه الأفعال من آثار ركوبه؛ إذ لولاه، لما احتاج إلى النزول، فهي ملحقة بما جرى في حالة الضرورة، وإن وقعت في حالة [الأمن] (٣). والمسألة محتملة جداً. فرع: ١٥٥٠ - ذكر بعض أئمتنا أن طائفةً لو كانوا جلسوا في مكمن، فدخل وقتُ الصلاة، وكانت الحال تقتضي أن يصلوا قعوداً، ولو قاموا لبَدَوْا للعدو [وفسد] (٤) التدبير؛ فإنهم يصلون قعوداً وتصح صلاتهم؛ فإن ذلك ليس مما يندر الافتقار إليه في مكائد الحرب. وهو دون إيماء الراكب والماشي. ...

стр. 1457

باب من له أن يصلي صلاة الخوف ١٥٥١ - نذكر في هذا الباب مقاصدَ منها: تفصيلُ الخوف الشديد وسببه، فإذا تحركت الصفوف، والتف الحزبان في قتالٍ واجب، أو في قتالٍ مباح، واقتضت الحال ملابسةَ ما هم فيه، فهذا ما ذكرناه. ولو انهزم العدو، وركب المسلمون أقفيتَهم، وعلموا أنهم لو نزلوا وصلّوا متمكنين، فات العدوّ، فلا يصلّون صلاة الخوف؛ إذ لا خوفَ، وإنما هذا فواتُ مطلوبٍ، والرخص لا يُعدى بها مواضعها. ولو انهزم المسلمون فاتبعهم الكفار، نُظر: فإن حل لهم أن ينهزموا، صلوا صلاة الخوف، وذلك إذا زاد الكفار على الضعف، كما سيأتي في السِّير إن شاء الله، وإن حرمت الهزيمة، لم يجز لهم أن يصلوا صلاة الخوف؛ فإنهم متعرّضون في الهزيمة المحرمةِ لسخط الله، والرخص لا تناط بالمعاصي عندنا. ١٥٥٢ - وما نفصله الآن القول في القتال الواجب والمباح. فالواجب كقتال الكفار، والمباح بمثابة الذبّ عن المال. فظاهرُ المذهب أنه إن مست الحاجة في الذب عن المال إلى ملابسة قتال، فتجوز صلاة الخوف بسببه، ونقل الأئمة والصيدلاني قولاً عن الشافعي: "أنه لا تجوز إقامة صلاة الخوف في الذبّ عن المال"، وموضع النص أن الرجل لو تبعه سيل وعلم أنه لو مرّ مسرعاً بماله وصلى مارّاً مومياً، سلم وسلم مالُه. ولو صلّى متمكناً، أمكنه أن يهرب، ويتلف ماله، قال: لا يصلي صلاة الخوف. وهذا غريب، وظاهر النصوص الجديدة يخالف هذا؛ فاستنبط أئمتنا من هذا النص قولاً في أن الذاب عن ماله إذا علم أنه لا يتأتى له دفع قاصدٍ مالَه إلا بقتله أو بما يؤدي إلى القتل، فليس له أن يدفعه، وهذا بعيدٌ جداً، وقد

стр. 1458

قال ﵇: "من قتل دون ماله، فهو شهيد" (١)، فإذا كان يجوز بحكم هذا الخبر أن يعرّض نفسه للهلاك بسبب ماله، فقتلُ الصائل مع الاقتصار على قدر الحاجة في الدفع أولى وأحرى، من جهة أن الصائل قد أبطل حرمة دمه، لما أقدم عليه. ومن منع قتلَ الصائل على المال، فلا شك أنه يمنع مالك المال من أن يعرِّض نفسه للهلاك في الذب عن المال، وإذا قال هذا، فيكون مخالفاً لنص حديث الرسول ﷺ . وقال قائلون من المحققين: لا خلاف على المذهب أن الذب عن المال جائز، وإن أدى إلى قتل الصائل. ولكن الخلاف في إقامة الصلاة إيماء، وذلك لحرمة الصلاة؛ فإن حرمتها باقية، والصائل إن قتل، فهو ساقط الحرمة. وهذا فيه نظر؛ فإنه إن سقط حرمة الصائل، فحرمة مالك المال غيرُ ساقطة، وهو بملاقاة الصائل مغرّر بروحه، فلا يخرج القول الغريب إلا على ما قاله الأولون، من تقدير قولٍ في أنه لا يجوز الدفع إذا كان يؤدي إلى سفك دم. والقول على الجملة بعيد مزيّف. ١٥٥٣ - ومما يتعلق بتفصيل الخوف أن الخوف لا يختص بما يجري في القتال، بل لو ركب الإنسانَ سيل، فخاف الغرق، أو تغشاه حريق، أو سببٌ آخر من أسباب الهلاك، ومسّت الحاجة إلى صلاة الخوف؛ فإنه يصلي، ولا يعيد في هذه المواضع كلها. فإن قيل: من أصلكم أن الرخص لا يعدى بها مواضعها، ولذلك لم تثبتوا رخص السفر (٢) في حق المريض، وإن كانت حاجة المريض أظهر، وصلاة الخوف تثبت في القتال.

стр. 1459

قلنا أولاً: ظاهر القرآن لا تفصيل فيه؛ فإن الرب تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. ثم في هذا تحقيق من الأصول، وهو أنا لا ننكر إجراء القياس في باب الرخص، إذا لم يمنع مانعٌ، والإجماع في منع إجراء رخص السفر في المرض [من أجلّ الموانع] (١)، فلا يمتنع أن نعتقد عدم انحسام القياس الممكن في باب إذا لم يمنع منه أصل. وذكر الأئمة أن المعسر المديون إذا كان لا يصدقه غريمه في إعساره (٢)، ولو أدركه، لحبسه، فله أن يهرب ويصلّي صلاة الخوف، إذا كان يعلم أنه لو صلى أدركه الطالب، وهذا منقاس. وفي بعض التصانيف أن من عليه القصاص يصلي صلاة الخوف هارباً، وله أن يهرب لرجاء العفو عنه. وهذا قد ذكرته في أعذار الجماعات، وهو بعيد عندي على الجملة، ولعله إن جُوّز، ففي ابتداء الأمر حين (٣) يفرض سكون غليل الطالب قليلاً في تلك المدة، وفي مثل ذلك يرجى العفو، ولا شك أن ذلك لا يدوم أبداً في كل حكم ذكرنا فيه عذراً. وإن صح جواز الهرب فيه، فمن ضرورته تصحيح إقامة صلاة الخوف، ولكن الإشكال في جواز الهرب من مستحق الحق، وليس ذلك كالمعسر يهرب؛ فإنّ أداء الدين غير مستحق عليه. فرع: ١٥٥٤ - إذا قرب فوات الوقوف، ولو صلى المُحرم متمكناً، لفاتته الحجّة، ولو تسرع، فاتته الصلاة، فهذا عسر في التصوير، ولكن الفقهاء يقدّرون ما لا يدرك حساً، ويُجرون الكلام على التقديرات، كفرضهم مقدار تكبيرة تدرك من آخرِ النهار، وهذا مستحيل في مطّرد العادة، قال شيخي فيما نقله عن القفال: هذا يَحتمل أوجهاً: أحدها - أن يترك الصلاة؛ فإن قضاءها ممكن، وأمر الحج وخطرُ قضائه ليس بالهيّن.

стр. 1460

والثاني - أنه يقيم الصلاة في وقتها، ويكل أمر الحج إلى ما يتفق؛ فإن الصلاة تِلْوُ الإيمان، ولا سبيل إلى تخلية الوقت عنها، ولا يسقط الخطاب بالصلاة مع بقاء التكليف. وقيل: إنه يصلي صلاة الخوف ماشياً؛ ليكون جامعاً بين التسرّع إلى الحج، وبين إقامة الصلاة. فإن قيل: كيف يتجه هذا والخوف في فوات شيءٍ كالخوف في فوات الكفار إذا انهزموا؟ وقد ذكرنا أنه لا تجوز صلاة الخوف في ركوب أقفيتهم ليدرَكوا؟ قلنا: هذا سؤال مشكل، ولولاه، لقطعنا بصلاة الخوف، ولكن الحج في حكم شيء حاصل في حق المُحْرم، والفوات طارىء عليه، فهو شبيه من هذا الوجه بمالٍ حاصل يخاف هلاكه، لو لم يهرب به. وهذا لطيف حسنٌ؛ من جهة تحقق الحج في حق المُحرم، مع أن الوقوف عُرضة الفوات، ولم يتحقق بعدُ ملابستُه، وهذا منشأ التردد في المسألة. فهذا تفصيل القول في الخوف. فصل ١٥٥٥ - إذا رأى سواداً فظنه عدواً، فهرب، ثم تبين أنه لم يكن عدواً وإنما كان إبلاً تسرح، أو ما أشبهها، فإذا صلى صلاة الخوف، ثم بان له حقيقةُ الحال، ففي المسألة قولان مشهوران: أحدهما -ولعله الأصح- أنه يقضي؛ فإنه ظن أمراً، ولم يكن كما ظن، وصلاة الخوف نيطت بحقيقة الأمر. والقول الثاني - أنها لا تُقضى؛ فإن الخوف قد تحقق، وهو مناط الصلاة في نص القرآن؛ فإنه تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] وهذا الذي فيه الكلام خائف قطعاً. وهذا غير سديد؛ فإنه تعالى أراد الخوفَ في القتال القائم على تحقق، والعلم عند الله تعالى.

стр. 1461

١٥٥٦ - ثم ذكر الأئمة صوراً في القولين منها: أنه لو صلى وكان بالقرب منه حِصن يمكنه التحصن به، فلم يره، أو كان بين العدوّ الذين رآهم وبينه حائل من خندق، أو [ماء لا يُخيض] (١) أو ما أشبه ذلك، وهو لم يره. وكل ذلك يجمعه أنه لو خاف أمراً لو تحقق، لصحت صلاة الخوف معه، ولكن بان أن الأمر على خلاف ما ظنه، ففي صحة الصلاة القولان. ١٥٥٧ - ثم ذكر الأئمة في تفاصيل ذكر الخوف الاستسلامَ وحكمَه، ونحن نذكر منه قدرَ الحاجة الآن، ونبني عليه غرضَ الباب إن شاء الله تعالى. وذكر شيخي وغيرُه قولين أن من قصده مسلم في نفسه، فهل يجوز له أن يستسلم للهلاك، ولا يذب عن نفسه؟ أحد القولين: إنه يجب الذب؛ فإن الروح لا يحل بذلُه، والدفع سائغ، [فليجب] (٢)؛ فإن الصائل لا حرمة له. والقول الثاني - يجوز الاستسلام للهلاك، لأخبارٍ صحيحة، منها ما رواه حذيفةُ بنُ اليمان أن النبي ﵇ قال: "ستكون فتن كقطع الليل، القاعدُ فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي". فقال قائل: لو أدركتُ هذا الزمان فماذا أفعل؟ فقال ﷺ : "ادخل بيتك" فقال: لو دخل شيء من ذلك بيتي، فقال: إذا أفرقك شعاعُ السيف، فألق ثوبك على وجهك، وكن عبدَ الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل"، وفي بعضِ الروايات: "كن خير ابني آدم". يعني هابيل المستسلم المقتول، ولا تكن قابيلَ القاتل (٣).

стр. 1462

ثم اتفق الأئمة على أنه لا يجوز الاستسلام لكافر من غير فرق بين أن يكون حربياً أو ذمياً؛ فإن الاستسلام للكافر ذلٌّ، وتمكين له من الجناية على الإسلام، وكان شيخي يقول: القولان فيه إذا قصده مسلم مكلَّف يبوء بإثمه، كما ذكره الله تعالى في قصة ابني آدم.

стр. 1463

ولو قصده صبي أو مجنون، تعيّن دفعُه، ولم يجز الاستسلام. وهذا فيه نظر؛ فإن المحذور قتل مسلم، وهذا متحقق في الصبي والمجنون، ولعله أظهر من جهة أنهما لا يأثمان، وليسا كالسَّبُع يصول، فإنه يتعين دفعُه قطعاً؛ إذ لا حرمة له أصلاً. والوجه طرد القولين في الصبي والمجنون. ١٥٥٨ - ثم إن تمكن المقصودُ المصول عليه من الهرب، أو التحصّن بحصن، فلا يجوز له الاستسلام للهلكة والحالة هذه. فإذا فرعنا على أن الاستسلام لا يجوز؛ فإن فيه الكفَّ عمن سقطت [حرمتُه] (١) وتعريضَ نفسٍ محترمة للهلاك، فعلى هذا لو تمكن المصول عليه من الهرب، فأبى إلا الوقوفَ، ومصادمةَ الصائل، فهذا فيه احتمال ومنع المصادمة ظاهرٌ؛ فإنه قادر على تنجية نفسه من غير أن يسعى في إهلاك الصائل عليه؛ فليفعل ما ينجيه، ولا يُهلك الصائلَ عليه، ويتطرق إلى جواز المصادمة احتمال؛ من جهة أنه يدفع عن ماله، وإن حلّ له بذلُه، لا (٢) لمقابلة المال بالدم، ولكن لسقوط حرمة الصائل. والظاهر عندي القطع بوجوب الهرب، وتحريم مصادمة المسلم عند إمكان الهرب، فلو فعل هذا، لم يفته شيء، ولو لم يدفع عن ماله، فاته المال، فهذا هو الوجه لا غير. ١٥٥٩ - والذي يتعلق بصلاة الخوف من ذلك أنا سواء أوجبنا عليه الذبَّ عن نفسه، أو جوزنا له الاستسلام؛ فإنه يصلي إذا اختار المصادمة صلاة الخوف؛ فإنه بين أن يجوز له الدفع، وبين أن يجب. والذب عن دم الغير وعن الحُرم، في كل ما ذكرته بمثابة ذب الإنسان عن دم نفسه. ...

стр. 1464

باب ما له لبسه وما ليس له ١٥٦٠ - ذكر في الباب جواز المبارزة، وهذا من كتاب السيَر، وذكر فصلاً فيما يحل لُبسه، وفيما يحرم لُبسه (١). وغرض الفصل أنه يحرم على الرجال لُبس الحرير، وهو حلال للنساء، وفي الخبر أنه ﷺ خرج وعلى إحدى يديه قطعة ذهب، وعلى الأخرى قطعة حرير، وقال: "هما حرامان على ذكور أمتي حل لأناثهم" (٢). فيحرم على الرجال لبس الحرير في حالة الاختيار، والقزُّ من الحرير وإن كان كَمِدَ (٣) اللون باتفاق الأصحاب، فيحرم لُبسه على الرجال. وقال العراقيون في الثياب المنسوجة من الحرير والغزل: إن كان الحرير أكثر، حرُم لُبسه، وإن كان أقل، حلّ؛ فإن استويا في المقدار، فعلى وجهين، وقال شيخي وطوائفُ: النظر في ذلك إلى الظهور؛ فإن لم يظهر من الحرير شيء، لَبسه، كالخز الذي سَداه إبريسم، ولكنه لا يظهر. وإن ظهر الإبريسم، حرمنا اللُّبسَ، وإن كان قدره في الوزن أقل.

стр. 1465

وهذا حسنٌ. ولكن موضع النظر أنه إذا كثر الغزل، فلا بد وأن يظهر مع الإبريسم، وإذا ظهرا جميعاًً، لم تعظم الخيلاء، ولم يُعدّ الملبوس حريراً. ١٥٦١ - فإن قيل: فهلا اتبعتم اسمَ الحرير؟ فإنه الذي حرّمه رسول الله ﷺ ، [والعتابي] (١) وإن ظهر، وكثر منه الإبريسم، لا يُعدّ حريراً؟ قلنا: الغزلُ يستعمل في النفيس منه لإقامة الإبريسم، فهو المقصود، وما معه في حكم الاستصلاح له، فإذا كثر، وظهر، فالتحريم قطعاً لا غير. وإن لم يكن كذلك، ففيه الطريقان: من أئمتنا من راعى المقدار، والصحيح مراعاة الظهور، وإن كان الإبريسم أقل. ١٥٦٢ - ولو اتخذ الرجل جبة حشوها قزٌ أو إبريسم صافي، والظهارة والبطانة قطن أو كتان، فلا خلاف في جواز ذلك؛ فإنّ الحشوَ ليس ثوباً منسوجاً، وليس صاحبه معدوداً لابسَ حرير. ولو لبس مبطّنة، وكانت بطانتها حريراً، وكانت الظهارة البادية خزّاً، أو قطناً، فلُبسه حرام، ولا ينبغي أن يُخرَّج هذا على ما سبق في الأواني من فرض إناءٍ من الذهب قد غشي بالنحاس. وفي هذا سر ينبغي أن ينبه عليه، وهو أن المعنى المعتبر في الأواني الفخر والخيلاء، [وهذا المعنى] (٢) ليس يجرى اعتباره في لبس الحرير، والدليل عليه، أنا

стр. 1466

لما اعتبرنا في الأواني الفخرَ، أجريناه في الجواهر النفيسة، على تفصيلٍ قدمناه، وقد تتحقق النفاسة في غير الإبريسم من الأجناس. وقد ينقدح للناظر أن يقول: ما عدا الإبريسم ترتفع قيمتُه بالصنعة، فهو كالأواني التي قيمتُها في صنعتها. وفيه نظر، ويعضد ما ذكرناه أن الثوب الذي بطانته [حرير] (١) يحرم لبسه على الرجل، وإن كان لا يبدو الحرير للناظرين، فكأن الفخرَ، وإن كان مرعياً في الحرير، فينضم إليه أنه رفاهية وزينة، في خَنَثٍ وإبداء زي، يليق بالنساء دون الرجال، والذي تقتضيه شيمة الشهامة من الرجال اجتنابُه. والمعتمد مع ذلك كله الحديثُ دون المعنى. وإنما الذي نذكره [لضبط] (٢) حدودِ المذهب، وتخريج مسائله. وكان شيخي يروي أنه كان لرسول الله ﷺ فرُّوج (٣) حرير، وكان يفسر ذلك بالثوب المطرف بالحرير، كالفراء وغيرها. ثم كان يقول: هذا على شرط الاقتصار على التطريف. ومجاوزة العادة، وتعدِّي الطرف انتهاءٌ إلى السّرف، فيحرم إذ ذاك. والقول في ذلك يلتفت على تضبيب الأواني بالفضة، غير أنا راعينا الحاجة ثَمَّ في بعض التفاصيل، ولسنا نرعاها هاهنا. ١٥٦٣ - وبالجملة القول في لُبس الحرير أهونُ من القول في الأواني، فليفهم الناظر ذلك، ولهذا لم يحرم على النساء لُبس الحرير وإن حرم عليهن استعمال الأواني الفضية، وبين الاعتياد في التطريف، وبين مجاوزته قليلاً إلى السرف الذي لا يشك فيه مجالٌ للنظر.

стр. 1467

ولست أدري أن الغالب في الباب التحريم، حتى يقال في مظان الإشكال يستديم التحريم إلى ثبوت محلل، أم الغالبُ الإباحة حتى يثبت مُحرِّم، وظاهر قوله ﷺ : "هما حرامان" يوضح أن الغالب التحريم، ثم الثَّبَت الذي نشترطه ليس قاطعاً، بل غلبة الظن كافية؛ فإنا نبيح الدمَ، والبُضع بغلبات الظنون. ١٥٦٤ - ومما نذكره أن شيخي كان يقول: كما يحرم على الرجال افتراش الحرير، فكذلك يحرم على النساء؛ فإن هذا من السرف المجاوز للحد، وكان يشبّه هذا باستعمال الأواني الفضية، وظاهر كلام العراقيين دليل على أنه لا يحرم عليهن افتراش الحرير؛ فإن الفخر في ذلك قريب، وقد أجاز أبو حنيفة -فيما أظن- (١) للرجال افتراشَ الحرير، وهوَّن الأمر في ذلك. ١٥٦٥ - ومما يتعلق بما نحن فيه أن الصبيان هل يجوز أن يُلبسهم القُوَّام الحرير؟ كان شيخي يتردد فيه، ويميل إلى المنع لتغليظٍ فيه عن عمر بن الخطاب ﵁. وفي بعض التصانيف القطعُ بجواز ذلك، وهو منقدحٌ على المعنى الذي نبهنا عليه؛ فإنه يليق بالأطفال، قريب من شيم النساء في الانحلال المناقض للشهامة. ١٥٦٦ - وظاهر كلام الأئمة أن من لبس ثوباً ظهارته وبطانته قطن، وفي وسطه حرير منسوج، لم يحرم. وفيه نظر من طريق الاحتمال والنقل والله أعلم. ١٥٦٧ - ثم مما نذكره في ذلك أن الرجل إذا فاجأه قتالٌ، فلم يجد إلا حريراً، لبسه، وهذا في حكم الضرورة، وفي الحديث ما يدل على أن نهاية الضرورة في ذلك لا تشترط؛ فإن رسول الله ﷺ رخص لحمزة في لُبس الحرير لحكةٍ كانت به (٢)، هكذا رواه الصيدلاني، وهذا ينبه على قُرب الأمر في ذلك.

стр. 1468

ولم يخصص الصيدلاني تجويزَ ذلك بالمسافر. وذهب بعض أصحابنا إلى أن ذلك إنما يجوز في السفر، فإذا انضمت حكة إلى السفر المُلهي عن التفقد (١)، وقد قيل: الحرير لا يَقْمَل (٢)، فلا بأس. فأما المقيم، فلا يفعل ذلك. والمسألة محتملة، وحديث حمزة مطلَقٌ. وسنذكر طرفاً من الكلام في ألوان الملابس في كتاب صلاة العيدين إن شاء الله. فأما تفصيل القول فيما يتحلى به الرجال والنساء، فسيأتي في باب الحلي من باب الزكاة. إن شاء الله تعالى. فصل ١٥٦٨ - مما ذكره في الملابس ما قدمته في باب الطهارة، ولكني أعيد الاستقصاء بطرفيه، فقد نص الشافعي على أنه يحرم لُبس جلد الكلب والخنزير، ويجب اجتنابهما لما خُصَّا به من التغليظ، ولا يجوز أن يُلبسه فرسَه أيضاً، والتصرف [فيه] (٣) بهذه الجهات محرّم. ولو أراد أن يُلبس كلباً جلدَ كلب، فالظاهر الجواز. وفيه نظر. من جهة أن التصرف فيه، واقتناءه، يخالف ما نأمرُ به من اجتناب ملابسته. وكان شيخي يذكر خلافاً في جواز لُبس سائر الجلود النجسة إذا لم تُدبغ، ويجوّز لُبس الثوب النجس، ويفرّق بأن الجلود نجسة في أعيانها؛ فكان الحكم أغلظ فيها، وفي كلام الصيدلاني ما يدل على أن استعمال النجاسة في البدن لا يجوز في الاختيار. وأما استعمالها في غير البدن كالاستصباح بالزيت النجس، ففيه خلاف، وكان يحرّم ملابسة النجاسة من غير حاجة، وعليه وقع بناء منع البيع، وإن كان من

стр. 1469

النجاسات ما ينتفع به؛ فإن ملابسته تخالف ما أمرناه به، ولهذا منعنا بيع الكلب وإن كان منتفعاً به، وحرمنا أكل كل نجس من غير ضرورة، والاستصباح؛ من حيث لا يمس بدن الإنسان، خُرِّج على الخلاف. فأما تزبيل الأرض بالزبل، فلم يمنع منه أحد؛ لأنه في حكم الضرورة، والحاجة الحاقة، ولم يزل الناس عليه، ونقله الأثبات عن أصحاب رسول الله ﷺ (١) ونهاية الضرورة في ذلك ليست مشروطة، فهذا تمام ما أردناه. ...

стр. 1470

كتاب صلاة العيدين ١٥٦٩ - الأصل فيها الكتاب، والسنة، والإجماع. قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قيل: أراد صلاة العيد. ونقلُ صلاة العيد متواترٌ والإجماع من الكافة منعقدٌ. وكان ﵁ يصدّر الكتابَ بالاستحثاث على إحياء ليلتي العيد، ويستدل بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحيا ليلتي العيد، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب" (١). ١٥٧٠ - ثم قال الشافعي: "من وجب عليه حضور الجمعة، وجب عليه حضور العيدين (٢) "، فذكر لفظ الوجوب، واللفظ مؤوّل في صلاة العيد، محمولٌ على التأكد، ثم لما جرى ذكر صلاة العيد مقروناً بصلاة الجمعة، أجرى ذكرهما على اتساق. فالذي صار إليه معظم الأئمة أن صلاة العيد سنة مؤكدة. وذهب الإصطخري في طائفة إلى أنها من فروض الكفايات، وهذا التردد يطرد في كل شعيرة ظاهرة في الإسلام، وصلاة العيدين أظهرها، ثم قدمت الترتيب في أمثالها، في أول باب الأذان، وهذا الذي نحن فيه في التفاصيل، وفي نصب القتال عند فرض الامتناع عن الإقامة كما تقدم.

стр. 1471

١٥٧١ - ثم المنصوص عليه للشافعي هاهنا وفي كتبه الجديدة أنه لا يشترط في صحة صلاة العيد، ما يشترط في صلاة الجمعة، فتصح من المنفرد، والمسافر، ومن النسوة في الدور وراء الخدور، وسبيلها كسبيل سائر النوافل، غيرَ أنا نستحب فيها الجماعة. وللشافعي قول في القديم أنه يشترط في صحة صلاة العيد ما يشترط في الجمعة، من العدد، والجماعة، وكمال صفات الأربعين، ودار الإقامة، كما ذكرناه في الجمعة، غير أن خطبتي الجمعة قبلها، وهذا قياس الشرائط، وخطبتا العيد بعد الصلاة، كما سيأتي. ثم إذا مضت الصلاةُ وفُرض إخلال بالخطبة، فيبعد جداً في التفريع على هذا القول أن يقال: ينعطف البطلان على الصلاة. والذي رأيته للأئمة أن صلاة العيد كصلاة الجمعة في القديم في الشرائط، إلا أن الجمعة لا تقام في الجبّانة (١) البارزة من خِطة البلدة، وصلاة العيد تقام بارزة. وعمل الأئمة الماضين أصدق شاهد في ذلك. ولا يمتنع مع المصير إلى التسوية ضرب من الفرق، كما نبهنا عليه من وقت الخطبتين. وكان رسول الله ﷺ يقيم صلاة العيد بالمدينة في الجبَّانة. وذكر شيخي: أنا إذا فرعنا على القديم، لم نجوز صلاة العيد، إلا حيث نجوز إقامة صلاة الجمعة، وهذا وإن كان قياساً، فهو في حكم المعاندة لما عليه الناس. ١٥٧٢ - ثم ذكر الشافعي الغسل وهو محثوث عليه لصلاة العيد، ولو أتى المرء به قبل طلوع الفجر، فهل يعتد به؟ فيه وجهان مشهوران: أحدهما - لا يعتد به؛ فإنه لم يقع في يوم العيد، فأشبه غُسلَ الجمعة، كما مضى القول فيه. ومن أئمتنا من جوز إقامة الغسل قبل الفجر، واعتلّ بأن أهل السواد (٢) يبتكرون إلى

стр. 1472

المصلى من قراهم؛ ولو لم يغتسلوا قبل الفجر، يعسر عليهم إقامة الغسل، ثم من جوز ذلك فالمحفوظ أن جميع ليلة العيد وقت له، وكان لا يبعد في القياس أن يقرَّب بقريب الأذان لصلاة الصبح. ١٥٧٣ - ثم قال الشافعي: "وأحب إظهارَ التكبيرِ جماعةً، وفرادى ... إلى آخره" (١) يستحب إظهار التكبيرات، ورفعُ الصوت بها، ليلتي العيد، وفي يوميهما إلى المنتهى الذي نصفه إن شاء الله تعالى، وهذه التكبيراتُ مرسلة يستحب إظهارها في المساجد والطرق، قال الصيدلاني: وفي الحضر والسفر. وليعلم الناظر أن التكبيرات التي تذكر في هذا الكتاب أجناس، ولها مواضع: منها التكبيرات المرسلة، وهي التي نحن فيها، ومنها التكبيرات في أدبار الصلوات، في عيد الأضحى، وأيام التشريق، وقد عقد الشافعي فيها باباً، ومنها التكبيرات الزائدة في صلاة العيد، كما سنذكرها، ومنها التكبيرات في الخطبة كما سيأتي. وإنما نحن الآن في التكبيرات المرسلة، التي لا اختصاص لها بأدبار الصلوات، وهي جارية في العيدين جميعاًً، ويدخل وقتُها بغروب الشمس في ليلة العيد، ثم الناس يصبحون مكبرين، حيث كانوا، وفي الطرق، رافعي أصواتهم، هكذا كان يفعل رسول الله ﷺ ، وأصحابه ﵃. ثم إلى متى يمتد هذا الجنس؟ اختلف نص الشافعي فقال [في موضع:] (٢) إلى خروج الإمام، وقال في موضعٍ: إلى أن يتحرم الإمام بالصلاة. ونقل شيخي نصاً ثالثاً: أنها تدوم إلى أن يفرغ الإمام من الصلاة، ثم قال: من أئمتنا من قال: النصوص أقوال، فعلى هذا معنى مَدِّه إلى فراغ الإمام يظهر في حق من لم يدرك المصلَّى بعدُ؛ فإنه يكبر مادام الإمام في الصلاة في طريقه، ولا شك أنه لا يُؤْثر له أن يكبر بحيث يجرّ تكبيره لبساً، بأن يعتقد قوم هم في الصلاة في طرف

стр. 1473

المصلى، أنّ هذا تكبير المترجم، فيركعون قبل أوان الركوع. والطريقة المرضية التي لم يذكر الأئمة غيرَها، أن المسألة ليست على اختلاف قول، والمعتبر تحرم الإمام بالصلاة، وهذا اختيار المزني، وما ذكره الشافعي من خروج الإمام، أراد التحرّم، فعبر عنه بما يقرب منه؛ فإنه ليس بين خروج الإمام وبين تحرمه فصل، بل كما (١) ينتهي يكبّر، فجرى ما ذكره الشافعي على مذهب التقريب والاستعارة. وما ذكره من فراغ الإمام عن الصلاة فيما نقله شيخي -ولم أره لغيره- فهو محمول على التكبيرات الزائدة في الصلاة، فكأنه يقول: التكبيرات الواقعة في هذا اليوم تنقطع بفراغ الإمام، ولكن يرد على هذا التأويل تكبيراتُ الخطبة؛ فإنها تقع بعد الصلاة. ١٥٧٤ - ثم قال صاحب التقريب: التكبيرات المرسلة هل نستحبها على أدبار الصلوات في ليلة عيد الفطر، وفي صبيحتها؟ فعلى وجهين، وكذلك إذا استحببنا التكبيرات في أيام التشريق، في أدبار الصلوات، فهل يستحب إرسال التكبيرات في الطرق، في هذه الأيام؟ فعلى وجهين، والمسألة محتملة، وإيثارها في إثر الصلوات ليلة عيد الفطر أقرب من إرسال التكبيرات في الطرق أيام التشريق، ووجهه إن قلنا به أن الحجيج يكبرون كل يوم عند رمي الجمرات، وذلك لا يجري في أثر صلاةٍ، ونحن نقتدي بهم جهدنا، غير أنا لا نرمي، ونؤثر التكبيرات في الطرق أبداً. فهذا بيان التكبيرات المرسلة في العيدين. ١٥٧٥ - ثم قال الشافعي: "وأحب للإمام أن يصلي بهم، حيث أَرْفَقُ بهم" (٢). هذا أكبر تجمع في السَّنة، وقد يضيق عنهم البنيان، ولهذا كان يخرج رسول الله ﷺ بالناس إلى الجبّان، والذي يعتبر في ذلك أولاً ما هو الأرفق، فإن كان يضيق المسجد عن الجمع برزوا، وقد ثبت أن المسلمين قد كانوا أقاموا صلاة

стр. 1474

العيد في المسجد بمكة (١). وهذا ثابت لا نزاع فيه، فيمكن أن يقال: هو لسعة المسجد وشَرفه، والضابط فيه أن المسجد المحرم مستثنى من كل اعتبار وقياس، وفيه اتساع الخِطة والشرف، وفعلُ الناس (٢). فأما ما عداه من المساجد فإن ضاق عن جمع العيد، فالبروز إلى الجبَّان هو المأمور به، وإن كبر المسجد، أو قل الناس، وإن كان يوماً مطيراً، فلا شك أن الأولى إقامة الصلاة في الجامع، وإن كان السماء مصحية، ولا عذر، والمسجد كان يسع الجمع، فقد ذكر صاحب التقريب في الأَوْلى وجهين: أحدهما - أن الأَوْلى إقامة الصلاة في المسجد؛ فإنه أفضل من الجبان. والثاني - أن البروز أَوْلى؛ فإنَّ أصحاب القرى يشهدون مع دوابّهم، ولا يتأتّى إحضار الدواب إلا في الجبان، والموضع البارز. هذا ما أردناه. ١٥٧٦ - ثم قال: "ويمشي إلى المصلى" (٣)، ينبغي للإمام وغيره أن يمشي إلى المصلى، وفي الحديث: "كان رسول الله ﷺ لا يركب في العيد، والاستسقاء، والجنازة، وعيادة المريض" (٤). ١٥٧٧ - ثم ينبغي أن يبتكر في عيد الأضحى، ويستأخر قليلاً في عيد الفطر، هكذا كان يفعل رسول الله (٥)، والسبب فيه أن التضحية تقع بعد الصلاة، فينبغي أن يعجل الصلاة، حتى يتسرع الناس إلى الأضاحي، وتفرقة اللحوم على المحاويج، وتفريق صدقة الفطر في الأولى تقع قبل البروز، فهذا سبب استئخار هذه الصلاة.

стр. 1475

١٥٧٨ - ثم الصلاتان جميعاًً يقعان بعد طلوع الشمس، وكما طلعت، دخل أول وقت صلاة العيد، ثم ينبغي أن يسبق الناسُ الإمامَ؛ فإنه إذا خرج تقدّم وتحرّم بالصلاة، فالوجه أن ينتظروه؛ فإنه لا ينتظر أحداً، فإذا حضر نادى المنادي: "الصلاة جامعة" وكبر الإمام. ١٥٧٩ - ونحن نصف الآن كيفية صلاة العيد، فأقلها ركعتان، كسائر النوافل، مع نية صلاة العيد، والتكبيرات الزائدة فيها ليست من أركانها، ولا يتعلق بتركها أيضاً سجود السهو، فهذا بيان الأقل. فأما الأكمل، فيتحرم بالصلاة، والذي عليه اتفاق الأئمة، وهو المنصوص عليه في التكبير، أنه يأتي بدعاء الاستفتاح عقيب تكبيرة الإحرام، ثم إذا نجز ابتدأ التكبيرات الزائدة، فيأتي بسبع تكبيرات سوى تكبيرة العقد، وبين كل تكبيرتين مقدار آية، لا طويلة ولا قصيرة، ثم يسبح فيها، ولا يسكت، ويقول "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر" هكذا ذكره الصيدلاني وغيره، فإذا فرغ من التكبيرات السبع، فقد ذكر الأئمة أنه يتعوذ بعد الفراغ من التكبيرات الزائدة؛ فإن التعوّذ حقه أن يتصل بالقراءة، ولا يتخلل بينه وبين القراءة شيء، ثم يستحب رفع اليدين مع كل تكبيرة يريدها، كما يرفع يديه مع تكبيرة العقد. ثم يقرأ بعد التعوذ الفاتحة، ويقرأ سورة "ق" في الركعة الأولى، ثم يكبر ويركع ويتم الركعة، ثم يرفع رأسه ويعتدل إلى الركعة الثانية، ويكبر خمس تكبيرات سوى التكبيرة التي اعتدل بها، على حسب ما ذكرناه في الأولى، ويخلل التسبيح بين التكبيرة التي ارتفع بها وبين التكبيرات التي يفتتحها، ثم كذلك بين كل تكبيرتين، ثم إذا نجزت قرأ الفاتحة، وسورة "اقتربت" ثم يهوي ويتمم الركعة، فهذا بيان كيفية الصلاة. ثم نذكر فروعاً تستوعب الغرض. فرع: ١٥٨٠ - إذا ترك التكبيرات الزائدة حتى قرأ، ثم تذكر، فهل يكبر الآن قبل الركوع؟ فعلى قولين: المنصوص عليه في الجديد أنه لا يكبر، وقال في القديم: يتدارك التكبيرات.
следующие страницы →