فإنه ينطلق عليه اسم الوصية بالتقوى والخير، ولكني ما أرى هذا القدرَ من أبواب المواعظ التي تنبه الغافلين، وتستعطف [القلوب] (١) الأبيَّة العصيَّة، إلى مسالك البرّ والتقوى. وإن كان المتبع مسالكَ الأولين في العُصُر الخالية، فالغرض فصلٌ مجموع يهزّ، ويقع من السامعين موقعاً.
وقد بالغ الشافعي في الاتباع حتى أوجب الجلوس بين الخطبتين، كما سأذكره.
وليس يليق بمذهبه أن يُعدَّ قولُ الخطيب: "الحمدُ لله، والصلاة على محمد، أطيعوا الله" خطبة تامةً، والعلم عند الله.
وقد ذكر الشافعي لفظ الوعظ في الإملاء وفيه إشعار بما ذكرته.
أما الاقتصار على كلمة في الحمد والصلاة مع أداء معناهما، فلا شك في كفايته، فإنما قولي هذا في الوعظ، وهذا الآن يشير إلى ما ذكره بعض المصنفين من أن مقصود الخطبة الوعظُ (٢)، والحمد والصلاة ذريعتان.
١٤٦٥ - فأما قراءة القرآن إذا أوجبناها على المشهور، فالذي ذكره الأئمة: لا بد من قراءة آية تامة. وهذا فيه كلامٌ عندي، ولو قرأ شطراً من آيةٍ طويلة، فلست أُبعد كفايةَ ذلك، ولا أشك أنه لو قال: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] لم يكفِ ذلك، وإن عُدَّ آية، ولعل الأقرب أن يقرأ ما لا يجري على نظمه ذكرٌ من الأذكار، وهو المقدار الذي يحرم قراءته على الجنب، ولست أرى للآية الواحدة في هذا الباب ثَبَتاً في التوقيف.
ومما لا بد من إجزائه أنه لو قرأ الخطيب آيةً فيها وعدٌ أوْ وعيد، أو حكمٌ شرعيّ، أو معنى مستقل في وقعةٍ، فهذا كافٍ، ولو قرأ من أثناء قصّةٍ ما يحرم قراءتُه على الجنب، ولكن كان لا يستقل بإفادة معنى على حياله، فهذا مما أتردد فيه.
١٤٦٦ - وبلائي كله من شيئين: أحدهما - أن بَني الزمان ليس يأخذهم في طلب الغايات، [لا. بل] (٣) في طلب حقيقة البدايات ما يأخذني، فلا يهتدون
стр. 1402
[لما] (١) أبغيه من مداركها، بل أخاف أن يتبرّموا (٢) بها.
ثم الأولون لم يعتنوا بالاحتواء على ضبط الأشياء، والتنبيه على طريق التقريب فيها، ويشتد ذلك جداً في الإحالة على الأمور المرسلة، التي لا يثبت توقيف خاص شرعي فيه، كما نحن الآن مدفعون إليه من لزوم الاتباع وتركِ الاقتصار على أدنى مراتب الأذكار، ثم لم تثبت ألفاظ مضبوطة حسب ثبوتها في التشهد والقنوت وغيرهما، فجرّ ذلك ما أنهيتُ الكلام إليه من التردّدات (٣).
١٤٦٧ - وأما الدعاء، فيكفي فيه الدعاء للمؤمنين كافةً، بجهةٍ من الجهات، وأرى ذلك متعلّقاً بأمور الآخرة، غيرَ مقتصر على أوطار الدنيا، والعلم عند الله.
فهذا بيان أركان الخطبة.
١٤٦٨ - وكان شيخي يقول: لو قرأ الخطيب في كل ركن من الأركان آية مشتملةً على المعنى المطلوب، فأتى بآيٍ من القرآن على هذا الترتيب لا يُجزيه.
والأمر مقطوع به في المذهب. كما قال؛ فإن الذي جاء به لا يسمى خطبة، وقد تقرر أن الخطبة أوجبت ذكراً، وإن لم يعيَّن، فهو من هذه الجهة كالتشهد والقنوت، غير أن الأذكار متعيّنة فيهما، وهو غير متعيّن في الخطبة، وإلا فالكل سواء في أنه شرع ذكراً، ولكنه عُيّن في التشهد، وأُبهم في الخطبة، وفيه فقهٌ حسن؛ فإن الخطباء لو لزموا شيئاًً واحداً، وأنس به الناس، وتكرر على مسامعهم، لأَوْشَك ألاّ تحصل فائدة الوعظ؛ فإن النفوس مجبولة على قلة الاكتراث بالمعادات، فهذا كذلك، وإن كنت لا أشك في أن الخاطب لو لزم كلمات معهودة في ركن الوعظ، أو كان يُعيدُها، فيكفيه ذلك؛ فإنه قد يختلف السامعون، ويتبذلون في كل وقت.
стр. 1403
فإذن قد تحقق أن قراءة القرآن لاتكفي، نعم. لو أوقع التحميدَ آيةً، فليس يمتنع ذلك، ولو أوقع الوعظَ آية، أو آيات مشتملةً على مواعظ، وما جعلَ جميع الخطبة قراءةً، فلست أبعد إجازةَ ذلك، وقد نص عليه شيخي، ولكن ينبغي ألا تحتسبَ القراءة وعظاً، ويُعتدّ بها عن جهة القراءة أيضاً؛ فإن ذلك لا يليق بمذهبنا.
١٤٦٩ - ثم سنَحَ في هذا إشكال في التفريع، وهو أنه لو أتى بدل الوعظ بالقراءة، ثم قرأ القرآن عن جهة استحقاق القراءة، ولم أُبعد أن يكفي في الحمد آيةٌ فيها حمدٌ أيضاً، فينعطف الأمر آخراً إلى تجويز ردّ الخطبة كلّها قراءة، وهذا ممتنع.
ويخرج منه نتيجةٌ، وهي اشتراط إيقاع الوعظ ذكراً؛ حتى [لا] (١) يؤدي إلى هذا آخراً؛ فإنه قد لاح أن الغرض الأظهر من الخطبة الوعظ.
فهذا منتهى القول في أركان الخطبة.
١٤٧٠ - ثم القيامُ في الخطبتين حتم عند الشافعي في حق القادر على القيام، وكذلك القعود بين الخطبتين، ولا بد من رعاية الطمأنينة في القعدة بين الخطبتين، كما يشترط ذلك في القعود بين السجدتين.
فإن قيل [لِمَ] (٢) لَمْ تعدّوا القيامَ والقعودَ من الأركان، وعددتموها في الصلاة؟
قلنا: لا حجر في ذلك، فمن [عدّ] (٣) ذلك في الخطبة، فقد أصاب، ومن لم يعدهما في الصلاة، وزعم أن القيام والقعود محلاّن، والمقصودُ ما يقع فيهما، فلا بأس عليه. ومن حاول فصلاً، لم يبعد؛ فإن الغرض من الخطبة الوعظ، وهذا أمرٌ معقول، ولا يصح في الصلاة أمرٌ معقول، والأمر في ذلك كله قريب [مع اعتقاد] (٤) وجوب القيام والقعود في الموضعين.
فهذا أركان الخطبة.
стр. 1404
١٤٧١ - فأما الشرائط، فلا يختلف العلماء في أن الوقت شرطٌ فيهما، فليقع أول ما يعتد به منها (١) [بعد] (٢) الزوال.
ثم شرطُ الاعتداد بالصلاة تقدّم الخطبتين، ولما اختصتا بالوجوب من بين سائر الخطب، اشتُرط تقديمهما، حتى يحتبس الناس لانتظار الصلاة ويسمعوا.
ولما لم تجب الخطبة في العيد وغيره، لم يضر التأخير، وإن فرض انتشار الناس فيها.
١٤٧٢ - وفي اشتراط الطهارة عن الحدث والخبث وجهان مشهوران: أحدهما - لا يشترط؛ فإن الغرض منهما الذكر والوعظ، ولا منافاة بين ذلك وبين الحدث.
والثاني - أن الطهارة مشروطة، وقد علل هذا الوجهَ بعضُ الأصحاب بأن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين؛ فيشترط فيهما الطهارة، وهذا لا أرضاه توجيهاً، مع القطع بأن الاستقبال ليس مشروطاً فيهما. والوجه أن نقول: هذا مبني على اشتراط الموالاة [كما] (٣) تقدم؛ فإنه إذا لم يكن متطهراً، فقد يتفرق النظام إذا توضأ قبل الصلاة (٤).
١٤٧٣ - وأجرى الأصحابُ اشتراط الستر في الاعتداد بالخطبة على الخلاف المذكور في الطهر، وسبب اشتراطه بروز الخطيب، وما فيه من هُتكةٍ (٥) من الانكشاف لو لم يتستر.
١٤٧٤ - وأما الاستقبال، فلا أشك أنه ليس شرطاً، بل الأدب أن يستدبر كما سنذكره، ثم لم يشترط أحد الاستدبار أيضاً، فلو استقبل وأسمَعَ أجزأ، وإن خالف الأدب.
١٤٧٥ - ومما يتعلق بما نحن فيه: أنا إذا شرطنا الطهارة في الاعتداد بالخطبة، فلو
стр. 1405
كان الخطيب يخطب، فسبقه الحدث في أثناء الخطبة، فلو أتى بركنٍ في حالة الحدث، فلا أشك أنه لا يعتد بما جاء به في الحدث، ولكنه إذا جدد الوضوءَ، فيستأنف الخطبة، أو يبني عليها، ويأخذ من حيث جرى الحدث؟
وذكر شيخي في ذلك وجهين مبنيين على أن الموالاة هل تشترط في الخطبة؟ وهذا منه دليل على أنه ليس يتلقى اشتراطَ الطهارة من نفس الموالاة؛ فإنه كان يقول: إن شرطنا الموالاة، وقد اتفق الوضوء على قربٍ من الزمان لا تنقطع بتخلل مثله الموالاة، فهل يجب استئناف (١) الخطبة؟ فعلى وجهين، أحدهما - يجب كالصلاة يطرأ عليها الحدث.
والثاني - لا يجب؛ فإن الخطبة لا عقد فيها، وإنما المرعي فيها الموالاة، لغرض تواصل الكلام، وإفادة الوعظ، وإذا لم يتخلل زمان طويل، جاز البناء، وإن جرى الوضوء في زمان طويل، فلا شك أنا نأمره بالاستئناف على قول اشتراط الموالاة.
وحفزني على هذا شيء، وهو أن الموالاة إذا اختلت في الطهارة بعذر، فالطريقة المرضية أن ذلك لا يقدح في الطهارة، وإن شرطنا الموالاة فيها، ولكن الذي أراه أن الموالاة إذا انقطعت بعذرٍ في الخطبة، فلا أثر للعذر، وفي انقطاع الخطبة ووجوب الاستئناف الخلاف؛ والسبب في ذلك أن الطهارة غيرُ معقولة المعنى، ولا يختل بترك الموالاة فيها غرض، ولكن من حيث إن الطهارة عُهدت متوالية، كما عهدت مرتبة، اشترطنا في قولٍ الموالاة فيها، فإذا فرض عذرٌ، لم يمتنع أن يعذر صاحب الواقعة، على أنه قد ورد على حسب ذلك أثرٌ عن ابن عمر (٢). وأما اشتراط الموالاة في الأذان والخطبة؛ فإنه متعلق بمعنى معقول، فإذا اختل ذلك المعنى المعتبر، لم يظهر فرق بين المعذور وغيره.
стр. 1406
فهذا بيان شرائط الخطبة.
ومن أخص شرائطها رفعُ الصوت، وسنذكر تفصيلَ القول فيه في الفصل المشتمل على ذكر الإنصات والاستماع.
١٤٧٦ - والآن بعد ما نجز القول في الأركان، والشرائط، نذكر قولاً في آداب الخطبة وسننها جامعاً، ونعود إلى افتتاح الخطبة، فنقول:
إذا رَقِيَ الإمام على المنبر، وانتهى إلى الدرجة التي عليها مجلسه، فيُقبل على الناس ويسلّم عليهم، فأما عندنا، فالأصل في ذلك ما روى ابنُ عمر: "أن النبي ﷺ كان إذا دنا من منبره، سلم على من عند المنبر، ثم يصعد، فإذا استقبل الناس بوجهه، سلم، ثم جلس، ثم إذا جلس أذّن المؤذّنون بين يديه الأذان المشروع" (١) وما كان على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر وعمر أذان يوم الجمعة قبل هذا، فلما كثر الناس في زمان عثمان، وعظمت البلدةُ، أمر المؤذّنين، حتى [أذنوا] (٢) على أماكنهم، ثم كان يؤذّن المؤذّنون بين يديه إذا استوى على المنبر، ثم الخطيب يجلس والمؤذّن يؤذن، وإذا فرغ، قام وخطب.
وينبغي أن يشغل يديه حتى لا يعبث بهما، وقد روي: "أن رسول الله ﷺ كان يعتمد على عَنَزَةٍ، وروي أنه اعتمد على قوس، وروي على سيفٍ، وقد قيل: إنه كان في الحضر يعتمد على عَنَزَة، وكان إذا خطب في السفر اعتمد على قوس أو سيف" (٣) والأمر في ذلك قريب.
стр. 1407
وإذا شغل إحدى يديه بما ذكرناه، شغل الأخرى بالتمسك بحرف المنبر، وإن لم يتفق ذلك، وضع إحدى يديه على الأخرى، كما يفعله في صلاته، أو أرسل يديه وأقرَّهما. وليس في هذا ثَبَتٌ، والغرض ألا يعبثَ.
ثم سبب إقباله على الناس واستدباره القبلة أن يخاطبهم، فإن استدبرهم، وهو يخاطبهم، كان قبيحاً، خارجاً عن حكم عرف الخطاب، ولو وقف في [أخريات] (١) المسجد مستقبلاً للقبلة خاطباً، فإن استدبره الناس، كان قبيحاً، وإن استقبلوه، وأقبلوا عليه، كانوا مستدبرين للقبلة، واستدبار واحدٍ مع استقبال الجميع القبلةَ أحسنُ من نقيض ذلك.
١٤٧٧ - ثم إذا فرغ من الخطبة الأولى، جلس جلسة خفيفة، وتلك الجلسة واجبة، والغرض يتأدّى بجلسة وطمأنينة، وقد قال الشافعي: يجلس جلسة تسع قراءة الإخلاص، وهي على الجملة في القدْر الواجب والمستحب قريب من الجلسة بين السجدتين.
ثم يقوم ويبتدىء الخطبة الثانية، وينبغي أن تكون الخطبة بليغةً قريبةً إلى الأفهام مترقية عن الركيك، خليةً عن الغريب، مائلة إلى القِصر، فقد قال النبي ﵇: "قصر الخطبة، وطول الصلاة مَئنة من فقه الرجل" (٢).
وينبغي أن يأتي الخطيب بالخطبة على ترتيلِ وأناة من غير [تغن] (٣) وتمطيط.
ثم إذا فرغ من الخطبة الثانية، ابتدأ المؤذّن الإقامةَ، وبنى الخاطب في تسرعه الأمر على أن يقرب وقوفه في المحراب من فراغ المقيم من الإقامة.
فهذا بيان أركان الخطبة وهيئاتها، وما يتعلق بآدابها وسننها.
стр. 1408
فصل
في الاستماع والإنصات وما يتعلق به
١٤٧٨ - القول في ذلك ينقسم إلى ما يتعلق بالواجب، وإلى ما يتعلق بالآداب، فلتقع البداية بالأهم، وهو ما يجب، ويتحتم، فنقول:
نقل الأئمة قولين في أنه هل يجب على من حضر الصمتُ والإنصاتُ، وهل يحرم عليه الكلام؟ فالذي نص عليه الشافعي في القديم أنه يجب الإنصاتُ، وإدامةُ الصمت على من حضر، وتمكن من الإصغاء والاستماع، وهذا مذهب أبي حنيفة (١).
والمنصوص عليه في الجديد أنه لا (٢) يحرم الكلام على من شهد، ولا يتعين الصمت.
١٤٧٩ - فمن قال: يجب، استدل بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وقد قال المفسرون: المراد بالقرآن الخطبة، وإنما سميت قرآناً لاشتمالها على قراءة القرآن. ومن قال: لا يجب الصمتُ، استدل بأن رسول الله ﷺ تكلم في أثناء خطبته بما ليس من الخطبة، فإذا كان لا يحرم على الخطيب أن يتكلم بما ليس من الخطبة، لم يحرم على المستمع أن يتكلم أيضاً، وقد روي: "أنه دخل داخل ورسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال ﵇: "ماذا أعددت لها" فقال: حب الله ورسوله، فقال ﷺ : "المرء مع من أحب" (٣) ولم يرد على من كلمه (٤)، ولو كان تكلُّمُ من حضر حراماً، لبين رسول الله ﷺ .
стр. 1409
ونحن نطرد عليه ما ذكره الأئمة في التفريع، ونسوقه أحسن سياق، ثم نذكر غوائلَ يقع التعرض لها، وليستوف الناظر تمام الفصل؛ فإنّ كشف مبادئه في استتمامه.
١٤٨٠ - قال شيخي: إذا أوجبنا الإنصات والإكباب على الاستماع، فلو دخل داخلٌ وسلم، لم يجب على الحاضرين ردُّ سلامه، بل لا يجوز لهم ردُّ سلامه، فإنا نفرع على إيجاب الإنصات وقطع الكلام، فإن قيل: ردّ السلام من فروض الكفايات.
قلنا: ذاك في حق من لم يضيع السلام، فوضَعه (١) في غير موضعه، ومن سلم على رجل وهو في أثناء حاجة يقضيها، لم يستحق ردَّ السلام، وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب السِّيَر، إن شاء الله ، ففيه تفصيلُ فرائض الكفايات، وما يتعلق بها، فليس إذن للداخل أن يسلّم، وإذا سلم، لم يستحق جواباً، ولا يجوز للحاضرين أن يردّوا عليه، على القول الذي عليه نفرعّ.
١٤٨١ - ولو عطس عاطس، فهل يجوز تشميته؟ فعلى وجهين، أحدهما - لا يجوز قياساً على رد السلام، والثاني - يجوز؛ فإنه لا اختيار للعاطس، فهو معذور، فحقه أن يُقضَى حقه، ومن أدب الدين أن يُشمَّت المسلمُ إذا عطس، فأما رد السلام، فلا؛ لأن المسلم ضيع سلام نفسه، وكان مختاراً فيه.
فإن جوزنا تشميتَ العاطس، فهل يُستحبُّ؟ فعلى وجهين: أحدهما - بلى (٢)، رعايةً لحقه.
стр. 1410
والثاني - لا؛ فإن الإنصات أهم منه؛ إذ هو واجب، والتشميت لا يجب قط.
فهذا إذا فرعنا على وجوب الصمت، فأما إذا لم نحرمه (١) تفريعاً على الجديد، فيجب عليه تشميتُ العاطس.
١٤٨٢ - وهل يستحب ردُّ السلام، فعلى وجهين، ولا يجب رد السلام، وإن لم نحرمه، لتقصير المسلم لما ذكرناه من وضعه السلام في غير موضعه، وقد ذكرنا أن من سلم على إنسان وهو في قضاء حاجة، لم يلزمه رد سلامه، [وإن] (٢) كان لا يحرم عليه، وقد روي: "أن رجلاً سلّم على رسول الله ﷺ وهو يقضي حاجته، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ ، وقام بعد الفراغ وتيمم، ثم ردّ جوابه" (٣).
١٤٨٣ - وقال شيخنا أبو بكر الصيدلاني: اختلاف القول في الإنصات يستند إلى ما تقدم من الاختلاف في أن حالة الخطبة كحالة الاشتغال بالصلاة أم لا؟ وعلى هذا يبتني الخلاف في أن الطهارة هل تشترط في الخطبة أم لا؟ هذا كلامه. فإن شرطنا الطهارة، حرّمنا الكلام، وإن لم نشترطها، لم نحرم الكلام.
١٤٨٤ - وكان شيخي يقول: إن أوجبنا الإنصات على من يبلغه صوتُ الخطيب، فهل يجب على من لا يبلغه صوته؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يجب، ووجهه ظاهر.
стр. 1411
والثاني - يجب؛ فإنه لو تلكم من بُعد، لارتفع اللغط، بحيث يمنع الحاضرين من السماع.
١٤٨٥ - وكان شيخي يقول: في تحريم الكلام في أثناء الخطبة على الخطيب قولان، كالقولين في كلام المستمع، والشافعي في الجديد لما أباح الكلام على الحاضر، احتج بتكلم رسول الله ﷺ في خطبته. ولو لم يكن ذلك في محل النزاع، لما احتج به ﵁.
ثم كان يقول: لناصر القول القديم أن يجيب عنه، ويقول: تكلُّم رسول الله ﷺ بما هو شرعٌ، وبيانُ حكم؛ فإنه قال لسُلَيك الغطفاني: "لا تجلس حتى تصلي ركعتين" (١)، والخاطب يجوز له أن يضمّن خطبتَه بيانَ حكمٍ، وتعليمَ الناس أمراً شرعياً، سيما إذا كان متعلّقاً بما يليق بالحال، كقوله ﵇ لسليك: "لا تجلس حتى تصلي ركعتين" ويجوز أن يكون كلامه مع [قتلة] (٢) ابن أبي
стр. 1412
الحُقيق (١) متعلِّقاً بأمرٍ مهم في الجهاد، وهو من أهم قواعد الشرع (٢)، وإنما القولان في تحريم كلامٍ لا يتعلق ببيان الشرع.
ثم كان شيخي يقول: لاخلاف أن كلام الخطيب في أثناء الخطبة لا يبطل الخطبة، ولا يقطعها إذا قلّ. وإن طال وكثر، فهو (٣) يتعلق بترك الموالاة في الخطبة، وفيه القولان المشهوران.
فهذا منتهى كلامه.
١٤٨٦ - والآن قد حان أن ننبه على حقيقة المسألة، فنقول: كان شيخي وغيره من الخائضين في هذا الفصل يرددون القول في (٤) أنه هل يجب الاستماع؟ ويزعمون أن في إباحة الكلام، أو في رفع الحرج فيه إسقاطُ إيجاب الاستماع والإصغاء.
وأنا أقول: من أنكر وجوب الاستماع إلى الخطبة، فليس معه من حقيقة هذه القاعدة شيء، فيجب القطع على مذهب الشافعي أنه يجب الاستماع إلى الخطبة، وكيف يستجاز خلاف ذلك على طريق الشافعي في مسلك الاتباع، وقد بنى إيجاب الخطبتين، والقعدةَ بينهما على ذلك، وفهم أن الغرض من الخطبة تجديدُ العهد في
стр. 1413
كل جمعة بوعظ الناس، وكيف يتحقق مع هذا تجويز ترك الإصغاء إلى الخطبة؟ ولو جاز ذلك، لما كان في إيجاب حضور أربعين من أهل الكمال معنىً وفائدة، ولوجب أن يسوغ أن يحضروا ويناموا، والإمام رافع عقيرته، ويجب على مساق هذا ألا يجب على الخاطب رفعُ صوته بالخطبة. ولا يعتقد هذا ذو بصيرة في المذهب، وقد اشتد نكير أئمتنا على أصحاب أبي حنيفة (١) لما قالوا: ينعقد النكاح بحضور شاهدين لا يفهمان عقدَ النكاح، وقالوا: من لم يفهم من تخصيص النكاح بحضور الشهود أن الغرض أن يتحملوه ويفهموه، فقد بعدوا، وتناهَوْا في العناد والجحد، فيجب من ذلك القطعُ بأنه يجب حضورُ أربعين من أهل الكمال، ويجب أن يُصغوا، ويجب على الخاطب أن يُسمعهم أركان الخطبة، ولو حضر من حضر، وارتفع منهم اللغط على وجه لا يتأتى معه السماع، فهذا قطعاً بمثابة ما لو لم يحضروا، أو انفضُّوا وانصرفوا، وإذا كان كذلك، فيجب تنزيلُ القولين وتقدير تفريعهما على وجه، فنقول: إذا اجتمع في بلدة من أهل الكمال مائة ألفٍ مثلاً، فيجب عليهم إقامةُ الجمعة، ولكن لا يجب عليهم الاستماع؛ فإنَّ ذلك غيرُ ممكن، وإقامة الجمعة من جميعهم ممكن، فيجب الاستماع من أربعين منهم لا بأعيانهم، فنقول: لو شهد أربعون من أهل الكمال، وبعُدَ الآخرون، سقط [الفرض] (٢) في الاستماع [عن] (٣) الكافة، ولو حضر جمع زائدون على الأربعين، ففي وجوب الإنصات على آحاد من حضر، وأمكن الاستماع منه القولان.
ووجه خروجهما أنا لو جوّزنا لكل واحد أن يتكلم، تعويلاً على أنه يبقى أربعون غيرُه، لجرّ ذلك جواز التكلّم، من كل واحد، وهذا يُفضي إلى أن يتكلم جميعُهم، فَيُفْضِي ذلك إلى سقوط الاستماع رأساً، فهذا يضاهي ما لو تحمل جماعة شهادةً، وكان الحق يثبت بشاهدين، فإذا طالب ذو الحق واحداً منهم بإقامة الشهادة، ففي جواز امتناعه عن الإقامة، تعويلاً على أن الغرض يتحصل بغيره خلاف معروف في
стр. 1414
الشهادات، ولكن الأظهر في الشهادة أن [المدعوّ] (١) من الشهود يتعين عليه الإقامة.
١٤٨٧ - والمنصوص عليه في الجديد أن الإنصات لا يجب، وميل أئمة المذهب إلى الجديد في مجال الخلاف، ولعل الفارق فيه أن المدعوَّ من الشهود قد تعلّق به طلبُ ذي الحق على اليقين، وآحاد من يحضر المقصورة (٢) لا يتخصص بمطالبة.
وعندي أن هذا يضاهي ما لو قال ذو الحق للشهود وهم مائة: لا تغيبوا، فحاجتي ماسةٌ إلى إقامة الشهادة. فلو غاب جمعٌ منهم، وكان الحق يستقل بمن بقي، فيظهر أن الذين غابوا لا يَحْرَجون (٣).
وليس تخلو المسألة عن احتمال في ذلك.
ثم إذا قيل: التكلم من واحد لا يمنعه من السماع؟ قيل: نعم، ولكن رفع الحرج فيه (٤) تسلّط (٥) غيره على مثل [ما جاء به] (٦)، وإذا فرض ذلك عن جميعهم، صار هينمة عظيمة حاجزة من السماع، فكان [تحريم] (٧) ذلك في القديم في حكم سد بابٍ يُفضي -لو فتح- إلى رفع الاستماع رأساً.
ثم فيمن بعد، ولا يَسمعُ خلافٌ؛ من جهة أنه قد يجرّ لغطاً مانعاً للحاضرين من [السّماع] (٨)، فهذا منّا تنبيهٌ على سرّ المسألة في النفي والإثبات.
١٤٨٨ - والآن نرتّب المذهبَ بعد هذا، فنقول: لو تكلم جميعُ الحاضرين على وجهٍ انقطعوا به عن السماع رأساً، حَرِجوا قطعاً، بل حَرج الكافة حَرَجَهم بترك فرض
стр. 1415
الكفاية، وتتعطل الخطبة بسقوط فائدتها من السماع، وإذا تعطلت، فلا جمعة، وينزل هذا منزلة ما لو انفضوا من عند آخرهم.
وإن لم ينته الأمر إلى هذا، وسمع الخطبةَ أربعون، صحت الجمعةُ.
ثم في تحريم إقدام آحاد الحاضرين على الكلام القولان.
ووجه صحة الجديد أن ذلك في حكم العرف لا يؤدي إلى لغطٍ يُسقط سماعَ أربعين، وتصوير أداء ذلك إلى هذا بعيد، وكذلك انتهاء الهمس إلى هينمة حاجزة [بعيد] (١)، فليفهم الفاهم ذلك.
وفي تحريم التكلم في تشميت العاطس خلافٌ؛ لأنه ليس مما يتعلق باختيار، فلا يؤدي تجويزُه إلى مانع من السماع؛ إذ هو يقع نادراً من غير اختيار، ثم في التعبد تردُّد بعيد كما رتبه الأئمة.
وأما الخاطب، فيجب عليه رفعُ الصوت قطعاً، وإن لم نوجب الإنصات، فإنا مع جواز التكلّم أوجبنا أن يحصل سماعُ أربعين.
١٤٨٩ - وأما كلام الخطيب فقد حكى شيخي فيه قولين، وهذا غلط عظيم، مشعر بالذهول عن حقيقة المسألة؛ فإن الإمام إذا تكلم، فليس متمادياً في تلك اللحظة على الخطبة، فكان كما لو سكت لحظة، فأما إذا كان [مارّاً] (٢) في خطبته، والحاضر يتكلم، فهو في وقت جريان الخطبة مشتغل بما قد يؤدي إلى قطع السماع، فكيف يتشابهان؟ أم كيف يتلقى الفطنُ كلامَ الخطيب من كلام المستمع؟ ثم صح أن رسول الله ﷺ كان يسائل في أثناء الخطبة قتلةَ (٣) ابنِ أبي الحُقيق عن كيفيةِ القتل. وشرْحِ ما جرى لهم، وحَمْلُ هذا على شرح مسألةٍ في الشرع تكلف بعيد، لا سبيل إلى قبوله أصلاً.
стр. 1416
ثم الصيدلاني خرج اشتراط السكوت على أن الخطبة هل تنزل منزلة الصلاة أم لا؟ وعليه خرج اشتراط الطهارة، وهذا في نهاية البعد؛ فإنّ أخْذ تحريم الكلام من غير الجهة التي ذكرناها، وهي توقع إفضاء ذلك إلى اللغط خروج عن المسألة ووضعها.
ثم من عجيب الأمر أن الصيدلاني وغيرَه من المحققين لم يمنعوا الخطيبَ من الكلام في الخطبة وإن أوردوا الخلافَ في أنه هل [تشترط] (١) طهارةُ الخطيب.
ثم القولان في تحريم الكلام على المستمع مشهوران، فيبعد عندي جداً أن نوجب على المستمع استصحابه الطهارة في استماعه، فإذاً لا تلتقى (٢) الطهارةُ وأمرُ الكلام.
فهذا منتهى المرام في هذا الفصل.
وقد نجز به المقصود الأظهر من ذلك.
١٤٩٠ - ثم نذكر بعد هذا أموراً تتعلق بالآداب في الباب، فنقول: أولاً - إذا أخذ المؤذن في الأذان بين يدي الخطيب، لم يحرم الكلام، ولكن لا ينبغي أن يبتدىء أحد صلاةً نافلةً بعد افتتاح المؤذِّن أذانَ الخطبة؛ فإن الإمام سيخطب على قُرب وقد تتبتّر (٣) عليه الصلاة، أو يقع ابتداء الخطبة في بقيةٍ منها.
ولو دخل داخل والإمام في أثناء الخطبة، فمذهب الشافعي أن الداخل يُصلِّي ركعتين خفيفتين، ثم يجلس. وخالف أبو حنيفة (٤) فيه، ومعتمد المذهب ما روى جابر: أن سُليكاً الغطفاني دخل ورسول الله ﷺ يخطب، فأمره رسول الله ﷺ أن يصلي ركعتين وقال: "من دخل والإمام يخطب، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (٥).
стр. 1417
١٤٩١ - ثم إذا فرغ الإمام من الخطبتين، فلا يحرم الكلام ما بين ذلك إلى عقد الصلاة وفاقاً.
وقال علماؤنا: كما لا يحرم الكلام لا تحرم الصلاة في هذا الوقت، ومعتمد المذهب ما روي عن أنس بن مالك أنه قال: "كان رسول الله ﷺ ينزل يوم الجمعة من على المنبر، فيقوم الرجل معه، ويكلّمه في الحاجة إلى أن ينتهي إلى مصلاه" (١).
١٤٩٢ - ومما يتعلق ببقية الفصل أن الشافعي نص فيما نقله صاحب التقريب والصيدلاني على أن من دخل والإمام يخطب، فيجوز له أن يتكلم مادام يمشي ويتخير لنفسه مكاناً، وإنما القولان فيه إذا قعد، ولم أر فيه خلافاً وهو ظاهر، وإن كان الاحتمال متطرّقاً إليه، وظهوره من حيث إنا نأمره أن يصلي ركعتين، وسيذكر الله فيهما، ويقرأ، وذلك يناقض الإنصات، فإذا فرغ من ذلك كله، فإذ ذاك يختلف القول في وجوب الإنصات، فهذا نهاية المرام في ذلك.
فصل
١٤٩٣ - أهل بغداد لا يقتصرون على عقد جمعة واحدة، والطرق متفقة على جواز الزيادة على جمعة واحدة ببغداد، وتردد الأئمةُ في تعليل ذلك، فمنهم من قال: السبب المجوّز لذلك تخلل النهر العظيم بين شقّيه، فانقطع حكم أحد الشقين عن الثاني. ومنهم من قال: علة جواز ذلك ببغداد أنها كانت قرى متفرقة، واتصلت العمارات، وصارت كبلدة واحدة، وكانت الجمعة تقام في كل قرية، فاستمرت تلك العادة بعد اتصال البنيان. وعلل ابن سُرَيْج بكثرة الناس، وأن البقعة الواحدة لا تحتملهم ببغداد.
ثم من قال: السبب المجوز تخلل النهر، فيرتب (٢) على هذا ألا يقام ببغداد إلا
стр. 1418
جمعتان شرقية وغربية، وينبني عليه أن كل بلدة يتوسط عماراتها نهر لا يُخيضُ ولا يُخاض (١) إلا بالسفن، أو السباحة، فحكمها حكم بغداد.
ومن قال: إنما يجوز ذلك لأهل بغداد لكثرة الناس - وهو تخريج ابن سُرَيْج، فعلى هذا لو ازدحم أهل بلدة، وكثروا، وكان يضيق عنهم موضع، فيجوز تعديد الجمعة على حسب الحاجة إذن.
ومن قال: سبب تجويز تعدد الجمعة في بغداد أنها كانت قرى، فاتصلت، فلا يجوز ذلك إلا في بلدة تتفق كذلك.
ثم تردد صاحب التقريب في هذا، فقال: القرى إذا اجتمعت وصارت بلدة، كما فُرض في بغداد، وصارت القرى كأنها [حارات و] (٢) محالّ، فيحتمل أن تثبت على ما هي عليه من حكم التفرق، كما ذكره الأصحاب، ثم قال: على حسب هذا، لو تجاوز هامّ بالسفر قريةً من تلك القرى إلى أخرى، والعمارة متصلة، فينبغي أن يترخص برخص المسافرين؛ فإنه لم يثبت لها حكم الاتحاد. قال: ويحتمل أن يقال: إذا اجتمعت، زال حكم التفرق منها. وصارت البقعة كأنها بنيت على الاتحاد إذ بنيت، فعلى هذا يمتنع إقامة الجمع في تلك البقاع التي كانت قرى بعد التواصل، كما يمتنع في البلدة التي لم تعهد (٣) إلاّ على الاتحاد.
فهذا تفصيل القول في بغداد.
١٤٩٤ - فأما ما عداها من البلاد إذا لم يوجد فيها ما يسوّغ الزيادة على جمعة واحدة على التفاصيل المقدمة المستفادة من بغدادَ وعِلَلِها، فلا بدّ من الاقتصار على جمعة واحدة، وهو مذهب معظم الأئمة.
стр. 1419
وأجاز أبو يوسف عقدَ جمعتين، ولم (١) يجوز الثالثة.
والأصل المعتمد فيه أن الجمعة شُرعت لجَمْع الجماعات، والغرض منها إقامة هذا الشعار في اجتماع الجماعات في كل أسبوع مرة، وإنما يتأتى هذا الغرض بإيجاب الاقتصار على جمعة واحدة. ولو ساغت الزيادة على واحدة، لم ينحصر القول بعد ذلك، وآل مآل الكلام إلى تنزيل هذه الصلاة منزلة سائر الصلوات، فإذاً لا نزيد على واحدة.
١٤٩٥ - ولو فرضت جمعتان حيث نمنع، فإذا تقدمت إحداهما وسبقت، فهي الصحيحة، والثانية ليست جمعة، وإذا تقدمت واحدة، وتعيّنت -وقد اختلف أئمتنا فيما يقع به السبق والتقدم، فذهب بعضهم إلى أن الاعتبار بعقد الصلاة- فكل (٢) صلاة تقدم عقدُها فهي الجمعة، وهذا هو الأصح.
ومنهم من قال: الاعتبار بالخوض في الخطبة، فإذا تقدّم ذلك في أحد الجامعين، فهم المقيمون للجمعة، وإن تأخر عقد الصلاة منهم، وهذا له التفات على أن الخطبتين بمثابة ركعتين.
وذكر العراقيون وجهاً ثالثاً: أن الاعتبار بالتحلل، فكل صلاة سبق التحلل عنها، فهي الجمعة، وهذا ردىء لا اتجاه له أصلاً.
١٤٩٦ - ثم لو سبقت واحدة على ما وصفنا السبقَ، ولكن كان السلطان في الجمعة المسبوقة، فقد ذكر شيخي في ذلك وجهين: أحدهما - أن الحكم للجمعة التي فيها الوالي؛ فإن لهذه الصلاة ارتباطاً بالسلاطين، فالرجوع إليهم. وهذا بعيد عن مذهب الشافعي؛ فإنه لا اعتبار في الجُمع عندنا بالوُلاة من طريق الاستحقاق، ولكن الأَوْلى أن يراجَعوا، والأصح أن الاعتبار في السبق بما قدمناه قبلُ.
ولو وقعت الجمعتان معاً، ولم تتقدم واحدة على الأخرى، لم تنعقد واحدة منهما
стр. 1420
جمعة، ومن أحاط بما يقع به السبق بنى عليه [ما] (١) يحصل به الجمع.
ولو عقدت الجمعتان، ولم يُدْرَ أوقعتا معاً، أو تقدمت إحداهما على الأخرى، فالذي قطع به الأئمة تنزيل هذا منزلة ما لو وقعتا معاً، فلا جمعة لواحد، والله أعلم.
١٤٩٧ - ومما ينبغي أن يتأمل الآن: أن الجمعتين إذا وقعتا معاً، وكان الوقت باقياً، فمن نتائج هذه الصورة أنا نأمرهم بأن يجتمعوا، ويعقدوا جمعةً، والذي مضى لا حكم له، وإذا أشكل الأمرُ ولم يُدْرَ أوقعت الجمعتان معاً، أم تقدمت إحداهما على الأخرى؟ فلا شك أنا لا نسقط الفرضَ بما مضى، ولكن ما ذكره الأئمة: أنا نجعل هذا كما لو وقعت الجمعتان معاً؛ حتى نأمرَهم بأن يقيموا جمعةً في الوقت. وإذا فعلوا ذلك، سقط الفرض وانقطعت الطَّلِبَة (٢).
١٤٩٨ - وهذا فيه إشكال، فإنا نجوّز أنّ إحدى الجمعتين تقدمت على الأخرى، ولو كان كذلك، فلا يصح عقدُ جمعة أخرى، وإذا فُرضت، فلا تحصل براءة الذمة يقيناً، والذي يقتضيه الاحتياط في ذلك أن يقيموا جمعةً، ثم يصلون من عند آخرهم (٣) الظهرَ، فيخرجون عما يلزمهم قطعاً.
هذا حكم القياس في طلب اليقين في الخروج عما يلزم.
وقد ذكرنا فيما تقدم من مسائل الطهارة: أن الذين أقاموا الجمعة لو شكوا، فلم يدروا أوقعت الجمعة [في الوقت] (٤) أو وقع شيء منها وراء الوقت، فالأصل بقاءُ الوقت، واليقين لا يزال بالشك في وقائع مشهورة، وهذه المسألة مستثناة من هذه القاعدة، من جهة أن الأصلَ إقامةُ أربع ركعات، وإقامة ركعتين طارىء معترض، فإذا ترددنا في إجزاء الجمعة، فالأصل إقامةُ أربع ركعات، وما ذكرناه [إبداءُ] (٥) وجه القياس.
стр. 1421
والذي ذكره الأئمة أنهم إذا أقاموا الجمعةَ في صورة الإشكال مرة أخرى، كَفَتْهم، ونزل ذلك منزلةَ ما لو وقعت الجمعتان معاً، فهذا إذا لم يُدْرَ كيف وقعتا: معاً، أو تقدمت إحداهما على الأخرى.
١٤٩٩ - فأما إذا تقدمت إحداهما على الأخرى يَقيناً، ولكن أشكلت المتقدمة، وما تعينت أصلاً، ففي المسألة قولان مشهوران: أحدهما - أن هذا بمثابة ما لو وقعتا معاً، فيقيمون جمعة أخرى وتكفيهم.
والقول الثاني - أنا نأمرهم بأن يصلوا ظهراً، ولا معنى لإقامة جمعة أخرى، وقد صحت واحدة، وهذا حكاه الربيع بن سليمان (١)، وأظهر القولين في الحكاية الأول.
١٥٠٠ - ولو تقدمت إحدى الجمعتين على الأخرى، وتعينت، فهي صحيحة، وقد فاتت الجمعة في حق الآخرين، فعليهم أن يصلوا ظهراً.
ولو تعينت المتقدمة، ثم التبست بعد التعيين، فالذي صار إليه الأصحاب أنهم لا يقيمون جمعة، إذ قد صحت جمعة في البلدة وتعينت، فلا سبيل إلى إقامة جمعة أخرى. ولكن لما طرأ الإشكال بعد اليقين، أوجبنا على جميعهم أن يصلوا ظهراً.
وذكر شيخي في بعض دروسه أن من أصحابنا من ألحق هذه الصورة عند طريان الإشكال بما إذا تقدمت جمعة قطعاً، ولم تتعين المتقدمة [قط] (٢).
стр. 1422
وهذا وإن كان يتجه في المعنى، فهو بعيد في الحكاية.
١٥٠١ - فإن قيل: إذا تقدمت جمعة، فقد صحت في علم الله تعالى جمعة في البلدة، فأمرُ الناس بإقامة الجمعة مرة أخرى، والاكتفاء بها فيه إذا تيقَّنا المتقدمة، ولم تتعين المتقدمة -وهي صورة القولين- مشكل (١)، لا وجه له في القياس، وهو القول المشهور فيما حكيتموه. فما وجهه؟
قلنا: قد ذكرنا صورتين: إحداهما - متفق عليها، وهي إذا شككنا، فلم ندر كيف وقعت الجمعتان: أوقعتا معاً، أو تقدمت إحداهما؟ فالذي قطع به الأئمة أنا نأمر القوم بإقامة جمعة، وهي تكفيهم، وقد ذكرتُ فيه من جهة الاحتمال إشكالاً، ولكن لما اقتضى القياس أمرَ الناس بالإقدام على الجمعة ثانيةً فأمرهم معها بالإقدام على الظهر بعدها بعيد (٢).
فأما إذا تقدمت جمعة قطعاً، ولم تتعين لنا، فهذه صورة القولين، ووجه الحكم ببطلان الجمعة في قول أن هذه الصلاة مخصوصة بشرائط في الكمال -وقد سبقت- ولا يبعد أن يعتبر في الصحة والاعتداد اليقين، حتى إذا قارنها لبس يُقضى ببطلانها، ويجب على الابتداء إقامةُ جمعةٍ، وهذا أيضاً ظاهر إذا لم تتعين قط، فأما إذا تعينت، ثم التبست، فيبعد في هذه الصورة أن ينعطف البطلان، بعد كمال الشرائط.
فهذا نهاية ما يجري في ذلك.
١٥٠٢ - ولو شرعت طائفة في الجمعة، ثم علموا في أثناء الصلاة أنهم مسبوقون بجمعة صحيحة، فهل يبنون الظهر على الصلاة ويتممونها ظهراً؟ فعلى قولين، تكرر ذكرهما في مواضع.
وقد ذكر الأصحاب لما ذكرناه من التباس عقد الجمعتين أمثلة من عقد نكاحين على امرأة واحدة وغيره، ولم أتعرض لتلك الأمثلة؛ فإني لم أر في الجمعتين [ما يفتقر] (٣)
стр. 1423
بيانُ الحكم فيه إلى تلك الأحكام، وكلّها ستأتي في مواضعها - إن شاء الله.
فرع:
١٥٠٣ - إذا تخلف طائفة من الجمعة بعذرٍ، وقلنا: إنهم يصلون الظهرَ، فهل يُقيمون الجماعة؟ اختلف أئمتنا فيه، فيما نقله العراقيون، فقال قائلون: يقيمونها؛ فإن الجماعة محبوبة في الصلاة المفروضة، وهذه الصلاةُ فرضُهم.
ومن أئمتنا من قال: لا نُؤثر إقامة الجماعة، وهو مذهب أبي حنيفة (١)؛ فإن أدب الشرع في هذا اليوم يقتضي تخصيصَ الجماعة في هذا الوقت، بصلاة الجمعة.
وكان شيخي يقول: الوجه عندي أن لا يشهروا الجماعة، ولو أقاموا في البيوت من غير إظهار وشهر، فلا بأس، وهذا حسن.
فصل
١٥٠٤ - الإمام يقرأ في الركعة الأولى سورة الجمعة، وفي الثانية ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، وهذا ما نص عليه الشافعي في الجديد (٢)، وهو الذي رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ .
ونقل الصيدلاني عن القديم أن الإمام يقرأ في الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، وقال: هذا نقله النعمان بن بشير (٣)، والأصح الجديد.
стр. 1424
وقد اشتهر من نص الشافعي في الجديد أن الإمام لو نسيَ الجمعة في الأولى تداركها في الثانية، وجمع بينها وبين سورة المنافقين.
...
стр. 1425
باب التبكير إلى الجمعة
١٥٠٥ - والغرض من هذا الباب الكلام على خبر مروي عن النبي ﷺ ، وهو ما روي أنه قال في مساق حديث: "من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرّب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرّب بيضة، والملائكة على الطرق يكتبون الأول فالأول، فإذا أخذ الخطيب يخطب طَوَوْا الصحف وجاؤوا يستمعون الذكر" (١).
١٥٠٦ - وقد اختلف أئمتنا في معنى الساعات المذكورة في الحديث، فذهب بعضهم إلى حمل الساعات على الساعات التي قسم عليها الليل والنهار، وحمل الساعة الأولى على الساعة الأولى من النهار، وهكذا إلى استيعاب خمس ساعات، وهذا غلط؛ فإن الماضين ما كانوا يبتكرون إلى الجامع في الساعة الأولى، ثم الساعة الخامسة في النهار الصائف تقع قبل الزوال، وفي اليوم الشَّاتي تقع قريبة من العصر؛ فلم يُرد النبي ﷺ ما يذكره أصحاب التقاويم، وإنما أراد ﵇ الاستحثاثَ على السبق والتقديم، وترتيبَ منازل السابقين [واللاحقين] (٢) اللاحقين.
فهذا معنى الحديث.
وقد روي عن النبي ﵇ أنه قال: "من غسَّل واغتسل، وبكَّر وابتكر، وجلس قريباً، ولم يرفث، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (٣)، قوله غسّل معناه:
стр. 1426
توضأ، فإن الوضوء تكرير الغسل على الأعضاء، وهو كقولهم: قطّعته آراباً.
وقوله: بكر وابتكر معناه: بكّر إلى صلاة الصبح، وابتكر إلى الجمعة.
١٥٠٧ - ثم يؤثر للرجل أن يأخذ زينتَه على ما سنذكر في صلاة الخوف: ملابسَ الرجال. والثيابُ البيض أحب إلى الله، ويمسّ طيباً إن كان عنده، ويمشي على سجيّته وهِينته (١)، قال ﵇: "إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون، ما أدركتم، فصلوا، وما فاتكم، فاقضوا" (٢)، والترجل فيه أولى، وروي "أن رسول الله ﵇ ما ركب في عيد ولا جنازة" (٣) وليس في الحديث ذكر الجمعة، ولكن كان ﵇ يقيم الجمعة في مسجده، وكانت حجرته لافظةً في المسجد.
والعُجُز (٤) إن حَضَرْن، فلا ينبغي أن يلبسن شهرةً من الثياب، ولا ينبغي أن
стр. 1427
يمسسن طيباً يشهرهن، وروي أن امرأة مرت بأبي هريرة يشم منها رائحة المسك، فقال: أتريدين المسجد، فقالت: نعم، فقال: تطيبت قالت: نعم، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرأة تطيبت للجمعة لم يقبل الله صلاتها حتى ترجع إلى بيتها وتغتسل اغتسالها من الجنابة" (١).
...
стр. 1428
باب صلاة الخوف
١٥٠٨ - القول في صلاة الخوف ينقسم: في التقسيم الأول إلى ما يجري في حال شدة الخوف، ومطاردة العدو والتحام الفئتين، وذاك نذكره في آخر الباب، وإلى ما يجري ولم ينته الأمر إلى شدة الخوف، وهذا القسم ينقسم أقساماً، والجملة المتبعة أن الصلاة لا سبيل إلى إخراجها عن وقتها بسبب الخوف وقيام القتال، فأما الجَمْعُ فمتعلّق بعذر السفر، أو المطر في الحضر. وقيام الحرب لو فرض في غير سَفْرة (١)، فلا يتعلق به جواز الجمع، كما لا يتعلق رخص السفر بالمرض من غير نصٍّ عليها، فإذا كان كذلك، فإن احتمل الأمرُ أن يصلي الإمام والقومُ على نظام الأركان، من غير ركوب وتردّد، فعليهم ذلك. ثم نقل عن رسول الله ﷺ صلاةُ الخوف قبل الانتهاء إلى التحام الفريقين على وجوه، وكل وجهٍ يليق بالحال الذي نقل ذلك الوجه فيها، ونحن نأتي عليها إن شاء الله مفصلة.
١٥٠٩ - وقد بدأ الشافعي بصلاة رسول الله ﷺ بأصحابه في غزوة ذات الرقاع، وكان المسلمون وقوفاً في وجاه العدو والحرب قائمة، فدخل وقت الصلاة، فأول ما نذكره الرواية في كيفية صلاته، روى الشافعي (٢) بإسناده عن مالك عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوَّات أن رسول الله ﷺ صَدَع أصحابه صَدْعَيْن في غزوة ذات الرقاع، وفرقهم فرقتين، وانحاز بطائفة فصلى بهم ركعةً، فلما قام رسول الله ﷺ إلى الركعة الثانية، انفرد القوم بالركعة الثانية وأقاموها، ورسول الله ﷺ قائم في الركعة الثانية، فلما تحللوا عن صلاتهم، مشَوْا بعد التحلل إلى الصف، وأخذوا أماكن إخوانهم في القتال،
стр. 1429
وانحازت تلك الفئة إلى رسول الله ﷺ ، وهو في القيام ينتظرهم، فاقتَدَوْا به، فلما جلس رسول الله ﷺ ، انتظرهم حتى أقاموا الركعة الثانية، ثم لحقوا رسول الله ﷺ في التشهد، وتشهدوا، فسلم بهم الرسول ﷺ .
فهذه رواية خَوَّات وهي صحيحة متفق (١) على صحتها، ورواها طائفة من أصحاب رسول الله ﷺ على هذا الوجه، منهم سهل بن أبي حثمة (٢).
وروى الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ صدع المقاتلين صدعين، وتنحى بطائفة، فصلى بهم ركعة، فلما قام إلى الركعة الثانية، مشى المصلون إلى الصف، وأخذوا مواقف إخوانهم، وانحاز أولئك إلى الرسول ﷺ ، وصلوا معه الركعة الثانية، وتحلل رسول الله ﷺ عن الصلاة، فمشى هؤلاء إلى الصف في الصلاة، وانحاز الأولون إلى أماكنهم من الصلاة، فأتموا الركعة الثانية، ثم مشَوْا إلى الصف، وقد تحللوا عن الصلاة، ورجع الذين كانوا في الصلاة، وانحازوا إلى أماكنهم في الصلاة، وتمموا الركعة الثانية وتحللوا، وعادوا إلى الصف" وهذه الرواية أيضاً صحيحة (٣)، لم يختلف الأئمة في صحتها، وفيها تردد ومشيٌ في الصلاة، فهذا ما يتعلق بالرواية.
١٥١٠ - ونحن نبتدىء فنتكلم على تفصيل المذهب إن شاء الله.
فأما رواية خوَّات، فقد رأى الشافعي العمل بها، ولكن رواية ابن عمر صحيحة لا مراء فيها، وقد تردد الأئمة في وجه الكلام عليها، فقال قائلون: تجوز إقامة الصلاة على مقتضى رواية ابن عمر، ولكن الأولى روايةُ خوات؛ إذ ليس فيها أعمال
стр. 1430
في الصلاة، وإنما منتهى الأمر فيها انفراد عن القدوة في ركعة، وفي رواية ابن عمر ترددات في الصلاة ومشي وعَوْدٌ، وفيها الانفراد عن الإمام أيضاً، وفيها انتظار الإمام للطائفة الثانية، كما في رواية ابن عمر، فصحة الروايتين تقتضي تصحيحَ الصلاة على الوجهين جميعاًً. واختصاص رواية خوات بحسن الهيئة في الصلاة، والخلوّ عن الأفعال الكثيرة مع رواية طائفة على حسب روايته، اقتضى تقديمَ روايته من طريق الأَوْلى، فهذه طريقة (١).
١٥١١ - ومن الأئمة من قال: لا تصح الصلاة للطائفتين على مثل ما رواه ابن عمر؛ لأن الأمر ما كان انتهى إلى شدة الخوف، وكان التردد مستغنىً عنه، ولكن الرواية صحيحة، وقد أشار الشافعي إلى ادعاء النسخ فيها، فقال: "غزوة ذات الرقاع من آخر الغزوات (٢)، وحديث خوات مقيد بتلك الغزاة، وحديث ابن عمر غير مقيد
стр. 1431
بها، فهي محمولة على غزاة متقدمة، وما جرى فيها من كيفية الصلاة في حكم الناسخ لما تقدم".
فهذا مسلك. وفيه إشكال، فإن الشافعي لا يرى النسخ بالاحتمال، وما لم يتحقق تقدم المنسوخ بالتاريخ على الناسخ، فادعاء النسخ [يبعد] (١) وينأى عن أصله.
١٥١٢ - وإن جرينا على الطريقة الأولى، وجوزنا الصلاة على موجب الروايتين جميعاًً، ورددنا الأمر بعد ذلك إلى الأوْلى، فقد قرب الأمر في الكلام على الحديث.
١٥١٣ - وإن لم نر العمل في غزاة ذات الرقاع إلا برواية خوات، ولم يثبت عندنا ناسخ على تحقيق، فوجه الكلام أن يقال: إن كانت الحالة مما تحتمل ما رواه خوات، فبعيد جداً تصحيح الصلاة مع الترددات وكثرة الأعمال، والمصير إلى التخيير -والحالة هذه- بعيدٌ عن القاعدة.
وإن انتهى الأمر إلى حالة كان لا يتأتى فيها احتمال بقاء كل طائفة على مصابرة العدو
стр. 1432
في مقدار ركعتين من الصلاة، وكان الذي يليق بالحال أن تبادر كل طائفة إلى أماكنها إذا فرغت من ركعة، فهذا عسر في التصوير جداً؛ فإنَ انتهاء (١) الأمر إلى حالة لا تحتمل مقدار ركعة خفيفة في تفريق الفريقين بعيد عن إمكان الإدراك. على أن هذا كيف يُتخيّل، وما كان يقف إلى تمام الركعتين الطائفتان جميعاًً في وجاه العدو، وقد يتوقع من الزوال وتبدل الواقفين خلل عظيم في القتال، ولم ينقل الناقلون في غزوة ذات الرقاع إلا صلاة واحدةً، فالوجه ترجيح رواية خوات بكثرة الرواة وموافقته ما تمهد في قاعدة الصلاة، من ترك الأعمال من غير حاجة، والترجيح من المسالك المقبولة في تقديم رواية على رواية.
١٥١٤ - فإذا تمهد الكلام على الروايتين، فليقع التفريع على ألا تصح الصلاة إلا كما رواه خوات، وليعلم الناظر أن النبي ﵇ إنما فعل ما رواه خوات لمسيس الحاجة إليه، وكان أصحابه يؤثرون الاقتداء به، وألاّ تفوتَهم الجماعة معه، فرأى أقربَ الطرق في التسوية بين الطائفتين، وألْيَقها بالحال ما ذكرناه.
وقد قال الأئمة: كان العدو منحرفاً عن جهة القبلة، وكان الحال في القتال يوجب تفريق الجند، في مثل ذلك الزمان، فتنحى بطائفة إلى مسافةٍ لا ينالهم سهامُ الأعداء، هكذا الأمر في غزوة ذات الرقاع، فإن اتفقت حالةٌ تدانيها، أقمنا مثل تلك الصلاة فيها.
فإن تكلف متكلف في التصوير، وقال: لو كان الأمر بحيث لا تقوى طائفةٌ على المصابرة إلا في زمان ركعة، فإذا انحازت وصلت ركعة، وأجمتْ نفسها، فقد تقدر على المطاردة بما استروحت إليه من ترك القتال، ولا تقدر على المصابرة في القلّة والانفراد في مقدار ركعتين، فهذا تكلف بعيد، سبق الكلام عليه، [ووضح] (٢) أن هذا التفاوت في مقدار ركعة لا يضبطه الحس والإدراك، ثم التردد والمشي والعود إلى الصف أشق وأعظم خطراً؛ فإن الاضطراب والمجيء والذهاب قد يكون سببَ
стр. 1433
الانفلال (١) في القتال، ثم تغيير هيئة الصلاة لا يجوز بشيء يحتاج في تصويره إلى [كل] (٢) هذا التدقيق، بل إنما يجوز لأمر ظاهر يبلغ مبلغ الحاجة الشديدة والضرورة، فلا مطمع في العمل إلا برواية خوات في صورة يتضح فيها ما رواه ابن عمر.
١٥١٥ - وكل ما قدمناه من التطويل تحويم على البوح بذلك؛ إذ لو كان يسهل تصوير صورة لائقة بتلك الروايات (٣)، لابتدرنا القول بتنزيل كل رواية على حالة تقتضيها؛ فإنه لا يبعد تجويز تغاير في الصلاة بسبب اختلاف الأحوال في القتال، فإنا سنجوز صلاة عُسفان كما سيأتي لحَالة اقتضتها، وسنذكر احتمال تغايير ظاهرة في الصلاة عند شدة الخوف، فإذن لا مستند لتصحيح ما رواه ابن عمر إلا الرواية المحضة، وقد قدمنا أن رواية خوات مقدمة من طريق الترجيح.
ونحن الآن نعود إلى صحة (٤) تفصيل القول في رواية خوات بن جبير، فنقول أولاً: الرواية ما قدمناها في كيفية الصلاة، وفيها أنه لما جلس رسول الله ﷺ للتشهد، قام القوم إلى الركعة الثانية، ورسول الله ﵇ لم يسلم، حتى لحقه القوم ثم سلم. وقد وافق مذهبُ مالك (٥) روايةَ خوات، غير أنه رأى أن يتشهد القوم، ويسلم الإمام، ثم يقومون، ويصلون ركعة كما يفعله المسبوق بركعةِ.
هذا مذهب مالك، وقيل: إنه قول قديم للشافعي، ولست أدري أن مالكاً روى ما رآه أم هو اختياره من طريق المعنى، ولم يسنده إلى رواية؟ أما الشافعي، فقد روى عن مالك كيفيةَ الصلاة كما سردناها.
والذي يتعين ذكره الآن أن ما ذكره مالك -هو القول القديم- لا شك في صحته؛
стр. 1434
فإن ذاك لو فرض مع الاختيار لصح، وإنما الكلام في تصحيح ما رواه خوات وصححه الشافعي في الجديد، وكشفُ القول في هذا يأتي عند فرضنا الكلام في حالة الاختيار، فليكن على ذُكر الناظر إلى الانتهاء إليه.
١٥١٦ - فالكلام إذن يتعلق بفصول: أحدها - في كيفية هذه الصلاة على الجديد عند الحاجة في القتال.
والثاني - في تصوير هذه الصلاة على هذه الصورة عند الاختيار.
والثالث - في تصوير تصديع الجند أكثر من صَدْعين، عند احتمال الحال في صلاة ثلاثية، أو رباعية.
والرابع - في تصوير سهو الإمام والقوم وما يتعلق به.
[الفصل الأول] (١)
١٥١٧ - فأما الأول، فقد بان أن القوم ينفردون عن الإمام في الركعة الثانية ويسلمون، والإمام في قيام الركعة الثانية ينتظر الطائفة الثانية، ثم الذي نقله المزني أن الطائفة الثانيةَ إذا لحقت وتحرمت، فالإمام يقرأ بهم فاتحة الكتاب وسورة (٢)، وهذا يتضمن أنه في قيامه وانتظاره لا يقرأ الفاتحة؛ فإنه لو قرأها، لما كررها.
والذي نقله الربيع أنه في انتظاره يقرأ الفاتحة، ثم إذا لحق القومُ قرأ من القرآن ما يتمكنون في زمان قراءته من الفاتحة.
وقد اختلف الأئمة في التصرف في النصين، فمنهم من غلّط المزني، وهو اختيار الصيدلاني، وقال: بقاء الإمام ساكتاً في زمان انتظاره -وهو زمان طويل- بعيدٌ، مخالف لهيئة الصلاة، ولا تمس إليه حاجة؛ فإن الطائفة الثانية يدركون الركعة من غير أن يتكلف الإمام هذا، وتغيير الهيئة لا يُحتمل إلا لحاجة ظاهرة، فالتعويل على ما نقله الربيع.
стр. 1435
ومن أئمتنا من جعل المسألة على قولين، وهذه طريقة مشهورة، فأحد القولين ما نقله الربيع، ووجهه ما ذكرناه، والثاني - أنه لا يقرأ في زمان الانتظار؛ فإنه لو قرأ الفاتحة، لم يكررها، ثم لا يكون مساوياً بين الطائفة الأولى والثانية؛ فإنه قد قرأ الفاتحة والسورة بالطائفة الأولى، فكان حكم التسوية يقتضي أن يقرأهما بالثانية أيضاً، ولو كان يجري في الركعة الثانية على ترتيب صلاة نفسه، لتمادى فيها وركع، ثم انتظرهم في ركوعه حتى يدركوه، ويدركوا الركعة بإدراكه مسبوقين.
١٥١٨ - ومما يتعلق بهذا الفصل أنا ذكرنا أن المنصوص عليه في الجديد أن الطائفة الثانية يقومون إلى الركعة الثانية والإمام ينتظرهم ساكتاً، ثم يتشهد إذا عادوا إليه، وذكر العراقيون فيه طريقين: إحداهما - أن ذلك بمثابة القول في قراءته وسكوته في القيام وهو ينتظر، فيخرج على ما تقدم.
والثانية - أنه يتشهد كما (١) جلس ولا يسكت حتى يلحقوه. والفرق أنا إنما أمرناه بأن يسكت في قيامه على أحد القولين ليسوّي بين الطائفتين؛ فإنه قد قرأ بالطائفة الأولى الفاتحة والسورة، وهذا لا يتحقق في التشهد؛ فإنه ما تشهد مع الطائفة الأولى أصلاً، وليس في الصلاة [الثنائية] (٢) إلا هذا التشهد. فهذا تمام البيان في هذا الفصل.
الفصل الثاني
في تصوير إقامة هذه الصلاة على هذه الصورة في حالة الاختيار
١٥١٩ - وسبيل استفتاح القول فيه أن نتأمل ما فيها من التغايير، ثم نعرضها على الأصول حالة الاختيار.
أما الطائفة الأولى، فلم يجر في صلاتها شيء إلا الانفراد عن الإمام بركعة. وأما الإمام، فالذي يوجد منه الانتظار إما في موضع واحد، وإما في موضعين.
стр. 1436
وأما الطائفة الثانية، فإنهم يقومون إلى الركعة الثانية على صورة الانفراد، ثم يعودون -على الجديد- ويقتدون. فإن فرضنا هذه الصلاة في حالة الأمن والاختيار، فنقول: إذا انفردت الطائفة الأولى من غير عذر، ففي صحة صلاتهم قولان مشهوران تقدم ذكرهما، وأما الإمام، فإنه ينتظر، وقد ذكرنا في الانتظار في حالة الاختيار قولين، ثم قلنا: إذا لم نأمر به، فهل تبطل به صلاة الإمام أم لا؟ فعلى قولين، فإذا فرضنا الصلاة في حالة الاختيار، وقلنا تبطل صلاة الإمام، فالطائفة الثانية تلحق وقد بطلت صلاة الإمام، ولا يكاد يخفى تفريع ذلك في العلم والجهل.
وإن لم تبطل صلاة الإمام بسبب الانتظار، فالطائفة الثانية إن جرت على ما ذكره مالك -وهو القول القديم- فصلاتهم صحيحة؛ فإنهم جروا على الترتيب الشرعي في صلاة المسبوق، وإن جروا على قياس القول الجديد، فقد انفردوا، ثم عادوا فعلَّقُوا صلاتهم بالقدوة، فيجتمع فيهم أصلان: أحدهما - الانفراد من غير عذر.
والثاني - أن المنفرد إذا نوى الاقتداء بعد الانفراد، فهل يصح ذلك منه؟ ففي فساد صلاتهم حالة الاختيار عند طريان ما ذكره قولان مأخوذان من هذين الأصلين، فهذا بيان ما أردناه في هذا.
فرع:
١٥٢٠ - إذا أراد الإمام أن يصلي بالطائفتين صلاة المغرب؛ فإنه يصلي بطائفة ركعتين، وبطائفة ركعة، وهذا التفصيل لا بد منه؛ فإن تشطير الثلاث عسر، ثم اختيار الشافعي فيما نقله الأئمة أن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة. وإنما اختار ذلك؛ لأنه لو صلى بالطائفة الثانية ركعتين، لاحتاجوا إلى الجلوس معه في التشهد الأول، ولا يكون محسوباً لهم، وحالة الخوف لا تحتمل هذا.
ثم نص الأصحابُ قاطبة على أنه لو صلّى بالطائفة الأولى ركعةَ، وبالثانية ركعتين، جاز.
وفي بعض التصانيف (١) عن الإملاء أن الأولى أن يصلي بالطائفة الثانية ركعتين،
стр. 1437
وهذا مزيف لا أعده من المذهب، نعم قد ذكر الصيدلاني "أن علياً ﵁ صلى بأصحابه صلاة المغرب ليلة الهرير، فصلى بالطائفة الأولى ركعة، وبالثانية ركعتين" (١)، ولكن الشافعي لم يَرَ اتباعَه لما ذكرناه.
ثم إذا صلى بالطائفة الأولى ركعتين فمتى ينتظر الطائفة الثانية؟ قال الشافعي: إن انتظرهم في التشهد الأول، فجائز، وإن انتظرهم في قيام الركعة الثالثة، فحسن، فجوّز الانتظارَ في التشهد، واستحب إيقاعَ الانتظار في القيام، والسبب فيه أنه لو انتظر، لم يخل إذا جاءت الطائفة الثانية إما أن يبقى جالساً حتى يجلسوا، ولو فعل ذلك، لكان كلّفهم بما لا يحسب لهم، وإن قام عند لحوقهم، لكان خارجاً عن محل انتظاره، والقياس اللائق بحال المنتظر أن يبقى في محل انتظاره، حتى يلحقه من ينتظره، وأيضاً؛ فإنه لو طال انتظاره في التشهد، وهو قريب محصور، لطال سكوته، والقراءة في قيام الركعة الثالثة ليست بِدْعاً (٢)، وقد قال الشافعي في قول
стр. 1438
ظاهرٍ في الجديد: يستحب قراءة السورة في الركعات كلها.
وذكر بعض المصنفين عن الإملاء ما يدل على أن الأولى أن ينتظر في التشهد الأول، وهذا لا أصل له، ولم أره في غير هذا الكتاب (١)، ولا أعتد به.
الفصل الثالث
فيه إذا صلى الإمام بالقوم صلاة إقامة أربع ركعات، وأراد أن يفرقهم أربع فرق ويصلي بكل فريق ركعة، ثم هم ينفردون بثلاث ركعات.
١٥٢١ - وتمام التصوير فيه أن يَقِرَّ ثلاثةُ أرباع الجند في الصف، ويصلي هو بطائفةٍ الركعةَ الأولى، ثم ينفردون بثلاث ركعات ويرجعون إلى أماكنهم، وهو ينتظر الطائفة الثانية في الركعة الثانية، فإذا لحقوه صلاها بهم، فإذا جلس للتشهد الأول، قاموا -على الجديد- ولم يتابعوه في التشهد، أو تابعوه -على القديم- ثم قاموا إلى ثلاث ركعات، فإذا نجزت صلاتُهم، قاموا إلى أماكنهم، ثم الأحسن على النص أن ينتظر الطائفةَ الثالثةَ في الركعة الثالثة، فلو انتظرهم في التشهد، جاز. ثم إذا صلى بهم ركعةً انفردوا بثلاث، ثم ينتظر الطائفةَ الرابعةَ في الركعة الرابعة، فيصليها بهم، ثم يجلس للتشهد، والنص في الجديد أنهم يقومون إلى ثلاث على ترتيب صلاتهم، والإمام ينتظرهم في التشهد حتى يلحقوه، ويتشهدوا، ثم يسلم.
فهذا هو التصوير.
١٥٢٢ - وفي جواز ذلك قولان للشافعي: أحدهما - لا يجوز؛ لأن الرخص لا مجال للقياس فيها، ومعتمدها اتباعُ النصوص، وإنما نقل عن رسول الله ﷺ تفريق الجند فرقتين، فلا مزيد على ما نقل.
والقول الثاني - أنه يجوز؛ فإن انتظار الطائفة الثالثة في معنى انتظار الطائفة الثانية،
стр. 1439
وقد تمهد [أن] (١) ما لا يجول القياس فيه [يجوز أن يلحق فيه] (٢) بالمنصوص ما في معناه.
التفريع على القولين:
١٥٢٣ - إن قلنا: يجوز ذلك، فشرطه أن يظهر مسيس الحاجة إلى ذلك، واقتضاء الرأي له، فأما إذا لم يظهر فيه وجه الرأي، فالزيادة على الحاجة تجري في الترتيب مجرى ما لو جرى ما ذكرناه في حالة الاختيار، وقد بان ترتيب المذهب [فيه] (٣) ثم إذا مست الحاجة، جرى في انتظار الطائفة الثالثة ما ذكرناه، قال الشافعي: إن انتظرهم في التشهد الأول، فجائز، وإن انتظرهم في قيام الركعة الثالثة، فحسن، ويصلي بالطائفة الرابعة الركعة الرابعة.
ثم المنصوص عليه في الجديد أنهم يفارقونه وهو ينتظرهم حتى يلحقوه، والقديم أنهم يتشهدون معه كما يفعله المسبوق ويسلم الإمام، ثم إنهم يقومون إلى الركعات الثلاث على قياس المسبوق.
وإن قلنا: لا يسوغ المزيد على ما نقل عن رسول الله ﵇، فلو فعل الإمام، فأحسنُ ترتيب في التفريع على هذا القول أن نقول: أما الطائفة الأولى، فصلاتهم صحيحة؛ فإن انفرادهم ببقية الصلاة موافقة لترتيب الصلاة المنقولة عن الطائفة الأولى مع رسول الله ﷺ ، وكذلك الطائفة الثانية. ولا نظر إلى أدنى تفاوت في زيادة الركعات، وأن الانتظار وقع في وسط الصلاة، بخلاف ما جرى لرسول الله ﷺ ؛ فإن هذا القدرَ محتمل، وهو على القطع ملحق بالمنقول عن الرسول ﷺ ، إلحاق الأمةِ بالعبد في قوله: "من أعتق شركاً له من عبدٍ قُوّم عليه" (٤).
ثم إذا انتظر الطائفة الثالثة في الركعة الثالثة، فالمنصوص عليه في هذا القول أن
стр. 1440
هذا غير جائز، والإمام من هذا الوقت مجاوز موقع النص.
وخرج ابنُ سريج على هذا القول قولاً آخر أن هذا الانتظار محتمَل، وعلل بأن قال: هذا هو الانتظار الثاني؛ فإنه على التصوير الذي قدمناه [ينتظر] (١) الطائفة الثالثة، فيقع انتظارُه ثانياً لا محالة، وأن الطائفة الأولى لا انتظار معها، قال ابن سُريج: وقد نقل عن رسول الله ﷺ انتظاران: أحدهما - أنه انتظر الطائفة الثانية في قيام الركعة الثانية، فكان هذا انتظاره الأول، ثم لما فارقوه انتظرهم في التشهد، فكان ذلك انتظاراً ثانياً، فالانتظار الثاني للطائفة الثانية يقع وفقاً لما نقل عن رسول الله ﵇.
ومن نصر النص قال: انتظار رسول الله ﷺ في التشهد كان للطائفة الثانية أيضاً، فهو مخالف لما يجري من انتظار طائفة أخرى.
وابن سُرَيْج يقول: إذا توافق الانتظاران وقوعاً، فالتفاوت فيمن الانتظار له ولأجله قريب؛ فإن الممنوع مزيدُ انتظارِ في عينه، لم يصح عن رسول الله ﷺ ، وهذا متجه.
التفريع:
١٥٢٤ - إن جرينا على التخريج، فتصح صلاة الطائفة الثالثة أيضاً.
وإن جرينا على النص، فالإمام كان ممنوعاً من الانتظار، ولكن انتظاره الممنوع هل يبطل صلاته أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يُبطل صلاتَه؛ [فإنه] (٢) طول ركناً قابلاً للتطويل، وإضمارهُ أن يُلحَقَ غيرُ ضائر.
والثاني - يُبطلُ صلاته؛ فإنه في انتظاره صرف جزءاً من صلاته إلى غرض مخلوقٍ؛ فكان ذلك منافياً لما أُمر به المصلِّي من تجريد القصد إلى عبادة الله تعالى. وقد ذكرنا هذا في انتظار الإمام للمسبوقين من غير خوف وحاجة.
فإن قلنا: لا تبطل صلاةُ الإمام بانتظاره، فتصح صلاة الطائفة الثالثة أيضاً، وتعود