← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وقد قال الشافعي: إن بلغنا أن طائفةً من المسلمين في جدب، فحسن أن نخرج ونستسقي لهم، وإن لم نَبْتلِ بما ابتلُوا به؛ فإن المسلمين كنفسٍ واحدة. ١٦٢٨ - ولو سُقي المسلمون قبل اليوم المذكور لموعد الخروج، فقد سمعت شيخي أنهم يخرجون شاكرين، ويصلون ويقيمون ما ورد الشرع به، ويستديمون نعمةَ الله تعالى، ورأيت في الصلاة تردداً عن بعض الأصحاب، فأما استحباب الخروج، وذكر موعظة، فلا شك فيه، وسبب التردد أن الصلاة مخصوصة بالاستسقاء، وقد كُفي الناس. وفي كلام الصيدلاني تردد ظاهر في صورة أخرى، تداني هذه، وهي أن الناس لو لم يُبْلَوْا بالجدب، ولكنهم أرادوا الخروج للاستزادة في النعمة، وأرادوا أن يصلوا صلاة الاستسقاء، فهل لهم أن يقيموا الصلاة؟ فعلى تردد حكاه. ١٦٢٩ - ثم إذا فرغ الناس من الصلاة حيث نراها، فيتقدم الإمامُ ويخطب خطبتين كما يفعل في العيد، غيرَ أن الأوْلى أن يُكثر الاستغفار في الخطبتين، كما يُكثرُ التكبيرَ في يوم العيد، وسبب الأمر به قوله تعالى في سورة نوح: [١٠، ١١] ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾. ثم حكى الصيدلاني عن النص في (الكبير) أن كل واحدٍ من الحاضرين يُستحب له أن يُخطر بباله ما [جرى] (١) له في عمره من قُربة رآها خالصة لله تعالى، ويسأل الله السقيا عند ذكرها، وذِكْر الحديث المعروف في الذين انسد عليهم فمُ الغار، فتذكروا مثلَ ذلك في الحديث، فنجاهم الله، ثم يكون هذا سراً من غير إظهار؛ فإن ذلك في الجمع الكبير عسير، لا يفي الوقت به تناوباً، وإن ذكروا معاً، لم يُفد ذلك إلا لغطاً، والإسرار أجمل. والمعتمد في الخطبتين ما رواه أبو هريرة: (أن النبي ﷺ خرج مستسقياً، وصلى، وخطب خطبتين" (٢). ثم الإمام يخطب خطبةً مستقبلاً للناس،

стр. 1507

ويجلس، ويبتدىء الخطبة الثانية، ثم يُلْحِف في الدعاء، ويحمل الناسَ عليه، ويستقبل القبلة ويستدبر الناسَ الحاضرين، ويدعو سراً وجهراً، هكذا رواه عبد الله بن زيد الأنصاري (١) صاحب الأذان. ثم في الرواية أنه كما تحوّل ﷺ إلى القبلة، يحول رداءه، كما سنصفه، ورأى العلماء أن ذلك كان تفاؤلاً، في تحويل الحال من الجدب إلى الخصب (٢)، وكان ﷺ يحب الفأل (٣). ثم الذي نص عليه الشافعي في الجديد أنه يقلب أسفل الرداء إلى الأعلى، والأعلى إلى الأسفل، ويقلب ما كان من جانب اليمين إلى جانب اليسار، وما كان من جانب اليسار إلى جانب اليمين، وهو في ذلك يقلب ما كان يلي البدن إلى الظاهر، وما كان ظاهراً إلى ما يلي ثياب البدن، فيحصل ثلاثة أوجه من القلب والتحويل. ونص في القديم على أنه يكتفَى بنقل ما على الكتف الأيسر إلى الأيمن، ونَقْل ما كان على الأيمن إلى الأيسر، فيحصل نوعان من القلب: أحدهما - من الكتف إلى الكتف، والآخر - قلب الظاهر إلى الباطن، ولعل الشافعي اعتمد في ترك قلب الأسفل إلى الأعلى ما روي "أن رسول الله ﷺ اقتصر على ذلك"، ولكن الشافعي في الجديد ذكر سببه، فقال: كانت عليه خميصة، فثقلت عليه لما حاول

стр. 1508

قلبها من الأعلى إلى الأسفل، فترك ذلك واقتصر على القلب من المنكب [إلى المنكب] (١) (٢) فإذا صح أنه هم به ﷺ ، وتركه بسببٍ، فإتيان ما هم به أولى وأقرب. فرع: ١٦٣٠ - لو نذر رجلٌ أن يصلي صلاة الاستسقاء، وكان الوقت وقت جَدْب، لزمه الوفاء بالنذر، نص عليه في (الكبير)، واتفق الأئمة عليه. وهذا يترتب عليه أمرٌ عظيم في النذر: وهو أنه لو نذر إقامة السنن الراتبة، أو نذر إقامةَ صلاة العيد، فكيف سبيل نذره؟ وسيأتي ذلك مستقصىً في النذور، ونحن إن شاء الله تعالى نذكر في النذور ما يضبط قواعدَه؛ فإنها تكاد تخرج عن الضبط. والقدر الذي هو مقصود الفرع الآن أن النذر يجب الوفاء به، ثم تردد أئمتنا في أنه لو نذر صلاة الاستسقاء لأهل ناحية بُلوا بالجدب، وما كان الناذر فيهم، بل كان في موضع خصب، فهل يلزم الوفاء بالنذر على هذا الوجه أم لا؟ فيه تردد في كلام الأئمة. وكذا [لو] (٣) نذرَ صلاة الاستسقاء لمزيد السقيا، ولم يكن جدب، فقد ذكرنا استحباب هذا من غير نذر. ثم النذر ينبني على أصل الندب فيه. ولو نذر أن يخرج بالناس، فإن لم يكن مطاعاً فيهم، لم يلزمه السعيُ في إخراجهم، وإن كان مطاعاً، لزمه الوفاء. وفي هذا الفرع غوائل من أحكام النذور لا سبيل إلى ذكرها الآن، ولكنا في كتاب النذور نعيد هذا الفرع، ونعلّق به ما يتعلق به إن شاء الله .

стр. 1509

باب تارك الصلاة ١٦٣١ - اختلف مذاهب العلماء في حكم الله تعالى على من يترك الصلاة من غير عذر. فذهب أحمد (١): إلى أنه يكفر، ولو مات قبل التوبة، فهو مرتد، وماله فيء. وتوبتُه عنده أن يقضي تلك الصلاة. وقال أبو حنيفة (٢): لا يكفر ولا يقتل أيضاً، ثم قال في رواية: لا يتعرض له، بل يخلّى سبيله؛ فإن الصلاة أمانةُ الله تعالى، فأمره في تركها وإقامتها موكول إلى الله تعالى، وقال في رواية: يحبس ويؤدب، فإن استمر على ترك الصلاة، أدّبناه في وقت كل صلاة، ولا ينتهي الأمر إلى ما يكون سبباً للهلاك. وهذا مذهب المزني. ١٦٣٢ - وأما الشافعي؛ فإنه رأى قتلَ تارك الصلاة، ومأخذ مذهبه الخبرُ، مع أنه لم يرد في هذا الخبر قتلٌ على التخصيص. والهجوم على قتل مسلمٍ عظيمٌ مشكل، وقد بذلت كنهَ الجهد في كتاب الأسلوب (٣). ١٦٣٣ - ثم مضمون الباب فصول: أحدها - في تصوير الترك الذي يتعلق به استحقاق القتل، والقول في هذا يتعلق بأمرين: أحدهما - في عدد الصلاة. والثاني - في معنى الوقت المعتبر في إخراج الصلاة عنه. ١٦٣٤ - فأما العدد، فمذهب الشافعي أنه لو ترك صلاةَ واحدة متعمداً من غير

стр. 1510

عُذرٍ، استوجب القتل إذا امتنع من القضاء، فهذا مذهبه، وتأويل قوله ﷺ : "من ترك صلاة متعمداً فقد كفر" (١) أي استوجب ما يستوجبه الكافر. والصلاة منكَّر في الحديث، ومقتضاها الاتحاد. وحكى العراقيون وراء النص وجهين آخرين: أحدهما - عن الإصطخري: أنه لا يستوجب القتل حتى يترك أربعَ صلوات، ويمتنع عن القضاء، فيقتل بعد الرابعة. والوجه الثاني - حكَوْه عن أبي إسحاق المروزي أنه لا يستوجب القتلَ بترك واحدة، ويُحمل ذلك -وإن كان عمداً- على ذُهولٍ وكسل، فإذا ترك الثانية، فقد عاد، فيلتزم القتل إذا لم يَقضِ. وذكر شيخي مذهب الإصطخري، وحكى عنه أنه يستوجب القتل بترك ثلاث صلوات، فإذا امتنع من القضاء بعد الثالثة، قتل. وفي بعض التصانيف نقل مذهب الإصطخري على أنه لا يخصص بعدد، ولكن إذا ترك من الصلوات ما انتهى إلى ظهور اعتياده تَرْكَ الصلاة، قتل، وإذا لم ينته إلى ذلك لم يقتل. وهذا مذهب غير معتد به. والمعتمد في النقل ما ذكره الأئمة. والمذهب ما نص عليه الشافعي. فهذا كلامنا في العدد. ١٦٣٥ - فأما الوقت، فذكر الصيدلاني، وغيره: أن القتل إنما يثبت إذا أخرج الصلاة عن وقت العذر والضرورة أيضاً، فإذْ ذاك إذا امتنع يُقتل، فإذا ترك صلاة الظهر حتى دخل وقت العصر، لم نقتله حتى تغرب الشمس، وفي المغرب حتى يطلع

стр. 1511

الفجر، ويتحقق الترك في الصبح بطلوع الشمس. ولم أر في الطرق ما يخالف هذا. وإذا كنا نجعل الحائض بإدراك شيءٍ من وقت العصر مدركةَ لصلاة الظهر، فلا يبعد أن يقف أمر الترك الموجب للقتل، على انقضاء جميع هذه الأوقات. ثم مما يتصل ببقية ذلك شيئان: أحدهما - أن قول الشافعي اخْتَلَفَ في وجوب إمهال المرتد ثلاثة أيام في الاستتابة، كما سيأتي مشروحاً في موضعه إن شاء الله تعالى، وهذان القولان يجريان في تارك الصلاة، بل هما أظهر هاهنا، لغموض مأخذ القتل في أصل هذا الباب. والثاني - أنه مهما قضى ما ترك خلّيناه، وقضاؤه كعوْد المرتد إلى الإسلام. ومن نام عن صلاة أو نسيها حتى انقضى الوقت، ولزمه القضاء، فليس الوجوب على [الفور] (١)، بل عمره وقتُه، كقولنا في الحج في حق المستطيع. ومن ترك صلاة متعمداً، فوجوب القضاء على الفور، ولهذا يقتل الممتنع من القضاء، ولو لم يكن على الفور، لما تحقق الحمل عليه بالسيف. ١٦٣٦ - ثم الذي ذهب إليه الأئمة، أنا إذا أردنا قتله، قتلناه بالسيف كما يُقتل المرتد. وعن صاحب التلخيص أنه ينخس بحديدة ويقال له: قم، صلّ، فإن امتثل وإلا استكملنا بهذا النوع قتله. وليس لما ذكره أصل صحيح عند الأصحاب، فهو متروك عليه. ثم إذا قتل، دفن في مقابر المسلمين وصُلِّي عليه، وهكذا سبيل أصحاب الكبائر، وحكى بعض الأصحاب عن صاحب التلخيص أنه إذا دفن في مقابر المسلمين، يسوى التراب ولا يرفع نعش قبره حتى يُنسى ولا يذكر. ولست أرى لهذا أصلاً. ...

стр. 1512

عاب التفقه قوم لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضرر ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ... ألا يرى ضوءها من ليس ذا بصر الإمام أبو الحسن التميمي، منصور بن إسماعيل المتوفي سنة ٣٠٦ هـ

стр. 1513

كتاب الجنائز ١٦٣٧ - ذكر الشافعي آداباً في حق المحتضَر إذا قرب موتُه، فنقول: ينبغي أن يكون في نفسه حسن الظن بالله تعالى عند قرب موته، قال رسول الله ﷺ : "لا يموتن أحدكم إلا وهو حَسن الظن بالله تعالى" (١). ثم ينبغي أن يلقَن الشهادة، فقد قال رسول الله ﷺ : "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله" (٢)، وروى معاذ عن النبي ﵇ أنه قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (٣). ثم لا ينبغي للملقّن أن يلحّ على من قرب أجله، بل يذكِّره الشهادة برفق، بحيث لا يُضجره. ثم مما يؤثر (٤) إذا فاضت نفسه، أن يُغمض عينيه رجل رفيق، ويشد لحييه بعصابة؛ حتى لا تبقى صورتُه مشوّهة في المنظر، ويكون هذا عند تحقق الموت،

стр. 1514

من غير تأخير؛ فإنه قد لا تُطاوعُ الأعضاءُ إذا بعد الزمان، وكذلك نُؤثر تليين مفاصله عند الموت؛ حتى لا تبقى منتصبة، فيعسر التصرف فيها عند الغُسل، ومحاولة الإدراج في الكفن. وذكر (١) جملاً من علامات الموت؛ والغرض أنا لا نُحدث شيئاً مما ذكرناه إلا ونحن على تحقق من الموت. وينزع عنه الثياب التي تدفئه إذا مات؛ حتى لا يتسرعّ التغييرُ إليه، ويسجّى بثوبٍ خفيف، ولو وضَع سيفاً أو غيرَه على بطنه حتى لا يربو، فحسنٌ. وقد ورد في بعض الآثار تلاوة سورة يس (٢) عند قرب الأمر. والذي كان يقطع به شيخي أن المحتضَر يُلقَى على قفاه، وأخمصاه إلى القبلة، وذكر العراقيون أنه يُلقَى على جنبه الأيمن كما يفعل في لحده، ولست أثق بهذا؛ فإن عمل الناس على خلاف هذا. وإن كان ما ذكرناه منقاساً في رعاية استقبال القبلة. ...

стр. 1515

باب غسل الميت ١٦٣٨ - نذكر في صدر هذا الباب أموراً تتعلق بآدابٍ في مقدمةِ الغسل، وكيفية الغُسل، ثم نذكر المسائلَ الفقهية إن شاء الله ، فنقول: الأَوْلى ألا يُنزع عن الميت قميص، بل يغسَّلُ فيه، وإن مست الحاجة إلى مس بدنه باليد في الغسل، فَتق الغاسلُ القميصَ وأدخل يده في موضع الفتق، فإن نزع القميص، جاز، ولكن يجب أن يستر عورة الرجل بثوب يُلقى عليها، والعورة ما بين السرة والركبة، وهذا يُبنى على العلم بأنه يحرم النظر إلى عورته، ويكره النظر إلى سائر بدنه، إلا عند الحاجة. ثم ذكر المزني أنه يعيد الغاسل تليين مفاصله عند الغسل، وتردد أصحابنا، والوجه فيه أن يعلم أن التليين في هذا الوقت، لم يرد فيه أثر، ولم يوجد فيه نصّ للشافعي، ولكن الوجه أن يقال: إن لم تمس حاجة إلى التليين وإعادته، فلا وجه له، وإن مست الحاجة إلى إعادة التليين، فلا معنى للتردد فيه. ثم نقول: ينبغي أن يُغسَّل في موضعٍ خالٍ، لا يطلعُ عليه إلا غاسله، ومن لا بد منه في الإعانة، ولا ينبغي لمن يتعاطى ذلك أن يذكر شيئاً من العلامات التي تكره، فقد يسودُّ وجه الميت بثوران الدم فيه، وقد يميل وجهُه لالتواء عصبٍ، فلو ذُكر، فقد يظن به من لا يدري سوءاً. ثم يفضى بالميت إلى مغتَسله، وهو لوح مهيأ لهذا الشأن، فلو لم يكن، فسرير، وينبغي أن يكون المغتَسل منحدراً في وضعه، حتى لا يقف الماء وينحدر، ثم يعتدّ (١) الغاسل موضعاً (٢) فيه ماء كثير، وينحيه من السرير، حتى لا يترشش،

стр. 1516

ولا يتقاطر إليه، ويكون معه ما يغترف به الماء من ذلك الإناء المنحَّى. ١٦٣٩ - والأصح المنصوص عليه للشافعي أن بدن الآدمي لا ينجس بالموت؛ إذ لو كان ينجس، لما كان في تنظيفه بالغسل معنى. وذهب أبو القاسم الأنماطي إلى أنه ينجس، واستنبط قوله من أمر الشافعي بتنحية الإناء الكبير الذي فيه الماء. وهذا غير صحيح؛ فإن الشافعي نص على ما يفسد هذا (١)؛ فإنه قال: يُنحَّى حتى تكون النفس أطيب في ألا يتقاطر الماء، ثم الماء المستعمل إذا كثر تقاطره، فقد يثبت إلى ما يتقاطر إليه حكم الاستعمال، فيخرج عن كونه طهوراً، وإن بقي طاهراً. ١٦٤٠ - ثم إذا أفضى به إلى مغتسله ألقاه على قفاه أولاً، ثم يتقدم، فيجلسه برفق، ويكون ميله (٢) إلى وراء، فلا يجلسه معتدلاً؛ فإن الميلَ إلى الاستلقاء أوفق، لما يحاوله مما نذكره الآن. وينبغي إذا أجلسه على الهيئة التي ذكرناها، أن يعتني بحفظ رأسه، حتى لا يميل إلى وراء ميلاً بيناً، ثم إذا أثبته كذلك، اعتمد بيديه على بطنه ماسحاً متحاملاً بقوة -وميل الميت إلى وراء- فإن كان فيه فضلةٌ يخشى مبادرتها خرجت، ثم يأمر من معه في هذا الوقت حتى يصب الماء بقوة، ويُكثر؛ حتى إن كان من شيء خَفي في كثرة الماء. والمجمرةُ -مع الاعتناء بفائح الطيب- تكون عنده في هذا الوقت مُتَّقِدَة. ثم إذا تقدر الفراغُ من هذا المقصود الذي ذكرناه، فيتعهد -وقد ردّه إلى هيئة الاستلقاء- غَسْلَ سوأتيه، ولا يمس بيده واحدة منهما، ثم يلفّ على يده خرقة، ويُمعن في غسل إحداهما، ثم ينحي تلك الخرقة، ويلف أخرى، ويغسل الأخرى، فيكون ما جرى بمثابة الاستنجاء في حق الحي، ثم كل خرقة ردّها، ابتدرها بعضُ من يُعينه وغسلها. ثم إن كان ببدنه قذر اعتنى به، ولف خرقة على يديه وغسله، ثم يتعمد خرقة نظيفة، فيبلها، ويتعهد ثغره، وأسنانه بها، ويكون ذلك كالسواك، ولا يفتح فاه في ذلك، ويتعهد منخريه كذلك، ويزيل أذىً إن كان، ثم

стр. 1517

يوضئه وضوءاً تاماً، ثلاثاً ثلاثاً. وذكر الشيخ أبو بكر أنه يأتي بالمضمضة والاستنشاق. وظاهر هذا أنه يوصل الماء إلى داخل فيه وأنفه، ولا يكتفي بإيصال الماء إلى مقادم الثغر والمنخرين، وكان شيخي يقول: يكتفي بإيصال الماء إلى ثغره ومنخره، وهذا معنى المضمضة فيه، وكذلك القول في المنخرين. والذي أرى القطعَ به أن أسنانَه إن كانت متراصة، فلا ينبغي أن يتكلف الغاسل فكّها، وفتحها، لمكان المضمضة، وإن كان فمه مفتوحاً ففي إيصال الماء إلى داخل فمه وأنفه تردد من الأئمة. والسبب فيه أنه قد يبتدر الماء إلى جوفه، فيكون ذلك سبباً في تسارع الفساد والبلى إليه، ونحن مأمورون برعاية صونه جهدنا، وإن كان مصيره إلى البلى. ثم إذا فرغ من ذلك وضَّأه، وتعهد شعره وسرّح لحيته، وشعرَ رأسه إن كان ذا لِمّة، وكانت قد تلبّدت، حتى لا يمتنع بسببها وصول الماء إلى أصول الشعر، ويستعمل مشطاً واسع الأسنان، وَيرْفُقُ جهده؛ حتى لا ينتف شعره، ثم يضجعه على شقه الأيسر ويبتدىء غسله، فيصب الماء على رأسه، وعنقه وشقه الأيمن كلِّه، إلى فخذه، وساقه، ورجله، ثم يلقيه على قفاه برفق، ويضجعه على شقه الأيمن، ويغسل شقه الأيسر، كما تقدم ذكره في الأيمن، وهذه غسلة واحدة، وهو في ذلك كلِّه يُتبع الماءَ يدَه دلكاً، وعليها خرقة. ثم ذكر الشافعي أنه بعد كل غسلة، يُجلسه، ويمرّ يده على بطنه ويردّه، ولكنه يتحامل في المرة الأولى قبل ابتداء الغسل، ويرفُق في غيرها من الكرَّات على حسب ما تقتضيه الحال، ثم يغسله ثانية وثالثة، فإن حصل النقاء المطلوب، وإلا غسله خمساً أو سبعاً، هكذا أمر رسول الله ﷺ اللّواتي كنّ يغسّلن ابنته زينب فقال: "اغسلنها ثلاثاً، خمساً، سبعاً" (١)، والإيتار مرعي عند محاولة الزيادة على الثلاث، ولا مزيد على الثلاث من غير حاجة.

стр. 1518

١٦٤١ - واستعمال السدر في بعض الغسلات مما ورد الشرع به (١) رعايةً للتنظيف، ولكن إذا تغير الماء بالسدر تغيراً طاهراً، لم تحتسب تلك الغسلة عن الفرض، ولا بد في إقامة الفرض من إفاضة ماءٍ طهور، وبه الاعتداد، وذكر العراقيون وجهاً بعيداً عن أبي إسحاق المروزي أنه يتأدى الفرض بالماء المتغيّر بالسدر، وإن كان لا يجوز أداءُ الوضوء والغسل به في الجنابة والحَدث؛ فإن الغرض الأظهر من غُسل الميت النظافة، وهذا بعيد غير معتدٍّ به من المذهب. ثم استعمال مقدار يتفق من الكافور في الغسلة الأخيرة حسن، أمر به الرسول ﷺ (٢)، ورائحته على الجملة مُطردَةٌ للهوام إلى أمد. ثم لم تختلف الأئمة في أنا ننشفه بعد الفراغ من غسله، ويبالغ في تنشيفه حتى لا تبلّ أكفانُه، ولم نر في الوضوء والغسل التنشيفَ، كما تقدم، والفرق لائح، والأوْلى استعمال الماء البارد؛ فإنه يجمع اللحم والجلد، والماءُ المسخن يُرخي ويرهِّل إلا ألاّ يحصل النقاءُ المطلوبُ إلا بالمسخن، أو يكون الهواء بارداً، وكان يعسر استعمال الماء البارد فيه. فهذا بيان كيفية الغسل. ١٦٤٢ - ثم نبتدىء بعد هذا المسائلَ الفقهية، ونصدّرُها بأن الأقل المجزي، الذي يسقط به الفرض وصولُ الماء إلى جملةِ ظاهر البدن، جرياناً، كما ذكرناه في غُسل الجنابة، وفي اشتراط النية في غسل الميت وجهان مشهوران: أحدهما - تجب؛ فإنه غُسل حُكمي، فشابه غسلَ الجنابة. والثاني - لا تجب؛ فإنها لا تتأتى من الميت، وإيجابها على الغاسل بعيد، والغرض الأظهر من هذا الغسل النظافة أيضاً، ويخرج على هذا الخلاف أن الغريق إذا لفظه البحر، فظفرنا به، فإن لم نشترط النية، فقد تأدى الغُسل بالبحر، وإن شرطنا النية، فلا بد من إعادة الغُسل وإقامة النية، ولو غسل كافرٌ مسلماً، ففي الاعتداد به

стр. 1519

خلاف، مبنيٌّ على ما ذكرناه من اشتراط النية؛ فإن الكافرَ ليس من أهل النية. ثم الغاسل ينوي إذا شرطنا النية. ومما يتعلق بهذا أن المجنونة إذا طهرت عن حيضها، فلا نبيح للزوج قربانها حتى تغتسل، ولا تتأتى النية منها، ولكن يكفي في استحلالها إيصال الماء إلى بدنها، ثم لو أفاقت، فهل تعيد الغُسل؟ فيه خلاف كالخلاف في الذمية إذا اغتسلت، ثم أسلمت، ولم يصر أحد من أئمتنا إلى أن قيّمها يُغسِّلها، وينوي عنها، كما ذكرنا أن غاسل الميت ينوي، فهذا مما لم يتعرضوا له بنفيٍ وإثبات والله أعلم. فرع: ١٦٤٣ - إذا غسلنا الميت، فخرجت منه نجاسة، فلفظ الشافعي: أنا نعيد غسله. وقد اختلف الأئمة في المسألة، فذهب بعضهم إلى أنه يعاد غسله من أوله، والذي جرى من الأمر يوجب تجديد غسله؛ فإن الغرض الظاهر تنظيفه كما ذكرناه، ومن أئمتنا من قال: يقتصر على إزالة تلك النجاسة [ولا يعاد غسله] (١). ومنهم من قال: تغسل تلك النجاسة، ثم يجب إعادة الوضوء فيه. فمن رأى الاقتصار على غسل النجاسة، فلا يفرق بين نجاسة ونجاسة، ومحل ومحل، ومن يرى تجديد الوضوء، فلا شك أنه يقول ذلك في نجاسة تبدُرُ من أحد السبيلين، فأما من أوجب إعادة الغُسل، فإن كانت النجاسة خارجة من السبيل، فالغسل، وإن انفجر عرق وظهرت نجاسة، ففي إيجاب إعادة الغسل احتمال عندي، من جهة أن هذا القائل يرى السبب الظاهر في الغسل التنظيف. وهذا يستوي فيه كل نجاسة ومحل، والله أعلم. فصل يجمع تفصيلَ القول في الغاسلِين ومن يكون أَولى ١٦٤٤ - ونحن نصدّره قبل القول في الأَوْلى، بمن يجوز له أن يغسل، فنقول: أما الزوجة، فإنها تغسل زوجها وفاقاً، والأصل فيه ما روي عن عائشة ﵂

стр. 1520

أنها "قالت: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا، لما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه" (١) وقيل: كانت تظن أنهن لو تركن حقوقهن من غسله، تولى أبو بكر الغسل، فلما تولاه علي والعباس، ندمت على ما تركت. والزوج يغسل زوجته عند الشافعي، خلافاً لأبي حنيفة (٢)، وقد "صح أن علياً غسّل فاطمة ﵄" (٣)، فإذا ماتت أمّ ولد الإنسان، أو جاريتُه الرقيقة، فللسيد أن يتولى غُسلها، وإذا مات السيد، فأم الولد هل تغسله؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا تغسله (٤ فإنها عَتَقَت بموته. والثاني - تغسله ٤)، فإنها كانت محلّ حلِّه، وعتقها بمثابة انتهاء النكاح نهايته في حق الزوجة. والأمة المملوكة هل تغسل سيدها؟ فيه وجهان أيضاً، ولعل الأصحَّ المنعُ، فإن الملك فيها انتقل على التحقيق إلى الورثة، ولم يكن الحلّ فيها مقصوداً في الحياة. ١٦٤٥ - ثم الزوجان عندنا يغسل كل واحد منهما صاحبه، وسببه أن النكاح ينتهي نهايته، فجواز الغسل يعقبه كالميراث، ولا تعويل في جانبها على العدّة؛ فإن العدّة واقعة وراء منتهى النكاح، وليست المرأة زوجة في العدة قطعاً. ولو مات الزوج، فوضعت في الحال حملاً، وانقضت عدتُها، فإنها تغسل زوجها، وإن انقضت العدة، كما يغسل الزوج زوجته، وإن لم يكن معتداً.

стр. 1521

١٦٤٦ - ولو ماتت المرأة ولم نُصادِف لها زوجاً، ولا حميماً (١)، ولم تكن حيث ماتت امرأة أيضاً، فالذي قطع القفال به أن الرجل يغسلها في قميص، ويبذل كنهَ الجهد في غضِّ الطرف عنها. وذكر العراقيون وجهاً أنها لا تغسل، ولكن تُيمَّم ويجعل فقدان من يغسلها، كفقد الماء. وهذا وجه بعيد. وكذلك لو مات الرجل ولم يشهد إلا نسوة أجنبيات، فظاهر المذهب أنهن يغسلنه، ويغضضن من أبصارهن، وذكروا وجهاً أنه ييمم. ١٦٤٧ - ومما ذكره الصيدلاني كلامُ الأصحاب في الخنثى إذا مات على إشكاله، ولم يُعلم له حميم من الرجال أو النساء، قال بعض الأصحاب: يجب أن يشترى له من تركته أمة تغسله. وقال الشيخ أبو زيد: هذا ضعيف لا أصل له؛ فإن المذهب الصحيح أن الرجل إذا خلَّف أمة، لم تغسله؛ من حيث صارت ملكاً للورثة. فالوجه أن يقال: الخنثى يغسله الرجال، أو النساء، مع غض الطرف، وليس أحد الجنسين أولى في ذلك من الثاني. قال القفال في توجيه ذلك: "هذا الخنثى لو فرض طفلاً صغيراً، لجاز للرجال والنساء جميعاً أن يغسّلوه حياً وميتاً، فتستصحب تلك الحالة". ولا حاجة إلى التمسك بهذا؛ فإن مقتضاه جواز ذلك للجنسين في بلوغه استصحاباً لحكم الصغير في حالة البلوغ في الحياة، وهذا لا سبيل إلى التزامه، ولكن ذلك يوجَّه بمسيس الحاجة إلى الغسل، ثم ليس مع ضرورة الغسل جنس أولى من جنس. ويرد في صورة الخنثى الوجه الذي ذكره العراقيون أنه ييمم ولا يغسل، وهذا بعيد غيرُ مرضي. ١٦٤٨ - فإذا تمهد بما ذكرناه غسل الرجال للنساء وغسل النساء للرجال عند مسيس

стр. 1522

الحاجة، فنحن نبتدىء الآن التفصيل فيمن هو أولى بالغُسل عند فرض اجتماع من يصلح لهذا الشأن. فإذا ماتت امرأة، وخلّفت زوجاً وجمعاً من المحارم، من الرجال والنساء جميعاً، كان شيخي وغيره من أصحاب القفال يقولون: نساء المحارم أولى بالغسل من الزوج وغيره من الرجال، فإن لم يكن، فالنساء الأجنبيات أولى من الزوج، فإن لم نجد امرأة أصلاً، فالزوج أولى من الرجال المحارم، فإن لم يكن زوج، فالرجال المحارم، ثم ترتيب الكلام فيهم في الغسل على حسب ترتيبهم في الصلاة، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله . وذكر العراقيون نسقاً آخر في الترتيب، فقالوا: في الزوج ونساء المحارم وجهان: أحدهما - أن نساء المحارم أولى. والثاني - أن الزوج أولى؛ فإنه كان ينظر من امرأته في حياتها ما لا ينظر إليه نساء المحارم. والقائل الأول يقول: لا نكاح بعد الموت، وإنما يثبت الغُسل للزوج لحرمة تُبقيها الشريعة بعد انتهاء النكاح نهايته، والمحرمية سببها باق دائم، سيما مع الأنوثة، ثم فرعوا على هذا، فقالوا: إن قلنا: الزوج أولى من نساء المحارم، فلا شك أنه أولى من رجال المحارم أيضاً، وإن قلنا: نساء المحارم أولى من الزوج، ففي رجال المحارم مع الزوج وجهان: أحدهما - المحارم أولى لما ذكرناه من بقاء سبب المحرمية وانتهاء النكاح نهايته. ومنهم من قال: الزوج أولى، لما سبق ذكره. ثم من يرى تقديمَ المحارم، فإنه يقدم أبعدهم على الزوج، ومن يقدم الزوجَ، فإنه يقدمه على أقرب المحارم، ثم ترتيب الأقارب المحارم كترتيبهم في الصلاة. فهذا بيان الطرق في ترتيب من يُغسِّل، وهو فيه إذا كان يُفرض ازدحامُهم وتنافسهم في الغُسل، فإن سَلَّم من قدمناه في الغُسل ذلك لمن نؤخره، (١ جاز لمن نؤخره ١) أن يتعاطى الغسل، [كالزوج إذا سلّم الغسل] (٢) لرجال القرابة، ونحن نرى تقديم الزوج.

стр. 1523

١٦٤٩ - وكان شيخي يقول: هذا يجري في الرجال بعضهم مع بعض، فأما النساء، فيجب تقديمهن على جنس الرجال إذا وجدت (١)، وإنما يغسّل الرجال المرأة إذا فقدنا النساء. وهذا القسم عندي فيه احتمال ظاهر، فيجوز أن يقال: من نقدِّمه عند الزحمة، فحق عليه أن يتعاطى [الغسل] (٢)، فإنه بحق واختصاصٍ قُدِّم، ويجوز أن يقال: له أن يسلم لغيره. ١٦٥٠ - ومن دقيق الكلام في هذا الباب أنه لو اجتمع الأصناف المقَدَّمة، فامتنعوا من الغسل، فالوجه أن يقال: يختص بحكم الحَرَج من قوي تقديمه عند فرض الزحمة، ثم لا يسقط عن غيره، بل لو عطله الأدنوْن، والأقربون، تعين على الأجانب القيامُ بذلك؛ فإنه فرضٌ على الكفاية، في حق الناس عامة. وهذا واضح لمن تأمله. والعلم عند الله تعالى. ١٦٥١ - وكل ما ذكرناه في المرأة تموت، فأما الرجل إذا مات، فزوجته في غُسله كالزوج في غسل زوجته، وترتيب القول في تقديمها على الرجال المحارم، كما ذكرنا، فالرجال في غسل الرجل كالنساء في غسل المرأة. وحكى شيخي والأئمة عن أبي إسحاق المروزي أنه كان يقول: ليس للزوجة رتبةُ التقدم على أحد، وإنما لها جواز الغسل فحسب، فأما أن تقدم، فلا. وهذا ليس بشيء، فالزوجة في حق الزوج، كالزوج في حق الزوجة، وفي حديث عائشة ما يدل على أن الزوجة أولى من رجال (٣) المحارم: "لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا، لما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه" (٤).

стр. 1524

فصل في تزيين الميت بالحَلْق، والقَلْم، وما يتعلق بذلك ٦٥٢ - فنقول: في قَلْم أظفار الميت وحلق الشعور التي كان يؤمر ندباً بإزالتها من البدن، كشعر الإبط والعانة قولان: أحدهما - أنه يترك؛ فإنه ثبت لها حكم الموت، وهي من جملته، فتدفن عليه، وقد يكون في تعاطي بعض هذه الأمور، ما يناقض موجب التعظيم والاحترام. والقول الثاني - أنها تُزال منه كما يُزيلها الحي من نفسه. والشعر الذي كان يبقيه على نفسه في حياته تزيّناً بها كاللحية وغيرها، فلا شك أنها تبقى عليه، ومن هذا القسم لِمّتُه إن كان ذا لِمة، وهي بمثابة ذوائب المرأة. فأما الشعر الذي كان يأخذه زينةً، لا أدباً شرعياً، كشعر الرأس إذا لم يكن ذا لِمة، فقد اختلف فيه الأئمة على طريقين: فمنهم من خرجه على القولين في القَلْم وحلق الشعور الباطنة، ومنهم من قطع بأن هذا الجنس لا يحلق؛ فإن حلقه زينة، ولا زبنة بعد الموت. فصل ١٦٥٣ - من مات مُحْرِماً يجب حتماً إدامةُ شعار الإحرام في بدنه، فلا يجوز أن يُقرَّب طيباَّ، ولا يخمّرَ رأسُه، إن كان رجلاً، ووجهها، إن كانت امرأة. ولو ماتت المعتدّة التي كنا نأمرها بالإحداد، واجتناب الطيب في عِدتها، فهل نُقرِّبها طيباً؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا لا نقربها طيباً، كما لا نقرب المحرم؛ استدامةً لحكم الحياة. والثاني - أنا نقربها طيباً بعد موتها؛ فإنا كنّا ننهاها عن استعمال الطيب، حتى لا تتزين للرجال، وتتحزَّن على زوجها المتوفى، وهذان المعنيان لا أثر لهما بعد الموت.

стр. 1525

فصل ١٦٥٤ - الكفار الحربيون لا حرمة لهم، إذا قتلوا أو ماتوا، تركناهم بالقاع، طعمةً للسباع، (١ فإن واريناهم ١)، فسببه أن يُغيَّبوا عن أبصار المسلمين، كما تُغيب الجيف. ١٦٥٥ - فأما إذا مات فينا ذمِّي، على حرمة الذمّة، فإن لم يكن له ولي من أهل دينه، فلا يجب على المسلمين غُسله، وتحرم الصلاة عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] ولو غسَّله مسلم لمكان ذمته وحرمته، فلا بأس. وكان شيخي يقول: تكفينه ودفنه من فروض الكفايات على المسلمين، وليس ذلك كغسله، حتى يجوز تركه، أو كالصلاة حتى يحرم. وفي كلام الصيدلاني ما يدل على أنه لا يجب تكفين الكافر (٢) ودفنه، كما لا يجب غُسُله، فإنا إنما التزمنا الذب عنه في حياته، ثم ذكر هذا على العموم في الكفار. وقال إن واريناهم، فلدفع أذيتهم وجيفهم، وذكر أن رسول الله ﷺ أمر حتى قُلب قتلى بدر من الكفار، في القليب. وهذا الذي جاء به في أهل الحرب، وكلامه عام في كل كافر. وعلى الجملة في وجوب دفن الذمي وتكفينه احتمالٌ ظاهر، كما قدمناه. ومما يتعلق بالفصل أنه لو مات ذمي، وله قريب مسلم، وآخر كافر، فقريبه الكافر أولى بغُسله؛ فإنه أولى بموالاته وميراثه، وإن كان أبعد من القريب المسلم. وهذا واضح لا إشكال فيه. فرع: ١٦٥٦ - قال العراقيون: لو احترق مسلم ولو أمسسناه ماء، لتهرّأ، فلا نغسله والحالة هذه، بل نيممه، كما نُقيم التيمم مقام الغسل في حق المريض الحي. وهذا الذي ذكروه قياسُ طريقنا.

стр. 1526

ولو كان عليه جروح وقروح، وكنا نقدر أنه يتسرع البلى إليه، ويدخل الماء تجاويفه لو غسل، ولكن كان لا يتهرأ، فإنه يغسّل، ولا نبالي بتسارع الفساد إليه، فإن مصيره إلى البلى، والله أعلم وأحكم. ***

стр. 1527

باب عدد الكفن وكيف الحنوط ١٦٥٧ - تكفينُ المسلم فرضٌ، كما أن غُسلَه والصلاةَ عليه فرضٌ، ونحن نذكر الأقلَّ، الذي يُسقط فرضَ التكفين، ثم نذكر بعده الأكمل والأفضل، إن شاء الله . فالثوب الواحد، السابغ، الساتر لجميع بدن الميت لا بدَّ منه، فلو مات، وخلّف ديوناً مستغرقةً للتركة، فمؤنة تجهيزه مقدّمة، فلو قال الغرماء: لا نرضى أن يزاد في كفنه على ثوب واحدٍ، ففي المسألة وجهان مشهوران: أحدهما - أنه يكتفى به؛ فإنه ساتر، وإبراء ذمته من الديون أولى من الزيادة. والوجه الثاني - أنه يكفن في ثلاثة أثواب، كما أنه إذا أفلس في حياته، فيترك عليه ثيابٌ تجمّله، من قميص ودرّاعة، وعمامةٍ تليق به، فيراعى هذا المسلك في أكفانه بعد وفاته. ١٦٥٨ - ولو لم يخلِّف ديوناً، ولكن تنازع الورثةُ في أكفانه، وأرادوا الاقتصارَ على ثوب واحد، فالذي قطع به الأصحاب أنه لا يجوز لهم ذلك، بخلاف الغرماء. وذكر صاحب التقريب أن من أئمتنا من ذكر وجهين في حقوق الورثة أيضاً، كالوجهين إذا نازع الغرماء. وهذا بعيد. ١٦٥٩ - ومن لم يخلف شيئاً كُفِّن من بيت المال، ثم الذي قطع به الأئمة أنه يكتفى والحالة هذه بثوبٍ واحد سابغ، ولم يصر أحد إلى جواز الاقتصار على ما يستر العورة من الرجل، بل لا بد من ثوبٍ سابغٍ ساتر لجميع البدن. وذكر صاحب التقريب وجهين في أنه هل يجب تكفينه من بيت المال في ثلاثة أثواب أم لا؟ وهذا حسنٌ، فإنا إذا كنا نذكر ذلك في حق الغرماء عند ضيق التركة، فليس يبعد ذلك في مال بيت المال، ثم قال صاحب التقريب: إن قلنا: لا يكفن من بيت

стр. 1528

المال إلاّ في ثوبٍ واحد، فلا كلام. وإن قلنا: إنه يكفن في ثلاثة أثوابٍ من بيت المال، فلو خلّف ثوباً واحداً سابغاً، فهل يُكتفى به على هذا الوجه، أم يستكمل الثلاث من بيت المال؟ فعلى وجهين ذكرهما. أحدهما - وهو الة جاس على ذلك أنا نكمل؛ فإنا نرى الثلاث حتماً على هذا الوجه الذي عليه التفريع، فتكميلها من بيت المال كابتدائها. والثاني - لا يُكمل؛ فإن المتوفَّى إذا خلف ثوباً، فليس هو من أصحاب الضرورات في ذلك، ولا يُتعدّى ما خلفه إلى جهة بيت المال. ١٦٦٠ - ثم استكمل صاحب التقريب بيانَ هذا الفصل على أحسن سياقَة. فقال: أطلق الأئمة في الطرق أن أقل الكفن ثوبٌ واحد سابغ، ثم رددوا أجوبتهم في الثلاثة كما ذكرناه، وتحصيل القول في ذلك: أن الثوب الواحد السابغ تظهر فيه رعايةُ حق الله تعالى، ولا يجوز الاقتصار على ما يستر العورة، وإن كان يبدو من الميت شيء، لم يجز إلا إذا لم نجد سابغاً، فنضطر إلى الاكتفاء، وعليه يحمل ما روي "أن مصعب بنَ عمير، لما استشهد بأحد وكانت عليه نمرة (١) إذا ستر بها رأسه، بدت قدماه، فأمر رسول الله ﷺ أن يُدرج فيها ويوضع على قدميه شيء من الإذخر" (٢). وهذا محمول على أنه لم يوجد ما يستره ستراً سابغاً في ذلك الوقت، فأما تكفين الميت في ثلاثة أثواب في حق الغرماء، والورثة، وفي حق بيت المال، فهو مما يتعلق برعاية حق المتوفى في نفسه، كما ذكرناه في ثيابه التي تُبَقَّى عليه، إذا أفلس، وأحاطت به الديون. ثم حقق هذا بأن قال: لو أوصى الميت بألا يكفن إلا في ثوب واحد، كَفَى الثوبُ الواحد السابغ؛ فإنه بوصيته رضي بإسقاط حقه. ولو قال: رضيت بأن تقتصروا على ما يستر عورتي، فلا أثر لوصيته في ذلك، ويجب تكفينه في ثوب سابغ ساترٍ لجميع بدنه.

стр. 1529

وهذا الذي ذكره في نهاية الحسن، واحتج بما روي أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: "إذا مت، فكفنوني في ثوبي الخَلَق؛ فإن الحيَّ أولى بالجديد" (١) فنفذت وصيته. فهذا منتهى القول في أقل الأكفان في تفاصيل الأحوال ١٦٦١ - فأما القول في الأكمل، فالرجل يكفن في ثلاثة أثواب، ولا ينبغي أن يزاد على هذا القدر، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا تغالوا في الأكفان؛ فإنها تسلب سلباً سريعاً" (٢). ١٦٦٢ - ثم الوجه أن نذكر ما تكفن المرأة فيه أولاً، ثم نذكر كفن الرجال. قال الشيخ أبو علي: يجوز أن يزاد عدد أكفان المرأة على الثلاثة، عند أئمتنا، فإنها تُعنى بمزيّةٍ في الستر حيّةً وميتة، ثم يسوغ الاقتصار على الثلاثة، وإن زيد على الثلاثة، فينبغي أن تبلغ خمسة طلباً للإيتار، وليست الخمسةُ وإن أحببناها في حقها بمثابة الثلاثة في حق الرجل، حتى نقول تُجبَر الورثةُ عليه، كما تجبر على الثلاثة. وهذا متفق عليه. ثم إذا كانت تكفن في خمسة، فليكن أحدها إزاراً، والثاني خماراً، وهل يستحب أن تُقَمصَ؟ فعلى قولين: أحدهما - أنا لا نستحب ذلك، وهو الجديد. والثاني - أنها تُقَمَّصُ؛ فإن ذلك أستر لها، ثم ذكر الشافعي: أنه تُشد عليها أكفانها بشداد، واختلف أئمتنا في أن هذا الشداد من جملة الخمسة، أو هو سادس. فإن قلنا: هو [سادس] (٣) [فهو شدادٌ] (٤) وراء الأكفان، ثُمّ يُحَلّ في القبر، وينحَّى،

стр. 1530

ويُخرَج، ولا يُترك عليها إلا خمسة. ومن قال هو من الخمسة تركه عليها؛ فإنه من الأكفان. وفي بعض التصانيف وجهان في الشداد إذا كنا نتركه عليها: أحدهما - وهو مذهب أبي إسحاق أنا نشد به وسطها، دون الرَّيْطة (١) الثالثة. والثاني - وهو اختيار ابن سُريج أنه يكون وراء اللفائف حتى يجمعها، ويعصبها، وإن كنا نزيل الشداد، فلا شك أنه يشدّ فوق اللفائف. ١٦٦٣ - ولا بد الآن من نظم القول. فإن قلنا: لا تُقمَّص، فليس الشداد من الخمسة، فإزار، وخمار، وثلاث لفائف. وإن قلنا: الشداد من الخمسة، ولا قميص، فإزار، وخمار، ولفافتان، وشداد. وإن قلنا: تُقمّص، والشداد من الخمسة، فإزار، وخمار، وقميص، ولفافة واحدة، وشداد. وإن لم نعدّ الشداد، فلفافتان، ولا مزيد على الخمسة؛ فإنه سرف، ومغالاة، وقد نهى عنها النبي ﷺ . ١٦٦٤ - وأما الرجل، فلم يختلف العلماء في أنه لا يستحب أن يلبَس قميصاً. ولو كفّن في أكثرَ من ثلاثة، فبلغ عدد أكفانه خمسة، جاز. ولم يكن منتهياً إلى حد السرف. نقله الصيدلاني عن نص الشافعي. والأوْلى الاقتصار على الثلاث. وروي عن عائشة أنها قالت: "كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض، سحُولية، ليس فيها قميص عمامة" (٢) ثم إن كان تبلغ أكفانه خمسة، فأحدها قميص، والثاني عمامة، وثلاث لفائف. فانتظم مما ذكرناه استحبابُ الخمسة في المرأة، وجواز تبليغ أكفان الرجل خمسة. ولا ينبغي أن يقمّص الرجل إذا كان عدد الأكفان ثلاثة، وهل تقمص المرأة إذا كان عدد الأكفان خمسة؟ فيه القولان المذكوران.

стр. 1531

وإن [كانت] (١) تكفن في ثلاثة أثواب، فينبغي أن تكون رياطاً سابغةً، وإنما ذكر الشافعي القولين في استحباب القميص إذا كانت تكفن في خمسة أثواب، والسبب فيه أن الإزار والخمار -إذا كانت تكفن في خمسةٍ- أولى من القميص، وإذا كانت تكفن في ثلاثة، فإزار، وخمار، [وقميص] (٢)، وإذا لم تكن فوق الثياب لفافة، سابغة، فيكون ذلك خارجاً عن الوجه المختار. ثم ما ذكرناه كلامٌ في الأوْلى، وإلا فلو ستر الميت بقميصٍ سابغٍ، فهو ستر تام، ويبقى الكلام في الثاني، والثالث. ثم ذكر الشيخ أبو علي في الأثواب الثلاثة التي يكفن فيها الرجل خلافاً بين أصحابنا، فقال: منهم من قال: ينبغي أن تكون كلها سوابغ، ومنهم من قال: السابغة الريطةُ العليا البادية، فأما الريطتان الأخريان، فقاصرتان: الأولى - على حدِّ مئزر، يستر من السرة إلى الركبة، والثانية - من الصدر أو فويقه إلى نصف الساق، والثالثة وهي العليا، فتكون سابغة، يفضل منها شيء من جهة الرأس وشيء من جهة القدم، ويكون الفضل الأكثر من جهة الرأس. ١٦٦٥ - ثم ذكر الأئمة كيفية إدراج الميت في أكفانه، فنسوق ما ذكروه على وجهه: فينبغي أن تفرش الريطةُ العالية في موضعٍ نقي، وتذرّ عليها الحنوط، وتبسط عليه الثانية، ويذر عليها الحنوط، ثم تبسط الثالثة، التي تلي بدنَ الميت ويذرّ عليها شيء صالح من الحنوط، ثم يعدّ مقدار صالح من القطن الحليج ويُعمد إلى شيءٍ، فيلفّ على قدر موزه ويعمِد بها إليتيه (٣)، قال الشافعي ويبالغ في ذلك، فظن المزني أنه أراد أن يجاوز بها حدَّ الظاهر، وليس الأمر كذلك، بل أراد بالمبالغة أن يدس بين الإليتين، ويُفضي بها إلى الموضع، ويُبسطُ عليها مقدار عريض من القطن، ثم يشد

стр. 1532

وراء التُّبَّان (١) ويستوثق منه في الشد حتى إن [حرك] (٢) أو زعزع، أمن خروج خارج منه، ثم يعمد إلى منافذه كالعين والأنف والفم والأذن، ويلصق بكل موضع قطنةً، عليها كافور، ليكون مدرأة للهوام. ١٦٦٦ - ثم أحب الثياب البيض، وقد تواترت الأخبار في الاستحثاث عليها، قال رسول الله ﷺ : "أحبُّ الثياب إلى الله البيض يلبسها أحياؤكم، ويكفن فيها موتاكم" (٣) وكفن رسول الله ﷺ في ثيابٍ بيض، ثم رأى الشافعي تجميرَ الأكفان بالعود، واختاره على المسك لما صح عنده من كراهية ابن عمر لاستعمال المسك في الكفن، فآثر الخروج عن خلافه. ١٦٦٧ - ثم يجوز تكفين المرأة في الحرير، كما كان يجوز لها لبسه في حياتها، ويمتنع ذلك في الرجال، كما حرم عليهم لبسه في الحياة، ولا يؤثر للنساء أيضاً التكفين في غير القطن والكتان؛ فإنه سرف، وقد ذكرنا أن السرف منهي عنه في الأكفان، وإن فرض نزاع في جنس الكفن، رددنا الأمر إلى ما يتعلق بمرتبة كل شخص، كما نفعل ذلك في حالة الحياة، مع اجتناب الرجال الحرير. ١٦٦٨ - ثم ذكر العراقيون وجهين في أنه هل يجب استعمال الحَنوط (٤)، أم هو مستحب؟ فمنهم من أجراه مجرى الثوب الثاني والثالث، كما قد تقدم شرح المذهب فيها. ومنهم من قال: لا يجب استعماله، وهو الذي يجب القطع به.

стр. 1533

ثم إذا هيئت الأكفان، وضع الميت على وسطها مستلقياً، ثم يعمد إلى الضِّفَّة التي تلي اليمين، وتلوى على اليسار، ويجمع الفاضل من جهة الرأس، فيثنى على وجهه، ويجمع ما انفصل من القدم ويثنى على الساق. فرع: ١٦٦٩ - إذا ماتت الزوجة، فهل يجب على الزوج مؤنة تكفينها وتجهيزها؟ فعلى وجهين مشهورين، أحدهما - لا يجب؛ فإن النكاح قد انتهى نهايته، فتزول المؤن بانتهائها. والثاني - يجب؛ فإن النكاح وإن انتهى، فإنه يعقب تبعاتٍ كالميراث، والعدة، وجواز الغسل، وإذا مات ابن الرجل، أو أبوه فقيراً، وكان بحيث يستحق النفقةَ في حياته، على الذي بقي حياً، فيجب تكفينه، وتجهيزه وجهاً واحداً؛ فإن السبب الذي كان يستحق به النفقة في حياته القرابة المخصوصة، وهي باقية، وليست كالزوجيَّة التي انتهت بالموت. فصل ١٦٧٠ - كان الترتيب (١) يقتضي أن نذكر بعد الغُسل والتكفين، الصلاةَ، وحملَ الجنازة، ثم الدفن، وقد نقل المزني فصولاً في الدفن الآن، فنجري على ترتيبه فيها، ونستعين بالله تعالى. ١٦٧١ - فالدفن من فرائض الكفايات كالغُسل والتكفين والصلاة، ثم القبر يشق ويلحد، واللحد أولى عندنا، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الشق لغيرنا واللحد لنا" (٢) ولما أراد أصحاب رسول الله ﷺ أن

стр. 1534

يدفنوه "أرسلوا وراء شاقٍّ ولاحدٍ، وكانوا يقولون: اللهم اختر لنبيك، فأقبل أبو طلحة اللاحد، فلحد قبرَ رسول الله ﷺ " (١). ثم يكون الميت في قبره على جنبه الأيمن في قبالة القبلة، وذلك حتم، فإن كان لحداً قُرّب إلى القبلة وألصق بمنتهى اللحد، وأضجع إضجاعاً لا ينكب على وجهه، واستوثق من وراء ظهره بلبنة حتى لا يستلقي، وحسن أن يترك تحت رأسه لبنة، ولو أفضى بوجهه إليها، أو إلى تراب قبره حتى يكون على صورة مستكين لربه، كان حسناً، ولا ينبغي أن يوضع على مخدة، أو مُضرَّبة (٢)، وتنضد اللبن على فتح اللحد، وتسد الفُرج بما يمنع [انهيار] (٣) التراب فيه. ثم في الآثار: "أن يَحثي (٤) كلُّ من دنا حثيات من التراب" (٥)، ثم يهال التراب بالمساحي، ويرفع نعش (٦) القبر بمقدار شبر، ولا يبالغ في رفعه أكثر من هذا أو قريباً منه، ولا يُجصَّص، ولا يُطيَّن ولو صب [عليه الحصباء] (٧) كان حسناً، وقد فعله

стр. 1535

رسول الله ﷺ بقبر إبراهيم ﵇. ١٦٧٢ - ولو وضع واضع حجراً كبيراً عند رأس القبر، ليُعْلَمَ، ويقصَد للزيارة، فلا بأس به. وقد أمر رسول الله ﷺ أحد أصحابه أن يأتيه بحجر أشار إليه، ليضعه على رأس قبر عثمان بن مظعون فأعياه الحجر، فقام إليه النبي ﷺ بنفسه، وحسر عن ذراعيه، واحتضن الحجر وشاله، ووضعه على رأس قبره، فقال: "حتى أعرف قبرَ أخي وأدفن إليه من مات من أهلي" (١). ١٦٧٣ - ثم الأوْلى عند الشافعي تسطيح القبور، وهو أفضل من تسنيمها، وقد صح عنده أن قبر رسول الله ﷺ ، وقبرَ صاحبيه مسطحة (٢)، وسطح رسول الله ﷺ قبرَ إبراهيم (٣). ومالك (٤) يرى التسنيم. وقال ابن أبي هريرة من أصحابنا: إذا عمَّ في بعض البقاع من عادات الروافض

стр. 1536

التسطيح، فعند ذلك التسنيم عندنا أفضل، مخالفة لعاداتهم. ١٦٧٤ - وحكى العراقيون عن ابن أبي هريرة في مساق الكلام أنه إذا صار الجهر بالتسمية شعاراً لهم، رأيت الإسرار بها مخالفةً لهم. وهذا بعيد جداً، ولا ينبغي أن يرتكب الإنسان تركَ ما صح وثبت، لهذا المعنى، ثم إن احتمل هذا في هيئة قبر، فطرده في سُنَّة من سنن الصلاة بعيد لا أصل له. قال شيخي أبو محمد: حكى بعض الأصحاب أن الشافعي قال: إن ظهر في ناحية كون القنوت في الصلاة شعاراً ظاهراً لهم تركتُ القنوتَ مخالفةً لهم. ثم قال: وهذا النقل مزيف، والشافعي أعلى من أن يدعو إلى ترك بعضٍ من أبعاض الصلاة بسبب إقامة المبتدعة له، والقول بذلك يرقى إلى التزام أمور لا سبيل إلى التزامها. ومهما اطردت عصابة أهل الحق على السُّنَن، لم يَبِن (١) اختصاص آخرين بها، حتى ينتهي الأمر إلى عدها من شعارهم. وقيل: الأصل في ذلك "أن رسول الله ﷺ كان يقوم إذا بدت جنازة، فأخبر أن اليهود تفعل ذلك، فترك رسول الله ﷺ القيامَ ولم يقم" (٢)، وهذا قريب؛ فإنه لم يكن القيام أمراً مقصوداً، ولا سنة في عبادة. وأجرى بعض الأئمة التختم في اليسار هذا المجرى، واعتقد أن رسول الله ﷺ كان يتختم في اليمين، ولكن اشتهر هذا بأهل البدع، وصار شعارهم، فرأينا مخالفتهم، والأمر في هذا قريب أيضاً، ولكن أخبرني من أثق به من أئمة الحديث أن الذي ظهر وصح من أمر رسول الله ﷺ التختُّمُ في اليسار.

стр. 1537

١٦٧٥ - ومما ذكره الأئمة أنه لا ينبغي أن يدخل اثنان في قبرٍ إلا عند موَتان (١) والعياذ بالله، فإذا كثر الموتى أو ضاق المكان، فلا بأس بذلك، وقد روي عن النبي ﵇ أنه قال: "احفروا وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في قبر" (٢)، ثم ينبغي أن يقدم الأفضل إلى جدار اللحد مما يلي القبلة، ثم يليه مَنْ يليه في الفضل، وإذا جمعنا بين أم وبنت، قدمت الأم على البنت. قال الصيدلاني: الأم والابن إذا جمعا عند حاجة قدم الإبن لمكان الذكورة، ولا وجه في هيئة الوضع غيره. ومنع الأئمة الجمع بين النسوة والرجال ما بقي في الامتناع منه اختيار، فإن ظهرت الحاجة، فإذ ذاك. ثم قال الشافعي: ينبغي أن يجعل بين الرجل والمرأة حاجزٌ من تراب. ١٦٧٦ - والمقدار الذي يلحق بما يجب في الباب الدفن في حفرة يعسرُ على السباع في غالب الأمر نبشها، والتوصل إلى الميت فيها، وإذا كان كذلك، فلا يقتصر على أدنى احتفار. ومما يُرعَى أن تكتم روائحُ الميت، فهذان المعنيان يجب رعايتهما. وقد قيل: الأوْلى أن يكون عمق القبر بمقدار بسطة، وهي قامة رجل وسط. ١٦٧٧ - ثم يُكره للرجل أن يجلس على قبر، أو يتخذه متكأ، وكذلك يكره أن يتوطأ (٣) الماشي في مشيه شفير قبر، ولا يجوز البناء في المقابر على قبرٍ، فإن موضع البناء يشغل مواقع القبور، التي تقدر في تلك الأماكن، فإن لم يكن في مقبرة مشتركة، فلا بأس بالبناء.

стр. 1538

١٦٧٨ - ثم إذا قُبر المسلم في موضع، فلا ينبش موضعه ومضجعه ما بقي منه أثر، وإذا علم أن الأرض أكلته ومحقت أثره بالكلية، فيقبر في ذلك الموضع غيره، ولا يجوز والحالة هذه أن يمنع منه مع مسيس الحاجة، والأولى (١) في حكم نزيلٍ في منزلٍ من موضع مسبَّل على السابلة، فإن غيره من النازلين يحلّون حيث حل. ١٦٧٩ - ثم ذكر الأئمة صوراً فيها خلاف ووفاق في نبش القبور جوازاً ومنعاً، فالمشهور أنه إذا كان تُرك غُسل الميت، ودفن حيث كان يجب غُسله، يُنبش ويغسَّل ويعاد، وذلك واجب إذا لم يتخلل من الزمان، ما [يتخيل] (٢) في مثله تغير الميت، وحكى صاحب التقريب ذلك، وحكى قولاً آخر أنه يكره نبشه لأجل تدارك الغُسل. وهذا غير مرضي، والمذهب وجوب النبش (٣ في الحالة التي ذكرناها، لإقامة الغُسل، ثم اللفظ الذي نقله في القول الغريب مقتضاه جواز النبش، مع الكراهية، وليس معناه تحريم النبش، فهذا حكم النبش لأجل الغسل، والأصل فيه وجوب تدارك الغسل. ١٦٨٠ - ولو دفن، ولم يصلَّ عليه، فلا يجوز النبش لأجل الصلاة، بل يصلى على القبر؛ فإن ذلك سائغ كما سيأتي ذكره. ١٦٨١ - ولو لم يكفن ووُوري ففي وجوب النبش ٣) ليكفن وجهان مشهوران: أحدهما - المنع من ذلك؛ فإن القبر قد واراه وستره، فليقع الاكتفاء به إذا وقع؛ فإن النبش هتكه، ولا شك أن النبش حرام [لغرض] (٤) في نقلٍ يراه [الناس] (٥). ومما يجب التنبيه له أنا وإن كنا نجوّز الصلاة على القبر، ونقول إذا قُبر من غير

стр. 1539

صلاة، فلا ينبش ليصلَّى عليه، ولكن يحرم أن يُفعل ذلك قصداً بل يجب أن يصلى عليه قبل الدفن -وإن كانت الصلاة لا تمتنع بالدفن- فإن في مخالفة ذلك تركَ الشعار العظيم، الظاهر في فرض الكفاية، وفيه إهانةُ الميت فحرم. ١٦٨٢ - ولو قُبر الميت في أرضٍ مغصوبة، فطلب مالكها إخراجَه، تعيَّن إخراجُه. ولو كفن في ثياب مغصوبة، ودفن، فقد اختلف أئمتنا في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه يتعيّن النبشُ وردّ الثياب إلى مالكها، كما يجب ذلك بسبب تَخْلِية الأرض المغصوبة وردها، وقال قائلون: لا نفعل ذلك، ولا نجوزه، ونغرَم لمالك الثياب قيمتَها. ثم يتطرق إلى الأرض المغصوبة والكفن المغصوب نوعان من الكلام: أحدها - أنه لو دفن في أرضٍ مغصوبة، وتغير، وكان إخراجه هتكَ حرمةٍ، فالذي أشار إليه الأئمة أنه يخرج مهما (١) طلب المالك، واحتُمل ذلك؛ فإن حرمة الحي أولى بالمراعاة. ويجوز أن يظن ظان تَرْكَه؛ فإنا قد نقول: لو غصب غاصب خيطاً، وخاط به جرحاً، فلا يسلّ الخيط، إذا كان يؤدّي إلى إضرارٍ، وفي القواعد -على ما سنصف- تنزيلُ حرمة الميت منزلةَ حرمة الحي، فيما هذا سبيله، سيّما والأمر في ذلك قريب؛ فإنه سيبلى في زمان ينمحق أثره، والدليل عليه أن مبنى العاريّة على جواز الرجوع فيها، ثم من أعار بقعةً حتى دُفن فيها ميت، ثم أراد الرجوع في العارية، لم يكن ذلك له، وكان هذا من العواري اللازمة، فهكذا في الدفن في الأرض المغصوبة. وذكر العراقيون وجهاً ثالثاً في الكفن المغصوب، فقالوا: إن تغير الميت، وكان يؤدي النبش إلى هتك حرمته، فلا يردُّ. وكان شيخي لا يرى هذا التفصيل، ويقول: لو بلع لؤلؤةً، ومات، فقد يشق بطنه لردها، ولا [مزيد] (٢) على هذا في الهتك، ولكنا نحتمله لرد الحق إلى مستحقه. والله أعلم.

стр. 1540

وأما إذا كفن في ثياب مغصوبة، فمن قال: لا نجوِّز النبش، ونغرَم له القيمة، فلو عسرت القيمة في الحال، ففي ذلك احتمال ظاهر في جواز النبش، ويتصل الكلام فيه بأنا إذا كنا لا نجد ثياباً غيرها، ولو رددناها، لعرى الميت، فكيف الكلام في ذلك؟ وسأذكر في هذا بعد ذلك بياناً شافياً، إن شاء الله تعالى. ١٦٨٣ - ومما ذكره الأئمة متصلاً بهذه الفصول المنتشرة أنه ورد في الحديث: "من صلى على ميت وانصرف، فله قيراطٌ من الأجر، ومن اتبع الجنازة، وشهد المرقد، حتى دفن الميت، فله قيراطان" (١). فإن صبر على القبر حتى رُدّ التراب كله، فقد حاز القيراط الثاني من الأجر، وإن نُضد اللبن، ولم يُهل التراب بعدُ، أو لم يستكمل، فقد تردد فيه بعض أئمتنا، والوجه أَن يقال: إذا ووري حصلت الحيازة. فصل في السقط وغسلِه، وتكفينه، والصلاة عليه ١٦٨٤ - أجمع ترتيب فيه ما ذكره الشيخ أبو علي، وصاحب التقريب، فنطرد ما ذكره الشيخ، ونذكر بعد نجازه عبارةً لصاحب التقريب توهم خلافاً في قضية واحدة. فإذا أسقطت المرأة مُضغة لا تُثبت لها حكمَ استيلاب، ووجوبَ غُرة (٢)، [فلا] (٣) غُسلَ، ولا تكفينَ، ولا صلاة، ولا يجب الدفن، والأوْلى أن يوارى. ١٦٨٥ - وإن بدا أثر التخليق فيه، لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يطرِف، أو يصرخ ويستهلَّ، أو يأتي سوى ما ذكرناه بما يدل على الحياة قطعاً، ثم يموت،

стр. 1541

فحكمه حكم سائر الموتى، فيجب غُسلُه، وتكفينُه، ويرعى في كفنه ما يرعى في كفن غيره، ويجب الصلاةُ عليه، ودفنُه وهو كسائر الموتى قطعاً. والحالة الثانية - أن يبدوَ عليه التخليقُ، ولا يظهر بعد الانفصال شيء من علامات الحياة، ففي المسألة ثلاثة أقوال: أحدها - أنه يجب غسله والصلاةُ عليه؛ رعايةً لحرمة حقه. والثاني - لا يجب غُسلُه، ولا الصلاةُ عليه؛ لأنه لم يثبت له موت بعد الحياة. والثالث - أنه يجب غُسلُه، ولا يجب الصلاةُ عليه. [ثم] (١) إن أوجبنا الصلاة، فالكفن التام، واجب كما مضى. وإن لم نوجب الصلاةَ، فيجب دفنه، وفاقاً، والخرقة التي تواريه لفافة تكفيه؛ فالدفن إذاً يجب قولاً واحداً، وكذلك يجب مواراتُه بثوب، وفي غسله والصلاة عليه الأقوال، ثم تمام الكفن يتبع وجوبَ الصلاة. والحالة الثالثة - أن ينفصلَ، ويختلجَ، ويتحرك قليلاً ويجمد، قال (٢): لا نصَّ في ذلك، ولكن من أصحابنا من ألحقه بالذي صرخ واستهل ومنهم من ألحقه بمن لا يظهر عليه شيء من علامات الحياة، حتى تجري الأقوال الثلاثة، وما (٣) يتصل بها. ١٦٨٦ - والذي ذكره صاحب التقريب [لم] (٤) يغادر فيه من معنى ما ذكره الشيخ شيئاً، غيرَ أنه قال: إن لم يبلغ مبلغاً يُتوقع نفخ الروح فيه، فلا حكم له، وإن بلغ مبلغاً يقدّر نفخ الروح فيه، فإن تحقق عَلم، فكسائر الموتى، وإن لم يظهر عَلَم بعد الانفصال، ففيه الأقوال الثلاثة. ويجوز أن يقال: اختلفت العبارة بين الشيخ وبين صاحب التقريب، بأنه إذا بدا

стр. 1542

التخليق، فقد دخل أوانُ توقُّع جريان الروح [وإن] (١) لم يبد بعدُ تخليقٌ، فلم يدخل أوان توقع ذلك. وقد يظن ظان أن أوائل التخليق قد يجري [بينه] (٢) وبين جريان الروح زمانٌ [بعيدٌ] (٣)، فإن ظننا (٤) ذلك، افترق الطريقان في هذا التفصيل. وفيما ذكره صاحب التقريب فقهٌ، يليق بالباب؛ فإن هذا الذي نحن فيه من أحكام الموتى، وهم الذين كانوا أحياءً فماتوا، ثم تحققه (٥) يوجب الأحكامَ التي ذكرناها، وفي توقعه تردُّدُ الأقوال. ١٦٨٧ - ومما يتصل بتمام البيان في ذلك، أنا ذكرنا في الكتب أن المرأة إذا ألقت لحمَ ولدٍ، ولم يبد فيه التخطيط، فهل يتعلق به أميّة الولد، ولزوم الغرّة، وانقضاء العدة؟ فيه طرق ونصوص، فإن قلنا: يثبت بهذا حكم أمية الأولاد، فكيف يكون حكمه فيما نحن فيه؟ فأما صاحب التقريب، فيقطع بأن هذه الأحكام لا تثبت؛ إذ لا تتوقع الحياة قطعاً، وهو المعتبر عنده. وأما الشيخ، فيلزمه أن يخرّج ذلك على الطرق في (٦) إثبات أحكام الأولاد له، وهذا إلزام. والذي قاله رعاية التخليق، كما مضى، ولكن يبعد عندي في كل طريق أن تثبت أمية الولد، ثم لا نوجب دفنَه ولفَّه في خرقة. هذا المقدار يجب أن يُنظَر فيه. والله أعلم. ...

стр. 1543

باب الشهيد ١٦٨٨ - من قتل من المسلمين في معترك الشرك، فهو شهيد، وسنذكر حكمه بعد ذكر الشهداء. فلو رجع إلى الغازي سلاحُه، فهلك، أو أصابه سلاحُ مسلم في الحرب خطأ، فهو شهيد، وفاقاً بين الأصحاب. وكذلك لو وطئه دوابُّ المسلمين فمات، فهو كما لو أصابه سلاحُهم خطأ. ولو قُتل صبيٌ، فهو شهيد، وكذلك المرأة. ١٦٨٩ - ولو انجلى القتال، وهو في مصرع برمق، وكانت فيه حياة مستقرة، لكن كان يموت مما به لا محالة، ثم مات من الجرح الذي أصابه، فهذا هو الذي يسمى المُرْتَب (١)، وفيه قولان مشهوران. ولا بد من تفصيل محل القولين. فإن انجلى القتال وهو حيّ، وكان لا تُرجى حياتُه ومات قريباً، ففيه قولان. وإن انجلى الحرب وهو على حركة المذبوح، فهو شهيد بلا خلاف. وإن كان يُقطع بهلاكه لما به، ولكن بقي أياماً يتصرف، فطريقان: إحداهما - القولان، والأخرى - القطعُ بأنه ليس بشهيد. ولو انجلى الحرب، وكان يخاف موته، وتُرجى له الحياة، فمات، فظاهر المذهب أنه ليس بشهيد. والشاهد فيه حديث سعد بن معاذ؛ فإنه أصابه سهم وكان ترجى حياتُه، ثم اتفق موته فيه، فغسل وصلي عليه. ١٦٩٠ - والباغي إذا قتله العادل مغسول يصلى عليه، ومن يقتله البغاة من أهل العدل فهل يغسل ويصلى عليه؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه شهيد؛ فإنه قتيلُ فئةٍ مُبطلة

стр. 1544

في القتال والثاني - ليس بشهيد؛ فإنه ليسَ قتيلَ مشرك. ومن [في] (١) الرفقة إذا قتله قاطعُ الطريق في المكاوحة والقتال، فيه طريقان أحدهما - القطع بأنه ليس بشهيد. ومنهم من خرّجه على الخلاف في العادل إذا قتله الباغي. وذكر الشيخ أبو علي وجهين فيه: إذا دخل الكفار بلاد الإسلام في اختفاء، وقتلوا غيلة من غير نصب قتالٍ مسلماً، فهل يكون شهيداً أم لا؟ فهذا محتملٌ. ويجب القطع بأن من قتله ذمي لا يكون شهيداً. وقال شيخي: لو مات غازٍ في أثناء الحرب حتف أنفه من غير [سبب] (٢)، ففي ثبوت الشهادة له وجهان، والوجه عندي القطع بأنه لا يكون شهيداً. وإذا قتل مسلم مسلماً من غير فرض قتال، فلا يثبت له حكم الشهادة. فهذا تفصيل القول فيمن يكون شهيداً. ١٦٩١ - والذين ورد فيهم لفظ الشهادة: كالغريب، والغريق، والمبطون، وغيرهم، فلا يثبت لهؤلاء أحكام الشهداء فيما نحن فيه. ١٦٩٢ - فإذا ثبت من يكون شهيداً، ومن لا يكون شهيداً، فنحن نذكر الآن حكم الشهيد. فنقول: لا يجوز غُسلُه، بل يجب تركه على دمائه؛ قال رسول الله ﷺ : "زمِّلوهم يكلومهم ودمائهم" (٣) الحديث؛ فإبقاء أثر الشهادة واجب. ولو استشهد جنب، فقد اختلف أبو حنيفة (٤) وأصحابه فيه، فظاهر مذهبنا أنه

стр. 1545

لا يغسَّل، وخرج ابن سريج وجهاً أنه يغسل. وهذا بعيد غيرُ معتد به. ومما يتعلّق بحكم غُسل الشهيد أنه لو أصابته نجاسة أجنبية، لا من بدنه، أو بسبب تعفره في مصرعه، فهل يجب غَسل تلك النجاسة منه؟ حاصل القول فيه أوجه، استخرجتها من كلام الأصحاب: أحدها - أن تلك النجاسة تُغسل عنه؛ فإنها ليست من آثار الشهادة، ولا يجوز تركها، وهذا القائل يقول: يجب غسلها، وإن كان يؤدي إلى إزالة دم الشهادة. والثاني - أنها لا تغسل؛ فإنا على الجملة نُهينا عن غُسل الشهيد، فيجب ألا يُغيَّر هذا الحكمُ فيه. والثالث - أن ننظر: فإن كان في غسل تلك النجاسة الأجنبية إزالةُ دم الشهادة، لم نغسلها، وإن كان لا تؤدي إزالتُها إلى إزالة دم الشهادة، فيجب إزالتُها حينئذ، وهذا أعدل الوجوه، والمسألة محتملة جداً. فهذا تفصيل القول في النهي عن غُسل الشهيد. ١٦٩٣ - فأما الصلاةُ عليه، فلا تجب باتفاق أئمتنا. والذي ذهب إليه المحققون أنها غير جائزة، ولو جازت الصلاة على الشهيد، لوجبت. ومن أصحابنا من قال: تجوز الصلاة على الشهداء [ولكنها لا تجب، وكأن هذا القائلَ يعتقد جوازَ ترك الصلاة رخصة؛ لمكان الاشتغال بالحرب] (١) وتوابعه إذا انجلى، فلو تكلف (٢) متكلف وصلى، جاز. ثم من جوّز الصلاة لم يجوّز إزالةَ أثر الشهادة، ولم يجوّز الغُسلَ. وإن قيل: فالميت الذي يجب غُسله إذا لم يكن شهيداً، لا تصح الصلاة عليه قبل غُسله، فمن جوّز الصلاة على الشهيد، هل يغسِّله، ثم يصلي عليه؟ قلنا: لا سبيل إلى غُسله، وكأنه مغسول بصوب (٣) رحمة الله تعالى.
следующие страницы →