← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

فحكمه حكم سائر الموتى، فيجب غُسلُه، وتكفينُه، ويرعى في كفنه ما يرعى في كفن غيره، ويجب الصلاةُ عليه، ودفنُه وهو كسائر الموتى قطعاً. والحالة الثانية - أن يبدوَ عليه التخليقُ، ولا يظهر بعد الانفصال شيء من علامات الحياة، ففي المسألة ثلاثة أقوال: أحدها - أنه يجب غسله والصلاةُ عليه؛ رعايةً لحرمة حقه. والثاني - لا يجب غُسلُه، ولا الصلاةُ عليه؛ لأنه لم يثبت له موت بعد الحياة. والثالث - أنه يجب غُسلُه، ولا يجب الصلاةُ عليه. [ثم] (١) إن أوجبنا الصلاة، فالكفن التام، واجب كما مضى. وإن لم نوجب الصلاةَ، فيجب دفنه، وفاقاً، والخرقة التي تواريه لفافة تكفيه؛ فالدفن إذاً يجب قولاً واحداً، وكذلك يجب مواراتُه بثوب، وفي غسله والصلاة عليه الأقوال، ثم تمام الكفن يتبع وجوبَ الصلاة. والحالة الثالثة - أن ينفصلَ، ويختلجَ، ويتحرك قليلاً ويجمد، قال (٢): لا نصَّ في ذلك، ولكن من أصحابنا من ألحقه بالذي صرخ واستهل ومنهم من ألحقه بمن لا يظهر عليه شيء من علامات الحياة، حتى تجري الأقوال الثلاثة، وما (٣) يتصل بها. ١٦٨٦ - والذي ذكره صاحب التقريب [لم] (٤) يغادر فيه من معنى ما ذكره الشيخ شيئاً، غيرَ أنه قال: إن لم يبلغ مبلغاً يُتوقع نفخ الروح فيه، فلا حكم له، وإن بلغ مبلغاً يقدّر نفخ الروح فيه، فإن تحقق عَلم، فكسائر الموتى، وإن لم يظهر عَلَم بعد الانفصال، ففيه الأقوال الثلاثة. ويجوز أن يقال: اختلفت العبارة بين الشيخ وبين صاحب التقريب، بأنه إذا بدا

стр. 1542

التخليق، فقد دخل أوانُ توقُّع جريان الروح [وإن] (١) لم يبد بعدُ تخليقٌ، فلم يدخل أوان توقع ذلك. وقد يظن ظان أن أوائل التخليق قد يجري [بينه] (٢) وبين جريان الروح زمانٌ [بعيدٌ] (٣)، فإن ظننا (٤) ذلك، افترق الطريقان في هذا التفصيل. وفيما ذكره صاحب التقريب فقهٌ، يليق بالباب؛ فإن هذا الذي نحن فيه من أحكام الموتى، وهم الذين كانوا أحياءً فماتوا، ثم تحققه (٥) يوجب الأحكامَ التي ذكرناها، وفي توقعه تردُّدُ الأقوال. ١٦٨٧ - ومما يتصل بتمام البيان في ذلك، أنا ذكرنا في الكتب أن المرأة إذا ألقت لحمَ ولدٍ، ولم يبد فيه التخطيط، فهل يتعلق به أميّة الولد، ولزوم الغرّة، وانقضاء العدة؟ فيه طرق ونصوص، فإن قلنا: يثبت بهذا حكم أمية الأولاد، فكيف يكون حكمه فيما نحن فيه؟ فأما صاحب التقريب، فيقطع بأن هذه الأحكام لا تثبت؛ إذ لا تتوقع الحياة قطعاً، وهو المعتبر عنده. وأما الشيخ، فيلزمه أن يخرّج ذلك على الطرق في (٦) إثبات أحكام الأولاد له، وهذا إلزام. والذي قاله رعاية التخليق، كما مضى، ولكن يبعد عندي في كل طريق أن تثبت أمية الولد، ثم لا نوجب دفنَه ولفَّه في خرقة. هذا المقدار يجب أن يُنظَر فيه. والله أعلم. ...

стр. 1543

باب الشهيد ١٦٨٨ - من قتل من المسلمين في معترك الشرك، فهو شهيد، وسنذكر حكمه بعد ذكر الشهداء. فلو رجع إلى الغازي سلاحُه، فهلك، أو أصابه سلاحُ مسلم في الحرب خطأ، فهو شهيد، وفاقاً بين الأصحاب. وكذلك لو وطئه دوابُّ المسلمين فمات، فهو كما لو أصابه سلاحُهم خطأ. ولو قُتل صبيٌ، فهو شهيد، وكذلك المرأة. ١٦٨٩ - ولو انجلى القتال، وهو في مصرع برمق، وكانت فيه حياة مستقرة، لكن كان يموت مما به لا محالة، ثم مات من الجرح الذي أصابه، فهذا هو الذي يسمى المُرْتَب (١)، وفيه قولان مشهوران. ولا بد من تفصيل محل القولين. فإن انجلى القتال وهو حيّ، وكان لا تُرجى حياتُه ومات قريباً، ففيه قولان. وإن انجلى الحرب وهو على حركة المذبوح، فهو شهيد بلا خلاف. وإن كان يُقطع بهلاكه لما به، ولكن بقي أياماً يتصرف، فطريقان: إحداهما - القولان، والأخرى - القطعُ بأنه ليس بشهيد. ولو انجلى الحرب، وكان يخاف موته، وتُرجى له الحياة، فمات، فظاهر المذهب أنه ليس بشهيد. والشاهد فيه حديث سعد بن معاذ؛ فإنه أصابه سهم وكان ترجى حياتُه، ثم اتفق موته فيه، فغسل وصلي عليه. ١٦٩٠ - والباغي إذا قتله العادل مغسول يصلى عليه، ومن يقتله البغاة من أهل العدل فهل يغسل ويصلى عليه؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه شهيد؛ فإنه قتيلُ فئةٍ مُبطلة

стр. 1544

في القتال والثاني - ليس بشهيد؛ فإنه ليسَ قتيلَ مشرك. ومن [في] (١) الرفقة إذا قتله قاطعُ الطريق في المكاوحة والقتال، فيه طريقان أحدهما - القطع بأنه ليس بشهيد. ومنهم من خرّجه على الخلاف في العادل إذا قتله الباغي. وذكر الشيخ أبو علي وجهين فيه: إذا دخل الكفار بلاد الإسلام في اختفاء، وقتلوا غيلة من غير نصب قتالٍ مسلماً، فهل يكون شهيداً أم لا؟ فهذا محتملٌ. ويجب القطع بأن من قتله ذمي لا يكون شهيداً. وقال شيخي: لو مات غازٍ في أثناء الحرب حتف أنفه من غير [سبب] (٢)، ففي ثبوت الشهادة له وجهان، والوجه عندي القطع بأنه لا يكون شهيداً. وإذا قتل مسلم مسلماً من غير فرض قتال، فلا يثبت له حكم الشهادة. فهذا تفصيل القول فيمن يكون شهيداً. ١٦٩١ - والذين ورد فيهم لفظ الشهادة: كالغريب، والغريق، والمبطون، وغيرهم، فلا يثبت لهؤلاء أحكام الشهداء فيما نحن فيه. ١٦٩٢ - فإذا ثبت من يكون شهيداً، ومن لا يكون شهيداً، فنحن نذكر الآن حكم الشهيد. فنقول: لا يجوز غُسلُه، بل يجب تركه على دمائه؛ قال رسول الله ﷺ : "زمِّلوهم يكلومهم ودمائهم" (٣) الحديث؛ فإبقاء أثر الشهادة واجب. ولو استشهد جنب، فقد اختلف أبو حنيفة (٤) وأصحابه فيه، فظاهر مذهبنا أنه

стр. 1545

لا يغسَّل، وخرج ابن سريج وجهاً أنه يغسل. وهذا بعيد غيرُ معتد به. ومما يتعلّق بحكم غُسل الشهيد أنه لو أصابته نجاسة أجنبية، لا من بدنه، أو بسبب تعفره في مصرعه، فهل يجب غَسل تلك النجاسة منه؟ حاصل القول فيه أوجه، استخرجتها من كلام الأصحاب: أحدها - أن تلك النجاسة تُغسل عنه؛ فإنها ليست من آثار الشهادة، ولا يجوز تركها، وهذا القائل يقول: يجب غسلها، وإن كان يؤدي إلى إزالة دم الشهادة. والثاني - أنها لا تغسل؛ فإنا على الجملة نُهينا عن غُسل الشهيد، فيجب ألا يُغيَّر هذا الحكمُ فيه. والثالث - أن ننظر: فإن كان في غسل تلك النجاسة الأجنبية إزالةُ دم الشهادة، لم نغسلها، وإن كان لا تؤدي إزالتُها إلى إزالة دم الشهادة، فيجب إزالتُها حينئذ، وهذا أعدل الوجوه، والمسألة محتملة جداً. فهذا تفصيل القول في النهي عن غُسل الشهيد. ١٦٩٣ - فأما الصلاةُ عليه، فلا تجب باتفاق أئمتنا. والذي ذهب إليه المحققون أنها غير جائزة، ولو جازت الصلاة على الشهيد، لوجبت. ومن أصحابنا من قال: تجوز الصلاة على الشهداء [ولكنها لا تجب، وكأن هذا القائلَ يعتقد جوازَ ترك الصلاة رخصة؛ لمكان الاشتغال بالحرب] (١) وتوابعه إذا انجلى، فلو تكلف (٢) متكلف وصلى، جاز. ثم من جوّز الصلاة لم يجوّز إزالةَ أثر الشهادة، ولم يجوّز الغُسلَ. وإن قيل: فالميت الذي يجب غُسله إذا لم يكن شهيداً، لا تصح الصلاة عليه قبل غُسله، فمن جوّز الصلاة على الشهيد، هل يغسِّله، ثم يصلي عليه؟ قلنا: لا سبيل إلى غُسله، وكأنه مغسول بصوب (٣) رحمة الله تعالى.

стр. 1546

وقد يطرأ للناظر في ذلك شيء، وهو أن الشهيد إذا كان عليه دمُ الشهادة، فلا يجوز إزالته، وتعيّن بقاؤه، وإن لم يكن عليه دم أصلاً، فلا شك أنه لا يجب غُسله، ولكن في جواز غُسله الذي لا يؤدي إلى إزالة أثر الشهادة تردد، في هذه الصورة، من طريق الاحتمال، كما في (١) جواز الصلاة عليه، فليفهم الناظر ذلك. ١٦٩٤ - وأما تكفين الشهيد، فلا شك أنه ينزع عنه الدرع، والثياب الخشنة، التي تلبس لمكان (٢) آلةٍ في القتال. ولا خلاف أيضاً أن قيِّم الميت الشهيد، لو أراد نزع ثيابه وإبدالَها، فلا حجر عليه في ذلك، ولا نظر إلى ما على ثيابه من دم الشهادة، وإنما النظر إلى ما اتصل ببدنه من أثر الشهادة. وإن أردنا أن ندفنه في الثياب التي عليه، وهي متضمخة بدمائه، جاز. ولا بد وأن تكون سابغةً، فإن لم تكن، وجب الإتيان بثوب سابغ، وما روّيناه في حديث مصعب بن عمير في ستر قدميه بالإذخر محمول على الضرورة. وإن كان الثوب الذي عليه سابغاً، ولكن كان ثوباً واحداً، ونحن نرى إيجاب استعمال ثلاثة أثواب، فنوجب إكمال الثياب، والسبب في ذلك أنّ تركَ غُسله لإبقاء أثر الشهادة، وسبب الامتناع من الصلاة عليه، تعظيمُ قدره، [فأما] (٣) تَرْكُ تكفينِه، فليس فيه تعظيم، ولا إبقاء لأثر الشهادة، فهذا منتهى القول في ذلك. ١٦٩٥ - ونحن نذكر بعد هذا قول الأصحاب في المقتولين حدَّا. أولاً - قال الأئمة: المرجوم في الزنا، يغسّل ويصلَّى عليه، وقد روي: "أن رسول الله ﷺ لم يصلِّ على ماعز؛ إذ رجمه، ولم ينه عن الصلاة عليه" (٤)،

стр. 1547

وكان ﷺ قد يمتنع عن الصلاة بنفسه لأسباب، فهذا محمول عليه. ١٦٩٦ - فأما قاطع الطريق إذا قتل، ففي غُسله والصلاة عليه كلامٌ: قال بعض أصحابنا: لا يغسل، ولا يصلى عليه؛ استهانة به، وتحقيراً لشأنه، وتغليظاً على القطَّاع. وقال بعض أئمتنا: يفرّع أمره على كيفية قتله، فإن قلنا: إنه ينزل من الصليب ولا يترك حتى يتهرأ عليه، فإذا أنزل، غُسل [وكفن] (١) وصلي عليه. وإن قلنا: يترك حتى يتهرأ، فلا يغسل، ولا يصلى عليه؛ فإنه إن قتل (٢)، وصلي عليه، ثم صلب فإبقاءُ من صُلّي عليه خارجٌ عن القياس. وإن صُلّي عليه، وهو (٣) منكّلٌ به على الصليب، كان بعيداً جداً. فظاهر المذهب أنه يغسل ويصلى عليه. ثم هذا يتفرع على كيفية قتله، فإن قلنا: إنه ينزل من الصليب قبل أن يتغير، فإذا أنزل، فإذ ذاك، يغسل ويصلى عليه، ويكفن، ويدفن. وإن قلنا إنه يترك مصلوباً؛ فإنه يقتل، ويغسل، ويكفّن، ويصلى عليه، ثم يصلب، وكأنَ الهواء قبرُه. ومن أئمتنا من يقول: إنه يُقتلُ بعد الصلب (٤)، فيضطر هذا الإنسان إذا قال بذلك، وضم إليه أنه يترك على الصليب، أن يصلي عليه مصلوباً، إذا هلك، ثم لا يمكن فرض الغسل أصلاً، وكان لا يمتنع أن يقتل مصلوباً، وينزل، فيغسل،

стр. 1548

ويصلى عليه، ثم يرد. ولكن لم أر ذلك في عقوبات القطّاع، ولم يذهب أحد إلى إنزال المصلوب وردّه. والله أعلم. ١٦٩٧ - وتارك الصلاة الممتنع من قضائها إذا قتل، غسّل، وصلي عليه، عند الأئمة. كالمرجوم في الزنا. وقال صاحب التلخيص: لا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يكفن، وتوارى جيفته، ويسوى قبره، ولا يرفع نعشه. ثم قال: قلته تخريجاً. قال صاحب التقريب: لست أعرف لتخريجه وجهاً، وهو متروك عليه، ولعله إنما خطر له ترك الصلاة عليه، من حيث إنه ترك الصلاة في حياته، فتُركت الصلاة عليه، وهذا تخييل، لا ثبات له، ثم إن تُخيّل ترك الصلاة عليه، وتخيل ترك غسله تبعاً لترك الصلاة عليه، فترك تكفينه هُتكة (١)، وقد ذكرنا أن الكافر الذميّ يكفن، وليس تارك الصلاة بأسوأ حالاً منه. ١٦٩٨ - وأما المرتد إذا قتل على ردته، فلا شك أن لا يغسل، ولا يصلّى عليه، والوجه تنزيله منزلة الحربي الذي نقتله، وقد تقدم ذكره. فصل ١٦٩٩ - إذا وجدنا بعضاً من آدمي، فإن لم نتحقق أنه ميت، فلا سبيل إلى الصلاة عليه، وإن تحققنا موته، فنقدم ما وجدنا من أعضائه، فنصلّي عليه، ونغسله، ونواريه بخرقة. وقصد الشافعي بذلك الردَّ على أبي حنيفة (٢) ﵄؛ فإنه قال: "لا نصلي ما لم نجد نصفه، فزائداً" وحقيقة ذلك تستند إلى أن الصلاة على الغائب صحيحة عندنا، كما سيأتي، وهو لا يراها، ويربط الصلاة بما (٣) شهد، وحضر.

стр. 1549

١٧٠٠ - ثم ذكر الشافعي أنه إذا اختلط مسلمٌ بمشركين، وكان لا يتميز لنا، وهو ممن يُصلّى عليه؛ [بأن لم] (١) يكن شهيداً؛ فإنه يصلى عليه بالنية، ولا يضر ألا يتميزَ لنا عينُه. ثم إن صلّينا بالنية، والصلاةُ محتومة، فليت شعري كيف الغُسل والتكفين؟ الذي أراه أنه يغسل جميعُهم؛ حتى يتأدى الغسلُ، في المسلم منهم. وكذلك يكفنون من عند آخرهم. ...

стр. 1550

باب حمل الجنازة ١٧٠١ - نذكر في الابتداء كيفيةَ حمل الجِنازة، وفيه مسلكان: نَصِفهما، ونذكرهما، ثم نذكر الأوْلى. أحدهما - الحملُ بين العمودين، وكيفيته أن يتقدم الحاملُ، ويتوسط الخشبتين الشاخصتين، من مقدمة الجنازة، ويضع الصدر الذي بين الخشبتين على كتفه، ثم إن استقل بقوته، فيضع الخشبتين على يمينه ويساره، ويضع الصدرَ على كتفيه. ويحمل مؤخرة الجنازة رجلان؛ فإنه لا يتصور أن يتوسطها شخص؛ فإنه لا يرى موضع قدمه، فإذا [استقلّ] (١) المتقدم بالحمل بين العمودين، فيحمل مؤخرة الجنازة رجلان، فيضع كل واحد منهما عموداً شاخصاً على عاتقه، والعاتق الآخر منه بارز، وليس بين العمودين أحد في المؤخر، فتكون الجنازة محمولة على ثلاثة نفرٍ، وقد يتوسط المتقدم بين العمودين، ويضعف عن الاستقلال، فيحمل العمودين شخصان على عاتقيهما، والمتوسط بينهما، ويحمل المؤخَّرَ رجلان، كما وصفناه، فيكون حمَلةُ الجنازة خمسةَ نفر. فهذا تصوير الحمل بين العمودين. ١٧٠٢ - وأما الحمل من الجوانب، فهو ألا يتوسط بين العمودين في صدر الجنازة أحد، ولكن يتقدم رجلان، فيضع أحدهما العمود الذي هو الشق الأيمن من الجنازة على عاتقه الأيسر، وعاتقه الأيمن بادٍ، ويضع الثاني العمود الذي يلي الشق الأيسر من الجنازة على عاتقه الأيمن، وعاتقه الأيسر بادٍ، وكذلك يحمل العمودين في مؤخرة الجنازة اثنان، فإن أراد إنسان أن يستدير في الحمل على الجوانب الأربعة في أزمنة، فيحمل كلَّ عمودٍ زماناً، فَعَل (٢) ذلك. فيتقدم أولاً، فيحمل الشق الأيسر، من صدر

стр. 1551

الجنازة، فإنه يليه من الميت شقُّه الأيمن، فكانت البداية به أولى، وأيضاً، فإنه يحمل ياسرة السرير على كاهله الأيمن، ثم يستأخر، ويحمل ياسرة السرير من مؤخره، ثم يتقدم ويعترض السرير، فيحمل يامنته على كاهله الأيسر، ويتأخر كذلك ويحمل يامنته من مؤخّره، وقد استدار على الجوانب. ١٧٠٣ - وظاهر نص الشافعي، وما اختاره المزني لمذهبه أن الحمل بين العمودين أفضل، كما سبق وصفُه من الحمل من الجوانب. وهذا ما إليه صَغْوُ الأئمة، وفيه أخبار رواها الشافعي في المختصر، منها ما روي "أن رسول الله ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ ﵁ بين العمودين" (١). وذكر صاحب التقريب تردداً في ذلك، فقال: يحتمل أن يقال: الحمل بين العمودين أفضل، ويحتمل أن يقال: لا فرق بين الحمل بين العمودين، وبين الحمل من الجوانب. والذي ذكره معظمُ الأئمة والعراقيون، تفضيل الحمل بين العمودين، وفي بعض المصنفات، أن الحمل من الجوانب أفضل. وهذا لا أصل له. ...

стр. 1552

باب المشي بالجنازة ١٧٠٤ - أولاً الإسراع بالجنازة [مأمورٌ به] (١)، وقد روي عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن الإسراع بالجنازة، فقال: دون الخَبَب؛ فإن كان خيراً، فإلى خير تقدمونه، وإن كان غير ذلك، فبعداً لأهل النار" (٢) وروى أبو هريرة (٣) ﵁ قريباً من ذلك. وفي آخره "إن كان غير ذلك [فشر تضعونه] (٤) عن رقابكم". ثم المشي أمام الجنازة أفضل عند الشافعي للمشيعين، وهذا مذهب أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، ولا فرق بين أن يشيِّع راكباً أو ماشياً، ولا شك أن المشي أفضل؛ فإنه ما ركب رسول الله ﷺ في عيد، ولا جنازة (٥). ...

стр. 1553

باب من أولى بالصلاة على الميت ١٧٠٥ - المنصوص عليه للشافعي في الجديد أن الولي أولى بالصلاة (١) على الميت إمامةً، وتقدماً، من الوالي، وإن كان الوالي أولى بالإمامة في سائر الصلوات؛ فإن هذه الصلاة مختصة بالميت، فالمختص به أولى فيها، وليس كذلك الإمامة في الصلوات العامة. ونص الشافعي في القديم على أن الوالي أولى بالإمامة من الوليّ. وهذا مذهب أبي حنيفة (٢). ١٧٠٦ - ثم نتكلم في الأقارب إذا حضروا: أجمع الأئمة على أن الأب أولى، ثم الجد أبو الأب. قال الصيدلاني هما أولى من ابن الميت، وإن كان الابن أولى بعصوبة الميراث من الأب. ثم الذي ظهر من كلام الأئمة أن الابن بعد الأب والجد أولى من غيره لقوة عصوبته، وليس هذا [كولاية] (٣) التزويج؛ فإنا لم نثبته في التزويج ولياً أصلاً. وكان شيخي يرتب الأولى في الإمامة ترتيبهم في ولاية النكاح. وفي ألفاظ الشافعي [في] (٤) ذكر الولاة: والأولياء بعد الوفاة، هم الأولياء في الحياة، والابنُ لا حظّ له في الولاية أصلاً. وهذا الأصل لو ثبت، اقتضى تقديمَ الإخوةِ وأولياء النكاح على الابن. وقد قطع الصيدلاني بتقديم الأب والجد على الابن وإن كان الابن في العصوبة مقدماً، ولا عصبة معه في الميراث.

стр. 1554

والذي تحصّل من كلامهم أن الولاية والإرث إذا اجتمعا في شخص واحد، كالأب والجد، فهو أولى من الابن، وإذا اجتمع شخصان لأحدهما رتبة الولاية في النكاح، كالأخ، وللثاني قوة العصوبة، والأخ محجوب به، كالابن، ففيه التردّد. والظاهر عندي تقديمُ الابن؛ فإنه يستحق ببنوّته التقديمَ في هذا الحكم، وليس للأخ ولاية الإجبار في النكاح، فقوة العصوبة متقدمة. والعلم عند الله تعالى. ثم ابن الابن في معنى الابن، وإن سفل، ثم إن لم يكن ابن، فالرجوع إلى ترتيب العصبات في ولاية التزويج، وقد ذكرنا قولين في الأخ من الأب والأم، مع الأخ من الأب، وفي الإمامة في صلاة الجنازة الطريقان. منهم من أجرى فيها القولين أيضاً كولاية التزويج، ومنهم من قطع بتقديم الأخ من الأب والأم، وهو الصحيح؛ فإن لقرابة النساء مدخلاً في الصلاة على الميت، كما سنذكره الآن، ولا مدخل لقرابة النساء، في التزويج أصلاً. فهذا هو النظر في ترتيب الأقارب. ١٧٠٧ - ثم إن لم يكن للمتوفَّى عصبة من الأولياء، ولا من البنين، فالخال أولى من الأجنبي. هكذا ذكره الصيدلاني، وكأنا نرعى في الباب أن يكون المتقدم مخصوصاً بنوع رقَّةٍ على المتوفى؛ فإنه إذا كان كذلك، فدعاؤه أقرب إلى الإجابة. والله أعلم. ١٧٠٨ - ثم إن لم يكن ولي عصبة، فالمعتِق ذو الولاء أولى بالتزويج، ولعل الظاهر تقديمُه على ذوي الأرحام، كالخال وغيره، وإنما نقدم الخالَ وغيرَه، إذا لم نجد وليّاً عصبة. ١٧٠٩ - وإذا وضح ما يتعلق بترتيب الأقارب فنتكلم في صفات الأئمة: اشتهر خلاف أئمتنا فيه، إذا اجتمع أخوان أحدهما أفقه، والثاني أسن، فمن الأولى بالإمامة، والأسن يُحسن ما يقع به الاستقلال؟ فمنهم من قال: الأفقه أولى كما نجعله أولى في إمامة سائر الصلوات. وقد سبق ذلك في صفة الإمامة، ومنهم من

стр. 1555

قال: الأسن أولى في هذه [الصلاة] (١)؛ لأن دعاءه أقرب إلى الإجابة، وقد روي عن النبي ﵇ أنه قال: "إن الله تعالى يستحي أن يرد دعوةَ ذي الشيبة المسلم" (٢). ثم من قدّم الأسنَّ، لم يعتبر الشيبة وبلوغ سن المشايخ. وذكر العراقيون أن نص الشافعي يدل على تقديم (٣ الأسن على الأفقه في صلاة الجنازة، ونصه في سائر الصلوات يدل على تقديم ٣) الأفقه. فمن أصحابنا من جعل المسألة على قولين في جميع الصلوات، نقلاً وتخريجاً، وهذا الذي ذكروه من طرد القولين في جميع الصلوات، لم يذكره المراوزة، بل قطعوا بتقديم الأفقه في غير صلاة الجنازة، وذكروا في صلاة الجنازة الخلافَ. والحر والعبد إذا استويا، فالحر أولى لارتباط ما نحن فيه بالولاية، والرق ينافيها، وتردد شيخي في عبد فقيه، وحرٍّ غير فقيه، في درجةٍ واحدة والمسألة محتملة، كما قال. والعبد القريب مقدّم على الحر الأجنبي، ولو اجتمع عبد أخ من الأب مثلاً وعمٌّ حرٌّ، ففي بعض التصانيف وجهان - أحدهما - أن العبد أولى لقربه، والثاني - العم أولى لولايته وحريته، وقلّما تمر أمثال هذه المسائل في بابٍ إلا دارَ فيه مصير بعض الأصحاب إلى التسوية، لتقارب الأمرين. ١٧١٠ - ومما يليق بتمام ما نحن فيه: أن الرجل أولى من المرأة، كيف فُرض الأمر، سواء كان الرجل أجنبياً، أو قريباً، حراً أو عبداً. والمرأة تتأخر عن كل رجل، وإن كانت على قرابة قريبة. قال الصيدلاني: [الصبي] (٤) المراهق (٥) أولى من المرأة، وإن لم يبلغ سنَّ

стр. 1556

التكليف. ولما ذكر صاحبُ التقريب تقديمَ كل رجل على كل (١) امرأة، أبان بعد هذا أن النسوة لو انفردن بالصلاة، سقط الفرضُ بصلاتهن. وفي بعض التصانيف القطعُ بأن الفرضَ لا يسقط بصلاة النسوة المفردات. وسأعود إلى هذا في باب الصلاة. ولا شك أن الرجل أولى بالإمامة، فإن اقتداء النساء بالرجال جائز، ولو تقدمت امرأة لم يصح للرجال الاقتداء بها. ١٧١١ - ومما يتمّ به المقصود: أن القرابة مقدمةٌ على الخصال كلها: من الفقه، والسن، والحرية، إلا الذكورة؛ فإنها مقدمة على القرابة، والذي ذكروه تصريحاً وتلويحاً، أن الخالَ وكل متمسك بقرابة، فهو مقدم على الأجانب، وإن كان عبداً مفضولاً. فهذا منتهى القول في ذلك. ١٧١٢ - قال الصيدلاني في آخر هذا الباب: العبد المناسب (٢) أولى من نساء القرابة، فإنهما استويا في أن لا ولاية لهما، وانفرد العبد بالذكورة. وهذا كلامٌ مختل؛ فإنه قيّد العبد بالمناسب، والذي ذكره صاحب التقريب: أن الذكر مقدم على كل امرأة في إمامة الصلاة، وهذا هو المذهب الذي لا يجوز غيره؛ لما ذكرت من أن اقتداء الرجل بالمرأة ممتنع، ولا يمتنع اقتداء المرأة بالرجل. ...

стр. 1557

باب صلاة الجنازة ١٧١٣ - ذكر في صدر هذا الباب أن صلاة الجنازة تقام مهما حضرت، في الأوقات كلها، ولا تكره إقامتها في الساعات المكروهة؛ فإنها صلاة ظاهرةُ السبب، ولا كراهة في إقامة الصلوات التي لها أسباب، في الأوقات المكروهة، وقد ورد عن النبي ﵇ النهيُ عن تأخير صلاة الجنازة مهما (١) حضرت (٢). ١٧١٤ - ثم ذكر بعد ذلك التفصيلَ في حضور الجنائز، وكيفية وضعها. فإذا شَهِدت (٣) جنائز في درجة واحدة، ولم يظهر لبعضها فضل، ففي كيفية وضعها -إذا اكتفى الولاة بصلاة واحدة على جميعها- وجهان في بعض التصانيف. وقد ذكرهما شيخي أيضاً: أحدهما - أنه توضع جنازة بالقرب من الإمام، ثم توضع الأخرى وراءها، ثم الثالثة وراء الثانية، وهكذا بهذه الصورة. والوجه الثاني - أن الجنائز توضع صفاً، والإمام يقف عند واحدة، والباقي يصطف طولاً ذاهبةً في يمين الإمام، والجنازة الثانية عند رأس الأولى، وكذلك إلى حيث بلغت، وانتهت بهذه الصورة، وهذا مذهب أبي حنيفة (٤). والأولى الذي قطع به معظم الأئمة الهيئة الأولى في الوضع؛ فإن الإمام يكون وراء

стр. 1558

جميع الجنائز في تلك الصورة، وفي الهيئة الثانية لا يسامت الإمام إلا جنازة واحدة، ثم في القرب من الإمام حظ في الشريعة مطلوب، إما بالفضل أو بالسبق. ١٧١٥ - ثم الفضل الذي نراعي إذا حضرت الجنائز معاً من غير تقدم وتأخر ما نصفه، فالرجل يُقرَّب إلى الإمام، ثم المرأة وراءه، ولو شهدت جنازة رجل، وصبي، وامرأة وخنثى، فالرجل يلي الإمام، والصبي وراءه، والخنثى وراء الصبي، والمرأة وراء الخنثى. وقد ذكرنا في كيفية الوضع في القبر أن الأفضل يقدم إلى اللحد، ثم الترتيب وراءه، كما سبق بيانه عند مسيس الحاجة إلى جمعهم في قبر واحد، فروعي في الوضع القربُ إلى جهة القبلة، لا معتبر ثَم غيرُها، والقرب من موقف الإمام أوْلى بالاعتبار في الجنائز. فإن استوت الجنائز في الصفات المرعيّة، نظر: فإن ترتبت في الحضور، قدّم الأسبق منها، فالأسبق. وإن حضرت معاً، ولا فرق في الصفات، فإن رضي الأولياء، وضعت في القرب والبعد، كيف اتفق. وإن تشاجروا، فَصَلت القرعةُ شجارَهم. وقد ذكرنا في الوضع في القبر أنه يقدم الأفضل إلى جدار اللحد، فإن استوَوْا في الذكورة، فيعتبر هذا المعنى، إذا لم تترتب الجنائز في الشهود، ولا قرعة مع التفاضُل. ثم المرعي في هذا الباب ما يقتضي في غلبة الظن تقرب الناس إلى الله تعالى بالصلاة عليه، ولا يليق بهذا المقام تقديمٌ لغير ذلك. ويبعد أن يقدم حر على عبد، لمزية الحرية، وليس ذلك كاستحقاق الإمامة وغيرها؛ فإن الحرَّ مقدم من جهة تقدمه في التصرفات على العبد، والإمامة في الصلاة تصرُّف فيها، وإذا مات الحر والعبد استويا في انقطاع تصرفهما، وأقرب معتبر ما ذكرته في هذا المقام، وإذا كان كذلك، فالورع أقرب معتبر إذن. والعلم عند الله تعالى. وهذا مع الاستواء في الذكورة والأنوثة والصبا والبلوغ، والقول في ذلك قريب، وما ذكرناه فيه غُنية. وإن ترتبت الجنائز، فالسبق، وحق القرب، لمن سبق، ولو سبقت جنازة امرأة وتَلتْها جنازةُ رجل، قُرِّبت جنازة الرجل، ونحّيت جنازة المرأة؛ فإن موقفهن -كيف

стр. 1559

فرض تقدمهن أو تأخرهن- في [الحياة] (١) مؤخر. ولو شهدت جنازة صبي، ثم جنازة رجل، فالذي ذهب إليه معظم الأئمة أنه لا تُنحى جنازة الصبي، بخلاف جنازة المرأة. والفرق لائح. وذكر صاحب التقريب وجهاً أنه تنحى جنازة الصبي، لشهود جنازة الرجل، كما ذكرناه في المرأة والرجل. ولو سبقت امرأة إلى الجماعة ولحق رجال، استأخرت، ولو شهد صبيان، وقُرّبوا، وشهد رجال قَبْلَ تحرم الإمام، فالظاهر أن الصبيان لا يؤخّرون لحق السبق، ويخرّج فيه الوجه الذي ذكره صاحب التقريب في الجنائز. وقد قال رسول الله ﷺ : "ليليني ذوُو الأحلام منكم والنهى" (٢). فهذا ترتيب القول في ذلك. ١٧١٦ - ومما يتعلق بهذا أن من العلماء من قال: إذا حضرت جنازة رجل، أو امرأة، فقد قال أبو حنيفة (٣): يقف الإمام في مقابلة صدر الميت، رجلاً كان أو امرأة. وقال أحمد بن حنبل (٤): في مقابلة صدر الرجل، وفي مقابلة عجيزة المرأة، كأنه يبغي سترها عمن وراءه.

стр. 1560

قال الصيدلاني: لا نص للشافعي في ذلك، ولكن اختار أئمتنا مذهب أحمد، وقد روي: "أن أنس بن مالك فعل ذلك، ثم روجع في فعله، فقال: كان رسول الله ﷺ وسلم يقف عند صدر الرجل وعجيزة المرأة" (١). وقانون الشافعي اتباع الأخبار. ١٧١٧ - ومما نذكره متصلاً بهذا أن الجنازة يسوغ أن تدخل المسجد من غير منع وحجر، خلافاً لأبي حنيفة (٢) فكأنه نظر إلى إكرام المسجد، والنظر إلى إكرام المؤمن أقرب عندنا. ولم أر الزيادة على هذا، فإن إعمال الفكر في أمثال هذا لا معنى له، وهو من مواقع الاتباع. فصل ١٧١٨ - الصلاة على الغائب مشروعة عند الشافعي، والأصل فيه "أن النجاشي لما مات، وقف رسول الله ﷺ بالبقيع، وصفّ الأصحاب وراءه وصلّوا على النجاشي بالحبشة" (٣). ومعنى المذهب أن الغرض من الصلاة [الابتهال] (٤) إلى الله تعالى في التجاوز عن المتوفى، وهذا لا يختلف بالغيبة والشهود. ولو كانت الجنازة حاضرة في البلد، وأمكن (٥) إحضارها، ففي الصلاة عليها قبل أن تحضر خلاف، وهو مشبَّه بالخلاف في نفوذ القضاء على من في البلد، مع إمكان

стр. 1561

الإحضار. والأمر في تجويز الصلاة أقرب عندي، للمعنى الذي ذكرته. وأما القضاء؛ فإنه يتعلق بأمور معتبرة في الإقرار والإنكار، [فاشتراط] (١) الحضور الممكن ثَمّ أولى وأقرب، والصلاة على الميت مقصودها ما ذكرناه. ١٧١٩ - ولو شهدت الجنازة، فتقدّم موقف الإمام عليها، فقد خرّج الأصحاب هذا على القولين في تقدم المأموم على الإمام، ونزّلوا الجِنازة منزلة الإمام، والإمام منزلة المقتدي، ولا يبعد أن يقال: تجويز التقدّم على الجنازة أولى؛ فإن الجِنازة ليست إماماً متبوعاً حتى يقال: تعيّن تقديمُه. وإنما الجنازة والمصلون على صورة مجرم يحضر بابَ الملك، ومعه شفعاء. ولولا الاتباع والجريان على سير الأولين، وإلا ما كان يتجه قولُ تقديم الجِنازة وجوباً، فهذا تمام ما أردناه في ذلك. ...

стр. 1562

باب تكبير صلاة الجنازة ١٧٢٠ - صلاة الجنازة تشتمل على أربع تكبيرات، منها تكبيرة التحريم والعقد، وقد روي أنه ﷺ كبر خمساً، كما ذهب إليه الشيعة، ولكن الذي استقر عليه الأربعُ وما عداها منسوخ عند الشافعي (١). وقد صلى النبي ﵇ على النجاشي، فكبر أربعاً، وصلى على المسكينة التي ماتت ليلاً، فكبر أربعاً، وصلى أنس بالبصرة على ميت، فكبّر أربعاً، فقام العلاء بن زياد وقال: يا أبا حمزة كبرتَ أربعاً، فقال: هكذا رأيتُ رسول الله ضلى الله عليه وسلم. وروي أيضاً عن أنس: أنه قال: "صلت الملائكة على آدم، فكبروا أربعاً، ثم قالوا: هكذا سنتكم يا بني آدم". وكبر أبو بكر على النبي ﵇ أربعاً، وكبّر عمر على أبي بكر أربعاً، وصهيب على عمر، والحسن على عليّ، والحسين على الحسن أربعاً أربعاً. وروى النَّخَعي أن عمر بن الخطاب جمع أصحاب رسول الله ﷺ ،

стр. 1563

واستشارهم ﵃ في التكبيرات، فأجمعوا على أن التكبيرات أربع. وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه كان يصلي، فيكبر على البدري سبعاً، وعلى الصحابي إذا لم يكن بدرياً خمساً، وعلى غيرهم أربعاً. وهذا مذهب غريب، لا قائل به. ١٧٢١ - ثم يستحب رفعُ اليدين عند كل تكبيرة، ولم ير أبو حنيفة (١) رفعَ اليدين إلا عند تكبيرة العقد، ورأى رفعَ اليدين عند كل تكبيرة من التكبيرات الزائدة في صلاة العيد. وإذا وضح أن التكبيرات أربع، فلو زاد المصلي تكبيرةً خامسة، فقد خالف ما استقر الشرع عليه، وفي بطلان الصلاة وجهان: أحدهما - لا تبطل؛ فإنها ذكر في الصلاة. والثاني - إنها تُبطل الصلاةَ؛ فإنها بمثابة ركعةٍ تزاد في الصلاة المفروضة. وفي المسألة احتمال ظاهر، لمكان الأخبار والآثار. ١٧٢٢ - ثم إذا كبر وعقد الصلاة، فقد قال الشافعي: يكبر، ويقرأ. ولم يتعرض لدعاء الاستفتاح، ولا للتعوذ. وقد ذكر الصيدلاني وجهين، وذكر غيره وجهاً ثالثاً، فأحد الوجهين - أنه يدعو للاستفتاح، ويتعوّذ، ثم يقرأ. والثاني - وهو ظاهر النص، أنه يقرأ عقيب التكبير، ولا يدعو، ولا يتعوّذ؛ فإن هذه الصلاة مبناها على الإيجاز، وهو الذي يليق بها؛ لمكان الميت، وما ندبنا فيه إلى أسباب البدار والإسراع؛ ولهذا لا يختلف العلماء في أنا لا نؤثر قراءة السورة مع الفاتحة. والوجه الثالث - أنه يتعوّذ ولا يقرأ وجهت وجهي؛ فإن التعوّذ قريب، وقد ثبت بنص القرآن أنه مشروع، في حق كل من يقرأ القرآن. ١٧٢٣ - ثم قراءة الفاتحة لا بد منها.

стр. 1564

وأما الجهر، فقد قال الصيدلاني: إن أقيمت الصلاة نهاراً، فلا جهر، وإن أقيمت ليلاً سنّ الجهر فيها، بالقراءة، وقد روي ذلك عن ابن عباس. وفي بعض التصانيف أنه لا يسن الجهر بالقراءة، ليلاً كانت الصلاة أو نهاراً؛ فإن مبنى هذه الصلاة على التخفيف. وهذا متجه عندي. وفي الرواية عن ابن عباس ما يُسقط الاحتجاج بها، فقد روي: "أنه جهر بالقراءة في صلاة الجنازة، ثم قال: إنما جهرت، لتعلموا أن فيها قراءة" (١). وليس في الرواية تقييد بالليل. والظاهر أنه فعل ذلك نهاراً؛ فإن صلاة الجنازة يندر وقوعها ليلاً. ١٧٢٤ - ثم إذا فرغ من قراءة الفاتحة، كبّر التكبيرةَ الثانية. ويصلي (٢ على النبي ﵇. والذي نقله المزني: "أنه يحمد الله عقيب التكبيرة الثانية ٢) ويصلي ويدعو للمؤمنين والمؤمنات" (٣)، واتفق أئمتنا على أن ما ذكره من حمد الله قبل الصلاة غيرُ سديد، ولم نر هذا للشافعي في شيء من منصوصاته. وأما الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، فقد تردد فيه أئمتنا، فلم يره بعضهم، ومن رآه فمستنده أن الصلاة وراء التشهد الأخير تستعقب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، فهذه الصلاة (٤) بتيك (٥). وإذا كان لا يصح في ذلك ثَبَت من جهة السنة، فإثبات هذه في

стр. 1565

صلاةٍ (١) مبناها على نهاية التخفيف بعيدٌ. ثم إن كانت الصلاة تستعقب في التشهد دعاءً، فهي مسبوقة أيضاً بأذكار وتمجيدات، فينبغي أن يُصوَّبَ المزني في ذكر التحميد قبل الصلاة. ثم يكبر تكبيرةً ثالثة، ويدعو له. والدعاء له هو المقصود من هذه الصلاة والركن الأوضح. ثم يكبر تكبيرةً رابعة (٢ وقد نص الشافعي في معظم كتبه أنه يكبر التكبيرة الرابعة، ويسلّم ٢) ومقتضى نصوصه أنه لا يذكر بين التكبير والسلام شيئاً. وفي رواية البويطي: إنه يقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنّا بعده. وفيما نقله الصيدلاني في هذه الرواية: اللهم اغفر لحيّنا وميتنا. وأما القول في السلام، فقد سبق في صفة الصلاة تفصيلُ المذهب، بعد اختلاف النصوص في عدد السلام استحباباً. قال الصيدلاني: الكلام في تعدد السلام، واتحاده في هذه الصلاة، كالكلام في سائر الصلوات، في تخريج القولين أو تنزيل الأمر على اختلاف الأحوال. وقال بعض أصحابنا: هذه الصلاة أولى بأن يقتصر فيها على تسليمة واحدة، لأنها مبنية على الإيجاز، وسبب ذلك ما أمرنا به من الإسراع في تجهيز الميت، وما نحاذره من التغايير. ثم إن رأينا الاقتصار على تسليمةٍ واحدة، ففي، بعض النصوص: إنه يبتدىء التسليمة منقلباً إلى يمينه ويختمها ووجهه مائل إلى يساره، فيدير وجهه من يمينه إلى يساره في حال التلفظ بالسلام، وقد اخنلف أئمتنا في ذلك، فمنهم من رأى ذلك رأياً، فيحصل توزيع تسليمة واحدةٍ على الجانبين، مع الاقتصار على واحدة، وإسماع مَنْ على اليمين واليسار. ومنهم من يقول: إذا كان يسلم تسليمةً واحدة، فإنه

стр. 1566

يأتي بها تلقاء وجهه من غير التفات، وهذا القائل يحمل كلامَ الشافعي على الأمر بتسليمتين. وهذا التردد لم أذكره فيما أظن فيما تقدم، ولا شك أنه جارٍ في جميع الصلوات، مهما (١) رأينا الاكتفاء بتسليمة واحدة. فهذا بيان كيفية الصلاة. ١٧٢٥ - ثم نحن نذكر الآن بيان الأقل الذي لا يجزىء أقلُّ منه، فالذي قطع به الأئمة أن التكبيرات محتومة، وهي مشبهة بالركعات في الصلوات، ولا شك في كون النية ركناً، وقراءة الفاتحة ركنٌ عندنا، لقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" والصلاة على رسول الله ﷺ ركن، قال الصيدلاني: "وأقلها اللهم صل على محمد"، ولم يتعرض للصلاة على الآل، وقد مضى في سائر الصلوات اختلاف القول في الصلاة على الآل في التشهد، والظاهر هاهنا أنها ليست ركناً، لاختصاص هذه الصلاة بالاختصار. والدعاء عقيب التكبيرة الثالثة لا بد منه، فظاهر كلام الأئمة أنه لا بد من ربط الدعاء بالميت الحاضر، ولا يكفي إرسال الدعاء للمؤمنين. وكان شيخي يقول: يكفي إرسال الدعاء للمؤمنين، والتكبيرة الرابعة لا يعقبها ركن إلا السلام. ثم ذكر الشيخ أبو علي في ذكر الأقل: أنه يكفي أن يقول السلام عليكم، وردّد جوابَه في أنه لو قال السلام عليك، من غير صيغةِ الجمع في الخطاب، فهل يجزىء ذلك، وهل يكفي أم لا؟ ثم قال: الأوْلى الاقتصارُ على تسليمة واحدة، فعلى هذا يقول: السلام عليكم، وهل يؤثر أن يقول: ورحمة الله؟ حكى فيه تردداً من طريق الأوْلى، مَصيراً إلى رعاية الاقتصار. فهذا بيان الأقلّ.

стр. 1567

وعلى الجملة إذا فهم الفقيه ابتناء هذه الصلاة على الإيجاز والاقتصار، يعتقد أن ما يصح النقل فيه يجب أن يكون ركناً. ويبعد اشتمالها على سنن لها أثر في اقتضاء التطويل. ١٧٢٦ - وذكر صاحب التقريب عن البويطي أنه نقل كلاماً للشافعي، وقال في أثنائه: وقد قيل: إن الصلاة دعاء للميت. قال صاحب التقريب: يحتمل أن يكون هذا حكايةً لمذهب الغير، وإن حملناه على مذهب الشافعي، فمقتضى هذا النص سقوطُ فرضية القراءة، والصلاة على رسول الله ﷺ ، وجواز استغراق الصلاة بالدعاء للميت. ولم يتعرض لإسقاط التكبيرات بين العقد والحَل اقتصاراً على الدعاء. واللفظُ صالح له. وهذا غيرُ معدود من المذهب، بل الوجه القطع بحمل ما قال على حكاية مذهب الغير؛ فإن هذه الصلاة ذاتُ حل وعقد، ويشترط فيها من السنن، والطهارة، والاستقبال، ما يشترط في سائر الصلوات. فرع: ١٧٢٧ - قطع الأئمة بأنه لو سها في صلاة الجنازة، لم يسجد للسهو؛ لأنه لا مدخل للسجود في هذه الصلاة ركناً، فلا يدخلها جبراناً. فصل ١٧٢٨ - ذكر الشيخ أبو علي أموراً في أحوال الميت يجب الاعتناء بها. فقال: الميت يغسل، ويكفن، ويحمل، ويصلّى عليه، ويدفن. فأما غسله فينبغي أن يقوم به ماهر، مع مُعينٍ إن كان يكتفي بمعين واحد، ثم يوضع على جنازة أو سرير، ويحمله أربعة، ولا يجوز أن تنقص حملته عن أربعة؛ فإنه لو جُوّز النقصان في ذلك، لكان هذا إزراءً بالميت، ولساغَ أن يحمل الميتَ رجل واحد. وهذا ترك (١) لحرمته، وغضّ من قدره.

стр. 1568

وأما الصلاة عليه، فقد حكى (١) في عدد المصلين أوجهاً: قال: من أصحابنا من قال: لا بد من أربعة يصلّون، ومنهم من قال: يكفي واحد يصلي عليه، ثم قال: ومن شرط جمعاً، لم يشترط أن يصلوا جماعةً بل قال: لو صلوا أفراداً، جاز. ثم قال: لا بد أن يتولى دفنَ الميت ثلاثة، ولا يجوز النقصان مع الإمكان. هذا مساق كلامه. ١٧٢٩ - ونحن نقول: أما كل ما يؤدي إلى إزراءٍ بالميت واستهانةٍ، فلا شك في تحريمه، ولكن فيما ذكره نظر. فأما الغسل، فليس يظهر في إفراد رجل واحد بغسله إزراء، مع ما نقول: إن أقل الغُسل جريان الماء على جميع البدن، وأما قوله: لا يجوز نقصان الحمَلَة عن أربعة، فهذا هفوة؛ فإن الحمل بين العمودين قد يحصل بثلاثة، كما سبق تصويره، وميلُ نص الشافعي إلى أن الأوْلى الحمل بين العمودين، ولا شك أن الطفل الصغير لو احتمله رجل واحد، فلا إزراء فيه، والمرعي في إثبات التحريم ظهور الإزراء، وفي حمل رجلين أيّدين للجنازة احتمال ظاهر. ومما يجب رعايته أن الحَمَلَة ينبغي أن يكونوا بحيث لا يُخاف على الميت الميل والسقوط، وينبغي ألا يحملوه على هيئة قبيحة مزرية. وأما ما ذكره من عدد المصلين، فقد ذكر غيرُه على الوجه الذي ذكره. ولم أر للاقتصار على اثنين ذكراً، وهو محتمل جداً؛ فإنا ذكرنا في مسألة الانفضاض في الجمعة أن من أئمتنا في تفريع الانفضاض من يكتفي بواحدٍ يبقى مع الإمام، فيكون الإمام معه اثنين، وهذا منقدح هاهنا، ملتفت على أن الاجتماعَ يحصل بهذا. وما ذكره من الدفن فيه نظر؛ فإن الطفل الصغير يكفيه واحد، يضعه في قبره، وقد وضع رسول الله ﷺ إبراهيم ﵇ بنفسه في قبره. ولو استقلّ رجلان بوضع الميت في قبره من غير أن يُزرُوا به في هيئة الوضع، فلست أرى بذلك بأساً، والمعتمد في ذلك ترك الاستهانة، واجتناب تعريض الميت للسقوط.

стр. 1569

فصل في المقتدي في صلاة الجنازة ١٧٣٠ - قال الشيخُ أبو علي: من اقتدى في صلاة العيد بمن يكبر خمساً في الركعة الأولى، فهل يتابعه من يرى التكبيرات سبعاً، ويقتصر على الخمس، أم لا؟ ذكر فيه قولين. وكذلك لو كان المقتدي يرى خمساً، وكان الإمام يكبر سبعاً، فهل يتابعه، فيزيد اتّباعاً؟ فعلى قولين. والذي عندي فيه أن المقتدي لو تابع، أو ترك المتابعة في التكبيرات، أو لم يكبر أصلاً، وكان الإمام يكبر، فلا ينتهي الأمر في ذلك إلى الحكم ببطلان الصلاة؛ فإن هذه التكبيرات ليست من الأركان (١)، حتى يقال: سبق الإمام بها، أو سبق المأموم بها، وفيه احتمال ظاهر. والعلم عند الله. ثم قال الشيخ: لو اقتدى في صلاة الجِنازة بمن يرى التكبيرات خمساً، فهل يتابعه في التكبيرة الخامسة؟ فيه طريقان: منهم من قال: فيه قولان، كالقولين في تكبيرات صلاة العيد، ومنهم من قطع القولَ بأنه لا يزيد في صلاة الجِنازة على أربع تكبيرات، وهذا يلتفت على خلافٍ قدمناه في أن التكبيرة الخامسةَ هل تبطل الصلاة؛ فإن رأيناها مبطلةً، لم يتابِع المقتدي الإمامَ فيها. ثم قال: إذا قلنا: يقتصر المقتدي على أربع، ولا يزيد وإن زاد إمامه، فإذا أتى المقتدي بالأربع، فيسلم، أو ينتظر، ويصبر، حتى يسلمَ إمامه بعد الخامسة؟ فعلى وجهين ذكرهما. وهذا له التفاتٌ إلى ما ذكرته من أن الخامسة هل تُبطل الصلاة؟ وله تعلّقٌ بأن صلاة الإمام إذا كانت على صفةٍ يعتقد المقتدي بطلانَها في عقده لو صدرت منه، فكيف يكون سبيل الاقتداء والحالة هذه؟ [هذا] (٢) يخرّج على خلافٍ تقدّم ذكرُه في مسائل

стр. 1570

الأواني، في اقتداء الشافعي بالحنفي مع انطواء صلاة الحنفي على ما يراه الشافعي مبطلاً للصلاة، فإن منعنا ذلك، فليبادر المقتدي إذا كبر أربعاً، وليسلم قبل أن يكبر الإمام التكبيرة الخامسة. ومما ذكره في مساق كلامه أنه لو اقتدى شافعي في صلاة الصبح بمن لا يرى القنوتَ، فإن علم المقتدي أنه لو قنت، سبقه الإمام بالسجود على التفصيل المشهور فيه، فلا يقنت، وإن علم أنه لا يسبقه، إن قنت، فهل يؤثر له القنوت؟ فعلى قولين ذكرهما، كالقولين في تكبيرات صلاة العيد. [وقد انتهى كلامه في هذا المعنى] (١). ١٧٣١ - ومما يليق بهذا الفصل ذكر المسبوق في صلاة الجنازة: فلو كبر الإمامُ، ولحق مسبوقٌ قبل التكبيرة الثانية، فإنه يبادر عندنا تكبيرةَ العقد، ويشتغل بالقراءة، ولا يتوقف حتى يكبر الإمام التكبيرة الثانية. وقال أبو حنيفة (٢) ﵁: يصبر حتى يكبر الإمام التكبيرة الثانية، ثم يعقد الصلاةَ متصلاً بتكبيره الثاني. ثم قال أئمتنا: لو كبر المسبوق، وافتتح قراءة الفاتحة، فكبر الإمام الثانية، وهو بعدُ في القراءة، فالقول في أنه هل يقطع القراءة، أو يتممها، كالقول فيه إذا ركع الإمام في سائر الصلوات، والمقتدي بعدُ في القراءة، والاختلاف مشهور فيه. وهذا فيه نظرٌ عندي؛ فإن المسبوق في سائر الصلوات لو أدرك الإمام راكعاً، صار مدركاً للركعة بإدراك ركوعها، ومن أدرك الإمام في صلاة الجِنازة، مع التكبيرة الثانية، لم نجعله كمن أدرك الصلاة في أولها، فليست مبادرة الركوع بمثابة مبادرة التكبيرة الثانية. فليفهم الناظر ذلك. ولكن إن كان يعذر في ترك بعض القراءة، حتى لا يسبقه الإمام، فقد يتجه ذلك على بُعد. ١٧٣٢ - ومما يتعلق بما نحن فيه: أن المسبوق لو لحق الإمامَ في التكبيرة الثانية،

стр. 1571

فإنه يكبر، ويقرأ الفاتحة، وإن كان الإمام يصلّي على النبي ﷺ ، أو يدعو، فلا ينظر إلى ما الإمام فيه، بل يجري على ترتيبِ صلاة نفسه؛ فإن ما يدركه المسبوق أول صلاته عندنا، كما تقدم. ومما يجب الإحاطةُ به في ذلك أن المقتدي المسبوق لو أدرك تكبيرةً واحدةً، وأخذ يجري على ترتيب صلاة نفسه، فسلّم الإمام، ورفعت الجِنازة، فالمسبوق يتم الصلاةَ، ولا يضره رفعُ الجِنازة، وإن حوّلت عن قُبالة القبلة، وإن كنا لا نرى جوازَ ذلك في الجنازة الكائنة في البلدة، في ابتداء عقد الصلاة على الوجه الظاهر، فكان شيخي يقول: المقتدي في صلاة الجِنازة إذا كبر لما كبر إمامه، فكبر إمامه الثانيةَ، فلم يكبر حتى كبر الثالثة من غير عذر، فهذا يقطع القدوة؛ فإن الإمام سبقه سبقاً بيّناً على ما ذكره. وهو مقطوع به عندنا. فصل في الصلاة على القبور ١٧٣٣ - نقول أولاً: إذا صلى على الميت طائفة، وسقط فرضُ الكفاية بهم، فيجوز أن يصلّي عليه جيل (١) آخر عندنا، والأصل فيه ما روي أن مسكينةً كانت تقمّ المسجد، فمرضت؛ فقال رسول الله ﷺ : إذا ماتت فآذنوني، فاتفق أنها ماتت ليلاً، فصلى عليها قوم، ودفنوها ليلاً، ولم يُحبّوا أن يوقظوا رسول الله ﷺ ، فلما أصبح ﷺ ، صلّى على قبرها (٢). ولا يؤثر للرجل، إذا صلى على ميت مرة، أن يصلي عليه مرة أخرى، اتفق الأئمة عليه، وقالوا: لا يستحب التطوّع بصلاة الجنازة.

стр. 1572

فإن قيل: فإذا سقط الفرضُ بصلاة طائفة، فصلاة الطائفة [الثانية] (١) مستغنى عَنها، فتقع تطوعاً، قلنا: نحن نقدّر كأن الآخرين صلوا مع الأولين، ولو صلى جمع على ميت، صحت صلاة جميعهم، وإن كان يقع الاكتفاء ببعضهم. ثم الذي يظهر من كلام الأئمة أن من صلى مرَّةً منفرداً، ثم أدرك جماعةً يصلون، فلا يؤثر له أن يصلي لإدراك الجماعة، بخلاف ما قدمناه في الصلوات المفروضة. ثم ظاهر كلام الأئمة أن من صلى مرة، ثم صلى ثانية، فلا نقضي ببطلان صلاته، ولفظ الصيدلاني: "إنا لا نحب أن يصلي مرة أخرى". والحكم ببطلان صلاة من صلى مرة فيه احتمال عندي. ١٧٣٤ - ثم إذا دُفن الميت، فالصلاة على القبر جائزة عندنا، والشاهد فيه صلاة رسول الله ﷺ على قبر المسكينة. ثم اختلف أئمتنا في أنا إلى متى نجوّز الصلاة على القبر؟ فقال قائلون: نجوّزها إلى أن ينمحق في الأرض، ويبلَى، ولا يبقى له أثر. وقال صاحب التلخيص: "تجوز إلى شهر، ولا تجوز بعده". ولا ندري لما ذكره ثَبَت توقيفي. وتكلّف بعضُ الناس لها وجهاً، فقال: لعله أخذه من صلاة رسول الله ﷺ على النجاشي؛ فإنه قد قيل: بين الحبشة والمدينة مسيرة شهر. وهذا ليس بشيء؛ فإنه ﷺ علم موته يوم مات، وصلى عليه يوم موته. وذكر الشيخُ أبو علي في الشرح وجهاً آخر، وهو أن الصلاة على القبر تجوز إلى ثلاثة أعوام، ولا تجوز بعدها. وهذا غريب غيرُ معتدٍّ به. وفي بعض التصانيف وجه رابع: إنها تصحّ أبداً من غير اختصاص بأمد، وهذا في نهاية البعد، وهو خارج عن الضبط بالكلية. والذي عليه التعويل من هذه الوجوه تجْوِيز الصلاة إلى البلى والامِّحاق.

стр. 1573

١٧٣٥ - ثم قال الشيخ أبو زيد: إنما يصلي على القبر من كان من أهل الصلاة يوم الموت، فلو دفن وتمادى الزمان، ولكن كانت التربة حُرّة، لا يبلى دفينها إلا في الأمد الطويل، فلو كان الإنسان إذ ذاك طفلاً غير مميز، أو لم يكن، فوُلد وشبّ، وبلغ، لا يصلي على قبر ذلك الميت. وإن كان من أهل الصلاة يوم الموت، فيصلي على القبر ما لم يبل، كما تقدم. وهذا حسن. ومن أئمتنا من لم يساعده على هذا التفصيل، وجوّز الصلاة في الحالتين جميعاً. ثم من جرى على التفصيل الذي ذكره الشيخ أبو زيد اختلفوا فيمن كان صبياً مميزاً يومئذ، ثم بلغ: فمنهم من قال: هذا يصلي على القبر؛ لأنه يوم الموت كان من أهل الصلاة، ومنهم من قال: لا يصلي بعد البلوغ، وهو اختيار الصيدلاني؛ لأنه يومَ الموت، لم يكن من أهل فرضية الصلاة، ولا اعتبارَ بكونه من أهل الصلاة على الجملة، إذا لم يكن من أهل الفرضية. ومن كان كافراً يوم الموت، ثم أسلم، فالذي أراه أنه يصلي؛ فإنه كان متمكناً من الصلاة بأن يُسْلم، ويصلي، كالمحدث، والمرأة إذا كانت حائضاً يوم الموت، ثم طهرت، فالحيض ينافي صحةَ الصلاة ووجوبَها، ولكن هي على الجملة ممن يخاطَب [بالصلاة] (١) فالذي أراه أنها تصلي، إذا طهرت، عن ذلك. ومما يتعلق بهذا الفصل، أنا إذا راعينا البلى، فإن تحققنا بقاء الميت، أو بلاه، فلا يخفى حكمه، وإن لم ندر، وترددنا، فقد يخطر للناظر بناء الأمر على بقاء الميت، وهو الأصل. ويجوز أن يقال: الصلاة تستدعي يقين البقاء في القبر. ١٧٣٦ - ومما نذكره في ذلك الصلاة على قبر رسول الله ﷺ ، والذي ذهب إليه جماهير الأصحاب المنعُ منها، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تتخذوا قبري مسجداً" (٢) وروي أنه قال ﷺ :

стр. 1574

"لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١). ويخرّج هذا المنعُ على عللٍ منها: أن من افتتح الصلاة الآن ولم يكن مولوداً ولا موجوداً يوم توفي المصطفى ﷺ ، وقد تقدم في الطريقة المرضية أن هذا يُمنع من إقامة الصلاة على القبر. وذكر الشيخ أبو علي للمنع معنى آخر مأخوذاً، من الحديث: وهو ما روي أنه ﷺ قال: "أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث" (٢)، وروي أكثر من يومين. وإذا كان كذلك، فلا معنى للصلاة على قبره. ثم ذكر الشيخ أبو علي وجهاً عن بعض الأصحاب أنه تجوز الصلاة على قبره ﷺ ، ثم قال: ونحن وإن جوّزنا ذلك، فلا يجوز أن يصلَّى عليه جماعة، بل يُصلّى عليه أفراداً، وهذا القائل يحمل المنع من اتخاذ القبر مسجداً على إقامة الجماعة. وتنزيل القبر في ذلك منزلة المساجد المهيأة للجماعات. والعلم عند الله تعالى. ١٧٣٧ - ومما يتعلق بالقول في الصلاة على القبر أنا وإن جوزنا الصلاةَ بعد الدفن، وقلنا أيضاً: إنه لو دفن ميت، ولم يصلّ عليه، لم ينبش، بل يصلى عليه مدفوناً، فلا يجوز مع هذا كلِّه تأخيرُ الصلاة إلى ما بعد الدفن. ولو فُعل ذلك قصداً حَرِج به أهلُ الناحية، وإن وقعت الصلاة موقعها بعد الدفن. وهذا بيّن لا شك فيه.

стр. 1575

فصل (١) ١٧٣٨ - قد ذكرنا أن فرض الصلاة على الميت يسقط بواحد يصلي أو جمع، وأظهرنا الخلافَ في أقله، وقد تردد الأئمة في أن الفرض هل يسقط بصلاة النسوة المجردات. وغرضنا الآن أنه إذا صلى على الميت جمعٌ كثير يقع الاكتفاء ببعضهم، فالذي ذهب إليه الأئمة أن صلاة كل واحدٍ تقع فريضة؛ إذ ليس بعضُهم بأن توصف صلاته بالفرضية أولَى من بعض، فإذا عسر التمييز والتخصيص، فالوجه القضاء بالفرضية في حق الكافة. ويحتمل أن يقال: هو بمثابة ما لو أوصل المتوضىء الماء إلى جميع رأسه دفعةً واحدة، وقد تردد الأئمة في أن الكل يوصف بالفرضية، أم الفرض مقدار الاسم على الإبهام من الرأس، فليخرّج الأمر في الجمع على ذلك. ولكن قد يتخيل الفطن في ذلك فرقاً؛ ويقول: مرتبة الفريضة تزيد على مرتبة السنة، وكل مصل في الجمع الكثير لا ينبغي أن يُحرَم رتبة الفرضية، وقد قام بما نُدب إليه. وهذا لطيفٌ، ثم لا يتحقق مثله في مسح الرأس أيضاً؛ فإن التطوّع بالزيادة على مقدار الفرض في مسح الرأس مشروع، والتطوّع بصلاة الجنازة ممنوع. ثم قال الأئمة: إذا صلى قومٌ على الميت، وسقط الفرض بهم، فيجوز أن يصلِّي عليه آخرون، وإذا صلَّوا كانوا بمثابة ما لو كانوا مع الأولين في جماعة واحدة، وهذا وإن كان يتميز عن الصورة الأولى؛ من جهة ما جرى من التمييز في الترتيب، فوجهه مع ما فيه من الاحتمال الظاهر أن التطوع بصلاة الجنازة غيرُ مشروع، فإذا صح في الأخبار والآثار ترتيبُ الجماعة في إقامة الصلاة على الميت، فالوجه تنزيل المرتبين منزلة المجتمعين في جماعة واحدة.

стр. 1576

فصل "ولا يُدخل الميتَ قبرَه إلا الرجالُ ... إلى آخره" (١) ١٧٣٩ - إن كان الميت رجلاً، فلا شك في ذلك، وإن كان امرأة، فالأمر أيضاًً كذلك، ولكن قال الشافعي فيما نقله الصيدلاني: يتولى ذلك زوجها، ومحارمها، وإن لم يكونوا، فعبيدها، فإن لم يكونوا، فخصيان، فإن لم يكونوا، فأرحام، فإن لم يكونوا، فالأجانب. فأما تقديمه الزوج والأرحام الذين هم محارم، فهو حتمٌ قياساً على الغُسل، وأما ذكره الأرحام، الذين ليسوا محارم، فما أراه محتوماً؛ فإنهم في وجوب الاحتجاب عنهم في الحياة كالأجانب، وفي العبيد -وقد انقطع ملكها عنهم بالموت- احتمالٌ ظاهر. وقد ذكرنا تردداً في غُسل الأمة مولاها. وفي الخصيان احتمالٌ بيّن سيأتي ذكره، في أول كتاب النكاح إن شاء الله تعالى، عند ذكرنا من يحلّ له النظر، ومن لا يحل. ١٧٤٠ - وغرض الفصل أن النسوة لا يتولَّيْن دفنَ امرأةٍ، والسبب فيه أنهن يضعفن عن مثل ذلك، وقد يؤدي تعاطيهن لهذا إلى انهتاك في الميّتة، وأيضاًً فإنهن ينكشفن في تعاطي ذلك، ورعاية الستر فيهن أوْلى من رعايته في المتوفاة، فإن لم يوجد غيرهن، فإذ ذاك يفعلن عن اضطرار. ثم ينبغي ألا يتعاطى الدفنَ أقلُّ من ثلاثة، كما تقدم ذكره، فإن زادوا، فقد قيل ينبغي أن يكون عددهم وتراً، ولاستحباب ذلك نظائر في الشريعة، والصحيح أن رسول الله ﷺ تولى دفنه علي، والفضل، وأسامة، وقد قيل: ممن تولى ذلك عبد الرحمن بن عوف (٢)، فإن صح، حُمل تركُ رعاية الإيتار على الجواز.

стр. 1577

١٧٤١ - ثم ذكر الشافعي أن الميت يُسلّ من قِبل رأسه، وبيان ذلك أن الجِنازة توضع ورأسها عند مؤخرة القبر ثم يدخل القبرَ من يتعاطى هذا ويسلُّون الميت، فيأخذون مقاديمه، ورأسه، ويدخلونه القبر كذلك، سلاً رفيقاً. وأبو حنيفة (١) يقول: توضع الجنازة على طول القبر في جهة القبلة، ثم يأخذه الرجال عرضاً ويردّونه القهقرى، إلى قبره. وروي عن إبراهيم النَّخَعي أن رسول الله ﷺ فعل به ذلك (٢). قال الشافعي: هذا من أقبح ما يغلط به، وقبر رسول الله ﷺ ملصق بالجدار، ولحده تحت الجدار، ولا موضع للجنازة وراء القبر أصلاً. ثم عقد الشافعي باباً فيما يقال إذا أدخل الميت قبره، والدعوات مسطورة، فلتتأمل (٣). ...

стр. 1578

باب التعزية وما يهيّأ لأهل الميت ١٧٤٢ - التعزية سنة، قال رسول الله ﷺ : "من عزى مصاباً، فله مثل أجره" (١)، ثم ذكر الشافعي أن من شهد الجنازة، فينبغي أن يؤخر التعزية إلى ما بعد الدفن؛ فإن أولياء الميت لا يتفرغون إلى الإصغاء إلى التعزية، وهم مدفوعون إلى تجهيز الميت. وغرض التعزية الحمل على الصبر بوعد الأجر والتحذير من الوزر في إفراط الجزع، وتذكير المصاب رجوعَ الأمر كلِّه إلى الله. ولا بأس بتعزية أهل الذّمة، ولكن لا يدعى لميتهم الكافر، بل يقال: جبر الله مصيبتك وألهمك الصبر، وما أشبه ذلك. ١٧٤٣ - وذكر صاحب [التلخيص] (٢) في كتابه: أنه لا أمد للتعزية تقطع عنده، بل لا بأس بها وإن طال الزمان. فمن أصحابنا من ساعده على ذلك، فإنه لم يَثبت في ذلك توقيف وثبت. ومنهم من قال: لا تؤثر التعزية بعد الثلاث، فإن فيها تجديدَ ذكر المصيبة، وفي الحديث ما يشهد لهذا؛ فإنه ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله

стр. 1579

واليوم الآخر أن تحِدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا الزوجة فإنها تحد على زوجها" (١) ولا يبعد أن تشبه التعزية بالحزن على الميت. ١٧٤٤ - ثم قال الشافعي: حسن أن يصنع الجيران لأهل الميت طعاماً؛ فإنهم قد لا يتفرغون لذلك. وقد قال رسول الله ﷺ لما ورد نعيُ جعفر: "اصنعوا لآل جعفر طعاماً" (٢). ...

стр. 1580

باب البكاء على الميت ١٧٤٥ - أهل المحتَضَر لو بكَوْا عليه قبل أن تقبض نفسُ الميت، فلا بأس، وإن أمكنهم أن ينكفوا إذا قضى نحبه، فهو الأولى؛ إذ روي أنه ﷺ قال: "إذا وجب (١)، فلا تبكين باكية" (٢)، وإن غُلبوا، فلا كراهية في البكاء على الجملة، مع توقِّي النياحة، وشق الجيب، وضرب الخدود، وقد ورد الحديث بالنهي عن النُّدبة، ومعناها أن يُذكر من يُبكى له بمناقب، فيقال: واسيداه واكهفاه، وما أشبه ذلك. وقد روي أن خالد بن الوليد لما وقع في الموت، وكان يُغشى عليه ويُفيق والذين بحضرته يندبون، ويقولون: واكهفاه، واجبلاه، فأفاق من غشيته، وقال: إني خُوِّفتُ بما ندبتموني به، وقيل (٣) إنه كهفهم وجبلهم. وقد صح أن رسول الله ﷺ وضع حافداً له من أولاد بعض البنات في حجره وهو يجود بنَفْسه، ونَفْسُه تتقعقع، ففاضت عينا رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "إنها رحمة وإن الله يرحم من عباده الرحماء" (٤).
следующие страницы →