فصل
"ولا يُدخل الميتَ قبرَه إلا الرجالُ ... إلى آخره" (١)
١٧٣٩ - إن كان الميت رجلاً، فلا شك في ذلك، وإن كان امرأة، فالأمر أيضاًً كذلك، ولكن قال الشافعي فيما نقله الصيدلاني: يتولى ذلك زوجها، ومحارمها، وإن لم يكونوا، فعبيدها، فإن لم يكونوا، فخصيان، فإن لم يكونوا، فأرحام، فإن لم يكونوا، فالأجانب.
فأما تقديمه الزوج والأرحام الذين هم محارم، فهو حتمٌ قياساً على الغُسل، وأما ذكره الأرحام، الذين ليسوا محارم، فما أراه محتوماً؛ فإنهم في وجوب الاحتجاب عنهم في الحياة كالأجانب، وفي العبيد -وقد انقطع ملكها عنهم بالموت- احتمالٌ ظاهر. وقد ذكرنا تردداً في غُسل الأمة مولاها. وفي الخصيان احتمالٌ بيّن سيأتي ذكره، في أول كتاب النكاح إن شاء الله تعالى، عند ذكرنا من يحلّ له النظر، ومن لا يحل.
١٧٤٠ - وغرض الفصل أن النسوة لا يتولَّيْن دفنَ امرأةٍ، والسبب فيه أنهن يضعفن عن مثل ذلك، وقد يؤدي تعاطيهن لهذا إلى انهتاك في الميّتة، وأيضاًً فإنهن ينكشفن في تعاطي ذلك، ورعاية الستر فيهن أوْلى من رعايته في المتوفاة، فإن لم يوجد غيرهن، فإذ ذاك يفعلن عن اضطرار.
ثم ينبغي ألا يتعاطى الدفنَ أقلُّ من ثلاثة، كما تقدم ذكره، فإن زادوا، فقد قيل ينبغي أن يكون عددهم وتراً، ولاستحباب ذلك نظائر في الشريعة، والصحيح أن رسول الله ﷺ تولى دفنه علي، والفضل، وأسامة، وقد قيل: ممن تولى ذلك عبد الرحمن بن عوف (٢)، فإن صح، حُمل تركُ رعاية الإيتار على الجواز.
стр. 1577
١٧٤١ - ثم ذكر الشافعي أن الميت يُسلّ من قِبل رأسه، وبيان ذلك أن الجِنازة توضع ورأسها عند مؤخرة القبر ثم يدخل القبرَ من يتعاطى هذا ويسلُّون الميت، فيأخذون مقاديمه، ورأسه، ويدخلونه القبر كذلك، سلاً رفيقاً.
وأبو حنيفة (١) يقول: توضع الجنازة على طول القبر في جهة القبلة، ثم يأخذه الرجال عرضاً ويردّونه القهقرى، إلى قبره. وروي عن إبراهيم النَّخَعي أن رسول الله ﷺ فعل به ذلك (٢).
قال الشافعي: هذا من أقبح ما يغلط به، وقبر رسول الله ﷺ ملصق بالجدار، ولحده تحت الجدار، ولا موضع للجنازة وراء القبر أصلاً.
ثم عقد الشافعي باباً فيما يقال إذا أدخل الميت قبره، والدعوات مسطورة، فلتتأمل (٣).
...
стр. 1578
باب التعزية وما يهيّأ لأهل الميت
١٧٤٢ - التعزية سنة، قال رسول الله ﷺ : "من عزى مصاباً، فله مثل أجره" (١)، ثم ذكر الشافعي أن من شهد الجنازة، فينبغي أن يؤخر التعزية إلى ما بعد الدفن؛ فإن أولياء الميت لا يتفرغون إلى الإصغاء إلى التعزية، وهم مدفوعون إلى تجهيز الميت. وغرض التعزية الحمل على الصبر بوعد الأجر والتحذير من الوزر في إفراط الجزع، وتذكير المصاب رجوعَ الأمر كلِّه إلى الله.
ولا بأس بتعزية أهل الذّمة، ولكن لا يدعى لميتهم الكافر، بل يقال: جبر الله مصيبتك وألهمك الصبر، وما أشبه ذلك.
١٧٤٣ - وذكر صاحب [التلخيص] (٢) في كتابه: أنه لا أمد للتعزية تقطع عنده، بل لا بأس بها وإن طال الزمان. فمن أصحابنا من ساعده على ذلك، فإنه لم يَثبت في ذلك توقيف وثبت.
ومنهم من قال: لا تؤثر التعزية بعد الثلاث، فإن فيها تجديدَ ذكر المصيبة، وفي الحديث ما يشهد لهذا؛ فإنه ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله
стр. 1579
واليوم الآخر أن تحِدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا الزوجة فإنها تحد على زوجها" (١) ولا يبعد أن تشبه التعزية بالحزن على الميت.
١٧٤٤ - ثم قال الشافعي: حسن أن يصنع الجيران لأهل الميت طعاماً؛ فإنهم قد لا يتفرغون لذلك. وقد قال رسول الله ﷺ لما ورد نعيُ جعفر: "اصنعوا لآل جعفر طعاماً" (٢).
...
стр. 1580
باب البكاء على الميت
١٧٤٥ - أهل المحتَضَر لو بكَوْا عليه قبل أن تقبض نفسُ الميت، فلا بأس، وإن أمكنهم أن ينكفوا إذا قضى نحبه، فهو الأولى؛ إذ روي أنه ﷺ قال: "إذا وجب (١)، فلا تبكين باكية" (٢)، وإن غُلبوا، فلا كراهية في البكاء على الجملة، مع توقِّي النياحة، وشق الجيب، وضرب الخدود، وقد ورد الحديث بالنهي عن النُّدبة، ومعناها أن يُذكر من يُبكى له بمناقب، فيقال: واسيداه واكهفاه، وما أشبه ذلك. وقد روي أن خالد بن الوليد لما وقع في الموت، وكان يُغشى عليه ويُفيق والذين بحضرته يندبون، ويقولون: واكهفاه، واجبلاه، فأفاق من غشيته، وقال: إني خُوِّفتُ بما ندبتموني به، وقيل (٣) إنه كهفهم وجبلهم.
وقد صح أن رسول الله ﷺ وضع حافداً له من أولاد بعض البنات في حجره وهو يجود بنَفْسه، ونَفْسُه تتقعقع، ففاضت عينا رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "إنها رحمة وإن الله يرحم من عباده الرحماء" (٤).
стр. 1581
وحديث بكائه على ابنه إبراهيم معروف (١) وقد قيل له في ذلك فقال: إنما (٢) نهيتكم عن صوتين أحمقين فاجرين: أحدهما عند الفرح والآخر عند [الحزن] (٣).
١٧٤٦ - ومما يجب التثبت فيه أن النياحة محرّمة، والأخبار في تغليظ الأمر على النائحة مشهورة، والبكاء ليس بمحرم، والقول الضابط في ذلك أن كلّ قول يتضمن إظهار جزع يناقض الانقياد والاستسلام لقضاء الله، فهو محرم، وشق الجيب، وضرب الرأس والخد، أفعالٌ مشعرة بالخروج عن الانقياد لحكم الله.
والذي ظهر في الأخبار ومذاهب الأئمة تحريمُ ذلك، وعندي أن في الاقتصار على الحكم بالكراهية مجال، والتحريم يختص بالقول الذي يخالف الرضا بمجاري القضاء. والعلم عند الله تعالى.
والظاهر ما قاله الأئمة، فالمعتمد فيما يحرم ما ذكرناه، ورفع الأصواتِ على إفراطٍ في معنى شق الجيوب.
١٧٤٧ - ومما اعتنى الشافعي بالكلام عليه، ما روي أنه مات بعض آل عمر (٤) وكان النساء يبكين وابن عباس وابن عمر جالسان على باب حجرة عائشة، فقال ابن عباس لابن عمر: هلا نهيتهن، فقد سمعتُ أباك عمر يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن الميت ليعذّب ببكاء أهله عليه، فسمعت عائشة ذلك، فقالت:
стр. 1582
رحم الله عمر: ما قال رسول الله ﷺ هذا، ولكنه قال: إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله. ثم قالت: حسبكم القرآن قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
ثم فيما ذكرته إشكال أيضاً؛ فإن الزيادة في عذاب الكافر لمكان بكاءٍ يصدر من غيره مشكل، قال المزني: بلغني أن الكفار كانوا يوصون بأن يندَبوا ويُبكَوْا؛ فإنهم يعذبون على وصاياهم. والرواية الصحيحة عن عائشة في ذلك أنها قالت: رحم الله عمر ما كذب، ولكنه أخطأ أو نسي، إنما مرّ رسول الله ﷺ على يهوديّةٍ ماتت ابنتها، وهي تبكي، فقال رسول الله ﷺ إنهم يبكون، وإنها تعذب في قبرها" (١) وهذه الرواية لا تُحوج إلى تأويل أصلاً؛ إذ ليس فيها أنها تعذب بسبب بكائهم. والله أعلم (٢).
...
стр. 1583
كتاب الزكاة (١)
باب فرض الإبل السائمة
١٧٤٨ - الأصل في الزكاة الكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢) [البقرة: ٤٣] وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وقال ﷺ : "بني الإسلام على خمس" (٣) الحديث، وروى ابنُ عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا جارت الولاة، قحَطت السماء، وإذا مُنعت الزكاة، هلكت المواشي، وإذا ظهر الزنا، ظهر الفقر، وإذا أخفر أهلُ الذمة، أدِيل [للكفار] " (٤). وقال ﷺ : "ما خالطت الزكاة مالاً إلا
стр. 1584
أهلكته" (١) وقال ﷺ : "مانع الزكاة في النار" (٢) إلى غير ذلك.
وأجمع المسلمون على أن الزكاة من أركان الإسلام.
١٧٤٩ - والزكاة هي النماء: من قولهم "زكا الشيء" إذا نما. وإخراج الزكاة وإن كان حطّاً من مقدار المال، ولكن يُمْنُ إخراجِه ينمّي المال. قال ﷺ : "ما نقص مالٌ من صدقة" (٣). وقال عزّ من قائل: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩].
١٧٥٠ - ثم الزكاة تنقسم إلى ما يتعلق بالذمة، ولا يختص بمال، وإنما المرعيّ فيه الإمكان، وهو زكاة الفطر، وإلى ما يتعلق بمالٍ، وهو منقسم إلى ما يتعلق بالأعيان، وإلى ما يتعلق بالقيم.
فأما ما يتعلق بالقيم، فزكاة التجارة، وأما ما يتعلق بالأعيان، فالأعيان التي تتعلق بها الزكاة: حيوان، وجوهر، ونبات.
стр. 1585
فأما الحيوان، فالنَّعم، وهي: الإبل، والبقر، والغنم.
والجوهر: الدراهمُ، والدنانيُر.
والنباتُ: في الزروع، والثمار كلُّ (١) مقتات.
١٧٥١ - ثم بدأ الشافعي من زكاة النَّعم بزكاة الإبل، واعتمد في نُصُبها وأوقاصها (٢) ما رواه بإسناده عن أنس بن مالك (٣) وهو مشهور مذكور في ظاهر المختصر (٤). وفي أوله: "هذه الصدقة. بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ ، التي أمر الله بها".
فقوله أولاً: "هذه الصدقة" ترجمة، وعنوانُ الكتاب "الصدقة"، كما يُثبت الكاتب في أول كتاب: "هذا كتاب الصدقات". ثم ابتدأ الكتابَ بعد أن عَنْوَنَه فقال: "بسم الله" وأراد بالفرض التقديرَ: فرضها رسول الله ﷺ ، معناه قدّرها، وتقديره إياها إبانتُه لها، ثم اشتمل الحديث على بيان النُّصب، والأوْقَاص.
стр. 1586
ونحن نستاق ذكرها من أولها إلى آخرها، ونجري على ترتيب الحديث فيها، حتى يأنسَ الناظر بأصول المذهب في النُّصب والأوقاص، ثم ننعطف على استيعاب خفايا المذهب في كل نوع وفن منها.
١٧٥٢ - فنقول: أول نصاب الإبل خمس، فليس فيما دون خمسٍ من الإبل شيء، وفي خمس شاة، وفي عشرٍ شاتان، وفي خمسَ عشرةَ ثلاثُ شياه، وفي عشرين أربعُ شياه.
فإذا بلغت خمساً وعشرين، وجبت فيها الزكاة من جنسها، ففيها ابنةُ مخاض، وهي التي استكملت سنة، وطعنت في الثانية، فإن لم يكن في ماله ابنةُ مخاض، فابن لبون ذكر، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستاً وثلاثين، فإذا بلغتها، ففيها بنتُ لبون؛ وهي التي تزيد على التي قبلها بسنة، ثم لا شيء إلى ست وأربعين، وفيها حِقّة، وفى إحدى وستين جذعة.
وهذا منتهى الترقِّي في الأسنان.
ثم في ستٍّ وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حِقَّتان، ثم لا شيء في زيادتها حتى يبلغ المال مائةً وعشرين، فإذا بلغها وزاد بعيراً واحداً، فيجب في هذا المبلغ ثلاثُ بنات لبون، ثم يستقر الحساب في الأوقاص والنُّصب على عشرٍ عشرٍ، من غير تفاوت، في كل خمسين حِقة، وفي كل أربعين بنت لبون، ففي المائة والعشرين والواحدة ثلاثُ بنات لبون؛ فإنها ثلاث أربعينات.
وسنذكر التفصيل في الواحد الزائد.
ثم كلما كملت عشر تبدل بنتُ لبون بحقة.
هذا ما يقتضيه الحساب، حتى تتمخض الحِقاق، ففي مائة وثلاثين حقة، وابنتا لبون، فإنها خمسون وأربعينان. وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون. وفي مائة وخمسين ثلاثُ حقاق. فإذا زادت عشراً، انتقلنا من الحِقاق إلى بنات اللبون، وزدنا في العدد.
ففي مائةٍ وستين أربعُ بنات لبون. وفي مائة وسبعين حِقة، وثلاثُ بنات لبون.
стр. 1587
وفي مائة وثمانين حقتان وبنتا لبون. وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون. وإذا بلغ المال مائتين، فيجتمع فيها حسابُ الحقاق وبنات اللبون؛ فإن المائتين خمسُ أربعينات، وأربع خمسينات؛ ففي المبلغ بحساب الخمسين أربع حقاق، وفيه بحساب الأربعين خمسُ بنات لبون.
وسيأتي في ذلك فصلٌ مفرد إن شاء الله تعالى، فهذا بيان النُّصب المرسلة.
ونحن ننعطف على الأول، ونأتي في كل مقامٍ بفصلٍ نستوعب ما فيه إن شاء الله تعالى.
فصل
١٧٥٣ - فيما دون خمس وعشرين من الإبل الشاء (١).
والمعنى الضابط فيه أن الإبل قد بلغ دون الخمس والعشرين مبلغاً يحتمل المواساة، ولم ير الشارع أن يوجب فيما دون الخمس والعشرين بعيراً، فيكون إجحافاً برب المال، ولم يرَ أن يوجب شقصاً من بعير؛ لما في التشقيص من التعذر، ونقصان القيمة؛ فعدل عن جنس الإبل إلى الغنم، فأوجب في خمس شاةً، وفي عشرين أربعَ شياه، كما تقدم.
١٧٥٤ - ثم الكلام في هذا يتعلق بأمرين:
أحدهما - في إخراج بعيرٍ يُجزىء عن الخمس والعشرين، والآخر في صفة الشاة التي يخرجها، فأما إذا أخرج بنتَ مخاض ومالُه خمس الإبل، فالذي قطع به أئمتنا أن ذلك يجزئه، وتعليله أنها تجزىء في الخمس والعشرين، فلأن تجزىء في الخمس، أوْلى، فهذا متلقى من جهة الفحوى، قريب من استفادة تحريم الضرب، من النهي عن التأفيف، في قوله تعالى ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣].
ثم لو أخرج بعيراً يجزىء عن الخمس والعشرين (٢)، ولكن كان لا يساوي شاةً
стр. 1588
لعزة الغنم، ورخص جنس الإبل في ذلك القطر، فالذي قطع به الأئمة أنه يجزىء لإجزائه عن الخمس والعشرين. وفي بعض التصانيف عن القفال أنه لا يجزىء، حتى تبلغ قيمته شاةً، وقد ذكره شيخي أيضاً مطلقاً، ولم يَعْزُهُ إلى القفال.
واعتبار القيمة بعيدٌ على رأي الشافعي، ولكن المتبع في الباب ما ذكرناه من طريق الفحوى، في الإجزاء [في] (١) الكثير، وإشعار هذا بأنه يجزىء [في] (٢) القليل، ولا التفات إلى القيمة، وإن علمنا أن سبب العدول إلى جنس الغنم الترفيه والتخفيف.
ولكن إن اتفق على ندور عزةُ الغنم، فالأصل المرعيُّ لا يختلف.
١٧٥٥ - ثم إذا وضح أن البعير المجزىء عن خمسٍ وعشرين يجزىء عما دون ذلك، فإذا أخرج بعيراً عن خَمسٍ، فقد ذكر الأئمة خلافاً في أن البعير بجملته يقع فرضاً، أم الفرض منه الخُمس، والباقي متطوَّعاً به تبرعاً؟ فقالوا: في المسألة وجهان.
وذكر العراقيون أن هذا يناظر ما لو لزمته التضحية بشاة، فلو ضحى ببدنةٍ، أو بقرة، فالبدنة تقع فرضاً، أم الفرض مقدار السُّبُع، والباقي تطوع؟
وهذا التشبيه زلل، والوجه القطع بأن الزيادة على السُّبُع تطوعٌ في الضحايا؛ فإن من أراد الاقتصار على سُبُع بدنة بدلاً عن شاة، جاز له ذلك، فالستة الأسباع الباقية زيادة منفصلة عن السُّبع الكافي، ولكن يخرج ما ذكروه من الخلاف في الهدايا على ما تقدم ذكره في أن من استوعب الرأس بالمسح، فهل يقع الكل فرضاً أم لا؟ والأصح أن الفرض قدرُ الاسم؛ إذ يجوز الاقتصار عليه.
فهذا قولنا فيما استشهد به العراقيون في الهدايا.
فأما ما فيه كلامنا، فهو على مقتضىً آخر؛ من جهة أنا لا نعرف خلافاً في أنه لو أخرج خُمسَ بعير، بدلاً عن الشاة التي أوجبها الشارع، لم يَجْزِه ولم يكفهِ؛ فليست هذه المسألةُ مناظِرةً لما وقع الاستشهاد به، فخروج الخلاف فيها أَوْجَه.
стр. 1589
ومن يقول: الفرض مقدار الخُمس، فمعناه أنه مقدار الخمس على شرط التبرع بالبقية، حتى يزول عيبُ التشقيص.
فليفهم الناظر ذلك.
فلو ملك عشراً من الإبل، فأخرج بعيراً واحداً، فقد ذكر الأصحاب أن هذا يخرج على الخلاف المتقدم، فإن قلنا: يقع جميعُ البعير في الخَمس فرضاً، ويقوم مقام شاةٍ؛ فلا يقع الاكتفاء في العَشر ببعيرٍ واحد، بل لا بد من بعيرٍ وشاةٍ، أو بعيرين.
وإن قلنا: المفروض من البعير في الخَمس مقدار خُمسه، فيجزىء البعير عن العَشر، والمفروض منه مقدار الخُمسين، والباقي متطوَّع به، كما تقدم تفصيل ذلك.
وهذا غير سديد عندي، وخارج عن القاعدة المرضية؛ فالوجه القطع بإجزاء البعير الواحد في العشر لإجزائه في الخمس والعشرين، ومن حاد عن اعتبار الأوْلى من طريق الفحوى، فقد ضل عن سواء طريقه ضلالاً بعيداً، واختبط في أمورٍ خارجة عن الضبط.
وإذا وضح هذا في العشر؛ فتفريعه في الخمسةَ عشرَ، وفي العشرين على هذا النحو فالوجه المعتبر (١) أن ما يجزىء عن الكثير يجزىء عن القليل لا محالة.
وسنوضح اطّراد ذلك في تفاصيل المذهب بعد هذا إن شاء الله تعالى.
فهذا قولنا في هذا الطرف، وهو إذا أخرج بعيراً عن خمس من الإبل، وأقامه مقام شاة.
١٧٥٦ - ثم ذكر بعض الأصحاب تردداً، في أن البعير المخرجَ عن خمسٍ من الإبل أصل، أم بدل عن الشاة؟ وهذا بعيد؛ فإن إثبات البدل لا يناسب مذهب الشافعي، وإن غلط من ظن ذلك من قول بعض الأصحاب: إن قيمة البعير ينبغي ألا تنقصَ عن قيمة شاة مجزئة.
стр. 1590
ومما يجب التنبه له في هذا المقام أنه لو ملك خمسةُ نفر خمساً وعشرين من الإبل، فكان لكل واحد منهم خُمُسها شائعاً، فإذا أخرجوا بنت مخاضٍ، فيقع خُمسُها عن نصيب كل خليط، ولكن المُلَاّك في الخلطة كالمالك الواحد - على ما سيأتي تمهيدُ القول في الخلطة إن شاء الله تعالى.
١٧٥٧ - فأما الكلام في جنس الشاة التي يُخرجها عن الخَمس من الإبل فزائداً، إلى الخمس والعشرين، فنقول: أولاً إذا ملك الغنمَ الزكاتيَّ، فلا شك أنه يُخرج من جنس غنمه، أو أفضلَ منه؛ فإن من ملك من المعز أربعين، أجزأته ثنية من المعز.
وإن ملك أربعين من الضأن، لم يجزئه إلا ضائنة كما سيأتي، ولا نظر إلى الغنم الغالبة في البلد.
وإذا كان يخرج شاةً من (١) خمس من الإبل، فليس المخرَج من جنس مال الزكاة.
فالذي ذكره العراقيون: أنه يخرج الشاة من الشاء الغالبة في البلد، وقالوا في استتمام الكلام: من عليه العُشر وزكاةُ الفطر، فيعتبر في العُشر جنس المعشَّر، وفي زكاة الفطر القوتُ الغالب في البلد، فكذلك إذا كان يخرج شاةً من غنمه الزكاتي، فالاعتبار بنوع غنمه، وإن كان يخرج شاةً من خمسٍ من الإبل، فالاعتبار بالغنم الغالبة في البلد.
وذكر صاحب التقريب نصّاً عن الشافعي موافقاً لما ذكره العراقيون، ونسب نقله إلى المزني، وغلَّطه في النقل، ونقل نصوصاً مخالفةً لذلك، متضمنها أنه يُخرج شاة من أي نوعٍ كان: جذعةً من الضأن، أو ثنية من المعز، ولا نظر إلى غنم البلد، والذي ذكره صاحب التقريب في نهاية الحسن، وتوجيهُه ما ذكره: وهو أن الشاة أُوجبت مطلقةً في الذمة، فاعتبر اسم الشاة، والشاة الشرعيةُ جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز، ولا يتخصص لفظ الشارع بالعُرف على مذهب المحققين في الأصول، وشبَّه لفظ الشاة في ذلك بلفظ الشاة في الضحية؛ فإنها تجزىء، ولا يعتبر ما يغلب في
стр. 1591
البلدة، حتى لو كان غالب غنم البلدة الضأن، فضحى بثنيةٍ من المعز، أجزأت.
والذي ذكره العراقيون توجيهه -على البعد- تنزيلُ المطلق على العُرف في كل زمان. وسيأتي تفصيل المذهب في زكاة الفطر وأنَّ المعتبر فيها القوتُ الغالبُ في ظاهر المذهب، فقد يتمسك بهذا العراقيون.
وعلى الجملة ليست زكاة الفطر ممَّا نحن فيه؛ فإن الشارع ذكر فيها أجناساً مختلفة، ثم لم يحمل الأمر فيها على التخيير في ظاهر المذهب؛ فانبنى الأمر فيها على الالتفات إلى الأقوات، والتقديرُ: صاعاً من بُر إن كان قوتاً غالباً، أو صاعاً من شعير إن كان غالباً، وذِكْرُ الشاةِ مفردٌ فيما نحن فيه، واردٌ على الذمة؛ فكان إطلاقها كإطلاق الرقبة في الكفارة، أو كإطلاق الشاة في الضحية، وفي هَدْي المناسك، والتفصيل العويص في الإبل المذكور (١) في الدِّية، وذلك يأتي إن شاء الله تعالى في الديات.
وبالجملة تشبيه الشاة فيما نحن فيه بشاة الضحية قريب جداً.
فإن قيل: فلتجزىء على طريقة صاحب التقريب شاة معيبة، قلنا: ما وجب لغرض المالية، فهو مقيّدٌ بالسلامة، ولذلك يقيّد إيجاب الغرّة بالسلامة، والضحية تقيّدت بالسلامة عما يقدح في مقصودها، والرقبة في الكفارة متقيدة بما يليق بالمقصود من الإعتاق.
فإن قيل: فهلاّ خرج فيما نحن فيه وجهٌ أنه يُخرج الشاة من نوع غنمه إذا كان يملك غنماً؟ قلنا: لا نرى له خروجاً، وإن ذكره بعضُ الضعفة اعتباراً بإبل العاقلة؛ فإنا في طريقةٍ لنا نقول: يُخرج كلُّ غارمٍ من العاقلة من إبله إذا كان يملك إبلاً، والسبب فيه أنه لو كلف تحصيلَ ما ليس له، كان ذلك تكليفَ مشقة مضمومة إلى ما طوقناه من الغُرم من غير جناية، ولا يتبين ذلك إلا في كتاب الديات، والقدر المقنع هاهنا أن اعتبارَ مالِه -وليست الشاة واجبة فيه- بعيدٌ عن قياس الزكاة، فالوجه اعتبارُ مطلق الاسم، مع غرض المالية.
стр. 1592
فهذا تمام القول في ذلك.
١٧٥٨ - فالظاهر إذن اعتبار الاسم والمالية، كالضحية مع مقصودها. ويليه على بُعدٍ ما ذكره العراقيون من الرجوع إلى الغالب في البلد، فأما النظر إلى نوع مال المزكي، فقد غلط بالمصير إليه صائرون، ولا يعد هذا من المذهب، بل هو هفوة لا مبالاة بها.
ومما يتعلق بذلك أن الجذعة أو الثنية هي المجزئة في هذا المقام، وهل يجزىء الذكر؛ حتى يقبل جذع من الضأن أو ثَنِيّ من المعز؟ فيه وجهان، وسأعيدهما إذا عقدت فصلاً جامعاً -إن شاء الله تعالى- في أن الذكر متى يجزىء في المواشي المخرجة في الزكاة.
فهذا نَجاز القول في ذلك.
فصل
١٧٥٩ - في الخمس والعشرين من الإبل بنت مخاض، وهي التي استكملت سنة وطعنت في الثانية، والمخاض اسم للناقة الحامل، والناقة تحمل سنة، وتُحيل سنة، فإذا استكمل ولدُها سنة، وحملت في السنة الثانية، يقال لولدها بنتُ مخاض، أو ابن مخاض.
فإذا ولدت الأم الولدَ الثاني، ودرّ لبنُها، فهي لبون، وولدها الأول قد استكمل سنتين، وطعن في الثالثة، وهو ابن لبون، أو بنت لبون.
فأما الحِقّة، فهي التي استكملت ثلاثَ سنين، وطعنت في الرابعة، وقد اختلف في اشتقاق هذا الاسم، فقيل: سميت حِقة لأنها على هذا السن تستحق أن يُحمل عليها، وقيل: استحقت الإطراقَ عليها، وأمكن العلوق منها.
ْوالجذعة هي الطاعنة في الخامسة.
وهذا منتهى أسنان الزكاة.
стр. 1593
١٧٦٠ - فنعود إلى غرض الفصل، فنقول: إذا ملك خمساً وعشرين من الإبل، وكان في ماله بنتُ مخاض مجزئةٌ، فهي واجبُ ماله، وإن لم يكن في ماله بنت مخاض، وكان فيه ابن لبون، أجزأ ابن لبون، وهذا منصوص عليه في الحديث (١)، وهو متفق عليه (٢).
ثم الأنوثة في الزكاة مبغيّةٌ مطلوبة، والذكورة ملحقة بالعيوب، وإن لم تكن بمثابتها في كل الوجوه، فكأن الشارع رقى في السن، وقبل الذكورة؛ فكان ابنُ لبون بمثابة بنت المخاض، ولكنه يترتب عليه، فلا يُقبل ابنُ اللبون مع وجود بنت المخاض في المال، (٣ فإن لم توجد بنتُ المخاض، أجزأ ابنُ اللبون، إذا كان موجوداً في المال ٣)، وإن كان شراء بنت المخاض ممكناً.
هذا مقتضى النص، وهو مجمع عليه، فلو لم يكن في ماله بنتُ مخاض، ولا ابن لبون، وكان يحتاج إلى تحصيل أحدهما لأجل الزكاة، فالذي نقله الأئمة عن نص الشافعي أنه بالخيار: إن شاء اشترى بنت مخاض وإن شاء، اشترى ابن لبون، قال صاحب التقريب: الوجه أنه يلزمه شراء ابنة المخاض، ووجه قوله أنهما إذا فقدا في ماله، فقد استوى الأمر في بنت المخاض وابن اللبون، وإمكان التحصيل شامل لهما جميعاً، فصار الاستواء في حالة الفقد بمثابة ما لو وجدا جميعاً في مالهِ، ولو كان كذلك، لتعيّن إخراج بنت المخاض، ووجه النص أن الأصل استواء بنت المخاض وابن اللبون؛ فإنهما متعادلان: في أحدهما نقصان السن وزيادةٌ في الصفة، وفي الثاني زيادة السن ونقص الذكورة، وحكم ذلك الاعتدالُ، وإنما يتعين عند الوجود إخراج بنت المخاض لأجل النص، ثم ابن اللبون ليس على حقائق الأبدال، بدليل أنه
стр. 1594
إذا وجد في ماله ابن اللبون أجزأ، وإن كان تحصيل بنت المخاض ممكناً، فإذاً قُدِّمت بنت المخاض لمكان النص في صورة الوجود.
١٧٦١ - ومما يتفرع على ذلك أنه لو كان في ماله بنت مخاض معيبة لا تجزىء وابن لبونٍ ذكر صحيح مجزىء، أجزأ ابنُ اللبون، ووجود تلك المعيبة وعدمها بمثابة واحدة. ولو كان في ماله بنتُ مخاض كريمة لا يؤخذ مثلُها [لكرمها] (١) إلا أن يتبرع بها (٢)، وكان في ماله ابن اللبون، فهل يقبل منه ابن اللبون، أم نكلفه تحصيلَ بنت مخاض؟ اختلف أئمتنا: والذي مال إليه جواب أصحاب (٣) القفال أنه لا يؤخذ منه ابن اللبون؛ فإن بنت المخاض موجودة، وهي مجزئة لو تبرع ببذلها؛ فلا يُؤخذ منه ابن اللبون، وليس كما لو كانت معيبة؛ فإن المعيبة لا تجزىء أصلاً فهي كالمعدومة.
وذكر العراقيون أن الكريمة كالمعدومة، وهي بمثابة المعيبة؛ فإنها إذا لم تكن مأخوذة، فكأنها معدومة، وهذا متجه لا بأس به. وظاهر المذهب غيره.
وهذه الترددات سببها خروج ابن اللبون عن قياس الأبدال، مع أنه يترتب على بنت المخاض من وجه، والأئمة تارة يتمسكون بلفظ الرسول ﷺ ، وتارة يتشوفون إلى طرفٍ من المعنى.
ومما ذكره صاحب التقريب متصلاً بذلك أن بنت اللبون هي فريضة الست والثلاثين، فلو عدمها المالك، ووجد في ماله حِقّاً ذكراً، فهل يجزىء الحِقُّ بدلاً عن بنت اللبون، كما يجزىء ابن اللبون، بدلاً عن بنت المخاض؟ تردد في هذا جوابه، وما ذكره من طريق الاحتمال متجه، ولكن الأليق بمذهب الشافعي اتباعُ النص، وتخصيص ما ذكره الشارع من إقامة ابن اللبون مقام بنت المخاض بمحله.
١٧٦٢ - ومما يتعلق بهذا الفصل أن الرسول ﷺ قال "فإن لم يكن
стр. 1595
في ماله بنت مخاض، فابن لبون ذكر" (١)، وقد اختلف في فائدة تقييد كلامه بالذكر، فقال المحصلون: جرى ذلك تأكيداً للذكورة، ومثل هذا كثير، وقال بعض الضعفة: فائدته أن الخنثى لا تجزىء. وهذا هَوَس؛ فإنه إن كان ذكراً، فهو ابن لبون، وإن كان أنثى، فبنت اللبون خير من ابن اللبون. ومن منع هذا [قال] (٢)؛ هذا تشويه في الخلقة يمنع صفة الأنوثة وخاصيّتها وصفةَ الذكورة، فكان عيباً مانعاً (٣).
فصل
في الجبران
١٧٦٣ - جبران نقصان الأسنان ثابت في صدقة الإبل، والأصل فيه ما روي عن النبي ﵇ أنه قال في أثناء نُصُب الإبل وواجباتها: "ومن بلغت صدقته جَذَعة وليست عنده، وعنده حِقة؛ فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا عليه، أو عشرين درهماً" (٤).
وأصل الجبران متفق عليه، واختصاص جريانه بنُصب الإبل متفق عليه أيضاً، ونحن نذكر تفصيل القول فيه إن شاء الله تعالى.
١٧٦٤ - فنقول: من ملك ستاً وثلاثين من الإبل، فواجبها بنت اللبون، فإن كانت موجودة في ماله على شرط الإجزاء، فأراد أن يخرج بنتَ مخاض مع الجبران، أو أراد أن يخرج حِقة، ويستردّ من الساعي الجبران، فلا يقبل ذلك منه. نعم لو أخرج حِقّة بدلاً عن بنت لبون، من غير مطالبة بجبران، فهي مقبولة منه؛ فإن ما يقبل من الكثير، فهو مقبول مما دونه، بحكم فحوى الخطاب، كما تقدم.
стр. 1596
فأما إذا لم يكن في ماله بنت لبون، وكان في ماله بنت مخاض، فأخرجها، وأخرج معها شاتين، أو عشرين درهماً، فهذا مقبول مجزىء، ولا نكلفه أن يشتري بنتَ لبون، وإن كان ذلك ممكناً متيسراً عليه.
وكذلك لو أراد مع عدم بنت اللبون أن يخرج من ماله حِقة ويسترد من الساعي شاتين، أو عشرين درهماً، جاز ذلك.
ولو لم يكن في ماله بنت اللبون وكان في ماله جذعة فإن أخرج الجذعة، فقد رقى بسنَّين. فيسترد جبرانين، وهما أربع شياه، أو أربعون درهماً.
وكذلك لو كان واجب ماله حِقة، فلم تكن في ماله، وكان في ماله بنت مخاض، فنزل، وأخرجها، وضم إليها أربعَ شياه، أو أربعين درهماً، فما بذله مقبول وفاقاً.
وكل مرتبة في الترقي والنزول مقابلة بشاتين، أو عشرين درهماً.
١٧٦٥ - ولو كان واجب ماله بنتَ لبون، ولم تكن في ماله، وكان في ماله حقة وجذعة، فإن أخرج الحِقة واسترد جبراناً واحداً، جاز، وإن أخرج الجذعة، وأراد استرداد جبرانين، فالذي صار إليه معظم الأصحاب أنه لا يُجاب إلى ذلك؛ فإنه بترقّيه إلى الجذعة، قد تخطّى سناً قريباً ممكناً موجوداً في ماله. نعم، لو اكتفى بجبران واحد، وأقام الجذعة مقام الحِقة، فيسوغ ذلك، أخذاً من الفحوى، كما تقدم ذكره.
وقال القفال: لو أخرج جذعة، واسترد جبرانين، جاز؛ فإن الحِقة ليست واجبَ ماله، وإنما واجبُ ماله بنتُ اللبون، فلا أثر لتخطِّي الحِقة عند وجودها، وهذا منقاس حسن، وإن كانت جماهير الأئمة على مخالفته.
ولو كان واجب ماله بنتَ لبون، وكان في ماله بنتُ مخاض، وجذعة، ولم يكن في ماله حِقة، ولا بنت لبون، فلو نزل وأخرج بنتَ مخاض مع جبران، أجزأ، وإن أراد إخراجَ الجذعة واسترداد جبرانين، فهل يجوز ذلك؟ أما القفال، فإنه يجوّز ذلك؛ فإنه إذا كان يجوّز إخراج الجذعة مع وجود الحِقة القريبة من بنت اللبون، التي هي واجب ماله، وفي الترقي إلى الجذعة تخطِّي الحِقة؛ إذ الجهة واحدة، وهي
стр. 1597
الصعود، فلأن يجوّز إخراجَ الجذعة مع بنت المخاض في جهة النزول [أوْلى] (١).
وأما من قال: لا يجوز إخراجُ الجذعة مع وجود الحِقة، فقد ذكروا وجهين في جواز إخراجها، ولا حِقةَ، مع وجود بنت المخاض: أحدُ الوجهين - أنه يتعين إخراجُ ابنة المخاض؛ لأنها أقرب إلى بنت اللبون من الجذعة، والثاني - أنه يجوز إخراج الجذعة؛ فإن الجهة قد اختلفت نزولاً وصعوداً، وليس كما لو كانت الحقة موجودة.
١٧٦٦ - ومما يتعلق بتفريع الجبران أن من لزمه إخراج جذعة، فلم تكن، فأخرج ثنية، وهي الإبل فوق الجذعة، فإن تبرع بها، فلا شك أنها مقبولة، وإن أراد أن يسترد جبراناً، فهل يجاب إلى ذلك، أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما - يجاب، اعتباراً بالترقي من الحِقة إلى الجذعةِ، والثاني - لا يجاب، فإن الثنية ليست من أسنان الصدقة، فلا أثر لتلك الزيادة، والجبران إنما يثبت مع التردد في أسنان الصدقات، وهو على الجملة غير منقاس؛ فيتعين الاتباع فيها.
ولا خلاف أن من كان واجب ماله بنتَ مخاض، فأخرج فصيلاً، وضم إليه جبراناً، لم يُقبل منه. والفرق في ذلك بيّن واضح. ثم لا خلاف أن الدراهم التي يخرجها نُقْرة (٢)، وكذلك تكون دراهم الشريعة حيث وردت.
١٧٦٧ - ثم قال الأئمة إن كان رب المال يضم إلى ما يخرجه جبراناً واحداً، وهو شاتان، أو عشرون درهماً، فلو أخرج شاة وعشرة دراهم، لم يقبل وهذا عند الأئمة مشبه بما لو أطعم الحانث في يمينه خمسة وكسا خمسة، فإنه لا يجزىء عما لزمه.
وبمثله لو كان يخرج جبرانين فأخرج عن جبران شاتين، وعن جبران عشرين درهماً. فهذا مقبول منه، وهو مشبه بما لو حنث في يمينين، والتزم كفارتين، فأطعم في إحداهما عشرة، وكسا في الأخرى عشرة؛ فإن ذلك يجزىء ويخرج عن الكفارتين جميعاً، فكل جبران مشبه بكفارة.
стр. 1598
١٧٦٨ - ثم تمام القول في ذلك أن رب المال إذا كان يخرج سنّاً ناقصاً وجبراناً، فلو أخرج شاتين، فقال الساعي: أريد الدراهم، أو على العكس، فالذي نقله المزني أن الخيار في ذلك إلى المعطي. وقال الشافعي في الإملاء: المتبع رأيُ الساعي، وقد اختلف الأئمة في ذلك، فقاك بعضهم: في المسألة قولان: أحدهما - أن الرجوع إلى اختيار الساعي، كما لو ملك المالك مائتين من الإبل، واجتمع حساب الحِقاق وبنات اللبون؛ فإن الساعي هو المتَّبع في [أحد] (١) السنّين، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
والقول الثاني - أن المتبع اختيار المعطي، فإن النبي ﵇، قال: "وأخرج معه شاتين أو عشرين درهماً" فكان هذا متضمناً تخييرَ المخرِج صريحاً، وأيضاً؛ فإن الجبران أثبته الشارع تخفيفاً وترفيهاً، حتى لا يحتاج ربُّ المال إلى شراء السن الذي هو واجب المال؛ فالذي يليق بالتخفيف أن تكون الخِبَرةُ إلى المعطي، وليس كذلك إذا اجتمعت الحقاق وبنات اللبون، فإنه لم يتأصل فيه قاعدة مقتضاها الترفيه.
وذهب جمهور الأئمة وهو الذي قطع به الصيدلاني أن الاختيار إلى المعطي، في إخراج الشاة والدراهم، قولاً واحداً، كما نقل المزني، وما حكي في الإملاء من أن الاختيار إلى الساعي، فهو محمول عليه إذا كان الساعي هو المعطي.
ثم إذا خيّرنا ربَّ المال، فكان هو المعطي، فاختياره غير مرتبط برعاية الغبطة للمساكين، ولكن له أن يخرج الدراهم، وإن كانت الغبطة في إخراج الشاة.
وإن قلنا: المتبع رأيُ الساعي؛ فإن الساعي لا يتخير تخبر المتشهي بلا خلاف، بل يتعين عليه رعايةُ الغبطةِ والمصلحةِ للمساكين، فإنه فيما يخرجه يتصرف في أملاك المساكين، فيلزمه الاحتياط فيه.
ولو اختلف رب المال والساعي فقال رب المال -والواجب بنت اللبون ولم تكن موجودة في المال-: أنزل إلى بنت المخاض، وأجبر، وقال الساعي: بل أخرج الحِقة، وأنا أجبر، أو على العكس؛ ففي ذلك وجهان، تخريجاً على الخلاف المقدم
стр. 1599
في الشاة والدراهم، والأصح اتباع رب المال، ومن أصحابنا من قال: يتبع الساعي.
ثم إن كان رب المال يبغي ما هو الأصلح للمساكين [خلافه] (١)، فهذا موضع الخلاف، وإن كان ما يؤثره هو الأصلح، فلا يتصور فرض الخلاف فيه؛ فإنَّ الساعي [إن] (٢) وافقه، فلا كلام، وإن خالفه، فرأيه غير متبع على خلاف النظر والمصلحة، وإن استوى ما يريد هذا وذاك في الغبطة، فالأظهر عندي اتباعُ رب المال في هذه الصورة.
فرع:
١٧٦٩ - إذا كانت إبله معيبةً كلُّها؛ فإنا نقبل منه معيباً، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، فلو كان واجب ماله بنت لبون، فلم يجدها في ماله، وأخرج بنت مخاض، وضم إليه جبراناً، قبلنا منه.
ولو أراد أن يرقى فيخرج حِقَّة معيبة، ويسترد من الساعي جبراناً، فقد قال أئمتنا: لا يجاب إلى ذلك؛ فإن الجبران المسترد قد يبلغ قيمة البعير الذي أخرجه، وهذا يجر تخسيراً محضاً، وضرراً بيّناً على المساكين، والغرض من إخراج الزكاة إفادةُ المساكين، لا الاستفادة منهم.
والذي يحقق ذلك أن الجبران بعيد عن مسالك الرأي، والمعتمد فيه الاتباع المحض، وإنما ورد فيما يعم ثبوته، وهو أن تكون الإبل سليمة، أو تكون فيها سليمة.
والذي يتجه عندي في ذلك أنا إن جرينا على ظاهر المذهب -وهو أن الخيار إلى رب المال- فينبغي أن يستثنى صورةُ المعيبة عن هذا، لما ذكرناه من أداء الأمر إلى تخسير المساكين، فأما إذا قلنا: الرجوع إلى رأي الساعي، ثم إنه رأى الغبطة للمساكين في أن يبذل الجبرانَ، ويأخذ سنّاً عالياً -وإن كان معيباً- فالوجه القطع بجواز ذلك على هذا الوجه، والذي منعناه ردّ الأمر إلى اختيار رب المال في هذه الصورة، وهذا بيّن، وهو مراد الأصحاب قطعاً.
стр. 1600
فصل
يشتمل على تفاصيل المذهب في استقرار الفريضة
١٧٧٠ - قد تبين أن النُّصب والأوقاص غيرُ مستقرة دون المائة والعشرين، وإنما يستقر الحساب من هذا المبلغ، فيجب في كل خمسين حِقَّة، وفي كل أربعين بنتُ لبون. فنبتدىء من هذا المحل، ونقول: لا بد من زيادة على المائة والعشرين، ثم إن زاد بعيراً (١)، تغير الحساب، (٢ ووجب ثلاثُ بنات لبون، واختلف أئمتنا في أن الفريضة هل تُبسط على هذا البعير الزائد أم لا؟ فمنهم من قال تنبسط، فإذاً في كل أربعين وثلثِ بعير بنتُ لبون. وهذا في ظاهره مخالف لظاهر النص فيما رواه أنس؛ فإن فيه في كل أربعين بنت لبون، ولكن رُوي في بعض الروايات الصحيحة: "فإذا زادت واحدة على المائة والعشرين، ففيها ثلاثُ بنت لبون".
ومن أئمتنا من قال: البعير الزائد يغير الحساب ٢) من الاضطراب إلى الاستقرار، ولا يتعلق به من الفريضة شيء؛ فإن حساب الاستقرار مقتضاه تعلقُ بنت اللبون بأربعين، وهو جارٍ مطرد وراء هذه المرتبة.
ثم قالوا: لا يمتنع أن يتعلق الحساب بشيءٍ وإن لم يتعلق به شيء من الفرض، واستشهدوا بالإخوة مع الأبوين، فإنه لا حظَّ لهم، ولكنهم يردّون الأمَّ من الثلث إلى السدس.
١٧٧١ - ومما يتعلق بذلك أنه لو زاد على المائة والعشرين شقص من بعير، فقد ظهر اختلاف الأئمة في أن الحساب هل يستقرّ به؟ فمنهم من قال: يستقر؛ فإن الزيادة قد تحققت، وفي بعض الروايات في هذا المبلغ: "فإن زاد، ففي كل أربعين بنت لبون". واسم الزيادة يثبت بشقص، وأيضاً: فإن هذه الزيادة لا حاجة إليها في تمهيد حساب؛ فإن الحساب القويم في الاستقرار مقابلةُ كل أربعين ببنت لبون.
стр. 1601
ومن الأئمة من قال: لا يستقر الحساب ما لم تزد بعيراً؛ اعتباراً بجملة الأوقاص والنصب في زكاة النَّعَم.
١٧٧٢ - ثم مذهب أبي حنيفة (١) أن الفريضةَ تُستأنف وراء المائة والعشرين، فيجب في كل خمسٍ شاة، إلى بنت المخاض، على تفصيل لهم مشهور، وقد حكى العراقيون أن [ابن جرير] (٢) من شيوخنا كان يخيّر وراء المائة والعشرين [بين] (٣) مذهب الشافعي في المصير إلى الاستقرار، وبين مذهب أبي حنيفة في المصير إلى الاستئناف، وهذا متروك عليه غير معتد به، وهو في التحقيق خرم للإجماع؛ فإن التخيير مذهب ثالث، وإخراج قول ثالث -والعلماء على قولين- كاختراع ثان والعلماء مطبقون على قولٍ. فهذا منتهى الكلام في هذه المقام، ولا غموض وراء ذلك إلى بلوغ المائتين.
١٧٧٣ - فنقول الآن: إذا بلغت الإبل هذا المبلغ، فقد اجتمع حساب الحِقاق وبنات اللبون جميعاً؛ فإن المائتين أربع خمسينات، وخمس أربعينات؛ فينشأ من هذا ضروب من الكلام: أولها - أن إخراج الحقاق مجزىء لثبوت حسابها، وكذلك إخراج بنات اللبون، عند رعاية الأصلح للمساكين، كما سنفصله الآن إن شاء الله تعالى.
وحكى صاحب التقريب والعراقيون قولاً غريباً للشافعي: أن واجب المال في هذا
стр. 1602
المبلغ الحِقاقُ. ثم قال صاحب التقريب قاطعاً قوله: هو مؤوَّلٌ محمول على ما إذا لم يكن في المال إلا الحقاق.
وذكر العراقيون هذا المسلك، وقالوا: من أئمتنا من أجراه قولاً بأن الاعتبار في زكاة الإبل بالزيادة في الأسنان ما وجدنا إليه سبيلاً، والدليل عليه ترتيب الواجبات في النُّصب، فإنها على الترقي في الأسنان إلى منتهاها، ثم بعد المنتهى الشرعي اعتبر الشارع الزيادة في الإبل، فإذا أمكن اعتبار السن، وجب التمسك به، وإخراج الحِقاق تعلق بالسّن، وإخراج بنات اللبون تعلّق بالعدد.
وهذا الذي ذكروه متروك مزيّف، لا يرجع إليه؛ فالذي نقطع به أن بنات اللبون والحِقاق أصلان في هذا المحل، ثم النصُّ، وما صار إليه الأصحاب أن الحقاق، وبنات اللبون إذا وجدت في المال، فالساعي يأخذ الأصلح، والأغبط للمساكين.
١٧٧٤ - وذكر الصيدلاني، وغيرُه تخريجاً عن ابن سريج في أن الخِيَرةَ إلى رب المال، إن شاء أخرج الحقاق، وإن شاء بنات اللبون. ولا يجب عليه مراعاة الغبطة، كما أنه في ظاهر المذهب يتخيّر في الجبران. وقد تقدم التفصيل فيه.
وهذا الذي ذكره قياس ظاهر، وإن كان مخالفاً لظاهر النص، وهو معتضد بظاهر الخبر؛ فإن الخبر كما يتضمن إخراج الحِقاق لِمكان حساب الخمسين، يتضمن إخراج بنات اللبون لمكان حساب الأربعين.
١٧٧٥ - فان قيل: بماذا توجهون النص؟ قلنا: إذا تعرض كل واحد من السِّنَّيْن للوجوب، وقد وُجدا جميعاً، فلو أخرج أحدَهما على خلاف الغبطة، فهو تارك شيئاً واجباً موجوداً، والجبران واقع في ذمة المخرِج وهو في لفظ الشارع موكول إلى خِيَرة المعطي، فإن فرّعنا على التخريج، فالأمر مفوّض إلى اختيار المالك المعطي.
وإن فرّعنا على ظاهر النص والمذهب، فالساعي يأخذ الأصلح والأغبط، فإن وافق ما أخذه وجهَ الغبطة، فلا كلام.
وإن أخذ شيئاً، والمصلحة في أخذ الآخر، مثل: إن أخذ الحِقاق وغبطة المساكين في بنات اللبون، أو كان الأمر على العكس، فالذي ذكره الأئمة أنه إن أخذ
стр. 1603
ذلك على علم وبصيرة، قاطعاً بأنه تارك للنظر، فما أخذه على هذا الوجه لا يسقط به الفرض، بل هو مردودٌ، وربّ المال مطالَبٌ بالسن الذي فيه الغبطة.
فأما إذا اجتهد، وظن أن الذي أخذه الأصلح، وكان مخطئاً في ظنه، فالذي أخذه هل يقع الموقع؟ فيه ثلاثةُ أوجه: اثنان ذكرهما صاحب التقريب.
وذكر العراقيون الثالث معهما. فأحد الوجوه - أن المأخوذ لا يقع الموقع؛ لأنه على خلاف موجب الشرع. والثاني - أنه يقع فرضاً؛ فإنه على الجملة أصل، وقد انضم إلى أخذه الاجتهادُ. والقائل الأول يقول: إذا حصل الوفاق على أنه لو تعمد ترك النظر فيما أخذه، لم يقع الموقعَ، وقد تحققنا خطأه بيقين، فينبغي أن يكون هذا بمثابة ما لو تعمد. وذكر العراقيون وجهاً ثالثاً، فقالوا: إن كان ما أخذه باقياً، ردّه، وطلب الأصلح، وإن فرّقه على المستحقين، فقد وقع الموقعَ، فإنّ تتبعه عسِرٌ.
فإن قلنا: ما أخذه يقع الموقع، فهل يجب على رب المال أن يجبر النقص أم لا؟ فيه وجهان مشهوران: أحدهما - لا يجب ذلك، وهذا فائدةُ وقوع ما أخذه موقع الإجزاء.
والثاني - يجب رعايةً لحق المساكين.
وإن فرعنا على وجوبه، فلو كان ذلك المقدارُ من الجبران بحيث يتأتى شراء شقص من بعير به، فكيف حكمه؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا نكلفه ذلك لما في التشقيص من التعذر، بل نأخذ منه في جبران النقصان الدراهمَ والدنانيرَ، بأن ينظر إلى المقدار الذي فات من الغبطة.
ومن أئمتنا من قال: يجب صرفه إلى شقصٍ، فإن الأبدال على طريقة الشافعي لا مدخل لها في الزكوات، ولا معدل عن النصوص (١). فإن قلنا: يتعين صرفه إلى جنس الإبل، فقد اختلف أئمتنا، فقال بعضهم: ينبغي أن يكون ذلك الشقص من نوع المأخوذ؛ حتى يتحد قَبيلُ المأخوذ.
стр. 1604
ومنهم من قال: يتعين تحصيلُ الشقص من النوع المتروك؛ فإنه كان الساعي مأموراً بأخذه ابتداءً، فأخطأ.
وظاهر النص ما ذكره الأصحاب في الوجهين - أنه يتعين نوع عند الكافة، حيث انتهى التفريع إليه. والخلاف فيما يتعين.
ولا يبعد عن القياس عندي في هذا المقام تخييرُ المالك، حتى يقال: إن شاء أخرج من نوع المأخوذ، وإن شاء أخرج من النوع الآخر، بعد أن يتحقق جبران النقصان. وقد أشار إلى هذا بعض المصنفين، وهو متّجه (١)، فتحصل إذاً ثلاثةُ أوجه.
١٧٧٦ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أنا إذا جوّزنا له إخراجَ الدراهم، ففي إجزاء إخراج الشقص أدنى نظر، لما فيه من العُسر والتعذر على المساكين، ولهذا اعتبر الشارع الأوقاص بين النصب؛ إذ لو أوجب في كل ما يزيد بحسابه، لاقتضى ذلك إيجابَ قسطٍ. ولمَّا كان التبعيض غيرَ متعذر في النَّقدين، فلا وقصَ عند الشافعي بعد وجوب الزكاة، بل في كل ما زاد بحسابه. فظاهر المذهب أنه إن أخرج شقصاً أجزأه، ولكن لا يلزمه، بل له إخراج الدراهم.
١٧٧٧ - ثم قال صاحب التقريب: إن قلنا: يتعين إخراج شقص، فلو كان لا يوجد بمقدار الجبران شقص -قال- فالوجه قبول الدراهم في هذه الحالة؛ إذ لا سبيل إلى تكليفه ما لا يقدر عليه، ولا وجه لتأخير حق المساكين، وردد قولَه في غير هذا، مشيراً إلى أنه يتوقف إلى أن يجد جزءاً من بعير.
وهذا بعيد جداً غيرُ معتد به.
ثم قال: لو ملك خمساً من الإبل وواجبها شاة، فلو كان لا يجد جنسَ الشاة أصلاً، فيؤخذ منه قيمةُ شاةٍ على تقدير الوجود. وحكى الوفاق في هذا. قال: والسبب في الوفاق أن الشاة في وضعها خارجة عن جنس المال، فاحتمل في ذلك قيمة الشاة عند الضرورة.
стр. 1605
١٧٧٨ - وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت الحِقاق وبنات اللبون جميعاً موجودة في ماله.
ولو لم يوجد في ماله إلا أحد السنَّين، فلا خلاف أن الساعي يأخذه، ويكتفي به وإن كان الأصلح الآخر، ولا يجب الجبران وفاقاً، وهو بمثابة ما لو وجبت بنتُ مخاضٍ في الخَمس والعشرين، فلم نجدها، ووجدنا ابن اللبون، فإنه يأخذه، ويكتفي به.
ولو عُدم السنّان جميعاً في ماله، فلا بد من تحصيل أحدهما.
وقد اختلف الأئمةُ في ذلك، فقال بعضهم: يجب شراء الأصلح، كما يجب إخراج الأصلح في ظاهر المذهب عند وجود السِّنَّيْن جميعاً.
ومن أئمتنا من خيّر المالك، ولم يُلزمه رعاية الأصلح، وقد سبق لهذا نظيرٌ فيه إذا لم نجد في الخمس والعشرين بنتَ مخاض، ولا ابنَ لبون. غيرَ أنَّا ثَمَّ لا ننظر إلى الأصلح. ولكن إما أن نعيّن ابنة المخاض؟ إذ هي الأصل، وإما أن نخيّر في شرائهما، والمرعيّ الغبطة في مسألتنا أو الخيرة.
ولو كان في ماله أربع حقاق وأربع بنات لبون، أخرج الحِقاق، وقُبلت، وإن كانت الغبطة في بنات اللبون؛ فإن بنات اللبون ليست كاملة، فهي كالمفقودة.
وكذلك إذا كانت الحِقاق سليمة، وبنات اللبون معيبة، فالمعيب كالمفقود. وقد مضى تفصيل ذلك.
١٧٧٩ - ومما ينبغي أن نجدّد به العهد أنه جرت فصول متشابهة لا بد من أن [نسردها] (١) ونستاقَها، فنقول: ابنة المخاض وابن اللبون إذا اجتمعا في الخمس والعشرين، فبنت المخاض هي الأصل، وإن كانت الغبطة في ابن اللبون، فلا يجزىء غيرُ بنت المخاض مع وجودها، وإن عُدِما، فالقياس أنه يتعين تحصيل بنت المخاض، وهو وجهٌ، وظاهر النص أنه بالخيار، ولا نظر إلى الغبطة أصلاً.
وإن اجتمعت الحقاق، وبنات اللبون، في المائتين، فهما جميعاً أصلان، وليسا
стр. 1606
كبنت المخاض وابن اللبون، والكلام الآن في [أن] (١) الساعي يأخذ الأغبط، أم النظر إلى خِيَرة المالك؟ وقد رتبت (٢) فيه ما ينبغي، فظاهر المذهب وجوب رعاية الغبطة.
ولا خلاف [أنه] (٣) لو وجد أحد السنَّين بكماله دون الثاني أُخذ الموجود، ولم يراع في أخذه الغبطة.
وإن فُقِدا جميعاً، ففي تكليف شراء الأغبط خلافٌ ذكرته، فظاهر القياس تخييره؛ فإنهما على البدل واقعان في الذمة، فشابها الدراهمَ والشاتين في الجبران؛ فإنهما لما وقعا في الذمة، ولم يكن أحدهما أصلاً دون الثاني، فالمذهب تخيير المعطي، كيف؟ وفي بنت المخاض وابن اللبون إذا فُقِدا في الخمس والعشرين خلاف، وظاهر النص أن الخِيرة إلى من عليه الزكاة، وإن كانت بنت المخاض في رتبة الأصول لو كانت موجودة، فأما الخلاف الذي ذكرته في رعاية الغبطة في الجبران، فهو في نهاية البعد. ولست أعتد به من المذهب.
١٧٨٠ - وقد بقي من تمام الفصل شيء يتعلق بحكم الجبران، فنقول: إذا عدم في المائتين الحِقاق، وبنات اللبون؛ فإن اتخذ بناتِ اللبون أصلاً، ونزل منها إلى بنات المخاض فأخرج خمسَ بنات مخاض، وأخرج معها خمسَ جُبرانات: عَشْرَ شياه، أو مائة درهم، جاز ذلك.
وكذلك لو قدَّر الحقاقَ أصلاً، وترقَّى منها إلى أربع جذاع، فأخرجها، واسترد من الساعي أربع جبرانات، جاز ذلك، وفي الخيرة في الجبران ما قدمناه من تفصيل المذهب.
ولو قدر الحقاق أصلاً، ونزل منها إلى بنات المخاض، وأخرج أربع بنات مخاض، وأخرج معها ثمان جبرانات لسنَّيْن، فلا يجزىء ذلك؛ فإنه في نزوله يتخطى واجباً، وهو بنات اللبون.
стр. 1607
وكذلك لو قَدَّر بناتِ اللبون أصلاً، ورقى إلى الجذاع، فأخرج خمسَ جذاع، وأراد أن يسترد عشر جبرانات لسنَّين، فلا يجزىء ذلك؛ فإنه في صعوده يتخطى واجباً، وهو الحِقاق، وليس هذا كالصورة التي قدمناها في فصل الجبران، وهي إذا كان واجبُ ماله بنتَ لبون، فرقى إلى الجذعة، ففي جواز ذلك كلام سبق؛ فإن الحقة ليست واجبَ ماله، وإن كان على طريق رقيّه.
١٧٨١ - ومما يتعلق بذلك أيضاً أنه لو كان في ماله حقة، وأربع بنات لبون، فلو أخرج بنات اللبون، وأخرج الحقة واسترد من الساعي جبراناً، جاز، ولو جعل الحقة أصلاً، وأخرج معها ثلاث بنات لبون، وثلاث جبرانات، حتى تلتحق بنات اللبون بها بالحقاق، فالمذهب جواز ذلك.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك؛ فإنه في هذا السبيل يُبقي واحدةً من الأصول، وهي بنت اللبون. وهذا مُزيّف، لا أصل له، ولا اعتداد به.
فهذا تفصيل القول في الجبران في هذا الفصل.
١٧٨٢ - ولو أخرج حقتين وبنتي لبون ونصف، لم يقبل منه؛ فإنه تفريق الفريضة.
١٧٨٣ - ولو بلغت إبله أربعمائة، ففيها عشر بنات لبون، وثمان حقاق، فلو أخرج أربع حقاق، وخمس بنات لبون، ففي إجزاء ذلك وجهان: أحدهما - لا يجوز؛ فإنه تفريق الفريضة، فأشبه ما ذكرناه في المائتين.
والوجه الثاني - يجوز، فكل مائتين أصل، فكأنه اعتبر في إحدى الجملتين حساب الأربعينات، وفي الثانية حسابَ الخمسينات. وهذا الخلاف يجري مهما بلغ المال مبلغاً يشتمل على أربعينات وخمسينات، بحيث يخرج منها بنات لبون وحقاق، من غير تشقيص. وهذا منتهى الغرض في ذلك.
стр. 1608
فصل
قال: "ولا زكاة حتى يحول عليه الحول ... إلى آخره" (١).
١٧٨٤ - الأموال التي تقتنى وتجب الزكاة في أعيانها، أو قيمها عند التجارة، فلا (٢) تجب الزكاة فيها إلا إذا تم الحول. والأصل فيها ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: "لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول" (٣) وقد تمهّد أن الشارع أثبت الزكاة في مالٍ نامٍ في جنسه كالنَّعم، وأموالِ التجارة، أو متهيءٍ للاستنماء كالنَّقدين، واعْتَبَرَ أيضاً مقداراً نامياً؛ فإن المالَ القليل لا يظهر له نماء، واعتبر مدةً يُفرض فيها النماء، بالنِّتاج أو الربح، وهو الحَوْل؛ فإنه يشتمل على فنون الأزمنة (٤)، ثم إنها تتكرر من بعدُ.
والزكاة التي تجب فيما هو عين النماء والفائدة، كالثمار والزروع، فلا يعتبر فيها الحول، والنصاب معتبر على ما سيأتي ذلك مشروحاً.
ثم ذكر الأئمة حكمَ الوقص، وتفصيلَ القول في الإمكان وعدمه، وتلفَ المال، بعد الحول وقبله. ونحن نمهد أصولاً، ثم نفرع غرض الفصل إن شاء الله تعالى.
١٧٨٥ - فنقول: من ملك تسعاً من الإبل، لزمته شاة بلا مزيد، ثم حكى الأئمة قولين عن الشافعي في أن الشاة الواجبة تتعلق بالنصاب والوقص جميعاً، وتنبسط على الجميع، أو تتعلق بالنصاب، والوقصُ عفو، ولا تعلق للزكاة به أصلاً؟
стр. 1609
(١ فالمنصوص عليه في الجديد أن الوقص عفو ولا تعلق للزكاة به ١)، وإنما تتعلق الزكاة بالنصاب. وهو مذهب أبي حنيفة (٢)، ونص في القديم (٣) على أن الزكاة تتعلق بالنّصاب والوقص جميعاً.
١٧٨٦ - والذي أراه أن في نقل القولين على هذا الوجه لبساً. وأنا أوضّحه في التفريع، إن شاء الله تعالى، فمن نفى التعلّق بالوقص، احتج بما روي أنه ﷺ قال: "في خمسٍ من الإبل شاة، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشراً" (٤) وهذا ظاهر [في] (٥) نفي التعلّق بالوقص، وإن أمكن أن يقال: معناه لا شيء فيه زائداً، وتمسك هذا القائل بأن قال: من آثر المصير إلى التعلق بالوقص،
стр. 1610
قال: إنه لو تلف شيء من الوقص بعد الحول، يسقط قسطٌ من الزكاة، وكل ما لا تزيد الزكاة بزيادته، يبعد أن تنقص بتلفه ونقصانه.
ومن نصر القول القديم، احتج باتحاد الجنس والصفة واتصاف جملة المال بالكثرة، فلا معنى لتخصيص تعلق الزكاة بالبعض، وقد استشهد هذا القائل بما لو سرق السارق نصاباً وزيادة؛ فإن وجوب القطع يتعلق بالجميع، ولا يختص بمقدار النصاب. ولم يَحْكِ الأئمة في ذلك تردداً.
ولا يبين الغرض فيما ذكرناه إلا بالتفريع.
وذهب كثير من الأئمة إلى أن من ملك نصابين مثلاً، مثل أن يملك عشراً من الإبل، ولزمه شاتان، فتنحصر كل شاة في الخمسة، ولا تنبسط كل شاة على جميع العشر، وهذا فيه نظر بيّن، ومستدرك عظيم، سنذكره، إن شاء الله تعالى.
فهذا أحد الأصول.
١٧٨٧ - ومن الأصول القولُ في الإمكان، فإذا حال الحول على نصابٍ زكاتي، ولم يتمكن المالك من تفريق الزكاة على المستحقين -كما سنصف الإمكان ومعناه- فهل نحكم بوجوب الزكاة، أو نقول يتوقف وجوبها على تحقق الإمكان، ووجود التمكن من تفرقة الزكاة؟ المنصوص عليه في الجديد أن الزكاة تجب بحولان الحول، ولا يتوقف وجوبها على الإمكان، ونصّ في القديم على أن الزكاة لا تجب إلا عند التمكن من الأداء.
توجيه القولين: من قال: الإمكانُ شرطُ الوجوب احتج بأن التكليف شرطه الاستطاعة، والشريعة مبناها على امتناع تكليف ما لا يطاق، فلا يستقيم إذن الحكم بالوجوب مع نفي الإمكان، والدليل عليه الحج مع الاستطاعة؛ فإنه لا يُقضَى بوجوبه دونها.
ومن قال: الإمكان ليس شرطَ الوجوب؛ قال: ثبوت الزكاة ووجوبُها حقاً لله تعالى متميز (١) على أدائها وتفريقها على مستحقيها، ونحن نرى الزكاة في قاعدة
стр. 1611
القياس، وموجب الشرع تستدعي قدراً، وجنساً، ومضيَّ مدة، وقد تجمعت هذه الخصال، وتَمَّ ارتفاقُ المالك، أو تمكنُه من الارتفاق، فينبغي أن يُقتضب (١) من هذه الجهات ثبوت الزكاة حقاً لله تعالى وشكراً لنعمائه. والأداء أمر متميز عن الثبوت، ومن كان عليه دين، وهو غير ممتنع من أدائه، ومستحِقُّه غيرُ مطالبٍ به، فالديْن ثابت، ولكن لا يتعين أداؤه ما لم يطلبه مستحقُّه، كيف، ونحن نحكم بأن الدَّين ثابت على المعسر في حياته، وبعد مماته، حتى يجوز الضمان عنه، وإن كان الأداء غير ممكن.
وأما ما ذكره ناصر القول الأول من أن الإطاقة شرط التكليف، ففيما ذكرناه جواب عنه، وما استدل به من الحج، فهو متميز عما نحن فيه. أولاً؛ فإنه عبادة بدنية، وليس أمراً تميز أداؤُه عن وجوبه وثبوته، وهذا يدركه الفطن من قضايا الشريعة. على أن في الحج نظراً، فإن تعليقه بالاستطاعة من ترفيهات الشريعة، والدليل عليه أن المكلَّف لو تكلف المشقة وحجّ وهو غير مستجمعٍ للشرائط المعتبرة في الاستطاعة، فحجه يقع معتداً به عن حجة الإسلام، ولا يقال عبادة بدنية قُدِّمت على وقت وجوبها، كالصلاة تقدَّم على وقتها؛ فلا يقضى بإجزائها.
فليتأمل الناظر ذلك.
وهو مشبه بالدين المؤجل؛ فإنه ثابت، ولكن مَن عليه الدين مُمهَل غير مشقوق عليه.
فهذا هو بيان القولين وتوجيههما في الإمكان.
وتمام البيان يأتي بعد ذلك.
١٧٨٨ - ومن الأصول في الفصل: أن الزكاة إذا وجبت، وتحقق التمكُّن، فلا يجوز تأخيرُ أدائها من غير عذر، وهي مع ارتفاع المعاذير واجبةُ الأداء، على الفور والبدار.
стр. 1612
وأبو حنيفة يقول: إن وجوب أدائها على التراخي. ويظهر أثر الخلاف في أن الحول إذا حال، وتحقق الإمكان، فلو أخّر من عليه الزكاة حتى تلف المال، استقرت الزكاة في ذمة من التزمها، ولم تسقط.
وأبو حنيفة (١) يحكم بسقوط الزكاة، مهما (٢) تلف المال الزكاتي.
١٧٨٩ - ويبقى بعد تمهيد ما ذكرناه القول في معنى الإمكان.
قال الأئمة: الأموال تنقسم إلى ظاهرة وباطنة، كما سيأتي ذكرها، فأما الأموال الظاهرة، ففي وجوب صرف زكاتها إلى السلطان قولان معروفان: فإن قلنا: يتعين صرفها إلى السلطان، فلا إمكان -وإن حضر المستحقون- ما لم يتمكن مَنْ عليه الزكاة من تسلميها إلى السلطان، أو الساعي الذي هو منصوبه، وإن قلنا: يفرّق من عليه الزكاةُ الزكاةَ على المستحقين بنفسه، فظاهر المذهب أنا نستحب له الدفعَ إلى السلطان؛ إذ فيه أولاً الخروج عن الخلاف، والسلطان أيضاً أعرف بالمستحقين، وأقدر على البحث عن أحوالهم.
فإذا فرعنا على أن للمالك أن يفرق الزكاة بنفسه، وقد تمكن منه، ولكنه كان يؤثر وِجدان السلطان، وتسليمَ الزكاة إليه، فأخر لهذا السبب، فقد اختلف أصحابنا في أنه هل يعذر لهذا السبب؟ فمنهم من قال: يعذر -وإن كان أداء الزكاة على البدارِ- فهذا القدر محتمل.
ومن أئمتنا من قال: لا يعذر.
وفائدة هذا التردد أنه لو أخر للسبب الذي ذكرناه، فتلف ماله، فسقوط الزكاة عنه يخرّج على الخلاف. هكذا ذكره الأئمة.
وهذا فيه فضل نظرٍ عندي، فالوجه أن نقول: إن لم نعذره بهذا السبب، عصّيناه بالتأخير، وضمَّنّاه، وإن عذرناه بالتأخير، فاتفق تلف المال، ففي الضمان وجهان:
стр. 1613
أحدهما - لا يجب؛ لمكان العذر على الوجه الذي فرّعناه عليه.
والثاني - يجب؛ فإن هذا وإن كان عذراً عند هذا القائل، فهو عذر تخيّر، والزكاة دَيْن الله تعالى، فيظهر أن يقال: هذا مما نجوّزه، ولكن على شرط التزام سلامة العاقبة، ولا يخفى نظائر ذلك. وهذا بيّن.
١٧٩٠ - ومما ذكره بعض المصنفين في ذلك أن الأولى في الأموال الباطنة أن يتعاطى المالك بنفسه تفرقةَ الزكاة، ولو دفعها إلى السلطان، جاز. ولو تمكن من الدفع إلى الوالي، فأخر حتى يؤديها بنفسه، فتلف المال، ففي سقوط الزكاة خلاف.
١٧٩١ - والقول الضابط في ذلك أن نقول: إن لم يتمكن من عليه الزكاة من تفرقتها أصلاً حتى تلف ماله، سقطت الزكاة تخفيفاً، وعُذِرَ، وإن تمكن، ولكن كان يرتاد (١) الأفضل والأولى، كما تقدم تصويره، [فهو محل النظر والتردد] (٢)، ومن تلك الصور أنه إذا كان ينتظر حضورَ قريبه، الذي لا تلزمه نفقته، أو كان يرتقب حضورَ جيرانه -إذا وضح أن صرف الزكاة إلى هؤلاء أولى- أو كان ينتظر حضورَ من حاجته أشدّ، وضرُّه وفاقته أبْين، فإذا فُرض تلف المال في أثناء ذلك، ففي سقوط الزكاة وبقائها خلاف.
وكشفُ الغطاء في ذلك أن التأخير إن كان لترو ونظرٍ في صفات المستحقين على قرب، وكان يتمارى (٣) في أمر من حضر، فما يُعدّ من الاحتياط والتروّي مع رعاية الاعتدال، فهذا أراه عذراً وجهاً واحداً؛ حتى لا أعصّي المؤخِّر بسببه.
فأما التأخير بسبب ارتقاب شهود الأقارب، أو الجيران، فجوازه محتمل، ويظهر أن يقال: لا يجوز؛ فإن الزكاة على الفور، وهذه فضيلة يبغيها، وتأخير الحق من ذي الحق بهذا غيرُ سائغ.
نعم لو شهد الأجانب والأقارب، فله أن يختار الأقارب، فأما أن يؤخر لانتظارهم
стр. 1614
فبعيد. وكذلك القول في انتظار السلطان، كما قدمناه.
ثم هذا التردد عندي فيه إذا لم يظهر ضُرُّ مَنْ حضر وشهد، فأما إذا كانوا يتضرَّرون (١) جوعاً، وهو يؤخر إلى حضور جارٍ أو قريب، فلا سبيل إليه قطعاً؛ فإن مدافعاتهم على ضروراتهم، لمزيّة وفضيلة محالٌ.
ثم أقول وراء ذلك: حيث امتنع التأخير، فلا شك في وجوب الضمان عند تحقق التلف، وإن سوّغنا التأخير في بعض الصور، مع إمكان البدار، ففي وجوب الضمان مع هذا وجهان؛ نظراً إلى التزام سلامة العاقبة.
١٧٩٢ - ومما يتعين الاعتناء به أن من قال: الإمكان من شرائط الوجوب، فالذي أراه القطعُ بأن المعنيَّ بالإمكان المشروط في الوجوب تصوّر الأداء، فأما ما يتعلق بإحراز الفضائل، فلا يسوغ المصير إلى أنه شرطُ وجوب الزكاة على هذا القول، وقد صرّح بذلك الصيدلاني في آخر الباب، وليس هو مما يتمارى فيه.
١٧٩٣ - ومما يتعلق بتمام ذلك أنا إذا فرّعنا على أن الإمكان شرط الوجوب، فلو انقضى الحول، ولا إمكان، حتى مضى شهر مثلاً، فابتداء الحول الثاني يحتسب من مُنقرض الحول الأول، لا من وقت الإمكان، فلا يختلف حساب الأحوال باستئخار الإمكان، مصيراً إلى أن ابتداء الحول الثاني يعقب وجوبَ الزكاة.
ولو انقضت أحوال، والمالك على ارتفاقه، والمال على نمائه، وكان المالك لا يتمكن من أداء الزكاة، ثم تمكن، فلا يجوز أن يعتقد أن زكوات تلك الأحوال لا تجب.
نعم لو عسر [الارتفاق] (٢) بغَصْبٍ في المال، أو ضلالٍ، ففيه أقوال، وتردّدٌ ظاهر، وكذلك لو فرض نتاج بعد الحول الأول، وقبل الإمكان، فهو محسوب من الحول الثاني، كما سيأتي تفصيل القول في النتاج، بناء على أن حساب الحول
стр. 1615
لا يختلف باستئخار الإمكان، فالنتاج إذاً وقع في الحول الثاني، فليحسب من فوائد الحول الثاني.
وقد نجز عند ذلك غرضنا من تمهيد الأصول، ونحن الآن نبتدىء التفريع والله ولي الإعانة بمنه وفضله.
١٧٩٤ - فنقول أولاً: من ملك خمساً من الإبل، فانعقد الحول عليه، ثم تلف منه بعير مثلاً، أو خرج عن ملكه ببيع أو هبة، فإذا حال الحول والمال ناقصٌ عن النصاب، فلا شك أن الزكاة لا يجب منها شيء.
ولو انقضى الحول على الخمس، واستعقب الإمكان، فلم يؤدّ الزكاة، ولا عذر، حتى تلف المال، أو بعضه، لم يسقط من الزكاة شيء.
ولو لم يتمكن من الأداء، حتى تلف جميعُ المال، فلا زكاة.
ثم إن قلنا: وجبت بالحول، سقطت بسبب عدم الإمكان. وإن قلنا: الإمكان شرط الوجوب، فالزكاة لم تجب أصلاً، وكان هذا بمثابة ما لو تلف المال قبل حولان الحول.
وقد عبّر الأئمة عن القولين، فقالوا: الإمكان في قولٍ شرط الوجوب، وهو القديم، ومذهب مالك (١)، وفي قول هو شرط الضمان، فإذا لم يتمكن حتى تلف المال، فلا ضمان.
فهذا إذا لم يتمكن أصلاً. فأما إذا تمكن بعد الحول، ولكن أخّر لعذر من الأعذار التي ذكرناها في صور الوفاق والخلاف، فإذا تلف المال في هذه المدة، ففي سقوط الزكاة وبقائها الخلافُ المتقدم.
ولو تلف بعد الحول وقبل الإمكان بعير، فإن قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب، فقد سقط جميع الزكاة، فإنه قد نقص المال عن النصاب قبل زمان الوجوب، فكان هذا بمثابة ما لو تلف بعيرٌ قبل (٢ انقضاء الحول.
وإن قلنا: ليس الإمكان من شرائط الوجوب، فيسقط بتلف بعير قبل ٢) الإمكان