← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

¬وإتماماً للفائدة نذكر مصطلحين آخرين يتصلان بما سبق ويتم بهما الكلام، وإن لم يكن لهما ذكر في (نهاية المطلب)، فالأحكام تثبت بطرق أربعة هي: الأول - الاقتصار: وهو أن يثبت الحكم عند وجود علته، لا قبله، ولا بعده، كما في الطلاق المنجز، فإن قال: أنت طالق، فيقع الطلاق عند قوله هذا، لا قبله ولا بعده. الثاني - الانقلاب: وهو صيرورة ما ليس بعلة علة، كما في تعليق الطلاق بالشرط، بأن قال: إن دخلت الدار، فأنت طالق؛ فعند حدوث الشرط ينقلب ما ليس بعلة علة، يعني أن قوله: أنت طالق في صورة التعليق ليس بعلة قبل وجود الشرط، وهو دخول الدار، وإنما يتصف بالعلّية عند الدخول. والثالث والرابع، هما الاستناد والتبين، وقد تقدما. ... الارتكاب: تكرر هذا اللفظ بأكثر من صيغة من صيغ الاشتقاق، في مواضع كثيرة، على طول هذا الكتاب، ومنها على سبيل المثال قوله في خطبة الكتاب: " وما اشتهر فيه خلاف الأصحاب ذكرته، وما ذكر فيه وجهٌ غريب منقاس ذكرت ندوره وانقياسه، وإن انضم إلى ندوره ضعف القياس نبهت عليه ... وإن ذكر أئمة الخلاف وجهاً مرتكباً أنبه عليه ". وحين يعرض للاجتهاد في القبلة، يعقب على أحد الوجوه في صورة من الصور قائلاً: " وهذا إن ارتكبه مرتكب، ففيه بعدٌ ظاهر " وفي باب آخر يعقب على أحد الوجوه قائلاً: "ولم يصر إلى هذا أحد من أئمة المذهب، وإنما هو من ركوب أصحاب الخلاف" وفي كتاب النكاح يعقب على إحدى المسائل قائلاً: " ولما نظر القفال إلى ما ذكرناه، لم يجد فرقاً، وارتكب طرد القياس في المسألتين اللتين ذكرهما صاحب التقريب، وقال أولاً: إنه حكى فيهما نص الشافعي، وقد تتبعت النصوص، فلم أجد ما حكاه من المسألتين منصوصاً ... ". هذه نماذج لورود هذا اللفظ، وصورٌ من اشتقاقاته، ولقد تبادر إلى الذهن أن هذا (الارتكاب) أحد مصطلحات علم الجدل والمناظرة، فبحثت واستقصيت جهدي في كل مظانه: في الكافية في الجدل لإمام الحرمين، المعونة في الجدل لأبي

стр. 177

¬إسحاق الشيرازي، واصطلاحات المتكلمين والفلاسفة للآمدي، المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية، وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، وتعريفات الجرجاني، وكليات أبي البقاء، ثم غريب ألفاظ الشافعي، ثم معاجم اللغة، ثم معجم الألفاظ التي شرحها ابن خلكان في الوفيات. ويبدو أن المراد بالارتكاب هنا التعسف وركوب الطريق غير السوي، يظهر ذلك من سياق العبارات التي أمامنا، والذي يرشح هذا التفسير أن هذا (الارتكاب) يكون عادة من أئمة الخلاف، عند نصرة كل صاحب رأي لرأيه فيعتسف أيّ طريق، انتصاراً لرأيه، وفراراً من إلزامات خصمه. والله أعلم. ومن المصطلحات الخاصة بالكتب والرجال (١): السواد: يعني به الإمام مختصر المزني، وهذا اصطلاح خاص به، فلم نره لغيره. صاحب التلخيص: وهو أبو العباس أحمد بن أبي أحمد، القاص، الطبري، توفي سنة ٣٣٥ هـ. صاحب التقريب: هو الإمام، أبو الحسن، القاسم بن الإمام أبي بكر محمد بن علي القفال الشاسي، توفي نحو سنة ٣٩٩ هـ وقد تقدم آنفاً بأتم من هذا. الأستاذ أبو منصور البغدادي، وقد يطلقه، فيقول: الأستاذ بغير قيد، وذلك في كتاب الفرائض فقط، ويسميه إمام الصناعة مطلقاً، فلا يشتبه بالأستاذ أبي إسحاق. وأبو منصور، هو الأستاذ أبو منصور، عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله، البغدادي، التميمي، الإسفراييني، كان يدرّس في سبعة عشر فناً، صاحب (الفرق بين الفرق) ولد ونشأ في بغداد، ورحل إلى خراسان، فاستقر في نيسابور، ثم فارقها، مات في إسفراين سنة ٤٢٩ هـ. بعض المصنفين: يعني به أبا القاسم الفوراني، صاحب الإبانة، وهو الإمام، أبو القاسم، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران، توفي سنة ٤٦١ هـ. (وقد بينا حاله مع إمام الحرمين في أكثر من موضع، وأكثر من تعليق)

стр. 178

¬الشكل الرابع: يبين اصطلاح الإمام في الألقاب والكنى التي يطلقها على رجال المذهب الذين لهم ذكر في (نهاية المطلب). ١ - إبراهيم البلدي: إبراهيم بن محمد نسبة إلى بلد. ت قبل ٣٠٠ هـ. ٢ - الأستاذ أبو إسحاق: لا يأتي إلا بهذا اللقب والمقصود أبو إسحاق الإسفراييني. ت ٤١٨ هـ. ٣ - الأستاذ أبو منصور البغدادي. ت ٤٢٩ هـ. ٤ - أبو إسحاق: ويقيده أحياناً فيقول أبو إسحاق المروزي. ت ٣٤٠ هـ. وأحيانا المروزي ٥ - الاصطخري وأحياناً أبو سعيد الإصطخري. ت ٣٢٨ هـ. ٦ - أحمد بن بنت الشافعي: يأتي هكذا دائماً. ت ٢٩٥هـ. ٧ - أبو بكر الإسماعيلي: يأتي هكذا دائماً. ت ٣٧١ هـ. ٨ - أبو بكر الطوسي ت٤٢٠ هـ. ٩ - أبو بكر الفارسي: لايأتي إلا هكذا. ت ٣٠٥ أو ٣٥٠ هـ. ١٠ - أبو بكر المحمودي: وقد يقول: المحمودي. ت بعد ٣٠٠ هـ. ١١ - الأودني أبو بكر ت ٣٨٥. ١٢ - بعض المصنفين: لا يأتي إلا هكذا، والراد أبو القاسم الفوراني. ت ٤٦١ هـ ١٣ - البويطي: يأتي هكذا دائماً. ت ٢٣١ هـ. ١٤ - أبو ثور: يأتي هكذا دئماً. ت ٢٤٠ هـ. ١٥ - أبو جعفر الترمذي- ت ٢٩٥ هـ. ١٦ - أبو حامد المروروذي يأتي هكذا والمقصود القاضي أبوحامد. ت ٣٦٢ هـ. ١٧ - ابن الحداد: يأتي هكذا دائماً. ت ٣٤٥ هـ. ١٨ - حرملة: يأتي هكذا دائماً. ت ٢٤٣ هـ. ١٩ - الحسين الكراييسي: ومرة قال: الكرابيسي. ت ٢٤٥ هـ. ٢٠ - أبو حفص الوكيل: ومرة ابن الوكيل. ت ٣١٠ هـ. ٢١ - الحليمي أبو عبد الله. ت ٤٠٣ هـ. ٢٢ - الخضري: يأتي هكذا دائماً. ت ٣٧٣ هـ. ٢٣ - ابن خيران: يأتي هكذا دائماً. ت ٣٢٠ هـ. ٢٤ - الربيع: يأتي هكذا مطلقاً: فحيث أطلق فهو ابن سليمان المرادي ت ٢٧٠ هـ. ٢٥ - الربيع بن سليمان الجيزي: يأتي هكذا دائماً. ت ٢٥٦ هـ. ٢٦ - الزبيري: وأحياناً أبوعد الله الزبيري وقد يذكره بصاحب الكافي. ت ٣١٧ هـ. ٢٧ - الزعفراني، الحسن بن محمد ت٢٦٠ هـ. ٢٨ - الزيادي، أبو طاهر محمد بن محمد ت ٤١١ هـ. ٢٩ - أبو زيد: وقد يرد أبو زيد المروزي، وأحيا ناً الشيخ أبو زيد المروزي. ت ٣٧١ هـ. ٣٠ - الساجي، زكريا بن يحيى ت ٣٠٧ هـ. ٣١ - ابن سريج: لا يأتي إلا هكذا. ت ٣٠٦ هـ. ٣٢ - الشيخ الإمام سهل الصعلوكي ت ٤٠٤ هـ. ٣٣ - الشيخ أبوحامد الاسفراييني. ت ٤٠٦ هـ. ٣٤ - الشيخ أبو علي: يرد هكذا غالباً، والمراد به: أبو علي السنجي. ت ٤٣٠ هـ. وقد يرد: الشيخ (مطلقاً) الشيخ في الشرح الشيخ في شرح التلخيص، الشيخ في شرح الفروع الشيخ أبو علي في شرح التلخيص، الشيخ أبو علي في شرح الفروع. ٣٥ - شيخي: المراد به: أبو محمد الجويني الأب. ٤٣٨ هـ. وأحياناً يقول: شيخنا، وأحياناً: الإمام. ومرة قال: الشيخ الأب. ومرة قال: الشيخ أبو محمد ومرة قال: الشيخ والدي. ٣٦ - صاحب التقريب: لا يأتي إلا هكذا. قبل: ٤٠٠ هـ. ٣٧ - صاحب التلخيص: يأتي هكذا ومرة قال: أبو العباس. ٣٣٥ هـ. ٣٨ - الصيدلاني: يأتي هكذا غالباً وأحياناً الشيخ أبو بكر. ٤٢٧ هـ أو أبو بكر الصيدلاني أو شيخنا أبو بكر الصيدلاني. ونادراً أبو بكر. ٣٩ - الصيرفي أبو بكر محمد بن عبد الله ٣٣٠ هـ. ٤٠ - أبو الطيب بن سلمة. ت ٣٠٨ هـ. ٤١ - أبو عبيد بن حربويه ٣١٩ هـ. ٤٢ - أبو علي الطبري: لا يأتي إلا هكذا. ت٣٥٠ هـ. ٤٣ - أبو القاسم الأنماطي: يأتي هكذا غالباً. ت ٢٨٨ هـ. ٤٤ - القاضي أبو الطب الطبري: ومرة القاضي أبو الطيب. ت ٤٥٠ هـ. ٤٥ - القاضي يأتي هكذا مطلقاً، وأحياناً: القاضي حسن. ت ٤٦٢ هـ. ٤٦ - القفال: يأتي هكذا فقط مطلقاً والمراد القفال الصير المروزي. ت ٤١٧ هـ. ٤٧ - القفال الشاشي: لا يأتي إلا هكذا، وهو القفال الكبير. ت ٣٦٥هـ. ٤٨ - ابن اللبان ت ٤٤٦ هـ. ٤٩ - الماسَرْجِسِي، أبو الحسن. ت ٣٨٤ هـ. ٥٠ - المحاملي: يأتي هكذا دائماً. ت ٤١٥ هـ. ٥١ - المزني يأتي هكذا. ت ٢٦٤ هـ. ٥٢ - أبو نصر الفشيري: الإمام عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم. ت ٥١٤ هـ. ٥٣ - ابن أبي هريرة: وأحيا ناً أبوعلي بن أبي هربرة. ت ٣٤٥ هـ. ٥٤ - أبو الولد النيسابوري ت ٣٤٩ هـ. ٥٥ - أبو يحيى البلخي ت ٣٣٠ هـ. ٥٦ - أبو يعقوب الأبيوردي نحو ٤٠٠ هـ. ٥٧ - يونس بن عبد الأعلى: يأتي هكذا. ت ٢٦٤ هـ.

стр. 179

¬بعض التصانيف: ويقصد بها مصنفات الفوراني (بعض المصنفين) وأشهرها (الإبانة). شيخي: يريد به والده الشيخ أبا محمد الجويني. المتوفى سنة ٤٣٨ هـ. الشيخ: إذا أطلقه الإمام، فهو الشيخ أبو علي الجويني، وكذلك لو قال: الشيخ أبو علي، أو الشيخ في الشرح، فالمراد بهذه كلها الشيخ أبو علي، الحسين بن شعيب بن محمد السنجي، المتوفى سنة ٤٣٠ هـ ومرة واحدة -فيما أذكر- قال: (الشيخ) وأراد به القفال، وقد بيناها في الحاشية .. الشيخ أبو بكر: ويقصد به أبا بكر الصيدلاني. ت ٤٢٧ المحاملي: هذا اللقب أو النسبة حمله نحو ستة من أعلام الفقه الشافعي بعضهم أب لبعض، والذي يعنيه الإمام هنا هو أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الضبي، ويعرف بابن المحاملي، صاحب اللباب، والمجموع، والمقنع، وغيرها، وله تعليقة عن الشيخ أبي حامد. والمحاملي هذا هو الأكثر ذكراً وأثراً في الفقه، توفي سنة ٤١٥ هـ. المحققون: يستخدم الإمام هذا اللفظ كثيراً، وبالتتبع والملاحظة ظهر أن المحققين عنده هم: ١ - صاحب التقريب. توفي قبل ٤٠٠ هـ. ٢ - القفال الصغير المروزي، عبد الله بن أحمد ت ٤١٧ هـ. ٣ - الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني. ت ٤١٨ هـ. ٤ - الشيخ أبو بكر الصيدلاني. ت ٤٢٧ هـ. ٥ - الشيخ أبو علي السنجي. ت ٤٣٠ هـ. ٦ - الشيخ أبو محمد الجويني. ت ٤٣٨ هـ. ٧ - القاضي حسين. ت ٤٦٢ هـ. أثبات النقلة: يعني بهم الإمام:

стр. 180

¬١ - الشيخ أبا بكر الصيدلاني ٢ - الشيخ أبا علي السنجي ٣ - الشيخ أبا محمد الجويني ٤ - القاضي حسين الأئمة المعتبرون في المذهب: وهم أثبات النقلة السابقون، وزاد عليهم: الحليمي وهو الإمام الكبير أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد الحليمي، صاحب (المنهاج) في شعب الإيمان، وهو من كبار أصحاب الوجوه. توفي سنة ٤٠٣ هـ. القفاليون = المراوزة الآخذون عن القفال = أصحاب القفال (يعبّر عنهم بواحدة من هذه العبارات الثلاث) وهم: ١ - أبو بكر الصيدلاني ٢ - أبو علي السنجي ٣ - أبو محمد الجويني ٤ - القاضي حسين. أئمتنا: يعبر الإمام -أحياناً- بهذا اللفظ عن شيوخ المراوزة، وذلك عندما يستحضر صفته المروزية؛ فيقول: أئمتنا ويعني بهم أئمة المراوزة. مَنْ لا أعدل به أحداً من بني الزمان: جاء في كتاب الخلع قول الإمام: " قال من لا أعدل به أحداً من بني الزمان: سألت القاضي -وهو على التحقيق حَبْر المذهب- لم غلّبنا في بعض هذه المسائل حكم المعاوضة؟ وغلبنا في بعضها حكم التعليق؟ وأثبتنا الأحكام على الاشتراك في بعضها؟ ... " وقد يتبادر إلى الذهن أنه يعني بمن لا يعدل به أحدً من بني الزمان، والده الشيخ أبا محمد، ولكن يعكر على هذا أن والده أسنّ من القاضي، حيث توفي سنة ٤٣٨ هـ. في حين كانت وفاة القاضي سنة ٤٦٢ هـ. وقد كدنا نقول إن المقصود هو الإمام أبو نصر عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم القشيري. فالإمام كان يعتز به ويكثر الثناء عليه، ونقل عنه مسائل في الدور والوصية

стр. 181

¬في كتابنا هذا، وكان يجلس بين يديه مع أنه تلميذه، ولكن يعكر على هذا أيضاً أن الإمام عبد الرحيم بين وفاته ووفاة القاضي حسين اثنان وخمسون سنة، ولم نجد من يبين لنا تاريخ الإمام عبد الرحمن فإذا فرضنا أنه مات قي نحو الستين من عمره. فيكون عمره عند وفاة القاضي لا يسمح بنقل العلم عنه. ولذا لا يترجح عندنا بعد من يعنيه الإمام هنا. ***

стр. 182

¬ الفصل الثالث تعريف بإمام الحرمين، ومنزلته بين أئمة المذهب

стр. 183

¬تعريف بإمام الحرمين نتناول في هذه العجالة ترجمة موجزة لإمام الحرمين، نحاول فيها أن نُظهر بعضَ ملامح عصره والعوامل المؤثرة في حياته، وسمات شخصيته. وسآخذ نفسي بأمرين: الأول: الإيجاز؛ ذلك لأنني كتبت عن إمام الحرمين: علمه ومنهجه، ومنزلته، في دراسات أفردتها لذلك، وفي مقدمات كتبه التي وفقني الله سبحانه لتحقيقها ونشرها، ومن أجل هذا سيكون ما اكتبه في جملته معاداً مكروراً، وهذا من أشق الأمور على نفسي، وأثقلها على قلبي، وأصعبها على قلمي، وتلك خطة التزمتها، فمذ حملت القلم، كُرِّه إلى الكتابة في موضوعات معادة مكرورة، ولعل هذا من آثار صحبة إمام الحرمين، فقد كان يقول: " حق على من تتقاضاه قريحته تأليفاً، وجمعاً وترصيفاً، أن يجعل مضمون كتابه أمراً لا يلفى في كتاب، ولا يصادف في تصنيف " أ. هـ ومن بعده قال ابن العربي تلميذُ تلميذه: " لا ينبغي لحصيف يتصدى لتصنيف أن يعدل عن غرضين: إما أن يخترع معنى، وإما أن يبتدع وضعاً ومبنى، وما سوى هذين الوجهين، فهو تسويد الورق، والتحلّي بحلية السرق " أ. هـ. الثاني: سأحاول أن أضيف جديداً من ملامح شخصية إمام الحرمين، مما رأيته في كتابه أكبر (نهاية المطلب في دراية المذهب). ***

стр. 184

¬ إمام الحرمين في الزمان والمكان ولد إمام الحرمين ﵁ في ثامن عشر المحرم سنة ٤١٩ تسع عشرة وأربعمائة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وصلم، وتوفي ليلة الأربعاء بعد صلاة العشاء الخامس والعشرين من شهر رييع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (٢٥ ربيع الآخر سنة ٤٧٨) فكانت حياته رضي الله عته تسعاً وخمسين سنة وثلاثة أشهر وسبعة أيام. كانت ولادته في نيسابور من أشهر مدن إقليم خراسان، ذلك الإقليم الذي كان من مدنه: هراة، ومرو، وبلخ، وطالقان، ونسا، وأبيورد، وسرخس، وغيرها. هذا ما شغله من الزمان والمكان، مضافاً إليه أنه أُخرج أو خرج -في قصة طويلة- مع نحو أربعمائة من أئمة الإسلام، في المحنة المعروفة بمحنة أهل السنة، فخرج إلى الحرمين الشريفين، وكان الأئمة يقدمونه ليصلِّي بهم، ومن أجل ذلك جاءه هذا اللقب، الذي عرف به: إمام الحرمين هذا كل ما شغله من المكان والزمان، أما المكانة والمنزلة، فقد ملأ سمع الدنيا بمشرقها ومغربها منذ نبغ، وملأ أيامها منذ كان إلى اليوم، بل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. العوامل التي ساعدت في بناء شخصيته العلمية أ- بيته ونشأته: ولد إمام الحرمين في حِجْر الإمامة، فوالده هو الإمام أبو محمد، عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني. كان إمام عصره في نيسابور، تفقه على أبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي، وأبي بكر عبد الله بن أحمد القفال المروزي، وقرأ الأدب على والده يوسف الأديب (بجوين)، وسمع أستاذَيه أبا عبد الرحمن السلمي، وأبا محمد بن بابَوَيْه الأصبهاني، وببغداد أبا الحسن محمد بن الحسين بن الفضل بن نظيف الفراء، وغيرهم.

стр. 185

¬برع في الفقه، وصنف فيه التصانيف المفيدة، وشرح المزني شرحاً شافياً، وشرح الرسالة للشافعي. وكان ورعاً دائم العبادة شديد الاحتياط، مبالغاً فيه. توفي سنة ٤٣٨ هـ. هذا والده الإمام الفقيه المحدث الورع العابد، شارح الرسالة والمزني. وأما عمه، فهو أبو الحسن علي بن يوسف الجويني المعروف بشيخ الحجاز، كان -فيما حكاه ياقوت في معجمه- صوفياً لطيفاً ظريفاً فاضلاً، مشتغلاً بالعلم، والحديث، صنف كتاباً فى علوم الصوفية مرتباً مبوباً سماه كتاب السلوة، سمع شيوخ أخيه، وسمع أيضاً أبا نعيم بن عبد الملك بن الحسن الإسفراييني بنيسابور، وبمصر أبا محمد عيد الرحمن بن عمر النحاس، وروى عنه زاهر ووجيه ابنا طاهر الشحاميان، ومات بنيسابور سنة ٤٦٣ هـ (١). أما جده، فكان علمه الذي نبغ فيه وعرف به علم الأدب، قال ياقوت وهو يترجم لوالد الإمام: إنه قرأ عليه الأدب في جوين. فجده أديب مرموق، وعمه محّدث صوفي، ووالده فقيه أصولي، وقد أحسن ابن عساكر التعبير عن ذلك في التبيين، فقال: " رباه حجر الإمامة، وحرك ساعدُ السعادة مهده، وأرضعه ثديُ العلم والورع، إلى أن ترعرع فيه ونبغ " (٢). ب- الحياة العلمية في عصره: كان القرن الخامس الهجري يمثل أخصب فترات الحصاد لنهضة أمتنا العلمية الرائعة، فقد نبغ فيه أعلامٌ وأئمة في كل فن، نذكر منهم على سبيل المثال: * أبو عبد الرحمن محمد بن الحسن بن بن موسى الأزدي النيسابوري صاحب التصانيف التي بلغت نحو مائة مصنف ت ٤١٢ هـ. * القاضي عبد الجبار بن أحمد شيخ المعتزلة، قاضي القضاة، الأصولي، المتكلّم، صاحب المغني، ت ٤١٥ هـ.

стр. 186

¬* القفال الصغير - المروزي عبد الله بن أحمد أبو بكر، وحيد زمانه، علَم الشافعية، أستاذ أبي محمد الجويني ت ٤١٧ هـ. * الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، الإمام في الفقه والأصول ت ٤١٨ هـ. * ابن مِسكويه من أعلام علم الفلسفة والأخلاق ت ٤٢١ هـ. * ابن سينا الشيخ الرئيس، صاحب الشفاء ت ٤٢٨ هـ. * عبد القاهر البغدادي بن طاهر بن محمد بن عبد الله، عالم متفنن، صاحب الفرق بين الفرق، كان يدرّس في سبعة عشر فناً ت ٤٢٩ هـ. * أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني، والد إمام الحرمين، شارح الرسالة، والمزني شيخ الشافعية ت ٤٣٨ هـ. * البِيروني: محمد بن أحمد أبو الريحان، الرياضي الفيلسوف، صاحب التصانيف التي تفوق العَدَّ في الهيئة والنجوم، والمنطق والفلسفة ت ٤٤٠ هـ. * أبو عبد الله الخبازي عالم القراءات، والتفسير ت ٤٤٩ هـ. * أبو عثمان الصابوني، إسماعيل بن عبد الرحمن، شيخ الإسلام، الواعظ، المفسر، المصنف، عمدة التفسير والحديث ت ٤٤٩ هـ. * الماوردي، أبو الحسن، أقضى القضاة، إمام الشافعية، صاحب الحاوي، والأحكام السلطانية ت ٤٥٠ هـ. * ابن حزم، علي بن أحمد، الفقيه الصولي الأديب، إمام أهل الظاهر، عبقرية الأندلس، صاحب المحلّى، والإحكام، والفِصَل في الملل والنحل ت ٤٥٦ هـ. * أبو يعلى، القاضي، محمد بن الحسين الفراء، الفقيه الحنبلي ت ٤٥٨ هـ. * ابن سيده، علي بن إسماعيل، صاحب المخصص، من أثمن كنوز العربية، وصاحب المحكم والمحيط الأعظم، وشارح الحماسة ت ٤٥٨ هـ. * البيهقي أبو بكر، أحمد بن الحسين بن علي، إمام الحديث والفقه، جامع نصوص الشافعي، وناشر علمه ت ٤٥٨ هـ.

стр. 187

¬* الفُوراني، أبو القاسم، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران، تلميذ القفال، صاحب الإبانة ت ٤٦١ هـ. * ابن عبد البر أبو عمر، يوسف بن عبد البر، النمري، القرطبي، المحدث الفقيه، صاحب الاستذكار ت ٤٦٣ هـ. * الخطيب البغدادي، الحافظ، أبو بكر، أحمد بن علي، صاحب تاريخ بغداد، والكفاية، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، بلغت مؤلفاته نحو ثمانين مؤلفاً، ت ٤٦٣ هـ. * القُشَيري، عبد الكريم بن هوازن، صاحب الرسالة ت ٤٦٥ هـ. * الحرة، كريمة بنت أحمد، راوية الصحيح ت ٤٦٥ هـ. * الباخرزي، علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب، أبو الحسن، أديب من الشعراء والكتاب، له علم بالفقه والحديث، صاحب دمية القصر وعصرة أهل العصر ت ٤٦٧ هـ * الجرجاني، عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، أبو بكر، واضع أصول البلاغة، أحد أئمة اللغة والبيان، صاحب أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز ت ٤٧١ هـ. * الباجي، سليمان بن خلف بن سعد، التُّجِيبي القرطبي، أبو الوليد، فقيه المالكية وأحد أعلامهم، أصولي محدث، صاحب إحكام الفصول في أحكام الأصول، وشرح المدونة ت ٤٧٤ هـ. * والأعلم الشَّنْتَمري، يوسف بن سليمان بن عيسى أبو الحجاج، عالم بالأدب والشعر، صاحب شرح ديوان زهير، وشرح الحماسة، والنكت على كتاب سيبويه، ت ٤٧٦ هـ. * المجاشعي، علي بن فَضّال بن علي بن غالب، أبو الحسن، صاحب شجرة الذهب في معرفة أئمة الأدب، ت ٤٧٩ هـ.

стр. 188

¬* فاطمة بنت الحسن، الكاتبة، وهي التي كتبت كتاب الخليفة إلى طاغية الروم، ت ٤٨٠ هـ. * السرخسي، محمد بن أحمد بن سهل، شمس الأئمة، إمام الأحناف، صاحب المبسوط، ت ٤٨٣ هـ. * الزَّوْزَني، حسين بن أحمد، القاضي العالم بالأدب، شارح المعلقات، ت ٤٨٦ هـ. * ابن بُندار، عبد السلام بن محمد القزويني، شيخ المعتزلة في عصره، له تفسير في ٣٠٠ جزء، ت ٤٨٨ هـ. * الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد أبو القاسم، أديب لغوي، مفسر، من الحكماء العلماء، كان يقرن بالغزالي، صاحب الذريعة إلى مكارم الشريعة، وجامع التفاسير، والمفردات، ت ٥٠٢ هـ. * الروياني، عبد الواحد بن إسماعيل، فخر الإسلام، إمام الشافعية، صاحب بحر المذهب، ت ٥٠٢ هـ. * أبو حامد الغزالي، محمد بن محمد، حجة الإسلام، تلميذ إمام الحرمين، الفقيه الأصولي، المتكلم، النظار، المتصوف، قامع الباطنية، وملاحدة الفلاسفة، ت ٥٠٥ هـ. هؤلاء الأعلام نماذج لآلاف من الأئمة كانت تموج بهم الحياة حول إمام الحرمين، في كل مدن الإسلام وحواضره، كانت مدارس، ومعاهد، ومكتبات، ومجالس علم، ومناظرات، ومحاورات، وجدل وصراع، وهجوم ودفاع، كانت الحياة العلمية والفكرية تمور وتفور، تصطرع فيها تيارات، ومذاهب واتجاهات، كان هناك الفكر الوافد من الترجمات عن اليونانية (علوم الأوائل) وكان هناك بقايا من عقائد وملل بائدة، فظهرت الباطنية، والغنوصية، والقرمطية، والزندقة، إلى جانب الجدل الإسلامي المسيحي، إلى ما كان من تأثر بفلسفة اليونان، في الإلهيات، كل هذا جعل الحياة الفكرية العلمية تعيش أزهى فترات نشاطها، وتوثبها، وقوتها، وحيويتها، وفي هذا الخضم المتلاطم كان إمام الحرمين.

стр. 189

¬ ج- صفاته: وكان الأمر الثالث الذي ساعد على بلوغ الإمام هذه المكانة، وجعله يتبوأ هذه المنزلة هو ما يعبر عنه في أيامنا هذه بالاستعداد الفطري، والموهبة، فقد حباه الله سبحانه بصفات نادرة منها: * أنه كان يتمتع بذاكرة نادرة، وحافظة لاقطة، روَوْا عنه أنه " كان يذكر دروساً يقع كل واحد منها في عدة أوراق، ولا يتلعثم في كلمة منها، ولا يحتاج إلى إبدال كلمة منها مكان غيرها، بل يمر فيها مراً كالبرق الخاطف، بصوت مطابقٍ كالرعد القاصف " (١). * كما وهبه الله ذكاء نادراً، فقد ظهرت عليه مخايل النجابة والنبوغ من صغره، حتى " كان أبوه يُزهَى بطبعه وتحصيله، وجودة قريحته، وكياسة غريزته، لما يرى فيه من المخايل " (٢). وقد هيأ له ذلك الذكاء، وهذا النبوغ، تلك المنزلة التي جعلت الأئمة يُقعدونه للتدريس مكان أبيه، وهو دون العشرين سنة (٣)، على حين كانت نيسابور تموج بالأئمة الأعلام. * كما تميز بصبر ودأب نادرين في طلب العلم والبحث، فمع أنه أقعد للتدريس مكان أبيه مبكراً، إلا أن ذلك لم يشغله عن البحث والدرس، " فكان يقيم الرسمَ في درسه ويخرج منه إلى مدرسة البيهقي يتتلمذ على أبي القاسم الإسكافي " (٤). " وكان يبكر قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مسجد الأستاذ أبي عبد الله الخبازي يقرأ عليه القراءات ويقتبس من كل نوع من العلوم " (٥).

стр. 190

¬روى ابن عساكر بسنده أن إمام الحرمين كان يقول: "أنا لا أنام، ولا آكل عادة، وإنما أنام إذا غلبني النوم ليلاً كان أو نهاراً، وآكل إذا اشتهيت الطعام، أيَّ وقت كان" (١). * كان يؤمن أن العلم لا نهاية له، ولا حدود، وما كان يترك فرصة يستزيد فيها علماً، إلا واغتنمها، وسعى إليها: في سنة ٤٦٩ هـ، وهو في ذلك الحين إمام الأئمة، فخر الإسلام، وكان قد جاوز الخمسين من عمره، في ذلك الحين قدم إلى نيسابور الشيخ أبو الحسن علي بن فَضَّال بن علي المجاشعي، النحوي، الأديب، فقابله إمام الحرمين بالإكرام، وأخذ في قراءة النحو عليه والتلمذة له، وكان يحمله كل يوم إلى داره، ويقرأ عليه كتاب (إكسير الذهب في صناعة الأدب) وكان المجاشعي يقول: " ما رأيت عاشقاً للعلم -أي نوعِ كان- مثل هذا الإمام " (٢). * التواضع " فما كان يستصغر شأن أحد أياً كان، حتى يسمع كلامه، شادياً كان أو متناهياً، فإن أصاب كياسةً في طبع، أو جرياً على منهاج الحقيقة، استفاد منه صغيراً أو كبيراً، ولا يستنكف أن يعزو الفائدة المستفادة إلى قائلها، ويقول: هذه الفائدة مما استفدته من فلان " (٣). ولعل أوضح ما يوضح ذلك -مما لا نعرف له مثيلاً- أنه كان لا يستنكف أن يتعلم من تلاميذه بعض الفنون التي نبغوا فيها، ولا يجد في ذلك حرجاً، ولا غضاضة، جاء في ترجمة الإمام عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم أبي القاسم القشيري: " تخرج على إمام الحرمين، وواظب على درسه، وصحبه ليلاً ونهاراً، وكان الإمام يعتد به، ويستفرغ أكثر أيامه معه، مستفيداً منه بعض مسائل الحساب في الفرائض، والدَّوْر، والوصية " (٤). وليس هذا فقط، بل كان ينقل عنه ما يتعلّمه منه، ويدوّنه في كتبه، قال

стр. 191

¬السبكي: " وأعظم ما عظم به الإمام عبد الرحيم أن إمام الحرمين نقل عنه في كتاب الوصية (١)، وهذه مرتبةٌ رفيعة " (٢) رضي الله عن إمام الحرمين، ورضي الله عن إمامنا الشافعي، الذي كان يقول لتلميذه أحمد بن حنبل: " يا أحمد إذا صح عندك الحديث، فأعلمني به ". * ومع هذا التواضع، كان حرّ الرأي والضمير، لا يقلد أحداً، ولا يلتزم إلا بالدليل، ولا يخضع إلا للبرهان، " فمنذ شبابه رفض أن يقلد والده وأصحابه، وأخذ في التحقيق " (٣) وفي هذا المجال " لم يكن يحابي أحداً، ولو كان أباه، أو أحد الأئمة المشهورين، قال في اعتراض على والده: هذه زلة من الشيخ ﵀ " (٤). * كان من الكرم والسخاء مضرب الأمثال، ولم يشتغل بمالٍ يثمره، أو يدّخره، بل " كان ينفق من ميراثه، ومن معلوم له على المتفقهة " (٥). * كذلك رزقه الله رقة القلب والخشوع، حتى إنه " كان يبكي إذا سمع بيتاً، أو تفكر في نفسه ساعة، وإذا وعظ ألبس الأنفس من الخشية ثوباً جديداً، ونادته القلوب: إننا بشر فأسجح، فلسنا بالجبال ولا الحديدا " (٦). في هذه البيئة العلمية درج، وفي هذا البيت الطاهر نما، وبهذه المواهب الربانية سما ونبغ. د- أساتذته وشيوخه: تتلمذ أول ما تتلمذ، وسمع أول ما سمع من أبيه، الإمام أبي محمد صاحب التفسير الكبير، والتبصرة، والتذكرة، وشرح الرسالة .. وغيرها، فقد "أتى على

стр. 192

¬هذه المصنفات، وقلبها ظهراً لبطن، وتصرف فيها، وخرج المسائل بعضها على بعض" (١). وانكب على علوم عصره وفنونه يأخذها عن أعلامها، فخرج إلى مدرسة البيهقي يأخذ الأصول عن أبي القاسم الإسكافي الإسفراييني. كما درس في أول أمره على الشيخ أبي القاسم الفوراني (٢). * أما الحديث، فقد سمع من أبي بكر أحمد بن محمد بن الحارث الأصبهاني التميمي، كما سمع من أبي سعد عبد الرحمن بن حمدان النيسابوري النَّضْروي، وأبي حسان محمد بن أحمد المزكي، ومنصور بن رامش. كما سمع من أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن يحيى المزكي، وسمع سنن الدارقطني من أبي سعد، عبد الرحمن بن الحسن بن عَلِيَّك، وسمع من أبي عبد الرحمن محمد بن عبد العزيز النيلي، وأجاز له أبو نُعيم صاحب الحلية، وحدّث. * وأما القراءات، فقد كان يبكر كل يوم إلى مسجد أبي عبد الله الخبازي يقرأ عليه القراءات، ويقتبس من كل نوع من العلوم. * وأما النحو فقد درس -مع ما درس في مطلع حياته- كتاب إكسير الذهب في صناعة الأدب، على مؤلفه الشيخ أبي الحسن علي بن فَضَّال المجاشعي، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. درس إمام الحرمين على هؤلاء الأعلام وغيرهم، ولم يكن هذا هو طريقه الوحيد طبعاً، فقد جاء في (تبيين كذب المفتري) عنه أنه قال عن دراسته لعلم أصول الفقه، على أستاذه أبي القاسم الإسكافي الإسفراييني: "كنت قد علّقت عليه في الأصول

стр. 193

¬أجزاء معدودة، وطالعت في نفسي مائة مجلّدة". هكذا درس مع أستاذه أجزاء معدودة، " وطالع في نفسه مائة مجلدة " وتلك لعمري هي الدراسة، فمهما اتسع وقت الشيخ لتلميذه، فلن يحيط معه بأكثر من " أجزاء معدودة ". أما المطالعة والتحصيل، فلا حدود لها، وهذا ما يعبر عنه عند علماء التربية المعاصرين، بأن الشيخ لا يعلّم التلميذ العلم، وإنما يعلّمه كيف يتعلم، أي كيف يحصّل العلم. ونستطيع من معايشتنا لإمام الحرمين ومصاحبتنا له هذا العمر، واستماعنا إليه طول هذه السنوات أثناء تحقيقنا لآثاره أن نقول: إنه استوعب علوم عصره، وأحاط بآثار أعلام الأئمة في كل فن، واستوعب علومهم، فمن هؤلاء: الإمام أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر الباقلاني، من متكلمي أهل السنة والقاضي عبد الجبار بن أحمد، والنظّام، وأبو علي الجبائي، وابنه أبو الهاشم، والكعبي من متكلمي المعتزلة. * كما ظهر من كتابه الفذ (نهاية المطلب في دراية المذهب) أنه استوعب علم القاضي أبي حامد أحمد بن بشر المرورُّزي ثم البصري (ت ٣٦٢ هـ) وعلمَ الشيخ أبي حامد الإسفراييني أحمد بن محمد بن أحمد، ويعرف أيضاً بابن أبي طاهر (ت ٤٠٦ هـ) وكذلك أحاط بفقه ابن الحداد، أبو بكر محمد بن أحمد القاضي المصري، تلميذ أبي إسحاق المروزي (ت ٣٤٥ هـ)، فهو كثير النقل عن كتابه الفروع، ومناقشة مسائله. أما ابن سُرَيْج، فهو أحمد بن عمر أبو العباس المتوفى ٣٠٦ هـ، أحد أعمدة المذهب، فقد تردد ذكره في (النهاية) والنقل عنه مما يوحي بتلمذة الإمام له، والإحاطة بفقهه، وربما كان أكثر من عني الإمام بالنقل عنهم هما الشيخ أبو علي، وصاحب التقريب، فأما الشيخ أبو علي، فهو أبو علي السنجي، الحسين بن شعيب بن محمد، من سِنْجه، أكبر قرى مرو، أول من جمع بين طريقتي الخراسانيين والعراقيين، له شرح الفروع، وشرح التلخيص (ت ٤٣٠ هـ).

стр. 194

¬وأما صاحب التقريب، فهو القاسم بن محمد بن علي بن إسماعيل، ابن القفال الكبير محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي، وكنية الكبير أبو بكر، أما صاحب التقريب، فكنيته أبو الحسن ويخطىء من يقول: أبو القاسم، بل القاسم اسمه، وقد توفي الكبير ٣٦٥ هـ، وأما صاحب التقريب، فقد توفي نحو ٤٠٠ هـ. كما أخذ الإمام عن القفال الأشهر، والأكثر ذكراً في كتب الخراسانيين، وهو القفال الصغير، عبد الله بن أحمد بن عبد الله المروزي، وكنيته أبو بكر مثل الكبير، ويفرق بينهما بأن هذا مروزي، والكبير شاشي، وهذا أكثر ذكراً في كتب الفقه، والكبير أكثر ذكراً في كتب التفسير والحديث والأصول والكلام والجدل، وقد توفي القفال الصغير سنة ٤١٧ هـ. وكذلك عن القاضيين، القاضي حسين، وهو الحسين بن محمد بن أحمد أبو علي المرورّوزي، وهو الذي إذا أطلق المراوزة (القاضي) فإياه يعنون (توفي ٤٦٢ هـ). والقاضي الثاني هو القاضي أبو الطيب الطبري، وهو طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، وحيث أطلق العراقيون لفظ (القاضي) فإياه يعنون (ت ٤٥٠ هـ). وكذلك ينقل عن صاحب التلخيص، أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاصّ (ت ٣٣٥ هـ). كما اعتمد في كتاب الفرائض والوصايا على فقه أبي منصور البغدادي، عبد القاهر بن طاهر بن محمد التميمي الأستاذ أبي منصور البغدادي، كان يدرّس في سبعة عشر فناً، وبرع في الجبر والحساب (ت ٤٢٩ هـ). هؤلاء الأعلام أهم شيوخه وأساتذته، أخذ عمن أخذ منهم مشافهة ومجالسة، وعن باقيهم بالرواية والمطالعة. ***

стр. 195

¬ منزلته العلمية (علومه وفنونه-كتبه ومؤلفاته-منهجه-تلاميذه-أثره) أولاً: علومه وفنونه التي نبغ فيها: مثل كل علماء عصره وأئمته درس كل فنون العصر وعلومه، ما كان يعرف منها بعلوم الوسائل، وما كان يعرف بعلوم الغايات، وهكذا كان علماؤنا، وأئمتنا، ما كانوا يعرفون هذا الذي نسميه (الآن) التخصص الضيق، ولذا نجد كتب التراجم والطبقات تترجم لأحدهم، فتقول -بعد أن تذكر دراسته، وشيوخه- "وعلمه الذي نبغ فيه كذا ... ". نبغ إمامنا في علومٍ وفنون كثيرة، منها: ١ - علم الفقه. ٢ - أصول الفقه. ٣ - علم الخلاف وعلم الجدل. ٤ - السياسة الشرعية. ٥ - علم الكلام. ١ - علم الفقه: لقد خالفتُ الترتيب المعهود المعروف عن الإمام، حيث اشتهر بالمقام الأول أنه (متكلم) ولكن طول معايشتي للإمام، وإصغائي إليه، وقراءتي عليه، وسماعي منه ومناجاتي إياه جعل صورته تتضح لي تمام الوضوح، فرأيته فقيهاً أصولياً، قبل أن يكون متكلماً، كما شاع وعرف عنه. رأيته فقيهاً من أعلام الفقه الإسلامي بعامة، والشافعي منه بخاصة، رأيته صاحب المدرسة النظامية، حاملة راية الفقه بنيسابور، ورأيته وقد انتهت إليه رياسة الشافعية

стр. 196

¬بخراسان، ورأيت معاصريه من الأئمة والمؤرخين، يكبرونه، ويعرفون له منزلته في الفقه، فيقولون عنه: " لولاه، لأصبح مذهب الحديث حديثاً " يعنون بمذهب الحديث، مذهب الإمام الشافعي. ورأيته ﵁ يكره (علم الكلام)، وكأني به قد اشتغل به من باب " إن لم تكن إلا الأسنة مركبا ". ذلك أني رأيته منذ بواكير حياته، وهو في غمرة الاشتغال بالكلام يسخر من المتكلمين، وينهى عن الاستغراق في علم الكلام، فمن ذلك قوله في مقدمة كتابه " الغياثي ": ومن ضَرِي بالكلام صدي جنانه ويقول في البرهان: " وهذا الذي اختلج في عقول المتكلمين وطيْش أحلامهم " (فقرة: ٢٢٧). قال هذا وغيره في أكثر من كتاب من كتبه المتقدمة، أي قبل ما يقال عن رجوعه عن علم الكلام. من هنا ومحاولةً لتصحيح هذا الفهم الشائع، قدمت (علم الفقه)، على أنه العلم الأول لإمام الحرمين ﵁. ٢ - علم أصول الفقه: علم أصول الفقه هو علم إمام الحرمين الأول كعلم الفقه تماماً، فكلاهما (أول علومه)، إذ هما لا ينفصلان وبخاصة عند كبار الأئمة أصحاب المدارس والتجديد. ويعتبر إمام الحرمين أحد أركان علم الأصول الأربعة، هكذا قال ابن خلدون في مقدمته، حيث عد كتاب (البرهان) لإمام الحرمين أحد الكتب الأربعة التي قام عليها علم أصول الققه، وإليها ترجع معظم المؤلفات في هذا العلم، حيث قال -وهو يتحدث عن علم الأصول- "ومن أحسن ما كتب فيه المتكلمون: ١ - كتاب (البرهان) لإمام الحرمين. ٢ - وكتاب (المستصفى) للغزالي. (وهما من الأشعرية). ٣ - وكتاب (العمد) للقاضي عبد الجبار بن أحمد.

стр. 197

¬٤ - وكتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري. (وهما من المعتزلة). وكانت الأربعة قواعدَ هذا الفن، وأركانه" ا. هـ. ولم يصلنا من كتب أهل السنة في الأصول مما ألف على طريقة المتكلمين قبل (البرهان) (١) إلا أصل الأصول: (الرسالة) للإمام الشافعي. ولقد كان هذا الكتاب فتحاً جديداً في علم أصول الفقه، يؤكد ذلك السبكي في طبقاته قائلاً: " إن هذا الكتاب وضعه إمام الحرمين في أصول الفقه على أسلوب غريب، لم يقتد فيه بأحد، " وأنا أسميه (لغز الأمة) لما فيه من مصاعب الأمور وأنه لا يخلي مسألة عن إشكال، ولا يخرج إلا عن اختيار يخترعه لنفسه، وتحقيقاتٍ يستبدّ بها " (٢). ثم تحدث عن شراح البرهان ولاحظ أنهم كلهم من المالكية، وأنهم عندهم بعض تحامل على إمام الحرمين، وفسر ذلك " بانهم يستصعبون مخالفة الإمام أبي الحسن الأشعري، ويرونها هُجنة عظيمة، والإمام لا يتقيد لا بالأشعري، ولا بالشافعي، لا سيما في (البرهان) وإنما يتكلم على حسب تأدية نظره واجتهاده، وربما خالف الأشعري، وأتى بعبارة عالية، على عادة فصاحته، فلا تحتمل المغاربة أن يقال مثلها في حق الأشعري ". وقد حكينا كثيراً من ذلك في (شرحنا على مختصر ابن الحاجب) (٣). ومع دفاع السبكي وردّه لتحامل شراح البرهان، ومنهم المازري، تراه يثني على المازري قائلاً عنه: "إن هذا الرجل كان من أذكى المغاربة قريحةً، وأحدهم ذهناً؛ بحيث اجترأ على شرح (البرهان) لإمام الحرمين، وهو لغز الأمة، الذي لا يحوم نحو

стр. 198

¬حماه، ولا يدندن حول مغزاه إلا غواصٌ على المعاني ثاقب الذهن مبرز في العلم" (١). كما أكد ذلك السبكي في عبارة أخرى، فقال: " لم يُرَ أجلّ، ولا أفْحل في علم الأصول من البرهان " (٢). ثم إن البرهان قد حفظ لنا الآراء الأصولية لجماعة من الأئمة الأعلام ضاعت كتبهم، فيما ضاع من تراث أمتنا ومجدها، فمن ذلك مثلاً: أنه يعرض لآراء القاضي أبي بكر الباقلاني في كل مسألة تقريباً، ولا شك أن هذه الآراء كانت مدونة في كتبه (الأصول الكببر)، و (الأصول الصغير)، و (المقنع)، وغيرها، ولم يصلنا للآن أي من هذه الكتب. كما ورد ذكرٌ في البرهان لآراء (ابن فورك) في (مجموعاته) وللأشعري في كتاب (أجوبة المسائل البصرية) وللقاضي عبد الجبار في (العمد) وفي (شرح العمد)، ولابن الجبائي في كتاب (الأبواب)، وهي كتب لم تصلنا للآن، بل ربما لم نعرف نسبة بعضها إلى أصحابها. وغير هؤلاء كثيرون ذكرهم الإمام، مثل: الدقاق، والصيرفي، وداود، وابنه، والحليمي، والحارث بن أسد المحاسبي، والصيدلاني، و ... هذا ولم يكن (البرهان) هو كتابه الأصولي الوحيد، فله أيضاً: - التلخيص: وهو تلخيص لكتاب الباقلاني (الإرشاد والتقريب). - الورقات: وهو خلاصة موجزة لعلم أصول الفقه، وقد طوّف هذا الكتاب ما طوّف، فشرق وغرب، وحظي بكثير من الشروح، والحواشي، والتعليقات، والنظم، فكان محور التدريس والتحصيل لعلم أصول الفقه زماناً طويلاً. - التحفة في أصول الفقه، وهي من كتب الإمام المفقودة.

стр. 199

¬٣ - علم الخلاف والجدل: يعتبر علم الخلاف والجدل قمة الإحاطة بالفقه والأصول، ودليل الإمامة والتمكن من العلم. فهو في تعريف حاجي خليفة: " علم يعرف به كيفية إيراد الحج الشرعية، ودفع الشبه، وقوادح الأدلّة الخلافية، بإيراد البراهين القطعية، وهو الجدل الذي هو قسم من المنطق، إلا أنه خُصّ بالمقاصد الدينية " (١). ويقول ابن خلدون: " ولا بدّ لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد، إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط، وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته " (٢). وربما كان أوضح دلالة على منزلة علم الخلاف، ما قاله الإمام الشاطبي، واستدلّ عليه بطائفة صالحة من أقوال السلف، قال: " جعل الناسُ العلمَ معرفةَ الاختلاف، قال قتادة: من لم يعرف الاختلاف، لم يشَمّ أنفُه الفقه، وعن هشام بن عبيد الله الرازي: من لم يعرف اختلاف القراء، فليس بقارىء، ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء، فليس بفقيه، وعن عطاء: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالماً باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك، ردّ من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه ... إلى آخر الفصل " (٣). وقد برع إمامنا في هذا العلم، وضرب فيه بسهم وافر، فقد عُني بجانبيه: وسائله، ومسائله. فألف في وسائل علم الخلاف كتابه القيم. (الكافية في الجدل) ويقع في مجلد ضخم، ويعتبر من أهم الكتب في هذا الباب (٤).

стр. 200

¬وألف كذلك في مسائل علم الخلاف، فله في هذا الجانب المؤلفات الآتية: ١ - الأساليب في الخلافيات: ذكره الإمام وأحال عليه في عشرات المواضع من كتبه، وذكر حاجي خليفة أنه يقع في مجلدين (١). ٢ - العُمَد: وهو من كتبه بالقطع، فقد ذكره في البرهان بصورة قاطعة، لا تدع مجالاً للشك في اسم الكتاب وموضوعه، حيث قال: " وقد أجرينا في (الأساليب) و (العمد) مسائل، ومعتمد المذهب فيها الأخبار ". (فقرة: ٤٨). كما ذكره أيضاً في خاتمة الدّرة المضية، عندما قال: " إنها جاءت إيفاءً بمسائل لم تكن جرت في (العمد) و (الأساليب) "، والدّرة المضية في الخلاف قطعاً، فهي بين أيدينا، فحيثما كانت تكملة وتوفية (للعمد) و (الأساليب)، فالعمد إذاً في الخلاف. ٣ - الغنية: واسمه الكامل (غنية المسترشدين)، ذكره كثير ممن ترجموا للإمام كالسبكي والذهبي، ولكن الذي يدل دلالة قاطعة لا تقبل الشك، هو ما ذكره تقي الدين السبكي في أول تكملته للمجموع: ١٠/ ٧، حيث عده من كتب الأصحاب في الخلاف التي بين يديه، ويرجع إليها، ويستمد منها تكملته للمجموع. ولكن الأكثر وضوحاً، هو ما قاله في (نهاية المطلب) تعقيباً على إحدى المسائل: " وتوجيه القولين قد استقصيناه في (الأساليب) و (الغنية) " ا. هـ. قلت: وهذه الكتب الثلاثة: على أهميتها - لما نعثر عليها للآن. ٤ - الدّرة المضية فيما وقع فيه الخلاف بين الشافعية والحنفية (٢): وهو الكتاب الوحيد الذي وصلنا من أصل أربعة كتب ألفها الإمام في الخلاف، ومع أنها نسخة وحيدة إلا أنها عالية الجودة، على نقصٍ في بعض الكلمات، وتآكل في بعض الحروف، وانمحاء في بعضٍ آخر، ولكن كل ذلك -على خطورته- يمكن تداركه، بمزيد من المعاناة والصبر والدأب، وتكرار القراءة، والاستعانة بما كتب

стр. 201

¬الإمام عن المسألة في النهاية، وبما جاء في كتب الخلاف المتاحة، ومن قبل ذلك ومن بعده توفيق الله سبحانه، الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً. ٤ - علم السياسة الشرعية: كان إمام الحرمين مثل كل أئمتنا، يعيش واقعه، ولا ينفصل عنه، يظهر ذلك في علاجه لمسائل الفقه المختلفة، إن في العبادات، أو في المعاملات، وسواء في الأنكحة أو الجنايات، وليس كما قال بعض الباحثين (١): " إن المؤسسة العلمية انفصلت مبكراً عن المؤسسة السياسية، فمنذ فجر تاريخنا - بعد العصر الراشدي، بل من يوم مقتل عثمان ﵁ أخذت المؤسسة العلمية في الانفصال عن المؤسسة السياسية، أو تمت العزلة بين الزعامة السياسية، والزعامة الفكرية، وعزلت الزعامة الإسلامية الملتزمة " هكذا قال بنص حروفه. وأقول: إن هذا الكلام باطل ببديهة العقل، وباطل بحقائق التاريخ، باطل ببديهة العقل، فليس يصح في العقل السليم أن أمة هذا حالها (عَزلٌ للزعامة الفكرية وإقصاء لها) تنتج، وتصنع كلَّ هذه الحضارة التي ارتادت للبشرية طريق الحق والعدل والسلام والأمن والإيمان، والإخاء والمساواة، ودانت لها الدنيا أكثر من ألف عام. وباطلٌ بحقائق التاريخ الذي يثبت أن كثيراً من (زعماء السياسة أنفسهم) مَنْ جمع بين الزعامة السياسية والفكرية، مثل عبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، وأبو جعفر المنصور، وهارون الرشيد، والمأمون، وغير هؤلاء ممن لا نعلمهم. وباطل أيضا بحقائق التاريخ التي تثبت أن أئمتنا (زعماء الفكر) لم يعتزلوا ولم يُعزلوا أبداً على طول التاريخ، فأبو جعفر المنصور يطلب من الإمام مالك أن يضع له (الموطأ) وهارون الرشيد يطلب من أبي يوسف أن يضع له الخراج، والإمام

стр. 202

¬أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي، نراه في طليعة جيش الإسلام في موقعة (ملاذ كرد) التي استؤصلت فيها جموع الروم، وأخذ إمبراطورهم أسيراً، تلك المعركة التي كان لها ما بعدها في التاريخ، وأخبارها للأسف مجهلة لعامة مثقفينا وعلمائنا (١). والشيخ أبو إسحاق الشيرازي كان في قلب السياسة، يوم أصلح بين الخليفة العباسي في بغداد، والسلطان ملكشاه في (الرّي). والإمام أبو الوليد الباجي هو الذي جيش جيوس المسلمين في معركة (الزلاقة) التي أعادت هيبة المسلمين في الأندلس، ولعدة مئات من السنين. والإمام أسد بن الفرات يقود الجيوش في البر والبحر، ويموت شهيداً وهو من أعمدة الفقه المالكي، صاحب (الأسدية) من أمهات كتب المذهب. وشيخ الإسلام ابن تيمية في قلب السياسة، والسجن، ويجَيِّش الجيوش لحرب التتار. وسلطان العلماء العز بن عبد السلام صانع النصر في معركة عين جالوت. وشيخ الإسلام محمد سعد الدين بن حسن المتوفى سنة ١٠٠٨ هـ الذي كان بمعية السلطان محمد الثالث في حرب هنغاريا، فلما هم السلطان بالتراجع تحت وطأة الهجوم الصليبي، أخذ شيخُ الإسلام بزمام حصان السلطان، ووجهه ناحية العدو، وصاح زاجراً للسلطان: " إنما نعيش لمثل هذا اليوم!! نموت شهداء، ولا نرى انكسار جيش الإسلام " فكان النصر. وعلماء الأزهر الذين كانوا يناقشون فرمانات السلطان، ويردّونها إذا خالفت الشرع (أي يناقشون دستورية القوانين) والذين انتزعوا وثيقة بحقوق الشعب مكتوبة موقعة من الأمراء المماليك قبل الحملة الفرنسية بسنوات (١٧٩٤ م).

стр. 203

¬هذه نماذج عفو الخاطر، وبادي الرأي، ولكنها كافية ناطقة بتكذيب هذه المقولة التي تزعم (العزلة بين القيادة السياسية والقيادية الفكرية). إن العزل ولا أقول العزلة أو الإنعزال لم يكن إلا في القرنين الماضيين: القرن التاسع عشر والعشرين الميلاديين. وهما فيما يزعمون عصر النهضة، لم يعزل العلماء والأئمة عن قيادة الأمة إلا في هذين القرنين، حين بدأ التغريب في الفكر والثقافة والقوانين ... ولذلك حديث يطول. ولكني أحببت أن أقول: إن انشغال إمام الحرمين بالسياسة الشرعية فكراً وتنظيراً، ثم ممارسة وعملاً إنما هو شأن كل أئمة الإسلام. نجد هذا في ثنايا كتبهم، وفي طيات أقوالهم، وبين فتاويهم وخلال قضاياهم وأحكامهم. كما نجده فيما أفرده طائفة كبيرة منهم من بحوث وكتب مستقلة في السياسة، لم تظفر بعدُ هذه الكتب بمن يعتني بها تحقيقاً وتعليقاً، وطبعاً ونشراً. وكان من هذه الكتب كتاب إمام الحرمين: (غياث الأمم في التياث الظلم) المشهور بالغياثي وهو من أجلّ كتب الفكر السياسي الإسلامي، ولم يعرف وينشر إلا من نحو عشرين عاماً، وقدّر الله لنا شرفَ القيام بهذا العمل. لقد عرف الدارسون والباحثون كتاب (الأحكام السلطانية) للماوردي وشغلوا به منذ قرنٍ تقريباً. والسبب في ذلك هو انشغال المستشرقين به، حيث نشروه وترجموه، وكأننا لا نعرف قيمة علمائنا ولا نعترف بهم إلا إذا نوّه بهم المستشرقون!!، على حين يرى إمام الحرمين - في نقده للأحكام السلطانية .. أنه ليس خالصاً للسياسة الشرعية. وما زال المجال واسعاً أمام دراسة (الغياثي) والمقارنة بينه وبين (الأحكام السلطانية). ولعلّ أحسن وأصدق تقييم لكتاب (الغياثي) ما كتبه العلامة المحقق المرحوم السيد أحمد صقر إذ قال: " يعتبر هذا الكتاب من أجلّ كتب إمام الحرمين قدراً من حيث الموضوع وطريقة العرض، ودقة الأداء، وهو كتاب فريد في بابه، لم

стр. 204

¬ينسج ناسج على منواله، ولم يخض خائض في تياره، قد تنوّق مؤلفه في رصفه، واتخذ الرمز والإشارة سبيلاً إلى التعبير عن مضمونه الخطير، واتخذ أبحاثه العلمية ذريعة إلى عرضه الأصيل من الكتاب ... ثم تفضيل مؤلِّفه على علماء عصره، وأنه يفوقهم بالبحث العميق، والاستنتاج الدقيق، وفهم أسرار الشريعة على نحو لم يسبقه إليه سابق". ثم قال: " وكتاب الغياثي هو الكتاب الذي فيه لُمَع وإشارات وتلويحات تكشف عن أخلاق كاتبه، وهو في أمسّ الحاجة إلى دراسة واعية متأنية، تضاف إلى الدراسة الجيدة التي كتبها عنه محققه " ا. هـ. وأقول: إن هذا الكتاب يحوي نظريات ومبادىء سياسية تشمل سياسة الدولة بجوانبها المختلفة: الرئاسة، والوزارة، والأمن، والثقافة، والجيش، والضرائب ... إلخ. وكل ذلك في حاجة إلى دراسة فاحصة متأنية من أهل الاختصاص في كل جانب من هذه الجوانب تستخرج مكنونه وتدرك سرّه، لنعرف قدره ومكانه في الفكر السياسي الإسلامي. ثم يشهد لعناية الإمام بهذا الجانب، واهتمامه به، وقصده إليه، أنه كان يأخذ على الفقهاء عدم اعتنائهم به، فقد جاء في كتابه (نهاية المطلب) قوله " ... والشريعة بحاجة إلى أحكام الإيالات، وليس للفقهاء اعتناءٌ بها " (١١/ ٣٧٨) وأحكام الإيالات هي أحكام السياسة الشرعية كما هو معروف. ٥ - علم الكلام: هذا هو العلم الذي اشتهر به إمام الحرمين وعرف به أكثر من غيره من علومه، وحظي هذا الجانب بأكبر عناية، فنشرت كتبه في هذا الفن، واعتني بها مبكراً، قبل أن ينشر له كتاب آخر -حاشا الورقات في أصول الفقه- نشر الإرشاد في سنة ١٩٣٨ م نشره (لوسيان) في باريس، ثم نشر في القاهرة سنة ١٩٨٤ م، نشره الدكتور محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد، ثم علق عليه هلموت كلوبفر - القاهرة ١٩٥٥ م.

стр. 205

¬ثم نشُرت العقيدة النظامية، نشرها العلامة محمد زاهد الكوثري سنة ١٩٤٨ م، ثم أعيد نشرها سنة ١٩٧٨ م. ثم نشُر الشامل سنة ١٩٥٩ م في أنقره، نشره هلموت كلوبفر، ثم أعيد نشره سنة ١٩٦٩ م نشره علي سامي النشار وآخرون. ثم نشر لمع الأدلة وشفاء الغليل فيما وقع في التوراة والإنجيل من التحريف والتبديل سنة ١٩٦٨ م نشرهما معاً في غلافٍ واحد الأب آلار ميشال بدار المشرق ببيروت. ونشرت الدكتورة فوقية حسين محمود لمع الأدلة سنة ١٩٦٥ م بالقاهرة وأعيد نشر الشفاء أيضاً سنة ١٩٧٩ م. هكذا رأينا العناية مصروفة كلها إلى كتبه الكلامية نشراً وتحقيقاً، ولم ير شيء من كتبه الأصولية والفقهية النورَ إلا منذ سنة ١٩٨٠ م، حيث خرج (البرهان في أصول الفقه) ثم خرج (الغياثي) و (التلخيص) و (المجتهدين) حتى وإن حُقَِّقت بعض هذه الكتب قبل ذلك مثل البرهان الذي انتهينا من تحقيقه سنة ١٩٧٥ م، والغياثي الذي انتهينا منه سنة ١٩٧٦ م، فلم تتيسر الطباعة والنشر إلا بعد هاتيك السنين. وإذا كان هذا في جانب العناية بالكتب وتحقيقها، فقد كان كذلك في جانب الدراسات، والندوات، والمحاضرات، ففي نحو سنة ١٩٤٦ م قدم الشيخ علي جبر أطروحته للدكتوراة بعنوان: (إمام الحرمين باني المدرسة الأشعرية الحديثة) إلى كلية أصول الدين بجامعة الأزهر. وفي سنة ١٩٦٥ م نشرت الدكتورة فوقية حسين محمود بحثاً بعنوان (الجويني إمام الحرمين) كان عمدته وخلاصته التعريف بمنزلة الإمام في علم الكلام، وما تميز به وجدد فيه. وكذلك كانت الدراسات في مقدمة كتبه الكلامية تنحو هذا المنحى، سواء ما كتبه الدكتور محمد يوسف موسى، أو الدكتور علي سامي النشار، أو المستشرق هلموت كلويفر، أو الأب ميشال آلار، أو غيرهم. ثم قُدمت أطروحة بعنوان (منهج إمام الحرمين في دراسة العقيدة) إلى كلية الدعوة

стр. 206

¬وأصول الدين بجامعة أم القرى للدكتور أحمد بن عبد اللطيف. هذا هو مكانه في علم الكلام، وهذه هي مؤلفاته في هذا العلم -مع أنه لم يكن علمه الأول، كما أشرنا من قبل- وقد ذكر السبكي " أن المغاربة - حصل لهم بعض التحامل على الإمام، مع اعترافهم بعلوّ قدره، واقتصارهم -لا سيما في علم الكلام- على كتبه، ونهيهم عن كتب غيره " (١). هكذا اندفع إمام الحرمين يخوض تيار علم الكلام، مدافعاً عن دين الله ذاباً عن عقائد أهل السنة، يقمع أهل الزيغ والضلال والتعطيل، والتجبسيم والتمثيل. موقف إمام الحرمين من علم الكلام: إن المتتبع لآراء أئمة علم الكلام، كالأشعري، والجويني، والغزالي، والفخر الرازي وغيرهم، يجد أنه مع انشغالهم بعلم الكلام، وركوبهم سفائنه، وجدّهم واجتهادهم فيه، وتشقيقهم وتفصيلهم لقضاياه ومسائله، وتركهم المؤلفات المتعددة، التي تقرأ وتدرس للآن، يجدهم مع ذلك ينهَوْن عن علم الكلام، ويعلنون كراهيتهم للاشتغال به، ويدعون إلى منهج السلف في العقيدة يدعون إلى ذلك صراحة، لا رمزاً. عرف هذا عن هؤلاء الأعلام، وكان التفسير الذي شاع لدى الدارسين والباحثين أن هذا تطورٌ في الرأي والفكر، فهم قد عادوا عن علم الكلام، ورجعوا عن منهجه، ونهَوْا عن التعلق به، وأكثروا الزراية عليه. وكان هذا آخرَ ما استقر عليه رأيهم، هذا هو التفسير السائد المعروف لدى الباحثين والدارسين والعلماء المعاصرين. ولكن يلوح لي أن المسألة ليست قضية تطور أو رجوع، وإنما دخل هؤلاء الأئمة ميدان علم الكلام، وهم على كره لذلك الأمر، فكانوا يخوضون فيه مضطرين، من أجل المنافحة عن دين الله ضد هؤلاء الذين لا يعرفون إلا هذه المناهج، وهذه القضايا التي أخذوها عن اليونان، فرأى هؤلاء الأئمة أن يُحسنوا هذه الطرائق،

стр. 207

¬ويتعلموا هذه الأساليب، ليعرفوا كيف ينقضونها على رؤوس أصحابها، وليدفعوهم بنفس أسلحتهم، ويهدموا بناءهم بنفس طرائقهم. فالأئمة -أو على الأقل إمام الحرمين فيما أقدِّر- كانوا دائماً على ذكر ووعي بأساليب القرآن، يدعون إليها ويرغبون فيها، ولكنهم في الوقت نفسه درسوا أساليب اليونان (علم الكلام) وتمرسوا بها، ليدفعوا بها شبه المبطلين. والدليل على ذلك أن إمام الحرمين مبكراً في صدر حياته، نجد له لمعاً وإشارات، تسخر من علم الكلام والمتكلمين، في الوقت الذي كان مشتغلاً به أشد الاشتغال. وقد أشرت من قبل إلى سخريته من المتكلمين وكراهيته لعلم الكلام في خطبة كتابه (الغياثي) وفي كتابه (البرهان). والعقيدة النظامية التي قيل إنه رجع فيها إلى مذهب السلف متقدمة قطعاً عن الغياثي، وعن البرهان، فقد ذكر (النظامي) في خطبة الغياثي مصرحاً أن الغياثي جاء وفاءً بوعدٍ قطعه في (النظامي)، ثم هو ذكر الغياثي في البرهان. فإذا كان النظامي -ومنه أخذت العقيدة النظامية- قد أهدي إلى نظام الملك، ذلك الوزير العالم ناصر السنة، الذي تولى الوزارة سنة ٤٥٥ هـ، فمعنى ذلك أن إمام الحرمين قال ما قاله في العقيدة النظامية من دعوة صريحة إلى مذهب السلف قبل نحو ٤٦٠ هـ أي قبل وفاة إمام الحرمين بنحو ثمانية عشر عاماً. فإذا عرفنا أنه توفي ﵁ عن تسع وخمسين سنة، وأنه لم يعرف له مؤلف قبل وفاة والده سنة ٤٣٨ هـ، حين أُقعد للتدريس مكانه، وعُد ذلك من نوادر النبوغ المبكر، إذاً تقع العقيدة النظامية في منتصف عمره العلمي - إن صح هذا التعبير، وليس في أواخر أيامه. وقد يفصل في هذه القضية ويقطع كل شغب ما جاء في كتابنا هذا وهو من أواخر تآليفه حيث يوضح بما لا يدع مجالاً للتأويل نظرته إلى علم الكلام وأنه علم ضروري لقمع المبتدعة، ولو عاد الناس لصفو العقيدة ما كان لنا به حاجة، وهذا نصّ عبارته:

стр. 208

¬" ولو قيل: العلم المترجم بالكلام هل يُستلحق بفرائض الكفايات؟ قلنا: لو بقي الناس على ما كانوا عليه في صفوة الإسلام، لكنا نقول: لا يجب التشاغل بالكلام، وقد كنا ننتهي إلى النهي عن الاشتغال به، والآن قد ثارت الآراء، واضطربت الأهواء، ولا سبيل إلى ترك البدع، فلا ينتظم الإعراض عن الناس يتهالكون على الردى، فحق على طلبة العلم أن يُعِدّوا عتاد الدعوة إلى المسلك الحق والذريعة التامة إلى حل الشُّبه، ولما مسّت الحاجة إلى إثبات الحشر والنشر على المنكرين، وإلى الرد على عبدة الأصنام، [صار من فروض الكفايات الاحتواء] على صيغ الحجاج، وإبداء منهاجه. ولا شك أن هذه الآراء الفاسدة لو بُلي الناس بها، لأقام الشرع حجاج الحق من منابعها. فإذاً علم التوحيد من أهم ما يطلب في زماننا هذا، وإن استمكن الإنسان من ردّ الخلق إلى ما كانوا عليه أولاً، فهو المطلوب وهيهات، فهو أبعد من رجوع اللبن إلى الضرع في مستقر العادة " (نهاية المطلب: ١٧/ ٤١٧). وأتمنى أن يَنْهد أحد الباحثين لهذه المهمة، فيقرأ مؤلفات الإمام كلها قراءة متأنية ويحصي كل إشاراته إلى علم الكلام ونظرته إليه، كما يحصي كل إشاراته إلى منهج السلف ودعوته إليه، وأكاد أجزم بصحة قولي هذا: " لم يكن هناك ندم ولا رجوع، وإنما كان علم الكلام هو الأسنة التي لم يكن للمضطر حيلة إلا ركوبها ". والله أعلم ... ... ٦ - علم الحديث. ٧ - علم اللغة والنحو. ٨ - علوم الأدب والبلاغة. ٩ - علم الحساب والجبر والمقابلة. هذه من العلوم التي ضرب فيها إمام الحرمين بحظ وافر، عرفنا ذلك من ترجمته والفنون التي حذقها، وشيوخه في كلٍّ منها، كما رأينا أثرها في مصنفاته ومؤلفاته.

стр. 209

¬وإنما لم نفرد كلاً منها بحديثٍ لأمرين: أ- أنه لم يصنف فيها مؤلفات وكتباً. ب- إيثاراً للإيجاز والاختصار. ولكن الذي نريد أن نعود إليه ونبسط القول فيه هو علمه بالحديث، فقد ظُلم في هذا الجانب ظلماً بيناً (١)، وقيل عنه: " إنه لا يُعتمد عليه في هذا الشأن " (٢) وقيل عنه: " إنه كان لا يدري الحديث لا متناً ولا إسناداً كما يليق به " (٣) وقيل عنه: " ... كان قليل المعرفة بالآثار النبوية، ولعله لم يطالع الموطأ بحال، حتى يعلم ما فيه، فإنه لم يكن له علم بالصحيحين: البخاري، ومسلم، ولا سنن أبي داود، والنسائي، والترمذي، لم يكن له بهذه السنن علمٌ أصلاً، فكيف بالموطأ ونحوه ... وإنما كان عمدته سنن أبي الحسن الدارقطني " (٤) ... ، وقيل عنه: " إنه عديم المراجعة لكتب الحديث المشهورة، فضلاً عن غيرها " (٥). هذا فيض من غيض قيل في هذا الصدد. ولقد تتبعت كثيراً، من هذه العبارات، وعايشت المؤلفات التي وردت فيها طويلاً، حتى أحسست روحَها، وشممت أنفاسَها، وسمعت حسّها وجرسَها، مثلما وزنتُ هذه الأقوال وراجعت دليلها وحجتها، فتأكد لي أن مصدر هذا أمران: أحدهما: أن بعض القائلين ينقل عن بعض، حتى يفشو الكلام، ويصبح بالتكرار والاستفاضة من المسلمات والبديهيات التي لا تحتاج إلى دليل. الثاني: أن بعضاً آخر من أصحاب هذه الأقوال عنده نوع تحامل على إمام الحرمين، يبعث على ذلك التحامل اختلافٌ في المذهب، والمنهج، وبخاصة في المذهب الكلامي.

стр. 210

¬وقد تجمع لي قدرٌ صالح من الأدلة القاطعة التي تنفي هذا الكلام، وترد هذا الاتهام، وتثبت علم الإمام بالحديث رواية ودراية، وإن كنا لا نطمع أن نثبت أنه من الحفاظ المحدّثين، ولا هو ادعى لنفسه ذلك، ﵁. وحين يتم هذا البحث -إن شاء الله- بالمنهج العلمي السليم والأدلة الموثقة، سنرى أن هذه المسلمة -عدم علم إمام الحرمين بالحديث- مثل كثير من المسلمات في حياتنا الفكرية والثقافية في حاجة إلى مراجعة علمية، تقوم على دراسة نصوص أئمتنا وقراءتها، واستخراج الأحكام عليهم من واقع أعمالهم، لا من قول بعضهم في بعض. ونسأل الله أن يعيننا على إخراج هذا البحث قريباً. ... ثانياً: كتبه آثاره: لم تقف جهود الإمام في سبيل الدفاع عن الدين والسنة عند مناظراته ودروسه، ومواعظه وخطبه، بل خلّف مصنفات كثيرة في معارف متنوعة: شملت الكلام، وأصول الفقه، والخلاف، والجدل، والفقه، والتفسير، والخطب والمواعظ. وقد بلغت هذه المؤلفات من التنوع والكثرة حداً جعل السبكي (١) يستدل بها على وجود الكرامات، حُسبت أعداد الأوراق التي احتوت عليها كتبه ومؤلفاته، وقسمت على أيام عمره وساعاته، مع ما كان يلقيه من الدروس، ويحضره من مجالس التذكير، فوجد أن عمره لا يفي بذلك!! وقد بلغ عدد ما تحققنا من نسبته إليه أكثر من أربعين عنواناً، ومنها ما هو موجود ومنها ما هو مفقود، وقد أفردنا لذلك فصلاً في كتابنا (إمام الحرمين: حياته وعصره-آثاره وفكره) كما أشرنا إلى كثير منها أثناء حديثنا عن علومه، ونكتفي الآن بسرد أشهرها سرداً مجرداً، فمنها: * في علوم أصول الفقه: التلخيص، والبرهان، والتحفة، والورقات.

стр. 211

¬* في علم الفقه: نهاية المطلب في دراية المذهب، ومختصر النهاية، والرسالة النظامية في الأركان الإسلامية. * في علم الخلاف والجدل: الأساليب، والغنية، غنية المسترشدين (١)، والعُمد، والدرة المضية فيما وقع فيه الخلاف بين الشافعية والحنفية، والكافية في الجدل. * في السياسة الشرعية: الغياثي (غياث الأمم في التياث الظلم). * في علم الكلام: الشامل، والإرشاد، واللمع، وشفاء الغليل، والعقيدة النظامية، وقصيدة على غرار قصيدة ابن سينا في النفس، لم يذكرها أحد ممّن ترجموا له، ولكنها وقعت لنا في غير مظانها، أثناء بحثنا عن مؤلفات الإمام في مكتبات العالم، وله أيضاً مسائل الإمام عبد الحق الصقلي وأجوبتها (٢). * وله كتاب (في التكفير والتبرؤ) هكذا قال: " لنا مجموع في التكفير والتبرؤ فليتأمله طالبه " (٣) ولكن لم نعرف عنوانه. ولا موضوعه، وإن كان بعلم الكلام أشبه. * كتاب في النفس: قال عنه في العقيدة النظامية (٤): " إنه يقع في نحو ألف ورقة " ولسنا ندري عنوانه ولا حقيقة موضوعه. * تفسير القرآن الكريم: ذكره السيوطي في مقدمة الإتقان: (١/ ٢١) (٥)،

стр. 212

¬وحاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٤٣) وطاش كبري زاده في مفتاح السعادة (٢/ ١١٠) ... ثالثاً: منهجه في مؤلفاته: من الطبيعي أن تتنوع المناهج بحسب موضوع كل مؤلف، ولكننا نستطيع أن نشير إلى سمات عامة نجدها في كل مؤلفاته، منها: ١ - الاقتصار على الجديد، وعدم الاكتفاء بحكاية كلام السابقين، وترداد مذاهبهم بدون إضافة أي جديد، أو استثمار ذلك في توليد معنى، أو ابتداع مبنى، فهو لا يدوّن في مصنفاته إلا الجديد الذي " لم يسبق إليه، ولم يزحم عليه " فإذا كان لا بد من حكاية أقوال السابقين، كان ذلك " في معرض التذرع إلى موضوعه، وفى إيجاز، وأحال كل شيء على محله وفنه ". ويصرح بذلك قائلاً: " ... ولو ذهبت أذكر المقالات، وأستقصمها، وأنسبها إلى قائليها وأعزيها (١)، لخفت خصلتين: إحداهما: خصلة أحاذرها في مصنفاتي وأتقيها، وتعافها نفسي الأبية وتحتويها، وهي سرد فصول من كلام المتقدمين مقول، وهذا عندي يتنزل منزلة الاختزال والانتحال، والتشبع بعلوم الأوائل، والإغارة على مصنفات الأفاضل" (الغياثي: فقرة ٢٤٢). فانظر أيّ نفورٍ من هذا: اختزال -انتحال- إغارة. ثم يرسم المنهج لمن يريد أن يؤلف، وهو يعني نفسَه، فيقول: " حق على كل من تتقاضاه قريحته تأليفاً، وجمعاً وترصيفاً، أن يجعل مضمون كتابه أمراً لا يلفى في مجموع، وغرضاً لا يصادف في تصنيف ". ٢ - تحديد الغرض والغاية التي يتغياها من كل مؤلّف، وبعبارة أخرى تحرير

стр. 213

¬المقصود وتخليصه مما يختلط به، جاء في مفتتح البرهان قوله: " حق على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلم أن يحيط، بالمقصود منه، وبالموادّ التي يستمد منها ذلك الفن، وبحقيقته وحدّه إن أمكنت عبارة سديدة على صناعة الحد، وإن عسر، فعليه أن يحاول الدرك بمسلك التقاسيم ". وهذا مجرد لمعة مما في مؤلفاته. ٣ - تحديد معاني الألفاظ والمصطلحات التي تستخدم في مخاوضاته ومناقشاته، وعرضه لآرائه، يظهر هذا واضحاً في مقدمات كتبه: مثل الإرشاد، ولمع الأدلة، والبرهان، والكافية. ٤ - عرض آراء المخالفين وأدلتهم كاملة بكل أمانة ووضوح، ثم مناقشتها ودفعها، وقد رأينا أثر هذا في تلميذه حجة الإسلام الغزالي، الذي قيل: إنه عرض آراء المتفلسفة قبل أن يبين (تهافتها) بأحسن مما عرضها بها أصحابها. ٥ - التحرر من كل فكرة سابقة قبل البحث، وعدم التعصب لمذهبٍ بعينه، اسمعه يقول: " وأنا الآن أنخل للناظر جميع مصادر المذاهب ليحيط بها، ويقضي العجب منها، ويتنبه لسبب اختلاف الآراء فيها، وبجعل جزاءنا منه دعوة بخير " (١). وأوضح من هذا قوله: " ... وحقنا أن نُحكِّم الأصول فيما نأتي ونذر، ولا نخرج بمسلك الحقائق ذباً عن مذهب " (٢). ٦ - الدقة في الترتيب والتقسيم والتبويب، حتى تجد المسائل يأخذ بعضها بحُجز بعض، ويترتبه بعضها على بعض في تسلسل منطقي بديع، يعمد إلى ذلك عمداً، وينبه إليه في ثنايا كتابه من آن لآخر، مثل قوله: " ونحن الآن نجدد العهد بترتيب يشمل على ما مضى من الكتاب، وعلى ما سيأتي منه، حتى يتجدد عهد الناظر بترتيب أبواب الكتاب، فإن معرفة الترتيب من أظهر الأعوان على درك مضمون العلوم القطعية " (٣)

стр. 214

¬هكذا. يجدد العهد بالترتيب، لأنه من أظهر الأعوان على درك مضمون الكتاب. وهذا الاهتمام بالترتيب والتبويب رأيناه أيضاً عند تلميذه حجة الإسلام الغزالي غايةً في الوضوح، والدقة، حتى تفوق فيه على شيخه. ٧ - التمييز بين المظنون والمقطوع، وبين ما يكفي فيه غلبة الظن، وما لا بد فيه من القطع، ويعلن أن منشأ الاختلاف في الرأي، وأن الزلل والخطأ في الفكر هو الخلط بين المقطوع والمظنون، ولذا نراه يقدم بين يدي كل قضية يعرضها، التمييزَ بين القطعيات والظنيات، فيقول عن " الخبط والتخليط والإفراط والتفريط " في قضايا الإمامة: " والسبب الظاهر في ذلك، أن معظم الخائضين في هذا الفن يبغون مسلك القطع في مجال الظن، ويمزجون عَقْدهم باتباع الهوى، ويمرحون في تعاليل النفوس والمنى ". ثم يقول: " ونحن بتوفيق الله نذكر معتبراً يتميز به موضع القطع من محل الظن " (١). ولا يفوته ﵁ أن يؤكد قيمة هذا الأساس من أسس المنهج؛ فيقول: " ومن وفقه الله تعالى للوقوف على هذه الأسطر، واتخذها في المعْوِصات مآبه ومثابه، لم يعتَصْ عليه مُعضل، ولم يخْف عليه مشكل، وسرد المقصود على موجب الصواب بأجمعه، ووضع كل معلوم ومظنون في موضعه وموقعه " (٢). ويقول في ختام أحد الفصول مؤكداً التزامه بهذا المنهج: " فقد نجز الفصل، مختوماً على التقدير بالمقطوع به في مقصوده، مثنى مما هو من فن المجتهدات، وقبيل المظنونات " (٣). ولا يملّ من تأكيد هذا المعنى، والالتزام بهذا المنهج، فيقول في مفتتح الفصل الذى ختمه بالعبارة السابقة: " فنجري على الترتيب المقدّم والملتزم، ونبدأ بالمقطوع به " (٤).

стр. 215

¬ولو ذهبنا نتتبع الإشارات والتأكيدات لضرورة الالتزام بهذا المنهج، لأعيانا الحصر والعد، وضاقت الأوراق، وكلّت الأقلام. ٨ - الإيجاز والميل إلى الاقتصاد في غير مقصود الكتاب: هذه السمة من سمات المنهج كالتي قبلها، لم نصل إليها بالملاحظة والاستقراء لمؤلفاته وآثاره فحسب، ولكنه يعلن عنها صراحة، ويؤكد التزامه بها بوضوح فيقول: " ... على أني آتي فيها بالعجائب والآيات، وأشير بالمرامز إلى منتهى الغايات، وأوثر الأيجاز والتقليل، مع تحصيل شفاء الغليل، واختيار الإيجاز على التطويل، بعد وضوح ما عليه التعويل " (١). ويقول عندما يقتضيه الموضوع البسطَ والإطالة: " وعلى المنتهي إلى هذا الموضع أن يقبل في هذه الإطالة عذري، ويحسِّن أمري " هكذا يعتذر إلى قارئه حينما شعر أنه خالف منهجه في التزام الإيجاز، فيمهد عذره قائلاً: " فقد انجرّ الكلام إلى غائلة، ومعاصة هائلة، لا يدركها أولو الآراء الفائلة، والوجه عندي قبض الكلام فيما لا يتعلق بالمقصود والمرام، وبسطه على أبلغ وجه في التمام فيما يتعلق بأحكام الإمام، وفيها الاتساق والانتظام " (٢). ويكرر هذا المعنى نفسَه قائلاً: " فالوجه البسط في مقصود الكتاب، وإيثار القبض فيما ليس من موضوعه، وإحالة الاستقصاء في كل شيء على محله وفنِّه " (٣). هكذا حينما تُعوص المشكلة، وتغمض المسألة، لا يتردّد في البسط والتفصيل، أما عندما يتضح المقصود والمعمود، فيجب قبض الكلام وإيثار الإيجاز. ٩ - تأصيل المسائل والقضايا: يعمل دائماً على تقديم أصل للمسألة ووضع ضابط لها، ثم يبدأ في مناقشات
следующие страницы →