← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

[المجزومة] (١) إلى أصلٍ يثير ظنّاً، فقد ذكر صاحب التقريب وجهين في المسألة: أحدهما - أنه إذا وافق صومُه رمضانَ، صح واعتدَّ به، لجزمه النيةَ. والثاني - لا يعتد به، كما لو ردّد النية. والتحقيق فيه أن الجزم غير ممكن مع التردّد، فإن صوّر مصورٌ جزماً، فذاك [إجراءُ] (٢) حديث نفس، وليست النية حديثاً، وإنما هي قصدٌ واقع، ولا يتصور تجرّده مع التردد في المقصود. ولو ثبت عنده أصلٌ يثير غلبة الظن، كشهادة عدلٍ [أو] (٣) صِبيةٍ ذوي رشد، فإذا نوى والحالة هذه أن يصوم غداً إن كان من رمضان، وإلا، فهو تطوع، فظاهر النص أنه إذا بان ذلك اليوم من الشهر، لم (٤) يعتد بصومه، لمكان التردد. وذكر طوائف من الأصحاب وجهاً آخر: أن الصوم يصح؛ لاستناده إلى أصل، وهذا لعمري موافقٌ لمذهب المزني. ولو كان معه أصل، وجزم النية، ثم بان أن اليوم من الشهر، فقد كان شيخي يقطع بالاعتداد، ويقول: إن اجتمع التردد، وانتفاء ما يعتمد [فلا اعتداد، وإن اجتمع ما يعتمد] (٥) مع جزم النية، اعتد بالصوم. وإن وجد الجزم، ولا مستند، أو جرى التردد مع ثبوت المستند (٦) فوجهان. وهذا وإن كان مهذباً، فالذي يقتضيه الفقه في ذلك أنه إن لم يكن أصلُ، لم يعتدّ بالصوم، ردَّدَ أو جزم. وإن كان أصلٌ، ففي الاعتداد بالصوم الخلاف، ردَّدَ، أو جزم؛ فإن الجزم غيرُ متصوّر، ومصوره يقيم حديث النفس قصداً، وليس الأمر كذلك.

стр. 1962

٢٣٠١ - والمطلوب وراء ذلك كله، فنقول: إن نوى المكلف ليلة الثلاثين من رمضان، أن يصوم غداً إن كان من رمضان، وإن كان عيداً أفطر، فكان من رمضان، صحّ الصوم وفاقاً، نصَّ عليه الشافعي، وقطع به الأصحاب، وبنَوْا ما ذكروه على الاستصحاب. ولا متعلق من هذه الجهة في أول الشهر؛ فإن المستصحبَ شهر شعبان، فإن لم يكن مع [انتفاء] (١) الاستصحاب متعلَّق، فلا اعتداد بالصوم على قياس المذهب، خلافاً للمزني. وإن كانت علامةٌ، فهل تقوم مقام الاستصحاب؟ فعلى وجهين، والعلامات في مجال النظر ومسائل الاجتهاد مقدمةٌ على الاستصحاب، غير أنها ضعيفة في هذا المقام، حتى كأنها مفقودة. فإن قيل: فشهادة العدل الواحد ظاهرةٌ في إثارة الظن، قلنا: ولكن لا متعلق فيها مع حكم الشرع بأنه لا يُعمل بها، والظنون في مسائل الاجتهاد [لها] (٢) متعلقات معمول بها إجماعاً، كخبر الواحد، والقياس الفقيه (٣)، ووجوه التشبيه، والظن في الاجتهاد لا يُغني بعينه (٤)، ما لم يثبت قاطع في العمل به. نعم المحبوس في المطامير (٥) إذا التبس عليه شهرُ رمضان، يتحرى جهده، فإذا صام ووافق صومُه شهرَ رمضان، اعتُدّ به وفاقاً، للضرورة الداعية إلى ذلك، فوجب العمل بموجب التحرّي، لمكان الضرورة. وليس على الإنسان في أول الشهر أن ينوي الصومَ، وإن ثبت مستندٌ. وقد ثبت في الشرع ظنُّ المحبوس معمولاً به لضرورته، فصار ظنه كالأقيسة في ازدحام الوقائع؛ فإنا نضطر إلى العمل، ولا متعلق غيرُ القياس. ٢٣٠٢ - ثم قال الأصحاب إذا سقطت العلامات، أو لم يثبت في الشرع [العمل] (٦)

стр. 1963

بها، فالاستصحاب قانونٌ في الشريعة، كما ذكرناه في آخر الشهر، وله أمثلة نذكر ما يحضرنا منها: فمن استيقن الحدث، وشك في الطهارة بعده، فتطهر على هذا التردد، ثم بان له أنه ما كان تطهر، صح وضوؤُه، بناء على استصحاب الحدث، ولو استيقن الطهرَ وشك في الحدث، فتطهر على التردد، فبان أنه كان محدثاً، لم يصح وضوؤُه؛ بناء على استصحاب الطهر. وقياس مذهب المزني الصحة. ومن أخرج زكاة ماله الغائب، وهو على التردد في بقائه، ثم بان بقاؤه أجزأه المخرَج. ومن أخرج زكاة مال أبيه على تقدير موته، ثم بان موتُه، كما قدّر، لم يعتد بما أخرجه بناءً على بقاء الأب. فهذا وجه ربط النية بالاستصحاب نفياً وإثباتاً. قال الأصحاب: لو نوى أن يصوم غداً من شهر رمضان، أو تطوعاً، لم [تصح] (١) نيتُه من غير تنويعٍ، وتقدير حالٍ بدل حال، ففسدت النية. وليس كما إذا نوى أن يصوم غداً عن رمضان إن كان منه، أو تطوعاً إن لم يكن. والعجب اشتغال المصنفين بأمثال هذه الترهات مع الذهول عن مقصود الكلام. فصل قال: " وإن وطئ امرأته، فأولج عامداً، فعليه القضاء والكفارة ... الفصل " (٢). ٢٣٠٣ - من أفطر عامداً في نهار رمضان، بجماع تام، لا شبهة [فيه] (٣)، التزم الكفارةَ العظمى، على ما سنصفها. فنستقصي في صدر هذا الفصل ما يوجب الكفارة العظمى، ثم نصفها، وننظر ما يقتضيه الترتيب بعدهما.

стр. 1964

فموجِب الكفارة الجماعُ [التام] (١) وهو تغييب الحشفة في الفرج، والمذهب أن الكفارة تثبت بالإيلاج في أي فرج كان، فلو أتى امرأةًُ، أو تلوّط، أو أتى بهيمةً، التزم الكفارة. وذهب بعضُ أصحابنا فيما ذكره بعض المصنفين، وصاحب التقريب إلى إتباع الكفارة الحدَّ، فكل وطء يتعلق الحد بجنسه، تتعلق الكفارة به، وكل وطءٍ اختلف القول في تعلق الحد به، كإتيان البهيمة، ففي وجوب الكفارة به ذلك الخلاف. وهذا رديء مزيف، ولا خلاف في حصول الفطر بإيلاج الحشفة في أي فرج قُدّر. ثم لا تجب الكفارة العظمى بجهةٍ من جهات الفطر خلا الوطءَ، وعلّق مالك وجوب الكفارة بكل فطرٍ يأثم المفطر به (٢). ولأبي حنيفة تفصيل (٣) متناقض، ليس من شرطنا ذكرُه. ٢٣٠٤ - وإذا بان المذهب في الجنس الموجب للكفارة، فالكلام بعد ذلك في الحال المعتبر، فالعامد الذي لا عذر به، هو الملتزم للكفارة، فأما من وطئ ناسياً للصوم، فظاهر ما نقله المزني أنه لا يفطر، كما لو أكل ناسياً. وذهب بعض أصحابنا إلى تخريج جماع الناسي على قولين: أحدهما - أنه يتضمن الفطر، والثاني - لا يتضمنه. وأخذ هؤلاء القولين من اختلاف قول الشافعي في المحرم إذا جامع ناسياً. وهذا غير مرضي؛ فإن محظورات الحج تنقسم إلى استمتاعٍ واستهلاكٍ، فالاستمتاع كالطيب ولُبس المخيط، يفصل فيه بين الناسي والعامد، على الأصح، والجماع متردد في نص الشافعي بين الاستمتاع والاستهلاك، ولا انقسام في محظورات

стр. 1965

الصوم، فالوجه إجراؤهما على قضيةٍ واحدة في حكم النسيان. فإن حكمنا بأن المجامع ناسياً لا يفطر، فلا كلام. وإن حكمنا بأنه يُفطر، ففي وجوب الكفارة وجهان في بعض التصانيف. فإذا أوجبنا الكفارة على الناسي حيث انتهى الترتيب إليه، توجه إيجاب الكفارة على من يخالط امرأته ظاناً أنه في بقية من الليل، ثم تبين له مصادفة الوقاع النهارَ، فالمذهب حصول الفطر ثمَّ. والأصح أن الناسي لا يفطر بالوطء، ثم إذا ألزمنا الناسيَ الكفارةَ عند الحكم بإفطاره، فتلك الصورة بالكفارة أولى. وهذا لم أقله احتمالاً، بل ذهب إليه طوائف من أصحابنا، فيما عثرت عليه. ٢٣٠٥ - ومما يتعلق بهذا الفصل القولُ في أن المرأة إذا طاوعت، ومكنت، فلا شك أنها تُفطر، وفي وجوب الكفارة عليها ما نُبيّنه. ظاهر النصوص للشافعي أن الزوج يختص بالتزام الكفارة، وقال أبو حنيفة: تلزمها الكفارة، كما تلزمه (١)، ولا تداخل، بل كل واحد يختص بالتزام الكفارة، وهذا قولٌ للشافعي، نص عليه في الإملاء، والقولان يوجّهان في الخلاف. فإن أوجبنا على كل واحد منهما كفارة، من غير تداخل، ولا تحمّل، فلا كلام. وإن أوجبنا الكفارة عليه دونها، ففي تنزيل القول في ذلك مسلكان مأخوذان من نصوص الشافعي. وإن أوجبنا، فَلَنا قولان: أحدهما - أن الوجوب لا يلاقيها، وليس ما يصدر منها من موجبات الكفارة أصلاً. والقول الثاني - أن الوجوب يلقاها، والزوج يتحمل عنها، ثم نقدِّر اجتماع كفارتين في حقه، ونقضي بالتداخل، قضاءنا [به] (٢) في الحدود. وهذا بعيد عن القياس، وإن كان ظاهرَ المذهب. ومعتمد الشافعي حديثُ الأعرابي، وسنذكره

стр. 1966

لغرضٍ فقهي فيه، على أثر هذه الفصول. ٢٣٠٦ - ثم يتفرع على ما ذكرنا فروعٌ بها تتبين حقيقةُ القولين. فإن قلنا: لا يلقاها الوجوب قط، فلا إشكال، وإن أثبتنا ملاقاةَ الوجوب، وحكمنا بالتحمل، فلو زنى بامرأة، لزمتها الكفارة؛ إذ ليس بينهما ما يوجب التحمل عنها، ولو كان الواطىء مجنوناً زوجاً، فعليها الكفارة، فإن المجنون ليس من أهل التحمل، ولو كانت المرأة من أهل التكفير بالصوم، أمرناها بصوم الشهرين، فإن التحمل لا يتطرق إلى عبادات الأبدان، وإن كان الزوج من أهل الإعتاق، والمرأة من أهل الإطعام، ففي المسألة وجهان في بعض التصانيف: أحدهما - لا تحمل، ولا تداخل لاختلاف الجنس. والثاني - يتحمل عنها، ثم يندرج الإطعام تحت العتق للاجتماع في المالية. والسيد إذا وطئ أمته، فالملك يقتضي من التحمل ما تقتضيه الزوجية، ولكن كفارة الأمة بالصوم، فيمتنع التحمل من هذه الجهة. فهذا مجموع ما أردناه في ذكر موجِب الكفارة. ٢٣٠٧ - وإذا حصل الإفطار بغير الوقاع، فلا شك أن الكفارةَ العظمى لا تجب عندنا، وهل نوجب مع القضاء مُدّاً على القاضي في الإفطار بالأكل وغيره؟ في المسألة وجهان: أصحهما - أنا لا نوجب؛ فإنه لا ثبت، ولا توقيف فيه، وليس معنا قياسٌ يقتضيه. ٢٣٠٨ - فأما الكلام في صفة الكفارة، فهي مرتبة: عتقٌ، وبعد العجز عنه صيامُ شهرين، فإذا فُرض العجز عنه، فإطعام ستين مسكيناً، وتفصيلها يأتي في كفارة الظهار. ٢٣٠٩ - وهل يجب القضاء مع الكفارة؟ محصول ما ذكره الأئمة ثلاثة أوجه: أحدها - يجب قضاء الإفطار [الحاصل، فإن] (١) الكفارة لا تجبر فساد العبادة.

стр. 1967

والثاني - لا يجب القضاء مع الكفارة؛ فإن الرسول ﷺ لم يأمر الأعرابي بالقضاء، لما أمره بالكفارة. والوجه الثالث - أن التكفير إن كان بالإعتاق أو الإطعام، وجب القضاء، وإن كان التكفير بالصيام، لم يجب القضاء والأصح وجوب القضاء (١). فإن قيل: أليس روي أن رسول الله ﷺ قال للأعرابي: " اقضيا يوماً مكانه "؟ (٢) قلنا: هذا لم يصححه أهل الحديث.

стр. 1968

ولم يختلف الأصحاب أن المرأة يلزمها القضاء، إذا لم بلزمها الكفارة. ولا نقول يتحمل الزوج؛ فإن الكفارة إذا كانت صوماً، لم يتحمل، فما الظن بالقضاء؟ وهذا لا شك فيه. ٢٣١٠ - ولو جامع في يوم، فالتزم الكفارة، ثم جامع في يومٍ آخر، قبل التكفير، لزمه كفارة أخرى، ولا تداخل، خلافاً لأبي حنيفة (١). ٢٣١١ - والمنفرد برؤية الهلال إذا شهد، فردت شهادته، وألزمناه الصومَ، [فلو] (٢) جامع، لزمته الكفارة خلافاً لأبي حنيفة (٣). فهذا نجاز القول في موجب الكفارة [وفي تفصيل الكفارة] (٤) على قدر غرضنا. ٢٣١٢ - ومما يتعلق بالفصل حديثُ الأعرابي والكلامُ عليه: روي: أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ ، يضرب نحره، وينتف شعره، ويقول: هلكتُ وأهلكت يا رسول الله، فقال: ماذا صنعت؟ فقال: واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال ﷺ : " أعتق رقبة ". فضرب يده على سالفته (٥)، وقال: لا أملك رقبة غير هذه فقال: " صم شهرين " فقال: هل اُتيت إلاّ من الصوم، فقال: " أطعم ستين مسكيناً "، فقال: والله ما بين لابتيها أفقر مني، فأتى رسول الله ﷺ بعَرَقٍ (٦) من طعام يسع خمسةَ عشرَ صاعاً، وكال على قَدْره (٧)، فقال

стр. 1969

صلى الله عليه وسلم: " تصدق به "، فقال: على أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي؟ فاحتضن الأعرابي الطعامَ وولى، ورسول الله ﷺ يبتسم " (١). وقد ربط الأئمة أحكاماً بهذه القصة، ونحن نذكرها مرسلة، ثم نتعلق [بالقصة] (٢) عند مسيس الحاجة. ٢٣١٣ - ذكر العراقيون ترتيباً جامعاً حسناً، قد مضى لنا أصله، ولكنا نُعيده لزوائدَ، قالوا: الحق المالي الذي يجب لله تعالى من غير سبب، إذا دخل وقتُ وجوبه، ولم يصادف قدرةً عليه، ولا استمكاناً، فلا يجب الحق، وزوال العجز بعده لا أثر له، وهذا كصدقة الفطر. وما يجب بسببٍ ينقسم إلى ما يحل محل الأبدال، [وإلى ما لا يحل محله: فأما ما يحل محل الأبدال] (٣)، فإذا تحقق سببه، وصادف عجزَ صاحب السبب، فيستقر في الذمة، إلى اتفاق اليسار والتمكن، وهو بدل الصيد؛ فإنه يجب بدلاً عن الصيد، والغالب عليه مَشَابِه [الغرم] (٤). وأما ما يجب بأسبابٍ، ولا يثبت بدلاً، ولا مشابهاً لبدل، كالكفارات جُمَع، سوى ما ذكرناه، فإذا صادف سببُه العجزَ عن البدل والمبدل، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنها لا تجب، وإن طرأ الاقتدار من بعدُ، قياساً على زكاة الفطر. والثاني - أنها تثبت في الذمة، ثم الاختلاف في النظر إلى وقت الوجوب والأداء مشهور. وذكر صاحب التقريب ما ذكروه، ولم يستثن جزاء الصيد، ولا ينبغي أن يعتقد في

стр. 1970

جزاء الصيد خلاف، وتَرْكُ استثنائه من صاحب التقريب غفلة. وذكر الشيخ في شرح التلخيص ما ذكره هؤلاء، وحكى عن صاحب التلخيص أنه استثنى كفارة الظهار، وقال لا يستحل المظاهر الإقدامَ على الوطء، ما لم يكفر. قال الشيخ أبو علي كفارة الظهار خارجةٌ على الخلاف، ولا معنى لاستثنائها، ثم قصة الأعرابي تعضد إسقاط الكفارة. ٢٣١٤ - [ومما] (١) تلقاه الأئمة من الحديث التردُّدُ في أن الغُلمة إذا أفرطت هل تكون عُذراً في ترك الصيام؟ أي صيام الكفارة، وسبب هذا -على بعده- قصةُ الأعرابي؛ حيث قال: وهل أُتيت إلاّ من الصوم؟ وترددوا أيضاًً في أن ملتزم الكفارة إذا اتصف بكثرة العيال، وقلة المال، فهل له أن يصرف الطعام إلى أهله؟ وسبب ذلك تلك القصة أيضاً. ٢٣١٥ - والرأي عندنا إلحاق قصة الأعرابي برخصةٍ خص الشارع بها مُعَيَّناً، وكثيراًً ما كان يفعل رسول الله ﷺ ذلك، وهذا نحو قوله ﷺ في قصة الأضاحي: " تَجْزِي عنك، ولا تَجْزِي عن أحدٍ بعدك " (٢). وجرى مثل ذلك في إرضاع الكبير (٣). وهذا وإن كان على بعدٍ، فهو أهون من تشويش أصول الشريعة، لقصةٍ ينقلها آحاد وأفراد.

стр. 1971

فصل قال: " والحامل أو المرضع إذا خافتا على ولديهما ... الفصل " (١). ٢٣١٦ - من أفطر بعذر يخصه، فلا يلزمه إلا القضاء، كالمسافر والمريض، ومن أفطر عاصياً بغير وقاعٍ، لزمه القضاء، وفي لزوم الفدية الخلاف المقدم، والحامل إذا كانت تخاف على جنينها لو صامت، فإنها تفطر، وعليها القضاء، وفي لزوم الفدية، وهو مدٌّ مع كل يوم، قولان: أحدهما - أنها تجب، لما روي عن ابن عباس " أنه قال في قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]: إنه منسوخ الحكم إلا في الحامل والمرضع " (٢). والقول الثاني - لا يلزمها الفدية؛ لأنها وإن كانت تخاف على ولدها، فالخوف يرجع إليها أيضاًً لو أجهضت، فهي كالمريض. ومن قال بالأول كفاه التعلقُ بالتفسير، وقد روى أنس عن النبي ﷺ " أنه قال في الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفاً على ولديهما، قضتا، وافتدتا بمدّين من طعام " (٣). وله أن يقول أيضاًً: الحامل وإن لم تُجْهِض، فلا بد وأن تلد، فلم يتجدد عليها بالإجهاض مزيد خوف، والأمر راجع إلى الولد. و [المرضع] (٤) إذا خافت على ولدها إن صامت، ففيها طريقان: أصحهما القطع بإيجاب الفدية مع القضاء؛ فإنها صحيحة البدن لا عذر بها في نفسها، فهي

стр. 1972

[المطيقة] (١) تحقيقاً، والمفطرة بسبب الغير. وكان شيخي يحكي عن شيخه القفال أن من كان صائماً، فوجد مشرفاً على الهلاك، وتعيّن عليه إنقاذه، وكان لا يتأتى ذلك منه إلا بالإفطار، فإذا أفطر، قضى، وفي التزام الفدية وجهان، فإن هذا إفطارٌ بسبب الغير، وهذا بعيد؛ فإن التعويل في المرضع والحامل على الخبر، ولا مجال للقياس. فإن قيل: لم ضعَّفتم إيجاب الفدية على العاصي بالأكل؟ قلنا: لأن الفدية جابرة حيث [ثبتت] (٢)، وما نراها تجبر ما صدر عن العاصي بالفطر، وإن كانت تغليظاً، فليست على قدر ما صدر منه، فالإثم العظيم أليق به. وهذا يضاهي اختلافَ الأصحاب أن من تعمد ترك التشهد هل يسجد؟ ووجه التقريب أن الساهي بالترك أثبت له الشرع مستدركاً وجابراً، والمتعمد لا يستحق ذلك، [فاسْتَدَّ] (٣) نقضُ الصلاة عليه. فصل [قال] (٤) " ومن حركت القُبْلة شهوته ... إلى آخره " (٥). ٢٣١٧ - لا خلاف أن الاستمناء يفطر، ولا تتعلق الكفارة به عندنا، وعند أبي حنيفة. وإذا قبل الصائم، أو وُجد بينه وبين امرأته التقاء البشرتين، وترتب الإنزال عليه، تعلق الإفطار به. ولو نظر أو ذكر، وأنزل، لم يُفطر.

стр. 1973

ولو ضم امرأته إلى نفسه، وبينهما حائل، [فأنزل] (١)، ففي المسألة وجهان ذكرهما شيخي. وهذه [الصور] (٢) عندي تدار على القاعدة التي مهدتها في وصول الواصل إلى الجوف مع التسبب إليه، فالاستمناء يُخرج مادة الزرع لا محالة، فكان كاعتماد الأكل والشرب، والنظر والفكر كالأسباب العامة التي لا يغلب وصول الواصل بها إلى الجوف، والضم والالتزام، مع الحائل، في مرتبة المضمضة، والتقاء البشرتين عندي قريب من المبالغة، فيتجه فيه تخريج خلاف لا محالة، وقد وجدت رمزاً إليه للشيخ أبي علي في الشرح. ثم قال الأئمة: إن كانت القبلة تحرك الشهوة، كرهناها للصائم، وإن كانت لا تحركها تحريكاً يخاف منه الخروج عن الضبط، فلا بأس بها؛ قالت عائشة: " كان رسول الله ﷺ يقبل إحدانا، وهو صائم، وكان أملككم لإرْبه، بأبي هو وأمي " (٣) وقيل: سأل سائل رسول الله ﷺ عن القبلة في الصوم فأباحها له، [فسأله آخر فنهاه] (٤) فروجع في جوابه ﷺ ، فقال: كان الأول شيخاً، والثاني شاباً (٥). وعن عمر ﵁ أنه سئل عن قبلة الصائم، فقال: " أرأيت لو تمضمضت " (٦) وهذا منه قياس حسن، وفيه إشارة إلى تنزيله القبلة على المضمضة والمبالغة.

стр. 1974

فصل [قال:] (١) " وإن أغمي على رجلٍ ... الفصل إلى آخره " (٢). ٢٣١٨ - إذا نوى الرجل الصوم من الليل، فأغمي عليه نهاراً، فقد اختلفت النصوص: قال هاهنا: إذا [أفاق] (٣) في شيء من النهار، صح صومُه. وإن دام الإغماء جميعَ النهار، فلا. وقال في كتاب الظهار: إن دخل في الصوم وهو يعقل، ثم أغمي عليه أجزأه، فاشترط الإفاقة في أول النهار. وقال في كتاب اختلاف العراقيين: إن حاضت المرأة، أو أغمي عليها، قضت، فجمع بين الإغماء والحيض، فظاهره أن حدوث الإغماء في شيء من النهار يفسد الصومَ. والمزني جعل الإغماء كالنوم، وقال: لا يضر أن يستغرق الإغماء جميعَ النهار، بعد تقدم النية ليلاً، فجعل كثيرٌ من أصحابنا ذلك القولَ مُخرَّجاً. وذكر بعض الأصحاب اشتراط الإفاقة في طرفي النهار.

стр. 1975

ثم من الأصحاب من جعل المسألةَ على خمسة أقوال: ثلاثةٌ منصوصة، وقولان مخرجان. ٢٣١٩ - التوجيه: من قال: إن استغراق الإغماء يبطل، والإفاقة في لحظة من النهار لا بد منها -وهذا ما نقله المزني- فوجهه أنا لو رددنا إلى قياس النيات وآثارها، اقتضى أن يُشترطَ ذكرُها، وانبساطُها على جميع أجزاء العبادة؛ (١ فإن النية قصد، والقصد الحقيقي هو المقترن بالمقصود، ولكن استصحاب ذكر النية ١) عَسرٌ غيرُ يسير، والغفلات [لا دفْعَ لها] (٢)، فاكتفى الشرع رخصةً بتقديم العزم. وإذا لاح ذلك، فلا أقل من [أن] (٣) يقع المعزوم عليه بحيث يُتصور القصد إليه، حتى ينزل منزلة ما يقترن القصد به، والمغمى عليه لم يقع إمساكه مقصوداً، حتى يصرف إلى المعزوم عليه، وينزل منزلة المقصود، فإذا استغرق [الإغماء] (٤)، فقد عم ما ذكرناه، فإذا وجدت الإفاقةُ في لحظة -والعبادة لا تنقسم- أتبعنا زمان الإغماء زمانَ الإفاقة. ٢٣٢٠ - ثم ينقدح للناظر مراتب: إحداها - الجنون، وهو يسلب حكم الاختيار بالكلية، ويستأصل قاعدةَ التكليف؛ فيعظم أثره، حتى يصير طريان القليل منه مفسداً للعبادة؛ فإنه يكاد يقلب الإنسان عن خاصية الإنسان، ويلحقه بالأحكام البهيمية. والمرتبة الثانية - الإغماء (٥)، وهو تغشية العقل على وجهٍ لا يبقى اختيارٌ في دفعه، ما لم يندفع بنفسه، وليس كالجنون، فاتجه أن نتُبعَ زمانَ الإغماء زمانَ الإفاقة، ونجعلَ مستغرِقه مفسداً. والمرتبة الثالثة - النوم، وهو مزيلٌ للتمييز، ولكنه معرض للإزالة على قصدٍ فَخفَّ (٦) أمرُه.

стр. 1976

والمرتبة الرابعة - اطراد الغفلة، وهي محطوطة بالكلية. هذا الذي ذكرناه هو الأصل، أما الغفلة، فلا خلاف فيها. وأما النوم، فالمذهب فيه ما قدمناه، ومن أصحابنا من جعل مستغرِقَه كمستغرِقِ الإغماء، ويعزى هذا إلى أبي الطيب بن سلمة (١). وألحق بعضُ أصحابنا طارئ الجنون بالإغماء، وهذا في نهاية البعد. فأما نص الظهار، فموجَّهٌ بأن الإفاقة إذا ثبت شرطُها، حلّت في وضعها محل القصد الحقيقي، وهو النية، والنيات محالّها أول (٢) العبادات. ومن قال: طريان الإغماء كطريان الحيض، فوجه قوله (٣) التشبيهُ، والإغماءُ كالحيض وجوداً؛ من جهة أن [واقعه] (٤) لا يُدفع، ثم هو لا يدوم دوام الجنون، فكان كالحيض، ولهذا شابَهه في إسقاط (٥) قضاء الصلوات دون قضاء الصوم، وإذا ثبت الشبه وجوداً وحكماً، ألحق به. وأما وجه القول المخرج الموافق لمذهب المزني، فظاهرٌ (٦)، ومستنده الاكتفاء بالنية السابقة، وحصول الإمساك. وإذا لم يكن ذكرُ النية شرطاً، فلا يظهر بعد ذلك اشتراطُ الإفاقة. ومن اعتبر الطرفين وهو أضعف الأقوال، اعتقد ما بينهما محتوشاً بهما وحكم بمقتضاهما على ما بينهما. فهذه طريقة الأصحاب (٧).

стр. 1977

ومنهم من رأى القطع بما نقله المزني من اشتراط الإفاقة في لحظة -وقد وجهناه- واطَّرح القولين (١) المخرجين، وحمل نصّ الظهار على الإفاقة في اللحظة الأولى على التنصيص على لحظةٍ وفاقاً، من غير اعتناء بتعيينها، وقد يعتاد أمثال ذلك في مجاري الكلام. ٢٣٢١ - وأما نصه في اختلاف العراقيين، حيث جمع بين الحيض والإغماء، فقد قال بعض الأصحاب: يصرف (٢) جوابه إلى الحيض. وهذا سخف في (٣) طريق التأويل؛ فإن من ذكر شيئين وعقبهما بحكمٍ، استحال أن يُعتقد ذكر أحدهما، فالوجه حمل ذكر الإغماء على المستغرِق، وهذا أمثل، وإن كان بعيداً. وقد نجز غرض الفصل. ٢٣٢١/م- ثم ذكر الشافعي بعد هذا: أن الحائض منهيّةٌ عن الصوم، ولو قصدته وأوقعت الإمساك منوياً عَصَت ربَّها، ثم تَقضي الحائض ما امتنع من الصوم بسبب حيضها، ولا تقضي الصلاةَ. وقد ذكرنا ذلك في كتاب الحيض. فصل قال: " وأحب تعجيل الفطر، وتأخير السحور ... إلى آخره " (٤). ٢٣٢٢ - والمتبع في ذلك الخبر، قال ﷺ : " عجلوا الفطر، وأخروا السحور " (٥) وسمى رسول الله ﷺ السحورَ غداء، فروي أنه

стр. 1978

كان يتسحر، فقال لطائفةٍ من أصحابه: " هلموا إلى الغَدَاء المبارك " (١). وقال زيد بن ثابت: " كان بين تسحر رسول الله ﷺ وصلاة الصبح قدرُ خمسين آية " (٢). وفي الحث على تعجيل الفطر أخبارٌ. ولا ينبغي لمؤخر السحور ومعجِّل الفطر أن يوقع فعلَه في مظنة التشكك، ودركُ اليقين في الطرفين أهمُّ من كل شيء، وإن جرى الأمر على ظن أو اجتهاد، فقد تفصل هذا فيما مضى. فصل قال الشافعي: " وإذا سافر الرجل ... إلى آخره " (٣). ٢٣٢٣ - السفر الطويل يبيح الفطرَ، ولا يبيحه القصير، فالفطر من الرخص المختصة بالسفر الطويل، وقد ذكرنا السفرَ الطويلَ والقصيرَ. ثم الفطر رخصة، والصوم صحيحٌ مجزىء، خلافاً لداود. وقد صح أن رسول الله ﷺ صام في سفره، وأفطر. وعن أنس قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فمنا الصائم، ومنا المفطر، ومنا القاصر، ومنا المتم، ولم يعب بعضنا على بعض " (٤) وعن عائشة أنها لما انقلبت عن سفرة حجة الوداع، قال لها

стр. 1979

رسول الله ﷺ : ماذا صنعت؟ فقالت: " صمت ما أفطرت، وأتممت ما قَصَرت ". فقال: " أحسنت " (١). وقوله ﷺ : " الصوم في السفر كالفطر في الحضر " (٢). (٣) محمول على مكابدة الصوم، مع ظهور الضرر. وروي: " أنه ﷺ رأى رجلاً في السفر، يُظَلّلُ، وينضح بالماء ويهادَى بين رجلين، فسأل عنه رسول الله ﷺ ، فذكروا أنه صائم، فقال ﵇: إن الله عن تعذيب هذا نفسَه، لغني " (٤). وروي أنه قال ﷺ : " ليس من البر الصيامُ في السفر " (٥) وينزل قوله العام على السبب، ولا يبعد ذلك. فإذا ثبت الأصل، فالمسافر بالخيار بين الصوم والإفطار، والصوم أفضل من الفطر، إذا لم يظهر ضررٌ ظاهرٌ، والقول فيه أنه إن كان يخاف إفضاءه إلى مرض، فهو

стр. 1980

الذي نعنيه، وعنده يُستحث (١) على الفطر، وإن كان ضررٌ لا يغلب إفضاؤه إلى المرض، فهو من التعب (٢) الذي يكثر به الأجر. والمفضي إلى المرض في حكم تعجيل عبادة تُفضي إلى تعطيل أمثالها. وحيث قطعنا بأستحباب الصوم، اختلف القول في القصر والإتمام، وقد قيل: السبب في الفصل عدمُ الاعتداد بخلاف داود، وقيل: " الفاصل أن القاصر ليس مخلياً وقتَ العبادة، بخلاف المفطر "، وترقب القضاء تعويلٌ على أمرٍ مُغَيَّب. ٢٣٢٤ - ثم يتصل بالقول في السفر: أن من أصبح صائماً، ثم أنشأ السفر، لم يجز له أن يفطر، لأن الصوم تأكد بالإقامة، وإتمامه ممكن، من غير ضرار، كما وصفناه. ولو أصبح المسافر صائماً، وقدم الوطنَ، لم يفطر. ومهما اشترك في الصوم الحضرُ والسفرُ، فالتغليب للإيجاب [و] (٣) حكم الحضر. ولو أصبح صائماً مسافراً، ثم بدا له أن يترخص بالفطر في دوام السفر، فالذي سمعته من شيخي، ووجدته في فحوى الطُّرُق جوازُ ذلك. وكان من الممكن أن يقال: إذا خاض فيه، التزمه، كما لو نوى الإتمام؛ فإنه لا يقصر. ولو نوى الإتمامَ، ثم فسدت تلك الصلاة، والوقت باقٍ، فيلزمه الإتمام، ويمتنع عليه القصر. ويظهر مما أبديناه من الإشكال: أنا لو قدرنا دوامَ السفر، كدوام المرض، والمريض إذا أصبح صائماً، فله أن يفطر، فلو صح هذا التشبيه، للزم أن يقال: من أصبح صائماً مقيماً، ثم سافر، جاز له أن يفطر، كما لو كان صحيحاً في أول النهار، ثم مرض. وهذا مذهب أحمد (٤) والمزني (٥) فكأن السفر على رأي الشافعي بين

стр. 1981

المرض والترخّص بالقصر، وتواصله يلحقه [بالمرض] (١)، وطارئه لا يجرُّ من (٢) المشقة والعسر ما يجره طارئ المرض؛ فإن المرض في عينه يورث العسر. فافهموا مواقع المذهب. وقد احتج المزني في طريان السفر، وجواز الفطر، بسببه بما روي " أن النبي ﷺ ، صام حتى بلغ كراع الغميم (٣)، ثم أفطر " فظن المزني أن ذلك كان في يوم واحد، واعتقد أنه ﷺ ، كان مقيماً في أوله مسافراً في أثنائه، وما ذكره وهمٌ؛ فإنه ﷺ خرج من المدينة، وبينه وبين كراع الغميم مسيرة ثمانية أيام، فالمراد بالحديث أنه صام أياماً في سفره، ثم ابتدأ الترخّص (٤) بالإفطار لما انتهى إلى كُراع الغميم، و [قد] (٥) قيل: تبين هذا للمزني بعد الاحتجاج، فقال للكتبة: خُطّوا عليه، وقد [يُلفى] (٦) في [بعض] (٧) النسخ استدلاله بالحديث مخطوطاً عليه. فصل قال الشافعي: " ولو قدم من سفره نهاراً مفطراً ... الفصل " (٨). ٢٣٢٥ - مقصود هذا الفصل القول (٩) في الإمساك عن المفطرات، بعد جريان الفطر في أول النهار.

стр. 1982

وأصل [الفصل] (١) أن من أفطر عاصياً عامداً، فالشرع يُلزمه الإمساكَ عن المفطرات في بقية النهار. وهذا يختص بأيام رمضان، فليس على العاصي بالفطر في صوم القضاء، والنذر إمساكٌ. ثم الأمر (٢) بالإمساك مشبه بالتغليظ، وطرفٌ من العقوبة، ومضادّةُ القصد، ثم الممسك متشبه، وليس في عبادة، وليس كالمحرم إذا أفسد إحرامه؛ فإنه بعد الفساد في عبادةٍ فاسدة. ويظهر أثر ذلك بأن المفسد للإحرام لو ارتكب محظوراً في إحرامه بعد الفساد، التزم الفدية، والمأمور بالإمساك لا يلتزم بالإقدام على المفطر شيئاً، وإنما يناله المأثم بتركه الأمرَ الجازم، وارتكابه النهي (٣) المحرم. وقد ذكر العراقيون وجهين في أن الإمساك المأمور به بعد الإفساد هل يسمى صوماً؟ ولست أرى في الاختلاف فائدة. ويقرب من ذلك أن من أصبح في يومٍ من رمضانَ غيرَ ناوٍ، فلا نجعله صائماً، ويلزمه الإمساك، فلو نوى التطوع بالصوم، وكان ذلك قبل الزوال، فالذي ذهب إليه الجماهير أن الصومَ لا يصح، وذهب أبو إسحاق إلى صحة الصوم، ووجه الرد عليه ينقسم: فيجوز أن يقال: إن كان الإمساك واجب، ومن نعت التطوع التخير، فلو صح تطوّعه بالصوم، والصوم إمساك منوي، لوقع الإمساك واجباً عن جهة الوجوب، متطوَّعاً به عن جهة التطوع، وهذا متناقض. فهذا وجه. والمسافر عندنا لا يتطوع بالصوم في سفره، وإن كان يسوغ له الإفطار، فليس الصوم مستحَقاً عليه، والتطوع ممتنع، [وسببه أن الذي] (٤) حط عنه وجوبَ الصوم الترخيصُ بالفطر، فإن لم يُفطر، فقد (٥) ترك الترخص، وليس بين إقامة (٦) الصوم

стр. 1983

وبين الترخص بالفطر مرتبة، والشرع لم يجعل شهر رمضان في حق المسافر كسائر الشهور، حتى يضع فيه أيَّ صومٍ شاء، وأبو إسحاق المروزي لما جوز للمقيم الذي أصبح غير ناوٍ أن يتطوع بالصوم، فإنه على قياسه يجوز للمسافر أن يتطوع، وهذا [حَيْدٌ عن] (١) مذهب الشافعي وقياسِه. ٢٣٢٦ - فإذا ثبت [أن العاصي] (٢) بفطره يلزمه الإمساكُ، وتبين أصلُ المذهب فيه، وتعليلُه ومأخذُه، فلو أصبح الرجل في يوم الشك مفطراً، ثم ثبت بالشهادة أنه من رمضان، فظاهر المذهب وجوبُ الإمساك عن المفطرات، ووجه تخريج هذا على القاعدة التي مهدناها في الإمساك إذا (٣) قلنا: إنه على مضاهاة العقوبة -والمفطر في يوم الشك ليس يستوجب (٤) عقوبة- أنا (٥) وجدنا في الشرع تنزيل المخطئ في الشيء الذي يأثم العامدُ فيه منزلة العامد، في بعض الأحكام، لانتسابه إلى ترك التحفظ. وعلى قريب منه يخرج حرمانُ القاتل خطأ الميراثَ. هذا وجهُ ظاهر المذهب. وحكى [البويطي وحرملة فيما نقله] (٦) العراقيون قولاً عن الشافعي أن المعذور بالفطر في يوم الشك لا يلزمه الإمساك عن المفطرات، وهذا خارجٌ على القاعدة التي مهدناها خروجاً [ظاهراً] (٧). ٢٣٢٧ - فلو أفطر المسافر في سفره، ثم أقام في أثناء اليوم، أو أفطر المريض، ثم زال ما به، فلا يجب عليهما الإمساك، وإن تغيرا إلى الإقامة والسلامة، خلافاً لأبي حنيفة (٨). ولو أصبحا مع العذر صائمين، ثم أقام هذا، وصحّ ذلك، تحتم إتمام الصوم.

стр. 1984

ولو أصبحا ممسكين غيرَ ناويين، ثم انتهينا إلى الإقامة والسلامة، ففي بعض التصانيف وجهان في وجوب الإمساك، ولست أرى لإيجاب الإمساك وجهاً. ٢٣٢٨ - [و] (١) مَنْ ترك النية وأصبح وهو (٢) مفطرٌ، فإذا لم يختلف المذهبُ في نفي وجوب الإمساك إذا كان أكل المريضُ والمسافر، فإذا أصبحا غير صائمين، فهو كما لو أكلا. ٢٣٢٩ - ولو أسلم الكافرُ في أثناء يومٍ، وبلغ الصبي، وأفاق المجنون، فهل يلزمهم الإمساكُ في بقية النهار؟ فعلى أربعة أوجهٍ مجموعةٍ في بعض التصانيف، وهي مفرقة في الطرق: أحدها - أنه يجب الإمساك عليهم؛ لأنهم إن لم يدركوا وقتَ العبادة، أدركوا وقتَ الإمساك، وليسوا كالمسافر يفطر مسافراً، ثم يقيم، فإنه خوطب بالترخص، وهؤلاء كانوا مستأخرين (٣) عن التكليف، و [الآن] (٤) كلفوا. والوجه الثاني - أنه لا يجب عليهم الإمساك، وهو الأصح؛ فإن وجوب الإمساك تَبِعَ لزومَ الصوم، وهؤلاء لم يلتزموا الصومَ؛ فإنهم لم يدركوا وقتاً يسع الصومَ الشرعي، وشرط التكليف الإمكان. والوجه الثالث - أن الكافر إذا أسلم مأمورٌ بالتشبه؛ فإنه كان متمكناً من تَرْك الكفر، والتوصل إلى الصوم، فإذا لم يفعل، كان في حكم تاركٍ لفريضة الصوم في أول النهار، وهو يلتفت على مخاطبة الكفار بالفروع. والوجه الرابع: أنه يلزم الكافر كما ذكرناه، والصبي أيضاًً، فإنه كان مأموراً بالصوم [أمر] (٥) تدريب حسب ما يؤمر بالصلاة. أما المجنون فلا سبيل إلى أمره بالإمساك؛ فإنه لم ينتسب في جنونه إلى تقصير الكافر، ولم يتجه في حقه أمرٌ بالصوم حسب ما تحقق في الصبي.

стр. 1985

٢٣٣٠ - ثم قال الأصحاب: الأمر بالقضاء في هذا اليوم فرعُ الأمرِ بالإمساك، فمن أمرناه بالإمساك نأمره بالقضاء. وقال الشيخ أبو بكر: من يوجب التشبه يكتفي به، ولا يوجب القضاء، ومن أوجب القضاء، لم يوجب التشبه. وهذا ليس خلياً عن الفقه، والظاهر (١) عندنا إسقاطُ القضاء، والتشبهِ جميعاً. أما إسقاط القضاء، فلأنه بسبب إدراك الوقت للأداء، وهؤلاء لم يدركوا وقت إمكان الأداء، وكانوا على صفاتٍ في أول النهار لو استمروا عليها تمامَ النهار، لم يُلزموا القضاء. ٢٣٣١ - وأما الحيض، فإنه خارجٌ عن القانون؛ فإنه منافٍ لإمكان الأداء، ولا ينقدح عندي في أمر الحائض بالقضاء إلا الحملُ على أنه [بأمرٍ] (٢) مجدد. ولو أصبحت المرأة حائضاً، ثم طهرت، فلا يلزمها الإمساك بلا خلافٍ (٣)، على المذهب. ولا فرق بين أن تصبح ممسكةً أو مفطرة. ومن ذكر وجهين في المسافر إذا أصبح ممسكاً غيرَ ناوٍ، ثم أقام، قطع في الحائض بما ذكرناه؛ لأن الحيض ينافي الصومَ منافاة الأكل، بخلاف السفر، والمرض. فهذا منتهى الغرض في الإمساك، وما يتعلق به في محل الوفاق والخلاف. فصل قال: " إذا أفطر في أول النهار، ثم مرض ... الفصل " (٤). ٢٣٣٢ - مقصود هذا الفصل متصلٌ بما تقدم، فإذا أصبح الرجل صائماً، وجامع من غير عذر، ثم مرض في آخر النهار مرضاً يبيح مثلُه الفطرَ، أو جُنّ في آخر النهار، أو أصبحت المرأة صائمةً ومكّنت، وقلنا: عليها الكفارة، ثم حاضت في بقية

стр. 1986

النهار، فهذه أسباب طرأت، لو [اقترنت] (١) بالوقاع، لتضمنت إسقاطَ الكفارة، وانتهضت معاذيرَ في الفطر و (٢) منافيةً للصوم، كالجنون، والحيض، ففي سقوط الكفارة في هذه الصورة أقوالٌ ثلاثة: أحدها - أنها لا تسقط، فإنّ الجماع جرى مفسداً؛ فلا أثر لطريان ما طرأ بعده، وكأن هذه الأسباب كانت (٣) تنتهض مقتضياتٍ للترخص بالفطر، لو دام الصوم، فإذا تقدم الجماعُ المفسد، فكأن المجامع كما (٤) أفسد الصومَ سد على نفسه باب الترخص. والقول الثاني - أن الكفارة تسقط [للشبهة] (٥) وتوجيه ذلك لائح. والقول الثالث - أنا نفصل بين طريان ما ينافي الصوم كالجنون والحيض، وما لا ينافي، بل يُثبت رخصةَ الفطر، كالمرض، فتسقط الكفارة بما ينافي؛ إذ تبينا أن الصوم كان لا يتصوّر تمامه، ووضح أنه بالجماع لم يعترض على صوم كان يتم، والمرض [من] (٦) أسباب الرخص، وقد تختص [الرخصة] (٧) بمن [لم] (٨) يفسدها على نفسه. ٢٣٣٣ - ولو أصبح مقيماً صائماً، [وجامع] (٩) عاصياً، ثم سافر، لم يختلف قولنا في أن الكفارة لا تسقط؛ فإن طريان السفر لا يرخّص في الإفطار بخلاف، طريان المرض. ولم يجعل أئمتنا مذهبَ أحمد، والمزني -حيث صارا إلى جواز الإفطار في هذا الموضع- شبهةً (١٠)، فإن ما صارا إليه في مناقضة أصلٍ متمهدٍ ظاهر، وهو

стр. 1987

تغليبُ حكم الحضر في العبادة، التي يشترك فيها السفر، والحضر. وذكر صاحب التقريب: أن من أصحابنا من خرّج سقوط الكفارة، عند طريان السفر على قولين أيضاًً كالمرض، وهذا بعيد، ولكنه ذكره على ثبت. واختلفت الرواية [في السفر] (١) عن أبي حنيفة (٢) وموجَب هذه الطريقة: أنه لو سافر، ثم جامع لم تلزمه الكفارة؛ بناء على درئها بمذهب من لا يوجب (٣) الصوم، وهذا تخليط، والأصل القطع بأن طريان السفر لا يؤثر. فصل ٢٣٣٤ - إذا طبق الجنون أياماً من رمضانَ، ثم كانت الإفاقة في بقيةٍ من الشهر، فلا يجب عندنا قضاء الأيام التي مرت في زمن الجنون. وكذلك إذا مضت أيامٌ في الصبا، ثم طرأ البلوغ في أثناء الشهر، أو أسلم الكافر الأصلي. وإنما التردد في اليوم الذي تزول فيه هذه المعاني، كما تقدم ذكرنا له في الإمساك، والقضاء. ووافق أبو حنيفة (٤) في الصِّبا والكفر، وخالف في الجنون. وذكر العراقيون عن ابن سريج مثلَ مذهب أبي حنيفة [في الجنون] (٥) ثم زيفوا هذا الذي حكَوْه، وقالوا: هو غلط عليه، ولعله لا يصح نقله عنه أصلاً.

стр. 1988

والإغماء إذا استمر أياماً أو طبق جميعَ الشهر، فيجب قضاء الصوم في الأيام المارّة فيه، وهو كالحيض في أنه لا يُسقط قضاءَ الصوم، ويسقط قضاء الصلاة. فصل قال الشافعي: " ولو كان عليه يومٌ من شهر رمضان ... إلى آخره " (١). ٢٣٣٥ - نجمع في هذا الفصل تفاصيلَ الفدية، ومواضعَها. ونبدأ بما تعرض له الشافعي الآن، فنقول: من فاته صيام أيامٍ من رمضان، وتمكن من قضائها، فلا يجوز له أن يؤخر قضاءها إلى شهر رمضانَ في السنة القابلة، وليس ما نذكره استحباباً، بل يتحتم ذلك، مع القدرة، وزوال المعاذير. ولو فرض تأخير القضاء إلى السنة القابلة، من غير عُذرٍ، فيجب مع القضاء لكل يوم مدٌّ من طعام، والمعتمد في أصل التأقيت، وفي الفدية عند الإخلال بالوقت الخبرُ، والأثر، وهما مذكوران في مسائلِ الخلاف، ولا نرى قضاء عبادة يتأقت على الاستحقاق إلا هذا. ولو أخر القضاء سنتين أو سنين، ففي تضعيف الفدية وجهان: أحدهما - أنها لا تتضعّف، ولا يجب بالتأخير سنين إلا ما [وجب بالتأخير] (٢) في السنة الواحدة. ثم يجوز أن يكون هذا قضاءً بالتداخل (٣)، كما مهدناه في كفارة الوقاع، على قولٍ. والأصح تعدد الفدية، وتجدّدها، فيجب على مقابلة التأخير في كل سنة مدٌّ، فإن أخر سنتين، وجب مع قضاء كل يوم مدان. وهكذا زائداً، فصاعداً؛ فهذا مقامٌ في الفدية. ومما يتعلق بذلك أن التأخير إن كان بعذر، فلا فدية أصلاً، مثل أن يدوم المرض طول السنة، أو يدوم السفر، وكل ما يجوز تأخير أداء الصوم به، يجوز تأخير القضاء به، ثم لا فديةَ.

стр. 1989

ومن صُور الفدية أن الشيخ إذا بلغ الهَرَم، و (١) عجز عن الصوم لهَرَمه، لا لمرضٍ زائد عليه، فلا شك أنه لا يصوم، ويلزمه أن يُخرج بدلَ كلِّ يوم مُداً، إذا قدر عليه. وظاهر المذهب: أنه واجبٌ. وحكى العراقيون قولاً عن الشافعي أن الفدية ليست بواجبةٍ، ونسبوا القولَ إلى رواية البويطي، وحرملة، ووجه هذا في القياس بيّن؛ فإن الهَرِم معذور، وقد قال الأئمة بأجمعهم: لو مرض الرجل مرضاً يبيح له الفطر، ثم دام المرضُ حتى مات، لم تجب الفدية في تركته، ولا أعرف في ذلك خلافاً، فلا يبعد أن يعد الهَرَم عذراً دائماً (٢)، ولكن هذا القول، مع اتجاهه في القياس، لا يُعوّل (٣) عليه في المذهب. ومن صور الفدية إفطار الحامل، والمرضع، وقد تفصّل القول فيهما، فيما تقدم، وذكرنا اختلافَ الأصحاب في إيجاب الفدية على من يتعمد الإفطارَ بالأكل عاصياً. ٢٣٣٦ - ومما يتصل بالفدية أن من مات وعليه قضاءُ أيامٍ من رمضان، وكان متمكناً من القضاء، ولا عذر، فالمنصوص عليه في الجديد أنه يُخرَج من تركته في مقابلة كل يوم مد، وهذا فيه إذا لزمه القضاء، وانتفى العذر، ومات في خلال السنة. فأما إذا أخّر القضاءَ مقصِّراً إلى شهر رمضان في القابل، والتزم [لذلك الفدية] (٤)، ثم مات قبل القضاء، وإخراجِ الفدية، فالذي ذهب إليه الجماهير إيجاب مُدَّيْن، في مقابلة كل يومٍ: مدٌّ في مقابلة الصوم نفسه، ومد في مقابلة التأخير. وحكى العراقيون وجهاً عن ابن سريج أنه قال: يتداخل المدان، ويكتفى بواحد. وهذا بعيدٌ جداً، لا ينقدح له وجه. هذا تفريعنا على القول الجديد.

стр. 1990

٢٣٣٧ - وللشافعي قولٌ في القديم: أن من مات وعليه صومٌ، صام عنه وليُّه، وقيل نُقل في ذلك خبرٌ عن رسول الله ﷺ ، على هذه الصيغة (١)، ولست أدري أن الشافعي ترك العمل بالخبر في الجديد؛ لأنه استبان ضعفَه أو ثبت عنده نسخٌ. ثم التفريع في هذا مما لم يتعرض له الأصحاب، فلا سبيل إلى [التحكم] (٢) به، والذي يصوم عن الميت الولي، كما ورد في الخبر، أو الوارث أو القريب من غير اعتبار وراثة، أو يناط ذلك بالعصوبة؟ لا نقل عندي في تفصيل هذا. وقد وجدت الأصحاب مضطربين فيمن يرث حدَّ القذف، وذلك بعيد عما نحن فيه. وإن نزلنا هذا القولَ على لفظ الولي، فإنه المنقول، فليس معنا في معناه ثبت نعتمده، والميت في غالب الأمر لا يكون مَوْلياً عليه. وكان شيخي يقول: لا خلاف أنه لا يجب على الولي أن يصوم، وإنما الخلاف في أنه لو صام عن الميت، هل يعتد به. والعلم عند الله تعالى. ٢٣٣٨ - وإذا أردنا جَمْعَ التراجم، قلنا: الفديةُ تتعلق بنفس الصوم تارةً، فتحل محلَّه، وقد تنضم إلى الصوم ولا تبدله، فأما ثبوتها بدلاً عن الصوم [ففي] (٣) الشيخ الهِمّ، والذي مات وعليه صومٌ، كان قصر في تأخير قضائه. وأما الفدية [المنضمة] (٤) إلى القضاء، فالمتفق عليه منها ما يجب بسبب تأخير القضاء من سنةٍ إلى سنة، والمختلف فيه الفدية في حق الحامل، والمرضع. وفي المتعمد العاصي بالإفطار الخلافُ المقدم. ٢٣٣٩ - ثم جنس الأمداد جنسُ صدقةِ الفطر، والكفارات الواقعة بالإطعام. وكل

стр. 1991

مدٍّ بمثابة كفارة تامّة، فلو أراد من لزمته أمدادٌ جَمْع عدد منها في مسكين واحد، جاز له ذلك؛ إذ لا يجب تفريق المدّ الواحد، وكل مدٍّ كفارة. فصل قال: " فإن بلع حصاةً، أو ما ليس بطعامٍ ... إلى آخره " (١). ٢٣٤٠ - نجمع في هذا الفصل مفسداتِ الصوم، وقد مضى صدرٌ منها، فنرسمها على هيئة الترجمة، ونستقصي ما لم يجرِ ذكره. ونبدأ به. فنقول: وصول الواصل إلى باطن عضوٍ يعد مجوفاً مفطرٌ، على الاختيار والذكر، كما تفصل ذلك. وإذا جاوز شيءٌ الحلقومَ فطَّر، وكذلك ما يجاوز الخيشومَ في الاستعاط. والحقنةُ مفطرةٌ، وكذلك إيصال الشيء إلى المثانة. والمذهب أن ما تجاوز ظاهر الإحليل يُفطر، وإن لم ينته إلى فضاء المثانة. وفيه وجهٌ بعيدٌ، لا أصل له. ولو قطّر شيئاً في أذنه، فانتهى إلى داخل الأذن الباطن، فقد كان شيخي يقطع بأنه مفطر، والذي قطع به الشيخ أبو علي، وطوائفُ من علماء المذهب أنه لا يفطر. وكان الشيخ يراعي الوصولَ إلى ما يُعدّ باطناً، والآخرون يرعَوْن أن يكون في الباطن الذي إليه الوصول قوةٌ تُحيل الواصلَ إليه غذاء، أو دواءً، وداخل الأذن ليس فيه ذلك، والتردد في داخل الإحليل، فوق المثانة، قريب من هذا التردد. ولو [وجأ] (٢) الإنسان نفسَه بسكين، فإن انتهى طرفُ السكين إلى باطنٍ كما وصفناه، حصل الفطر، وإن كان نصابُه (٣) ظاهراً، وكذلك إذا بلع طرفاً من خيط، وطرفٌ منه بارزٌ، فالفطر يحصل بوصول الطرف [الواصل] (٤)، وخالف أبو حنيفة (٥) في ذلك. ولو أوصل السكينَ إلى داخل لحم الساق، والفخذ، فلا فطر، فإن [ما

стр. 1992

وراء] (١) البشرة، وإن كان من الباطن، فليس جوفاً، وكذلك إن انتهى طرفُ السكين إلى مكان المخ، فلا فطر؛ إذ العضو لا يعد مجوفاً. ولو أوصل الدواء [من شجة آمَّة (٢) إلى ما وراء القِحْف (٣)، حصل الفطر، ولا يتوقف حصولُه على الوصول إلى ما وراء خريطة (٤) الدماغ. وإن أوصل الدواء] (٥) إلى جرح نافذٍ إلى الباطن، فإن وصل إلى داخل البطن، حصل الفطرُ، وإن لم ينته إلى الأمعاء. ولو جاوز الدواءُ سطحَ البَشرة، ولم ينته إلى فضاء البطن، فالوجه القطع بأنه لا يفطِّر، فإن الوصول إلى هذا المكان لو كان يفطِّر، لفطَّر وصولُ السكين إليه في ابتداء الجرح، وفي بعض التصانيف غلطٌ ظاهر في الحكم [بالفطر] (٦) بمجاوزة الدواء البشرة، وهذا محمول على [تثبّج (٧)] (٨) العبارة، وسوء الإيراد، والمراد الوصول إلى الباطن كما وصفناه. وقد ينفصل وصول اللبن إلى الباطن في حكم الرضاع، عما يحصل [الفطر] (٩) به في بعض التفاصيل، حتى جرى في حصول الرضاع بحقنة اللبن قولان، إلى غير ذلك، على ما سيأتي شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى. ٢٣٤١ - وداخل الفم والأنف إلى منتهى الخيشوم والغلصمة (١٠) في حكم الظاهر. والريق السائل من داخل الفم، فالواصل إلى الجوف واصلٌ من ظاهرٍ إلى باطن،

стр. 1993

ولكن لما عسر التحرز منه، عُفي عنه. ولو انقلع شيء من أسنانه، فازدرده الصائم، أو سال من العُمور (١) دم، فتجرعه على قصدٍ، أفطر. ولو جمع الصائم ريقه، ولم يتركه يجري على الخلقة، ثم ازدرده جملةً، ففي حصول الفطر وجهان: أصحهما أنه لا يفطر، وإنما نشأ الوجهان من لفظ الشافعي، فإنه قال: وأكره العِلْك (٢)، فإنه يحلب الفم، فكأنه (٣) حاذر اجتماع الريق على خلاف العادة. وقال الأئمة: لو أخرج الصائم لسانه، وعلى طرفه ريقٌ، ثم ردّه، فلا بأس، وإن فارقت عذَبَة (٤) اللسان الشفتين، فإن اللسان معتبر بداخل الفم، كيف تقلّب. ولو أخرج شيئاً من ريقه، وتركه على طرف الشفة بارزاً، ثم ردّه إلى فيه، فهو بمثابة ما لو ألقاه على كفه، ثم رده، ثم الفطر يحصل به، وهو المذهب في البلل المتصل بالخيط المجرور، إذا رُدّ، فإن [القلة] (٥) فيه (٦) لا أثر لها في منع الفطر. وما يقدّر وصوله بالمسام، فلا يتعلق الإفطار به، كالأدهان إذا تطلّى الصائم بها، أو صبها على رأسه. وإدراك الذوق مع مجّ جِرْم (٧) المذوق لا يؤثر في الصوم. ولا يفطِّر الاكتحالُ والاحتجامُ، خلافاً لبعض السلف. ولا خلاف أن الافتصاد (٨) لا يفطِّر. وما يجري من النخامة من الدماغ إلى الحلقوم، فلا مؤاخذة به. هكذا كان يذكره شيخي، ولو تكلف صرفَه عن سَنَن الخلقة إلى فضاء الفم، ثم ازدرده، فهذا يفطّره.

стр. 1994

وأنا أقول: إن كانت النخامة لا تظهر في الفم، وكان لها مَسْلك (١) متردد في الباطن، فلا شك أنه لا مؤاخذة بها. وليس الأمر كذلك؛ فإنها تظهر إذا برزت من الثقبة النافذة إلى الدماغ في أقصى الفم، ثم تجري إلى داخل الحلقوم. فالوجه أن نقول: ما لا يَشعر الصائم به، فهو محطوط عنه، وما يجري منه، وهو على علم وخُبْر، فإن لم يقدر على رده، فلا فطر، وإن قدر على صرفه ومجِّه، ففيه خلافٌ بين الأصحاب: منهم من لم يؤاخِذ به، وحَسَم الباب، ما لم يتكلف صرفَه عن مجراه إلى الفم؛ فإنه إذا فعل ذلك، ثم ردّه، وازدرده، أفطر. ومنهم من حكم بالفطر إذا تركه في مجراه، مع القدرة على مجِّه، وهذا يلتفت على المراتب التي ذكرناها في غبار الطريق وغيره. ومما يلتحق بهذا الفن، القولُ في سبق الماء من المضمضة، والاستنشاق، وفيما قدمناه من البيان مقنع تامٌ فيه. وكان شيخي يحكي عن الأصحاب أن من بلل خيطاً بريقه، وجرّه، ثم ردّه، وغلبه الريق، ولم يمجه بعد حصول ذلك، أفطر. وكان يقول: لست أرى الأمر كذلك؛ فإن ذلك القدر النزر أقلُّ مما يبقى من أجزاء الماء في داخل الفم، بعد المضمضة. والاحتمال في هذا محال (٢). فهذا بيان هذا النوع من المفطرات، تأصيلاً وتفصيلاً. ٢٣٤٢ - ومن المفطرات الجماعُ، وقد فصلنا، وألحقنا الاستمناء في الإفساد والإفطارِ بالجماع؛ من حيث كان مقصودَ الجماع. والقيءُ على ما فصلناه. والردة تُفسد كلَّ عبادة، والحيض، والجنون، ينافيان العَقْدَ، ويقطعان الدوامَ. وفي الإغماء ما سبق (٣). فهذه جوامع المفسدات.

стр. 1995

فصل قال: " وإن اشتبهت الشهور على أسير، تحرَّى ... إلى آخره " (١). ٢٣٤٣ - الأسير المحبوس إذا اشتبه عليه شهر رمضان، تحرى، وراجع التواريخ المنسلكةَ في ظنه، وقرَّب نظرَه جُهدَه، وصام شهراً. والمسألة مفروضة في استمكانه من معرفة الهلال، فإذا صام شهراً من الهلال إلى الهلال، فإن وافق شهرَ رمضان، فهو المُنى، وإن وافق شهراً بعده، وكانت أيامه قابلةً للصوم، وقع الاعتداد بما جاء به. ٢٣٤٤ - واختلف الأئمة في أن صومه في ذلك الشهر قضاء أم أداء؟ فمن جعله قضاءً، لم يَخْفَ توجيهُ قوله، ومن جعله أداء، تمسك بإجزائه [بنية] (٢) الأداء. ثم لا يمتنع أن يفارق حكمُ المضطر [حكمَ] (٣) المختار. وخرّج الأئمةُ على هذا الخلاف أن شهر رمضان في تلك السنة لو كان ثلاثين يوماً، وكان ما صامه تسعةً وعشرين، فهل يكفيه ما جاء به، أم نكلفه بعد التبين (٤) قضاء يوم؟ فعلى ما ذكرناه من الخلاف في الأداء والقضاء: فإن [جعلنا صومَه أداء، فكان ذلك الشهر شهرَه، فلا نظر إلى غيره، وإن] (٥) جعلناه قضاء، فقد صام تسعةً وعشرين، وبقي عليه يومٌ، فليقضه. ٢٣٤٥ - ولو صادف الشهرُ الذي صامه شهراً متقدِّماً على شهر رمضان، فإن انجلى الإشكالُ وشهر رمضانَ بين يديه، لزمه صومُه، بلا خلاف. وإن زال الإشكالُ بعد مضي شهر رمضان، ففي إجزاء صوم الشهر المتقدم قولان

стр. 1996

للشافعي: أحدهما - لا يجزىء، فإن العبادة البدنية إذا تقدمت على وقتها، لم يعتد بها. والثاني - أنها تجزئ للضرورة. وكان القفال يبني هذين القولن على أنه لو وافق صومُه شهراً بعد شهر رمضان، فصومه أداءٌ، أم قضاء؟ ووجه البناء أنا إن قدرناه قضاءً، فالقضاء لا يتقدم، وعبادة البدن لا تتقدم على وقتها، وإن قدرنا الصومَ في الشهر المتأخر أداء، بناء على ظنه فتخيُّلُ (١) ذلك في التقدم والتأخر على وتيرة واحدة. فإن قيل: هل يناظر ما ذكرتموه من صور الخلاف والوفاق القولَ في خطأ الحجيج، فإنهم لو أخطئوا، فوقفوا يوم العاشر أجزأهم الوقوفُ، وإن اتفق غلطٌ في أهلّةٍ وترتب عليه الوقوف في الثامن، ففي إجزائه وجهان، وهذا يناظر تقدمَ شهر الأسير على شهر رمضان؟ قلنا: هذا تشبيهٌ من حيث الصورة؛ فإن الذي أوجبَ الفرقَ بين الثامن والعاشر عمومُ تصوّر الغلط في العاشر، وندور ذلك في الثامن، وأما غلط الأسير، فإنه على وتيرة واحدة في التقدم والتأخر، فلا ينبغي أن يُعتقد اتحاد مأخذ المسألتين. ٢٣٤٦ - ولو انجلى الإشكال، وقد بقي بعضُ شهر رمضان، فيجب صوم البقية، وفي إجزاء ما مضى طريقان: منهم من خرّجه على القولن، وهو (٢) الوجه، ومنهم من قطع بأنه يجب استدراكه إذا اتفق إدراك شيء من الشهر. وكان شيخي أبو محمد يقول: الاجتهاد في وقت الصلاة، في حق المحبوس، على الترتيب الذي ذكرناه في الصوم، في صورة الخلاف والوفاق. فأما المجتهد القادر على أن يَصْبر حتى يستيقن، إذا تقدمت [صلاته، لم يعتد] (٣) بها قولاً واحداً. ٢٣٤٧ - ثم ذكر الشافعي: أن من فاته صوم أيامٍ من رمضان، لا يجب عليه رعاية الموالاة في القضاء، وقصد به الردّ على مالك (٤)؛ فإنه أوجب المتابعةَ في القضاء

стр. 1997

[ظاناً] (١) أن الأداء متتابع، وهذا غلط؛ فإن ما تخيله من التتابع في الأداء تواصل الأوقات، وليس تتابعاً راجعاً إلى صفة العبادة، بدليل أن من أفطر اليوم الأخير من رمضان، لم يلزمه قضاء ما تقدم عليه، بخلاف الصيام المتتابع في الكفارة شرعاً، أو الصوم الذي نذر الناذر التتابعَ [فيه] (٢). فصل قال: " وأحب للصائم أن ينزه صيامه ... إلى آخره " (٣). ٢٣٤٨ - ظاهر التكليف في الصوم متعلق بالإمساك والنية، ولكن المقصود غضُّ الهوى حتى تقوى النفس على التقوى، ولو كُلِّف الخلق هذا المقصودَ تصريحاً، لما استقل به الأكثرون. وهذا من لطائف الشريعة، وكلّفوا ما يفضي إلى طرفٍ من التقوى في الغالب، قال رسول الله ﷺ : " الصوم جُنّة، وحصن حصين، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يفسق، وإن شاتمه رجل، فليقل: إني صائم " (٤) ومعنى الحديث أن [يحدّث] (٥) نفسه بصومه، حتى يزجره ذلك عن المشاتمة؛ إذ لا معنى لذكر الصوم لمن شاتمه.

стр. 1998

فصل قال: " ولا أكره في الصوم السواكَ ... إلى آخره " (١). ٢٣٤٩ - استعمال السواك في النصف الأول من النهار إلى زوال الشمس حسنٌ، على شرط التحفّظ من تجرع حِلابه، وازدراد شَظِيِّه، فإذا زالت الشمس، لم نر استعمالَ السواك استبقاءً للخُلُوف (٢)، وفيه الحديث المشهور (٣). ولا فرق بين صوم التطوع والفرض. ...

стр. 1999

باب صيام التطوع ٢٣٥٠ - لا يلزم صوم التطوع بالشروع عندنا، وكذلك الصلاة، وللشارع فيهما قطعُهما، ثم لا يلزم القضاء. وكان شيخي يقول: الإفطار بالعذر مسوّغ، ومن جملة المعاذير في ذلك أن يعز على من أضافه امتناعُه عن الطعام، فإن لم يكن عذر، فهل يكره قطع الصوم، والصلاة؟ فعلى وجهين كان يذكرهما، ولا بُعد في ذكرهما مع الخلاف في تحريم القطع. ***

стр. 2000

باب النهي عن الوصال ٢٣٥١ - كان رسول الله ﷺ يواصل في العشر الأخير، فواصل عمرُ وغيرُه، فنهاهم رسول الله ﷺ ، وقال: " وددت لو مُدّ لي الشهر مدّاً، ليدع المتعمقون تعمُّقَهم، يقوى أحدكم على ما أقوى عليه؟ إني أبيت يُطعمني ربي ويسقيني " (١). وغرض الباب أن الوصال كان قُربة في حق رسول الله ﷺ ، وهو محرّم على أمته، والوصال يزول بقطرةٍ يتعاطاها كلَّ ليلة، ولا يكفي اعتقادُه أن من جَنَّ عليه الليلُ، فقد أفطر (٢). ...
следующие страницы →