← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

للشافعي: أحدهما - لا يجزىء، فإن العبادة البدنية إذا تقدمت على وقتها، لم يعتد بها. والثاني - أنها تجزئ للضرورة. وكان القفال يبني هذين القولن على أنه لو وافق صومُه شهراً بعد شهر رمضان، فصومه أداءٌ، أم قضاء؟ ووجه البناء أنا إن قدرناه قضاءً، فالقضاء لا يتقدم، وعبادة البدن لا تتقدم على وقتها، وإن قدرنا الصومَ في الشهر المتأخر أداء، بناء على ظنه فتخيُّلُ (١) ذلك في التقدم والتأخر على وتيرة واحدة. فإن قيل: هل يناظر ما ذكرتموه من صور الخلاف والوفاق القولَ في خطأ الحجيج، فإنهم لو أخطئوا، فوقفوا يوم العاشر أجزأهم الوقوفُ، وإن اتفق غلطٌ في أهلّةٍ وترتب عليه الوقوف في الثامن، ففي إجزائه وجهان، وهذا يناظر تقدمَ شهر الأسير على شهر رمضان؟ قلنا: هذا تشبيهٌ من حيث الصورة؛ فإن الذي أوجبَ الفرقَ بين الثامن والعاشر عمومُ تصوّر الغلط في العاشر، وندور ذلك في الثامن، وأما غلط الأسير، فإنه على وتيرة واحدة في التقدم والتأخر، فلا ينبغي أن يُعتقد اتحاد مأخذ المسألتين. ٢٣٤٦ - ولو انجلى الإشكال، وقد بقي بعضُ شهر رمضان، فيجب صوم البقية، وفي إجزاء ما مضى طريقان: منهم من خرّجه على القولن، وهو (٢) الوجه، ومنهم من قطع بأنه يجب استدراكه إذا اتفق إدراك شيء من الشهر. وكان شيخي أبو محمد يقول: الاجتهاد في وقت الصلاة، في حق المحبوس، على الترتيب الذي ذكرناه في الصوم، في صورة الخلاف والوفاق. فأما المجتهد القادر على أن يَصْبر حتى يستيقن، إذا تقدمت [صلاته، لم يعتد] (٣) بها قولاً واحداً. ٢٣٤٧ - ثم ذكر الشافعي: أن من فاته صوم أيامٍ من رمضان، لا يجب عليه رعاية الموالاة في القضاء، وقصد به الردّ على مالك (٤)؛ فإنه أوجب المتابعةَ في القضاء

стр. 1997

[ظاناً] (١) أن الأداء متتابع، وهذا غلط؛ فإن ما تخيله من التتابع في الأداء تواصل الأوقات، وليس تتابعاً راجعاً إلى صفة العبادة، بدليل أن من أفطر اليوم الأخير من رمضان، لم يلزمه قضاء ما تقدم عليه، بخلاف الصيام المتتابع في الكفارة شرعاً، أو الصوم الذي نذر الناذر التتابعَ [فيه] (٢). فصل قال: " وأحب للصائم أن ينزه صيامه ... إلى آخره " (٣). ٢٣٤٨ - ظاهر التكليف في الصوم متعلق بالإمساك والنية، ولكن المقصود غضُّ الهوى حتى تقوى النفس على التقوى، ولو كُلِّف الخلق هذا المقصودَ تصريحاً، لما استقل به الأكثرون. وهذا من لطائف الشريعة، وكلّفوا ما يفضي إلى طرفٍ من التقوى في الغالب، قال رسول الله ﷺ : " الصوم جُنّة، وحصن حصين، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يفسق، وإن شاتمه رجل، فليقل: إني صائم " (٤) ومعنى الحديث أن [يحدّث] (٥) نفسه بصومه، حتى يزجره ذلك عن المشاتمة؛ إذ لا معنى لذكر الصوم لمن شاتمه.

стр. 1998

فصل قال: " ولا أكره في الصوم السواكَ ... إلى آخره " (١). ٢٣٤٩ - استعمال السواك في النصف الأول من النهار إلى زوال الشمس حسنٌ، على شرط التحفّظ من تجرع حِلابه، وازدراد شَظِيِّه، فإذا زالت الشمس، لم نر استعمالَ السواك استبقاءً للخُلُوف (٢)، وفيه الحديث المشهور (٣). ولا فرق بين صوم التطوع والفرض. ...

стр. 1999

باب صيام التطوع ٢٣٥٠ - لا يلزم صوم التطوع بالشروع عندنا، وكذلك الصلاة، وللشارع فيهما قطعُهما، ثم لا يلزم القضاء. وكان شيخي يقول: الإفطار بالعذر مسوّغ، ومن جملة المعاذير في ذلك أن يعز على من أضافه امتناعُه عن الطعام، فإن لم يكن عذر، فهل يكره قطع الصوم، والصلاة؟ فعلى وجهين كان يذكرهما، ولا بُعد في ذكرهما مع الخلاف في تحريم القطع. ***

стр. 2000

باب النهي عن الوصال ٢٣٥١ - كان رسول الله ﷺ يواصل في العشر الأخير، فواصل عمرُ وغيرُه، فنهاهم رسول الله ﷺ ، وقال: " وددت لو مُدّ لي الشهر مدّاً، ليدع المتعمقون تعمُّقَهم، يقوى أحدكم على ما أقوى عليه؟ إني أبيت يُطعمني ربي ويسقيني " (١). وغرض الباب أن الوصال كان قُربة في حق رسول الله ﷺ ، وهو محرّم على أمته، والوصال يزول بقطرةٍ يتعاطاها كلَّ ليلة، ولا يكفي اعتقادُه أن من جَنَّ عليه الليلُ، فقد أفطر (٢). ...

стр. 2001

باب صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء ٢٣٥٢ - قال رسول الله ﷺ : " صوم يوم عرفة كفارةُ السنة والسنة التي تليها، وصوم يوم عاشوراء كفارةُ السنة " (١). فقوله السنة التي تليها يحتمل معنيين: أحدهما - السنة التي قبلها، فيكون إخباراً أنه كفارةُ سنتين ماضيتين، ولا يمتنع حملُها على السنة المستقبلة، وكل ما يرد في الأخبار من تكفير الذنوب، فهو عندي محمولٌ على الصغائر، دون الموبقات. وقيل: كان رسول الله ﷺ يصوم التاسوعاء، والعاشوراء، فيحتمل أنه لم يؤثر إفرادَ يومٍ بالصوم، ويحتمل أنه احتاط لمصادفة العاشر. ثم لا يستحب للحاج أن يصوم يوم عرفة، وما كان النبي ﷺ صائماً فيه في حجة الوداع، وتبين ذلك لأصحابه، بتناوله لبناً في قدحٍ وقتَ العصر، ومناولته سَوْدة أم الفضل بنت الحارث (٢)، ولعل السبب فيه أن لا يعجز عن الدعاء عشية عرفة، فلا يَعدِلُه فيما نظن دعاءٌ وذكرٌ في غيره. ...

стр. 2002

باب الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها ٢٣٥٣ - أما العيدان، فلا يقبلان الصومَ، ويلغوا نذر صومهما. ٢٣٥٤ - فأما أيام التشريق، فالمنصوص عليه في الجديد أنها لا تقبل صوماً؛ قال رسول الله ﷺ فيها: " إنها أيام أكل وشرب وبِعَال " (١). وقال في القديم: للمتمتع أن [يوقع] (٢) فيها صيامَ الأيام الثلاثة الثابتة في كفارة التمتع. ثم اختلف أصحابنا في التفريع على القديم، فقال بعضهم: إنها لا تقبل غير صوم التمتع، لضرورةٍ تخصه، وقال آخرون: إنها كيوم الشك، على ما نصف حكمَه. ٢٣٥٥ - أما يوم الشك، فقد سبق تصويره، [واعتماد] (٣) صومه من غير سبب منهيٌ (٤) عنه، وفي صحته وجهان، كالوجهين في إيقاع الصلوات التي لا أسباب لها في الأوقات المكروهة، ونَذْر صومه يخرج على ذلك، فإن لم نصحح فيه صوماً بلا سبب، لغا نذْر صومه، وإن صححنا صومه مع الكراهية، صح النذر.

стр. 2003

وذكر القاضي حسين مسلكاً يفضي إلى تنزيل يوم العيد، منزلة يومِ الشك. وما نراه قاله عن عَقْدٍ، وإنما ذكره في تقدير كلامٍ تقديراً، لا تحقيقاً. وأصل المذهب لا يُزال بمثل هذا. ولو أوقع في يوم الشك قضاءً، أو صوماً منذوراً، أو صادف وِرداً له، فلا بأس، ولا كراهية. ولو أراد أن يصوم شعبان كله، فصام يومَ الشك على قصدِ استكمال شعبان، فلا بأس أيضاًً، وقد قالت عائشة ﵂: " كان رسول الله ﷺ يصوم شعبان كله " (١) والله أعلم. ...

стр. 2004

باب الجود والإفضال في شهر رمضان ٢٣٥٦ - قال ابن عباس: " كان رسول الله ﷺ أجود الخلق، فإذا دخل شهر رمضان كان أجود بالخير من الريح المرسلة " (١) معناه في العموم، أو في التسرع (٢). وبالجملة شهر رمضان شهر البركات، والبدار إلى الخيرات، والحسناتُ فيه مضاعفة، فليبتدرها الموفقون. والله وليّ التوفيق. ...

стр. 2005

باب (١) الاعتكاف وليلة القدر ٢٣٥٧ - صدّر الشافعي كتابَ الاعتكاف بالقول في ليلة القدر، فإن رسول الله ﷺ كان يلتمسها في العشر الأواخر، ويعتكف فيها ليلاً، ونهاراً. واختلف العلماءُ: هل كانت ليلة القدر في الأمم؟ والمختار عندنا أنها مختصة بهذه الأمة؛ لما روي أن رسول الله ﷺ ، ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس لأْمَتَه (٢)، وقاتل في سبيل الله ألف شهر، لا ينزِعها (٣)، فاستعظمت الصحابة، [ذلك] (٤) وتمنَّوْا أن يكون لهم مثلُ هذا العمر، وهذه القوة؛ فأنزل الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] إلى قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]، فدل هذا على تخصيص هذه الأمة [بها] (٥). ٢٣٥٨ - ثم اختلف الناس في وقتها: فذهب بعضُهم إلى أنها في السنة، وعندنا أنها في الشهر، ومذهب أبي حنيفة (٦) أنها في الشهر، لا يختص بها عشر، وذهب الشافعي إلى أنها في العشر الأخير، وميله إلى أنها ليلةُ الحادي والعشرين، وفيه الحديث الصحيح، وهو ما روي أن رسول الله ﷺ قال: " أريت هذه الليلةَ، فخرجت لأخبركم، فتلاحا فلانٌ وفلان، فأُنسيتها، ولعله خيرٌ لكم، ورأيتني أسجد في صبيحتها إلى ماءٍ وطين " قال راوي الحديث، أبو سعيد الخدري:

стр. 2006

" أبصرت عيناي رسولَ الله ﷺ وعلى جبهته وأنفه أثرُ الماء والطين، في صبيحة إحدى عشرين " (١). وفي الحديث: إن المسجد كان على عريش، وأمطرت السماء فوكف (٢). وقال الشافعي ﵀ في بعض المواضع: هي ليلةُ الحادي والعشرين، أو ليلةُ الثالث والعشرين. وذهب طوائفُ من الناس إلى أنها ليلةُ السابع والعشرين، وإليها صَغْوُ (٣) الناس، وهو مذهب ابن عباس. وقد صح أن رسول الله ﷺ ، قال: " اطلبوها في العشر الأواخر، واطلبوها في كل وتر " (٤) وروي أنه قال: " اطلبوها لتسع بقين، أو لخمسٍ بقين، أو لثلاثٍ بقين، أو الليلةَ الأخيرة " (٥). وذهب بعض العلماء إلى أنها رُفعت، مع رسول الله ﷺ ، وهذا أبعد المذاهب. ٢٣٥٩ - فإن قيل: فعلى ماذا التعويل؟ وما المعتبر في هذا؟ قلنا: للشافعي مذهبان: أحدهما - في انحصار ليلة القدر في العشر الأخير، والآخر: تعيينه الحاديَ والعشرين، والثالثَ والعشرين. وبين مذهبيه فرقٌ، تبينه مسألة، وهي الكاشفة لغائلة الفصل. [قال الشافعي] (٦): لو قال لامرأته: أنت طالق ليلة القدر، لم تطلق حتى ينفضي

стр. 2007

العشر، ولو انقضت، طُلّقت، ولا نحكم بوقوع الطلاق بانقضاء الحادي والعشرين، ولا بانقضاء الثالثة (١) والعشرين؛ فمذهبه ثابتٌ في أنها في العَشر، وهو على تردد في التعيين من العشر، والحديث الذي يتكرر في متن كل مروي قوله: " التمسوها في العشر الأخير " وفي الحديث تأكيدُ الأمر بالألتماس في الأوتار، من غير إغفال الأشفاع. فإن قيل: الانحصار في العشر مقطوعٌ به؟ قلنا: لا، ولكنه [مذهبٌ] (٢) ثابت، والطلاق يناط وقوعه بالمذاهب المظنونة (٣). وذكر صاحب التقريب في كتابه تردداً، في أنه يجوز أن تكون في النصف الأخير من رمضان. وهذا متروك عليه، ولا نعرف له متعلَّقاً. وفي العلماء من قال: إنها تنتقل. هذا نجاز القول في ذلك. ٢٣٦٠ - ثم حق من يتأسّى برسول الله ﷺ أن يدخل المعتكَف قبل غروب الشمس يومَ العشرين، حتى تغرب عليه الشمس، وهو في معتكفه، ثم يستمر إلى استهلال هلال شوال، ولو أحيا ليلةَ العيد، تعرّض لقول رسول الله ﷺ : " من أحيا ليلتي العيد، لم يمت قلبُه يوم تموت القلوب " (٤).

стр. 2008

والاعتكاف كان في الشرائع المتقدمة، قال الله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. وعن عائشة أنها قالت: " كان رسول الله ﷺ يعتكف، فيدني إليّ رأسَه، فأرَجِّله " (١). فصل قال: " والاعتكاف سنة حسنة، ويجوز بغير صوم ... إلى آخره " (٢). ٢٣٦١ - المنصوص عليه للشافعي في الجديد أن الاعتكاف يصح بغير صوم، ويصح في الليلة الفردة، والعيد وأيام التشريق. وقال أبو حنيفة (٣): " لا اعتكافَ إلا بصوم "، ثم ناقض، وقال: لو اعتكف يوماً محتوشاً بليلتين، صح اعتكافه في اليوم والليلتين، وإن كانت الليلةُ لا تحتمل الصوم. وحكى الأئمة قولاً للشافعي في القديم، في اشتراط الصوم في الاعتكاف. ثم قال الأئمة: إذا فرعنا على القول القديم، لم نصحح الاعتكاف في الليل، لا تبعاً، ولا مفرداً. ٢٣٦٢ - فإن قلنا: الصومُ شرطُ الاعتكاف، لم نشترط الإتيانَ بصومٍ لأجل الاعتكاف، بل نصحح الاعتكافَ في رمضان، وإن كان صومُه مستحَقاً شرعاً، مقصوداً. وإن قلنا: الصوم ليس بشرط في الاعتكاف، فلو نذر أن يعتكف صائماً، فهل يلزمه الجمع بين الصوم والاعتكاف، [أم يجوز له أن يعتكف بلا صوم، ويصومَ

стр. 2009

بلا اعتكاف] (١)، فعلى وجهين، وربما كان يقول: على قولين: أحدهما - لا يجب الجمع؛ فإنهما عبادتان، كلُّ واحدة مقصودةٌ في نفسها، فلا يجب الجمع بينهما بالنذر، كما لو قال: لله عليّ أن أعتكف مصلياً؛ فإنه لا يلزمه الجمع بينهما. والثاني - يلزمه الجمع، لاستواء العبادتين في المقصود؛ إذ الغرض من كل واحد منهما الإمساك، والانكفاف، وإذا تقاربتا، لم يبعد التزام جمعهما، كما لو نذر أن يُقرن بين الحج والعمرة. وكان شيخي يقول: لو نذر أن يصوم معتكفاً، لم يلزمه الجمع بينهما، وجهاً واحداً. وهذا لا أرى له وجهاً، فلا فرق بين أن ينذر الاعتكاف صائماً، وبين أن ينذر الصوم معتكفاً، فالوجهان جاريان. قال القفال: إذا قال: لله عليّ صلاةٌ، أقرأ فيها السورة الفلانية، فهل يجب عليه الوفاء بذلك جمعاً، حتى لو قرأ تلك السورة في غير الصلاة المنذورة، وأقام الصلاة دونها، يجوز؟ قال: هذا يخرّج على الخلاف في أنه هل يجب الجمع بين الاعتكاف والصوم بالنذر. فصل قال: " ومن أراد أن يعتكف العشرَ الأواخر ... إلى آخره " (٢). ٢٣٦٣ - الأَوْلى فرض هذا الفصل في النذر. فإذا قال الرجل: لله عليّ أن أعتكف العشر الأواخر من الشهر، فإن ابتدأ الاعتكافَ مع (٣) انقضاء العشرين من الشهر، ثم خرج الشهر ناقصاً، فقد خرج عن موجَب نذره؛ فإنه وإن نذر العشرَ في لفظه، فالمراد به (٤) افتتاحُ الاعتكاف في الوقت الذي ذكرناه، إلى انقضاء الشهر، ثم الشهر قد يكمل، وقد ينقص، فلا حكمَ لذكر العشرِ مع تعيين الآخر من الشهر.

стр. 2010

ولو قال: لله عليّ أن أعتكف عشرةَ أيامٍ، ثم افتتح الاعتكاف، في الوقت الذي ذكرناه من الشهر، ثم نقص الشهر، لزمه اعتكافُ يومٍ آخر؛ فإنه اعتبر بالعشر، وجرَّد القصد إليه، فلا بد منه، ووضوح ذلك يغني عن الإطناب فيه. فصل ٢٣٦٤ - لا بد من ذكر الاعتكاف المتطوّع به، والمنذور، وتمييزِ أحد القسمين عن الثاني، على الجملة. ثم المسائل الموضوعة في الباب تفصِّل ما نجمله [فيهما] (١). فالاعتكاف يقع تطوعاً، ومنذوراً، فأما التطوع، فعماده النيّة، وقد اختلف -أولاً- أئمتنا في أن حضور المسجد من غير مُكث: هل يكون اعتكافاً معتداً به؟ فمنهم من قال: لا بد من لُبث، وهو الاعتكاف. ومنهم من قال: الحضور يقع قُربةً، معدودة من قبيل الاعتكاف، وإن لم يقع لُبث. فهذا (٢) بمثابة حضور عرفة، فإنه يُغني ويَكفي في تحصيل الركن، وإن كان قد أُوجب باسم الوقوف، وهو مشعر بالمكث إشعار العكوف (٣). التفريع: ٢٣٦٥ - إن حكمنا بأن الحضور كافٍ، فحضور المسجد اعتكافٌ مع النية، حتى لو نوى من يدخل من بابٍ ويخرج من بابٍ الاعتكافَ، كان ما جاء به قُربةً، من قبيل الاعتكاف. وإن قلنا: لا بد من لُبث، لم يكفِ فيه ما يكفي في الطمأنينة في الركوع؛ فإنا قد أوضحنا أنه يكفي في إقامة الفرض منها، انفصالُ آخرِ حركةِ الهُويّ عن أولِ حركة الرفع عن الركوع، وكأن الغرض تحصيلُ صورة الركوع، مع فصله عما قبله وبعده. وأما هذه القُربة، فشرط تصويرها عند هذا القائل المُكث، فليكن محسوساً.

стр. 2011

ولو كان المعتكف متردّداً (١) في أرجاء المسجد، فهو معتكف، وقد يكون زمان تردد من يصح اعتكافه أقلَّ من زمان من يدخل من بابٍ، ويخرج من باب، والبابان متحاذيان. ٢٣٦٦ - ثم إذا ثبت أن الاعتكافَ المتطوعَ به يعتمدُ النيةَ، فالنيةُ لا يخلو إما أن تثبت مرسلة، من غير ربط بأمدٍ معلوم، وإما أن تتعلق بمدة معلومة. فإن نوى من دخل المسجدَ الاعتكافَ، بقي معتكفاًً ما بقي في المسجد، طال الزمان، أو قصر. وكان شيخي يتردد في مثل هذه الصورة، في (٢) الصلاة ويقول: إذا نوى المتطوع الصلاةَ مطلقةً، ولم يربط قصدَه بأعدادٍ معلومة من الركعات، فالوجه تصحيحُ ركعةٍ؛ إن اقتصر عليها، أو ركعتين، أو أربع (٣)، فأما المزيد -ولم يرد فيه ثبتٌ على الاسترسال- ففيه نظر. ووجدت لغيره القطعَ بأنه لو نوى الصلاةَ وأراد إقامةَ مائةِ ركعة في تسليمةٍ، فلا بأس. وهذا هو القياس. ولا ينبغي للمحصل إذا هاب شيئاً أن يتخذ هيبته معوَّل نظره. فإذا كان الاعتكاف كذلك، فمهما اتفق خروجٌ، انقطعَ، ولا بد في العَوْد من تجديد النية، ثم يكون اعتكافاً مبتدأً، والذي مضى اعتكافٌ تام [إن] (٤) كان لُبثٌ، وإن لم يكن، فعلى ما قدمناه من الخلاف. و (٥) لا فرق بين أن يخرج لقضاء الحاجة، أو لغيرها فيما ذكرناه. فلو ربط النيةَ بأمدٍ، ارتبطت به. قال شيخي: إذا خرج، وعاد، فإن قرب الزمان، لم يحتج إلى تجديد النية في المدة المعينة. وإن بعد الزمان، ففي البناء على

стр. 2012

النية المتقدمة، والاكتفاءِ [بها] (١) قولان مأخوذان من تفريق الطهارة، وما ذكرناه فيه إذا لم يكن الاعتكافُ منذوراً. ٢٣٦٧ - قال الإمام: لو نذر اعتكافَ أيام، ولم يشترط التتابعَ، فدخل المعتكَف، ونوى إقامة الوفاء بالنذر، فإذا خرج، وعاد، وقرب الزمان، لم يحتج إلى تجديد النية. وإن بعد، فعلى القولين؛ فإن التتابعَ إذا لم يكن مستحَقاً، قامت النية في إقامة الوفاء بالنذر، مقام (٢) النية في التطوع بأصل الاعتكاف، ولا يختلف النوعان بالاستحقاق، [والاستحباب] (٣)، وإنما المتبع النيةُ، وصفة التتابع غيرُ مرعية. ولم يفصل شيخي (٤)، لمّا قال: " إذا قرب الزمان، فلا حاجة إلى تجديد النية "، بين أن يكون الخروج لقضاء [الحاجة] (٥)، أو غيرها، وإنما اعتبر قربَ الزمان. وفي (٦) كلام أئمتنا في الطرق: إن الخروج إن (٧) كان لقضاء الحاجة، فلا حاجة إلى تجديد النية عند العَوْد، وإن لم يكن لقضاء الحاجة، ففي التجديد عند العود خلافٌ، وإن قرب الزمان؛ لأن الخروج مناقضٌ للاعتكاف، وليس كالتفريق في الزمان اليسير، في الطهارة. وهذا محتملٌ. ٢٣٦٨ - وفي بعض التصانيف أن مَنْ كان يعتاد دخولَ المسجد، لإقامة الجماعة، أو غيرها، وكان لا يظهر ما يخالف عادته في الدخول والخروج، فلو نوى كلما دخل الاعتكافَ، لم يكن اعتكافاً عند بعض الأصحاب، لأنه غيرُ مخالفٍ لعادته، في دخلاته وخرجاته. وهذا معدود من سقطات الكتاب (٨)؛ فإن المكث، والحضور،

стр. 2013

هو الذي تردّد الأئمة فيه، فأما إذا حصل المكثُ، وانضمّت النيةُ إليه، فليس يتجه إلا القطعُ بتصحيح الاعتكاف. وحكى الشيخ أبو بكر في آخر الكتاب (١): إن من أصحابنا من لم يصحح الاعتكافَ إلا يوماً، أو ما يدنو من يوم، وزعم هذا القائل أن النصف من اليوم، فما دونه، مما يغلب جريان المكث في مثله لعامة الناس، لحاجاتٍ تعنّ لهم في المساجد، ولا يثبت الاعتكاف إلا بمكثٍ يظهر في (٢) مثله أن صاحبه معتكف في المسجد، [وهذا] (٣) أبعد. وما حكيناه من هذا التصنيف، وما قدمنا في ذلك التصنيف، وما حكاه الشيخ واحد. وإنما التردد في الصيغة. هذا قولينا في التطوع بالاعتكاف. ٢٣٦٩ - فأما الواجب، فهو المنذور، ولا يجب الاعتكاف شرعاً، وهذا يخرم ضبطاً لبعض الأصحاب، فيما يلزم بالنذر؛ فإن طائفةً منهم، صاروا إلى أنه لا يُلتزم بالنذر إلا ما يجب بأصل الشرع، والاعتكاف يَرِد على ذلك، ومحاولة الجواب عنه تكلّفٌ. وسنذكر حقيقة ذلك وسرّه، في كتاب النذور. ثم الاعتكاف المنذور ينقسم إلى: مقيد بالتتابع، وإلى مضافٍ إلى الزمان المعين، من غير تتابع، وإلى مضافٍ إلى زمان معين، مع التقييد بالتتابع. فأما المنذور المطلق الذي لم يتقيد بزمانٍ، ولا تتابع، فقد ذكرنا فيه غرضَنَا في

стр. 2014

فرض الاشتغال بالوفاء به، عقداً ونيةً، وأوضحنا أن التتابعَ إذا لم يكن شرطاً، فالقول يؤول إلى النية في إنشاء الوفاء. ثم الخروج من المعتكَف والعَوْد إليه يستدعي الكلامَ في الاحتياج إلى تجديد النية. وقد ذكرنا تفصيلَ ذلك؛ فإذاً هذا خارجٌ عن غرضنا. والقول وراء ذلك في الأقسام الثلاثة، التي ترجمناها، فنقول: أمّا النذر المقيّد بالتتابع، من غير إضافةٍ إلى [الزمان، فالتتابع مرعيٌّ] (١) فيه وفاءً بالنذر، ولا يخفى أن من حكم التتابع إذا انقطع، بما يتضمّن قطعَه [كما سنصفه] (٢)، فأثرُ ذلك بطلان الاعتكاف، فيما مضى. ٢٣٧٠ - ونحن نذكر معاقد المذهب فيما يؤثر في التتابع وفاقاً، وفي مواقع الخلاف، وفيما لا يؤثر، ولا نحوي جملةَ الغرض، بل نبيّن ما يظهر، ويجري مجرى تأسيس القواعد، ونحيل غيره عفى مسائل الكتاب؛ فإنها منصوصة. فالخروج لقضاء الحاجة لا يقطع التتابعَ، وإن لم يجر له تعرّض؛ فإن هذا في حكم المذكور المستثنى بقرينة الحال، ثم إن قرب زمان الخروج والعَوْد، فلا أثر لما جرى. وإن كان منزله بعيداً وتطاول الفصل لذلك، فوجهان. وكذلك لو كثرت الخرجات لعارضٍ اقتضى الخروج عن عادة الاعتدال، فهو على الوجهين: فمن أئمتنا من راعى جنس (٣) الخروج لقضاء الحاجة، ولم يجعله مؤثراً، من غير تعريج على التفاصيل، ومنهم من خصص عدم التأثير [بقرب] (٤) الزمان، وجريان الأمر على عادة الاعتدال. وما ذكرناه من القرب والبعد، لا توقيف فيه، والرجوع (٥) إلى العادة، فكل زمان

стр. 2015

لا يُخرج المرءَ عن هيئة ملازمة المسجد، فهو قريب، وما يخرجه عن هيئة الملازمة، فهو البعيد الذي ذكرناه. ولو كان له داران قريبة وبعيدة، ولم تكن البعيدة -بحيث لو لم يملك غيرها- لا يُقطع الاعتكافُ بالخروج إليها في وجهٍ [عند] (١) فرض الانفراد، فإذا تُصوّرت المسألة بهذه الصورة، ففي المسألة وجهان: أحدهما - يتعين الخروج إلى المنزل القريب؛ إذ لا حاجة إلى غيره. والثاني - لا بأس بالخروج إلى المنزل البعيد، إذا كان على الحد الذي وصفناه في الانفراد. وظهر اختلاف أصحابنا في الخروج لأجل الوضوء، من غيرِ بولٍ وتغوّط، فذهب الأكثرون إلى أنه يؤثر؛ فإن الوضوء في المسجد ممكن، ولا شك أن هذا في الوضوء الواجب. وكذلك اختلف أئمتنا في الخروج لأجل الأكل، والأظهر أنه يؤثر. ومتعلَّق من يقول: إنه لا يؤثر أن الأكل في المسجد قد يقدح في المروءة. ونهايةُ الضرورة ليست مرعية. ولا خلاف أنا [لا] (٢) نشترط غايةَ إرهاق الطبيعة في الحاجة. ٢٣٧١ - ومما يتعلق بما نبغيه في ذلك: أن المرأة إذا اعتكفت، وحاضت، [و] (٣) خرجت عن معتكفها، نظر: فإن كانت نذرت الاعتكاف في زمان متطاول يغلب طريان الحيض عليه، فلا ينقطع التتابع بطريان الحيض؛ فإن ذلك مما لا يتأتى التحرزُ منه. وكذلك القول في طريان الحيض على الصيام المتتابع في الزمان الممتد. وإن نذرت الاعتكافَ المتتابعَ، في زمانٍ لا يبعد خلوه عن الحيض، ولكنها قربت افتتاحَ الوفاء من نوبتها، [أو] (٤) اتفق تقدم الحيضة على [خلاف] (٥) عادتها، ففي

стр. 2016

انقطاع التتابع في الصورتين وجهان: أحدهما - ينقطع لخروج الحيض عن القبيل الذي يغلب طريانه. والثاني - لا ينقطع؛ نظراً إلى جنس الحيض وتركاً للاشتغال بتفصيله، ونظائر ذلك كثيرة، وقد ذكرنا في هذا الفصل ما يقرب منه، وهو الخروج لقضاء الحاجة على بعد الزمان بسبب بعد المنزل، أو خروج الطبيعة عن عادة الاعتدال. وسيأتي نظير هذا في صيام الثلاثة الأيام في كفارة اليمين، إذا فرض طريان الحيض عليها، على قولينا باشتراط التتابع. فإن قيل: إن جرى الخلاف في تقدم الحيضة، فما وجهه إذا قصدت تقريب زمان افتتاح الوفاء من عادتها؟ قلنا: تأخّر الحيضةِ ممكن كما يمكن تقدمها، نعم: أصح الوجهين في هذه الصورة الانقطاعُ. ٢٣٧٢ - ولو خرج المعتكف لعذر المرض المنتهي إلى مبلغٍ يقتضي الخروجَ عن المعتكَف، ففي انقطاع التتابع قولان، وكذلك إذا أفطر الملابس للصوم المتتابع. فمن قال: لا ينقطع التتابعُ في الموضعين، فمتعلقه ثبوت الضرورة في الفِطر، والخروج من المعتكَف، ومن قال بالقول الثاني، فمتعلقه أن المرض ليس مما يعرض (١) ويطرأ لا محالة، بخلاف الحيض، وهذا تقرر في موضعه. وإن كان المرض بحيث يؤدي إلى تلويث المسجد لو فرض المكث [فيه] (٢) كاسترخاء الأَسْر (٣)، والاستحاضة، فلأئمتنا طريقان: منهم من ألحقه بالحيض، ليقطع بأنه لا يقطع التتابعَ، ومنهم من أقره على القولين، وهو القياس. فهذه جملٌ نبهنا عليها. وقد ترد مسائل في الكتاب تلتفت على هذه القواعد، وفاقاً وخلافاً، لم نذكرها الآن، حتى ننتهي إليها. ٢٣٧٣ - فإذا تبين ما يقطع التتابع وما لا يقطعه، فإنا نذكر وراء ذلك التفصيلَ في أن الأزمنةَ التي تمضي في غير المعتكَف هل يعتد بها من الاعتكاف؟

стр. 2017

فنقول: أما الخروج لقضاء الحاجة، فقد ذكرنا: أنه لا يؤثر في قطع التتابع، ونقول الآن: إنه معتدٌّ به حتى إذا اعتكف الرجل أياماً، ولو جمعت أوقات خرجاته، لبلغت يوماًً أو بعض يوم، فلا نقول: يجب تداركها. اتفق الأصحاب عليه، حتى قال طوائف من المحققين: إن الخارج لقضاء الحاجة معتكف، وإن لم يكن في المسجد، واستدل هؤلاء بالاعتداد بهذا الزمان، وكان من الممكن أن لا يعتد بها، وإن كان يُحكم بأن التتابع لا ينقطع. واحتج هؤلاء أيضاًً بأن الخارج لقضاء حاجته [لو] (١) جامع، فسد اعتكافه. وكان من الممكن أن يقال: لا يفسد، ويُعدّ الجماع الواقعُ منه بمثابة الجماع الواقع [منه] (٢) ليلاً في الصوم المتتابع. وقال قائلون: ليس الخارج معتكفاً، ولكن زمان خروجه مستثنىً، وكأن الناذر قال: لله عليّ اعتكاف عشرة أيام، إلا أوقاتَ خروجي لقضاء الحاجة، وأما الجماع، فقد حمله هؤلاء -في كونه مفسداً- على اشتغال الخارج بما لا يتعلق بحاجته، وقد نقول: لو عاد مريضاً، ينقطع تتابعُه. وإن كان خروجه لقضاء الحاجة على ما نفصله، حتى لو فرض الوقاع مع الاشتغال بقضاء الحاجة -على بعدٍ [في] (٣) التصوير- لم يفسد الاعتكاف. وهذا بعيدٌ، والصحيح أنه يفسد الاعتكاف- وإن (٤) فرعنا على أنه غير معتكف؛ فإنه (٥) عظيمُ الوقع في الشريعة، وهو [وإن] (٦) قرب زمانه أظهر أثراً من عيادة مريض. وقد ذكر أئمتنا أن الخارج لقضاء حاجته إن عاد مريضاً في طريقه، فلم يحتج إلى

стр. 2018

الازورار (١)، فلا بأس بذلك، ولو ازورّ، وعاد، انقطع التتابع، وإن قرب الزمان على وجهٍ كان يحتمل مثلُه في الأناة في المشي؛ فإن هذا يقدح في القصد المجرّد إلى قضاء الحاجة. وذكر الأصحاب أن الخارج لقضاء الحاجة لو أكل لقماً، فلا بأس إذا لم يجرِ أكلٌ مقصودٌ، ولم يظهر طول زمان معتبرٍ، والجماع في مثل هذا الوقت مؤثر بلا خلاف، ومِنْ تَكلُّفِ تصويرهِ، [فرضُ جريانه مع الاشتغال] (٢) بقضاء الحاجة. هذا كلام الأئمة في الخروج لقضاء الحاجة. فأما الخروج لعذر الحيض، أو عذر المرض، على أحد القولين، فغير معتد به، ولا بد من استدراكه، بخلاف زمان الخروج لقضاء الحاجة. وإن استوى جميع ذلك في أنها لا تقطع التتابع. وهذا ظاهرٌ في الحيض، والمرض، وإنما الغموض في الاعتداد بزمان الخروج لقضاء الحاجة. ولو خرج والاعتكاف متتابع، لزيارةٍ، أو عيادةٍ، أو غرضٍ آخرَ صحيحٍ، من غير حاجة، فلا شك في انقطاع التتابع. ٢٣٧٤ - ولو استثنى الخروج لأغراضٍ، فقال: لا أخرج عن معتكفي إلا لكذا، وكذا، فالأصح الذي قطع به معظم الأئمة صحةُ (٣) الاستثناء، والمصيرُ إلى أن التتابع لا ينقطع بالخروج بالأغراض المستثناة. وحكى صاحب التقريب والإمامُ قولاً للشافعي في القديم: أن الاستثناء باطلٌ، ويجب الوفاء بالتتابع، وهذا مهجور لا تفريع عليه. فإذا خرج لما استثناه، وحكمنا بأنه لا ينقطع تتابعُ اعتكافه، فيعود ويبني، ولا يُعتد بزمان خروجه، كزمان المرض والحيض، بخلاف زمان الخروج لقضاء

стр. 2019

الحاجة؛ فإنه إنما استثنى ما ذكره؛ حتى لا يؤثر في قطع التتابع، ولم يذكره حتى [لا] (١) يحط من زمان اعتكافه. ٢٣٧٥ - وإذ نجز هذا، نعود بعده إلى تفصيل القول في تجديد النية، فنقول: أما إذا خرج لقضاء الحاجة، وعاد على ما ينبغي، فلا يحتاج إلى تجديد، وإن عاد بعد زمانِ المرض، أو زمان الغرض المستثنى، فقد ذكرنا أن التتابع لا ينقطع، وهل يحتاج إلى تجديد النية؟ ذكر الشيخ أبو علي وجهين: أحدهما - أنه لا يجب التجديد؛ فإن التتابع منتظمٌ والمتخلّلُ غيرُ معتد به. وفيه وجهٌ آخر: أنه لا بد من تجديد النية. وذكره شيخي. وهذا الخلاف مبنيٌّ على نظير له في الطهارة، فإذا فرق المتوضئ وضؤَه، وقلنا: التفريق لا يبطل الوضوء، [فإذا] (٢) عاد إلى البناء على بقية الطهارة، ففي اشتراط تجديد النية وجهان مشهوران. وكل ما ذكرناه [من] (٣) كلام في قسمٍ واحد من الأقسام الثلاثة، وهو إذا نذر اعتكافاً متتابعاً، ولم يعين زماناً. ٢٣٧٦ - فأما إذا [نذر] (٤) اعتكافاً وأضافه إلى زمانٍ حكمه التواصل، ولكنه لم يتعرض للتتابع، مثل أن يقول: لله عليّ أن أعتكف العشرَ الأواخر، من هذا الشهر، فاعتكافه -إذا وفَّى به- يقع متتابعاً، ولكن ذلك التتابع لتواصل الأوقات، لا لكونه مقصوداً في نفسه، ويظهر أثر ذلك [بفَرْضِ] (٥) الكلام [في القضاء] (٦) فلو (٧) لم يف بإيقاع الاعتكاف في ذلك الوقت المعين، فلا شك أنا نُلزمه القضاءَ، ثم لا نوجب

стр. 2020

التتابعَ، كما لا نوجب التتابعَ في قضاء صيامٍ عن شهر رمضان. ولو افتتح الوفاءَ، ثم خرج عن معتكفه لقضاء الحاجة، لم يؤثر خروجُه، ولم يلزمه استدراك زمان الخروج للحاجة، وإذا عاد، لم يلزمه تجديد النية، ولو خرج لا لحاجة -من غير استثناء-، فزمان خروجه لا يعتد به، ولا يبطل ما تقدم من الاعتكاف؛ فإن التتابع ليس مرعياً في هذا النوع، قصداً إليه، والاعتكاف في كل لحظة عبادةٌ على حيالها، فصار تخلل ما ذكرناه بمثابة تخلل الإفطار في أيام رمضان. وكذلك لو فرض طريانُ مفسدٍ، وهو الجماع المفسد، [فلا] (١) يفسد ما مضى. ثم كما لا يفسد ما مضى، لا يخرج باقي الزمان عن التهيؤ [لقبول] (٢) الاعتكاف الواجب. وإذا كان كذلك، فإذا فرض عودُه في الصورة التي انتهينا إليها، فالمذهب أنه لا بد من تجديد النية؛ فإن ما مضى عبادةٌ منفصلة، عما يستقبله الآن، وقد تخلل المفسدُ، أو الزمن الذي لا يعتد به. ولو رُددنا إلى القياس، لما اكتفينا بنية واحدةٍ، في أوقات، كما لا يكتفى بنية واحدة في أول شهر رمضان، ولكن تخصيص كل لحظة بنية عسرٌ، فلأجل ذلك انبسطت نيةٌ واحدة على الأوقات المتواصلة، فإذا تخلل ما يقطع التواصل، وجب الرجوعُ إلى الأصل المنقاس الذي مهدناه. وذكر الشيخ أبو علي في هذه الصورة وجهاً آخر، عن بعض الأصحاب: أن النية الأولى شاملةٌ كافيةٌ، وقد نوى اعتكافَ العشر، فلئن طرأ ما لا يعتد به، فحكم النية باقٍ في البقية. ٢٣٧٧ - ومما يتصل بهذا القسم أنه (٣) لو عين الناذر أوقاتاً لاعتكافٍ (٤) متواصلة، واستثنى أغراضاً، فإذا خرج لها، على حسب استثنائه، لم يجب عليه تداركها في هذا القسم؛ من جهة أن (٥) معنى استثنائه لها يرجع إلى حط أوقاتها عن الأوقات

стр. 2021

المعيّنة، فكأنه قال: لله تعالى عليَّ أن أعتكف هذه الأوقات، إلا أوقاتَ خروجي، وليس كما إذا نذر اعتكاف أيامٍ شائعةٍ متتابعة من غير تعيين زمان، ثم افتتح الوفاء، وقد كان استثنى الخروجَ لأغراضٍ، فإذا خرج لها، لم يعتد بزمان خروجه، وإن لم ينقطع التتابع؛ لأن استثناءه في القسم الأول محمول على أن لا ينقطع التتابع، وهو محمول في القسم الذي نحن فيه على الحط عن الزمان. وهذا واضح لا شك فيه. ولو حاضت المرأة، [و] (١) كانت عينت زماناً في النذر، من غير تعرضٍ للتتابع، أو مرضَ الناذرُ كذلك، فخرج، فزمان الحيض والخروج، لا يعتد به، ويجب تلافيه، وليس كالأوقات التي تمضي في الأغراض المستثناة، والسبب فيه أن استثناءه مُصرِّح باقتضاء حطّ الأوقات، فأما زمان الحيض والمرض، فليس يتعلق به لفظٌ يتضمن الحطَّ، وقد يستوعب الزمانُ [جملةَ] (٢) الوقتِ المعيّن، فصار زمان العوارض (٣) في حكم ترك الملتزَم، وإن كان الترك بسبب العوارض مسوَّغاَّ. ومن نذر صوم يوم، ثم تركه من غير عذرٍ، قضاه، ولو تركه لعذر، قضاه. نعم، الخروجُ لقضاء الحاجة مستثنىً عن هذا القانون، في كل مسلكٍ، ولا يجب تداركُه، ولهذا ذهب ذاهبون إلى أن الخارج في ذلك الوقت معتكفٌ. وقد نجز غرضُنا في هذا القسم. ٢٣٧٨ - فأما القسم الثالث - وهو إذا جمع بين تعيين الزمان، وبين التعرض للتتابع، فقال: لله عليّ أن أعتكف العشرَ الأخير، من هذا الشهر، متتابعاً، فهل يثبت التتابع مقصوداً؟ حتى يقال: لو طرأ مفسد يبطل ما مضى؟ فعلى وجهين: أحدهما (٤) أنه يثبت (٥) حكم التتابع؛ فإنه تعرّض له، وجرّد القصد إليه، فلا منافاة بينه، وبين تعيين الزمان.

стр. 2022

والوجه الثاني - أن التتابع يُلغَى، والغلبة لما عينه من الوقت، وذكر التتابع محمول على تواصل (١) الزمان. ثم ما قدمناه من الأحكام، المتعلقة بالتتابع، وتعيين الوقت لا تخفى إعادته هاهنا. فهذا منتهى غرضنا في جمل عقد (٢) المذهب، في قواعد الاعتكاف. ٢٣٧٩ - وقد قال صاحب التقريب: إذا وقع التفريع على الأصح في تصحيح الاستثناء عن التتابع، فلو قال الناذر: لله عليّ أن أتصدق بعشرة دراهم، إلا أن أحتاج قبل التَّصدُّق (٣)، فإذا احتاج، فهل يسقط واجب النذر إعمالاً للاستثناء؟ [قال:] (٤) المسألة محتملة. وكذلك لو فُرض في نذر الصوم والصلاة وغيرهما من القرب الملتزمة بالنذر. وطرد هذا فيه، إذا قال: لله عليّ شيء من ذلك، إلا أن يبدوَ لي. زعم أن المسألة محتملة؛ إذا بدا له. ولم يُشر في مجاري كلامه إلى إفساد النذر، لمكان الشرط. نعم ذكر شيخي أنه لو استثنى في هذه القربات ما يتعلق به غرض، كالافتقار في نذر الصدقة، وكما (٥) يناظر هذا في كل قُربة، فالاحتمال لائح. فأما إذا قال: إلا أن يبدو لي، فالأوجه إبطال هذا الاستثناء؛ فإنه غير متعلق بغرض. وقد يتجه عندنا إفساد النذر، في هذه الصورة؛ فإنه إذا علق بِخيَرة نفسه، فهو مضادٌّ لمعنى الإلتزام، وتعويل الوفاء على التصميم إذاً (٦)، والمصمم على التطوع يُمضيه. ٢٣٨٠ - وألحق العراقيون شيئاً بهذا الفصل يدانيه من وجهٍ، [و] (٧) الغرض منه

стр. 2023

غيرُه، فقالوا: إذا كان نَذَر صوماً، ثم شرع فيه، وفاء بالنذر، وشرط أن يتحلل عنه، إن عنّ عارض عيّنه، مما يعد [عَرَضاً] (١) مؤثراً، وإن لم يكن في عينه مبيحاً للخروج، كالمرض التام المؤثر في إثبات رخصة الإفطار، قالوا ينعقد الصوم، ويثبت التحلل [عندنا، على] (٢) شرط القضاء؛ لأجل الاستثناء. ولو شرط التحلل عن الحج لعارض المرض، وهو -كيف قدر- لا يبيح التحلّلَ عندنا لعينه، فهل يثبت التحلل بالشرط؟ فعلى قولين، سيأتي ذكرهما في المناسك، -إن شاء الله تعالى- وسبب الفرق أن الحج مباينٌ لسائر العبادات، في مزيد [التأكيد] (٣). هذا ترتيبهم. وكان شيخي يقلب هذا الأمرَ، ويجعل التحلّلَ في الحج وفاءً بالشرط- أولى بالثبوت؛ لخبرٍ فيه ما سنرويه في موضعه؛ إذ قال رسول الله ﷺ : " أهلِّي، واشترطي أن محلي حيث حبستني " (٤) ويقول: لو فرض شرطٌ مثلُه في الصوم المنذور، فلا ينقدح إلا بطلان الشرط، [أو] (٥) بطلان النية بالشرط، حتى لا ينعقد الصوم كذلك. ٢٣٨١ - ومن تمام القول في الاستثناء في الاعتكاف [أنا] (٦) إذا صححناه، لم يزد على مقتضاه، حتى لو استثنى عيادة المرضى، لم يخرج لأمرٍ هو أهم منها. وقال الأصحاب: لو ذكر عيادةَ زيدٍ، لم يخرج لعيادة عمرو. ولو قال: أخرج لكل شُغل يعنّ لي، فهو صحيح، فليخرج إن أراد، لكل ما يُعد شغلاً، ديناً ودنيا، على شرط

стр. 2024

أن يكون مستباحاً في الشرع. وليس من الأشغال الخروجُ للنظر إلى رُفقةٍ، [أو] (١) مجتمعٍ، فإن هذا يعد في العرف هَزلاً، غير محصل. وقد يمكن أن يضبط الشغل بمقصود (٢) المسافر في مقصد سفره، على ما تفصّل في موضعه. ولو قال: أخرج مهما أردتُ، فهذا ضد التتابع، فكأنه التزم التتابعَ، ثم نفاه، وفيه وجهان: أحدهما - أن التتابع يَبْطل التزامُه. والثاني - أنه يلزمه، ويبطل الاستثناء. وقد يلتفت هذا على شرائط فاسدة، تُقرَن بالوقوف والحُبُس، فإنا (٣) في مسلكٍ لنا نُبطل الشرطَ وننفذ الوقف، وفي مسلكٍ آخر نُبطل الوقفَ، لاقترانه بالشرط المفسد. ٢٣٨٢ - هذا تمام البيان في ذلك. فصل قال: " واعتكافه في المسجد الجامع أحب إليّ ... إلى آخره " (٤). ٢٣٨٣ - هذا الفصل يستدعي تقديمَ القول في تعيين المساجد في الاعتكاف. فنقول: أولاً - إذا عين مسجداً في نذرِ صلاةٍ، فقال: لله عليّ أن أصلي في هذا المسجد، فإن كان غيرَ المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد القدس، لم يتعين المسجد للصلاة، وله أن يقيمها في غير ذلك المسجد، ولا حرج عليه في إقامتها في غير المساجد. ولو عين مسجد القدس، ومسجد المدينة، ففي وجوب الوفاء قولان، فإن عين المسجدَ الحرامَ للصلاة في سياق نذرها، ففي المسألة طريقان: قال قائلون: يجب

стр. 2025

الوفاء، قولاً واحداً. وخرّج آخرون المسألة على قولين في المسجدين: مسجد المدينة، ومسجد إيليا (١). وتفصيل ذلك والتفريع عليه يُستقصى في كتاب النذور -إن شاء الله تعالى-. فأما إذا عين مسجداً غير المساجد الثلاثة في سياق نذر الاعتكاف، ففي تعيين المسجد وجهان: أحدهما - أنه لا يتعين، كما لا يتعين للصلاة. والثاني - أنه يتعين، وهو ظاهر النص، والسبب فيه أن الاعتكاف في الحقيقة انكفافٌ عن الانتشار في سائر الأماكن والتقلب فيها، كما أن الصوم انكفاف عن [أشياء زمناً] (٢) مخصوصاً، فنسبة الاعتكاف إلى المكان، كنسبة الصوم إلى الزمان. ولو عين الناذر يوماً بعينه [لنذر] (٣) صومه، تعين اليوم، على المذهب الأصح، فليتعيّن المسجد بالتعيين أيضاًً، ثم إذا تعين ما سوى المساجد الثلاثة (٤)، فتعيّنها أولى. وإن لم يتعين ما سواها، ففي تعيينها القولان المذكوران في الصلاة، وينبغي أن يكون صَغْو الفقيه إلى [كون] (٥) التعيين أليق بالاعتكاف منه بالصلاة. وهذا يقتضي ترتيباً في محل الخلاف: فإذا ثبت ذلك، قلنا بعده: لو عين مسجداً لنذره، فليلتزمه، وإن أقام الاعتكاف في غيره، لم يُعتدّ به. وإن قلنا [إنه] (٦) لا يتعين، فلو [خاض] (٧) في الاعتكاف في مسجدٍ كان عينه، ثم خرج لقضاء حاجةٍ، وعاد إلى مسجدٍ آخرَ، على مثل مسافة ذلك المسجد، أو أقرب [منه] (٨) ثم اعتاد ذلك مثلاً في كل خرجة، فقد اختلف أئمتنا: فقال بعضهم: يجوز، وهو القياس؛ فإنه آتٍ بالاعتكاف، ولا تعيُّنَ، والخرجات لقضاء الحاجات مقتصدةٌ على الضبط

стр. 2026

المقدّم. وجَبُن (١) بعض الأصحاب، فمنع هذا، صائراً إلى أن [الخوض في] (٢) الاعتكاف في مسجدٍ يوجب إتمامه فيه، وإنما الكلام فيما قبل الشروع. وهذا ساقطٌ، لا أصل له، فينبغي ألا يعتد به. ٢٣٨٤ - عاد بنا الكلامُ إلى ما ذكره الشافعي، إذ قال: " الاعتكاف في المسجد الجامع أحب إليّ "، وإنما قال ذلك، لكثرة الجماعة في المسجد الجامع، وقد يزيد أمد اعتكافه المتتابع على أسبوع، فإذا كان في الجامع، لم يحتج إلى الخروج عن معتكَفه. وقد بنى الشافعي قولَه هذا على تعيّن المسجد؛ فإنه عوّل في تعويل الاستحباب، على أنه لا يحتاج إلى الخروج من معتكفه للجمعة، وإذا قلنا: لا يتعين المسجدُ، فلا يمتنع فرضُ خروجٍ لقضاء [الحاجة] (٣) مع العود إلى الجامع، كما مهدنا في المقدمة صورَ الوفاق والخلاف. ثم يتصل بهذا الفصل أنه [إن] (٤) عيّن غير الجامع، وزاد أمد اعتكافه على الأسبوع، فيلزمه الخروج إلى الجمعة، فإذا عيّنَّا المسجدَ بالنذر، ثم أوجبنا الخروج، فهل ينقطع (٥) التتابع؟ فيه اختلاف [قولٍ] (٦) وله نظائر، سأذكرها مجموعةً في فصلٍ، بعد ذلك. والذي [ننجزه] (٧) هاهنا: أن نذره لا ينتهض عذراً في جواز ترك الجمعة؛ فإنه هو الذي أدخل على نفسه هذا التضييق، والعسر (٨)، فليتأمل الناظر ذلك. وإن لم يعين المسجدَ، فلو خرج لحاجةٍ، ثم عاد على قُربٍ، من الزمان

стр. 2027

والمكان إلى الجامع، فالمذهب أن تتابعه لا ينقطع، ولو خرج إلى الجامع من غير توسط الخروج لقضاء الحاجة، فهذا خروجٌ إلى واجب، ففيه الخلاف المقدّم الذي رمزنا إليه، ووعدنا تقريره مع نظائره. فصل قال: " ولا بأس أن يسأل عن المريض ... إلى آخره " (١) ٢٣٨٥ - وقد ذكرنا أن الحائض في الاعتكاف المتتابع، إذا لم تستثن شيئاً، لم تخرج إلا لقضاء الحاجة، وألحقنا بها في التفصيل ما مضى. فلو خرج لعيادة مريض قصداً، بطل تتابعه، وبطل ببطلانه اعتكافُه، ولو رأى مريضاً على طريقه، في ممره إلى قضاء حاجته، فعاده، ولم يُطل، فلا بأس؛ فإن هذا لا يعد قصداً إلى العيادة، ولو مال عن الطريق، فعاد مريضاًً يبطل التتابع؛ فإنه تجديد قصدٍ، ولو سأل عن المريض غيرَه، ممن يصادفه، على [طريقه] (٢) فلا بأس، وإذا لم تؤثر عيادته مريضاً على ممرّه، فلا شك أن السؤال عنه على الممر لا يؤثر، ولو دخل منزلَه، فجلس جلسة حتى يُهيَّأ له موضعُ الحاجة، احتُمل ذلك، وعُدّ اشتغالاً بقضاء الحاجة، فلو أنه في هذه الحالة تعاطى لقماً، فأكلها، فلا بأس، ولو قضى حاجته، ثم خرج وأكل لقماً، ولم يأت بأكلٍ مقصود في نفسه، فهذا القدر لا يؤثر أيضاًً -وإن وقع بعد الفراغ- على الأصح من المذهب، وفيه شيء على بعد. وقد ذكرت في الانتقال إلى المنزل للوضوء من غير قضاء حاجةِ البلوى خلافاً، ولا خلاف أن من قضى حاجته واستنجى، لم نكلفه نقلَ الوضوء إلى المسجد، فإن هذا يقع تابعاً، وعن عائشة ﵂، قالت: " كان رسول الله ﷺ لا يسأل عن المريض، إلا مارّاً في اعتكافه، لا يعرج على شيء " (٣).

стр. 2028

وقد أجمع أصحابنا على أن الوقفة القريبة لا تؤثر إذا لم تصر (١) العيادة مقصودة، ولو ازورّ مسرعاً، وعاد مريضاً، وعاد في زمن يحتمل مثله، بين الرَّيْت والعجل، فالذي جاء به يقطع التتابع لمكان القَصْد، والعيادة (٢) على الطريق يعتبر [فيها] (٣) طول الزمان وقصره. ثم الذي إليه الرجوع أن يزيد الأمدُ زيادةً تزيد [على وصف الاقتصاد، بحيث تزيد على الاتئاد] (٤)، بحيث يُحسّ به (٥) المنتظر المراقب. وما ذكرناه في الأكل جريانٌ على الأصح في أنه لو خرج للأكل، لم يجز. فصل قال: " ولا بأس أن يشتري، ويبيعَ ... إلى آخره " (٦). ٢٣٨٦ - إذا اشتغل في معتكفه بالبيع والشراء، لم يبطل اعتكافُه، وكذلك (٧) إذا كان يَخيط، أو يحترف بحرفة أخرى، ولا فرق بين أن يقع ذلك، وهو صنعةُ الرجل يتبلغ بها، وبين ألا تكون صنعتَه. وعن مالك (٨): أنه إذا كان يقيم صنعةً يكتسب بها في المسجد، لم يصح

стр. 2029

اعتكافه، وهذا باطلٌ [عندنا] (١)؛ فإن انحصاره في المسجد هو الاعتكاف، إذا اقترنت به النية. وفي بعض التصانيف (٢) إضافة مذهب مالك إلى الشافعي على البت (٣)، وهذا غلطٌ صريح، ولو جاز أن نعول على ما ذكره مالك، لامتنع الاعتكافُ رأساً، فإن صاحبه اتخذ المسجد بيتَه، ومسكنه، فلا حاصل لهذا، لا نقلاً، ولا تعليلاً. ٢٣٨٧ - ثم قال الشافعي: ولا يُفسده سباب، ولا جدال، والأمر على ما قال. لا يَفسدُ الاعتكافُ بهذا، كما لا يفسد الصوم بمثله. قال الصيدلاني: ولكن يذهبُ أجرُه بذلك، وتفوته الفضيلة، وليس الكلامُ في الأجر والفضيلة من شأن الفقهاء، فلا حاصل لما ذكره، والثواب غَيْب لا مطَّلع عليه. وإن ورد خبر في أن [الغِيبة] (٤) تُحبط الأجرَ، فهو تهديد مؤوَّل، وقد يرد مثله في الترغيب. ثم ذكر الشافعي في أثناء الكلام: أن صاحب الاعتكاف المتتابع لا يخرج لشهود الجِنازة، فإن أدخلت الجنازة رحبةَ المسجد، وهي من المسجد، فلا كلام، وإن خرج لقضاء حاجته، فصادف جنازةً على الطريق، فصلى عليها، فلا بأس؛ فإن الزمان قريب. فليتخذ الفقيه هذا معتبرَه، وليثق بما ذكرناه في الوقوف للعيادة، ولا يزْوَرُّ (٥) للصلاة على الجنازة.

стр. 2030

فصل قال: " ولا بأس إذا كان مؤذِّئاً أن يصعد المئذنة، فإن كانت خارجةً ... إلى آخره " (١). ٢٣٨٨ - إذا شرع المؤذن في اعتكافٍ، متتابعٍ، ثم كان يصعد المئذنة، ويؤذن، فإن كانت المئذنة من المسجد، فلا إشكال في دوام الاعتكاف؛ فإن المئذنة بمثابةِ بيتٍ في المسجد. وإن كانت المئذنة خارجةً عن سمت المسجد، متصلةً به، وكان بابُها لافظاً في المسجد نفسِه، فقد قطع الأئمة بأن التتابع لا ينقطع بالخروج إليها، والرقيّ فيها. ٢٣٨٩ - وإذا كانت لا تُعد من المسجد، ولو نذر (٢) الاعتكافَ فيها، لم يصح؛ فإنّ حريم المسجد، لا يثبت له حكم المسجد في جواز الاعتكاف فيه، وتحريمِ المكث على الجُنب، والمرورِ على الحائض، ولكن النص قاطع بما ذكرناه. ولم أعثر بعد على خلافٍ [للأصحاب] (٣) فيه، مع الاحتمال الظاهر في القياس؛ فإن الخارج إلى هذه المئذنة خارجٌ إلى بقعةٍ غيرِ صالحةٍ للاعتكاف. ولو كان بابُ المئذنة إلى الشارع، أو إلى الحريم، وكان المؤذّن يخرج إلى موضع الباب، ويرقى، ففي انقطاع تتابعه وجهان مشهوران: أحدهما - الانقطاع وقياسه بيّن، والثاني -[أنه لا ينقطع لمعنيين: أحدهما - كون المئذنة على الحريم، والحريمُ من حقوق المسجد، والثاني] (٤) - أن خرجاته للأذان مستثنىً في ظاهر حاله، كخرجات الرجل لقضاء حاجته. وهذا في المؤذن الراتب، فأما غيره إذا خرج، فإن قلنا: ينقطع تتابع المؤذنِ

стр. 2031

الراتب، فلأن ينقطع تتابع هذا أولى، وإلا، فوجهان، على المعنيين، فمن اعتمد استثناء المذهب (١) [لخرجاته] (٢) حكم ببطلان تتابع من ليس راتباً، ومن عوّل على الحريم، لم (٣) يُبطل اعتكافَ غير الراتب أيضاًً. فهذا غاية النقل، مع التنبيه على الاحتمال، والإشكال. ٢٣٩٠ - والقول الحاصل: أن الباب إذا كان لافظاً في المسجد، وانضم إليه الرقيّ للأذان من الراتب، فلا خلاف من طريق النقل، وفي الاحتمال ما ذكرناه. فإن كان في الحريم، والباب خارجٌ، فالخروج للأذان من الراتب على وجهين، ومن غير الراتب للأذان على خلافٍ مرتبٍ، والخروج من الراتب وغيرِه لغير الأذان -والباب خارج- يقطع التتابعَ. والرقيّ في المئذنة اللافظ بابها في المسجد، لغير الأذان [لا] (٤) نقل فيه عندنا، والظاهر الانقطاع؛ فإن المئذنة، وإن كانت لافظةَ الباب في المسجد، فإنها ليست معدودةً من المسجد؛ إذ لا يجوز الاعتكاف فيها. فهذا تمام المراد في ذلك. ٢٣٩١ - وفي النفس شيء، يتعلق تمام البيان فيه، بذكر معنى الحريم، وسنجمع (٥) قولاً بالغاً في كتاب الصلح -إن شاء الله تعالى- وفيه نبيّن حريمَ المسجد، والمِلْك. ولا شك أن المؤذن لو دخل حجرةً مُهيَّأة للسكنى بابها لافظ في المسجد، يبطل اعتكافه، وإنما قيل ما قيل في المئذنة، لأنها مبنيةٌ لإقامة شعار المسجد.

стр. 2032

٢٣٩٢ - ثم قال الشافعي: " وأكره الأذان بالصلاة للولاة " (١). فمن أئمتنا من قال: ليس هذا من مسائل الاعتكاف، بل هو كلام معترض فيها، والمراد أنا نكره للمؤذن أن يأتيَ بابَ الوالي وغيره، فيؤذنَ على بابه، أو (٢) يأتي ببعض كلمات الأذان، كالحيعلتين؛ فإن الأذان الراتبَ دعوةٌ عامة، فليكتفِ بها (٣) آحاد (٤) الناس. ولو حضر المنبِّه أبوابَ الأعيان ونادى بالصلاة، ولم يذكر شيئاً من كلم (٥) الأذان، فقد اختلف أئمتنا في ذلك (٦): فمنهم من قال: إنه لا يكره، وهو اختيار القفال، ويشهد له: أن بلالاً كان يأتي بابَ حجرة رسول الله ﷺ ، إذا قرب قيامُ الصلاة، وينادي: " الصلاةَ الصلاةَ " (٧). والشاهد في كراهية الأذان، ما روي: " أن المؤذن أتى بابَ عمر، بعد ما أذن للعامة، فأذن له (٨)، فأنكر عليه، وقال: أما يكفيني أذان العامة " (٩). فهذا ما يتعلق بالكراهية في ذلك، نفياً وإثباتاً.

стр. 2033

وحمل بعضُ الأصحاب هذا على مسائل الاعتكاف، وزعم أن المراد أن المؤذن لا يخرج من معتكفه ليقف على الأبواب، وينادي، ولو فعل ذلك، انقطع تتابع اعتكافه، وهذا يخالف خروجَه للأذان على حريم المسجد، كما سبق (١) التفصيل [فيه] (٢). فصل قال: " وإن كانت عليه شهادةٌ ... إلى آخره " (٣). ٢٣٩٣ - نذكر في هذا الفصل خرجاتٍ، ضروريةٍ، طارئةٍ، على الاعتكاف المتتابع. وأصل جميعها أن المرض إذا ثقل، وعسر احتمالُه في المسجد، فإذا خرج المعتكف لأجله، ففي انقطاع التتابع القولان المقدَّمان. ويقع في مرتبته ما إذا [أخرج] (٤) الإنسان عن معتكفه قَهْراً (٥)، والجامع بينهما أن كل واحد منهما عارضٌ ضروري، لا يحكم عليه بغلبة الوقوع، قبل [اتفاقه] (٦)، فالمعتكف (٧) غير منتسب فيه إلى تفريطٍ سابق. ومما يتعين التنبه له [أن] (٨) الصائم لو أُوجر الطعامَ، لم يفطر وفاقاً، ولو أكره حتى [طعم] (٩)، ففي الفطر قولان. والخروج من المعتكَف، لا فرق فيه بين أن يُكرَه حتى يخرج بنفسه، وبين أن يُحمل، بل نفسُ مفارقةِ المسجد، إذا تحقق، نيط به من الحكم ما يقتضيه الحال. والذي أراه أن المعتكِف، لو خرج من معتكَفه ناسياً، فيظهر الحكمُ بانقطاع

стр. 2034

تتابعه، بناء على هذا الأصل، الذي مهدناه، والغاية فيه أن يُلحق النسيانُ بالمعاذير، حتى يتردد القولُ، وليس كالأكل على حكم النسيان في الصوم. ٢٣٩٤ - ولو تحمل الرجل شهادة، ثم اعتكف اعتكافاً متتابعاً، وطُلب منه أداء الشهادة؛ فإن لم يتعين عليه أداؤها، فليس له أن يخرج، وإن خرج، انقطع تتابعه. وإن تعين عليه الخروجُ -وتفصيله (١) في كتاب الشهادة- ففي انقطاع تتابعه قولان، مرتبان على القولين فيه إذا خرج لمرض أو أخرجه مخرج. وهذه الصورة الأخيرة أولى بانقطاع التتابع؛ من جهة أن التحملَ المتقدم على الاعتكاف تسبُّبٌ منه إلى الخروج من المعتكف، ولئن لم تلحقه التهمة (٢) في تحمله، فقد كان متمكناً من الاستثناء، فإذا أغفله، وضح من هذه الجهة تقصيرُه. وقد تردد بعضُ المحققين في أن استئناءَ إخراج السلطان إياه من المسجد، هل ينفع على قولينا: إنه يقطع التتابع؟ فقال بعضهم: ينفع. وقال آخرون: لا أثر للاستثناء (٣ فيما يتعلق بالغير، وإنما يؤثر الاستثناء ٣) المرء، وهذا لطيفٌ. وهو تفريع على إعمال الاستثناء. ٢٣٩٥ - ولو التزم الرجل حداً، ثم شرع في اعتكافٍ متتابعٍ، فأخرجه السلطان، لإقامة الحد عليه، فقد ذكر الشيخ أبو علي قولين، في انقطاع التتابع، ولا بد من ترتيبها على تقدم تحمل الشهادة، وهذه الصورة الأخيرة أولى بانقطاع التتابع؛ من جهة الانتساب إلى المعصية، الموجبة للحد، والحكمُ ببقاء التتابع، من فن التخفيف، وهو غير لائقٍ بالمتسبب على حكم المعصية. ٢٣٩٦ - ولو اعتكفت المرأةُ اعتكافاً منذوراً، متتابعاً، فمات عنها زوجُها، في أثناء الاعتكاف، أو طلقها، فالغرض من هذا ينبني على تصوير الإذن فيه وعدمه من الزوج.

стр. 2035

فإن نذرت بإذنه، ودخلت المعتكَف، بإذنه، لم يملك الزوج إخراجها، وإن وُجد أحدهما بإذنه، دون الثاني، ففيه خلافٌ، وموضع استقصائه كتاب النذور والأيمان. وإن كان الزوج يملك إخراجها من المعتكَف، لو دام النكاح، فمات عنها، أو طلقها، فيلزمها الخروج عن المعتكَف، والعَود إلى مسكن النكاح، للاعتداد، فإذا خرجت، ففي انقطاع التتابع الخلافُ المقدَّم. وهذا يلتحق بالمرتبة الأخيرة، إن عصت بدخول المعتكَف، وإن لم تعصِ، ولكنا كنا جوزنا للزوج الرجوعَ عن الإذن، على أحد الوجهين فيه إذا جرى أحد السببين بإذنه، والآخر بغير إذنه، فهذا يلتحق بمرتبةِ تحمّل الشهادة. ولو كان الزوج لا يملك إخراجها لو دام النكاح، فإذا طلقها، أو مات عنها، فهل لها أن تُتم اعتكافها للإذن السابق؟ فعلى وجهين، سنذكر أصلهما في كتاب العِدد. فإن قلنا: لا تخرج، فلو خرجت، بطل اعتكافها. وإن قلنا: يلزمها الخروجُ بطريان العدة، ففي انقطاع التتابع قولان، كما قدّمنا ذكرهما، قبيل هذا في أمر العدة. فهذا بيان ابتناء هذه الخرجات الواجبة، على الخروج لأجل المرض مع ترتيب المراتب. فصل ٢٣٩٧ - نجمع في هذا الفصل مفسداتِ الاعتكاف، في قَرَنٍ (١): فمنها الجماع، فكل جماعٍ يُفسد الصومَ مفسدٌ (٢) للاعتكاف، منافٍ له. ٢٣٩٨ - فأما المباشرةُ دون الجماع، فقد اضطربت النصوص فيها، فقال في كتاب الصيام: لا يباشر المعتكف، فإن فعل، فسد اعتكافه، وقال في موضع آخر:
следующие страницы →