← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

الراتب، فلأن ينقطع تتابع هذا أولى، وإلا، فوجهان، على المعنيين، فمن اعتمد استثناء المذهب (١) [لخرجاته] (٢) حكم ببطلان تتابع من ليس راتباً، ومن عوّل على الحريم، لم (٣) يُبطل اعتكافَ غير الراتب أيضاًً. فهذا غاية النقل، مع التنبيه على الاحتمال، والإشكال. ٢٣٩٠ - والقول الحاصل: أن الباب إذا كان لافظاً في المسجد، وانضم إليه الرقيّ للأذان من الراتب، فلا خلاف من طريق النقل، وفي الاحتمال ما ذكرناه. فإن كان في الحريم، والباب خارجٌ، فالخروج للأذان من الراتب على وجهين، ومن غير الراتب للأذان على خلافٍ مرتبٍ، والخروج من الراتب وغيرِه لغير الأذان -والباب خارج- يقطع التتابعَ. والرقيّ في المئذنة اللافظ بابها في المسجد، لغير الأذان [لا] (٤) نقل فيه عندنا، والظاهر الانقطاع؛ فإن المئذنة، وإن كانت لافظةَ الباب في المسجد، فإنها ليست معدودةً من المسجد؛ إذ لا يجوز الاعتكاف فيها. فهذا تمام المراد في ذلك. ٢٣٩١ - وفي النفس شيء، يتعلق تمام البيان فيه، بذكر معنى الحريم، وسنجمع (٥) قولاً بالغاً في كتاب الصلح -إن شاء الله تعالى- وفيه نبيّن حريمَ المسجد، والمِلْك. ولا شك أن المؤذن لو دخل حجرةً مُهيَّأة للسكنى بابها لافظ في المسجد، يبطل اعتكافه، وإنما قيل ما قيل في المئذنة، لأنها مبنيةٌ لإقامة شعار المسجد.

стр. 2032

٢٣٩٢ - ثم قال الشافعي: " وأكره الأذان بالصلاة للولاة " (١). فمن أئمتنا من قال: ليس هذا من مسائل الاعتكاف، بل هو كلام معترض فيها، والمراد أنا نكره للمؤذن أن يأتيَ بابَ الوالي وغيره، فيؤذنَ على بابه، أو (٢) يأتي ببعض كلمات الأذان، كالحيعلتين؛ فإن الأذان الراتبَ دعوةٌ عامة، فليكتفِ بها (٣) آحاد (٤) الناس. ولو حضر المنبِّه أبوابَ الأعيان ونادى بالصلاة، ولم يذكر شيئاً من كلم (٥) الأذان، فقد اختلف أئمتنا في ذلك (٦): فمنهم من قال: إنه لا يكره، وهو اختيار القفال، ويشهد له: أن بلالاً كان يأتي بابَ حجرة رسول الله ﷺ ، إذا قرب قيامُ الصلاة، وينادي: " الصلاةَ الصلاةَ " (٧). والشاهد في كراهية الأذان، ما روي: " أن المؤذن أتى بابَ عمر، بعد ما أذن للعامة، فأذن له (٨)، فأنكر عليه، وقال: أما يكفيني أذان العامة " (٩). فهذا ما يتعلق بالكراهية في ذلك، نفياً وإثباتاً.

стр. 2033

وحمل بعضُ الأصحاب هذا على مسائل الاعتكاف، وزعم أن المراد أن المؤذن لا يخرج من معتكفه ليقف على الأبواب، وينادي، ولو فعل ذلك، انقطع تتابع اعتكافه، وهذا يخالف خروجَه للأذان على حريم المسجد، كما سبق (١) التفصيل [فيه] (٢). فصل قال: " وإن كانت عليه شهادةٌ ... إلى آخره " (٣). ٢٣٩٣ - نذكر في هذا الفصل خرجاتٍ، ضروريةٍ، طارئةٍ، على الاعتكاف المتتابع. وأصل جميعها أن المرض إذا ثقل، وعسر احتمالُه في المسجد، فإذا خرج المعتكف لأجله، ففي انقطاع التتابع القولان المقدَّمان. ويقع في مرتبته ما إذا [أخرج] (٤) الإنسان عن معتكفه قَهْراً (٥)، والجامع بينهما أن كل واحد منهما عارضٌ ضروري، لا يحكم عليه بغلبة الوقوع، قبل [اتفاقه] (٦)، فالمعتكف (٧) غير منتسب فيه إلى تفريطٍ سابق. ومما يتعين التنبه له [أن] (٨) الصائم لو أُوجر الطعامَ، لم يفطر وفاقاً، ولو أكره حتى [طعم] (٩)، ففي الفطر قولان. والخروج من المعتكَف، لا فرق فيه بين أن يُكرَه حتى يخرج بنفسه، وبين أن يُحمل، بل نفسُ مفارقةِ المسجد، إذا تحقق، نيط به من الحكم ما يقتضيه الحال. والذي أراه أن المعتكِف، لو خرج من معتكَفه ناسياً، فيظهر الحكمُ بانقطاع

стр. 2034

تتابعه، بناء على هذا الأصل، الذي مهدناه، والغاية فيه أن يُلحق النسيانُ بالمعاذير، حتى يتردد القولُ، وليس كالأكل على حكم النسيان في الصوم. ٢٣٩٤ - ولو تحمل الرجل شهادة، ثم اعتكف اعتكافاً متتابعاً، وطُلب منه أداء الشهادة؛ فإن لم يتعين عليه أداؤها، فليس له أن يخرج، وإن خرج، انقطع تتابعه. وإن تعين عليه الخروجُ -وتفصيله (١) في كتاب الشهادة- ففي انقطاع تتابعه قولان، مرتبان على القولين فيه إذا خرج لمرض أو أخرجه مخرج. وهذه الصورة الأخيرة أولى بانقطاع التتابع؛ من جهة أن التحملَ المتقدم على الاعتكاف تسبُّبٌ منه إلى الخروج من المعتكف، ولئن لم تلحقه التهمة (٢) في تحمله، فقد كان متمكناً من الاستثناء، فإذا أغفله، وضح من هذه الجهة تقصيرُه. وقد تردد بعضُ المحققين في أن استئناءَ إخراج السلطان إياه من المسجد، هل ينفع على قولينا: إنه يقطع التتابع؟ فقال بعضهم: ينفع. وقال آخرون: لا أثر للاستثناء (٣ فيما يتعلق بالغير، وإنما يؤثر الاستثناء ٣) المرء، وهذا لطيفٌ. وهو تفريع على إعمال الاستثناء. ٢٣٩٥ - ولو التزم الرجل حداً، ثم شرع في اعتكافٍ متتابعٍ، فأخرجه السلطان، لإقامة الحد عليه، فقد ذكر الشيخ أبو علي قولين، في انقطاع التتابع، ولا بد من ترتيبها على تقدم تحمل الشهادة، وهذه الصورة الأخيرة أولى بانقطاع التتابع؛ من جهة الانتساب إلى المعصية، الموجبة للحد، والحكمُ ببقاء التتابع، من فن التخفيف، وهو غير لائقٍ بالمتسبب على حكم المعصية. ٢٣٩٦ - ولو اعتكفت المرأةُ اعتكافاً منذوراً، متتابعاً، فمات عنها زوجُها، في أثناء الاعتكاف، أو طلقها، فالغرض من هذا ينبني على تصوير الإذن فيه وعدمه من الزوج.

стр. 2035

فإن نذرت بإذنه، ودخلت المعتكَف، بإذنه، لم يملك الزوج إخراجها، وإن وُجد أحدهما بإذنه، دون الثاني، ففيه خلافٌ، وموضع استقصائه كتاب النذور والأيمان. وإن كان الزوج يملك إخراجها من المعتكَف، لو دام النكاح، فمات عنها، أو طلقها، فيلزمها الخروج عن المعتكَف، والعَود إلى مسكن النكاح، للاعتداد، فإذا خرجت، ففي انقطاع التتابع الخلافُ المقدَّم. وهذا يلتحق بالمرتبة الأخيرة، إن عصت بدخول المعتكَف، وإن لم تعصِ، ولكنا كنا جوزنا للزوج الرجوعَ عن الإذن، على أحد الوجهين فيه إذا جرى أحد السببين بإذنه، والآخر بغير إذنه، فهذا يلتحق بمرتبةِ تحمّل الشهادة. ولو كان الزوج لا يملك إخراجها لو دام النكاح، فإذا طلقها، أو مات عنها، فهل لها أن تُتم اعتكافها للإذن السابق؟ فعلى وجهين، سنذكر أصلهما في كتاب العِدد. فإن قلنا: لا تخرج، فلو خرجت، بطل اعتكافها. وإن قلنا: يلزمها الخروجُ بطريان العدة، ففي انقطاع التتابع قولان، كما قدّمنا ذكرهما، قبيل هذا في أمر العدة. فهذا بيان ابتناء هذه الخرجات الواجبة، على الخروج لأجل المرض مع ترتيب المراتب. فصل ٢٣٩٧ - نجمع في هذا الفصل مفسداتِ الاعتكاف، في قَرَنٍ (١): فمنها الجماع، فكل جماعٍ يُفسد الصومَ مفسدٌ (٢) للاعتكاف، منافٍ له. ٢٣٩٨ - فأما المباشرةُ دون الجماع، فقد اضطربت النصوص فيها، فقال في كتاب الصيام: لا يباشر المعتكف، فإن فعل، فسد اعتكافه، وقال في موضع آخر:

стр. 2036

لا يفسد الاعتكاف إلا بالوطء الذي يوجب الحد. واضطربت الأئمة في ترتيب المذهب. ونحن نفرض مباشرةً وهي التقاء البشرتين، من غير إنزالٍ، ثم نفرضها مع الإنزال. فإن لم يتفق الإنزال، فمن أصحابنا من خرّج قولين في أنها هل تُفسد الاعتكاف؟ أحدهما - لا تفسده، كما لا تفسد الصومَ. والثاني - تفسده، لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. والغالب على الظن أن المراد المباشرةُ، دون الإنزال، والجماع، فإنهما لا يقعان (١)، ولا يخفى على العامة اجتنابُهما، فتخصيص المباشرة بالنهي عنها في الاعتكاف، يشعر بالمباشرةِ العريّه عن الإنزال، فقد عُدّت خصّيصة (٢) بمحظورات الاعتكاف، ثم هي محظورة في الحج، وإن لم تكن مفسدةً له. فأما المباشرة إذا اتصل بها الإنزال، فالذي يليق بالتحقيق القطعُ بأنها تُفسدُ الاعتكاف، كما تُفسد الصوم، وهي بإفساد الاعتكاف أولى، فإنا قد نُحوَجُ (٣) إلى تكلّفٍ في تعليل إفساد الصوم بالإنزال، فإنه ليس جِماعاً، ولا دخول داخلٍ إلى الجوف، وتعليل إفساد الإنزال للاعتكاف لائحٌ، من جهة أن المنزل مُجنب، ويحرم على الجنب المكثُ في المسجد، والاعتكاف مكثٌ في المسجد، ويستحيل أن يكون المكثُ محرماً منهيّاً عنه [نهياً] (٤) مقصوداً، ثم يقع قُربة، مأموراً بها، وليس ذلك من قبيل الصلاة في الدار المغصوبة؛ فإن النهي لا يتجرد إلى الصلاة قصداً، كما قررناه في فن الأصول (٥). وذكر بعض أصحابنا قولين في المباشرة مع الإنزال، وزعموا أن الإفساد يختص

стр. 2037

بالجماع، وهذا مشهورٌ في الحكاية، [و] (١) لا اتجاه له أصلاً عندنا، لما نبهنا عليه من خروج الجنب، عن أن يكون أهلاً للكَوْن في المسجد. ثم [من] (٢) خصص الإفساد بالجماع، فيظهر عندنا أنه يَعتبر فيه الجماعَ المفسدَ للصوم، من غير تعريجٍ على إيجاب الكفارة. وفي نص الشافعي ما يدل على اعتبار الجماع التام؛ فإنه قال، فيما نص عليه، في بعض المواضع: " ولا يَفسُد اعتكافه إلا بوطءٍ يوجب الحدَّ "، ومقتضى هذا أن إتيان البهيمة إذا لم يوجب [الحد] (٣)، لم يتعلق به إفساد الاعتكاف (٤)، والظاهر اعتبارُ (٥) فساد الاعتكاف، بفساد الصوم، وقد قدمنا أن الصوم يَفسُد بكل جماع، يوجب الغُسل. وإذا قلنا: المباشرةُ تفسد الاعتكاف من غير إنزال، فالضبط فيه: أن كل ما يوجب من هذا النوع الفديةَ على المحرم، يُفسد الاعتكاف. وضبط [البابين] (٦) جميعاً: ما ينقض الوضوء [نفياً] (٧) وإثباتاً، وفاقاً وخلافاً.

стр. 2038

٢٣٩٩ - ولم يختلف العلماء في أن الحيض ينافي الاعتكافَ؛ من جهة أن الحائض ليست من أهل المسجد أصلاً. ٢٤٠٠ - فأما الجنابة، فينبغي أن يتأنَّى الناظرُ فيها: أما القياس، فيقتضي لا محالةَ الحكمَ بمنافاتها الاعتكاف، ولكن قد نقل بعضُ الأئمة أن المباشرة إذا اتصلت بالإنزال، لم يفسد الاعتكاف، ومن ضرورة الإنزال الإجناب، فالوجه عندنا في تخريج ما قيل، على طريق أن نقول: للجنب حضور المسجد [مجتازاً] (١)، بخلاف الحائض، وقد ذكرنا أن من أصحابنا من جعل حضور المسجد اعتكافاً، من غير مُكث، فإن جرينا عليه، وفرضنا إنزالاً، واشتغالاً على أثره بالاغتسال من عينٍ في المسجد، فالجنابة لا تحرّم هذا الكَوْن، واللحظة الواحدة قُربةٌ، فلا يخرج الكَوْن فيها عن وضع الاعتكاف، فأما فرض المُكث في المسجد، مع الجنابة، فلم أرَ محققاً يستجيز الحكمَ بكونه اعتكافاً صحيحاً. على أنا فيما ذكرناه على تكلُّفٍ فإن عبور الجنب في حكم المسوَّغَات (٢)، ولا يجوز أن يقع في رتبة القُربات. والذي يجب القطع به أن من اعتمد الإنزال وإن تأتى منه الاغتسالُ في المسجد، فيحرم منه، ما جاء به. [وللاحتمال فيه مجال] (٣). ولا وصول إلى ما تكلفناه على [صفوه] (٤)؛ فإن الاشتغال بالاغتسال ليس من الخروج (٥)، ويرد عليه أن دخول [المسجد] (٦) جائزٌ للجنب، على قصد الإطراق.

стр. 2039

فليقف الناظر عند معاصات (١) الكلام. ٢٤٠١ - واستتمام هذا بما نصفه [قائلين] (٢): إذا أجنب الرجل في المسجد، وكان بالقرب منه (٣) ماءٌ يتيسر منه الانغماس فيه، على قربٍ من الزمان، ولو حاول الانفصالَ من المسجد، وقطْعَ عرصته الفيحاء (٤)، لزاد زمان القطع على زمان الغُسل، فالذي ذهب إليه المحققون أنه يتعين عليه إيثارُ الخروج، ولا نظر إلى الزمان، طال (٥) أو قصر. وأبعد بعض الأصحاب، فقال: يجوز الاغتسال على الصورة التي ذكرناها. وهذا ساقط، من وجهين: أحدهما - أن الاغتسال على حالٍ حطٌّ للجنابة، واتخاذ المسجد محلاً لمثل هذا غضٌّ من أُبَّهَتِه، وأيضاًً، فإباحة العبور ليست معقولةَ المعنى، وإنما كان يتطرق المعنى إلى ذلك لو خُصّ جواز العبور بالاضطرار، فإذ [ذاك] (٦) كنا نقدر الحركاتِ على قصد الانفصال في حكم الخروج (٧) من الأرض المغصوبة، وليس الأمر كذلك؛ فإن للجنب دخول المسجد على قصد الاطّراق، وإن وجد مسلكاً غيرَه، فالتعويل على ظاهر لفظ الكتاب العزيز (٨). فكل ما لا يعد من قبيل العبور، بل يعد تعريجاً على أمرٍ، فهو نقيض العبور، والاشتغال بالاغتسال من ذلك. ولم أر أحداً من الأصحاب يوجب إيثار الاغتسال نظراً إلى قرب الزمان. و [حظُّ] (٩) الاعتكاف من هذا الفصل، أنه قد ينقدح للناظر توجيه الاشتغال

стр. 2040

بالاغتسال، في حق الجنب المعتكف؛ حتى لا يحتاج إلى الخروج، وهذا ساقط؛ فإن الخروجَ إذا أمر به، فهو في معنى الخروج لقضاء الحاجة. والذي يتنخلّ (١) عندنا من تنزيل هذا القول الذي شُهر، أن يقال: الإنزال إذا جرى من غير قصد، فالخروج من المسجد محمول على الخروج لقضاء الحاجة، ثم نفس الخروج مع [مباينته للمسجد] (٢) غيرُ مؤثر، فليكن الخروج لأجل الإنزال بهذه المثابة. وقد طال الكلام بعض الطول وسببه ما في هذا القول من الإشكال. ٢٤٠٢ - ومما نلحقه بمفسدات الاعتكاف شيئان، اختلف النص فيهما، ونحن ننقل النصَّين في موضعهما، ونذكر ترتيب المذهب في كل واحدٍ. نص الشافعي على أن الردَّة لا تفسد الاعتكافَ، ونص على أن السكر يفسد الاعتكاف. فأما الردة، فلأصحابنا فيها ثلاث طرق، قال بعضهم: هي مفسدةٌ للاعتكاف؛ فإنها محبطةٌ للأعمال المقترنة بها، فلا يتصور اعتداد بعبادةٍ تساوقها الردة. وهذا القائل يقول: نصُّ الشافعي محمول على اعتكافٍ غيرِ متتابع طرأت الردةُ في خلله، وقوله: " لا تُفسدُ الاعتكاف " معناه لا تُفسد ما مضى، ردّاً على أبي حنيفة (٣)، حيث قال: الردة تحبط سوابق الأعمال، وإن اتفقت الموافاة (٤) على الإسلام. وفي هذا التأويل بعضُ البعد؛ فإن الشافعي قال في طارئ الردة: إنها لا تُفسد، ويبني إذا عاد إلى الإسلام، وهذا مشعرٌ بفرض الأمر في اعتكافٍ متتابع، [بفرض] (٥) انقطاعه وانتظامه، فهذه طريقة.

стр. 2041

ومن [أصحابنا مَنْ] (١) قال: الردةُ لا تفسد الاعتكافَ أصلاً؛ جرياً على النّص، وسنشير إلى ما قيل في توجيهه. ومن أصحابنا من قال: إذا قصر الزمان، وعاد على قربٍ، انتظم الاعتكافُ المتتابع، وإن طال الزمان، انقطع التتابع. وسنبين حقيقة هذا الوجه أيضاًً. فهذا نقل مقالات الأصحاب، لم نوجه منها إلا القولَ الأول [الظاهر] (٢). فأما السكر، فظاهر النص فيه، أنه يناقض ويُفسد، ولأصحابنا ثلاثُ طرق: منهم من قطع بأنه لا يفسد، كالنوم، واستمرار الغفلة. ومنهم من قطع بالإفساد، قَلّ زمان السكر أو كثر. ومنهم من قال: إن قلّ الزمانُ، فلا مبالاة به، وإن كثر، انقطع التتابع. ٢٤٠٣ - فإذاً في الردة والسكر في كل واحد منهما ثلاثُ طرق، غير أن القياسَ يخالف النصَّ في الموضعين، فالقياس [من الطرق الثلاث في الردة، الفسادُ، والمنافاة، والقياس] (٣) من الطرق الثلاث في السكر، أن لا منافاة، ولا فساد. وتكلف بعض أصحابنا، فذكر ما هو طريقة رابعة، والتزم الجريان على النصين، وقال: الردة لا تنافي؛ [فإن] (٤) المرتد من أهل المسجد (٥)، وخاصية الاعتكاف اختصاص بالمسجد. وأما السكران (٦ فليس من أهل المسجد ٦)، فإنه لا يبقى فيه. وهذا تكلّف، لا أصل له. ثم من قال: الردة لا تُفسد الاعتكاف، فليت شعري ماذا يقول فيه إذا أنشأ

стр. 2042

الاعتكاف مرتدّاً؟ فإن قال: يصح اعتكافه، فهو أمر عظيم، وإن سلّم الفسادَ عند اقتران (١) الردة، فالفرق بين المقارن والطارئ عسِر، ولم يختلف أصحابنا في أن من ارتد في أثناء الوضوء، وغسل عضواً من أعضائه، في زمن ردته، لم يعتد بما أتى به في زمن الردة، والمكث الذي يقارن الردةَ الطارئة، كان يعتد به لولا الردة، فكيف الاعتداد به مع كَوْن (٢) الردة. فإن روجعنا [في الصحيح] (٣) من ذلك، فالوجه الحكمُ بكون الردة مفسدةً، واحتمال بُعدٍ في التأويل للنص. وأما السُّكْر، فإذا طال، فليس يبعد احتمالٌ في فساد الاعتكاف. على أن القياس أن لا يفسد مع تقدم النية. فإذاً يحمل النص على الإخراج من المسجد لإقامة الحدّ، وتكون فائدة التصوير أنه إذا كان منتسباً إلى التزام الحد، كان إخراجه على القهر، بمثابة خروجه من معتكفَه اختياراً. وأما من قال بالفصل بين الزمان اليسير والكثير في الردة، فليس له وجه، به مبالاة. ولكن إن لم يكن من المصير إلى ظاهر النص بُدّ، فقد ينتظم الاستنباط من قول الأصحاب في هذا [فصل] (٤) وهو أن من خرج عن معتكفه مختاراً من غير عذر، انقطع تتابعه، وإن قرب الزمان. وإن بقي في معتكفه وطرأ مفسد، كالردة -إذا اعتقدناها مفسدة- فإذا قرب الزمان، فالأصحاب مترددون في انقطاع التتابع، كما نبهنا عليه، ولا وجه أصلاً للاعتداد بالزمان الذي كان مرتداً فيه. فهذا منتهى الحِيَل (٥) بعد النقل، في تنزيل كل قول، على الممكن فيه. وقد نجز تمام المراد في جميع مفسدات الاعتكاف.

стр. 2043

فصل قال: "وإن جعل على نفسه اعتكاف شهر ولم يقل متتابعاً، أحببته متتابعاً ... إلى آخره " (١). ٢٤٠٤ - من نذر اعتكاف شهر أو اعتكاف أيامٍ، ولم يتعرض للتتابع، ذِكراً، وعقداً، ولم يلفظ به، ولم يَنْوه، فلا يلزمه رعايةُ التتابع. وكذلك القول في نذر صوم شهر، وصوم أيامٍ. وقال: أبو حنيفة (٢) في الصوم ما قلناه، وذهب إلى أن التتابع يجب في الشهر والأيام في الاعتكاف. وحكى صاحب التقريب عن ابن سريج، أنه صار إلى مذهب أبي حنيفة في الاعتكاف، وهذا بعيد، ولست أدري ماذا يقول ابن سريج في الصوم؟ أيفصل بينه وبين الاعتكاف، كمذهب أبي حنيفة، أو يطرد مذهبه في البابين؟ ولا تفريع على هذا، ولا عودَ. ٢٤٠٥ - ولو قيد نذره بالتتابع، لزم. ولو نوى التتابع بقلبه، فمضمون الطرق أنه يلزم؛ فإن مطلق اللفظ يحتمله، وهذا كتنزيل النيات مع الكنايات منزلة الصريح. فإذا قال: لله عليّ أن أعتكف يوماًً، والتفريع على ما هو المذهب، من أن التتابع لا يلزم، من غير لفظٍ، أو عقدٍ، فإذا قال: أعتكف يوماً، وأراد أن يعتكف نصفي يومين، أو [أثلاث] (٣) ثلاثة أيام، ففي إجزاء ذلك وجهان (٤) مشهوران: أحدهما - يجزىء؛ فإن التتابع لم يقع له تعرض، فكانت الساعات بالإضافة إلى اليوم، كالأيام

стр. 2044

المتفرقة بالإضافة إلى الشهر. والوجه الثاني - لا يجزئه؛ فإن الأيام المتفرقةَ، تسمى عشرةَ أيام، وتسمى عند تقدير الضم، والتلفيق، شهراً. والساعات المتفرقة، لا تسمى يوماً، فاسم اليوم إذاً ينطلق على ساعات متواصلةٍ من طلوع فجر إلى غروب شمس ذلك اليوم. التفريع على الوجهين: ٢٤٠٦ - إن قلنا: يجزئه تفريق الساعات، فينبغي ألاّ يلزمه إلا ساعات أقصر الأيام؛ فإنه لو اعتكف في أقصر الأيام، كفاه. وإن قلنا: لا يجزيه تفريقُ ساعاتِ اليوم، فلو بدا الاعتكافَ من وقت الزوال، فلما غربت الشمس، خرج ثم عاد مع الفجر، فاعتكف إلى مثل ذلك الزمان الذي أنشأ الاعتكافَ فيه في نفسه، فلا يجزئه، على منع التفريق. وإن لم يخرج من معتكفه ليلاً، حتى انتهى [إلى] (١) زمان ابتداء أمسه، فالذي ذهب إليه معظمُ الأصحاب جواز ذلك، وإن فرعنا على منع التفريق؛ لأن الأوقات لها حكم التواصل، لمّا لم يخرج من معتكفه. وحكى العراقيون عن أبي إسحاق المروزي وجهاً آخر، اختاره لنفسه، وهو أن ذلك لا يجزيه، فإنه لم يأت بيومٍ متواصلِ الساعات من الطلوع إلى الغروب، واعتكاف تلك الليلةِ، لا مبالاة به، وهو غير محسوب، سواء مكث في المسجد، أو خرج منه فتخلله يجب أن يكون مُفرِّقاً قاطعاً، لما نبغيه، من تواصل ساعات اليوم الواحد. وهذا الذي ذكره منقاسٌ متّجه. وعُرض عليه نص الشافعي في تجويز ذلك، مع مصيره إلى أن تفريق الساعات غيرُ مجزىء، فقال: نصه محمول على ما إذا قال: لله عليّ أن أعتكف يوماًً من وقتي هذا، فإذا قال ذلك، فلا وجه إلا المصير، إلى وقتٍ مثله من الغد.

стр. 2045

٢٤٠٧ - ومن تمام البيان شيء يدور (١) في النفس، وهو أن الأصحاب قالوا تفريعاً على جواز التفريق: يكفيه ساعات أقصر (٢) النهار وتفرقها. ثم يتجه في النظر أن يعتبر جزءُ كلِّ يوم منسوباً إليه، حتى إن فرّق الساعات على أيامٍ هي أقصر الأيام في السنين، فالأمر كذلك (٣). وإن كان يعتكف في أيامٍ متباينة في الطول والقصر، فينبغي أن ينسب اعتكافه في كل يوم بالجزئية إليه؛ إن كان ثلثاً: فقد خرج عن ثلث ما عليه، وهكذا، إلى النجاز، والذي يحقق ذلك، أنه لو نذَر اعتكاف يومٍ، ثم اعتكف تسعَ ساعاتٍ، [ونصفاً] (٤) من أطول الأيام، فلا يكون خارجاً عما عليه قطعاً؛ فدل على أن النظر إلى اليوم الذي يوقع الاعتكافَ فيه. فيتجه وينقدح جوابٌ عن هذا، بأن يقال: إذا كان يواصلُ، فليأت بيومٍ كاملٍ. ومن نذر اعتكافَ يوم، فاعتكف أطول الأيام، فكل ما جاء به فرضٌ. ولو اعتكف في أقصر النهار، فالذي جاء به كافٍ. ٢٤٠٨ - ومما يتعلق بهذا الفصل القولُ في أن الليالي إذا لم يَتعرض لها الناذرُ، وذكر في نذره الأيام، فهل تندرج تحت مطلق تسمية الأيام؟ قال أصحابنا: إذا نذر اعتكافَ يومٍ، لم يلزمه ضمُّ الليلةِ إليه، وفاقاً، إلا أن ينويها، ثم اتفقوا على أنه إذا نواها، يلزم الاعتكافُ فيها، وإن لم يجر لها ذكرٌ، والنية المجردة لا تلزم. والوجه فيه أن اليومَ قد يطلق، والمراد به اليوم بليلته. هذا سائغٌ على الجملة، وإن لم يكن ظاهراً، [فعملت] (٥) النيةُ لذلك (٦).

стр. 2046

ولو نذر اعتكافَ شهرٍ، فلا خلاف أنه يلزمه الليالي مع الأيام؛ فإن اسم الشهر يشمل الجميع. وإن قال: اعتكاف ثلاثة أيام؛ فصاعداً، ففي استحقاق الاعتكاف بالليالي على عدة الأيام وجهان مشهوران في الطرق: أحدهما - أنه يجب الاعتكاف بالليالي على عِدة الأيام. والثاني - لا يجب ما لم ينوها. وقطع أصحابنا المراوزة بأن اليومين في التفصيل، كاليوم الواحد. فإذا أُطلقا، لم يجب الاعتكاف إلا في اليومين. وجعل العراقيون، في بعض طرقهم اليومين كالأيام الثلاثة فصاعداً. والقول في هذا مبهم عندنا [بعدُ] (١). ٢٤٠٩ - أما (٢) اليومُ، فلا شك أنه لا يستدعي الليلةَ بوجهٍ إلاّ على بُعدٍ، كما تقدم. وما قيل في الشهر، لا شك فيه. وأما الكلامُ في اليومين، فإن لم يثبت فيهما استحقاقُ التتابع، فلا وجه إلا القطعُ بأنه لو اعتكف في يومين متفرقين، ولم يعتكف ليلةً، فقد خرج عما عليه. فأما إذا نذر اعتكاف يومين، ونوى التتابعَ، أو ذكره، فقد قال العراقيون: ينبغي أن يبتدئ الاعتكافَ مع الفجر في يومٍ، أو قُبَيله، استظهاراً، ثم يعتكف إذا غربت الشمس (٣)، ويدومُ في معتكفه إلى غروب الشمس من اليوم الثاني. قالوا: لو خرج من معتكفه ليلاً، كان [ذلك] (٤) قطعاً للتتابع. وكان شيخي يقطع بأن الخروج من المعتكف ليلاً، مع العود مقترناً بالفجر من اليوم الثاني، لا يقطع التتابع؛ فإن الاعتكاف إذا لم يكن مستحقاً ليلاً، فلا معنى لإلزام

стр. 2047

الناذر لزوم المعتكَف في الليل. والليلُ إذا لم يلزم اعتكافه، فتخلله كتخلل الليالي، بين الصوم المتتابع، وما ذكره منقاسٌ حسن. ٢٤١٠ - ومما ينكشف به الإبهام: أن الأصحاب ذكروا وجهين، في الأيام إذا ذكرت: أن (١) الليالي هل يُستَحق الاعتكافُ فيها؟ وهذا إنما أخذه، مَن أخذه، من ظن الناس أن الأيام إذا أطلقت في التواريخ، على صيغة الجمع، أريد بها الأيام بلياليها، وهذا غير منتظم؛ فإن الإنسان إذا قال: أقمتُ عند فلانٍ أياماًً، وكان يفارقه بالليالي، فما قاله صدقٌ، منتظمٌ، لا تلبيس فيه. نعم إنما يتوقع طلبُ توَلُّج الليل إذا جرى في الكلام إشعارٌ بالتتابع، بحيث يُفهم تواصلُ أزمانِ الإقامة. وإذا كان كذلك، فتتخلَّلُ ليالٍ (٢). ولكن إذا افتتح الإقامة مع أول نهارٍ، وخرج مع غروب الشمس يومَ الثالث، فهو مقيمٌ [ثلاثة] (٣) أيام متواصلة، ويكفي في الوفاء بالتواصل ليلتان، فلا وجه لاشتراط الليالي على عدد الأيام، وكذلك يكفي في العشر (٤) تسعُ ليالٍ، على نحو ما صورناه؛ فينقص عدد الليالي، التي بها تواصل الأيام، عن عدد الأيام المذكورة بواحدة. هذا لا بد منه، إن كان الرجوع إلى التواريخ. ئم إذا قال: أعتكف ثلاثةَ أيامٍ، فقد حمل بعض الأصحاب ذلك على التواصل، واعتقد الظهور فيه، وموجَبُ التواصل تولّجُ الليالي، وعلى هذا يظهر تخريجُ ابنِ سريج في أن إطلاق نذرِ اعتكاف الأيام يقتضي التتابعَ. والأظهر أنه لا يلزم التواصل، لتردد الكلام فيه، وإذا تردد، ولم يكن نصَّاً صريحاً، ولا منوياً، فالإلزام مع التردد، محال. وإن صور مصور ما يقتضي التواصل، فهو مضطرٌّ إلى تصوير قرينةِ حالٍ في أمرٍ

стр. 2048

يذكره، ثم تخيُّلُ التواصل -إذا نُزّل الكلامُ عليه- ممكنٌ في اليومين، إمكانه في الثلاثة، فصاعداً. ويعود في الأيام -إذا لم نوجب الاعتكافَ في لياليها- أنه لو نذر التتابعَ فيها، فهل يجوز الخروج عن المعتكف في الليالي؟ فيه من خلاف المراوزة والعراقيين، ما ذكرناه في اليومين. فصل ٢٤١١ - المرأة إذا اعتكفت في مسجد بيتها، وهو معتزَلٌ في البيت، مهيأٌ للصلاة، وليس مسجداً على الحقيقة، فالمنصوص عليه في الجديد أن ذلك ليس باعتكاف؛ فإن الاعتكاف مخصوص بالمساجد، وليس ذلك الموضع مسجداً، فلا تتعلق به أحكام المساجد. ونصَّ الشافعي في القديم على أنها لو اعتكفت في ذلك الموضع، أجزأها؛ فإن التحرز (١) أحرى بها، فأفضل بقاعها قَعْر بيتها. ثم في القديم خصص ما قاله بمسجد البيت، فإن لم يكن لهذا القول مستند، من خبرٍ أو أثر، فلا متعلَّق له في المعنى. ثم ذكر أئمتنا في الرجل إذا اعتكف في مسجد بيته قولين، مرتّبين [على المرأة] (٢) واعتكافه أولى بالفساد، بل، لا وجهَ لصحته أصلاً. فصل قال: " إذا قال: لله عليّ أن أعتكف اليومَ الذي يقدَم فيه فلان ... إلى آخره " (٣). ٢٤١٢ - أما إذا قال لله عليّ أن أصوم اليوم الذي يقدَم فيه فلان، فقدِم نصفَ النهار، فقد فات الصوم في هذا اليوم، وفي وجوب قضاء يومٍ قولان، سنذكرهما في

стр. 2049

النذور -إن شاء الله تعالى- وهما مأخوذان من أصلٍ، وهو أنا هل نتبين بقدومه في اليوم أن الصوم كان مستحقاً من أوله؟ أم ننظر إلى ما يستعقبه القدوم، ولا نلتفت إلى سابقٍ في تقدير الوجوب؟ فإن بنينا الأمرَ على التبيُّن، فيلزمه قضاء يوم، وإن نظرنا إلى ما يستعقبه القدوم، فصومُ يومٍ بعد القدوم [محال] (١)، فكان كما لو قدِم ليلاً. وليس من غرضنا تفصيل هذا. ٢٤١٣ - ولكن. لو قال: لله عليّ أن أعتكف يوم يقدَم (٢) فلان، فقدِم نصفَ النهار، فيجب على الناذر اعتكافُ بقية النهار وفاقاً، وهل يجب عليه اعتكافُ نصفِ يومٍ لينضم إلى ما جاء به، فيكمل يوماًً؟ هذا خارج على القولين في وجوب القضاء في الصوم، فإن أوجبنا القضاء ثَمَّ، أوجبنا هاهنا تكملةَ البقيةِ من يوم آخر، وإن لم نوجب القضاء ثَمَّ، اكتفينا بالاعتكاف في بقية النهار، الذي قدم فيه. ثم إن المزني قال: وأحب أن يستأنف اعتكافَ يومٍ، حتى يكون اعتكافه متصلاً. وقد قال أئمتنا: هذا غلط؛ فإن الاعتدادَ بما جاء به لا بد منه، وإذا اعتُدَّ به، فلا معنى لأمره باعتكافِ يومٍ كاملٍ، بسبب ما قدّمه من لفظه، لا على الاستحباب، ولا على الإيجاب. وذكر شيخي في دروسٍ: أن من أصحابنا من لم يوجب الاعتكافَ، في بقية النهار أيضاًً؛ تخريجاً على أن النهار لا يتبعض، بتقدير تفريق الساعات، وهو قد ذكرَ اليوم، واعتكافُ يومٍ بعد قدومه غيرُ ممكن، إلاّ على نعت التقطيع. والفكر لا نهاية له. ولكن الفقيه يقتصر منه على مسلك الحق، ويطّرح ما عداه. ٢٤١٤ - ثم قال الشافعي: " ولا بأس أن يلبس المعتكف والمعتكفة " (٣) ولا خفاء بما ذكره، وغرضه أن الاعتكاف لا يحرم ما يحرمه الإحرام، وعلى هذا لا بأس أن ينكح، ويُنكح.

стр. 2050

٢٤١٥ - قال: " ولا بأس أن توضع المائدة في المسجد، ولا بأس بغسل الأيدي في الطسوس " (١) توقيةً للمسجد من البلل؛ فعساه يمنع مصلياً. ٢٤١٦ - قال: " والمرأة والعبد، والمسافر يعتكفون " والأمر على ما قال، فالاعتكاف يصح من كل من تصح منه النية، وفي بعض التصانيف ذكر وجهين في أن المكاتَب هل يعتكف؛ وهذا خُرق، وخروج عن الحد، ولا خلاف أنه (٢) لو سكن في بيته، ولم يكتسب اليومَ واليومين، فلا معترض عليه، قبل مَحِل النجم (٣). فرع: ٢٤١٧ - تعيين الزمان للاعتكاف، كتعيين الزمان للصوم، والأصح أن الزمان يتعين للصوم في نذره، حتى لا يجوز التقديمُ عليه، ولا التأخير. وفي المسألة وجه بعيدٌ -نذكره في النذور- أن الزمان لا يتعين للصوم، كما لا يتعين لنذر الصلاة والصدقة، وذلك الوجه يجري في الاعتكاف، ولا تفريع عليه. وما ذكرناه من نذر الأيام مفرّعٌ على الأصح؛ فإنه لو نذر اعتكافَ يومٍ، لم يجزه إقامةُ ساعات الليل، مقامَ ساعات النهار. وكذلك لو عيّن الليلَ، لم يجزئه ساعاتُ النهار. فرع: ٢٤١٨ - إذا كان نذرَ اعتكافَ أيامٍ، ومات، ولم يف بنذره، مع القدرة، فقد ذكر شيخي قولين: أحدهما - أنا نقابل كلَّ يوم بمدٍّ من طعام، نخرجه من تركته، كدأبنا في الصوم. والقول الثاني - أنه يَعتكف عنه وليُّه. وذكر أن القولين منصوصان للشافعي. وهذا عندي مشكلٌ من طريق الاحتمال، فإنَّا (٤) تبعنا الأثرَ في مقابلة صوم يوم بمُدٍّ، وليس ينقدح قياس الاعتكاف في ذلك على الصوم، ثم اعتكاف لحظةٍ عبادةٌ

стр. 2051

تامة، ثم ليت شعري ماذا يقول في اليوم مع الليلة؟ وقد (١) ذكر ﵀ صريحاً أن اليوم بليلةٍ يقابِلان مُدّاً، وإذا كان يقول ذلك، فما القول في اليوم الفرد؟ وهو على الجملة مختبطٌ. وأقصى ما علينا التنبيهُ على الاحتمال، مع الوفاء بما بلغنا من طريق النقل. والله أعلم بالصواب. ...

стр. 2052

كِتَابُ الحَجِّ باب بيان فرض الحج قال الشافعي: "فرض الله تعالى الحجَّ على كل حرٍّ بالغٍ، استطاع إليه سبيلاً ... إلى آخره" (١). ٢٤١٩ - قيل: " أول من حج البيت آدم ﵇ ". وقيل: " ما من نبي إلا وقد حج هذا البيت ". وعن محمدِ بنِ إسحاق، أنه قال: " ما من نبي هلك قومُه، إلا انتقل بعدهم إلى مكة، يعبد الله ، عند البيت، إلى أن أتاه أجله " (٢). وقال رسول الله ﷺ : " مرّ موسى بالروحاء في سبعين نبياً، عليهم العباء، يؤمُّون البيت العتيق، يلبون، وصفائح الروحاء تجاوبهم " (٣).

стр. 2053

٢٤٢٠ - ثم الحج لا يجب في الشرع إلاّ مرة واحدة؛ لحديث الأقرع بن حابس، قال: " يا رسول الله أحجتنا لعامنا أم للأبد "؟ فقال ﷺ : " للأبد، ولو قلتُ لعامنا هذا، لوجب، ولو وجب، لم تطيقوا " (١). ٢٤٢١ - وكان رسول الله ﷺ يحج قبل الهجرة [كل سنة، واختلف أصحابنا هل كان الحج واجباً قبل الهجرة؟ منهم من قال: كان نزل وجوبه قبل الهجرة] (٢). ومنهم من قال: بل بعد الهجرة، ويتصل بذلك حديث ضِمام (٣) بن ثعلبة، وكان ورد على رسول الله ﷺ وافداً لقومه، فلما دخل المسجد قال: أيكم ابن عبد المطلب، فقالوا ذلك الأبيض المترفّق -وكان رسول الله ﷺ متكئاً على مرفقيه- فأتاه حتى وقف عليه، وقال: أنت ابن عبد المطلب، فقال رسول الله ﷺ : وجدتَه. فقال: إني سائلك، ومغلظٌ عليك، فلا تَجِدْ عليّ، ثم قال: أنشدك الله: آلله أرسلك رسولاً؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدك الله آلله أمرك أن تأمرنا أن نصلي خمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم. قال أنشدك الله: آلله أمرك أن تأمرنا أن نؤدي الزكاة، من أموالنا؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدك الله: آلله أمرك أن تأمرنا أن نحج البيت إن استطعنا إليه سبيلاً؟

стр. 2054

قال: اللهم نعم. قال: أنشدك الله: آلله أمرك أن تأمرنا أن نصوم شهر رمضان؟ قال: اللهم نعم " (١). ثم أسلم، وحسن إسلامه، وروي أن هذا كان سنة خمسٍ من الهجرة (٢). فصل ٢٤٢٢ - الصفات المرعية في صحة الحج، ووقوعه عن فرض الإسلام، واستقرار فرضيته في الذمة: الإسلامُ، والعقل، والحرية، والبلوغ، والاستطاعة. فأما شرط تصوّر الحج، فالإسلام المحض؛ فإن الصبي غيرَ المميز، يحج عنه وليه، كما سيأتي. وإن أردنا تصوير الحج من الشخص بأن يتعاطى الإحرامَ، فنضمُّ إلى الإسلام العقلَ، وهو الذي يسميه الفقهاء التمييزَ، في حق الصبي، ثم في استبداده (٣)، واشتراط صَدَر (٤) إحرامه عن إذن وليّه كلام سيأتي، إن شاء الله، . وأما الحرية والبلوغ، فمضمومان إلى ما قدمناه، في وقوع الحج، عن فرض الإسلام؛ فإن حج الصبي، والعبد، وإن صح، فلا يقع عن حجة الإسلام.

стр. 2055

وأما الاستطاعة، فهي مضمومةٌ إلى الشرائط المتقدمة، في الحكم باستقرار فرائض (١) الإسلام في الذمة. ٢٤٢٣ - ومقصود الفصل تفصيل القول في الاستطاعة، وهي تنقسم إلى الاستطاعة في تولّي الحج، وتعاطيه بالنفس، وإلى الاستنابة. فأما الاستطاعة (٢) في تعاطي الحج، فهي معتبرةٌ أولاً، بدليل الكتاب، والسنة، والإجماع: أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقال رسول الله ﷺ في تفسير الاستطاعة: " زادٌ وراحلة " (٣). ولا خلاف في اشتراط الاستطاعة. ثم المتبع عندنا تفسيرُ رسول الله ﷺ ، وليس على الأيّد (٤)، القادرِ على المشي أن يحج ماشياً، إذا بعدت المسافة، ولا نعتمد في ذلك مسلكاً معنوياً؛ فإن الضرر الذي يلحق القويَّ في المشي من خمسين فرسخاً، قد يقلّ، ويقصر عن الضرر الذي ينال الراكب الضعيف، بسبب الركوب، في المسافة الطويلة؛ فلْيقع (٥) التعويل على تفسير رسول الله ﷺ الاستطاعةَ بالزاد والراحلة، في محاولة الرد على مالك في قوله: يجب المشيُ على القادر عليه (٦). وهذا مقامٌ لابد من التنبه له، في وضع (٧) الشرع؛ فإنا لا نستريب في

стр. 2056

[أن] (١) رسول الله ﷺ ، لما ذكر الزاد والراحلة، أراد بما ذكره ألا يُجَشّم الناسَ المشيَ، لما فيه من المشقة. وهذا لا سبيل إلى إنكاره، ولكن لا استقلال (٢) بتقريره في [مسالك] (٣) الأقيسة، وإن تخيلناه على الجملة. ونظائر ذلك كثيرة. ولسنا لها الآن. ويغلب في هذا الفن البناءُ على قاعدة الحسم (٤)؛ فإن المشي على الجملة ظاهرُ الضرار، ولا التفات إلى ما يندر ويشذ، بخلاف ضرر الركوب. قال الأئمة: الزاد نفقةُ السفر في الذهاب، والإياب، فأهبة الذاهب، وأهبة المنقلِب زادُه، ولفظ رسول الله ﷺ مطلق في ذكر الزاد، فإن كان للرجل أهل، شرطنا في الاستطاعة نفقةَ الذهاب، والإياب. وأهلُ الرجل: زوجةُ الرجل وأولادُه. قال الصيدلاني: الأقارب من الأهل، المحارمُ منهم وغيرُ المحارم. وليس في الطرق ما يخالف قولَه والمرعي فيه، أنه يعظُم على الإنسان [مفارقة ذويه وقراباته، كما يعظم عليه] (٥) مفارقةُ زوجته، فاشتراط نفقة الإياب لذلك. وإن لم يكن له أهل، على ما فسرناه، ففي اشتراط نفقة الإياب وجهان: أحدهما - أنها لا تشترط؛ فإن البلاد متساويةٌ، في حق من لا أهل له. والثاني - أنّا نشترط نفقة الإياب؛ لما في النفوس من الحنين إلى الأوطان. ولم يتعرض أحدٌ من الأصحاب، للمعارف والأصدقاء، كانوا، أو لم يكونوا؛ فإن الاستبدال عن الصديق ممكن، بخلاف الأهل؛ فإن الاستبدال فيه قد يعسر، ولا يفرض في القرابات إلاّ على بُعد.

стр. 2057

٢٤٢٤ - ثم لم يختلف الأئمة في أن قضاء الديون مقدَّمٌ على ما ذكرناه، من النفقة. والقول [في الفصل] (١) بين المؤجل والمعجل، سيأتي إن شاء الله تعالى. وحسن الترتيب يقتضي استقصاء كل ما يتعلق بالفصل، ولكنَّا ملتزمون الجريَ على ترتيب السواد (٢)، فنكتفي بعقد التراجم، في بعض الأشياء [المؤخرة] (٣)، ونستقصي ما يتعلق بالترتيب استقصاؤه. ٢٤٢٥ - ومما يتعلق بالمقصود، وهو [مؤخر] (٤) القول في صفة الطرق، في الأمن والخوف، والرخص والغلاء، والبر والبحر وكل ذلك يأتي مفصلاً في باب بعد ذلك. ٢٤٢٦ - ولو كان لا يستمسك على الراحلة، ويستمسك في المحمل، فيشترط أن يجد مؤنة المحمل، ولو لم يجد شِقَّ مَحمِلٍ (٥)، بأن عَدِم من يشاركه، فلا استطاعة، وإن وجد مشاركاً، ثبتت الاستطاعة، ولو اتسعت ذاتُ يده لمحملٍ تام، ولكن يكتفى بشق محمل، فالزيادة من باب المؤنة المجحفة. وسنذكر شرح القول فيها، في الرخص والغلاء. ولو كان استمساكه على الراحلة ممكناً، ولكنه كان يلقى ضرراً بيّناً، فإذا كان لا يجد إلا مؤنة راحلة، فكيف الوجه، فيما صورناه؟ كان شيخي يقول: إن كان بين تقدير ركوب الراحلة والمحمل من الضرر، ما بين أصل الركوب والمشي، فلا نجعله مستطيعاً، ما لم يجد مؤنةَ محمل. وذكر غيرُه -فيما بلغنا- ظهورَ خوف المرض، من تقدير ركوب الراحلة، والأمران قريبان، لا يؤديان إلى خلافٍ، فيما أظن.

стр. 2058

٢٤٢٧ - ثم ذكر العراقيون: أن مسكن الرجل غيرُ محسوب عليه، في استطاعته، والزاد مقدر بعد المسكن، وكذلك القول في العبد، يملكه الرجل، وهو محتاج إلى خدمته، كما سنذكره في الكفارات، ونزّلوا المسكنَ، والمملوكَ، الذي تمس الحاجةُ إلى خدمته، في الباب، منزلتهما في الكفارات المرتّبة، وسنذكر [فيها] (١) إن شاء الله تعالى أن الخادمَ والمسكنَ غيرُ محسوبين، ولا ذكر لهذا في طرق المراوزة، ولكنه قياسهم. ثم إذا فرض للرجل مسكنٌ، وقد تركناه عليه، فالوجه القطعُ في هذه الصورة، باشتراط نفقةِ الإياب، وتخصيص الوجهين بما إذا لم يكن له مسكنٌ مملوك. وإنما يجوز (٢) تقدير الحنين إلى البلد الذي هو وطنه، وفيما ذكرناه احتمال على بعد؛ فإن بيع الدار، وتقدير ابتياع مثلها، في بلدة أخرى ممكنٌ، والقول في ذلك يتعلق بالحنين إلى الوطن، هذا محتمل. والأظهر ما قدمناه. ٢٤٢٨ - ومما ذكره العراقيون في هذا الفن أن الرجل إذا كان يتصرف في رأس المال، وكان جهةُ اكتسابه التجارةَ، فقد قالوا: نكلفه صرفَ رأس المال، إلى ديونه المحيطة به، ولا نخلّفه عليه، وحكَوْا عن ابن سُريج أنه قال: يُخَلّف عليه رأس ماله، الذي بالتجارة فيه يَتَبلّغ، ويَتَوصل إلى تحصيل قوته، في مستقبل الزمان، إذا كان لا يُحسن الاكتسابَ، إلاّ من هذه الجهة، كما نخلّف له دَسْت ثوبٍ يليق بمنصبه. ثم غلطوه وزيفوا مذهبَه، والأمر على ما ذكروه (٣). وبَنَوْا عليه أن رأس المال مصروفٌ في أهبة الحج، على المذهب [الظاهر، وليس كالمسكن، والخادم، وحكَوْا فيه خلافَ ابن سريج. ولا شك، أن من يُخلِّف رأسَ المال عن ديون الآدميين، يخلِّفه عن أهبة الحج] (٤)، ولا خلاف أن المسكنَ والعبدَ مصروفان إلى الديون، وإن لم يصرفا إلى أهبة الحج.

стр. 2059

وفيما حكَوْه عن ابن سريج في الحج، من تخليف رأس المال احتمالٌ ظاهر؛ فإن تكليف الرجل الانسلاخَ، عن ذات يده، والألتحاقَ بالمساكين، فيه عُسر. على أن الظاهر أنه مصروف إلى الحج. ثم القول في اعتبار رأس المال في الكفارات المرتبة، كالقول في الحج، بل الأمر في الكفارات أظهر؛ من جهة أن المبدل فيها إذا لم يتفق، فالبدل القائم مقامه لا يعطل الكفارة. ٢٤٢٩ - وقال العراقيون: إن فضل شيء، ولكن كان الرجل يخاف العنت [لو] (١) لم يتزوج، وكان على حالةٍ قد نبيح فيها للحر التزوج بالأمة، عند فقد طَوْل (٢) الحرة، فلا يلزمه أن يحج، بل نُسوِّغ له صرفَ ما يملكه إلى مؤونة التزويج؛ وذلك، لأنا إذا سوَّغنا إيثار تزوج الأمة، مع ما فيه من التسبب إلى إرقاق الولد، أشعر ذلك بأن محاذرة العنت (٣) مهم، والكاشف له أنه في حكم ضرورة ناجزةٍ، والحج وإن تحقق وجوبه، فهو على التراخي، وحكم ما يتنجز التقديمُ على ما يتراخى، فإذاً لا استطاعةَ، ولا وجوب. وهذا الذي ذكروه قاطعين به قياسُ طرقنا، وإن لم نجده منصوصاً فيها. ٢٤٣٠ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أنا لم نوجب المشيَ في المسافة الطويلة، وقد اعتبر الأئمة في الطُّول مسافة القصر، وقَضَوْا بأن ما ينحط عنها من المسافة يجب المشي فيها على القادر القوي، وإن كان على الماشي في المسافة القصيرة ضررٌ

стр. 2060

ظاهر، فالقول فيه كالقول في الراحلة والمَحْمِل، على ما تفصل. ولو كان لا يتأتى المشي، ولكن قد نفرض الزحف في زمانٍ ممتد، فلا نوجب الزحفَ أصلاً. وهذا خارج على تحقق الضرر. فهذا منتهى مقصودنا في أحد قسمي الاستطاعة، وهو استطاعة تعاطي الحج، وتولّيه. ٢٤٣١ - وأما القسم الثاني من الاستطاعة، فهو تحصيل الحج بطريق الاستنابة، فنقول- على الجملة: أولاً- العاجز عن التعاطي -كما سنصف العجز- إذا قدر على الاستنابة، لزمه تحصيل الحج بها، كما يلزم القادرَ على التعاطي تولِّي الحج، خلافاً لأبي حنيفة (١). ثم شرطُ الاستنابة: صحةً (٢)، ثم وجوباً - أن يعجِز الرجل بزمانته (٣)، وعضَبه (٤)، عن تعاطي الحج بنفسه. فلو استناب قادرٌ على التعاطي، لم تصح الاستنابة، ولتكن الزمانة بحيث لا يرجى بظاهر الظن زوالُها. ولم يجوّز مالكٌ (٥) الاستنابةَ في حالة الحياة؛ فإن أخبار الاستنابة، صادفها بعد الموت، [واعتبر] (٦) الشافعيُّ تحقُّقَ العجز في الحياة، بالعجز المترتب (٧) على

стр. 2061

الموت، وهذا إلى فقهٍ (١)؛ فإن الحيّ هو المخاطب، والنيابة بعد موته في العبادة أبعدُ من النيابة في حياته، والخطابُ مستمر عليه. ثم المعتبر في الاستنابةِ أحدُ شيئين: إما المالُ يبذله لمن يستأجره، وإما فرضُ بذل الطاعة من الغير، من غير مالٍ. ونحن نذكر في كل قسمٍ ما يليق به: ٢٤٣٢ - فأما الاستئجار، فإذا ملك أجرةَ أجيرٍ يحج عنه، وفضل ذلك عن ديونه، وعما نخلّفه له، لزم بذلُه، ولا نظر إلى إياب الأجير، وإنما المعتمد أجرتُه. وهذا لا خفاء به. ولو وجد أجرة أجيرٍ ماشٍ، ولم يجد أجرة أجيرٍ راكب، ففي وجوب استئجار الماشي وجهان: أحدهما - أنه يجب؛ فإن الفرق بين المشي والركوب إنما يتجه في حق الرجل نفسه؛ من جهة أنه لا يكلّف المشي، فأما الأجير إذا تَكَلَّفَه، والتزم تحصيلَ الحج، فاعتبار ضراره في حق مستأجِره بعيد. وهذا ظاهر المذهب. والوجه الثاني - أنه لا يجب استئجاره، من جهة أن الماشي على غررٍ ظاهرٍ، وبذل المال في أجرته تغريرٌ بالمال، من غير ثقةٍ ظاهرة بتحصيل المقصود. ٢٤٣٣ - ويتصل بهذا الموضوع سرٌّ في المذهب، يتضح به حقيقةُ الفصل، فإن قيل: لو كانت الأجرة مملوكةً، ولكن لو بذلها، كان فقيراً بعد بذلها، لا يجد ما ينفقه، فكيف الوجه في ذلك؟ قلنا: إن جرينا على ما حكاه العراقيون عن ابن سُريج، في تخليف رأس (٢) المال في قسم استطاعة مباشرة الحج، فلا شك أنا نرعى أن تكون الأجرةُ المبذولة زائدةً على ما يخلِّفه من بلاغ. وإن قلنا: لا يُشترط ذلك في حق المباشرة، فلا شك أن نفقة المباشرة ذاهباً وآيباً، وما يتركه على أهله بلاغٌ له في الحال، فإن فرض انقطاعٌ، فهو بعد حصول الحج، فكأنا نقول: لا مبالاة بمسكنته بعد حصول الحج، وهذا الذي نقدره من المسكنة

стр. 2062

لا تحقيق له، فإن أبواب الرزق ليست منحسمة، والأموال تغدو وتروح، [وقد] (١) تحقق في قسم المباشرة أن (٢) البلاع ناجزٌ، والمسكنةُ بعد حصول الحج ليست واقعةً لا محالة. وإذا فرضنا القولَ في بذل الأجرة، فيتنجز ببذلها الفقرُ الناجز، وحصولُ الحج مرقوبٌ، فالحاجة متنجزةٌ، وحصول الحج غيبٌ، فكيف الوجه فيه، والحال كذلك؟ أما نفقة اليوم لابد (٣) منها، له ولأهله، فإنا نقدم هذا على ديون الغرماء، يوم صرف المال إليهم، وأما الزائد على نفقة اليوم، فظاهر الاحتمال. وفيما نقله الصيدلاني، ما يدل على أنا لا نشترط أن يبقى له بلاغٌ، بعد بذل الأجرة. وفي لفظه تردُّدٌ؛ فإنه قال: إنه (٤) لا يشترط أن يكون له نفقته، ونفقةُ أهله إلى إياب الأجير، فيحتمل أنه يريد التعرض للنفقة في زمان تقدير انقلاب الأجير، ويحتمل أنه ليس يرعى النفقة أصلاً ما عدا نفقةَ اليوم، [و] (٥) المعتبر في الفطرة ما يفضل عن نفقة اليوم، [و] (٦) هذا هو المرعي في الكفارات المرتّبة، إن لم يشترط فيها تخليف رأس المال، كما قدمناه، وليست الفطرة والكفارة مشابهةً لما نحن فيه؛ فإن الفطرة تتأدى [و] (٧) الكفارة كذلك، والمالُ فيما انتهينا إليه مبذولٌ، والحج مرتقب (٨)، ولكن وجوب البذل على الجملة، هو الذي يجر الإشكال [و] (٩) هو كوجوب إخراج الفطرة.

стр. 2063

فانتظم من مجموع ما ذكرناه -بعد النزول عن [رأي] (١) ابن سريج- أنّ ما يحصِّل الغرضَ لا يعتبر فيه إلا نفقةُ اليوم، وما [لا] (٢) يحصل الغرض ناجزاً، ولكنه في أصل الشرع واجبٌ، فهو على التردد الظاهر (٣). ثم إن ملنا إلى تخليف نفقةٍ، فهي إلى حصول الحج، ولا شك أنا لا نزيد على هذا المنتهى. وهذا في إحدى جهتي الاستنابة. ٢٤٣٤ - فأما بذل الطاعة، فالولدُ إذا بذل الطاعةَ لأبيه المعضوب، لزمه استنابته؛ إذا كان ذا زادٍ وراحلة. وإن بذل الطاعة لأبيه على أن يمشي حاجاً عنه، ولم يملك الراحلة، ففي وجوب الاستنابة، والحالة هذه- وجهان: قدمنا نظيره في الأجير الماشي. وكان شيخي يرتب الخلاف في الابن على ما تقدم في الأجير، ويجعل هذه الصورةَ أولى بأن لا تجب الاستنابةُ فيها؛ فإنه قد يعظم على الأب مشيُ ولدِه، ولا يعز عليه مشيُ الأجير. ولو (٤) أوجبنا الاستنابة، والابن ماشٍ، فهو فيه إذا كان يملك الزاد (٥)، فإن عوّل على كسبٍ في الطريق متيسر، فالخلاف قائم، مع ترتب، فإن المكاسب قد تنحسم في الأسفار. وإن لم يكن ذا مالٍ ولا كسوباً، وعوّل على السؤال، فالخلاف قائم، مع الترتب. وإن كان يحتاج إلى أن يركب مفازةً، لا ينفع في مثلها السؤال، ولا الكسب، فلا

стр. 2064

خلاف أنه لا يجب عليه الاستنابة، والحالة هذه؛ فإنه يحرم التغرير بالنفس على الابن، وإذا حرم عليه هذا، استحال وجوب استنابته، والحالة هذه. ٢٤٣٥ - ولو بذل الابن للأب [المعضوب] (١) مالاً يستأجر به، ففي وجوب قبول المال، وصرفه إلى تحصيل الحج وجهان مشهوران: أحدهما - يجب القبول، كما يجب قبول الطاعة من الابن نفسه، إذا كان يباشر الحجَّ عن أبيه. والثاني - لا يجب؛ فإن المنَة تثقل وتتجنب (٢)، في الأموال، وطاعة [البدن] (٣) في حكم الخدمة، ولا يثقل على الأب استخدام الابن. وكان شيخي يتردد في بذل الابن [ثمن الماء] (٤) لأبيه، ويذكر من الخلاف في وجوب القبول، ما قدمناه، ولا فرق كما قال بينهما. ولو بذل الأجنبي للمعضوب مالاً يستأجر به، فلا خلاف أنه لا يلزمه قبولُه، ولو بذل له الطاعةَ في الحج عنه بنفسه، ففي وجوب استنابته وجهان مشهوران، لا يخفى توجيههما، كما لا يخفى الفصل في الترتيب بين الأجنبي والولد. وكان شيخي يقول: الأب إذا بذل الطاعة لولده، فهو كالأجنبي يبذل الطاعة للمعضوب؛ فإن خدمة الأب تثقل على الابن، فأما إذا بذل [المالَ] (٥) لولده، ففيه ترددٌ. يجوز أن يكون (٦ كبذل الأجنبي المال، ويجوز أن يكون كبذل ٦) الابن المالَ لأبيه، ولعل الأظهر هذا. فهذا معاقد المذهب في الاستطاعة بالنفس، والاستنابة. وقد شذ عنها نوعان: أحدهما أخرناه لترتيب المختصر (٧)، والثاني نضبطه برسم فروع.

стр. 2065

فرع: ٢٤٣٦ - قد ذكرنا أن الاستنابة لا تصح إلاّ من معضوبٍ موصوف بزمانة، لا يُرجى زوالُها، في غالب الظن، فلو استأجر والحالة هذه، ثم استمر العضبُ حتى مات، وقع الحج موقعه. ولو حج الأجير في قيامِ العضب، ثم اتفق زوالُ العضب -على ندورٍ-[و] (١) الاستمكانُ من المباشرة، ففي المسألة قولان: أصحهما - أنا نتبين أن الحج غيرُ منصرفٍ إلى المستأجر. والثاني - أن الحج منصرفٌ إليه، على (٢) غالب الظن، في لزوم العَضْب. وشبه الأئمةُ القولين فيما ذكرناه، بالقولين فيما لو رأى الرجل سواداً مقبلاً، حسبه عدواً، لا طاقة له به؛ فصلى صلاة الخوف، ثم تبين أن الذي حسبه، لم يكن، ففي صحة الصلاة قولان. فإن قيل: كيف وجهُ التشبيه، والعضب هاهنا متحَقَّقٌ، غيرُ مظنون؟ قلنا: العضب المعتبر، هو الدائم إلى الموت، وصحةُ الحج بطريق الاستنابة، لا تعتمد تنجّز العضب في الحال، وإنما يعتمد جواز الاستنابة غلبةَ الظن، بدوام العضب. فلو لم تكن الزمانة بحيث لا يُرجى زوالها، فقد ذكرنا أن جواز الاستنابة لا يعتمد، [مثل] (٣) هذه الزمانة. فلو استأجر أجيراً، وهو على رجاءٍ ظاهرٍ من زوال الزمانة، فاستمرت الزمانةُ إلى الموت، فقد ذكر الأئمة في ذلك قولين أيضاًً، وخرجوا الاختلاف في الصورتين على أنا نعتبر الحال [أو] (٤) نعتبر ما يُفضي إليه الأمر في المآل. ٢٤٣٧ - وتمام الكلام في الفرع: أنا إذا حكمنا بأن الحج ينصرف إلى المستأجِر، فلا شك أن الأجرة مستحَقّةٌ للأجير، وإن حكمنا بأن الحجة غيرَ منصرفةٍ إلى المستأجِر، فقد ذكر شيخي عن شيخه القفال، أن من أئمتنا من يقول: لا يقع الحج

стр. 2066

عن فرض المستأجِر، ولكنها تقع عنه تطوعاً. وهذا بعيدٌ؛ فإن تطوع الحج لا يسبق فرضَه، غيرَ أن هذا القائل يجعل العَضْب الناجزَ، بمثابة الرق، والعبدُ إذا حجَّ، ئم عَتَق، فما سبق من الحج -في الرق- تطوّعٌ، [متقدمٌ] (١) على فرض الإسلام. وهذا بعيدٌ، لا أصل له، فإن حكمنا بأن الحج يقع عن المستأجر تطوعاً، فالأجير يستحق الأجرةَ، وإن قلنا: لا ينصرف الحج إلى المستأجر أصلاً، فهل يستحق الأجير الأجرة، فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أنه لا يستحقها؛ فإنه كان مستأجَراً على تحصيل الحج لمستأجِره، ثم تبين أنه لم يحصل له. والوجه الثاني - أنه يستحق الأجرةَ، لأنه عمل في الظاهر ما التمس منه، ولم يقصر فيه. والأصح استرداد الأجرة؛ من جهة أن الحجَّ وقع عن الأجير، ويبعد أن يقع الحج له، ويستحق الأجرة على غيره، على مقابلة الحج الواقع عنه، وهو في التقدير بمثابة ما لو قال: استأجرتك للحج عن نفسك، ولا فصل إلا العلم والجهل، وجهاتُ الاستحقاق لا تختلف بالجهل، والعلم. فإن قلنا: لا يستحق الأجرة، فلا كلام. وإن قلنا: إنه يستحقها، فقد اختلف أصحابنا على ذلك، فقال بعضهنم: يستحق الأجرة المسماة. وقال آخرون: يستحق أجرة المثل. وينبني، على هذين الوجهين القولُ في أنا هل نتبين فساد الإجارة؟ فإن أثبتنا المسمّى، فالاستئجار صحيح، وإن أثبتنا أجرةَ المثل، فقد قضينا بتبيّنِ فساد الاستئجار. وقال شيخي: إذا حكمنا بأن الحَجةَ تقع تطوعاً عن المستأجر، فلا يمتنع (٢) تخريج الخلاف في أجرة المثل، والمسمى؛ فإن الواقع ليس هو الذي وقع الاستئجار عليه،

стр. 2067

غيرَ أن ثبوت المسمَّى في التفريع على هذا الوجه أولى. ٢٤٣٨ - وألحق الأئمة بما نحن فيه صورةً من صور الإجارة، فقالوا: إذا صح الاستئجار، وانعقد الحج عن المستأجر، ثم إن الأجير، كما (١) أحرم، بدا له أن يصرفَ الحجَّ إلى نفسه، فظن أن ذلك ممكن، فإذا أنهى الحجَّ، فهل يستحق الأجرة؛ فيه اختلاف مشهورٌ: من أصحابنا من قال: إنه لا (٢) يستحق الأجرة؛ نظراً إلى قصده في صرف الحج إلى نفسه. وإذا ضممنا هذا إلى ما قدمناه، انتظم من المجموع أن من أئمتنا من اعتبر في استحقاق الأجرة حصولَ الحج للمستأجر، وهؤلاء يقولون: إذا [تبينا] (٣) أن الحج غيرُ منصرف إليه، في صورة زوال العَضْب، فلا أجرة، وإذا صرف الأجير الحج إلى نفسه بعد الإحرام، استحق الأجرة (٤). ومنهم من اعتبر قصد الأجير، وإقدامه على صورةِ ما التُمس منه، وهؤلاء يقولون: إذا صرف الأجير الحج إلى نفسه، لم يستحق الأجرةَ، وإن لم ينصرف إليه. وإذا زال العَضْب، وقلنا: لا ينصرف الحجُّ إلى المستأجر، فللأجير أجرتُه؛ اعتباراً بقصده. ومسائل، الإجارة وغوامضُها كثيرة. وإنما نذكر الآن ما يليق بغرضنا؛ فإن باب الإجارة بمسائله بين أيدينا. فرع: ٢٤٣٩ - الابن إذا بذل الطاعةَ لوالده، فقد ذكرنا أنه يجب عليه استنابته، ولا استئجار؛ إذ لا أجرةَ، فلو رجع الابن عن طاعته، فهل له ذلك؟ أم يلزمه الوفاء بما بذل من الطاعة، [وإتمام ما وعده] (٥) ذكر العراقيون في ذلك وجهين: أحدهما - أنه لا يلزمه الوفاء، وهو الأصح؛ إذ لا عَقْد، ولا استئجار. والثاني - يلزم الوفاءُ،

стр. 2068

وبذل الطاعة فيه بمثابة الضمان، والضمان يُلزم الضامنَ الوفاء بقوله. والأصح الأولُ. فرع: ٢٤٤٠ - المباشر للحج إذا لم يجد مالاً عتيداً يتخذه زاداً، ولكنه كان كسوباً، وقد ادّخر لأهله ما يكفيهم، فهل يلزمه أن يخرج حاجّاً، معوِّلاً على كسبه؟ قال العراقيون: إن كان السفر طويلاً، لم يلزم التعويلُ على الكسب، وشرطُ وجوب الحج اعتبارُ الزاد؛ فإن الكسب قد يتخلف. وينضم إليه أن مقاساةَ أحوال السفر، إذا انضمت إلى تعب الكسب، عظمت المشقة. وإن قصرت المسافة، فقد ذكرنا أن الواجب المشيُ على المقتدر عليه، على التفصيل المقدّم. وهل نوجب الخروج، مع قصر المسافة، تعويلاً على الكسب؟ قالوا: إن كان كسبه في يومٍ يكفيه لأيامٍ، فعليه الخروج، وإن كان كسبه في يومٍ لا يفضُل عن اليوم، فلا يلزمه الحج؛ فإنه في أيام الحج ينقطع عن كسبه، فيتضرر به. هذا ما ذكروه. ولا ذكر له في طريقتنا. وفيه احتمال على حالٍ؛ فإن القدرة على الكسب في يوم الفطرة، لم تُجعل كحصول الصاع في الملك، ولا يبعد أن يقال: الكسب وإن أمكن، فهو كالمشي، وقد ألزمناه في السفر القصير، وإن كنا لا نلزمه في السفر الطويل. فصل ٢٤٤١ - قال رسول الله ﷺ : " أيّما صبيّ حج، ولو عشرَ حِجَج، فإذا بلغ، فعليه حَجة الإسلام، وأيما عبد حج، ولو عشر حجج، فإذا عَتَق، فعليه حَجة الأسلام، وأيما أعرابي حج، ولو عشر حجج، فإذا هاجر فعليه حَجَّة الإسلام " (١)، (٢). قيل: هذا حين كانت الولايةُ منقطعةً، بين المهاجر وغير

стр. 2069

المهاجر، بالتوارث وغيره من الأحكام، فكانت حَجة الأعرابي، الذي لم يهاجر، إذ ذاك نَفْلاً. وقيل: أراد بالأعرابي الكافر، فأبان أن من وجد منه الحج، على صورته في الكفر، فلا اعتداد به، وعبر عن الكافر بالأعرابي الذي لم يهاجر، لأنهم إذ ذاك، كانوا إذا أسلموا، هاجروا. ومقصود الفصل: أن الصبا، والرّقَّ [لا] (١) ينافيان صحةَ الحج، ولكنهما ينافيان وجوبَه، وإجزاءه عن الواجب، لو وقع. والفقير الذي لم نُثبته مستطيعاً، لو تكلف المشقة، وحج، وقع حجه عن فرض (٢) الإسلام. فالفقر كالصبا والرق في منافاة وجوب الحج، وليس بمثابتهما في منافاة إجزاء الحج. وليس الحج فيما وصفناه كالجمعة؛ فالعبد والمريض المعذور مستويان، في أنه لا يجب على واحدٍ منهما حضور الجامع، وإذا حضراه، وصلَّيَا أجزأت الصلاةُ عنهما، عن فرض الوقت، ويفترقان في أن المريضَ إذا حضر تَقَيَّد، ولزمه إقامة الجمعة؛ فإنّ عذره كان يَحُط عنه تكلّفَ الحضور، وقد حضر، فكأنه ليس معذوراً الآن. وللعبد أن ينصرف بعد الحضور؛ فإن رقه قائم. وهذا ظاهر.

стр. 2070

٢٤٤٢ - ثم ذكر الشافعي أن حَجة الإسلام إذا وقعت على شرطها، فهي للعمر، وقد تقدم هذا. وغرضه بالإعادة الردُّ على أبي حنيفةَ في مسألةٍ، فمذهبنا أن من حج، ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، لم يلزمه إعادةُ الحج. وقال أبو حنيفة (١) يلزمه إعادته، مصيراً إلى أن الردة تُحبط ما سبق، والمسألة مشهورة. فصل قال الشافعي: " سمع رسول الله ﷺ رجلاً يقول: لبيك عن فلانٍ ... إلى آخره " (٢). ٢٤٤٣ - مذهبنا أن حَجةَ الإسلام في حق من يُتصور منه وقوعُها، مقدمةٌ على سائر أنواع الحَج. والحج يقع ركناً، وقضاء واجباً، عن حج لم يكن ركناً لو تم، ومنذوراً، وتطوعاً، والحجة الأولى مصروفةٌ إلى جهة الركن، وفرضِ الإسلام، [و] (٣) لا يجب تعيينُ النيةِ في ذلك، فلو تلبس بالحج مطلقاً، من يصح منه حجةُ الإسلام، فمُطلَقُ حجه مصروفٌ (٤) إلى ما عليه من فرض الإسلام. وكذلك لو نوى الحجة المنذورةَ، أو حج القضاء، انصرف ما جاء به إلى حجةِ فرض الإسلام. والقضاء إنما يفرض في حق من كان عبداً، وشرع في الحج، وأفسده، ثم عَتَق، فعليه حجةُ قضاءٍ، لما أفسده، وهذا القضاء لا يكون حجةَ الإسلام؛ فإن القضاء يحكي الأداءَ، فكل أداءٍ لو تم، لم يتأدّ به فرضُ الإسلام، فقضاؤه بمثابته. ولو فرغ عن حجة الإسلام وعليه حجةٌ منذورة، فلتقع البداية بها، فلو نوى التطوع، [لغا قصدُ التطوع و] (٥) انصرف الحج إلى جهة النذر.
следующие страницы →