٢٦١٩ - ثم للطواف شرائط، ونحن نصفها شرطاًً، شرطاً، فمنها: طهارةُ الحدث، فلا يصح الطواف، ولا يعتد به إذا كان الطائف محدثاً، خلافاً لأبي حنيفة (١)، وقد قال الرسول ﷺ : " الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام " (٢).
ثم كما نشترط الطهارةَ عن الحدث، نشترط طهارةَ البدن، والثياب. والمدارُ الذي يدور عليه في المطاف، فالطواف في الطهارتين يحل محل الصلاة، باتفاق الأصحاب.
والستر مشروط فيه حسب ما يشترط في الصلاة.
واستقبال القبلة عند التمكن شرطُ الصلاة، والقرب من البيت في الطواف على الهيئة التي سنوضحها يحل محل الاستقبال في الصلاة.
هذا قولينا في الشرائط
٢٦٢٠ - وذكر الأئمة أحكاماً سمَّوها أركان الطواف، ولا معاب على من يسميها شرائطَ، ولكنها من حيث تعلقت بكيفياتٍ في [الطواف] (٣)، وقع التعبير عنها بأركان الطواف. ونحن نعدُّها فنقول:
مما يرعى في الطواف، والاعتداد به الترتيبُ، وهذا ينطوى على معنيين: أحدهما - أن البيت يجب أن يكون على يسار الطائف، فلو أوقعه على يمينه في طوافه يسمى
стр. 2207
الطواف منكساً، ولا يُعتد به أصلاً. هذا أحد معنيي الترتيب. والمعنى الآخر - أن البداية تكون بالحجر الأسود، حتى لو وقعت البداية بمكانٍ آخر من البيت، لم يعتد بشيء مما جرى، حتى ينتهي الطائف إلى محاذاة الحجر الأسود، فذاك أول طوافه.
وهو كالمتوضئ يقدِّم غسل رجليه، فلا يعتد به، فإذا غسل وجهه، قيل: هذا أول وضوئه.
ومما يتعلق بهذا الفن أن يكون الطائف خارج البيت، ويكون تَدْوارُه وراء منقطع البيت من الأقطار (١).
٢٦٢١ - ولا نجد الآن بداً من كلامٍ وجيز في هيئة البيت، وما جرى من هدمه، وإعادته، حتى يتضح الحِجْرُ وأمرُه، وشاذروان الكعبة بين الركن اليماني، وركن الحَجَر، فإذا نحن وصفنا ذلك، بنينا عليه غرضَنا في أمر الطواف.
روي أن النبي ﷺ قال لعائشة: " لولا حِدْثانُ (٢) قومك بالشرك، لهدمت البيت، ولبنيتُه على قواعدِ إبراهيم، وألصقته بالأرض، وجعلت له بابين: باباً شرقياً، يدخل الناس فيه، وباباً غربياً، يخرج الناس منه. فقالت: وما دعاهم إلى إخراج بعض البيت إلى الحِجْر، فقال: قصّرت بهم النفقة. قالت: فلِمَ رفعوا الكعبةَ عن الأرض؟ قال: ليأذنوا لمن شاؤوا، ويمنعوا من شاءوا " (٣) وقوله ﷺ : قصّرت بهم النفقة، ليس أن مالَ قريش، لم يتسع لبناء البيت، أو بخلوا به، ولكن [كان] (٤) للكعبة أموالٌ طيبة من النذور، والهدايا، فقالوا: لا ننفق على البيت من أموالنا، التي جرى فيها الربا، وإنما نُنْفق مالَ البيت، فقصّر ذلك المال.
стр. 2208
وكان جرى هدمُ البيت، قبل المبعث بعشر سنين، ورسول الله ﷺ يومئذ ابنُ ثلاثين سنة، فلما بنَوْه، تنازع بنو عبد منافٍ، وبنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو عبد شمس، وقال كل واحد: " نحن نضع الحجر في موضعه " فكاد شرٌّ يهيج، فتواضعوا على أن يرضَوْا بحكم أولِ من يدخل، من باب بني شيبة، فأقبل رسول الله ﷺ ، وكانوا في الجاهلية يسمونه محمداً الأمين. قالوا: محمدٌ الأمين!! أتاكم من لا يميل؛ فحكموه، فحكم بأن يَبْسط رداءه، ويوضَعُ الحجَرُ عليه، ثم يأخذ سيد كل رهط بطرف منه، حتى يحملوه إلى موضعه، فبسط رداءه، ووضع رسول الله ﷺ الحَجَرَ بيده، فلما وصلوا إلى البيت، أخذه رسول الله ﷺ ، فوضعه موضعه بيده.
وكان بناؤهم البيت على الصورة التي هي عليها اليوم، وقبل ذلك كان لاصقاً بالأرض، ذا بابين شرقي وغربي.
فلما خرج ابن الزبير إلى مكة، هدمَ البيت، وبناه كما كان قديماً، فلما ظهر عليه الحجاج، وقتله، هدم البيت بالمنجنيق، وبناه هذه البِنْيَة التي هو اليوم عليها (١).
стр. 2209
ثم لما ضافَ بهم النفقة أخرجوا من جانب الحِجْر ستةَ أذرع من عَرْصة البيت، وضيقوا عَرْض [الجدار] (١) بين الركن اليماني والحَجَر الأسود، وأخرجوا من أساس الجدار على هيئةِ دُكّانٍ (٢) لا عرضَ له، وهو الذي يسمى الشَّاذرْوان وهو بيّنٌ للناظر، ولكنه لا أثر له عند الحَجَر، فلعله امّحق، أو رأوا رفعه لتهوين الاستلام، وتيسيره، وسمى المزني الشاذَرْوان [تأزيز] (٣) البيث، ومعناه التأسيس، ومنهم من قرأ تأزير البيت، تشبيهاً بالإزار.
٢٦٢٢ - فإذا ثبت ما ذكرناه، عُدنا إلى غرضنا من ذلك في حكم الطواف: فليس للطائف أن يدخل الحِجر، ويتخطى الستةَ الأذرع المتصلة بالبيت، فإنه لو فعل ذلك، لكان والجاً في البيت، والطواف تردُّدٌ بعد تخليف البيت، وكذلك لو صعد إلى جدار الحِجْر -وحوله جدارٌ إلى حيال الصدر- ولو خلّف مقدار الستة الأذرع، واستظهر، ثم
стр. 2210
اقتحم الجدار وراء ذلك، وتخطى الحِجْر، على هذا السمت، اعتدّ بطوافه (١)، وإن كان ما جاءبه مكروهاً.
ولو انتهى الطائف إلى موضع الشَّاذَرْوان، وأقر قدميه عليه، وألصق بدنَه بالجدار في هذه الجهة، فهو في البيت، ولا اعتداد بما يأتي به.
ولو كان يمر وراء الشَّاذَرْوان، وهو يمس الجدار بيده، في ممرّه، فقد اختلف أصحابنا في ذلك، فذهب الأكئرون إلى أنه لا يُعتد بهذا من الطواف؛ فإن الشرط أن يكون جميعُ بدنه منفصلاً عن البيت، وليس الأمر كذلك، فيما صورناه. وذكر بعضُ أصحابنا وجهاً آخر بعيداً، أنه يُعتد بمَمرّه، نظراً إلى جملته، ولا مبالاة بطرفٍ من عضوٍ يلج، أو يخرج، والتعويل في هذا الفن على التسمية المطلقة، وهو يسمى طائفاً بالبيت خارجاً منه.
والأصح الأول.
٢٦٢٣ - ومما يدنو من ذلك، ويقرب منه، أنا ذكرنا أن ابتداء الطواف مستفتح من (٢) حيال الحجر الأسود، فإن حاذاه ببدنه في أول (٣) الطواف، صح، وإن حاذاه ببعض بدنه، فالأصح أن افتتاح الطوافِ باطلٌ، فإذا لم يصح الافتتاح، لم يصح الشوطُ كلُّه، جرياً على ما مهدناه، من اشتراط الترتيب وبيانه.
ومن أصحابنا من قال: يكفي محاذاة الحَجَر ببعض البدن، وخرّج هذا على خلافٍ في أن المصلي إذا وقف على ركنٍ من أركان البيت، وهو محاذي ببعض بدنه الركنَ، وبعضٌ منه خارجٌ عن مسامتة الكعبة، ففي صحة الصلاة إذا أقيمت كذلك وجهان.
стр. 2211
والذي يتم به البيان: أن البدَن الذي أطلقناه إنما [هو] (١) شِقّ الطائف من جهة يساره ولا نعني غيرَه، والمعنيّ بالمحاذاة أن يقع كلُّ هذا الشق، في محاذاة الحَجَر، حتى لو خلّف من الحجر -مثلاً- شيئاً، وهو إلى الباب ما هو، وحاذى بعضَ الحَجَر ببعضٍ من شقه، والبعضُ الآخر [في] (٢) محاذاة الكعبةِ والجزءِ المنحدر من الحَجَر إلى الباب، فهذا صورة الخلاف.
٢٦٢٤ - وكان شيخي يتردد في أمرٍ نَصِفُه، فيقول: إذا حاذى من يبتدئ الطوافَ بشقه الحَجَر، ولكنه خلف شيئاً منه، في جهة الركن اليماني، فترك بعضاً منه مثلاً أمامه، وحاذى بشقه وسطه، فكان يقول: يحتمل أن نُصحح افتتاحَ طوافه؛ فإنه حاذى بتمام شقه الحجرَ، ويُحتمل أن نقول: ينبغي أن يحاذي في أولِ الطواف تمامَ الحَجَر [بتمام] (٣) الشِّق، وذلك بأن يبتدئ من أول الحَجر فيما يلي الركنَ اليمانيَّ، ويمر عليه على المسامتة.
والأمر كما قال محتمل.
٢٦٢٥ - ثم إذا تخطّى الحَجَر، أو خَطَا على الشاذَرْوان، وقلنا: لا يعتد بممره، فإذا استوى (٤) بعد ذلك، فكل ما يأتي به غيرُ محسوب، حتى ينتهي إلى مثل ذلك المكان، الذي تعدى منه، وحاد عما رسمناه له.
فعلى هذا إذا انتهى من ركن الحجَر، إلى الركن [العراقي] (٥) فمال إلى الحِجْر، ودخله من فتحةٍ تلي الركنَ، وخرقه إلى الفتحة الأخرى التي تلي الركن الشامي، فحركاته [على هذا الصنع] (٦)، غيرُ محسوبة، وإذا [تقدّمَها] (٧)، فتدواره إلى الركن
стр. 2212
اليماني، ثم إلى الركن الأسود، ثم إلى مكانه من الركن العراقي، كل ذلك غير محسوب؛ [وفاءً] (١) بالترتيب المكاني.
فهذا تمام ما أردناه فيما يُعدّ من الأركان.
٢٦٢٦ - وكان شيخنا يقول: لو استقبل القبلة بصدره، وكان يستدير على الجهة المرسومة، عرضاً، فالقفال كان يتردد فيه: ربما كان يقول: (٢ لا يحسب ٢) له طواف؛ فإن المطلوب منه أن يولّي الكعبةَ شقّه الأيسر. وربما كان يقول: إذا دار على الصَّوْب مقابلةً، أو مدابرةً، أو على شق، حُسب طوافه، [وكره] (٣).
والأصح عندنا الأوّل (٤)؛ فإن المصلي لما أمر بأن يولي القبلةَ وجهه، وصدرَه، فلو أولاها شقه، لم يعتد بصلاته، ولا وجه لغير هذا عندي.
٢٦٢٧ - ومما يتعلق بهذه الفنون - القول في الموالاة: ووضع الأشواط في الشرع على التوالي، فلو فرقها الطائفُ، ففي بطلان الطواف قولان، مبنيان على القول في الطهارة. وربما كان شيخي يجعل الطواف أولى بالموالاة، وليس يتبين فرقٌ به مبالاة. والتفريق اليسير غير ضائر.
وفي التفريق بالعذر طريقان: من أصحابنا من قطع بأنه لا يضر، ومنهم من جعل المسألة على قولين، وقد ذكرتُ حقيقةَ القول في هذا في كتاب الطهارة. والذي يُرجَع إليه في التفريق اليسير والكثير، ما يغلب على الظن في الإضراب عن الطواف، وترك الإضراب عنه، فكل زمان يشعر تخلله بظنٍّ في ترك الطائف طوافَه، أو إنهائه نهايته، فهو المعتبر في التفريق، ولا مبالاة بما دونه.
٢٦٢٨ - والطائف في أثناء الطواف إذا سبقه الحدث، فأمره مرتَّبٌ عند الأئمة على سَبْق الحدث في الصلاة، فإن قلنا: سَبْق الحدث فيها لا يبطلها، فالطَّواف بذلك
стр. 2213
أولى. وإن قلنا: سبق الحدث يُبطل الصلاة، ففي الطواف قولان. والفارق أن الصلاة في حكم الخَصلة الواحدة، لا يتخللها الكلامُ والأفعالُ الكثيرة، بخلاف الطواف.
وإذا قلنا: ببطلان الطواف، تطهّر الطائف، وابتدأ الطواف من أوله.
وإن قلنا: سَبْق الحدث لا ينقضه؛ فإنه يخرج، ويتطهر، ويعود، ويبني كدأبه في الصلاة.
وهذا النوع من التفريق -ونحن نفرع على القول الذي انتهينا إليه- غيرُ معتبر، وإن [قلنا] (١) في تفريق المعذور قولان، فإنا نسلك في سبق الحدث مسلك البناء على الصلاة، وتفصيل القول في سبق الحدث في الصلاة متلقى من الخبر.
ولو تعمد الطائف الحدث، فإن قلنا: سبقُه ينقضُ الطوافَ، فعمده أولى. وإن قلنا: سبقه لا يبطل الطوافَ، ففي عمده وجهان: أحدهما - أنه يُبطل الطواف، كما يُبطل الصلاة؛ فإنهما مستويان في الافتقار إلى الطهارة. والثاني - أنا لا نقطع القولَ ببطلان ما سبق، بناءً على أن التفريقَ لا يبطل الطوافَ، والطوافُ يتخلله ما ليس منه، فلا يعتد بالمقدار الذي كان محدثاً فيه، ويجعله كأن لم يكن، فيعود البناء إلى التفريق.
ثم إن طال الزمان، فهو تفريقٌ، وإن قصر الزمان، فوجهان: أحدهما - أن الزمان القصير مع الحدث، كالزمان الطويل من غير حدث، فهذا يضاهي تخلُّلَ الرّدة في أثناء الطهارة، مع قصر الزمان؛ فإن من أصحابنا من ألحق ذلك بالتفريق الطويل، ومنهم من قطع رباط الطهارة بها، ومنهم من ألحقها بالتفريق اليسير.
فهذا منتهى القول، فيما يجري من الطواف مجرى الأركان.
٢٦٢٩ - ثم المطاف بيّن، ولو بعُد الطائف من [المطاف] (٢) المعتاد، اعتد بطوافه، ما دام في المسجد، حتى لو كان مداره في أخريات الأروقة، أو على مكانها من السطوح، فالطواف صحيحٌ.
стр. 2214
فأما إذا خرج من المسجد، فلا. ولو وُسّعت خِطةُ المسجد، اتسع المطاف، والأمر كذلك في المسجد الحرام، بالإضافة إلى ما كان في زمن رسول الله ﷺ ، فإن العباسيةَ وسّعوا خِطته، وقيل: كثر الحجيج عامَ حجَّ الرشيدُ، حتى امتلأت الأروقة، بالطائفين ورقُوا إلى السطوح، وانتهَوْا إلى الجدران.
وقد نجز القول فيما لابد من مراعاته في الطواف.
٢٦٣٥ - فأما ما يتعلق بالسنن والهيئات، فإذا افتتح الطائفُ الطوافَ من الحَجَر، كما رسمناه، فيما لابد منه، فيستحب له الاستلام، وهو من السَّلام، أو السِّلام (١)، وهو الحجر، فإن زُحِم، ولم يتمكن من تقبيله (٢) مسَّه بيده، ثم قَبّل يده، فإن لم يمكنه، أشار بيده.
ولا يستلم الركنَ اليماني، ولكن يمسه، تيمناً، وتبركاً، وقيل: إنه على قواعد إبراهيم. لم يغيره ما لحق البيتَ، من الهدم والبناء، ثم ذكر الأصحاب وجهين في كيفية ذلك: أحدهما - أن يُقبل المحرمُ يده، ويمَس الركن كالذي ينقل خدمة (٣) إليه والثاني - أن يمس الركنَ، ثم يقبل يده، كالذي ينقل تيمناً إلى نفسه، وينقدح هذان الوجهان في الحجر، في حق المزحوم عن الاستلام، ولست أرى هذا اختلافاً، وإنما هو في حكم [تخير] (٤).
стр. 2215
ولما انتهى عمر إلى الحجر، قال: أما إني أعلم أنك حَجَرٌ، لا تضر، ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك، ما قبلتك "، فقام أبيّ ابن كعب، فقال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الحجر الأسود يأتي يوم القيامة، وله لسان ذَلِقُ، يشهد لمن قبّله " (١).
٢٦٣١ - وطاف رسول الله ﷺ بالبيت راكباً، وكان يشير إلى الحجر بمِحجنٍ في يده (٢)، وهذا الحديث يدلّ على أن الطوافَ من الراكب مجزيء، ولا نقصان فيه؛ فإن رسول الله ﷺ ، كان يؤثر لنفسه الأفضلَ، سيّما عامَ الوداع.
وفي القلب من إدخال البهيمةِ المسجدَ، ولا يؤمن تلويثُها [شيء] (٣)، فإن أمكن الاستيثاق من هذه الجهة، فذاك، وإن لم يمكن، فإدخال البهائم المسجد مكروه.
٢٦٣٢ - ثم إذا دنا من الحَجَر، قال: في ابتداء الطواف: " بسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك، ﵇ " (٤) وقد روي ذلك مرفوعاً. وكان شيخي يذكر دعواتٍ في تَرْدَاد الطواف،
стр. 2216
ويخص كلّ موضعٍ بدعوة، ولم أرَ لها ذكراً، فلم أوردها، وعندي أن الأذكار [فوضى] (١) بعد ابتداء الطواف.
٢٦٣٣ - ومن الهيئات الرمَل، فنؤثر للطائف الرملان في ثلاثة أشواط، من أول الطواف، ونؤثر له السكينة، والمشي على الهِيْنَة (٢) في أربعة أشواط، وهي الأشواط الأخيرة، وقال بعض أئمتنا: الرمل فوق سجية المشي، ودون العدْو.
وقال الشيخ أبو بكر: هو شِرعةٌ (٣) في المشي، دون الخبب.
وهذا عندي زلل؛ فإن الرمل في فعل الناس كافة ضربٌ من الخبب، يسير (٤) إلى قفزان. والرملانُ هذا معناه في اللسان، وكل ما تضطرب الحركات فيه، فمصدره الفَعَلان في غالب الأمر، كالقَفَزان، والنَزَوَان، والضَّرَبان، وعَسَلان الرُّمح (٥).
والمشيُ السريع ليس من الرملان في شيء.
ثم يتَّسع (٦) القول الآن في الرملان، فأول ما نذكره التفصيل في الطواف الذي يشرع الرمل فيه: [لا شك أنه لا يشرع في كل طواف، واختلف القول في الطواف الذي يُشرع الرمل فيه] (٧) فأحد القولين أنه يختص بطواف القدوم؛ فإنه أول العهد بالبيت، فيليق به نشطةٌ واهتزازٌ، والقول الثاني - أنه مشروع في الطواف الذي يستعقب سعياً؛ من جهة أنه يشير إلى تواصل الحركات، وإلى السعي بين الجبلين، ثم القادم قد يسعى على أثر طواف القدوم، وقد يؤخر السعي حتي يأتي به على أثر طواف الزيارة بعد الوقوف، فإن كان يسعى بعد طواف القدوم، فإنه يرمل في الطواف قولاً واحداً،
стр. 2217
لاجتماع المعنيين. وإن كان يؤخر السعي إلى بعد طواف الإفاضة، فيجري القولان: فمن راعى القدوم، شرع الرمل في الطواف الأوّل، ومن راعى استعقاب السعي شرعه في طواف الزيارة.
ثم قال أئمة العراق: لا يجتمع الرمل في الطوافين على كل طريق، والأمر على ما قالوه؛ فإن أحداً لم يعلق الرمل بالمعنيين جميعاً.
ويخرج على ما ذكرناه الرمل في طواف العمرة. قال الأئمة: ليس طواف المعتمر طوافَ قدوم؛ فإنه يقع ركناً، وهذا يوُهي ما أشرنا إليه من ابتداء العهد بالبيت، وكان يمكن أن يقال: فيه معنى القدوم. فإن قلنا: الطواف الذي يستعقب السعي يشرع الرمل فيه، شرع الرمل في طواف المعتمر.
[هذا] (١) تفصيل القول في الطواف الذي يشرع الرمل فيه.
٢٦٣٤ - ومما يتعلق بذلك الكلامُ في مكان الرمل: فالأصح أن الطائف في أشواط الرمل، يرمُل في جميع تدواره على [أركان] (٢) البيت.
وذكر الأصحاب قولاً آخر: إنه يترك الرمل بين الركن اليماني والحجر الأسود، واستدل هؤلاء بفعل رسول الله ﷺ ، وهو الأصل في إثبات الرمل، وذلك أنه كان واعدَ أهل مكة عامَ الصدِّ، أن يعود لقضاء عمرته في قابل، فعاد، وكان شرط على الكفار أن ينجلوا عن بطحاء مكة، ويلوذوا (٣) بقُلل الجبال، فوفَوْا ورقُوا إلى قُعَيْقِعان، وهو جبل في جهة الحِجْر والميزاب، وكان أصحاب رسول الله ﷺ نَهَكَتْهم حمى يثرب، فرأى الكفار ذلك منهم؛ فهمّوا بالغدر، فنزل جبريل، وأعلم رسول الله ﷺ ، بما أضمروه، فاضطبع رسول الله ﷺ ، واضطبعوا، ورمل، ورملوا، فقال الكفار: إن هؤلاء كالغزلان، وكان ذلك سببا في رد كيدهم (٤).
стр. 2218
فهذا أصل الرمل، ثم في بعض الروايات: أنه ﷺ وأصحابَه ﵃، كانوا إذا انتهوا إلى ما بين الركنين اليماني والحَجَر [اتّأدوا] (١)؛ فإن الكعبة كانت تحول بينهم وبين الكفار. فقال هذا القائل: الرسول ﷺ هو الأسوة في الرمل، وُيتْرَكُ الرمل حيث كان يتركه، وهو أقوى (٢)، لو تجرد نقلُه، وقد نُقل: أنه كان يرمل من الحَجَر إلى الحَجَر، ولا يبعد أنهم كانوا يسكنون قليلاً، من غير مفارقة سجية الرمل.
وروي أن عمر قال: " فيم الرمل، والتكشف، وقد أطّأ (٣) الله الإسلام، ونفى الشرك وأهله، ألا إني لا أحب أن أدع شيئاً، كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ " (٤) فإن قيل: لم دام الرمَل مع ظهور سببه أولاً، وزواله آخراً؟ قلنا: ما لا يُعقل معناه على التثبت لا يحكّم المعنى (٥) فيه.
وقد قيل: إن سبب السعي ما كان من هاجَر أمّ إسماعيل، وابنه (٦)، كما سنصفه، ثم أُثبت ركناً في الدين.
стр. 2219
وقيل: استعصى الذبح على إبراهيم فذلَّلهُ الله بالأحجار على الجمرات، فصار ذلك شعاراً متبعاً، ومبنى الشرع على التيمّن والتأسي بشعار الصالحين، من غير تتبع المعاني.
٢٦٣٥ - ومِما يتعلق بالرمل: أنا نؤثر الجمعَ بين الدنوّ من الكعبة وبين الرمل، ولا ننظر إلى كثرة الخُطى فيمن يبعد من الكعبة، وهذا متفق عليه.
فإن عسر الرمل في زحمة الناس، في القرب، ولو بَعُدَ إلى الحاشية، لا ستمكن من الرمل، فالرمل في البعد أولى، فإن القرب لا يبلغ مبلغ شعار مستقل.
نعم لو كان يقع في صف النساء، فتركُ الرمل أجدر به؛ فإن الأمر يعظُم في هذا، وينسب الرجل إلى ترك شعارٍ في الدّين كلِّي، ولا يقع منه الشعار الجزئي موقعاً.
٢٦٣٦ - ولو ترك الرمل في الأشواط الأُوَل، فأراد أن يتدارك في الأشواط الباقية، لم يكن له ذلك؛ فإن سجّية المشي في الأشواط الأربعة مسنونة، كالرمل في الأشواط الثلاثة، فلو تدارك الرمل، لكان تاركاً سنةً ناجزة، في تدارك شعارٍ فائت، وليس هذا كإعادة سورة الجمعة في الركعة الثانية على ما سبق ذكرها في الصلاة؛ فإن الجمع بين الجمعة، وسورة المنافقين ممكن، والجمع بين الرمل وسجية المشي غير ممكن.
قال الشافعي: لو زُحم من لم يتمكن من الرمل أصلاً، فحسنٌ لو [أتى] (١) بمحاولة الرمل متشبهاً بالرامل، وهذا أصل ستأتي أمثلتُه في أمرنا مَنْ لا شعر على رأسه بالحلق متشبهاً بالحالق، إلى غير ذلك.
٢٦٣٧ - ومن الشعار المرعي الاضطباع: وهو أن يجعل وسط الرداء تحت إبطه الأيمن، ويعري كتفه الأيمن منه، ويجمع طرفيه على عاتقه الأيسر، كدأب ذوي الشطارة (٢). هكذا
стр. 2220
قال رسول الله ﷺ . ثم [لا اضطباع] (١) في طوافٍ، لا رمل فيه، ولا يكلف المضطبع أن يغير زيّ الاضطباع إذا ترك الرمل في الأشواط الأربعة. وإلى متى يستديمه؟ ذكر الشافعي لفظةً، واختلف الأصحاب في قراءتها. قال: " ويديم الاضطباع حتى يكمل سعيه " (٢) [منهم من قرأ كذلك وزاد في الخط ياء بعد العين، و] (٣) منهم من رأى أنه سبعة، فإذا قلنا: حتى يكمل سبعة، معناه حتى يكمل الأشواط السبعة، وإذا قلنا: حتى يكمل سعيَه معناه استدامة الاضطباع حتى يكمل سعيه بعد الطواف.
فهذا فيما أظن حاوٍ لشعار الطواف، وما يتعلق بالركن منه، وما يتعلق بالسنة والهيئة.
٢٦٣٨ - وذكر الشيخُ أبو بكر من جملة ما كنا نحفظه من الأذكار بعد الذكر الذي قدمناه في ابتداء الطواف، أنه كلما حاذى الحجر الأسود كبّر، وقال في رمله: " اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً " وقيد هذا الذكر بالرمل عن قصد، وقرنه باستحباب ذكر في حالة السعي، فإنا نؤثر للساعي أن يقول: " اللهم اغفر وارحم، واعف عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار " والأمر في ذلك قريب.
ثم كل ما ألحقناه [بالهيئآت] (٤)، فلو تركه الطائف عامداً، اعتدّ بطوافه، ولم يلزمه فدية، وسنجمع بعد هذا قولاً ضابطاً فيما يوجب الفدية قطعاً، وفيما يختلف فيه.
стр. 2221
فصل
قال: " إذا فرغ صلى ركعتين، خلف المقام ... إلى آخره " (١).
٢٦٣٩ - الطائف إذا فرغ من أشواط طوافه أمرناه، بأن يصلي ركعتين، فإذا كان الطواف مفروضاً، فللشافعي قولان في وجوب ركعتي الطواف: أحدهما - أنهما لا تجبان، لحديث الأعرابي؛ إذ قال لرسول الله ﷺ بعد ذكر الخَمْس: " هل عليّ غيرها "؟ قال: لا ".
والقول الثاني - أنهما تجبان وجوبَ الأشواط، وقد يستدل الشافعي على وجوب الشيء بإطباق الناس على العمل، وما يكون مُتطوَّعاً (٢) به فالعادة تقتضي تردُّدَ الناس في الإتيان به، ثم إن كان الطواف فرضاً، فالقول مختلف كما ذكرناه، وإن لم يكن فرضاًً، فالأصح أنه لا يستحق على أثره ركعتا الطواف.
ونقل الأصحاب عن ابن الحداد: أنه أوجب ركعتي الطواف على أثر نجاز الأشواط، وهذا بعيدٌ، ردّه أئمة المذهب.
ثم ما أُراه يصيرُ إلى إيجابهما على التحقيق، ولكنه رأى ركعتي الطواف جزءاً من الطواف، ولم ير الحكم بالاعتداد بالطواف المقطوع به دونهما، وقد قال في توجيه ما رآه: لا يبعد أن يشترط في النفل ما يشترط، في الفرض، كالطهارة، وغيرها، وكالركوع، والسجود، من قبيل الأركان.
٢٦٤٠ - وقد تحقق من معاني كلام الأصحاب الاختلافُ في أن ركعتي الطواف معدودتان من الطواف، أو لهما حكم الانفصال عنه.
ومن آثار الاختلاف في ذلك أنا إذا حكمنا بوجوب ركعتي الطواف الواجب، فلو أراد المتيمم أن يجمع بتيممه بين الطواف وبين الركعتين؟ في جواز ذلك وجهان مبنيان
стр. 2222
على ما ذكرناه: فمن عد الركعتين من الطواف أحلهما محل شوط، وجوّز الجمع.
ومن فصلهما عن الطواف، لم يجوّز الجمعَ بين الطواف، وبينهما بتيمم واحد.
فمأخذ كلام ابن الحداد هذا، ولا ينقدح غيرُه.
ثم لا يمتنع انفصال ركعتي الطواف عنه بزمانٍ متطاول، وهذا يوضّح انفرادهما عن الطواف، ولا يتعين لإقامتهما المسجدُ والحَرَمُ، وصرح الأئمة بأنهما لو أقيمتا بعد الرجوع إلى الوطن، وتخلل مدة، وقعتا الموقع، ولا ينتهيان إلى القضاء، والفوات. وسنذكر أن ما يجب في الحج ولا يكون ركناً؛ فإنه مجبور بالدم، ولم يتعرض الأئمة لجبران ركعتي الطواف، وإن اختلف القول في وجوبهما، والسبب فيه أنهما لا تفوتان، والجبران إنما يثبت عند تقدير الفوات، ثم إن قُدِّر فواتهما بالموت، فلا يمتنع وجوب جبرانهما بالدم، قياساً على سائر المجبورات.
٢٦٤١ - ومما يتعين التنبه له أنا وإن حكمنا بوجوب الركعتين، وفرعنا على أنهما معدودتان من الطواف، فلا ينتهي الأمر إلى تنزيلهما منزلة شوط من أشواطه؛ (١ فإن تقدير ذلك يتضمن القضاء بكونهما من الركن، في الطواف الواقع ركناً، ولم يصر إلى هذا صائر، وبهذا يضعف عدهما من الطواف ١).
٢٦٤٢ - ومما يذكر [بدعاً] (٢) غريباً في أحكام الصلاة تطرق النيابة إلى ركعتي الطواف، من جهة المستأجَر على النسك، وليس في الشرع صلاةٌ تجري النيابةُ فيها غيرُ هذه.
ثم إن حكمنا بوجوب الركعتين، لم تقم صلاة أخرى مقامهما، وإن قضينا بأنهما لا تجبان، فقد قال الصيدلاني: لو صلى الفارغ من الطواف فريضةَ الوقت، أو قضى فائتةً، وقع الاكتفاءُ بما جاء به، اعتباراً بتحية المسجد. وهذا مما انفرد به.
والأصحاب على مخالفته، فإن الطواف يقتضي صلاة مخصوصة، والمسجد حقُّه ألا يجلس الداخل فيه حتى يصلي.
стр. 2223
فصل
في أحكام الطواف
٢٦٤٣ - الطواف في الحج ينقسم ثلاثةَ أقسام: أحدها - الطواف الواقع ركناً، وهو يقع بعد الوقوف، وهو المسمى طواف الإفاضة، والزيارة، ولا سبيل إلى تقدير إيقاعه قبل الوقوف، وسنفصل أول وقته، عند ذكر أسباب التحلل. ثم إذا حكمنا بكونه ركناً، فلا يسد مسدَّه شيء، ولا يتطرق إليه جبران.
٢٦٤٤ - والقسم الثاني طوافٌ يقع بعد التحللين، وبعد الفراغ من [مناسك] (١) منى: رمياً، ومبيتاً، وهو طواف الوداع. وفي وجوبه قو لان: أحدهما - أنه يجب، وعلى تاركه الدم، وإليه ميْل النصوص في الجديد. والقول الثاني - أنه لا يجب، ولا جبران على تاركه، ولكنه سُنّةٌ مؤكدة.
[ثم] (٢) حق هذا الطواف أن لا يعرج الراجع إلى مكة بعده على أمرٍ، فإن عرّج على شغل، فسد ما جاء به عن الجهة المطلوبة، وتعيّن الإتيان بطواف الوداع مرةً، أخرى.
والمرأة إذا هي حاضت بعدما أفاضت، وطافت طوافَ الإفاضة، فلتنفر بلا وداع؛ وقد روي أن صفيةَ حاضت في وقت المنصَرَف، فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسملم، فقال " عَقْرَى (٣) حلْقَى حابِستنا هي؟ فقيل: إنها قد أفاضت قبل أن حاضت، فقال: فلتنفر بلا وداع " (٤).
стр. 2224
[ثم إذا نفرت بلا وداع] (١)، وتمادى الحيضُ حتى انتهت إلى مسافة القصر، استمرت ذاهبةً، ولا جبران.
وإذا خرج الرجل بلا وداع، وجرينا على قولِ الجبران، وانتهى إلى مسافة القصر، استقر الجبران. ولو آثر العوْدَ، لتداركِ الوَداع، لم يسقط الجبران؛ فإنّ دخول مكة من مثل هذه المسافة في حكم زَوْرة مستفتحةٍ، تقتضي إحراماً جديداً على أحد القولين.
ولو حاضت المرأة، وخرجت، ثم انقطع حيضها، وهي بعدُ في خِطة مكة، رجعت، وطافت. وإن جاوزت الخِطة، وما انتهت إلى مسافة القصر، فالذي نص عليه الشافعي: أنه لا رجوع عليها، ونصَّ أن الرجلَ إذا فارق مكة، ولم ينته إلى مسافة القصر، وأراد الرجوعَ، يسوغُ له ذلك، ويقع الاستدراك بالطواف، ويسقط الجبران.
واختلف أصحابنا في النصين: فمنهم من جعلها على قولين: أحد القولين - أن انقطاع الحيض دون مسافةِ القصر يوجب الرجوعَ، فإن لم ترجع، التزمت الدمَ على قول. والرجوعُ في حق الرجل، والمرأةِ التي لم تكن حائضاً يثبُت لاستدراك صورة الطواف. هذا قولٌ. والمعتبر فيه مسافةُ القصر.
٢٦٤٥ - وذكر الشيخُ أبو علي، وغيرُه قولاً آخر: إنه لو عاد من مسافة القصر، أمكنه أن يتدارك الوَدَاع، فهذا القائل لا يوجب العود، ولكنه يجوّزه، ويحكم بحصول التدارك.
ثم إذا وقع التفريع على هذا القول الغريب؛ فإنه يدخل مكة محرماًً بنسك، فإذا تحلل وودَّع، وخرج يكفيه الودَاع الذي جاء به عن النسك الذي أحدثه الآن، عن التدارك الذي رجع لأجله.
وذكر صاحب التقريب وجهاً آخر: أنه يطوف طوافين: أحدهما - يستدرك به
стр. 2225
ما فاته، والثاني - يأتي به لأجل [النسك] (١) الذي جدده، وهذا ضعيف، ينبغي أن يكون الطواف الأول عن جهة التدارك، والثاني عن جهة هذا النسك. ثم يخرج ولا يحدث أمراً.
٢٦٤٦ - والقول الثاني - أن أمر الوَدَاع يَنْقطع بمفارقة خِطة مكة، ثم يختلف الحكم في الحائض تطهر، والرجل يفارق: فحكم طهرها بعد مفارقة الخِطة أن لا يلزمها العود، ولا الجبران. وحكم الانقطاع في حق غيرها استقرارُ الجبران، وزوالُ إمكان التدارك. ووجه هذا القول أن الوداع متعلق بمكة، فإذا تحققت مفارقتها، فلا معنى لاعتبار مسافةٍ بعد مفارقتها.
٢٦٤٧ - ومن أئمتنا من أقر النصين قرارهما، وفرّق، وقال: المرعيُّ في حق المرأة، مفارقةُ الخِطة، فإذا طهرت عن الحيض، بعد المفارقة، لم يلزمها عودٌ، ولا جبران. والرجل إذا فارق الخِطة، ولم ينته إلى مسافة القصر، أمكنه العود، وذلك لأن الحائض ليست من أهل الوداع شرعاً، فإذا طهرت بعد مفارقة الخِطة، فلا التفات إلى ما مضى من أمرها. والرجل كان من أهل الوداع شرعاً، فلا يبعد بقاءُ المستدرك، إذا لم ينته إلى موضع يقتضي دخولَ الحرم (٢) منه.
وكأن المرعيّ في الجانبين التخفيفُ. أما المرأة إذا طهرت بعد المفارقة، فلا وَداع عليها، والرجل لا ينحسم عليه المستدرك.
ثم إذا اعتبرنا مفارقةَ الخِطة. فيعود الوجهان المذكوران في باب المواقيت، في أن مفارقة العمران هي المرعية، أم مفارقة الحرم، وقد تقدم ذكرُ الوجهين، وهما جاريان هاهنا.
ولا خلاف أن المكي إذا خرج مسافراً لم تتوقف استباحةُ الرخص على مجاوزة الحرم [بل المرعيُّ مفارقةُ الخِطة؛ فإن استباحة الرخص لا أثر لها في الحرم] (٣)
стр. 2226
والحل، وكانت مكة فيها بمثابة سائر البلاد.
فهذا منتهى القولِ في طواف الوداع.
٢٦٤٨ - ولا شك أن الوداع على الغرباء؛ فإن من يؤوب إلى مكةَ قاطناً، لا يعتبر الوداع في حقه. ولو عنّ للمكي أن يسافرَ مع الغرباء، فلا وَداع أيضاً؛ فإن حكم السفر يثبت في حقه إذا خرج.
ولا تعويل على ما يعتاده المكيون في ذلك؛ فإنهم يحرصون على الوداع أكثر من حرص الغرباء.
وفي بعض الطرق رمزٌ إلى أنهم يودّعون إذا نفروا، وخرجوا مع الغرباء.
ولا خلاف أنه إذا عنّ لهم هذا بعد العود إلى مكة، فلا وداع.
والغريب إذا كان بعد قضاء المناسك مزمعاً على أن يعرّج أياماً بمكة، ثم يخرج، فإذا خرج، ودّع على حسب ما ذكرناه، وإن قصد الإقامة، انقطع أثر الوداع، فإذا أراد السفر، ونقض عزيمةَ الإقامة، فلا وداع.
وبالجملة الوداع من مناسك الحج، وإن وقع بعدها. وليس على الخارج من مكةَ وداعٌ بخروجه منها، وليس الخروج في اقتضاء الوداع، كدخول الغرباء مكة في اقتضاء الإحرام.
وقد نجز القول في هذا القسم.
٢٦٤٩ - القسم الثالث: طواف القدوم: وهو من الحج في حق من يرد مكة قبلَ عرفة، فيطوف طواف القدوم؛ كما (١) قدم. والذي ذهب إليه الأئمة أنه سُنّةٌ، لا يجب جبرانُه بالدم، بخلاف طواف الوَدَاع.
وأشار صاحب التقريب إلى احتمالٍ فيه، فرأى أن يلحقه بطواف الوداع. وهذا بعيدٌ.
стр. 2227
ثم قال الأئمة: ينبغي ألا يعرج القادمُ على أمرٍ حتى يطوفَ طواف القدوم، (١ فلو أخر طواف القدوم ١)، ففي قول الأئمة تردُّدٌ، وقد قطعوا بأن التعريج بعد طواف الوداع يفسده.
وذكر أبو يعقوب الأبيوَرْدي (٢) وجهاً في أنه يصح طواف الوداع من غير طهارة، ثم قال: يُجبر بدم.
وإنما قال هذا، من حيث إنه أُلزم: وقيل: لو جاز جبر [طواف الوداع بالدم، لجاز جبر] الطهارة فيه بالدم، فارتكبه (٣)؛ وقال تُجبر. وهذا غلط، لأنه إذا وجب الدم، فهذا جبرُ الطواف؛ لا جبرُ الطهارة.
فهذا آخر قواعد المذهب في الطواف.
وقد شذ عن أصول المذهب مسائلُ قريبة ونحن نرسمها فروعاً.
فرع:
٢٦٥٠ - الصبيّ إذا انعقد عليه الإحرام، فطاف به طائف، فإن لم يكن ذلك الطائف في نسك، أو كان ناسكاً، ولكن طاف عن نفسه أوّلاً، ثم احتمل الصبيَّ، وطاف به، فالطواف يقع عن الصبي في الصورتين، بلا شك.
ولو لم يكن طاف عن نفسه، فإن نوى بالطواف نفسَه، وقع عنه، ولم يحصل الطوافُ للصبي وفاقاً، وإن حصلت فيه صورة التردد.
والسبب فيه أن هذه الحركات الصادرة من الحامل، لا يجوز تقدير صرفها إلى مصرفين؛ فإذا وقعت عن شخصٍ، لم تقع عن غيره؛ وأئمة المذهب مجمعون على هذا؛ فلا نظر مع وفاقهم في وجه الرأي والاحتمال.
стр. 2228
ومن ركب دابة، وطاف عليها، فحركات الدابة مضافةٌ إلى الراكب، ولو ركب دابَّةً رجلان، أو أكثر، حصل الطوافُ لجميعهم بتردُّدِ الدابَّة سبعاً.
وكذلك إذا احتمل غيرُ الناسك صبيين، أو أكثر، فهو بمثابة المركب في التفصيل.
ولو حمل الصبيَّ، ونواه بالطواف، وما كان طاف، فهذا يستدعي مقدمةً، وهي: أن الطائف لا يلزمه تجديدُ النية للطواف، لأنه ركنٌ من أركان الحج، والنية التي هي عقد الحج مشتملةٌ على الأركان، ولكن لو أتى الطائف بنيةٍ تتضمن الصرف عن جهة النسك، وأتى بصورة الطواف، ففي وقوع الطواف موقعَ الإجزاء وجهان: أحدهما - لا يقع الموقع، ولعله الأصح. وربما كان يقطع به شيخي، ووجهه أنا إن لم نشترط [النية] (١)، فوجهه الاكتفاء بالنية العاقدة الشاملة، فأما صرف الطوافِ عن جهة العبادة قصداً، [فمراغمة] (٢) لحكم النية المتقدمة، وقد ذكرنا لذلك نظيراً في باب النية في الطهارة، عند ذكرنا عزوبَ النية، والقصد إلى التبرد، أو التنظف ببقية الطهارة.
فإذا ثبت ما ذكرناه، فإن نوى الحامل -وعليه الطواف- بالطواف الصبيَّ المحمولَ، فالطريقة المرضية تخريجُ ذلك على ما ذكرناه الآن. فإن قلنا: صرف الطواف بالنية يوجب انصرافَه، فلا يقع الطواف عن الطائف، ويقع عن المحمول، وإن قلنا: صرف الطواف بالنية لا يوجب انصرافَه، فيقعُ عن الطائف، فإذا وقع عنه، لم يقع عن الصبي.
وكان شيخي يقول: إذا نوى الصبيَّ، فلا يقع عن الصبيّ.
وهل (٣) يقع عن الطائف؟ فعلى قولين.
وهذا فيه خبطٌ. والذي ذكره العراقيون، وغيرُهم ما تقدم.
стр. 2229
ولو نوى الطائف بالطواف نفسَه والصبّي المحمولَ، وقع الطواف عن الطائف، ولم يقع عن الصبي.
فصل
قال الشافعي: " ثم يعود إلى الركن، فيستلم ... إلى آخره " (١).
٢٦٥١ - مضمون الفصل القولُ في السعي بين الصفا والمروة، وهو ركنٌ في الحج والعمرة عندنا، لا يجبر بالدم، خلافاً لأبي حنيفة (٢).
ثم قال الشافعي: إذا فرغ الطائف من الطواف، واستتم الأشواط السبعة، فإنا نستحب له أن يعود إلى الحَجَر، ويستلمَه، ليكون آخر عهده [الاستلام] (٣)، وأول طوافه مفتتحاً بالاستلام ". ثم قال: إن تمكن الطائف من الاستلام في كل شوط، فحسن، وإلا فليعتن به في كل وتر (٤)، ثم يصلي ركعتي الطواف، ويؤم بابَ الصفا، وهو في محاذاة الضلع الذي بين الركن اليماني وركن الحَجَر، ويخرج من ذلك الباب، فينتهي إلى الصفا، ويلقى درجاً في حضيضة، ويرقى فيها بقدر قامة. هكذا فعل رسول الله ﷺ .
والرقي ليس مقصوداً في الحج، ولكن لا يأمن المنتهي، لو لم يرقَ أن يكون ما انتهى إليه من الدرج المستحدثة، وإلا فالانتهاء إلى أصل الجبل كافٍ وفاقاً.
стр. 2230
٢٦٥٢ - ونحن نرسم الآن القول في شرط السعي، وفيما يقع منه موقع الركن، ثم نذكر ما يتعلق بهيئاته، كدأبنا في الطواف:
فأما الشرطُ، فلابد من تقدم طوافٍ معتدٍّ به، ولا يجوز الإتيان بالسعي من غير سبق طواف.
ثم لا يمتنع أن يكون الطواف المتقدمُ نفلاً، والسعي لا يقع إلا ركناً، ولا يتأقت بطواف الإفاضة، بل إذا طاف القادمُ طوافَ القدوم، وسعى، وقع السعي ركناً، ولا يعيده إذا طاف طواف الزيارة، بل لا يؤثر أن يعيدَه، وكان شيخي يقول: تكره إعادته، والأمر على ما ذكر، وليس كالطواف؛ فإن غيرَ الناسك يأتي بما شاء من الطواف؛ فإنه قُربة في نفسه، والسعي تابعٌ، فيقتصر منه على الركن.
ثم إذا تقدم الطوافُ المحسوب، لم نشترط في السعي ما شرطناه في الطواف: من الطهارة والستر، ولا نشترط الموالاة، بين السعي والطواف، بل نقول: إذا تقدم الطوافُ معتداً به، وتخلل بين انقضائه وبين ابتداء السعي فصل طويل، فلا بأس.
قال الشيخ أبو علي: قلت للقفال: ما ترى فيه؟ فقال: لو أتى بالسعي بعد سنةٍ أجزأ، فلا أعرف فيه حداً.
ثم قال الشيخ: ولو طاف طوافَ القدوم، ولم يسْعَ على أثره، ووقف بعرفةَ ثم أراد أن يسعى؛ وصْلاً للسعي بما تقدَّم من طواف القدوم، لم يجُز، وما تخلل من الوقوف فاصلٌ حاجزٌ، وإن كنا لا نشترط الموالاة، فليطف عند الإفاضة، وليسْع.
هكذا قال.
فإن قيل: لو أوقع السعيَ على أثر طواف الوداع، فما قولكم فيه؟ قلنا: هذا مغالطة؛ فإن طواف الوداع، لا يقع إلا بعد الفراغ عن المناسك كلها، فلا اعتداد بطواف الوداع، وعلى الناسك سعيُه. فإذا طاف المُفيض، ولم يسع، وعادَ إلى منى ليرمي، ويبيت على ما سيأتي مناسك منى - فيعتد بتلك المناسك، وإن كان عليه السعي، وقد يؤخر الطوافَ الركنَ إلى انقضاء أيام منى، فلا بأس.
ويخرج منه أنا لا نبعد وقوع تلك المناسك، ممن هو في بقيةٍ من إحرامه.
هكذا ذكره شيخي. وفي قلبي منه شيء والعلم عند الله.
стр. 2231
٢٦٥٣ - فأما القول فيما هو أصل السعي، والنازل منه منزلةَ الركن، فالأصل التردد بين الصفا والمروة. ثم أجمع الأصحاب على أنه إذا صدر من الصفا إلى المروة حُسب ذلك مرة في السبع، ثم ينتهي من المروة إلى الصفا، فيحسب ثانيةً، وهكذا إلى تمام السبعة، فيكون الابتداء من الصفا، والختم بالمروة.
وذهب ابن جرير إلى أن الساعي إذا عاد إلى الصفا بعد الانفصال منه، عُد ذلك مرةً واحدة، ثم يفعل كذلك سبعاً، فيتردد بين الميلين أربع عشرة مرة، وذهب إلى هذا أبو بكر الصيرفي (١) من أصحابنا، وعرض تصنيفاً له، فيه ما ذكرناه على أبي إسحاق المروزي، فخطَّ (٢) عليه، فرد التصنيفَ إلى أبي بكر، فأعاده (٣)، واستقرّ على مذهبه هذا، ولا يعتد به أصلاً.
ومكان السعي معروفٌ [لا] (٤) يتعدى.
ومما يجب اعتباره الترتيبُ، فلو بدأ بالمروة، وصار إلى الصفا، فلا يحسب، وابتدأ سعيه في انفصاله عن الصفا.
فهذا ما يتعلق بالشروط، وما يجري مجرى الركن.
٢٦٥٤ - فأما الهيئات، فقد روي أن رسول الله ﷺ رَقِيَ الصفا بقدر قامة، حتى بدت له الكعبة، ولا يمتنع أنه قصد ذلك الرقي، ثم قال: " الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده " (٥). فهذا ما صح عنه.
وحسنٌ لو دعا الإنسان بما بدا له، ثم ينزل ماشياً على هِينَتِه، حتى يبقى بينه وبين ميلٍ يراه معلّقاً على ركن المسجد، مقدارَ ستة أذرع، فيبتدئ السعيَ. وكان ذلك الميل
стр. 2232
موضوعاً على المكان الذي منه ابتداء السعي، فكان السيل يهدمه، ويحطمه، فرفعوه إلى أعلى ركن المسجد، ولم يجدوا على السَّنَن أقرب من ذلك الركن، فوقع متأخراً عن مبتدأ السعي سِتةَ أذرع. ثم يأخذ في السعي ويتمادى عليه، حتى يتوسط ميلين أخضرين أحدهما متصلٌ بفناء المسجد، عن يسار الساعي، والثاني متصل بخانٍ، تعرفه العامة بدار العباس، فإذا توسطهما، عاد إلى سجية المشي.
ثم الصحيح من رسول الله ﷺ شدّةُ السعي " قالت حبيبةُ بنت أبي تجراه (١): " تطلعت على رسول الله ﷺ ، مع نسوةٍ من قريش، لأنظر كيف يسعى، [فرأيته يسعى] (٢)، وساقه تدور بإزاره، من شدة السعي، ويقول: أيها الناس: إن الله كتب عليهم السعي، فاسعَوْا " (٣).
وذكر بعض أئمتنا لفظ الخبب، وليس ذلك مما يعتد به.
ولكن لا ينبغي أن يبلغ السعي مبلغاً ينبهر به، فإذا كان كذلك، فمن ضرورته طرف من الاقتصاد.
والرقي في المروةِ محبوبٌ كالرقي في الصفا. وكانت الكعبة تبدو في عصر رسول الله عليه وسلم من تلك الجهة أيضاً، ثم أحدث الناس الأبنية، فحالت بين الكعبة وبين الراقين في المروة بالمقدار المشروع، وصح أن رسول الله ﷺ كان يقول في سعيه: " اللهم اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة. وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " (٤).
стр. 2233
فصل
قال: "وإن كان معتمراً، وكان معه هديٌ، نحر، وحلق ... إلى آخره" (١).
٢٦٥٥ - لم يرع المزني ترتيب مسائل الحج، كما ينبغي، بل أتى بها إتياناً يُشعر بقصد التشويش. ولكنا التزمنا الجريان على ترتيب (المختصر)، والآن ذكر فصلاً طويلاً في الحلق الذي لا يقع محظوراً: وهو من المعتمر يقع بعد السعي، ومن الحاج يوم النحر، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
٢٦٥٦ - وقد اختلف قول الشافعي في أن الحلق في أوانه الذي وصفناه نسكٌ، أو محظورُ نسكٍ أبيح؟ فقال في أحد القولين: " هو محظور أبيح، اعتباراً بالقَلْم واللُّبس، وما عداهما " والقول الثاني: " إنه نسك " ويشهد له ظاهر الكتاب، واستحبابُ الرسول ﷺ ، وإطباق الناس على التشوّف إليه، حتى لا يخلو منقطَعُ نسك عنه.
فإن قلنا: إنه نسك، فلا يحصل التحلل إلاّ به في العمرة، وهو من أسباب التحلل في الحج.
وموضع الحلق الرأس، ولا يتعلق النسك بغيره، كالفدية عند فرض التعرض للشعر قبل التحلل، فإنها تتعلق بكل شعر (٢)، وإذا لم يكن على الرأس شعر استحببنا إمرار الموسى عليه؛ تشبيهاً بالحلق، ولا يجب ذلك.
ونقل الصيدلاني عن الشافعي -مع استحباب ما ذكرنا- استحبابَ- الأخذ من الشارب، أو اللحية. ولست أرى لهذا وجهاً، إلا أن يكون أسنده إلى أثرٍ.
ثم لا نقول على قولينا الحِلاق نسك: يتعين أن يصبر حتى ينبت شعرُه ثم يحلقه، بل إذا لم يكن في أوان الحلق شعرٌ، سقط الحلق، والإمرار تشبهٌ مندوب إليه.
стр. 2234
٢٦٥٧ - ثم الحلق للرجال أفضل، والأصل فيه ما روي أن النبي ﷺ لما أمر أصحابه بالتحلل، عامَ الحديبية، وتَوانَوا في التحلل والحِلاق، وأمرهم ثانية وثالثة، فلم يفعلوا، فدخل على أم سلمة، فقال: أما تَرَيْن قومك، أمرتهم بالتحلل، فلم يفعلوا!! فقالت: اخرج، ولا تُحدث أمراً، حتى تدعوَ بحالقك، فيحلقَ شعرك، وبجازرك فينحرَ هديك، فخرج، وفعل، فابتدر الناس إلى الحِلاق، والنحر، حتى كادوا يقتتلون، فمنهم من حلق، ومنهم من قصر " (١). وقيل ما أشارت امرأة بالصواب، إلا أم سلمة في هذا الأمر.
ثم قال رسول الله ﷺ : " رحم الله المحلقين ". قيل: يا رسول الله، والمقصرين. قال: " رحم الله المحلقين ". قيل: يا رسول الله، والمقصرين، قال: رحم الله المحلّقين، قيل: يا رسول الله، والمقصرين. قال: والمقصرين " (٢).
٢٦٥٨ - ثم قال الأئمة: إذا ثبت أن الحلق أفضل، فلو نذر الحلقَ في أوانه، لزمه الوفاء بالنذر، ولم يُغن التقصير، فحكموا بأنه يلتزمه بعينه بالنذر، وقد نص الشافعي عليه أيضاً.
ولو لبّد المحرم رأسه، وعقصه، فهذا لا يفعله إلا العازم على الحلق، فهل ينزل هذا منزلةَ نذر الحلق؟ فعلى قولين. ونظير ذلك في المناسك التقليدُ والإشعار؛ فإن القول اختلف في أنه هل ينزل ذلك منزلة قول القائل: جعلت هذا ضحية؟ ومما يداني ذلك أن من رأى بهيمةً مذبوحة مشعَرة، قد غُمِس مَنْسِمها (٣) في دمها، وضُرب به
стр. 2235
صفحتها، فهل له أن يأكل منها، اكتفاء بما رأى من العلامات؟ فيه قولان. وسيأتي كل أصلٍ في موضعه مستقصى إن شاء الله تعالى.
فإن نذر الحلقَ، وألزمناه الوفاء، فقد ذكرنا أن التقصير لا يكفيه، ومعنى التقصير الأخذ من الشعر، مع إبقاء شيء ممّا أخذ، فلو استأصل الشعر بالمقص، فهذا (١) لا يسمى حلقاً، وفيه احتمال؛ من جهة الاستئصال وكذلك لو نتف أو [أحرق] (٢).
ولو لم يجر نذرٌ، سقط الفرض -على قول النسك- بالنتف.
ولو نذر الحلقَ، ثم أمرّ الموسى، ولم يستأصل، فالظاهر أنه لا يسقط الفرض؛ فإن هذا من التقصير. ويكفي ما يسمى حلقاً، ولا يشترط الإمعان في الاستئصال، ويقرب الرجوع إلى اعتبار رؤية الشعر.
٢٦٥٩ - والنسوة لا حلق عليهن، بل يقتصرن على التقصير، ولا يلزمهن الحلق بالنذر؛ فإن الحلق ليس قُربة في حقهن.
٢٦٦٠ - ثم الأقل المجزئ نسكاً، هو الذي تكمل [الفدية] (٣) فيه إذا جرى محظوراً، وهو ثلاث شعرات. وقد ذكرنا شيئاً بعيداً في الشعرة الواحدة، وأن الفدية هل تكمل بها؟ وهو عائدٌ فيما يقع نسكاً، ولكنه مزيف، غيرُ معدود من المذهب.
وكان شيخي يقول: لو نذر استيعابَ الرأس بالحلق، ففي وجوب الوفاء به تردد للقفال، وهو مظنة الإشكال. ولا اطلاع على حقيقته قبل كتاب النذور.
وحلقُ شعراتٍ في دفعات مقيسٌ بحلقها على الحظر، فإن أكملنا الفدية مع التفرق، [حكمنا] (٤) بكمال النسك [بها في أوان النسك] (٥). وإن لم نكمل الفدية، لم يسقط حق النسك.
стр. 2236
ولو أخذ المحرم شيئاً من شعرةٍ، ثم عاد إليها بعد زمانٍ وأخذ شيئاً آخر منها، ثم كذلك ثالثة، وكل ذلك في شعرة واحدة، فإن كان الزمان متواصلاً، لم نكمل الفدية، ولم يسقط النسك، وإن تقطّع الزمان، ففي المسألتين خلاف، ووجه الاحتمال بيّن.
٢٦٦١ - ثم إذا حكمنا بكون الحلق نسكاً، فهو ركنٌ، وليس كالرمي والمبيت، فاعلم ذلك؛ فإنه متفق عليه، وآيته أنه مع الحكم بوجوبه لا يقوم الفداء مقامه، حتى لو فرض اعتلال في الرأس يعسر معه التعرض للشعر، ولكنه كائنٌ، فلابد من التريّث إلى إمكان الحلق، ولا تقوم الفديةُ مقامه. نعم، إذا لم يكن شعرٌ، فلا حلقَ؛ لأن الحلق للنسك (١) هو حلق شعرٍ (٢ اشتمل الإحرام عليه، فإذا لم يكن على الرأس شعر ٢) في وقت الحلق، لم يتحقق ما ذكرناه.
٢٦٦٢ - ثم وقت الحلق في العمرة يدخل بالفراغ من السعي، ووقت الحلق في الحج يأتي مستقصىً، بعد هذا إن شاء الله تعالى.
فصل
قال الشافعي: " ويخطب الإمام يوم السابع ... إلى آخره " (٣).
٢٦٦٣ - ينبغي للمقدَّم الذي يحج بالناس، أن يخطب أربع خطب، ولا ينبغي للإمام إذا لم يحضر بنفسه أن يُخلي جمعَ الحجيج عن مقدَّمٍ يحِلّ محل الأمير عليهم، والسبب فيه أن الحج يجمع صنوفاً من الخلق، ويُتوقع من ازدحامهم أمور لابد في دفعها من التعلّق برأيٍ مطاع؛ ولهذا يستحب أن يحضر الجامعَ [سلطانٌ] (٤). وقد بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميراً على الحج، في السنة التاسعة من
стр. 2237
الهجرة (١)، وبعث علياً وراءه، حتى يقرأ على الكفار سورة براءة.
ثم الخطبة الأولى تكون في يوم السابع، يحمد الله تعالى فيها، ويصلي على نبيه، ويعلّم الناس ما بين أيديهم من المناسك، ويستحثهم على النُّقْلة يوم التروية، كما سنصفها.
والخطبة الأخرى تقع يوم عرفة [بعرفة] (٢).
والثالثة تقع يوم النحر، والرابعة يوم النَّفر الأول.
والخطب كلها أفرادٌ واقعةٌ بعد الفراغ من صلاة الظهر، إلا خطبة يوم عرفة، فإن الإمام يخطب خطبتين، قبل فعل الصلاة، بعد الزوال، وتكون الخطبة الثانيةُ قصيرةً، لا تزيد على مقدار الأذان، والإقامة. فيبتدئ الخطبةَ الثانية ويبتدىء المؤذن الأذان، ويُتبعه الإقامة، ويقرب نجاز الخطبة من فراغ المؤذن من الإقامة. هكذا فعل رسول الله ﷺ . وكانت خطبته في مسجد إبراهيم، على ما سنذكر مكانه من عرفة، ومقصود كل خطبةٍ تعليمُ الناس ما هم فيه، وما بين أيديهم من المناسك.
٢٦٦٤ - ثم ذكر (٣) بعد ذلك الوقوفَ بعرفة، وهو الركن الأعظم، وبه يتعلق الإدراك، والفوات.
فأول ما نذكره مكانُ الوقوف، وزمانُه، فأما المكان، فمعروف، والذي نحتاج إلى ذكره أن على منقطع عرفة مما يلي منى، وصوب مكة وادٍ، يقال له: وادي عُرَنَة (٤)، وليس ذلك الوادي من عرفة. وقد أمر رسول الله ﷺ الحجيج بالترقي منه.
ومسجد إبراهيم بعضُه في الوادي وأخرياتُه في عرفة، فمن وقف في صدر
стр. 2238
المسجد، فليس واقفاً بعرفة، ويتميز مكانُ [المسجد] (١) من عرفة بصخرات كبار، فرشت في ذلك الموضع.
ويُطيف بعرجَات عرفة جبالٌ، ووجوهها المقبلةُ من عرفة، وفي وسطها جبل يسمى جبلَ الرحمة، ولا نسك في الرقيّ فيه، وإن كان يعتاده الناس، وموقف رسول الله ﷺ معروفٌ، وعنده يقف الخطيب.
فهذا ما يتعلق بالمكان.
٢٦٦٥ - فأما الزمان، فيدخل أول (٢) وقت الوقوف بزوال الشمس يومَ عرفة، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر؛ فلو لم ينته إلى عرفةَ إلاّ بعد غروب الشمس، ولكنه أدرك الوقوف ليلاً، فقد أدرك الحج.
وفي بعض التصانيف قولان في الإدراك، وهذا غير سديد. والوجه القطع بالإدراك. وكان شيخي يذكر الخلاف فيه، إذا أنشأ الإحرام ليلة النحر، ويصحح الإدراكَ، ويزيف غيره.
ولم تختلف الأئمة [في] (٣) أن من أدرك الوقوف نهاراً، وأفاض، ففارق عرفة قبل غروب الشمس، فهو مدرك للحج، وإن لم يجمع بين الليل والنهار، في وقوفه.
وقال مالك (٤): " من وقف ليلة النحر، فقد أدرك الحج، وإن وقف نهاراً، ولم تغرب عليه الشمس وهو بعرفة، لم يكن مدركاً للحج "؛ وصار إلى أن الوقت الأطول ليلة النحر، فالاعتبار به.
ثم إذا جعلناه مدركاً للحج، وقد أفاض قبل الغروب، ففي لزوم الدم قولان:
أحدهما - أنه يلزمه، إلا أن يعود إلى عرفة قبل غروب الشمس، ويصبر حتى تغرب، فلا دم حينئذ. والقول الثاني - لا يلزم الدم أصلاً، عاد، أو لم يعد. وإذا اختلف القولان في وجوب الدم، تبيّن من اختلافهما الاختلافُ في وجوب الكون بعرفة.
стр. 2239
٢٦٦٦ - والحج يشتمل على ثلاثة أصناف: الأركان - وبها الاعتداد، وإذا فرض الإخلال بها، لم يقم جابر مقامها.
والثاني - الأبعاض وهي تنقسم إلى متفق عليه، وإلى مختلفٍ فيه، على ما سنجمعها بعد ذلك. فكلُّ ما نُوجِبُ الدمَ فيها قطعاً، فهو واجب، وإن لم يكن ركناً، وما تردد القول في وجوب الدم فيه، فالقول مختلف في وجوبه أيضاً. فإن قلنا: يجب الدم إذا أفاض قبل الغروب، فلو عاد بعد الغروب، فهل يسقط الدم بهذا العود؟ فعلى وجهين: أحدهما - يسقط؛ لأنه جمع بين الليل والنهار. والثاني - لا يسقط؛ فإن المطلوب أن يتصل آخر النهار بأول الليل، وهو كائن بعرفة (١).
فهذا تفصيل المذهب في (٢ زمان الوقوف ٢).
٢٦٦٧ - ثم نذكر بعد ذلك فصولاً، منها: إن الحصول بعرفة كاف، وإن لم يتفق لبثٌ، حتى لو عبر بطرفٍ من عرفة، كفاه ذلك، ولا يشترط أن يكون حضوره إياها على علمٍ منه بها، ولو لم يعرف حصوله بعرفة، وقد كان حضر (٣) بها، كفاه ذلك.
ومما يجب التنبه له أنا إذا ذكرنا خلافاً في الذي يصرف طوافه عن جهة النسك، إلى جهةٍ أخرى، وليس في الطرق تعرُّضٌ لتصوير مثل ذلك في عرفة، فظاهر الطرق يشير إلى القطع بأنه لو صرف حصولَه بعرفة، إلى جهةٍ أخرى، حصل له الوقوف، مثل: أن يتبع غريماً له، أو دابة نادّة (٤).
ولعل السبب فيه، أن الوقوف في نفسه، لا يُتَخَيّل قُربة، والطواف قُربة على حياله، والذي يدل على ما ذكرناه أن الأئمة قالوا: لو حضر بطرفٍ من أطراف (٥) عرفة [نائماً] (٦)، كفاه ذلك.
стр. 2240
ولا يبعد أن يقال: لو اتفق مثلُ هذا من راكب في أشواط [الطواف] (١)، والنوم على هيئة لا تنقض الطهر، فهذا يقرب من الخلاف في صرف الطواف إلى غير جهة النسك؛ فإنه لم يوجد منه فعلٌ أصلاً، وهذا محتمل في الطواف، ويجوز أن يقال: يقطع بوقوع الطواف من النائم، الذي صورناه موقعه؛ من حيث (٢) لم يصرف الطوافَ عن النسك، وإن لم يكن ذاكراً له.
وهذا يلتفت على أصلٍ، ذكرتُه في كتاب الطهارة، وهو أن من نوى الطهارة، ولم يصدر منه فعل في الغُسل، لا من جهة الإقدام عليه، ولا من جهة المُكث في الماء، فهل نقضي بصحة الوضوء، والحالة هذه؟ ففي المسألة وجهان، ذكرتهما عن شيخنا أبي علي.
ولا يمتنع طرد الخلاف في [الوقوف] (٣) إذا [صرف قصداً] (٤) عن جهة النسك.
فهذا بيان القول فيما يسقط الفرض به من الوقوف، وفيما يحصل به التمام، وفي محل الدم، على الاختلاف.
٢٦٦٨ - ومما نذكره في فصول عرفة: الجمعُ بين صلاة الظهر والعصر، وهو مندوب إليه في هذا اليوم؛ حتى يتفرغ الحجيج إلى الدعاء، ويتسع لهم وقت الإفاضة، ثم القول في الجمع مذكور في كتاب الصلاة، ولكن نعيد ما يختص بالنسك: فالغريب يجمع مقدِّماً، على ما يعتاده الحجيج، ولو أخر، فلا عليه؛ فإنه مسافر، يجمع مقدماً، ومؤخراً، ولا شك أن الأوْلى التقديم.
وقد ذكرنا في الصلاة أن إقامة الصلوات في المواقيت أولى من الجمع، إلا في حق الحاج؛ فإن إيثار الفراغ شيةَ عرفة أهم، وأولى من كل شيء، ولهذا اتفق العلماء على أنا لا نؤثر للحاج صومَ يوم عرفة؛ حتى يتمكن من الدعاء عشية عرفة. وصح أن
стр. 2241
رسول الله ﷺ ، (١ لم يكن صائما يومئذ.
٢٦٦٩ - ومن فصول عرفة أنا نؤثر إكثار التهليل عشية عرفة، قال رسول الله ﷺ ١) " إن أفضل ما دعوتُ ودعا الأنبياء قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله " (٢) ومما نؤثر للحجيج في عرفات التلبيةُ، ورفعُ الصوت بها، على الحدّ الذي ذكرناه.
٢٦٧٠ - وقد ذكرنا خلافاً في أن المسافر سفراً قصيراً، هل يجمع؛ واختلف أصحابنا على طريقين في المكي، فقطع بعضهم بأنه يجمع، وإن قَصُر سفره، لمكان النسك. وهؤلاء يرون الجمع من آثار النسك. ومن أصحابنا من خرّج جمع المكي على القولين في جمع المسافر سفراً قصيراً.
والعَرَفيّ (٣) إذا أنشأ الإحرام من عرفة، فهل يجمع؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يجمع وإن جمع المكي، فإنه جمعٌ في الإقامة من غير مطر. والثاني - يجمع، لمكان النسك.
وقد نجز المقصود في الوقوف.
فرع:
٢٦٧١ - إذا وقع غلطٌ في الهلال، فوقف الناس يوم العاشر، ثم تبيّنوا الغلطَ، وقع وقوفهم الموقع وفاقاً، والسبب فيه أنهم لو كلّفوا القضاء، لم يأمنوا وقوعَ مثله في القضاء، ثم إن أقاموا، لاقَوْا عسراً، وإن انقلبوا وآبوا، تضاعفت المشقات. وليس في الشرع تكليفُ مثل هذا.
واختلف الأئمة في أنهم لو وقفوا في اليوم الثامن، وهذا يتصور بفرض شهادات زور، على الهلال.
стр. 2242
فمن أصحابنا من قال: يقع الوقوف الموقع، كالغلط إلى العاشر، ومنهم من قال: إنه لا يقع الموقعَ؛ فإن هذا النوع من الغلط بديعٌ نادر الوقوع، ووضع الشرع يقتضي الفرق بينهما. ولا شك أن هذا الذي ذكرناه فيه إذا لم يتنبهوا (١)، حتى انقضى التاسع.
٢٦٧٢ - ثم الحجيج إذا رأَوْا الشمس مُتَضَيِّفَةً للغروب، انقلبوا عن الموقف، فيوافون الانفصال - من طرف عرفةَ بعد غروب الشمس، ويوافون مزدلفة، ويؤخرون المغرب إلى العشاء، ويجمعون بينهما بمزدلفة، وتمدّ المطايا أعناقها، حتى إذا وَافَوْا مزدلفةَ باتوا بها، فإذا انتصف الليل، أخذوا في التأهب للرحيل، ثم إذا استقلّت بهم المطايا، وانتهَوْا إلى المشعر الحرام، وهو آخر مزدلفة، وقفوا، ودَعَوْا، ووقوفهم هذا سنةٌ، غيرُ مجبورة بالدم لو تركت.
ويلقاهم بعد مجاوزة المشعر [الحرام] (٢) وادي مُحسِّر (٣)، وكانت العرب تقف به، وقد أُمرنا بمخالفتهم، فلا وقوف.
وقد نؤثر تحريك الدابة قليلاً، وكان عمر إذا انتهى إلى وادي محسِّر يحرّك دابته، ويقول:
تعدو إليك قَلِقاً وَضينُها ... معترضاً في بطنها جنينُها
مخالفاً دينَ النصارى دينُها (٤)
стр. 2243
وإذا وقعت الرحلة من مزدلفة في السُّحْرةِ العليا، فإنهم يوافون أطراف منى، وقد
أسفروا وينتهون إلى الجمرات، فيتعدَّوْن الجمرة الأولى التي ينتهون إليها، والجمرةَ الثانية، وهما على قارعة الطريق، ثم يمرون حتى ينتهوا إلى جمرة العقبة، وتلك الجمرة في حضيض الجبل، مترقية عن الجادّة على يمين السائر إلى مكة، ثم إذا انتهَوْا إلى هذا المنتهى، وابتدَوْا (١) رمي هذه الجمرة، تركوا التلبية وأبدلوها بالتكبير.
وكان شيخي يذكر عن شيخه القفال أنهم إذا رحلوا (٢) من مزدلفةَ، مزجوا التلبيةَ بالتكبير، في ممرهم، فإذا انتهَوْا إلى الجمرة، وافتتحوا الرمي، محّضوا التكبير، ولم أرَ ذكرَ المزج إلى الرمي لغيره.
٢٦٧٣ - ثم نبتدئ من هذا الموضع القولَ في التحلل.
فنقول: للحج تحللان، وهما متعلقان بأسباب ثلاثة، على قولٍ، وبسببين على الآخر. فإن حكمنا بأن الحلقَ في أوانه نسك، فأسباب التحلل ثلاثة: الحلق، وطواف الزيارة، ورمي جمرة العقبة.
وإن قلنا: الحلق محظورُ نسكٍ يباح إباحة القَلْم، فلا يباح به تحلل، وسبب التحللين طواف الإفاضة، ورمي جمرة العقبة.
ثم إن قلنا: للتحلل سببان، فالإتيان بأحدهما يوجب أحد التحللين.
وإن قلنا: الحلقُ نسك، فأسباب التحلل ثلاثة، والإتيان بالاثنين منها يثبت أحد التحللين، ولا تعيين، وكأنا نبغي التنصيف، ولكن الثلاثة ليس لها نصفٌ صحيح، فاقتضى ذلك تنزيلَ الأمر على اثنين، وهذا كقولينا: بتمليك العبد طلقتين، على محاولة تشطير الثلاث.
ثم عند ذلك قال الشافعي: " لا ترتيب في هذه الأسباب "، فليقدم منها ما شاء،
стр. 2244
وليؤخر ما شاء، وما سئل رسول الله ﷺ يوم النحر عن شيء قدِّم من ذلك أو أُخر، إلا قال: " افعل ولا حرج " (١).
٢٦٧٤ - ومما تمس الحاجة إلى ذكره في رمي جمرة العقبة: أن وقته يدخل بدخول وقت الطواف، [ووقت الحلق] (٢) على قول النسك.
ثم مذهبنا أنه كما (٣) انتصفت ليلة المبيت بمزدلفة، دخل وقت هذه الأشياء الثلاثة، حتى لو بادر مكة، وأخل بالمبيت، وانتهى إلى مكة قبل طلوع الفجر، وطاف، اعتُدّ بطوافه، ولو انتهى إلى الجمرة، فرمى، وقَع الموقع، وكذلك لو حلق على قول النسك.
غير أن الأولى أن لا يرمي إلاّ بعد طلوع الشمس، والدليل على جواز الإيقاع بالليل، ما روي أن رسول الله ﷺ : قدّم ضعفة أهله من المزدلفة بليل، وقال: " رُوَيْدَك بالقوارير يا أنجشة "، وذكر لهم أن يوافوه راجعين إلى منى " (٤).
وكان ﷺ وافى الرمي قبل الطلوع، فلا يتأتى موافاته في وقت وصوله إلا بإيقاع الطواف ليلاً، فإن من منى إلى مكة فرسخين.
ثم وقت رمي العقبة يمتد إلى غروب الشمس يوم النحر، وهل يمتد إلى طلوع الفجر في الليلة المستَقبلة يوم القَرّ (٥)؛ فعلى وجهين: ذكرهما الإمام وصاحب التقريب: أظهرهما أنه لا يمتد، ومن قال: يمتد، اعتبره بالوقوف بعرفة، لمّا تعلّق بالنهار، وبالليلة المستقبِلة.
стр. 2245
فإن فات الرمي على ما سنصف فواته بعد هذا، ولم يثبت قضاؤه، أو ثبت [وانقضى] (١) بانقضاء أيام التشريق، وجب الدم على ما سيأتي.
ثم اختلف أصحابنا في أن التحلل هل يتوقف على الإتيان ببدل الرمي؟ منهم من قال: لا. ومنهم من قال: يتوقف على البدل، توقفه على المبدل. ومنهم من فصّل بين أن يكون البدل دماً، وبين أن يكون صوماً: قال: إن كان دماً توقف التحلل عليه، وإن كان صوماً، لم يتوقف عليه، لطول الزمان.
٢٦٧٥ - وأما طواف الإفاضة، فإنه ركن وإن كان من أسباب التحلل، وإن كان أخَّر السعي، فالطواف والسعيُ يعدان شيئاً واحداً من أسباب التحلل.
[فهذا بيان التحللين بأسبابهما] (٢).
وقال صاحب التقريب: إذا لم نجعل الحِلاقَ نسكاً، فمن أصحابنا من قال: [كما] (٣) طلع الفجر يومَ النحر، حصل أحدُ التحللين، من غير إقدام على شيء، واعتبر طلوع الفجر، نظراً إلى الدخول في اليوم.
٢٦٧٦ - فإِذا وضح ما ذكرناه، فنذكر بعده الأحكامَ المتعلقةَ بالتحللين، وأحدِهما.
فأما إذا حصل أحد التحللين، فلا خلاف في استباحة لُبسِ المخيط، وسترِ الرأس، وقَلْمِ الظفر، والحلقِ إن لم نجعله نسكاً.
ولا خلاف أن الوطء لا يستباح، بتحلل واحدٍ.
فأما التلذذُ دون الجماع، مع الإنزال ودونه، والاصطيادُ، وعقدُ النكاح، ففي هذه الخصال الثلاث قولان: أحدهما - أنها تستفاد بتحلل واحد كما قدمناه، والثاني لا تستفاد كالجماع. أما المباشرة فشبيهةٌ به، والعقد توصلٌ إليه، والصيد عظيم