رسول الله ﷺ ، (١ لم يكن صائما يومئذ.
٢٦٦٩ - ومن فصول عرفة أنا نؤثر إكثار التهليل عشية عرفة، قال رسول الله ﷺ ١) " إن أفضل ما دعوتُ ودعا الأنبياء قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله " (٢) ومما نؤثر للحجيج في عرفات التلبيةُ، ورفعُ الصوت بها، على الحدّ الذي ذكرناه.
٢٦٧٠ - وقد ذكرنا خلافاً في أن المسافر سفراً قصيراً، هل يجمع؛ واختلف أصحابنا على طريقين في المكي، فقطع بعضهم بأنه يجمع، وإن قَصُر سفره، لمكان النسك. وهؤلاء يرون الجمع من آثار النسك. ومن أصحابنا من خرّج جمع المكي على القولين في جمع المسافر سفراً قصيراً.
والعَرَفيّ (٣) إذا أنشأ الإحرام من عرفة، فهل يجمع؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يجمع وإن جمع المكي، فإنه جمعٌ في الإقامة من غير مطر. والثاني - يجمع، لمكان النسك.
وقد نجز المقصود في الوقوف.
فرع:
٢٦٧١ - إذا وقع غلطٌ في الهلال، فوقف الناس يوم العاشر، ثم تبيّنوا الغلطَ، وقع وقوفهم الموقع وفاقاً، والسبب فيه أنهم لو كلّفوا القضاء، لم يأمنوا وقوعَ مثله في القضاء، ثم إن أقاموا، لاقَوْا عسراً، وإن انقلبوا وآبوا، تضاعفت المشقات. وليس في الشرع تكليفُ مثل هذا.
واختلف الأئمة في أنهم لو وقفوا في اليوم الثامن، وهذا يتصور بفرض شهادات زور، على الهلال.
стр. 2242
فمن أصحابنا من قال: يقع الوقوف الموقع، كالغلط إلى العاشر، ومنهم من قال: إنه لا يقع الموقعَ؛ فإن هذا النوع من الغلط بديعٌ نادر الوقوع، ووضع الشرع يقتضي الفرق بينهما. ولا شك أن هذا الذي ذكرناه فيه إذا لم يتنبهوا (١)، حتى انقضى التاسع.
٢٦٧٢ - ثم الحجيج إذا رأَوْا الشمس مُتَضَيِّفَةً للغروب، انقلبوا عن الموقف، فيوافون الانفصال - من طرف عرفةَ بعد غروب الشمس، ويوافون مزدلفة، ويؤخرون المغرب إلى العشاء، ويجمعون بينهما بمزدلفة، وتمدّ المطايا أعناقها، حتى إذا وَافَوْا مزدلفةَ باتوا بها، فإذا انتصف الليل، أخذوا في التأهب للرحيل، ثم إذا استقلّت بهم المطايا، وانتهَوْا إلى المشعر الحرام، وهو آخر مزدلفة، وقفوا، ودَعَوْا، ووقوفهم هذا سنةٌ، غيرُ مجبورة بالدم لو تركت.
ويلقاهم بعد مجاوزة المشعر [الحرام] (٢) وادي مُحسِّر (٣)، وكانت العرب تقف به، وقد أُمرنا بمخالفتهم، فلا وقوف.
وقد نؤثر تحريك الدابة قليلاً، وكان عمر إذا انتهى إلى وادي محسِّر يحرّك دابته، ويقول:
تعدو إليك قَلِقاً وَضينُها ... معترضاً في بطنها جنينُها
مخالفاً دينَ النصارى دينُها (٤)
стр. 2243
وإذا وقعت الرحلة من مزدلفة في السُّحْرةِ العليا، فإنهم يوافون أطراف منى، وقد
أسفروا وينتهون إلى الجمرات، فيتعدَّوْن الجمرة الأولى التي ينتهون إليها، والجمرةَ الثانية، وهما على قارعة الطريق، ثم يمرون حتى ينتهوا إلى جمرة العقبة، وتلك الجمرة في حضيض الجبل، مترقية عن الجادّة على يمين السائر إلى مكة، ثم إذا انتهَوْا إلى هذا المنتهى، وابتدَوْا (١) رمي هذه الجمرة، تركوا التلبية وأبدلوها بالتكبير.
وكان شيخي يذكر عن شيخه القفال أنهم إذا رحلوا (٢) من مزدلفةَ، مزجوا التلبيةَ بالتكبير، في ممرهم، فإذا انتهَوْا إلى الجمرة، وافتتحوا الرمي، محّضوا التكبير، ولم أرَ ذكرَ المزج إلى الرمي لغيره.
٢٦٧٣ - ثم نبتدئ من هذا الموضع القولَ في التحلل.
فنقول: للحج تحللان، وهما متعلقان بأسباب ثلاثة، على قولٍ، وبسببين على الآخر. فإن حكمنا بأن الحلقَ في أوانه نسك، فأسباب التحلل ثلاثة: الحلق، وطواف الزيارة، ورمي جمرة العقبة.
وإن قلنا: الحلق محظورُ نسكٍ يباح إباحة القَلْم، فلا يباح به تحلل، وسبب التحللين طواف الإفاضة، ورمي جمرة العقبة.
ثم إن قلنا: للتحلل سببان، فالإتيان بأحدهما يوجب أحد التحللين.
وإن قلنا: الحلقُ نسك، فأسباب التحلل ثلاثة، والإتيان بالاثنين منها يثبت أحد التحللين، ولا تعيين، وكأنا نبغي التنصيف، ولكن الثلاثة ليس لها نصفٌ صحيح، فاقتضى ذلك تنزيلَ الأمر على اثنين، وهذا كقولينا: بتمليك العبد طلقتين، على محاولة تشطير الثلاث.
ثم عند ذلك قال الشافعي: " لا ترتيب في هذه الأسباب "، فليقدم منها ما شاء،
стр. 2244
وليؤخر ما شاء، وما سئل رسول الله ﷺ يوم النحر عن شيء قدِّم من ذلك أو أُخر، إلا قال: " افعل ولا حرج " (١).
٢٦٧٤ - ومما تمس الحاجة إلى ذكره في رمي جمرة العقبة: أن وقته يدخل بدخول وقت الطواف، [ووقت الحلق] (٢) على قول النسك.
ثم مذهبنا أنه كما (٣) انتصفت ليلة المبيت بمزدلفة، دخل وقت هذه الأشياء الثلاثة، حتى لو بادر مكة، وأخل بالمبيت، وانتهى إلى مكة قبل طلوع الفجر، وطاف، اعتُدّ بطوافه، ولو انتهى إلى الجمرة، فرمى، وقَع الموقع، وكذلك لو حلق على قول النسك.
غير أن الأولى أن لا يرمي إلاّ بعد طلوع الشمس، والدليل على جواز الإيقاع بالليل، ما روي أن رسول الله ﷺ : قدّم ضعفة أهله من المزدلفة بليل، وقال: " رُوَيْدَك بالقوارير يا أنجشة "، وذكر لهم أن يوافوه راجعين إلى منى " (٤).
وكان ﷺ وافى الرمي قبل الطلوع، فلا يتأتى موافاته في وقت وصوله إلا بإيقاع الطواف ليلاً، فإن من منى إلى مكة فرسخين.
ثم وقت رمي العقبة يمتد إلى غروب الشمس يوم النحر، وهل يمتد إلى طلوع الفجر في الليلة المستَقبلة يوم القَرّ (٥)؛ فعلى وجهين: ذكرهما الإمام وصاحب التقريب: أظهرهما أنه لا يمتد، ومن قال: يمتد، اعتبره بالوقوف بعرفة، لمّا تعلّق بالنهار، وبالليلة المستقبِلة.
стр. 2245
فإن فات الرمي على ما سنصف فواته بعد هذا، ولم يثبت قضاؤه، أو ثبت [وانقضى] (١) بانقضاء أيام التشريق، وجب الدم على ما سيأتي.
ثم اختلف أصحابنا في أن التحلل هل يتوقف على الإتيان ببدل الرمي؟ منهم من قال: لا. ومنهم من قال: يتوقف على البدل، توقفه على المبدل. ومنهم من فصّل بين أن يكون البدل دماً، وبين أن يكون صوماً: قال: إن كان دماً توقف التحلل عليه، وإن كان صوماً، لم يتوقف عليه، لطول الزمان.
٢٦٧٥ - وأما طواف الإفاضة، فإنه ركن وإن كان من أسباب التحلل، وإن كان أخَّر السعي، فالطواف والسعيُ يعدان شيئاً واحداً من أسباب التحلل.
[فهذا بيان التحللين بأسبابهما] (٢).
وقال صاحب التقريب: إذا لم نجعل الحِلاقَ نسكاً، فمن أصحابنا من قال: [كما] (٣) طلع الفجر يومَ النحر، حصل أحدُ التحللين، من غير إقدام على شيء، واعتبر طلوع الفجر، نظراً إلى الدخول في اليوم.
٢٦٧٦ - فإِذا وضح ما ذكرناه، فنذكر بعده الأحكامَ المتعلقةَ بالتحللين، وأحدِهما.
فأما إذا حصل أحد التحللين، فلا خلاف في استباحة لُبسِ المخيط، وسترِ الرأس، وقَلْمِ الظفر، والحلقِ إن لم نجعله نسكاً.
ولا خلاف أن الوطء لا يستباح، بتحلل واحدٍ.
فأما التلذذُ دون الجماع، مع الإنزال ودونه، والاصطيادُ، وعقدُ النكاح، ففي هذه الخصال الثلاث قولان: أحدهما - أنها تستفاد بتحلل واحد كما قدمناه، والثاني لا تستفاد كالجماع. أما المباشرة فشبيهةٌ به، والعقد توصلٌ إليه، والصيد عظيم
стр. 2246
الوقع؛ من حيث إنه إتلافٌ [محرّم] (١)، فشابه الوقاع، لعظم وقعه.
واختلف أصحابنا على طريقين في استعمال الطيب، فمنهم من قطع بإلحاقه باللُّبس، والقَلْم فأباحه، ومنهم من خرّجه على قولين، كالمباشرة، وغيرها.
والأولى وإن قلنا: لا ترتيب، أن يرمي الجمرةَ، ثم يحلق، ثم يطوف، فأما الرمي، فالرأي تقديمه حذاراً من الخلاف، ثم الحلق يقدّم، ليأتي البيت لابساً [متزيناً] (٢).
فصل
٢٦٧٧ - أعمال الحج تقع على وجهين، ولكل واحد ترتيب، نذكره حتى يفهم المبتدئ ترتيب الأعمال.
فإذا أحرم الغريب بالحج، من ميقاته، ووجد متَّسعاً في الزمان، فإنه يدخل مكةَ قادماً، ويطوف طواف القدوم، كما سبق وصفه، ثم هو بالخيار: إن شاء سعى على أثر طواف القدوم، ووقع السعي ركناً، وإن شاء أخر السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة.
ثم أهل مكةَ يرحلون يوم التروية، ويسمونه يومَ النُّقْلَة ويمتدّون إلى مِنى، ويبيتون به ليلةَ عرفة، وهذا مبيت منزل، لا مبيتُ نسك أصلاً، ولا يتعلق به غرض نسكي.
ثم يصبحون، ويتوجهون إلى عرفة، فيوافونها قبيل الزوال، على أناتِهم، فإذا قَضَوْا حقّ المكان، أفاضوا -كما وصفناه- إلى مزدلفة، وباتوا بها، وهذا المبيت نسك، على ما سنصفه، ثم يصبحون إلى منى، ويرمون، ويحلقون، كما سبق وصفه، ثم يُفيضون إلى مكة، ويطوفون. وهذا الطواف -هو الركن- يسمى طواف الإفاضة، وطوافَ الزيارة، وطواف الصَّدَر، وقد قيل: طوافُ الصَّدَر طوافُ الوداع. ثم إن كان سعى قبلُ، فلا يسعى. وإن لم يكن سعى، فيسعى الآن.
стр. 2247
ثم ينقلب إلى منى للمبيت والرمي في أيام التشريق، حتى إذا وَفَّى ما عليه، فإن شاء نفر في النفر الأول، وإن شاء نفر في النفر الثاني، ثم يرجع إلى مكة ويطوف طوافَ الوداع، كما سبق وصفه.
فهذا ترتيب أعمال الحج، في حق من يدخل مكة، قبل يوم عرفة. فأما إذا انتهى الحاج في ضيق الوقت إلى عرفة، فيقفُ، ويجري الترتيبُ الذي رسمناه، وليس في حقه طوافُ قدوم، وباقي الترتيب كما مضى.
فصلٌ
جامعٌ في أحكام الرمي
٢٦٧٨ - الرمي من الأبعاض وفاقاً، وهو مجبور بالدم قولاً واحداً، وهو صنفان: أحدهما - رميُ جمرة العقبة، وقد سبق القول في وقته، وكونِه من أسباب التحلل، وهو رمي سبع حصيات إلى الجمرة الأخيرة، المسمّاة جمرةَ العقبة، تلي مكة، وتقع على يمين من يؤمها من جهة منى.
والثاني - الرمي في أيام التشريق، وهي ثلاثة أيامٍ بعد النحر، يسمى الأولُ منها يومُ القَرّ؛ لأن الحجيج يقرّون فيه بمنى، ويسمى الثاني النفرَ الأول، فإن الحجيج لهم أن ينفروا بعد الرمي، متعجلين. واليوم الثالث يسمى النفرَ الثاني.
ويشرع في كل يوم يقيم فيه الحجيج [الرميُ] (١) إلى الجمرات الثلاث، ويجب البداية بالجمرة الأولى، وهي تلي مسجد الخَيْف، من جهة عرفة، وليست حائدة عن الجادّة، فيرمي إليها الناسك سبعَ حصيات، وبعدها جمرة أخرى في صوب مكة، على سَنَن الجادّة، كما وصفناها (٢)، والرمي سبع، كما ذكرناه، وبعدها جمرةُ العقبة، وقد سبق وصفُها، وهي حائدة عن الطريق، مترقيةٌ في الحضيض قليلاً، ولهذا تسمى جمرةَ العقبة.
стр. 2248
ففي كل يوم من أيام منى، على الكائن بها الرميُ بأحدٍ وعشرين حصاة، ومجموعها إذا لم يتعجل الناسك في النفر الأول ثلاث وستون حصاة، وإذا ضمت حصياتُ العقبة، يومَ العيد إليها، كانت سبعين حصاة.
والحجيج يعتادون أخذ ما يحتاجون إليه من الحصى، من جبال مزدلفة؛ فإنهم يصادفون فيها أحجاراً رِخوة، لم يرد في التزوّد منها ثَبَتٌ وتوقيفٌ في الشرع.
٢٦٧٩ - ثم الكلام في مقاصدَ منها: القول فيما يُرمى: ما جنسه؟ فيجب أن يكون من الأحجار لا يجزئ غيرُها؛ فإنها غيرُ معقولة المعنى، فيلزم الاتباع فيها، وأما ما لا يسمى حجراً، فلا يجزئ الرميُ به، كما يستخرج من المعادن: من الزرنيخ، والإثمد، والجواهر المنطبعة، كالتبرين، وما في معناهما.
وتردد جواب الأئمة كلصاحب التقريب وغيرِه في الجواهر التي تتخذ فصوصاً، مثل: الفيروزج، والعقيق، والياقوت بأصنافه: ما يشف منها، وما لا يشف.
والظاهر أنه لا يجزئ الرميُ بها.
والأحجار التي يستخرج منها جواهر كان يقسمها شيخي، ويقول: منها ما يسمى حجراً مطلقاً، وليس [يبين] (١) المستخرج منه على ظهورٍ، [فما] (٢) كان كذلك، فهو حجر، والرمي به مجزىء، وهو كالأحجار البيض الصغار، في رَضْراض (٣) الأودية، فإنها حجر الميناء (٤)، لكن لا يبين ذلك عليها على ظهور، ولا يعرفها إلا خواصُّ الصَنْعَوِيّين، وحجر النُّورة قبل أن يطبخ أحجارٌ على الحقيقة، وهي كل حجر تشوبه خطوط بيضٌ، فإذا طبخت خرجت عن أن تكون أحجاراً، فلا يجزئ الرمي بها، وهي نُوْرة. ويجزئ الرمي بحجر النُّورة.
وهذا كالخزف بالإضافة إلى التراب في حق المتيمم، فالتيمم بالتراب جائز، ولا يجزئ إقامته بالخزف، يعني سحاقته.
стр. 2249
وأما أحجار الحديد، فقد كان شيخي يتردد فيها، ولا يبعد أن تُلحق بالإثمد.
والمعتبر في هذا أمر قريب عندي، وهو أن الإثمد جوهرٌ متّحدٌ، وليس كامناً في حجره، وإنما الذي يشار إليه إثمدٌ كله، وليس كذلك [حجر] (١) الحديد، فإنه حجرٌ فيه حديد كامنٌ، وليس الإثمد كحجر النُّورة، فإن الأحجار كلَّها -إلا ما شاء الله منها- حجرُ (٢) النورة. والإثمد جوهر كله من غير أن يحرق ويشوى، وهو كالمغنيسيا (٣)، والمرقشيثا (٤)، والطَّلْق (٥).
فهذا هو القول فيما يُرمَى.
٢٦٨٠ - ويتصل بذلك القول في الحجر الذي رُمي به مرة، فأريد استعمالُه في رميٍ آخر، فإنْ تعدَّدَ الشخصُ، أو الجمرة، أو الوقت، لم يمتنع وفاقاً. فإذا رمى شخصٌ حصاةً إلى جمرتين، فرماها إلى جمرةٍ، ثم أخذها ورماها إلى الأخرى، أو رماها شخص إلى جمرةٍ، فأخذها شخص آخر من تلك الجمرة، ورماها إلى تلك الجمرة بعينها، في ذلك اليوم، أجزأ ذلك.
وكذلك إذا تعدد الزمان، واتحد الشخص والجمرة، بأن رمى إلى جمرةٍ حصاةً في يوم، ثم رماها في اليوم الثاني إلى تلك الجمرة ذلك الشخص، كل ذلك يجزىء. وإن اتحد اليوم، والجمرةُ، والرامي، ففي المسألة وجهان: أظهرهما المنع؛ لاتحاد الأسباب، والعدد مطلوبٌ معنيّ. وقال قائلون من الأصحاب: يجزىء ذلك، كصور الوفاق؛ فإن الرمي قد تعدد، فلا اعتبار بَعْده باتحادٍ وتعددٍ.
هذا أحد المقاصد في الفصل.
стр. 2250
٢٦٨١ - ومنها القول في أوقات الرمي كل يوم. ويتعلق به الكلام في الفوات والقضاء وما يتصل به، فنقول:
أول وقت الرمي في كل يوم من أيام منى يدخل بزوال الشمس، ويدوم إلى غروبها، وهل يمتد في الليلة المستقبلة؟ فعلى وجهين ذكرناها في رمي جمرة العقبة: أصحهما أنه لا يمتد إلى ساعات الليلة المتقبلة، بل ينقضي وقت [إقامة] (١) الرمي -أداءً على الاختيار- بغيبوبة الشمس، فإذاً أواخر أوقات الرمي في أيام التشريق تضاهي آخر وقت الرمي لجمرة العقبة، ولكنها تفارقها في الوقت الأول؛ فأول وقت رمي العقبة يدخل بانتصاف ليلة النحر، وأول وقت الرمي في كل يوم من أيام التشريق يدخل بزوال الشمس.
ولا خلاف أن وقت الرمي في النفر الثاني ينقضي بغروب الشمس؛ إذ لا نسك بعد ذلك.
٢٦٨٢ - ثم إنا بعد ذلك نتكلم في الفوات، والقضاء، فإذا انقضى يومَ القَرِّ وقتُ الرمي على ما فصلناه، فهل يُتدارك في اليوم الثاني، والثالث؟ فعلى قولين: أحدهما - لا يتدارك، كما لا يتدارك [إذا انقضت] (٢) أيام التشريق؛ إذ الغالب فيها التعبد، فكما لا يُعدل عن الجنس المرمي، فكذلك يجب ألا يعدلَ عن الوقت.
والقول الثاني - إنه يُتدارك، اعتباراً بمعظم العبادات المؤقتة.
ثم إن قلنا: لا يتدارك الفائت، فالرجوع إلى الدم، وسنفرده مقصوداً.
وإن قلنا: إنه يُتدارك، فالواقع من الرمي في اليوم الثاني قضاءٌ على الحقيقة، أم أداء تأخَّرَ عن وقت الاختيار؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هو أداء، وجملة أيام منى في حكم الوقت الواحد للرمي، ولكن تخيَّر الشرعُ لكل قدرٍ منها وقتاً، فهو كالأوقات المختارة في الصلوات.
وبنى الأئمة على هذا الاختلاف جوازَ تقديم رمي يومٍ إلى يومٍ، وقالوا: إن قلنا: رمي اليوم الأول مقضيٌّ في الثاني، فلا يجوز التقديم، وإن قلنا: إنه مؤدّى وإن أُخّر، فلا يمتنع التقديم أيضاً.
стр. 2251
٢٦٨٣ - ومما تردد فيه الأئمة أن قالوا: إذا حكمنا بأن رمي اليوم الأول مقضيٌّ في الثاني، فهل يجوز إيقاعه في النصف الأول من النهار، وقبل الزوال؟ فعلى وجهين: أحدهما - الجواز؛ فإن المقضيَّ لا وقت له على التعيين. والثاني - المنع؛ فإن القضاء قد يتأقت بعضَ التأقت، وما قبل الزوال لم يشرع فيه رمي، لا قضاءً، ولا أداء، فكانت تلك الساعات بمثابة ساعات الليل في تصوير الصوم. والوجهان يجريان في تدارك الرمي ليلاً إذا جرينا على الأصح في أن الوقت لا ينبسط على الليلة.
٢٦٨٤ - هذا إذا قلنا: التدارك قضاء، فإن جعلناه أداءً، ففيما قبل الزوال والليل (١) من التفصيل ما ذكرناه، فيجري الخلاف على بُعدٍ، والوجه القطع بالمنع؛ فإن تعيين الأوقات بحكم الأداء أليق.
٢٦٨٥ - ومما يتعلق بذلك أنا إذا أوجبنا التدارك، فهو حتم، ولا يجوز الانتقال إلى الدم، مع إمكان التدارك. وإن منعناه، تعيّن الدمُ حينئذ.
٢٦٨٦ - ثم إذا جوزنا التدارك، فالكلام في رعاية الترتيب، فنقول: أما رعاية ترتيب المكان في الأداء والتدارك، فحتم، لا خلاف فيه، فلو بدأ الرمي في أيام منى بجمرة العقبة، ثم ارتفع إلى الثانية، ثم إلى الجمرة الأولى، قلنا: (٢ رميك إلى الجمرة الأولى ٢) هو المحسوب، وما أتيت به قبله غيرُ معتد به. وترتيب المكان أمر مطّرد في المناسك المتعلّقة بالأمكنة، كالطواف والسعي.
وأما رعاية ترتيب الزمان، ففيها قولان: أحدهما - أنها لا تجب. والثاني - تجب. فمن [أوجب] (٣)، قاس الزمان على المكان. ومن لم يوجب، اعتبر بالصلوات الفائتة، مع المؤداة في أوقاتها؛ إذ لا ترتيب يُستَحقُّ عندنا، بين الأداء والقضاء. وهذا أظهر (٤).
стр. 2252
٢٦٨٧ - وما أطلقناه من القولين يظهر أثرهما في وجهين: أحدهما - أنا إذا أوجبنا ترتيب الزمان، قلنا: ينبغي أن تبرأ الذمة عن رمي أمس، ثم يقع الاشتغال بوظيفة اليوم، فلو رمى أربعَ عشرةَ حصاة، إلى الجمرة الأولى، ثم كذلك إلى كل جمرة، فهو على الخلاف الذي ذكرناه.
[فإن] (١) لم نوجب الترتيب الزماني، حكمنا بإجزاء ذلك، وإن أوجبناه، لم يحتسب من وظيفة اليوم حصاةٌ، ما بقيت حصاةٌ من رمي أمسه. هذا أثرٌ بيّن في تخريج القولين.
٢٦٨٨ - والأثر الآخر يستند إلى القول في أن النيةَ هل تؤثر فيما نحن فيه، وفيه اختلاف قد بينَّاه (٢) في الطواف والسعي، فلو رمى الناسك إلى الجمرةِ، وهو يبغي رمي شخصٍ، أو دابة، فقد صرف رميَه عن جهة النسك، فهل يُعتد بما يأتي به؟ فعلى الخلاف الذي قدمناه، فإن قلنا: يعتد به، ولا أثر للنية، فنقول بحسبه: لو رمى إلى الجمرات الثلاث على قصد يومه، وقع ذلك عن تدارك أمسه، ولا حكم لقصده.
وإن قلنا: تؤثِّر النية فيما ذكرناه، فإذا نوى بالرمي إلى الجمرات وظيفةَ يومه، فيخرج على وجوب رعاية الترتيب في الزمان، فإن لم نوجبها أجزأ عن يومه، وإن أوجبناها، لم يُعتد بما جاء به، لا عن يومه، ولا عن أمسه؛ لفساد نيته، مع الحكم بتأثير النية.
وذكر صاحب التقريب وغيرُه أن القول في استحقاق الترتيب يدنو من قولنا: إن التدارك أداء أم قضاء، فإن جعلناه قضاء، فيبعد استحقاق الترتيب، كما ذكرناه في الصلوات المقضية والمؤداة، وكل ما ذكرناه في جمرات أيام التشريق.
فأما رمي جمرة العقبة ففي إجزَاء التدارك فيه عند الفوات طريقان: أحدهما - التخريج على القولين كما مضى. والأخرى - القطع بأنه لا يُتدارك؛ فإنه يخالف رميَ
стр. 2253
أيام التشريق في أوّلية الوقت، وفي تفرده في يومه عن الجمرتين الأخريين، وفي تعلق التحلل به.
٢٦٨٩ - ومن المقاصد الكلامُ في الرمي نفسِه، ومعناه، فإذا وقف الواقف وراء الجمرة، ورمى إليها، وأوقع الحصاة فيها برميه، فهو الرمي المطلوب، ولو وضع الحجر بيده على الجمرة، فالمذهب أنه لا يجزئه، ولا يُعتد به؛ فإنه ليس برمي.
وذكر صاحب التقريب فيه وجهاً بعيداً في التحصيل، وهو مزيف.
وإن أصاب الحجر الذي رماه محمِلاً، فارتد منه بقوة الصدمة، وأصاب الجمرة، أجزأ ذلك؛ فإن الارتداد كان من آثار الرمي.
ولو أصاب الحجر إنساناً، فقرّ عليه، أو أصاب ثوبَه، فاستقر، فنفضه ذلك الإنسان، وأصاب الحجرُ الجمرةَ بنفضه، فلا يعتد بهذا الرمي؛ فإن رميه انتهى أثره باستقرار الحجر، وكان النفض أمراً جديداً بعده.
ولو انتهى الحجر إلى محمل، ولم يبق فيه أثر من قوة الرمي، غير أنه تدحرج، وانسل إلى الجمرة، ففي إجزاء هذا الرمي وجهان، ذكرهما صاحب التقريب، والصورة مترددة بين صورة الصدمة، وصورة النفضة، فجرى الاختلاف فيها.
ولو وقف الرامي في الجمرة، ورمى إلى الجمرة، فلا بأس، وقد حصل الرمي، ومصادفة الحصاة.
ولو احتوى على حجرين فصاعداً، ورماهما دفعة واحدة، فإن وقعا معاً، لم يعتد إلا بحصاة واحدة؛ فإن الرمي متحد، ولو تفاوتت مساقطهما، فالمذهب أنها رميةٌ واحدة؛ نظراً إلى اتحاد الفعل، ومن أصحابنا من اعتبر ترتب الأحجار في الوقوع.
وهذا ليس بشيء.
وإن أتبع الحجرَ الحجرَ فإن ترتبا في الوقوع، حَسَب ترتبهما في الرمي، فهما رميان محسوبان. وإن وقعا معاً فوجهان: أحدهما - أن الاعتبار بالاجتماع في الوقوع. والثاني - وهو الأصح أن الاعتبار بتعدد الرمي، ولا نظر إلى تفاوت الوقوع واجتماعه. وكذلك القول فيه إذا أصاب الحجرُ الثاني، والأول بعد في الهواء، فمن
стр. 2254
نظر إلى الرمي، احتسب رميين، ومن نظر إلى الوقوع، فهو متعدد أيضاًً، ولكن السابق بالرمي مسبوق بالوقوع، ففيه الخلاف. والأصح النظر إلى الرمي، وما عداه خَبْط.
٢٦٩٠ - ومن المقاصد أن الناسك لو عجز عن الرمي بنفسه، فله أن ينيب غيرَه مناب نفسه؛ فإن الاستنابة إذا جرت في أصل الحج، فجريانها في أبعاض المناسك غيرُ ممتنع. ثم قد ذكرنا أن الاستنابةَ إنما تجوز للمعضوب عضباً لا يُرجى زواله. وهذا المعنى معتبر هاهنا، غير أنا نعتبر رجاء الزوال في مدة الرمي، ولا ينفع زواله بعدها.
قال العراقيون: العاجز عن الرمي إذا استناب غيرَه، وصحَّحْنا الاستنابة، فأغمي على المستنيب، قالوا: الاستنابة دائمة، وإن كان حكم الإغماء الطارئ على الآذن انقطاعُ إذنه إذا كان الإذن جائزاً في وضعه، كالوكالة، ولكن الغرض في الاستنابة هاهنا، إقامةُ المستناب مقام العاجز. وهذا الذي ذكروه محتملٌ جداً. ولا يمتنع خلافه.
وقد قالوا: لو استناب المعضوب في حياته في الحج ومات، لم تنقطع الاستنابة.
وهذا ذكره (١ شيخي والأصحاب ١) في الإذن المجرد، وهو بعيدٌ، لعمري، ولو (٢) فرض في الإجارة، فالإجارة تبقى، ولا تنقطع؛ فإن الاستئجار بعد الموت -عن الميت- ممكن، فلا منافاة، وقد استحقت منفعة الأجير. والذي ذكروه في إذنٍ جائز، وهو محتمل في (٣) الإغماء، بعيدٌ في الموت.
ومن أئمتنا من لم يحكم بانعزال الوكيل بإغماء الموكل؛ من جهة أن الإغماء كالنوم، في أنه لا يثبت ولايةً على المغمى عليه.
٢٦٩١ - ومن المقاصد: الكلامُ في الفدية الواجبة عند ترك الرمي، وفوات المستدرك.
стр. 2255
فأول ما نراه أن نذكر القول فيما يجب بترك الرمي ليوم واحد، من أيام منى:
لا خلاف أنه إلاّ دمٌ واحد، وإن ترك الرميَ إلى الجمرات الثلاث، ولا مزيد على دمٍ.
ثم الطرق مختلفة في ترك بعض الرمي في اليوم الواحد: والطريقة المشهورة، أن الدم يكمل بترك ثلاث حصيات، قياساً على ثلاث شعرات (١ ثمّ لا يزداد ١) وإن ترك جميع رمي اليوم، كما إذا استوعب الرأس بالحلق.
وفي الحصاة الواحدة على هذه الطريقة أقوال: أحدها - فيها درهم. والثاني فيها مدّ [من الطعام] (٢) والثالث - فيها ثلث دم. هذا كالأقوال المشهورة في الشعرة الواحدة والشعرتين.
ومن أصحابنا من قال: الدم إنما يكمل في وظيفة جمرة، وهي سبع حصيات، ثم لا يزيد إلى [تمام] (٣) وظيفة اليوم. وفي الحصاة [الواحدة] (٤) أقوال: أحدها - فيها مدّ. والثاني - فيها درهم. والثالث - فيها سُبُعُ دم.
وذكر صاحب التقريب طريقة ثالثة، وهي أن الجمرات في اليوم كالشعرات الثلاث، ففي وظيفة اليوم دمٌ، وفي [ترك] (٥) وظيفةِ جمرةٍ واحدةٍ الأقوالُ الثلاثة: أحدها - مدّ. والثاني - درهم. والثالث - ثلث دم. فعلى هذا لو ترك حصاة من سبعة، من جمرة، قال: يحتمل أن يقال: يجب فيها في قولٍ مدٌّ كامل، أو درهم، ولا نقصان منه. ويحتمل أن يقال: سبع مدّ، أو سبع درهم. فأما إذا أوجبنا جزءاً من الدم، ففي حصاةٍ جزءٌ من أحدٍ وعشرين جزءاً من دم؛ فإن تبعيض ذلك على ما يقتضيه الحساب، وإنما التردد في تبعيض المد، والدرهم.
فهذا بيان الطرق.
стр. 2256
ولا خلاف أن الدم يكمل في جمرة العقبة؛ فإنها وظيفة يوم.
٢٦٩٢ - ومما يتعلق بتفصيل القول في الفدية أن من ترك الرمي كلّه، و [انحسم التدارك، وكان التزم] (١) رمي النفر الثاني، إذ لم يتعجل في النفر الأول، ففيما يجب عليه أقوال: أحدها - أنه يكفي في الكلِّ دمٌ واحد؛ فإن الرمي جنسٌ واحد.
والثاني - يلزم أربعةُ دماء، في مقابلة وظيفة أربعة أيام.
والثالث - يلزم دمان: دمٌ في مقابلة جمرة العقبة، ودم في مقابلة الأيام الثلاثة.
ثم مَنْ (٢) لم يوجب في الأربعة الأيام إلا دماً واحداً، يُكمل الدمَ في وظيفة اليوم.
وهل يكمله بثلاث حصيات، أم لا إكمال إلا بسبع؟ فيه الخلاف المقدم، في فرض الكلام في وظيفة يومٍ. ويجري في مجاري الكلام وجهٌ غريب: إن الدم يُكمَّل بحصاة واحدة. وقد ذكرنا لهذا نظيراً في الشعرة الواحدة، وسنجريه في الليلة الواحدة من المبيت.
وما ذكرناه في الحصاة الواحدة فيه إذا تركها من الجمرة الأخيرة. فأما إذا تركها من الجمرة الأولى، فلا يعتد بالجمرة الثانية، والثالثة، لما قدمناه، من اشتراط الترتيب في المكان، فيكون تاركاً (٣) حصاةً من الجمرة الأولى وتاركاً للجمرتين الأخيرتين.
وقد مضى التفصيل في ترك جمرة، وجمرتين.
٢٦٩٣ - ومن بقية القول في ذلك: أنا إذا جوّزنا تدارك الرمي، بعد [انقضاء] (٤) الوقت الموظَّف له، فإذا تداركه كما رسمناه، فالمذهب أنه لا يجب مع القضاء فدية.
وحكى صاحب التقريب وجهاً غريباً من تخريجات ابن سريج: أنه يجب مع الدم القضاء، كما يجب على من يؤخر قضاء ما فاته من صوم رمضان، إلى الشهر الآتي في السنة القابلة، القضاءُ والفدية.
стр. 2257
وهذا غريب. وقيل: إنه مذهب أبي حنيفة (١). ومما أجراه صاحب التقريب رمزاً في أثناء كلامه أن قال: إذا جعلنا المستدرَك من الرمي مُقاماً في وقته أداء، ولم نجعله قضاء، وقلنا بحسب ذلك: يجوز التقديم، ويجزىء، فيلزم من ذلك جواز التأخير أيضاًً، حتى لا ينتسب المؤخِّر من غير علة إلى مأثم.
وهذا بعيدٌ؛ فإن جواز ذلك مما خص به أهلُ سقاية العباس، ورعاة الإبل، كما سنعقد فيهم فصلاً، فلئن كان يلزم ما قال قياساً، فالوجه أن يستدل بهذا على فساد المصير إلى أن الرمي المقامَ بعد انقضاء وقته مؤدى.
فصل
في النفر وحكمه
٢٦٩٤ - للناسك إذا رمى في اليوم الثاني [من أيام التشريق] (٢) أن ينفر متعجلاً، وإذا فعل ذلك، سقط عنه المبيت في الليلة التي بين يديه، وسقط عنه الرمي في النفر الثاني.
ولو نفر في يوم النفر الأول، ولم يرمِ، فلا يخلو: إما أن يعود، أو لا يعود، فإن لم يعد، استقرت الفديةُ عليه في الرمي الذي تركه في النفر الأول.
وإن عاد، لم يخل: إما أن يعود بعد غروب الشمس، وإما أن يعود قبلها.
فإن عاد بعد غروب الشمس، فقد فات الرمي، فلا استدارك، وانقطع أثره من منى، ولا حكم لمبيته. وإن رمى في النفر الثاني، لم يكن رميه معتداً به، فإنه بنفره تقلّع عن منى ومناسكه، واستقرت الفدية عليه، وكان ذلك بمثابة انقضاء أيام التشريق.
ولو عاد قبل غروب الشمس، فأجمع طريقةٍ في ذلك، ما ذكره صاحب التقريب:
стр. 2258
إذ قال: حاصل الاختلاف فيه أربعة أقوال: أحدها - أنه إذا نفر، فقد انقطع الرمي، ولا ينفعه العود.
والقول الثاني - يجب عليه أن يعود ويرمي حسبما عليه، ما لم تغرب الشمس، فإذا غربت، تعيّن الدمُ.
والقول الثالث - أنه بالخيار: إن أراد الرجوع والرميَ، فله ذلك، وإذا فعل، سقط عنه الفرض، وإذا أراد ألا يرجع، ويريق الدمَ، جاز له ذلك، ويسقط عنه الفرض بأحدهما. وهذه الأقوال الثلاثة تجري في النفر الأول، والثاني.
وذكر قولاً رابعاً عن ابن سريج: وذلك أنه فصل في تخريجٍ له بين أن يتفق خروجه في النفر الأول، أو في النفر الثاني، فإن خرج في النفر الأول، ثم عاد قبل غروب الشمس ورمى، لم يقع رميه موقعَه. ولو خرج في النفر الثاني، ولم يرم، ثم عاد، ورمى قبل غروب الشمس، وقع الرميُ موقعَه.
والفرق أن الخروج في النفر الثاني لا حكم له؛ فإنه منتهى الوقت. نفرَ أو لم ينفر، فكان خروجه وعدمُ خروجه بمثابةٍ. وللخروج في النفر الأول حكمٌ؛ فإنه لو لم يخرج فيه، بقي إلى النفر الثاني، فيؤثّر خروجُه في قطع علائق منى، وإذا انقطعت العلائق، لم تَعُد. ولا خلاف أن من خرج يوم القَرّ، ثم عاد قبل الغروب، رمى؛ إذ لا حكم للنفر في يوم القرّ. وإن عاد بعد الغروب، فهذا رجلٌ فاته الرمي، وفيه الكلام المقدّم في التدارك.
٢٦٩٥ - وبالجملة لا أثر للخروج في يوم القرّ.
وأما يوم النحر، فالأمر فيه أظهر؛ فإن الناسك يفارق منى مُفيضاً، وقد ذكرنا أنه لا ترتيب في أسباب التحلل في ذلك اليوم، ولو أراد تقديمَ طواف الإفاضة على رمي جمرة العقبة، فلا بأس عليه. ويخرج من ذلك أن الخروج لا أثر له في يوم النحر، ويوم القَرّ، وإنما النظرُ إلى مضيّ الوقتِ وفواتِه. وإنما يؤثر الخروج في التفريق كما قدمنا التفصيلَ فيه.
ثم إذا قلنا: من خرج في النفر الأول، من غير رمي، وعاد قبل غروب الشمس، يرمي. فإذا رمى، وغربت الشمسُ تقيّد، ولزمه المبيت، والرمي من الغد.
стр. 2259
وإن قلنا: لا يرمي إذا عاد قبل غروب الشمس، فلا يلزمه المبيت، ولو بات، لم يكن لمبيته حكمٌ.
والسبب فيه أن في هذا الوجه حكمنا بانقطاع علائق منى بخروجه، ثم لم نحكم بعودها لما عاد.
ولو خرج الناسك في النفر الأول قبل زوال الشمس، ثم عاد، وزالت عليه الشمس، وهو بمنى، فالوجه القطع بأن خروجه لا حكم له؛ فإنه لم يخرج في وقت الرمي وإمكانه. ولو خرج في الوقت الذي ذكرناه، ثم لم يعد حتى غابت الشمس، فقد انقطعت العلائق -وإن كان خروجه قبل دخول وقت الرمي- لأن استدامة الخروج إلى غيبوبة الشمس، حلّت محل إنشاء الخروج بعد زوال الشمس.
ولو خرج قبل الزوال وعاد، قبل الغروب، فظاهر المذهب أنه يرمي ويُعتد برميه، بخلاف ما لو خرج بعد الزوال.
ومن أصحابنا من نزل هذه الصورة منزلةَ صورةِ الأقوال؛ فإنه لو خرج قبل الزوال، ولم يعد حتى غابت الشمس، كان كما لوخرج بعد الزوال، ولم يعد حتى غابت الشمس. فإذا تشابها في ذلك، فليتشابها في العود قبيل الغروب.
٢٦٩٦ - ومن تمام البيان في حكم النفر أن الناسك إذا لم ينفر في النفر الأول حتى غربت الشمس، تقيّد، ولا نفرَ، فليبت وليلتزم الرميَ في النفر الثاني (١ ولا يتوقف تقيده لأجل الرمي ١) على طلوع فجر ذلك اليوم. وهذا متفق عليه.
فصل
في المبيت
٢٦٩٧ - قد ذكرنا أن مبيت المنتقلين من مكة إلى منى ليلة عرفة مبيتَ منزل، وليس مبيت نسك، والمبيتُ بمزدلفة ليلةَ النحر نسكٌ، لا شك فيه، وكذلك المبيتُ ليلة [القَرِّ، وليلة النفر الأول. والمبيت ليلة] (٢) النفر الثاني، موقوف على ما ذكرناه.
стр. 2260
فإن رمى الناسك، ونفر قبل غروب الشمس، سقط عنه ما بين يديه، من المبيت والرمي في اليوم الأخير، وإن لم يفارق خِطةَ منى، حتى غابت الشمس، ثبت المبيت عليه؛ فاذاً المبيت النسك في ثلاث ليالٍ في حق من نفر في النفر الأول، وهو في أربع ليال في حق من مكث حتى غربت عليه الشمس.
٢٦٩٨ - ثم كل ليلة أثبتنا المبيت فيها، فما الحد المعتبر في القدر الذي يجب المبيت فيه؟ ذكر شيخي، وصاحب التقريب قولين، مرسلين: أحدهما - أنا نشترط أن يكون معظمُ الليلة بموضع البيتوتة، لا يفارق منى. والقول الثاني - أنا نشترط أن يطلع عليه الفجر، وهو في موضع البيتوتة، حتى لو غاب معظمَ الليل، ثم حضر قُبيل طلوع الفجر، فطلع الفجر عليه، فقد أدى حقَّ المبيت. والأظهر القول الأول، عند الأصحاب.
وهذا كلام ملتبس، والذي يجب القطع به أن طرد هذين القولين على هذا النسق في ليلةِ مزدلفة محالٌ. والذي يجب أن يقال فيها: إن قول المعظم باطل، في تلك الليلة، مع ما مهدناه في جواز الخروج بعد منتصف الليل، والمُفيض لا ينتهي إلى مزدلفة إلاّ بعد غيبوبة الشفق، وقد يصل بعد هزيع من الليل، ولا يخرج في هذه الليلة أيضاًً اعتبارُ طلوع الفجر، فلا يتجه في تلك الليلة إلا اعتبارُ الكَوْن بمزدلفة في الوقت الذي ينتصف الليل فيه.
هذا هو الذي يجب مراعاته، ويتعين ردُّ القولين المحكِيَّين إلى المبيت ليلةَ القرّ، وليلةَ النفر الأول، وليلةَ النفر الثاني، إن تقيّد الناسك، ولم يتعجل، فيتجه اعتبارُ المعظم؛ فإنه مبيتٌ لا تغليس (١) فيه، فيحسن الأمر بالمبيت في المعظم، ولا مؤاخذةَ، لو اتفقت خَرْجةٌ من منى في بعضٍ من الليل، بعد أن كان المعظم على ما وصفناه.
ومن اعتبر طلوع الفجر، فإنه يجعل المبيت تعريجاً على شعار اليوم الذي بين [يدي] (٢) الناسك. فهذا وجه اعتبار طلوع الفجر في محل المبيت.
стр. 2261
٢٦٩٩ - وإذا ثبت ما ذكرناه، فالكلام بعده في أن المبيت الواقع نسكاً لو تركه الناسك هل يلزمه أن يفديه أم لا؟ وفيه قولان للشافعي: أحدهما [أنه يلزم، كما يلزم الدم بترك الرمي، والمبيتُ شعار ظاهر معتبر في] (١) الشرع كالرمي، فإذا وجبت الفديةُ في ترك الرمي، فلتجب في ترك المبيت. والقول الثاني - لا يجب الدمُ؛ فإن المبيت رَيْثٌ، ولُبْث لانتظار شعار الرمي، فليس مقصوداً في نفسه. وهذا المعنى يجري أيضاً في المبيت بمزدلفة؛ فإن أوقاتَ المناسك المنتظرة يدخل بانتصاف الليل، فُشرع مبيتٌ إلى ذلك الوقت.
وإذا اختلف القول في أن المبيت هل يجبر بالدم، فيترتب عليه لا محالةَ اختلاف القول في أنه هل يجب في نفسه، وهل يجب على الناسك تحصيله، حتى يُقضَى بأن يعصي بتركه؟
٢٧٠٠ - فإذا أردنا أن نجمع محل الوفاق والخلاف في ذلك، قلنا: الفدية تجب بترك الرمي قولاً واحداً، لا خلاف في أصلها، وإنما التردد في التفصيل، وكذلك من ترك حق الميقات، فجاوزه غيرَ محرم، التزم الدم، ولا خلاف في الأصل وهو الدم المسمى دمَ الإساءة، فهذان ثابتان وفاقاً.
واختلف [القول] (٢) في ثلاثة مناسك (٣): [أحدها - الجمع بين الليل والنهار في الوقوف، والآخر - المبيتُ المحكومُ بكونه نسكاً، والثالث - طوافُ الوداع، فهذه المناسك الثلاثة، فيها قولان، في وجوب الجبران، والمذهب أن طواف القدوم لا يجب جبرانه، وفيه شيء بعيدٌ حكيناه، وذلك في حق من يتسع وقته، فأما من ينتهي إلى المُعَرَّف (٤)، فلا قدوم عليه.
стр. 2262
٢٧٠١ - ومما يتعلق بذلك: أن الغريب إذا انتهى إلى عرفةَ ليلةَ النحر، وبقي في شغل الوقوف، حتى فاته المبيت بمزدلفة، فلا خلاف أنه لا يلزمه في مقابلة فوات المبيت شيء، واشتغالُه بالوقوف حطَّ عنه عهدةَ المبيت. وإنما يثبت الخطاب بالمبيت على من يتفرغ إليه. ولما ذكر صاحب التقريب ذلك، على ما وصفناه، قال بانياً عليه: لو وقف بعرفةَ نهاراً مع الواقفين، ولما غابت الشمس أفاض، وانحدر إلى مكةَ ممتداً (١)، واشتغل بطواف الإفاضة بعد نصف الليل، ففاته المبيت لأجل ذلك، فلا يلزمه شيء إذا كان مشتغلاً بالطواف المفروض، وهو بمنزلة اشتغاله بالوقوف ليلاً.
وذكر الإمام هذا على هذا (٢) الوجه، وحكاه عن القفال.
وهذا محتمل عندنا؛ من جهة أن من لم ينته إلى عرفةَ إلا ليلاً، فهو مضطر إلى التخلف عن المبيت، والذي يمتد إلى مكة ليطوف ليلاً، لا ضرورة به، فليبت، وليصبح مع الناس.
٢٧٠٢ - ثم إذا قلنا: المبيت النسك مضمون بالدم، فلو ترك المبيت في جميع الليالي التي أمرناه بالمبيت فيها، ففي الواجب عليه قولان في ظاهر المذهب: أحدهما - أنه يلزمه في مقابلة الجميع دمٌ واحد. والثاني - يلزمه دمان: أحدهما في مقابلة ليلة مزدلفة، والثاني في مقابلة ليالي منى؛ فإن ليلةَ مزدلفة مباينةٌ لغيرها من ليالي المبيت، لما نبهنا عليه، فلتفرد بحكمها. وإنما يحسن طرد القولين في حق من يتقيد ليلةَ النفر الثاني؛ بأن تغرب عليه الشمس، وهو بمنى، حتى تتم ليالي منى ثلاثاً، ثم يخرج في الليلة الأخيرة بعد التقيّد.
فأما إذا نفر في النفر الأول، فقد عاد المبيت إلى ليلتين، فإذا تركهما، وترك
المبيتَ ليلة مزدلفة، فإن قلنا في ترك الجميع دم، فلا كلام. وإن قلنا: يفرد المبيت ليلةَ مزدلفة بدمٍ كامل، ففي ليلتي منى وجهان: أحدهما - أنه يكمل (٣) فيها
стр. 2263
دم، وإن لم يتقيد، فإن المبيت بمنى جنس كالمبيت بمزدلفة، وقد ترك أصل المبيت بمنى، فلا يقصر جنس المبيت بمنى عن المبيت ليلة واحدة بمزدلفة. وهذا ظاهرٌ منقاسٌ.
وقال بعض أصحابنا: يجب في ليلة مزدلفة دمٌ. ويجب في (١) حق من لم يتقيد، وتعجل في الليلتين مدَّان، أو درهمان، أو ثلثا دم، وهذا اكتفاءٌ بالظاهر، والفقه الوجه الأول (٢).
وذكر صاحب التقريب قولاً يضاهي قولاً غريباً فيما تقدّم، ولكنه ارتضاه هاهنا، وإن زيفه فيما سبق: وذلك أنه قال: للشافعي قول أنه يجب في كل ليلة دم؛ لأن كلَّ ليلة تُنسب (٣) إلى يومها، وإذا كان الدم يكمل في وظيفة كلِّ يوم، فليكمل في مبيت ليلةٍ، وهذا يتجه هاهنا اتجاهاً بيناً.
فصل
في أهل سقاية العباس ورعاة الإبل
٢٧٠٣ - رعاة الإبل، وأهل سقاية العباس، يبيتون بمزدلفة مع الناس، ويرمون جمرةَ العقبة، ثم ينزلون، ويتركون المبيت ليلةَ القرّ، وليلة النفر الأول، ويتركون رميَ يوم القَرّ، ثم (٤) يعودون في النفر الأول، ويقضون رميَ يومِ القرّ وذلك يسوغ لهم بلا خلاف، وإن اختلف القول في حق غيرهم، في قضاء الرمي. وما تركوه من المبيت ليلة القَرّ، وليلة النفر الأول محطوط عنهم، بلا فدية.
وهذه الرخصة ثابتةٌ لهذين الصنفين: الرعاة، وأهل سقاية العباس، أما رعاة الإبل، فيُخرِجون الإبل إلى المراعي، ويفارقون خِطة منى؛ إذ الحاجة تَمسهم إلى
стр. 2264
ذلك، وإذا بعدوا، لم يمكنهم أن يرجعوا ليلاً، فلا يَرُدُّون الإبل إلا يوم النفر الأول؛ فإن عامةَ الخلق يتعجلون، حتى يقل من يلبث (١)، وأما أهل سقاية العباس (٢)، فإنهم كانوا يقومون بتهيئة السقاية، وإعداد الماء، وما يتيسر من الشراب للمُفيضين، فكان ذلك شغلاً شاغلاً قديماً، يُجَوِّز (٣) لهم ما جَوَّز لرعاة الإبل.
والمتبع في هذه الرخصة الخبرُ والوفاق، فلو فرض فارض عُذراً مرهقاً، كقيام الإنسان بتعهد منزولٍ [به] (٤) قد حضرته الوفاة، أو غيرَ ذلك من الأعذار، فهل يجوز أن ينزَّلوا في الرخصة التي ذكرناها منزلةَ رعاة الإبل؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - تثبت الرخصة لكل معذور (٥) يبلغ عُذرُه مبلغَ عذر الرعاة. والثاني - وهو الذي قطع به الأئمة [أن] (٦) الرخصة تخص، ولا يُعدّى بها موضعها، كما لا يثبت في حق المريض رخصةُ المسافر.
وأما أهل السقاية، فمذهب الشافعي أنه لو قام بذلك الأمر غيرُ بني العباس، فلهم الرخصةُ. هذا ظاهر المذهب. وذكر العراقيون في ذلك وجهاً آخر: وهو أن الرخصة تختص بأهل بيت الرسول ﷺ ، وهم بنو هاشم ورَوَوْا في ذلك أن رسول الله ﷺ ، أرخص لأهل السقاية من أهل بيته، فدل ذلك على اختصاصهم (٧). وهذا بعيد.
стр. 2265
قال: " ويُفعل بالصبي في كل أمره، ما يَفعل الكبير ... إلى آخره " (١).
٢٧٠٤ - الصبي إذا كان يعقل، عَقْلَ مثلِه، فيصحُّ إحرامه بالحج، وهل يفتقر انعقادُه إلى إذن الولي؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه يفتقر إلى إذنه؛ لأن العقدَ يشتمل على أمور خطرة، وعُهَدٍ مالية، فلا يصح استقلال الصبي به. والثاني - يصح دون الإذن، كما يصح منه عَقْدُ الصلاة.
وإن كان طفلاً لا يميز، فيُحرِم عنه الوليّ.
واختلف الأئمة في أن من يتصرف في مال الطفل، بكونه قيِّماً هل يُحرم عن الطفل؟ والأصح أنه لا (٢) يُحرم عنه، وإنما يحرم عنه الأب، أو الجد أبُ الأب.
وأما الأم، فهل تحرم عنه؟ اختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من خرَّج إحرامها عن ولدها على وجهين مبنيين على أنها هل تلي مالَ ولدها؟ ومنهم من قطع بأن إحرامها عن ولدها صحيح؛ للحديث المشهور فيه، وهو ما روي أن امرأة رفعت صبيّاً من مَحَفَّتِها، وقالت: يا رسول الله ﷺ ، ألهذا حج؟ قال: " نعم. ولك أجر " (٣). والظاهر [يدل] (٤) على أنها كانت تحرم عنه.
وإذا كان الصبي مميزاً، وقلنا: إنه يُحرم بنفسه، فلا يُحرم عنه وليه. وإذا قلنا: لا يُحرم دونَ إذن وليه، فهل ينعقد [إحرام الوليّ عنه؟ فعلى وجهين: أحدهما -
стр. 2266
لا ينعقد، فإن الإحرام إذا كان] (١) ينعقد بعبارته، فلا ينعقد بعبارة غيره. والثاني - ينعقد الإحرام بعبارة الوليّ من غير مراجعة. وهو ظاهر المذهب، فإن الولاية مطردةٌ عليه بدليل أنه لا يستقل، وهو لصباه مولًّى عليه، فيدوم استقلال الوليّ بالتصرف فيما تفيده الولاية.
ثم إذا انعقد الإحرام في حق الصبي، فكل ما يتأتى منه [يُحمل عليه، وكل ما لا يتأتى منه] (٢) ينوب الوليّ فيه عنه، كالرمي وغيره، ويُطاف به محمولاً، ويُسعى به كذلك.
٢٧٠٥ - ولو بلغ الصبي في أثناء الحج، نُظر: فإن كان ذلك بعد فوات الوقوف، استمر الحج مسنوناً، ولم يقع عن حجة الإسلام. وإن بلغ قبل الوقوف، ووقف وهو بالغ، فالحج يقع عن فرض الإسلام، باتفاق الأصحاب.
وإذا لم يتفق منه رجوعٌ إلى الميقات بعد البلوغ، فهل يجب دم الإساءة؟ فيه قولان مشهوران: أحدهما - يجب، لأن الإحرام الذي جرى من الميقات كان ناقصاًً، وحجُّ الإسلام يستدعي إحراما كاملاً من الميقات. والقول الثاني - لا يجب دمُ الإساءة؛ فإنه لم يسىء، وفَعَل ما في وسعه.
وكان القفال يقول: القولان مبنيان على أن الكمال إذا طرأ على ما صورناه، ووقع الحج عن فرض الإسلام، فنقول: إن الإحرام انعقد نفلاً أوَّلاً، ثم من وقت الكمال انقلب فرضاًً. قال: يجوز أن يقال: الأمر كذلك، وعليه يبتنى وجوبُ دم الإساءة. ويجوز أن يقال: وقع الإحرام على الوَقْف، فلما طرأ الكمال، تبين لنا أن الإحرام في أصله انعقد فرضاًً، ولو طرأ الكمال بعد الوقوف، لبان أن الإحرام وقع نفلاً، وبقي نفلاً.
ثم إن لم نوجب دمَ الإساءة، فلا كلام. وإن أوجبناه، فلو عاد الصبي بعد بلوغه إلى الميقات، ومرّ عليه، فالمذهب أنه لا يلزمه دمُ الإساءة؛ فإنه فعل ما في وسعه أولاً، ثم استفرغ جهده بالعود آخراً. وذكر القفال هذا، وارتضاه. وحكى وجهاً
стр. 2267
آخر: أن الدم لا يسقط، وهذا (١) بعيد، لا اتجاه له.
٢٧٠٦ - ومما يتعلق بذلك أن الصبيّ لو أحرم، وقَدِم وطاف طواف القدوم، وسعى، ثم بلغ، ووقف بعرفة بالغاً، فالحج يقع عن فرض الإسلام، وإن تقدم ركنٌ، ولكن [هل] (٢) يعتد بذلك السعي؟ أم يجب إعادة السعي بعد طواف الزيارة؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا تجب إعادته، والنظر إلى الوقوف. وتقدّمُ السعي في الصبا كتقدُّم الإحرام فيه.
والوجه الثاني - أنه يجب إعادة السعي؛ فإن ذلك ممكن، وإعادة الإحرام لا معنى له، فأقمنا دوام الإحرام بعد البلوغ، مقام ابتداء الإحرام على صفة الكمال، والسعيُ إذا [نقص] (٣)، فلا معنى للاستدامة فيه، فالاكتفاء به، وقد جرى في حالة النقص بعيدٌ مع إمكان إعادته.
فرع:
٢٧٠٧ - ذكرنا أن الصبيَّ إذا كان لا يقدر على الرمي بنفسه، فالوليُّ يرمي عنه، وكذلك إذا مرض الكاملُ، وعجز عن الرمي، فينيب غيرَه مَناب نفسه، فلو رمى نائبُ المريض عنه، فَبَرَأ (٤) المريض ووقتُ الرمي باق، فهل يلزمه إعادة الرمي؟ فعلى وجهين مبنيين على أن المعضوب إذا استناب نائباً فحج عنه، ثم زال العَضْب على ندور، فهل نقول: تبيَّنَّا (٥) أن الحج لم يقع الموقع، إذا زال العضب (٦)؟ فعلى قولين. والعُمْر في الحج كزمان الرمي في الرمي.
٢٧٠٨ - ومما يتم به القولُ في الصبيّ: ذِكْرُ إقدامه على المحظورات، بعد انعقاد الإحرام.
فلتقع البداية بوطئه: اختلف القول في أنه إذا وطيء، هل يتعلق بوطئه إفسادُ
стр. 2268
الحج؟ وبنى الأئمةُ القولين أولاً على أن الصبي هل له عمدٌ على الحقيقة؟ وفيه قولان: ذكرناهما في أحكام الجنايات، ثم إذا حكمنا بأن له عمداً، فيفسد حجّه، وإن حكمنا بأن لا عمد له، ففي فساد الحج قولان، مبنيان على أن البالغ المكلفَ إذا وطيء ناسياً هل يفسدُ حجُّه؟ فعلى قولين، سنذكرهما إن شاء الله تعالى. والقولان مبنيان على أن الوطء استمتاعٌ [أو] (١) استهلاك.
والأصح عند المحققين القطعُ بأن جماعه يفسد الحج؛ فإنّ عمد الصبي فيما يتعلق بالعبادات، كعمد البالغ، ولهذا يفسد صومه إذا تعمد الأكل، وتفسد صلاته إذا تعمد الكلام.
ثم إن قلنا: يفسد حجه، ففي وجوب القضاء وجهان: أحدهما لا يجب؛ لأنه ليس ممن يُتعبد على الوجوب، بالعبادة البدنية.
فإن قلنا: لا يجب القضاء، فليس إلا المضيُّ في الفاسد والتحلل، ولا تبعة.
وإن قلنا: يجب القضاء، فهل يصح منه القضاء في صباه؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يصح؛ فإن في تصحيحه الحكمَ بوقوع واجبٍ من الصبي ابتداءً. وهذا يُفضي إلى تنزيله منزلةَ المكلف في الواجبات التي يتعلق الخطاب بها بالمتعبد فيها.
فإن قضى في صباه، فلا كلام. وإن أخر القضاء قصداً [أو] (٢) قلنا: لابد من تأخيره، فما يأتي به بعد البلوغ من القضاء هل يقع موقع فرضِ الإسلام؟ نُظر: إن كان ذلك الحج الذي أفسده بحيث لو تم، لوقع عن حج الإسلام، فقضاؤه يُسقط فرضَ الإسلام؛ وذلك بأن يبلغ قبل الوقوف.
وإن [كان] (٣) الحج بحيث لو تم (٤)، لم يقع عن فرض الإسلام (٥ فقضاؤه لا يقع عن فرض الإسلام، ثم الحجة الأولى بعد الكمال تقع عن فرض الإسلام ٥) ويبقى
стр. 2269
القضاء في الذمة، ثم يقيمه في عمره.
وإن حكمنا بأن [حج] (١) الصبي يفسد، ولا يلزم القضاء، ففي وجوب الكفارة وجهان: أصحهما - الوجوب. وإن قلنا: يجب القضاء، فتجب الكفارة، ثم حيث أوجبنا الكفارة، فهي في مال الصبي، [أو في مال الوليّ؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أنها في مال الصبي] (٢) ككفارة القتل إذا لزمت الصبيَّ بالقتل الصادر منه.
والوجه الثاني - أنها في مال الولي؛ فإنه هو الذي ورّطه في الإحرام، وجرّ إليه سببَ لزوم الكفارة، وليس ككفارة القتل؛ فإنه لا سبب فيها من الولي.
٢٧٠٩ - وإذا تطيب الصبي أو لبس المخيط، ففي لزوم الكفارة قولان عند الأصحاب مأخوذان من حكم عَمْد الصبي، وقد ذكرنا أن الأخذ من هذا غيرُ صحيح.
نعم، قد يتأتى التوجيه من غير هذا، فوجه وجوب الكفارة ثبوت سببها، والصبي من أهل التزام الكفارة. ووجه نفي الكفارة أن صحة الإحرام من الصبي محمول على صحة الصلاة والصوم [منه] (٣).
فأما تنزيله منزلة المكلف في العُهَد والغرامات بسبب إحرامٍ، هو منشئه أو أنشأه الولي عنه، فهو بعيدٌ.
ثم حيث تثبت الكفارة فهي في ماله، أو في مال الوليّ؟ فعلى الوجهين المقدمين.
ولو طيب الوليُّ الصبيَّ، فقد قال الأصحاب: يُنظر فيه، فإن كان يقصد مداواةَ الوليّ، واستصلاحَه، فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قطع بأن الفديةَ على الوليّ، ومنهم من جعل ذلك كتطيّب الصبي بنفسه، وفيه التفصيل المقدم.
وقد ذكر الشافعي لفظةً اختلف الفقهاء في تأديتها، فقال: " وتجب الفدية على المداوَي " فقرأ بعضهم بكسر الواو؛ حملاً على الولي، وقرأ بعضهم بفتح الواو؛ حملاً على الصبي؛ وعلل بأن فائدة المداواة رجعت إليه، فكان كما لو تداوى بنفسه،
стр. 2270
ثم النص على هذا يدل على أن الفدية حيث تجب بتطيّب الصبي، تختص بماله، ولا تجب على وليّه.
ولو طيّب الوليُّ الصبيَّ من غير منفعةٍ للصبي، تحصل بذلك، فقد ذكر الأئمة أن الفدية تجب (١ على الوليّ ١)، وهذا فيه ضرب من الإشكال.
ولو قيل لنا: [ما] (٢) قولكم في المُحِل يطيّب المحرمَ المكلّفَ؟ لَلَزِم أن نوجب الفدية. وهذا غامضٌ من طريق المعنى، ولكن مأخذه حلق المُحل شعرَ المحرم، والمحرم نائم، أو مكرَه، وقد يُتخيّل في ذلك أن شعر المحرم محترمٌ، وإتلافه محرّمٌ على المُحل والمحرم، كشجر الحرم، وتقدير هذا في استدامة فعل المحرم بعيد.
ولكن الذي رأيناه في المذهب (٣) ما نقلناه، وسيعيد الشافعي بعض أحكام الصبيان، في باب معقودٍ، يشتمل على إحرام الصبي، وعلى إحرام المماليك، فرأينا أن نؤخر بعضَ الأحكام، ونذكر في ذلك البابِ حكمَ العبد يُحرم، وحكمَ الكافر يُحرم ثم يسلم.
فصل
قال: " وإذا أصاب المحرمُ امرأتَه المحرمةَ ... إلى آخره " (٤).
٢٧١٠ - الوطء من المحرم المكلفِ إذا صادف إحراماً تاماً، فهو مفسدٌ للإحرام، ولا فرق إذا فُرض في الحج، بين أن يكون الوطء قبل الوقوف، وبين أن يكون بعده إذا لم يثبت تحلّل (٥)، خلافاً لأبي (٦) حنيفة.
стр. 2271
ثم حكم الحج إذا فسد وجوبُ المضي فيه إلى تمامه، ثم وجوب القضاء إذا كان الحج تطوعاً، وفيه يظهرُ أثر وجوب القضاء، وتجب الكفارة العظمى، كما سنصفها.
والمرأة إذا مكَّنت، فسد إحرامُها، كما يفسد إحرامه، ثم القول في الكفارة عليها، كالقول في كفارة الوقاع في رمضان، وقد تفصّل القولان توجيهاً وتفريعاً.
فإن أوجبنا الكفارة على الزوج، ولم نوجبها عليها، فهل على الزوج أن يحصّل الحج [لها بمؤنةٍ] (١) من ماله؟ قال الشافعي فيمن يفسد حجه: " قضى وكفّر، وحج من قابل بامرأته ".
واختلف الأئمة في ذلك: فقال بعضهم: هذا واجب عليه وجوبَ الكفارة، وثمنِ ماء الغسل.
وقال آخرون: لا تجب المؤنة عليه. وعليها أن تتكلف ذلك من مالها، فإنها كانت مختارة في تمكينها، والكفارة خارجة عن القياس، مستندة إلى حديث الأعرابي، فلا ينبغي أن تُتَّخذَ أصلاً في كل ما لا نصّ فيه.
ثم قال الشافعي في القديم: " إذا بلغا في القضاء الموضع الذي أفسدا فيه الحجَّ، فُرِّق بينهما " وظاهر هذا يدل على استحقاق ذلك. والذي ذهب إليه الأكثرون أنه استحباب، وهو الذي قطع به الصيدلاني. ومن أصحابنا من رأى ذلك حَتماً، وظن أن الشافعي قال ما قال [عن أثرٍ عنده] (٢) اتبعه.
ومما يتعلق بموجب (٣) الإفساد أنه إذا كان قد أحرم من مسافة بعيدةٍ، وراء الميقات الكائن في صوبه، ثم أفسد الحج، فيلزمه أن يقضي من المسافة التي كان أحرم من مثلها ابتداءَ [الأداء] (٤)، وخالف أبو حنيفة (٥) في ذلك.
стр. 2272
ثم إذا أفسد الحج، فالإحرام دائم على الفساد، وليس كالصوم يفسد، مع أمرنا بوجوب الإمساك عن المفطرات؛ فإن الصوم يرتفع بالكلّية، والأمر [بالإمساك] (١) تشديد وتغليظ.
٢٧١١ - ثم من جامع وأفسد، ثم جامع مرة أخرى، فهل يلزمه بالجماع الثاني شيء أم لا؟ فعلى قولين: أحدهما - لا يجب؛ لأنه وقاع عديم التأثير في الإفساد؛ إذ لا أثر له فيه، فلا يتعلق به كفارة. والأصح وجوب الفدية؛ لأنه في إحرامٍ وإن كان فاسداً.
ثم إن قلنا: تجب الكفارة ففي الواجب وجهان: أحدهما - أنها بدنة. والثاني - أنها دم شاة. وهذا الخلاف أقربُ؛ من جهة أن الوقاع الثاني مباشرةٌ لم تفسد الحج، فأشبهت المباشرة دون الوقاع.
٢٧١٢ - ولو وقع الوطء بين التحللين، فالأصح أن الحج لا يفسد؛ لأنه لم يصادف إحراماً تاماً. ومن أصحابنا من قال: يفسد الحج لمصادفة الوطء للإحرام.
فإن قلنا: لا يفسد الحج، فواجب الوطء بين التحللين ماذا؟ فيه وجهان: أحدهما - أن واجبه البدنة. والثاني - أن واجبه دم شاة. وهذا يقرب من الخلاف في واجب الوطء الثاني. فإن قلنا: إنه يفسد الحج، فواجبه بدنة؛ فإن الإفساد ووجوب القضاء أشد وأغلظ مما بين الشاة والبدنة، ويخرج وجهٌ آخر: أنا إذا قلنا: الوطء لا يفسد الحج إنه (٢) لا يتعلق به شيء أصلاً. وهذا بعيد؛ فإن الوطء يجب ألا يقصر عن مباشرة لا وقاع فيها.
وسنذكر الآن أن المباشرة من موجبات الفدية، ويتجه أن نَنْفصل (٣) عن هذا،
стр. 2273
فيقال: المباشرة إنما توجب الفدية إذا صادفت إحراماً تاماًً.
وكان شيخي أبو محمد يقطع القول بأن الحج إذا فسد بالجماع، فلو فرض من المحرم الذي فسد حجه تطيّبٌ، أو لُبسٌ أو ستر، فتجب الفدية في هذه المحظورات. وبهذا يتبين أنه في إحرام، وليس كالجماع، بعد الجماع؛ لأنه في حكم التابع للجماع الماضي، فجعل كحركات المجامع.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً بعيداً في أن المحظورات بعد الوقاع لا توجب الفديةَ، إذا قلنا: إن الجماع الثاني لا يوجب شيئاً. وهذا بعيد جداً.
٢٧١٣ - ونحن نذكر بعد هذا تفصيل كفارة الجماع التام المفسد، فنقول: الواجب بدنة، فإن لم يجد، فبقرة، فإن لم يجد فسبعٌ من الغنم؛ فإن لم يكن قوّمت البدنة دراهمَ، والدراهم طعاماً بسعر مكة، فإن لم يكن، صام عن كل مدّ يوماً، ونصفُ المد كالمد في مقابلته بصومِ يوم؛ فإن الصوم لا يتبعض.
ثم اختلف الأئمة في [أن هذه] (١) الكفارة مرتبة، أو مخيرة: فمنهم من جعل في المسألة قولين: أحدهما - أنها مرتبة. والثاني أنها مخيّرة، في جميع ما ذكرناه.
قالوا: والقولان مبنيان على أن الوطء استمتاع أو استهلاك. فإن جعلناه استهلاكاً، فهذا (٢) على التخيير، كفدية الحلق، والقَلْم، وقتل الصيد. وإن جعلناه استمتاعاً، فهو على الترتيب كفدية الطّيب، واللّباس؛ فإنها مرتبة كما سنصفها.
فإن قلنا: هي مخيرة، فلا كلام. وإن قلنا: هي مرتبة، فالبدنة، والبقرة، والسبع من الغنم، على الترتيب، أو على التخيير، فعلى وجهين: أحدهما - أنها مرتبة، كالدم، والصوم، والإطعام. ومنهم من قال: هذه الأشياء مخيّرة (٣) وإنما الترتيب في الدم، والصوم، والإطعام؛ وذلك لأن هذه الأشياءَ على مرتبة واحدة، في الضحايا والهدايا، فلا معنى لترتيب بعضها على بعض.
стр. 2274
٢٧١٤ - وتمام البيان في المسألة أن من جامع مراراً، وكفَّر عن الجماع الأول، ففي الجماع الثاني من التفصيل ما ذكرناه.
فأما إذا لم يتخلل التكفيرُ، فهذا يندرج تحت الفصل الجامع الذي ذكرناه، في تكرر موجبات الكفارة، وتداخل الكفارات عند التواصل، وعند الانقطاع، وقد مضى ذلك، مع أمثاله في فصلٍ جامع.
ولو جامع مراراً في مكان واحد، وهو يقضي من كل جماع وطره، فقد سبق منا رمزٌ إلى ذلك، في الفصل المشتمل على تداخل الكفارات، وقد ذكر صاحب التقريب في ذلك جوابين: أحدهما - أن المواقعات، وإن تواصلت أزمنتها، فهي بمثابة ما لو تفرقت. وهذا متّجه في المعنى ظاهرٌ. والوجه الثاني - أنها تلحق بأعدادٍ من اللُّبس مع اتحاد المكان والزمان، حتى يقطع باتحاد الموجب.
ولا خلاف أنه لو كان ينزع ويعود، والأفعال متواصلة، وقضاء الوطر حصل آخراً، فالكل وقاع واحد.
فرع (١):
٢٧١٥ - متصل بما نحن فيه.
المباشرة بين المحرِم والمرأة إذا تحقق فيها التقاء البشرتين، فلا نقضي بفساد الحج بها، أنزل أو لم ينزل، خلافا لمالك (٢)؛ فإنه قال: إذا اتصل الإنزال بها أفسدت الحج.
ثم الفدية تجب بالمباشرة، وهي دمُ شاة، ولا فرقَ بين أن يتصل الإنزال بها أو لا يتصل. نصَّ عليه الأصحاب في طرقهم، وضبطوا المباشرة الموجبةَ للفدية، بما يوجب نقض الطهارة، ثم مسائل الملامسة في الطهارة تنقسم إلى وفاق وخلاف، والأمر في الحج ينطبق على قياسها، وفاقاَّ وخلافاً، وأما الصوم، فالمباشرة المحضة لا تؤثر فيه.
فهذه مراتب المباشرة وحكمها. وانتقاضُ الطهارة، ووجوب الفدية في الحج
стр. 2275
يتجاريان بلا افتراق، والمرعي في الصوم الإنزال، وكأن الغرض من الصوم الانكفافُ عن قضاء الوطر، بالأكل أو الاستمتاع، وهذا لا يحصل بالمباشرة المجردة.
والقياس يقتضي أن يكون الاعتكاف ملحقاً بالصوم في المباشرة، التي لا إنزال معها، ولكن فيها تردد، ذكرناه في الاعتكاف، وذكرنا سببه.
٢٧١٦ - وأما الاستمناء، فإنه يفسد الصوم، وهل تتعلق به الفدية؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - يتعلق به ما يتعلق بالمباشرة. والثاني - لا شيء فيه؛ فإن الحج ليس في معنى الصوم، في مسالك محظوراته.
فرع:
٢٧١٧ - الحاج المتطوّع إذا أفسد حجه بالجماع، فقد ذكرنا أن القضاء يلزمه.
ثم ذكر العراقيون [في] (١) أن القضاء على الفور أم على التراخي وجهين: أحدهما - أنه على التراخي، اعتباراً بصفة الوجوب في فرض الإسلام. والثاني - أنه على الفور، لانتساب المفسد إلى التفريط في الإفساد.
وكان القفال يقول: كل كفارة وجبت من غير عدوان ممن لزمته الكفارة، فهي على التراخي، وكل كفارة وجبت بعدوان من الملتزم، ففي ثبوتها على الفور والتراخي تردد.
وهذا يناظر ما ذكره العراقيون في قضاء الحج على المفسد؛ فإن وضع الشرع في واجب الحج [على] (٢) التراخي، كما أن الكفارات في وضعها على التراخي.
ومن اعتدى بترك صلاةٍ، لزمه قضاؤها على الفور، بلا خلاف على المذهب.
والسبب فيه أن المصمم على ترك القضاء مقتولٌ عندنا، ولا يتحقق هذا إلا مع توجّه الخطاب بمبادرة القضاء، وأبعد بعض الأصحاب، فقال: إنما يقتل تارك الصلاة إذا لم [يعزم على القضاء] (٣) ومثل هذا لا يُعدّ من المذهب.
стр. 2276
ومن اعتدى بترك صوم شهر رمضان، ففي جواز التأخير في القضاء مع الاعتداء في الابتداء وجهان؛ إذ لا يتوجه على التارك المصرّ على الترك في الصيام قتل.
فرع:
٢٧١٨ - الجماع إذا طرأ على العمرة، أفسدها ويتعلق به من الكفارة ما يتعلق بالجماع المفسد للحج، ولو طاف المعتمر، ولم يَسْع، وجامع، فسدت العمرة، ووجبت الكفارة العظمى. وإن كان الطواف في العمرة من أسباب التحلل، فاتفق الأئمة على أن التحلل من العمرة لا تدريج فيه، ولا تعدد (١)، وليس كالتحلل عن الحج؛ فإنه ينقسم، ويختلف الحكم فيما يقع قبل التحللين، وفيما يقع بينهما.
وقال الأئمة: لو طاف المعتمر، وسعى، ولم يحلق، وقلنا: الحِلاق نسك، فلو جامع قبل الحِلاق، فسدت العمرة، ولزمت الكفارة العظمى، على ما قدمناه.
فرع:
٢٧١٩ - القارن إذا جامع وأفسد إحرامه، لزمه قضاء النسكين، ولزمته الكفارة العظمى.
وهل يلزمه دمُ القِران؟ فعلى وجهين: أحدهما - يلزمه، ضماً إلى كفارة الجماع.
والثاني - لا يلزمه؛ فإنه لم يتمتع بقِرانه؛ إذ فسد عليه، وذاق وبال الإفساد، فليقع الاكتفاء بموجبه.
ومما يتعلق بذلك أن القارن لو لم يجر منه صورة الطواف، و [السعي] (٢) قبل
الوقوف، فوقف، ورمى جمرةَ العقبة، وحلق. فلو جامع، فالأصح أن الحج لا يفسد، كما تقدم. ثم إذا لم يفسد الحج، لم تفسد العمرة، وإن لم يجر بعدُ من أعمالها شيء، فلا خلاف بين الأصحاب أن العمرة تتبع الحج في الفساد في حق القارن.
ولو فات الوقوف، وفات حج القارن بقرانه، ففي فوات العمرة وجهان: أحدهما - أنها تفوت بفوات الحج؛ فإن العمرة في جهة القِران لا تفرد بعمل، ولا حكمٍ، وأيضاًً فإنها تَبِعَتْ الحجَّ في الفساد في حق القارن، فلتتبعه في الفوات.
стр. 2277
والوجه الثاني - أن العمرة لا تفوت؛ فإن من فاته الحج يلقى البيتَ بعملِ معتمر، فإذا كان يعمل عمل معتمر وإحرام العمرة لا يفوت؛ فلا معنى للقضاء بفوات العمرة.
فصل
قال الشافعي: "وهكذا كل واجب عليه، فقس به ما لم يأت فيه نص ... إلى آخره" (١).
٢٧٢٠ - مضمون الفصل القول في معاقد المذهب في الدماء وأبدالها.
وكان شيخي أبو محمد يقسم الدماء على أقصى وجه في التطويل، طالباً بكلامه الاحتواء على الجمل والتفاصيل، وكان يجري مقصودُ الضبط خفيّاً في أدراج الكلام إلاّ على المنتهين.
والذي أراه أن أذكر الضوابط لفظاً ومعنى، وأحيلَ التفصيل الخارج عن مقصود الضبط إلى ما جرى وسيجري مفصلاً، وأُنبّهَ على ما يعدَم (٢) الطالب مثلَه في المجموعات (٣).
٢٧٢١ - فأقول: ذكر المراوزة مسلكاً وأنا طارده على وجهه، حتى إذا تم، ذكرت طريقةً أخرى للعراقيين من (٤) أول الضبط إلى آخره. ثم أحكم بين الطريقين بما أتخيله.
وأقول في افتتاح طريق المراوزة: الدماء المنصوصة في كتاب الله تعالى أربعة: أحدها - جزاء الصيد، وهو مُعَدَّل في كتاب الله مخيّر (٥)، قال عز من قائل: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، فكفارة الصيد مخيرة في نص
стр. 2278
القرآن معدّلة، ومعنى كونها مخيرة، تخير الملتزم بين الدم، والصوم، والإطعام، ومعنى [التعديل] (١) أن نقدر المثل الواجب مقوماً بالدراهم، ثم نصرف الدراهم إلى الطعام المخرَج في الكفارة، ونقدرها أمداداً، ثم نقابل كلَّ مُدٍ بصوم يوم. فهذا معنى التعديل، واللّقب مأخوذٌ من قوله تعالى ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، والاعتبار بالأسعار المقدرة بمكةَ، حرسها الله تعالى، وتفاصيل جزاء الصيد فيه بابٌ، والغرض وصف كل كفارة بالتخيير، والترتيب، والتعديل، والتقدير. فهذا أحد الدماء المنصوصة.
والثاني - دم الحلق، قال الله تعالى ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقد وصفنا هذه الكفارة، وبيّنا أنها مخيّرة، مقدّرة، أما التخيير، فمنصوص في الكتاب، والتقدير متلقى من بيان رسول الله ﷺ في حديث كعب بن عُجرة.
والثالث - دم المتعة، وقد سبق شرحها، فهي مُرَتَّبةٌ مقدرة.
والرابع - دم الإحصار (٢ وهو دم شاةٍ، وفي بدله، ثم في صفة بدله كلامٌ يأتي في باب الإحصار، إن شاء الله تعالى. فأما دم الإحصار ٢)، فلسنا نبغي أن نلحق يه فرعاً، وإنما الإلحاق بالدماء الثلاثة فنقول:
٢٧٢٢ - جملة الدماء على طريق المراوزة غيرِ المنصوص عليها معدّلةٌ طرداً، وإنما الكلام في الترتيب والتخيير، فكل دمٍ وجب لترك نسك كترك الرمي، والمبيت، والجَمْع في الوقوف بين الليل والنهار، وترك طواف الوداع، وترك حق الميقات، وهو الذي يسمى دمَ الاساءة، فلا يختلف القول أنه مرتبٌ: الشاةُ، ثم الطعامُ، ثم الصوم.
وأما ما يكون استمتاعاً، كاستعمال الطيب، واللباس، وما في معناهما، أما التعديل، فلا شك فيه في موجَب هذه الطريقة، وأما الترتيب فقولان: أحدهما - أنها
стр. 2279
مرتبةٌ: الدماء، ثم الطعام، ثم الصوم، على التعديل.
والثاني - نص عليه في الإملاء، والمناسك الأوسط - أنها على التخيير، واحتج عليه بقوله تعالى، في فدية الأذى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، الآية، ووجه الدليل أن الآية ليست ناصَّة على الحلق، وإنما هي مشتملة على دفع الأذى، وقد يقع برأس المحرم شَجَّةٌ، فيحتاج في دفع أذاها إلى الستر، والحلق، واستعمال دواء فيه طيب، فليثبت التخيير، غيرَ أنه على التعديل، كما سنصفه في آخر الفصل.
فهذه الدماء على هذا القول ملحقة بجزاء الصيد في الضبط اللفظي. و (١) على القول الأول هي في الترتيب ملحقة بدم التمتع، وفي الكيفية هي ملحقة بجزاء الصيد، ولا حاجة إلى تكلفٍ في إلحاق القَلْم بالحلق، فإنه في معناه، ودم الوقاع ملتحق في التعديل قولاً واحداً، وفي اختلاف القول في الترتيب بدماء الاستمتاعات.
فهذا منتهى الضبط المقصود على طريقة المراوزة.
٢٧٢٣ - (٢ فأما العراقيون، فإنهم ذكروا في الدماء ترتيباً يخالف طريق المراوزة ٢) من أوجه. ونحن نسرد ما ذكروه على وجهه، فنقول:
الدماء المنصوص عليها أربعة: دم التمتع والقِران، ودم الإحصار، وفدية الأذى، وجزاء الصيد، فكل دم وجب عن ترك نسك كدم الإساءة، ودم الرمي، والمبيت، والوداع، ودمِ الفوات. فكلها كدم التمتع في كل وجه؛ فإن التمتع فيه تركُ الإحرام من الميقات.
وكل دمٍ وجب بسبب ترفُّه: كالطيب، واللبس، والمباشرة دون الفرج، فجميع ذلك كدم الحلق، من كل وجه؛ لأن الترفه يجمعها، إلى دم الحلق، فيجب دم مخيّر، مقدّر، شاةٌ، أو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام مقدرٌ معروف في فدية الأذى.
ثم قالوا: دم الإحصار أصلٌ منصوص، لا فرعَ له، يُلحق به.
стр. 2280
ودم الجماع فرعٌ غيرُ منصوصٍ، ولا أصل له في نص الكتاب، وطردوا دمَ الجماع على ما ذكرناه مفصَّلاً في فصل الجماع.
وقد وجدت هذا بعينه مذهب مالك (١) حرفاً حرفاً وليس يكاد يخفى تباين الطريقين.
والآن حان أن نذكر مسلكي الفريقين.
٢٧٢٤ - أما العراقيون، فإنهم راعَوْا شبَها في الترفّه، والنسك، ثم حكموا بهذا المقدار من الشبه بالتقديرات التي لا تتلقّى إلاّ من توقيف، والشبه البعيد لا يقتضيه.
وأما المراوزة، فإنهم رأَوْا التعديل منقاساً، إذا عُدم التوقيف، وقد وجدوا للتعديل ثَبَتاً في النص وطردوا التعديل بمسلكٍ معنوي في كل ما ليس منصوصاً [عليه] (٢) على التفصيل، وترددوا في الترتيب، فهان عليهم تحكيم الشبه فيه، وغلب عندهم [الشبه] (٣) فيما يتعلق بالنسك في الترتيب، وترددوا فيما يتعلق بالاستمتاع.
٢٧٢٥ - ولا يكاد يخفى على من جرى في (٤) مساقنا، وأخذ الفقه على مذاقنا، أن ما ذكره المراوزة أفقه وأغوص، ثم هذا على حسنه يعتضد بنصّ الشافعي، فإنه ذكر دمَ الجماع معدَّلاً، كما مضى، ثم قال: " وهكذا كل واجبٍ عليه فقس به "، فكان هذا تصريحاً منه بتعميم التعديل، في كل ما ليس منصوصاً عليه على التفصيل. وقد وفّينا بذكر الطريقين، والحكم بينهما بعد نجازهما.
فصل
٢٧٢٦ - الدماء الواجبة على المحرم من غير نذر كلها [دماء الجبرانات عندنا] (٥) ومن جملتها دم التمتع والقِران.