← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

ومن اعتدى بترك صوم شهر رمضان، ففي جواز التأخير في القضاء مع الاعتداء في الابتداء وجهان؛ إذ لا يتوجه على التارك المصرّ على الترك في الصيام قتل. فرع: ٢٧١٨ - الجماع إذا طرأ على العمرة، أفسدها ويتعلق به من الكفارة ما يتعلق بالجماع المفسد للحج، ولو طاف المعتمر، ولم يَسْع، وجامع، فسدت العمرة، ووجبت الكفارة العظمى. وإن كان الطواف في العمرة من أسباب التحلل، فاتفق الأئمة على أن التحلل من العمرة لا تدريج فيه، ولا تعدد (١)، وليس كالتحلل عن الحج؛ فإنه ينقسم، ويختلف الحكم فيما يقع قبل التحللين، وفيما يقع بينهما. وقال الأئمة: لو طاف المعتمر، وسعى، ولم يحلق، وقلنا: الحِلاق نسك، فلو جامع قبل الحِلاق، فسدت العمرة، ولزمت الكفارة العظمى، على ما قدمناه. فرع: ٢٧١٩ - القارن إذا جامع وأفسد إحرامه، لزمه قضاء النسكين، ولزمته الكفارة العظمى. وهل يلزمه دمُ القِران؟ فعلى وجهين: أحدهما - يلزمه، ضماً إلى كفارة الجماع. والثاني - لا يلزمه؛ فإنه لم يتمتع بقِرانه؛ إذ فسد عليه، وذاق وبال الإفساد، فليقع الاكتفاء بموجبه. ومما يتعلق بذلك أن القارن لو لم يجر منه صورة الطواف، و [السعي] (٢) قبل الوقوف، فوقف، ورمى جمرةَ العقبة، وحلق. فلو جامع، فالأصح أن الحج لا يفسد، كما تقدم. ثم إذا لم يفسد الحج، لم تفسد العمرة، وإن لم يجر بعدُ من أعمالها شيء، فلا خلاف بين الأصحاب أن العمرة تتبع الحج في الفساد في حق القارن. ولو فات الوقوف، وفات حج القارن بقرانه، ففي فوات العمرة وجهان: أحدهما - أنها تفوت بفوات الحج؛ فإن العمرة في جهة القِران لا تفرد بعمل، ولا حكمٍ، وأيضاًً فإنها تَبِعَتْ الحجَّ في الفساد في حق القارن، فلتتبعه في الفوات.

стр. 2277

والوجه الثاني - أن العمرة لا تفوت؛ فإن من فاته الحج يلقى البيتَ بعملِ معتمر، فإذا كان يعمل عمل معتمر وإحرام العمرة لا يفوت؛ فلا معنى للقضاء بفوات العمرة. فصل قال الشافعي: "وهكذا كل واجب عليه، فقس به ما لم يأت فيه نص ... إلى آخره" (١). ٢٧٢٠ - مضمون الفصل القول في معاقد المذهب في الدماء وأبدالها. وكان شيخي أبو محمد يقسم الدماء على أقصى وجه في التطويل، طالباً بكلامه الاحتواء على الجمل والتفاصيل، وكان يجري مقصودُ الضبط خفيّاً في أدراج الكلام إلاّ على المنتهين. والذي أراه أن أذكر الضوابط لفظاً ومعنى، وأحيلَ التفصيل الخارج عن مقصود الضبط إلى ما جرى وسيجري مفصلاً، وأُنبّهَ على ما يعدَم (٢) الطالب مثلَه في المجموعات (٣). ٢٧٢١ - فأقول: ذكر المراوزة مسلكاً وأنا طارده على وجهه، حتى إذا تم، ذكرت طريقةً أخرى للعراقيين من (٤) أول الضبط إلى آخره. ثم أحكم بين الطريقين بما أتخيله. وأقول في افتتاح طريق المراوزة: الدماء المنصوصة في كتاب الله تعالى أربعة: أحدها - جزاء الصيد، وهو مُعَدَّل في كتاب الله مخيّر (٥)، قال عز من قائل: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، فكفارة الصيد مخيرة في نص

стр. 2278

القرآن معدّلة، ومعنى كونها مخيرة، تخير الملتزم بين الدم، والصوم، والإطعام، ومعنى [التعديل] (١) أن نقدر المثل الواجب مقوماً بالدراهم، ثم نصرف الدراهم إلى الطعام المخرَج في الكفارة، ونقدرها أمداداً، ثم نقابل كلَّ مُدٍ بصوم يوم. فهذا معنى التعديل، واللّقب مأخوذٌ من قوله تعالى ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، والاعتبار بالأسعار المقدرة بمكةَ، حرسها الله تعالى، وتفاصيل جزاء الصيد فيه بابٌ، والغرض وصف كل كفارة بالتخيير، والترتيب، والتعديل، والتقدير. فهذا أحد الدماء المنصوصة. والثاني - دم الحلق، قال الله تعالى ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقد وصفنا هذه الكفارة، وبيّنا أنها مخيّرة، مقدّرة، أما التخيير، فمنصوص في الكتاب، والتقدير متلقى من بيان رسول الله ﷺ في حديث كعب بن عُجرة. والثالث - دم المتعة، وقد سبق شرحها، فهي مُرَتَّبةٌ مقدرة. والرابع - دم الإحصار (٢ وهو دم شاةٍ، وفي بدله، ثم في صفة بدله كلامٌ يأتي في باب الإحصار، إن شاء الله تعالى. فأما دم الإحصار ٢)، فلسنا نبغي أن نلحق يه فرعاً، وإنما الإلحاق بالدماء الثلاثة فنقول: ٢٧٢٢ - جملة الدماء على طريق المراوزة غيرِ المنصوص عليها معدّلةٌ طرداً، وإنما الكلام في الترتيب والتخيير، فكل دمٍ وجب لترك نسك كترك الرمي، والمبيت، والجَمْع في الوقوف بين الليل والنهار، وترك طواف الوداع، وترك حق الميقات، وهو الذي يسمى دمَ الاساءة، فلا يختلف القول أنه مرتبٌ: الشاةُ، ثم الطعامُ، ثم الصوم. وأما ما يكون استمتاعاً، كاستعمال الطيب، واللباس، وما في معناهما، أما التعديل، فلا شك فيه في موجَب هذه الطريقة، وأما الترتيب فقولان: أحدهما - أنها

стр. 2279

مرتبةٌ: الدماء، ثم الطعام، ثم الصوم، على التعديل. والثاني - نص عليه في الإملاء، والمناسك الأوسط - أنها على التخيير، واحتج عليه بقوله تعالى، في فدية الأذى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، الآية، ووجه الدليل أن الآية ليست ناصَّة على الحلق، وإنما هي مشتملة على دفع الأذى، وقد يقع برأس المحرم شَجَّةٌ، فيحتاج في دفع أذاها إلى الستر، والحلق، واستعمال دواء فيه طيب، فليثبت التخيير، غيرَ أنه على التعديل، كما سنصفه في آخر الفصل. فهذه الدماء على هذا القول ملحقة بجزاء الصيد في الضبط اللفظي. و (١) على القول الأول هي في الترتيب ملحقة بدم التمتع، وفي الكيفية هي ملحقة بجزاء الصيد، ولا حاجة إلى تكلفٍ في إلحاق القَلْم بالحلق، فإنه في معناه، ودم الوقاع ملتحق في التعديل قولاً واحداً، وفي اختلاف القول في الترتيب بدماء الاستمتاعات. فهذا منتهى الضبط المقصود على طريقة المراوزة. ٢٧٢٣ - (٢ فأما العراقيون، فإنهم ذكروا في الدماء ترتيباً يخالف طريق المراوزة ٢) من أوجه. ونحن نسرد ما ذكروه على وجهه، فنقول: الدماء المنصوص عليها أربعة: دم التمتع والقِران، ودم الإحصار، وفدية الأذى، وجزاء الصيد، فكل دم وجب عن ترك نسك كدم الإساءة، ودم الرمي، والمبيت، والوداع، ودمِ الفوات. فكلها كدم التمتع في كل وجه؛ فإن التمتع فيه تركُ الإحرام من الميقات. وكل دمٍ وجب بسبب ترفُّه: كالطيب، واللبس، والمباشرة دون الفرج، فجميع ذلك كدم الحلق، من كل وجه؛ لأن الترفه يجمعها، إلى دم الحلق، فيجب دم مخيّر، مقدّر، شاةٌ، أو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام مقدرٌ معروف في فدية الأذى. ثم قالوا: دم الإحصار أصلٌ منصوص، لا فرعَ له، يُلحق به.

стр. 2280

ودم الجماع فرعٌ غيرُ منصوصٍ، ولا أصل له في نص الكتاب، وطردوا دمَ الجماع على ما ذكرناه مفصَّلاً في فصل الجماع. وقد وجدت هذا بعينه مذهب مالك (١) حرفاً حرفاً وليس يكاد يخفى تباين الطريقين. والآن حان أن نذكر مسلكي الفريقين. ٢٧٢٤ - أما العراقيون، فإنهم راعَوْا شبَها في الترفّه، والنسك، ثم حكموا بهذا المقدار من الشبه بالتقديرات التي لا تتلقّى إلاّ من توقيف، والشبه البعيد لا يقتضيه. وأما المراوزة، فإنهم رأَوْا التعديل منقاساً، إذا عُدم التوقيف، وقد وجدوا للتعديل ثَبَتاً في النص وطردوا التعديل بمسلكٍ معنوي في كل ما ليس منصوصاً [عليه] (٢) على التفصيل، وترددوا في الترتيب، فهان عليهم تحكيم الشبه فيه، وغلب عندهم [الشبه] (٣) فيما يتعلق بالنسك في الترتيب، وترددوا فيما يتعلق بالاستمتاع. ٢٧٢٥ - ولا يكاد يخفى على من جرى في (٤) مساقنا، وأخذ الفقه على مذاقنا، أن ما ذكره المراوزة أفقه وأغوص، ثم هذا على حسنه يعتضد بنصّ الشافعي، فإنه ذكر دمَ الجماع معدَّلاً، كما مضى، ثم قال: " وهكذا كل واجبٍ عليه فقس به "، فكان هذا تصريحاً منه بتعميم التعديل، في كل ما ليس منصوصاً عليه على التفصيل. وقد وفّينا بذكر الطريقين، والحكم بينهما بعد نجازهما. فصل ٢٧٢٦ - الدماء الواجبة على المحرم من غير نذر كلها [دماء الجبرانات عندنا] (٥) ومن جملتها دم التمتع والقِران.

стр. 2281

ثم قاعدة المذهب أن جميعَها يتقيد بالجرم، أما لحومها فمفرقة على من يصادف مكة من المستحقين: قاطنين كانوا أو غرباء، وإنما المطلوب أن تقع التفرقة بالحرم. وأما إراقة الدماء، فالمذهب أنه يتعين إراقتها بالحرم، أشار رسول الله ﷺ إلى موضع النحر من منى، وقال: "هذا المنحر، وكل فجاج مكة منحر" (١). وأراد رسول الله ﷺ الحرمَ بذكر مكة، ولا شك أن خِطتها غيرُ معتبرة، وإنما المرعي الحرم (٢) نفسه، ومنى ليس من خِطة مكة، ولكنه من الحرم، والحرم متمادٍ إلى قرب عرفة. ومن أصحابنا من قال: لو وقع الذبحُ والنحر في طرف الحل، ونقل اللحم غضاً طرياً إلى الحرم، جاز، وأجزأ؛ مَصيراً إلى أن المقصود تفريقُ اللحم الغض بالحرم. وهذا ضعيفٌ؛ فإن الإراقة نسكٌ، ولهذا لا يجزئ اللحم إذا اشتراه [ملتزمُ] (٣) الدم وأراد تفريقه. ٢٧٢٧ - هذا أصل المذهب، لا يستثنى منه إلا دمُ الإحصار؛ فإن محِلّه محل الحصر، وسيأتي في باب الإحصار مع طرفٍ من أحكام (٤) الدماء التي وجبت قبل الإحصار. وإذا خالف [ملتزم] (٥) الدم فيما رأيناه واجباً، لم يعتد بما جاء به. والمحل الأفضل في حق الحاج، منى وكذلك القول في هداياه: إن ساقها. ومحل الإراقة في حق المعتمر المروةُ؛ فإنها محل التحلل عن العمرة. كما أن منى محل التحلل عن الحج.

стр. 2282

وذكر شيخي وجهاً غريباً في أن من حلق قبل الانتهاء إلى الحرم، فله أن يفرّق اللحم حيث حلق، واستدل بحديث رسول الله ﷺ مع كعب بن عُجرة، وكان حلقه في محلٍّ بعيدٍ عن مكة، ودل ظاهر كلامه ﷺ على التسليط على إراقة الدماء، وتفرقة اللحم. وهذا بعيدٌ؛ فإن ما ذكره رسول الله ﷺ محمول على إعلامه كعباً ما يجب عليه بسبب الحلق، فأما التعرض [لتنجيز] (١) الإراقة وتعجيل تفرقة اللحم، فلم يتعرض له رسول الله ﷺ . ٢٧٢٨ - وذكر صاحب التقريب وجهاً غريباً على نسق آخر، فقال: كل ما أقدم عليه المحرم من موجبات الدم، وكان مسوَّغاً له بعذرٍ، أو غيره، فله أن يريق الدم حيث شاء، وكذلك يفرّق اللحنمَ. وكل سبب يحرُم الإقدام عليه، فإذا فرض صَدَره (٢) من المحرم، فإراقة الدم الواجب، وتفرقةُ اللحم يتقيدان بالحرم. وهذا نقله وزيفه. وليس من الرأي تشويش أصل المذهب بمثل هذا، والوجه القطع بأن كل دم وجب على المحرم بسبب يسوغ: كالتمتع، والقِران، والحلق مع الأذى، واللُّبس مع الحاجة. أو بسبب غير مسوغ كالمحظورات، مع انتفاء الأعذار، فتفرقة (٣) اللحم في جميعها مقيدةٌ بالحرم. والمذهب تقيّد الإراقة به أيضاً، وفيه الوجه البعيد. ثم لا فرق بين ما يقع في نفس الإحرام، وبين ما يقع بعد التحللين، أو بينهما؛ فإن الرمي وإن وقع بعدَ (٤) التحللين، فهو من توابع الإحرام، فالْتحق به، وكذلك كل ما في معناه. وأما القول في الزمان، فلا يتقيد شيء (٥) من دماء الجبرانات بالزمان، وجميع

стр. 2283

الأوقات صالحةٌ لها، وإنما يتقيد بأيام النحر: الهدايا، والضحايا: المتطوّعُ منها، والمنذور. فصل يجمع ما يُفسد الحجَّ والعمرة، وما يَقْطع إحرامهما ٢٧٢٩ - فأما القول فيما يفسد، فلا خلاف أن الوطء مفسد للنسكين، وقد تفصل القول فيه، وفي موجَبه. ومما يلتحق بذلك الردة إذا طرأت، فالذي ذهب إليه الأكثرون أن الردة كما (١) طرأت، قطعت الإحرام قَطْع الإفساد. ثم اختلف الأئمة أن المرتد هل يخاطب بالمضي في فاسد الحج أم لا؟ ويظهر تصوير ذلك فيه إذا ارتد، فوقع الحكم بالفساد عند الارتداد، ثم عاد إلى الإسلام، فمن أصحابنا من قال: [إنه] (٢) يمضي في الفاسد مضيّ من أفسد الحج بالجماع. ومنهم من قال: لا مضيّ على من فسدت حجته بالردة؛ فإن طريق إفسادها القطع، والاستئصال، وإحباط الأعمال، وهذا يقتضي أن لا [يقع] (٣) الخطاب بعد الردة بفعل. وذكر بعض (٤) أصحابنا وجهاً آخر [أن الردة] (٥) لا تفسد الحج أصلاً، طالت مدتها، أو قصرت. ولكن لا يعتد بما يأتي به في زمن الردة. وقد ذكرنا خلافاً للأصحاب في طريان الردة في أثناء الغُسل والوضوء. وهذا وإن حكاه طوائف من الأئمة، مزيّف غير صحيح.

стр. 2284

فصل قال: " ومن فاته ذلك، فقد فاته الحج ... إلى آخره " (١). ٢٧٣٠ - [مضمون الفصل القول في فوات الحج] (٢)، فنستقصي ما فيه، وإذا انتهينا إلى بابه، أحلناه. فنقول: أولاً - العمرةُ المفردة لا يتصّور فواتُها، وإنما يفرض انقطاع إحرامها قبل تأدية أركانها بالإحصار، كما سيأتي، وهل تفوت العمرة في حق القارن، إذا فات الحج؟ فعلى الخلاف المقدم. ٢٧٣١ - وأما الحج، فإنه يفوت بفوات الوقوف، وعلى هذا يحمل قوله ﷺ : " الحج عرفة، فمن وقف بعرفة، من ليل أو نهار، فقد تم حجه " (٣) والمعنيُّ بالتمام الأمن من الفوات. ثم المتطوّع بالحج إذا أحصر، وتحلل، لم يلزمه القضاء، وسيأتي [ذلك] (٤) في باب الإحصار. وإذا فاته الوقوف، لزمه القضاء، كما يلزمه القضاء إذا أفسد الإحرام. ولعل السبب فيه انتسابه إلى التقصير، أو إلى ما يدنو منه. وإذا فرض الفوات مترتباً على سبب الإحصار، ففي وجوب القضاء قولان. وتصويره أن يؤم مكة محرماًً، من طريق قريبة، فيصدّه العدّو من ممره في الطريق القاصد، فينحرف إلى مسلكٍ فيه بعضُ الطول، وقد قرب الزمان، فإذا فعل ذلك،

стр. 2285

ففاته الحج المتطوع به، فهذا فواتٌ سببه الإحصار والصدّ، فهل يجب القضاء؟ فعلى قولين: أحدهما - يجب لأجل الفوات. والثاني - لا يجب لترتب الفوات على الصدّ، وكذلك لو صُدّ وحبس، ثم انجلى الحصر، فاندفع، ففاته الحج لضيق الوقت، والأمر على ما ذكرناه من الخلاف. ٢٧٣٢ - ثم إذا ثبت وجوبُ القضاء على من فاته الحج، فيجب مع القضاء دمٌ وفاقاً. ولا خلاف أن صفته صفةُ دم التمتع، اتفقت الطرق عليه. وإنما لم ندرجه في تقاسيم الدماء، لنفرد ذكره، والسبب (١) فيما ذكرناه ظهور الشبه، وبلوغُه مبلغ الوضوح؛ فإن المتمتع يتحلل من نسك، ويتحرم بآخر، ومن فاته الحج يفعل ذلك، ولكن القضاء يقع لا محالة في السنة الثانية. ٢٧٣٣ - ثم نذكر قبل تفصيل الدم وبدلِه أصلاً آخر في الفوات، فنقول: من فاته الوقوف، فلا بد وأن يلقى البيت، ثم اختلف نص الشافعي، فقال في موضعٍ: " يطوف ويسعى " وقال في موضع: " يطوف ". واختلف أئمتنا، فمنهم من قال في المسألة قولان: أحدهما - أنه يأتي بعمل معتمرٍ، فيطوف، ويسعى، ويحلق، إن جعلنا الحِلاق نسكاً. والقول الثاني - أنه يقتصر على الطواف؛ فإن الغرض لُقيان البيت، وإلا فما يأتي به غيرُ محسوبٍ عن حج، ولا عمرة. ومن الدليل على ذلك أنه لا يأتي بالمناسك التابعةِ كالرمي، والمبيت، فليقع السعي في معناها. ومن أئمتنا من قطع بأنه يطوف ويسعى، وحمل نص الشافعي عند ذكره الطواف، على اقتصاره على بعض ما عليه موجِزاً، وذلك معتاد في الكلام. ثم من جعل المسألة على قولين، أوجب مع الطواف الحلقَ، إذا جعلنا الحلق نسكاً. هكذا ذكره الصيدلاني وغيرُه، وذلك لأنه مختص باقتضاء التحلل إذا قدرناه نسكاً، وسيظهر أثره في باب الصدّ إن شاء الله تعالى.

стр. 2286

٢٧٣٤ - فإذا ثبت ما ذكرناه، عادَ بنا الكلام بعده إلى تفصيل دم الفوات: هو دم شاة إن وجده المرء، فإن لم يجده، صام ثلاثة أيامٍ، وسبعةً، على ترتيب صيام العشرة في حق المتمتع. ثم اضطربت طرق الأئمة (١) فيما يقع صيام الثلاثة فيه، فذكر المراوزة مسلكين: وقد جمعهما العراقيون، وذكروا قولين، ونحن نقتصر على ما ذكروه؛ فإنه يجمع الطرقَ، قالوا: في المسألة قولان في وقت إخراج الدم: أحدهما - أنه يخرجه في الحج الفائت، كما لو أفسد حجَّه، فإنه يخرج دمَ الفساد في ذلك العام. والثاني: أنه يخرج الدم في الحجة المقضية؛ فإن الحجة المقضية تناظر الحجة من نسكي المتمتع، ودم التمتع إنما يجب بالخوض في الإحرام بالحج، فليكن الأمر كذلك في الفوات والقضاء. وحقيقة القولين ترجع إلى أن الدم متى يجب؟ قالوا: إن قلنا يخرجه في سنة الفوات، فقد بان أن الوجوب ثابت، وأن الفوات أوجب شيئين: الدمَ، والقضاء. فله تعجيل أحد الواجبين، وتأخير الثاني إلى وقت الإمكان. وإن قلنا: يخرج الدم في حجة القضاء، فالوجوب في أي سنة؟ قالوا في المسألة وجهان: أحدهما - أن الوجوب عند التحريم بالقضاء، قياساً على التمتع. والثاني - أن الوجوب بالفوات، ولكنه لا يخرج الدمَ، لنقصان الحج الفائت. وهذا الذي ذكروه في الدم فيه بعض الخبط؛ فإنا إن قلنا: وجوب الدم بالخوض في القضاء، فالقول في تقديم إراقة الدم على الخوض في القضاء يخرج على الخلاف المذكور في أن المتمتع لو أخرج الدم بعد الفراغ من العمرة، قبل الشروع في الحج، فهل يعتد بما أخرجه؟ والقياس الاعتداد به، اعتباراً بتقديم الكفارة المالية على الحِنث. وإذا أخرج الدم وهو ملابس للعمرة، لم يتخلل منها، ففي الإجزاء خلاف قدمته. فإذا كان الأمر كذلك حيث نقول: لم يجب الدم بعدُ، فكيف ينقدح المصير إلى أن

стр. 2287

الفوات يوجب الدم، ثم يتوقف جواز إخراجه في وجهٍ على القضاء المنتظر؟ وإنما يستقيم هذا التردد في الصوم، ونحن ذاكروه الآن. ٢٧٣٥ - فإن قلنا: وجوب الكفارة موقوف على الخوض في القضاء، فصيام الأيام الثلاثة يقع في القضاء لا محالة، فإن الكفارة البدنية لا تقدّم على وقت وجوبها، من غير ثَبَتٍ وترخيصٍ من الشارع، فيصوم في القضاء ثلاثة أيامٍ وسبعةً إذا رجع، على ما مضى تفسير الرجوع. وإن قلنا: الكفارة تجب بالفوات، فهل يصوم الأيام الثلاثة، وهو ملابس للحجة الفائتة؟ فعلى وجهين: أحدهما أنه يصوم؛ لأن الفوات هو الموجب، وقد تحقق. والوجه الثاني - لا يصوم؛ فإنه في إحرامٍ ناقص. وإنما اضطرب الأصحاب في ذلك بسببين: أحدهما - أن الفوات رأوْه موجباً للكفارة، ثم انضم (١) إليه أن من فاتته الحجة في نسك ناقصٍ، وصيامُ الأيام الثلاثة يقع في حج كامل، والجمع بين القضاء والكفارة، وأصل الحج متطوَّع به مشكلٌ في القياس. والأَوْجَه، وهو الذي قطع به الصيدلاني إثبات الصوم في القضاء. فهذا بيان ما قيل. ٢٧٣٦ - ثم ذكر صاحب التقريب وراء ذلك قولاً بعيداً مخرّجاً فقال: ذهب بعض الأصحاب إلى أن من فاته الحج، يلزمه دمان: أحدهما - في مقابلة الفوات، والثاني - لأنه في قضائه يضاهي المتمتع؛ لأنه تحلل عن الأول، ثم شرع في الثاني، وقد تخلل بين التحلل والشروعِ في القضاء التمكنُ من الاستمتاع، وتحلله لم يكن عن حج، [وإن كان شروعه في حج] (٢). ٢٧٣٧ - وقد تردد الأئمة في أن من أحرم بالحج قبل أشهر الحج، فهل يكون إحرامه عمرة؟ ولم يترددوا في أن ما يأتي به من فاتته الحجة ليس بعمرة. وإن قلنا: إنه يطوف ويسعى.

стр. 2288

وذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص وجهاً أن أعمال من فاته الحج عمرةٌ على الحقيقة، ولا شك أن هذا يخرج على قولنا: إنه يطوف ويسعى، وغالب ظني أنه قرع مسامعي وجهٌ ضعيف، حكاه [شيخي] (١) في انصراف فعل من فاته الحج إلى عمرة، ولست واثقاً بهذا، فالتعويل على ما قدمته. فصل قال: " ولا يدخل مكة إلا بإحرام ... إلى آخره " (٢) ٢٧٣٨ - اختلف قول الشافعي في أن الغريب إذا دخل مكة لشغلٍ له، فهل يلزمه أن يدخلها محرماًً؟ قال في أحد القولين: يلزمه ذلك، لإطباق الخلق عليه، والاتفاق العملي [يُعبِّر] (٣) عن السُّنن في حكم العادة. والقول الثاني - إنه لا يجب؛ فإن سبيله سبيل تحية البقعة، والتحية لا أصل لوجوبها. ثم كل من يدخل مكة من الحل، سواءٌ كان مُنشئاً سفره من ميقاتٍ، أو من مكان دون الميقات، ففيه القولان: إذا لم يكن متردداً إلى مكة في شغلٍ يتعلق بمصالح أهلها، كتردد الحطّابين وأصحاب الروايا (٤) ومن في معانيهم. فأما المترددون على ما وصفناهم، ففيهم طريقان: من أئمتنا من قطع بأنه لا يلزمهم الإحرام؛ فإن ذلك يشق عليهم، وقد تتداعى ضرورةٌ إلى أهل مكة لانقطاع منافع المترددين عنهم، وإلى هذا ذهب المعظم. وصار آخرون إلى طرد القولين في الحطّابين. وهذا وإن كان يتجه في المعنى،

стр. 2289

حملاً على طرد القياس، فظاهر المذهب القطعُ. ثم إذا أوجبنا الإحرام على من يدخل مكة، فإن دخلها بنسك مفروضٍ عليه، سقط عنه حق الحرم، كما تسقط تحية المسجد عمن يدخله ويقيم فريضةً فيه. ٢٧٣٩ - ولو دخل مكة محلاً على قولنا بوجوب الإحرام، ففي وجوب القضاء، على هذا القول قولان: أحدهما - لا يجب القضاء؛ فإن القضاء غير ممكن؛ إذ لو خرج ليقضي، فعوده يقتضي إحراماً جديداً، فلا يمكنه تأدية القضاء كذلك. والقول الثاني - يجب القضاء؛ فإنه ترك إحراماً محتوماً، فيلزمه التدارك. فإن قلنا: لا يلزمه القضاء، اقتصرنا على التأثيم والتعصية، وإن قلنا: يلزم القضاء، فالذي ذهب إليه المحققون أن سبيل القضاء أن يخرج ويعود بإحرام، فإن قيل: عوده يقتضي إحراماً، [قلنا: قد ذكرنا أن دخول مكة لا يقتضي إحراماً] (١) مقصوداً، ولا يمتنع أن يقع الإحرام عن جهة، ويتأدى به حقُّ الدخول، فليقع إحرامه في العود قضاء، ثم يتأدى به حق هذه الدخلة. وذهب بعضُ الأصحاب إلى أنا إذا أوجبنا القضاء، فالوجه في الوفاء به أن يتصف بصفة المترددين؛ حتى يصير من الذين لا يلزمهم الإحرام لدخول مكة، فيقع القضاء من داخلٍ لا يلزمه لدخوله الإحرام. وهؤلاء ألزموه ذلك، وهو في نهاية البعد. وقد نسب هذا إلى صاحب التلخيص، وهو في الحقيقة ذهاب عن حقيقة الفصل. نعم من الأسرار أنا إذا أوجبنا القضاء، فلو خرج، وعاد بعمرة منذورة، لم يقع هذا موقع القضاء، فليقع القضاء مقصوداً، وإن كان ابتداء الدخول لا يقتضي إحراماً مقصوداً. هكذا ذكره شيخي. وهو حسن؛ فإن الدخول من غير إحرام ألزمه إحراماً، كما يُلزم النذر الناذرَ. ٢٧٤٠ - وذكر صاحب التلخيص أن العبيد لا يلزمهم الإحرام لدخول مكة؛ فإنهم مستغرقون بحقوق السادة، ثم لا فرق بين أن يأذن لهم مولاهم في دخولهم مكة، وبين

стр. 2290

أن يدخلوها من غير إذن. فإن الإذن في الدخول لا يتضمن إذناً في الإحرام. اتفق الأصحاب عليه. وإن أذن السيد للعبد في أن يدخل مكة محرماً، فقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من ألزمه الإحرام على القول الذي يُلزم الحرّ. ومنهم من لم يلزمه، وهو الأقيس، من جهة أن الإذن لا يطلقه عن أسر الرق، والدليل عليه أن العبد لا يلزمه حضور الجمعة، سواء أذن له السيد في حضورها أو لم يأذن. وحكى صاحب التقريب وجهاً غريباً في الحطّابين أنه يجب عليهم أن يدخلوا مكة في السنة مرة واحدة محرمين. وهذا لا أصل له. وإذا (١) حكى هو مثلَ هذا بالغ في تزييفه. ...

стр. 2291

باب الصبي يبلغ والمملوك يعتق ٢٧٤١ - ذكرنا معظم أحكام إحرام الصبيان، وكنا أخرنا إلى هذا الباب مسائلَ، حتى لا نخليه عن غرضٍ. فإذا خرج الوليّ بالصبي محرماًً، فالنفقة الزائدة بسبب سفرة الحج على من تجب؟ ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنها تجب في مال الوليّ؛ فإنه ورّط الصبيَّ فيها، مع الاستغناء عنها. والوجه الثاني - أنها تجب من مال الطفل؛ فإن هذا لا ينحطّ عن بعض المصالح القريبة، التي لا تبلغ مبلغ ما لا بد منه، ولو أنْفق الوليّ في تعليم الطفل شيئاً غير محتوم، ساغ له ذلك، فليكن الحج بهذه المثابة. ومما نذكره في هذا الباب أن الصبي إذا بلغ قبل فوات الوقوف، ووقف بعد البلوغ، فقد ذكرنا أن حجه يقع عن فرض الإسلام، ولو أفاض وهو صبي، وبلغ بمزدلفة، وانقلب إلى عرفةَ، ووقف بها بعد البلوغ، فالجواب كما قدمناه. فالحجة تقع عن فرض الإسلام. ولو بلغ بمزدلفة، وتمادى، ولم يرجع إلى الموقف، فالمذهب أن حجه لم يقع عن حجة الإسلام. وحكى العراقيون عن ابن سريج وجهاً: أنه قال: إذا بلغ في وقت الوقوف، (١ وإن لم يعد للوقوف بعد البلوغ، واقتصر على ما سبق منه من الوقوف ١) في صباه، فالحج يقع عن فرض الإسلام. خرّجه على ما ذكرناه من أن الصبيّ إذا سعى في صباه قبل الوقوف، ثم بلغ ووقف، فهل يلزمه إعادة السعي، أم يكتفى بما صدر منه في الصبا؟ وفيه الخلاف المقدم.

стр. 2292

ولا خلاف أنه لو بلغ يوم النحر، فلا يقع الحج عن فرض الإسلام؛ لأنه لم يدرك نفسَ الوقوف، ولا وقتَه في البلوغ. فهذه مسائلُ كنا أخرناها إلى هذا الباب. ٢٧٤٢ - فأما العبد البالغ، فإحرامه ينعقد بعبارته، ولا ينعقد إحرام المولى عنه، والقول في العبد البالغ العاقل. ولو أحرم العبد بإذن السيد، انعقد إحرامه ولزم، ولا يملك السيد تحليله، إذا كان الإحرام صادراً عن إذنه. وإن أحرم بغير إذنه، انعقد إحرامه وللسيد تحليله. ٢٧٤٣ - وفي الزوجة إذا أحرمت بالإذن وغيرِ الإذن وفي كيفية تحليل العبد تفصيلٌ. والذي أراه تأخير هذه الفصول إلى آخر باب الحصر، فإنها متعلقةٌ بأحكام الصدّ، ولو رُمنا بيانها، لاحتجنا إلى ذكر طرفٍ صالح من أحكام الحصر. والله أعلم ***

стр. 2293

باب من أهل بحجتين أو بعمرتين ٢٧٤٤ - من أهلّ بحجتين، انعقد إحرامه بإحداهما، ولغا الثاني. وقال أبو حنيفة (١): ينعقد الإحرام بهما، ثم إذا اشتغل بأعمال النسك ارتفض ما سوى الحجة الواحدة، ثم يتعلق بالذمة بعد الارتفاض تعلق المنذورات، فيجب إبراء الذمة عنها. ومما ذكره بعض الحذاق أنا إذا قلنا: الإحرام بالحج في غير أشهر الحج عمرة، فلا يمتنع أن نجعل المحرم بحجتين محرماً بحجة وعمرة، حتى يصير قارناً، وهذا بعيدٌ، وإن كان يتجه بعض الاتجاه. وإدخال الحجة على الحجة، والعمرة على العمرة لاغٍ، لا يتضمن إلزاماً ولا عقداً كالجمع في ابتداء الإهلال. ...

стр. 2294

باب الإجارة على الحج ٢٧٤٥ - الاستئجار على الحج جائز عندنا، ولأصحاب أبي حنيفة (١) خبط في ذلك، لا حاجة بنا إلى ذكره. ثم الاستئجار إنما يصح عن العاجز عن مباشرة الحج بنفسه، وقد مضى تفصيلُ القول في العجز عن المباشرة في أول الكتاب، عند ذكرنا تفصيل الاستطاعة، فليقع الاعتناء بتفصيل الإجارة، مع الاكتفاء بما تقدم في بيان محلها. ثم الاستئجار يفرض على وجهين: أحدهما - أن يتعلق بعين الأجير. والثاني: أن يتعلق بذمته إلزاماً، والغرض تحصيله، والملتزِم إن شاء حصله بنفسه، وإن شاء حصله بغيره. فأما الاستئجار المتعلق بعين الأجير، فصورته أن يقول المستأجر: استأجرتك لتحج عني السنةَ، فهذه إجارة صحيحة، إذا كان خروج الأجير ممكناً. ثم يشتغل الأجير بالتأهب للخروج، فإن أمكنت رفقة، فتوانى عن الخروج معها منتظراً أخرى، أُلزم الخروج، وإن كانت الرفقة في التأهب، لم يكلف الأجير أن يسبقها منفرداً، والرجوعُ في مثل ذلك إلى العادة. والمُلتَمَسُ من الأجير أن يخرج مبتدراً (٢)، مع الاقتصاد بالجريان على موجَب الاعتياد في التشمير، وترك التقصير. ومما يمتزج بما نحن فيه، وبقواعد الإجارة بعد ذلك: أن طيّ المسافة إلى الميقات ليس مقصوداً في نفسه، وإنما المقصود الحجُّ، ولكن لا وصول إلى تيك المشاعر إلا بقطع الطريق، فهو من عمل الأجير، والتعبُ عليه فيه كالنَّصَب في إقامة

стр. 2295

الحج، ولكن غرض المستأجر الحجُّ الواقعُ بعد قطع المسافة، فليكن الفقيه على فهمٍ وبصيرة فيما ألقي إليه، وسيكثر انتساب مسائل الإجارة إلى ما نبهنا عليه. فإذا استأجر أجيراً في بقية السنة لحَجَّة السَّنَة، والزمان يضيق عن إمكان طيّ المسافة، فالإجارة فاسدة، ولو كان الزمان على قدر الإمكان، فالإجارة صحيحة. وإن كان الزمان بحيث لو قيس بالمسافة، واعتبر الإمكان المقتصد لزاد (١) الزمان، فالاستئجار على حجة السنة جائزٌ، والحالة هذه. اتفق الأصحاب عليه، وهذا يعدّ من التوسع في الإمكان على مهَلٍ بلا عسر، وهذا بيّن في العادة. ٢٧٤٦ - ولو استاجر معيّناً لحجة السنة، والخروج في الحال متعذِّرٌ، فقد ألحق العراقيون هذا بالاستئجار المقترن بالعسر، وذلك فاسد، كاستئجار الدار المغصوبة، ولا نظر إلى ارتقاب زوال العسر توقعاً لا ضبط له. وقال شيخي: الاستئجار على الخروج في هجمة الشتاء، وازدحام الأنداء (٢)، جائز إذا كان الوصول ظاهرَ الإمكان، عند زوال هذه الموانع؛ فإن توقع زوالها مضبوطٌ، وقد رأيت الإشارة إلى منع ذلك في الإجارة الواردة على العين، وفيها تدبُّر الكلام. والسبب فيه أن الاشتغال بالعمل عسر في الحال، وليس كانتظار رفقة ستنشأ على قرب. فهذا ما أردناه في الإجارة الواردة على العين، مع التقييد بحَجَّة السنة. ٢٧٤٧ - فإن استأجر معيّناً على أن يحج السنةَ القابلة، والحجةُ ممكنة في السنة القريبة، سنةِ الإجارة، فالإجارة فاسدة عند الأئمة، نازلةً منزلة استئجار الدار الشهرَ القابل. وهذا قياسٌ بيّن في إجارة الأعيان عندنا، [فحقها] (٣) أن تستعقب الاستحقاقَ من غير استئخار. ولو كان الاستئجار من مسافةٍ شاسعة، لا يتوقع قطعُها في سنةٍ، فمن ضرورة

стр. 2296

تقدير الإجارة من مثل هذه المسافة أن يمر بالأجير زمانُ حجٍّ، وهو في الطريق، فلا منع والإجارة سائغةٌ، وذلك الحج القريب، إذا لم يكن ممكن الحصول، فلا حكم له، والنظر إلى تواصل السير، وهو من عمل الأجير، وإن لم يكن مقصود المستأجِر. ولو استأجر رجلاً بعينه ليحج عنه، وأطلق الإجارة الواردة على العين، وكان الزمان الباقي من السنة بحيث يسع الحجَّ على يسر، فالإجارة المطلقة صحيحة، وهي محمولةٌ على الإجارة المقيّدة بحجة هذه السنة، فإن اتفق إيقاع الحج، فذاك، وإن أخرها الأجير، ولم يخرج، انفسخت الإجارة، كما لو تقيدت بحجة (١) هذه السنة، فالمطْلَقةُ مُنَزَّلةٌ على حكم المقيدة، وإذا حكمنا بالانفساخ، لم يخْف أن الأجير لو أتى بالحجة في السنة الثانية، لم تقع عن المستأجر. فهذا تفصيل القول في تصوير الإجارة الواردة على العين. ٢٧٤٨ - فأما الإجارة الواردةُ على الذمة، فتصويرها هيّن، وذلك أن يقول المستأجر لمن يخاطبه: ألزمتُ ذمتك حجةً تُحَصِّلها بكذا، فهذا جائز، وهو مطّردٌ في جملة الأعمال المنتحاة المقصودة بالإجارة. ثم هذا القسم ينقسم إلى مقيد بالتأخير، وإلى مقيّدٍ بالتعجيل، وإلى مطلق. فأما المقيد بالتعجيل، فهو سائغ؛ فإنه لا يمتنع ثبوتُ الشيء على حكم الدَّين حالاًّ، والدَّين ينقسم إلى الحالّ، والمؤجل. ثم إذا كان الأمر كذلك، فإن اتفق الوفاء بتحصيل الحج في الأمد المضروب، فهو المراد. وإن لم يحصِّل الملتزم ما التزمه في ذلك الوقت المعين، فقد ذكر الأئمة طريقين: أما العراقيون، فقد قطعوا القول بأن الإجارة لا تنفسخ، ولكن المعضوب المستأجِر يتخير في فسخ الإجارة؛ من حيث تعذر حصول مقصوده في الوقت المضروب،

стр. 2297

ولا تنفسخ الإجارة بنفسها، فإن الدَّين إذا تعذر في الوقت (١) المضروب، لم يُقْضَ بانقطاعه. وقال شيخي وغيرهُ من أئمة المراوزة: في المسألة قولان مأخوذان من القولين في السّلَم إذا حل وجنس المسلَم فيه مُنقطعٌ ٢) في أوان المَحِلّ، ففي ذلك قولان: أحدهما - أن السلم ينفسخ، والثاني - لا ينفسخ، وللمسلم الخيار: إن شاء فسخَ وإن شاء أَنْظَر إلى وجود الجنس المطلوب في مستقبل الزمان. فقد حصلنا على طريقين. والمسألة محتملة التشبيه (٣) بصورة القولين في السلم، ولا يبعدُ اعتقاد قطعها عن السلم كما ذكره العراقيون؛ فإن الحج كان ممكناً في تلك السنة، ولم يعم العسرُ أصلَه، حتى يُلحَقَ بانقطاع جنس المسلم فيه. هذا كله في الإجارة الواردة على الذمة، إذا قيدت بالتعجيل (٤). فأما إذا قيّدت بالتأخير، فقال المستأجر ألزمت ذمتك تحصيل الحجة في السنة الآتية الثانية، فهذا جائز وفاقاً. والإجارة المطلقة الواردة على الذمة بمثابة المقيدة بالتعجيل، وقد سبق القول فيها. ٢٧٤٩ - وذكر (٥ الصيدلاني في صورة إجارة الذمة أن المستأجرَ إذا قال: ألزمت ذمتك أن تُحَصِّل لي حَجَّة بنفسك فالإجارة صحيحة، ومتضمّنها أن ٥) يكون هو الحاج، ولا ينيبَ غيرَه مَناب نفسه، وهي من قسم إجارة الذمة، ثم مقتضاها أنها لو قيّدت بالحجة المنتظرة في السنة الثانية، صحت الإجارةُ كذلك؛ فإن الدَّيْن يقبل هذا. وهذا زلل عظيم؛ فإن ربط الشيء بمعيّن، حتى لا يقوم غيره مَقامه، مع اعتقاد

стр. 2298

التحاق ذلك بالديون، متناقضٌ، والإجارة الواردة على الذمة قسمٌ من أقسام السّلم، والسّلَم في ثمرة شجرة معينةٍ باطلٌ، لما بين التعيين والدَّيْنيّة من التناقض، و [هذا] (١) الذي ذكرناه منصوص الطرق في هذه المسائل (٢). ولكن ما ذكره الشيخ أبو بكر هو الذي حكيناه، وصار في تعليله إلى أن الناس لهم مقاصدُ في أعيان من يحج، فثبت الأمر على التعيين لذلك. فنقول: عافاك الله، فلنثبت هذا المقصودَ إجارةً واردة على العين؛ إذ لا امتناع في ورود الإجارة على العين. وكل من استؤجر عينُه، فحق عليه الوفاءُ بما التزمه، ففي كل إجارةٍ معنى الإلتزام. فرع: ٢٧٥٠ - قال العراقيون: إذا وردت الإجارة على الذمة، وتقيدت بالتعجيل، ثم لم يف الملتزم في ذلك الوقت، فالمستأجِر بالخيار في فسخ الإجارة، كما تقدم. هذا إذا كان المحجوج عنه حياً معضوباً. فأما إذا كان ميتاً، فقد قال العراقيون: لا خيار في فسخ الإجارة، وفرقوا بأن الحيّ إذا استأجر، ثم تعذر (٣) الوفاء بالمطلوب، استفاد المستأجِر بالفسخ استرداد الأجرة، والتبسط فيها، وهذا لا يتحقق في حق الميت، فإن أجرة الأجير مستحقَّةٌ لتحصيل الحج، فلا انتفاع باستردادها. وهذا الذي ذكروه فيه نظر، ولا يمتنع أن يثبت الخيار للورثة؛ نظراً للميت، ثم يستفيدون باسترداد الأجرة صرفَها إلى جهة هي أحرى بتحصيل المقصود. فهذا منتهى القول في تصوير الإجارة. فإذا تصوّرت يقع الكلام بعد ذلك في فصول.

стр. 2299

الفصل الأول في الإعلام وتوقي الجهالة ٢٧٥١ - أما الحج، فلا حاجة إلى الإعلام [فيه] (١)، فإن أعماله معلومة، فإن جهلها أحد المتعاقدين، أثر ذلك في إفساد الإجارة؛ إذ كون الشيء معلوماً، لغير العاقدين غيرُ كافٍ في تصحيح العقد، ولكن الغالب أن أعمال الحج لا تخفى، فجرت المسألة للشافعي بناء على الغالب. واختلف نص الشافعي في أنه هل يشترط في صحة الإجارة إعلام الميقات الذي يُحرم الأجير منه؟ واختلف الأصحاب: فقال بعضهم: في وجوب إعلام الميقات قولان: أحدهما - يجب الإعلام؛ فإن المواقيت مختلفة [في] (٢) المسافات، والأغراضُ تختلف بذلك، وكلُّ ما يختلفُ ويختلف الغرض باختلافه، فالتعرض له واجبٌ في العقد الذي يجب الإعلام فيه. والقول الثاني - أنه لا يجب إعلام المواقيت؛ فإنه لا وقع لاختلافها في الشرع، والإحرام من الميقات القريب، كالإحرام من أبعد المواقيت. ومن أصحابنا من نزّل النصين على اختلاف حالين، وقال: إن لم يكن على الصَّوْب الذي يؤمّه الأجيرُ إلا ميقات واحد، فلا حاجة إلى التعرض له. وإن كان الطريق في ممره يتشعب ويزْوَرُّ، ثم تُفضي شُعْبة (٣ إلى ميقاتٍ بعيدٍ وتفضي الأخرى ٣) إلى ميقات قريب، فلا بد والحالةُ هذه من التعرض للإعلام. وموجَب هذه الطريقة في تنزيل النصين على الحالين، يقتضي أن يقال: إذا اتحد الميقات في جهةِ ممر الأجير، فليس له أن يميل عنه، إلى جهة أخرى، ميقاتها أقرب من ميقات الممر المعتاد.

стр. 2300

وذكر العراقيون تنزيلاً آخر للنصين، فقالوا: إن كان الاستئجار من حيٍّ، فلا بدّ من التعرض لتعيين الميقات؛ فإن أغراض الأحياء تتفاوت وتختلف، وإن كان الاستئجار عن (١) ميت، فلا حاجة إلى تعيين الميقات؛ فإن الغرض تحصيل الحج للميت. وهذا غير سديد، ولا يستدّ إلا تخريج المسألة على قولين؛ من جهة أنه اشترك فيها تفاوتُ تعب الأجير بطول المواقيت وقصرها، مع قضاء الشرع باتحاد الحكم في جميعها، فتضمن تعارضُ هذين المعنيين اختلافَ القول. فهذا ما أردناه في فصل الإعلام. الفصل الثاني في ارتكاب الأجير شيئاً من المحظورات في الحج، من غير إفساد ٢٧٥٢ - فنذكر منها ما يتعلق بالإساءة في الميقات، ثم يَقيس الناظر ما عداه عليه. فإذا انتهى الأجير إلى الميقات، فجاوزه مسيئاً، ثم أحرم، ولم يعد إلى الميقات، فيلزمه دم الإساءة، وينصرف الحج إلى المستأجِر، وهل نحط عن أجرة الأجير شيئاً، لتركه بعضَ العمل المستحَق عليه بالإجارة؟ فعلى قولين: أحدهما - أنا نحط قسماً من الأجرة، وهو المنصوص عليه هاهنا، وتعليله تركُه بعضَ العمل، والجبرانُ الذي يخرجه ليس عملاً مقابَلاً بالأجرة، وإنما المقابَل بالأجرة صورة (٢) الأعمال، والفديةُ، لزمت الأجيرَ حقاً لله تعالى، لتركه حرمةَ الميقات، فلا تعلّق لما يجب لله بما يتعلق بحق الآدمي. والقول الثاني - أنا لا نحط شيئاً من أَجْرِه على تفصيلٍ، سنذكره. ووجه ذلك أن المجاوزة إن كانت، نقصاناً، فالفدية جبران في الشرع، فإذا ثبت الجبران، فكأَنْ لا نقصان.

стр. 2301

التفريع على القولين: ٢٧٥٣ - إن قلنا: لا نحط لمكان الجبران الحاصل في مقابلة النقصان، فهل ننظر إلى قدر قيمة الدم، حتى نقيسَه بقدر الأجر في مقابلة العمل المتروك؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: لا نعتبر ذلك، وهو الأقيس على هذا القول؛ لأن التعويل على حصول الجبران، فإذا قضى الشرع به من غير نظر إلى قدر القيمة، فلا ينبغي أن يكون بالقيمة اعتبار: زادت، أو تماثلت، أو نقصت. ومن أصحابنا من اعتبر المقابلة، بين قيمة الدم وبين أجرة العمل المتروك. ووجهُ هذا على غرض قائله لائح؛ فلا نتكلفه. فعلى هذا إن تماثلت قيمةُ الدم، أو زادت، فلا حط، وإن نقصت قيمة الدم عن أجر المتروك، جَبَرْنا مقدار القيمة، وحططنا الزائدَ من الأجر. هذا إذا فرعنا على النظر إلى الجبران. ٢٧٥٤ - وإن قلنا: أجر العمل المتروك محطوط، ولا التفات إلى ما جرى من جبران، فما المعتبر في كيفية التوزيع؟ واختلف أصحابنا في المسألة. ولا يتأتى الوقوف على حقيقة الاختلاف إلا بتقديم أصلٍ مقصودٍ في نفسه، ومنه يبين الغرضُ، فنقول: إذا استأجر رجلٌ أجيراً ليحج عنه والخَرْجَة من نَيْسابور مثلاً، فإذا انطلق الأجير، وانتهى إلى الميقات المطلوب منه حجُّه عن مستأجِره، فلو أحرم بالعمرة عن نفسه، ودخل مكةَ، وطاف، وسعى، وحلق، ثم حج عن مستأجِره من جوف مكة، فالحجة تنصرف إلى المستأجِر، وفيما يستحقه الأجير قولان: أحدهما - توزع الأجرة المسماة على حجة تُفرض من الميقات، وعلى أخرى تُفرض من جوف مكة، فإذا قيل لنا: حجةٌ من الميقات تساوي عشرة، ومن جوف مكة تساوي تسعة، فقد تبينا أن بين التقديرين العُشرْ، وكان المطلوب من الأجير أن يحج من الميقات، فإذا حج من مكة، فقد ترك عُشر العمل، فنحطُّ عشرَ الأجرة المسماةِ على هذه النسبة، ووجه هذا القول أن المطلوب من الأجير الحجُّ، وابتداؤه من الإحرام، فليقع التوزيعُ من هذا المبتدأ.

стр. 2302

والقول الثاني - أنا نُدخل المسافةَ التي قطعها من البلدة التي خرج منها في الاعتبار، ونقول: حجةٌ منشأ سفرها من نيسابور، وإحرامها من ذاتِ عِرْق كم أجرُها؟ فيقال: عشرون. ثم نعود فنقول: حجة منشؤها من مكة، من غير فرض قطع مسافة إليها، كم أجرها؟ فقد يقال: ديناران، فبين التقديرين التسعة الأعشار. فنقول: إذا صرف الأجير المسافة إلى عمرته، ولو أراد من غير فرض إجارة أن يعتمر عن نفسه، لكان سبيله أن يخرج على هذا الوجه، وإذا أدخلنا المسافة في الاعتبار، ثم صرفناها إلى جهة العمرة، فلا يبقى إلا مقدارُ العُشر على التقدير الذي ذكرناه، فله إذاً من المسمى عُشْرُه. وهذا الاختلاف ينشأ من أصلين: أحدهما - إدخال المسافة قبل الإحرام في الاعتبار، والآخر تقدير صرف السَّفْرة إلى العمرة. هذا موجب أحد القولين. وموجَب القول الآخر إخراج السَّفرة من الاعتبار، وردُّ النظر إلى الميقات ومكة. ٢٧٥٥ - ومما يتفرع على هذا الأصل أنه لو اعتمر من الميقات، كما ذكرنا، ثم (١) لما قضى عمرته عاد، وأحرم بالحج عن مستأجره من الميقات، وهذه صورة يسقط فيها دم التمتع. ووجه تخريجها على القولين (٢) المقدّمين أنا [إن] (٣) اعتبرنا ما بين الميقات إلى انتهاء الحج، فيستحق تمام الأجرة لوفائه بتمام الحجة، وإن أدخلنا السَّفرة في الاعتبار، قلنا: حجة تجرد القصد إليها من نيسابور، وإحرامُها من ذات عِرق كم أجرتها؟ فيقال: عشرون. ثم نقول: حجة أنشئت من ذات عِرق، من غير قطع مسافةٍ إليها، كم أجرتها؟ فقد يقال: خمسة؛ فللأجير ربعُ الأجرة المسماة، ونُسقط ثلاثةَ أرباعها.

стр. 2303

٢٧٥٦ - فإذا تمهد ما ذكرناه، عاد بنا الكلامُ إلى صورة الإساءة من الأجير. فإذا انتهى إلى الميقات، وجاوزه، ثم أحرم من مكة مثلاً، فكيف التوزيع؟ وما المعتبر فيه، لبيان المحطوط من الأجرة؟ اختلف أصحابنا في المسألة، والاختلاف فيها متلقى مما قدمناه، ولكن لا ينطبق الخلاف على الخلاف؛ من جهة أنا تخيلنا في المسألة المقدّمة صرفَ السَّفرة إلى العمرة، وهذا المعنى لا يتحقق هاهنا؛ فإنه بإساءته، لم تخرج سفرته عن كونها ذريعة إلى حجته، ولكن أخل ببعض العمل المطلوب، فرجع منشأ الوجهين إلى إدخال السفرة في الاعتبار وإخراجها، فإذا في المسألة وجهان: أحدهما - أن نقول (١): حجةٌ من الميقات إحرامُها، كم أجرتها؟ فيقال: (٢ خمسة، فنقول: حجة من مكة إحرامُها، كم أجرتها؟ فيقال ٢): ديناران، فبينهما التفاوت بثلاثة أخماس (٣ فيسقط من الأجرة المسماة ثلاثة أخماسها (٣). هذا أحد الوجهين، ومبناه على إخراج السفرة من الاعتبار. والوجه الثاني - أن نقول: حجة قُصدت من نيسابور، والإحرام بها من ذات عرق (٤)، كم أجرتها؟ فيقال: عشرون. فنقول: حَجة قصدت من نيسابور، واتفق الإحرام بها من مكة، كم أجرتها، فيقال: تسعةَ عشرَ، والمسافة مندرجة في التقديرين، فبين الإحرام من الميقات، والإحرام من مكة دينارٌ من عشرين، وهو نصف العشر، فيسقط من الأجرة المسماة نصفُ عشرها. ومما لا يخفى دركه على الفقيه، ولكن يحسن التنبيه عليه: أنا في الأصل المقدّم إذا أدخلنا السّفرة في الاعتبار، عظم مبلغ المحطوط؛ من جهة أن السفرة المعتبرةَ صرفَها الأجير إلى عمرة نفسه. وإذا [أدخلناها] (٥) في هذه المسألة التي نحن فيها قلّ المحطوط؛ فإن السفرة محسوبةٌ له.

стр. 2304

٢٧٥٧ - ومما يتم الفصل به أن المستأجِر لو شرط على الأجير أن يُحرم من الكوفة، فإن وفى بها، فلا كلام، وإن جاوزها، فهل يلتزم دمَ الإساءة؟ (١ اختلف أئمتنا فيه، فذهب بعضهم إلى أنه لا يجب دم الإساءة ١)؛ إذ الدمُ منوطٌ بميقات محترَمٍ شرعاً، وهو الميقات الموضوع المشروع، وليست الكوفة من المواقيت المشروعة. وقال بعض أئمتنا: يجب على الأجير دمُ الإساءة، إذا جاوز الميقاتَ الذي عيّنه المستأجِر. وإلى هذا الوجه ميلُ طوائفَ، منهم الصيدلاني، ووجهه أن الميقات صار مستحَقاً، ومستندُ كل استحقاقٍ في العبادة يؤول إلى حكم الله تعالى، وقد قال أئمتنا: لو قال الناذرُ: لله علي أن أحج ماشياً، فحج راكباً، لزم دمٌ، وإن لم يكن (٢) المشي مشروعاً قصداً إليه. التفريع على الوجهين: ٢٧٥٨ - إن حكمنا أنه بمجاوزة الكوفة لا يلتزم دماً، فننقص من أجرته وجهاً واحداً؛ إذ لا جُبران، وقد تحقق نقصان العمل المطلوب. وإن قلنا: يلتزم الأجير دماً بالمجاوزة، فيعود الكلام إلى ما قدمناه من الاختلاف في الحط، والالتفات إلى الجبران، وقد مضى هذا. ٢٧٥٩ - وتمام الفصل أن ما يلتزم به الأجير دماً ينقسم إلى ارتكاب محظور، أو ترك مأمور، فأما ما كان من ارتكاب المحظور، فلا ينتقص بسببه من أجره شيء، من جهة أنه لم ينقص من العمل، وإنما جنى جنايةً موجَبها الكفارة. فأما إن ترك مأموراً به، مثل أن يجاوز الميقات، أو يترك الرمي، أو ما أشبه ذلك، فالتزم الدمَ، فهل يحط عن أجره شيء؟ فيه الخلاف المقدم. وقد نجز ضبط المقصود من هذا الفصل.

стр. 2305

الفصل الثالث في موت الأجير في الحج وقبله ٢٧٦٠ - الكلام في هذا الفصل يستدعي تقديمَ القول في أصل مقصود، وهو أن الإنسان إذا كان يحج عن نفسه، فمات أثناء الحج، فهل يُتَصَوَّر البناء على حجه؟ حتى يفرضَ استنابةُ نائب يقوم مقامه في بقية الأعمال؟ في المسألة قولان: أحد القولين - أن ذلك لا يسوغ؛ فإن العبادة واحدةٌ، فتعلّقها بشخصين محالٌ، وسيتضح عُسر ذلك في التفريع. والقول الثاني: إنه جائز؛ فإنه إذا أمكن إنابة شخص في كل العبادة، مَناب شخص، لم يبعد ذلك في البعض. التفريع على القولين: ٢٧٦١ - إن قلنا: لا سبيل إلى البناء، فكما (١) مات الخائض في الحج، انقطع العمل، وحَبِط ما قدمه، ويجب تحصيل حجة تامة، من تركته إذا كان قد استقرت الحجة في ذمته. وإن قلنا: إن البناء مُسوَّغ، فنذكر صورتين: إحداهما - أن يموت قبل الوقوف. [والثانية - أن يموت بعده. فإن مات قبل الوقوف] (٢) فسبيل الإنابة عنه أن يستأجر من يُحرم ابتداءً، ويقفُ ويتمادى إلى آخر الحج، على ترتيبه، ثم قد يقع هذا الإحرام من قُرب المعرَّف (٣)، ولا بأس؛ فإن من ينصرف هذا إليه قد كان أحرم من الميقات قبل الممات، وذلك معتد به.

стр. 2306

٢٧٦٢ - فأما إذا مات بعد الوقوف بعرفة، فليتأمل الناظر عند ذلك ما يُلْقَى إليه؛ فإنه مظنة إشكال، وقد اضطربت الطرق لأجله: قال العراقيون: المستناب لا بد وأن يُحرم؛ فإن بقية الأعمال لا تتأتى إلاّ من محرم، والإحرامُ بالحج -وقد انقضى أشهر الحج بطلوع فجر يوم النحر- محالٌ، على مذهب الشافعي. قالوا: فالوجه أن يحرم المستناب بعمرة، ويطوفَ، ويسعى، وكان بقي على الذي مات الطوافُ والسعي ركنين، فيقع طوافُ المستناب المعتمِر وسعيُه سادّاً مسد الطوافِ والسعي، اللذين كانا بقيا على الميت مع حجه، والمستناب ينويه بالعمرة. وهذا فيه إشكال ظاهر؛ من جهة أن العمرة يبعد أن تسد مسد الحج. وذكر المراوزة مسلكاً آخر، فقالوا: المستناب يُحرم بالحج إحراماً ناقصاً، وزعموا أن تجويز الاستنابة لا يطَّرد إلاّ على تجويز ذلك، ثم هؤلاء قالوا: الإحرام بالحج إنما يمتنع في غير أشهر الحج إذا كان إحراماً تامّاً، فأما الإحرام الناقص، فلا امتناع فيه. وهذا كما أن الإحرام الناقص يبقى دائماً مع [انقضاء] (١) أشهر الحج، فتقدير الابتداء على النقصان كتقدير الدوام. ْثم من سلك مسلك العراقيين، ذهب إلى أن المستناب المعتمرَ، لا يبيت ولا يرمي، ولا يأتي بشيء من مناسك منى؛ فإنها أتباعُ انتهاء الحج. والعمرة لا تقتضي شيئاً من ذلك. ومن قال من المراوزة: إن المستناب يُحرم إحراماً ناقصاًً ببقية الحج، فالمستناب يأتي بمناسك منى؛ فإنه في الحج. وذكر هؤلاء أنه لو مات الحاج بعد أن تحلل أحدَ التحللين، فالمستناب يأتي بإحرامٍ حُكْمه أن لا يَمنَع اللُّبسَ والقَلْمَ على التفصيل المذكور. وهذا جارٍ على قياسهم. ٢٧٦٣ - ولو مات الحاج بعد التحللين، فلست أرى على قياسِ المراوزة وجهاً لجواز الاستنابة في المناسك الواقعة وراء التحللين؛ فإن ذلك لا يتأتى إلاّ ممن سبق

стр. 2307

منه إحرام، ثم هذه المناسك تتبع الإحرام السابق. فأما الإتيان بها من غير تقدّم إحرامٍ، فبعيد. هذا ما أراه. فالوجه الرجوع فيها إلى أبدالها، وهذا أولى فيها من اقتحام مُحالٍ، وليس كالطواف والسعي؛ فإنه لا بدل لهما، فاضطررنا إلى تصوير الإنابة. فهذا منتهى قولنا في البناء على الحج. ٢٧٦٤ - والآن نعود بعد نجازه إلى تفصيل القول في موت الأجير في أثناء الحج، فنقول: إن كانت الإجارة متعلقةً بعين الأجير، ومات الأجير في أثناء الحج، فالغرض مأخوذ من جواز البناء وامتناعه. فإن قلنا: البناء ممكن، فيُتَصَوّر من المستأجِر أن يستأجر أجيراً ليأتي ببقية أعمال الحج، فإذا كان ذلك ممكناً، فعمل الأجير الأول غيرُ محبَط، فلا شك أنه يستحق قسطاً من الأجرة. وإن قلنا: البناء غير ممكن، فهل يستحق ورثة الأجير قسطاً من الأجرة؟ فعلى قولين: أحدهما - أنهم لا يستحقون، لأنه لم يَحْصُل للمستأجِر أمرٌ معتدٌّ به، وما جاء به الأجير قد حَبِط، وسقط أثره. والقول الثاني - إنه يستحق قسطاً من الأجرة، لإتيانه ببعض العمل المقصود، وقد فعل الأجير ما في وسعه. التفريع: ٢٧٦٥ - إن قلنا: لا يستحق شيئاً، فلا كلام، وإن قلنا: يستحق، ففي كيفية التوزيع وجهان: أحدهما - أن التوزيع يقع من الإحرام إلى حيث انتهى، ولا نُدخل السَّفرة في الاعتبار. والوجه الثاني - أنا نُدخلها في الاعتبار؛ فيكثر على هذا التقديرِ المستحقُّ. هذا والإجارة على العين. ٢٧٦٦ - فأما إذا كانت الإجارة واردةً على ذمة الأجير، فإذا مات في أثناء الحج، فلا تنقطع عُهدة الإجارة عن تركته. فإن قلنا بالبناء، فورثة الأجير يستنيبون من يتمّم الحج، وإذا تم، استحقوا الأجرة المسماة على المستأجِر.

стр. 2308

وإن قلنا: لا بناء، فقد حبط عمل الأجير، وعليهم أن يحصّلوا حجةً عن المستأجِر من تركته؛ فإن الحج دينٌ في ذمته، والديون مقدَّمةٌ على الميراث، وحقوق الورثة. وكل ما ذكرناه فيه إذا مات الأجير بعد الشروع في الحج. وقد ذكر صاحب التقريب أنا لو فرضنا الموت قبل الوقوف، فإذا استأجرنا أجيراً ليحرم، ويقف، فهذا ليس بناءً على إحرام الأجير، ولكنه إحرام على التمام، مبتدأ. وإن وقع الموت بعد الوقوف؛ فإذ ذاك يتصور البناء. وهذا وجه مزيف، وهو بالعكس أولى؛ فإن الإحرام قبل الوقوف إحرامٌ في أشهر الحج، وهو صحيح، والإحرام بعد فوات الوقوف واقعٌ في الخبط الذي ذكرناه، بين العراقيين والمراوزة. ٢٧٦٧ - فأما إذا مات الأجير قبل التلبس بالحج، فهل يستحق الأجير شيئاً، على مقابلة نَصَبه في قطع المسافة؟ [إن قلنا في التفاصيل السابقة: لا تُدرج المسافة] (١) في الاعتبار، إذا وقع [الموتُ] (٢) بعد الشروع في الحج، فلأن لا تعتبر المسافة قبل الشروع في الحج أولى، ولا يستحق الأجير شيئاً إذا مات قبل الإحرام. وإن قلنا: المسافة مندرجة في الاعتبار في [حق] (٣) الشارع في الحج، فهل تعتبر في حق من مات قبل الشروع في الحج؟ المذهب أنه لا تعتبر، ولا شيء للأجير. وذكر بعضُ أصحابنا قولاً بعيداً: أنه يستحق الأجرة بقدره (٤) حتى لا يحبَطَ عملُه. ثم لا يخفى سبيلُ التوزيع إذا كنا نعتبر المسافة. وحاصل القول في هذا راجعٌ إلى أن قطعَ المسافة ذريعةٌ (٥ إلى الحج، فإن اتصل بالحج، فقد وقعت المسافة ذريعة ٥) فاختلف الأصحاب في أن الذريعة هل تعتبر كما

стр. 2309

تقدم. فأما إذا فُرض الموتُ قبل ملابسة الإحرام، فقد ضعف تقدير المسافة ذريعةً؛ من حيث لم تُفضِ إلى المقصود. وبالجملة في الاستئجار على الحج نوعُ مضاهاة للجعالة؛ من جهة كون العاقبة مَغيبَةً (١)، والمسافةُ ليست مقصودة، ولا بد منها، وكأنها إذا قطعت، ثم وقع الموت يضاهي قطعُها أعمالَ المقارِض، إذا لم تتصل بربح. وهذا نجاز الفصل. الفصل الرابع في أحكام الإجارة ٢٧٦٨ - ومقصوده الكلام في موافقة الأجير المستأجِر في الجهة المعينة لأداء النسك، وفي مخالفته له، فنقول: إذا استأجر من يقرُن عنه، فقَرَن، فقد وفّى وأدّى ما استؤجر له على الوفاق، فيستحق تمام الأجرة بلا خلاف. واختلف الأصحاب في أن دم القران على من؟ فذهب الأكثرون إلى أنه على المستأجر؛ فإن القِران انصرف إليه بإذنه، فكأنه القارن بنفسه. ومن أصحابنا من قال: الدم على الأجير؛ فإنه تتمة القِران، وقد التزم، أن يقرُن، فَلْيَفِ بتمامه، ثم سواء قلنا: الدم على المستأجر، أو قلنا: هو على الأجِير، فأجرته ثابتة؛ من جهة امتثاله الأمر. ٢٧٦٩ - ولو استأجره [ليُفرِد] (٢)، فقرن، وقع الحج والعمرة عن المستأجر اتفاقاً. فإن قيل: لِمَ كان كذلك؟ وما روعي في أصله الإذن والأمرُ، روعي في تفصيله

стр. 2310

ذلك أيضاً، والذي جاء به الأجير ليس ما أمر به المستأجر؟ قلنا: إذا كان المرء يحج، ويعتمر عن نفسه، فهو منهيّ عن ارتكاب المحظورات، مأمور بإقامة الأبعاض وتأديتِها، من جهة الشارع، فلو خالف (١) النهي والأمر، ولم يأت بمفسد، وقع النسكان موقعهما؛ وبرئت الذمة منهما، ثم الشرع متبع فيما يوجَب ويستحب من جبران، فجرى مخالفةُ الأجير المستأجِر [هذا] (٢) المجرى، مع تحصيل أصل النسكين. وهذا يتم بلطيفةٍ فائقة (٣) في الفقه: وهي أن المستأجِر ليس يحصّل الحج لنفسه، وإنما يحصلُه ليقع لله تعالى، فجرت مخالفةُ الأجير مجرى مخالفة الشرع. فإذا تمهد هذا، قلنا: بين الإفراد والقِران تفاوت بيّن: في الفعل، والميقات، فإذا استأجره ليُفرد، فقرن، فقد ترك مزيداً مستدعى منه، فهل يحط من أجرته؟ القول في ذلك كالقول فيه إذا أساء الأجير وجاوز [الميقات] (٤)، وقد تفصّل المذهب في هذا النوع على أحسن مساق. ٢٧٧٠ - ولو أمره بالقِران، فتمتع، ففي القِران نقصان في الأفعال وإتيان بالحج من الميقات الأقصى، وفي التمتع كمالٌ في الأفعال، ونقصان في الميقات، فمن أصحابنا من قال: المأمور بالقِران إذا تمتع، فهو كما لو قرن [لتقارب] (٥) الجهتين، فكأنه لم يخالف. ومنهم من جعله مخالفاً، وهو ظاهر القياس. فإن لم نجعله مخالفاً، فلا كلام، وفي وجوب الدم الخلاف المقدم: ففي وجهٍ هو على (٦ المستأجر، وفي وجهٍ هو على ٦) الأجير، كما لو استأجره للقِران، فقرن. فإن جعلناه مخالفاً، فالدم على الأجير وجهاً واحداً، ثم الزيادة التي أتى بها في تمتعه

стр. 2311

لا تحسب له في تكميل أجْره؛ فإنه لم يكن مأموراً فيه؛ فنجعل المتمتع كالمسيء، [وقد مضى الخلاف في أنّا هل نحط من أصل أجر المسيء] (١). فإن قيل: إنما يفرض الحط على القول به إذا كان بين الفعل المطلوب وبين (٢) الذي يأتي به الأجير تفاوت، كما قدمناه في المسيء، ولا تفاوت بين فعلي القارن والمتمتع، وقد يكون فعل المتمتع أكمل أجراً، قلنا: نحط ما في جهة التمتع من مزيد في العمل، ثم نعتبر وراء ذلك الحط تقديراً للتفاوت المقدر، فيتفاوت الأمران. فإن قيل: لو لم يظهر تفاوت مع ما ذكرتموه؟ قلنا: فلا حطَّ إذا كان كذلك. الفصل الخامس في إفساد الأجير الحجَّ بالجماع، مع ذِكْر ما يتصل بالإفساد في معناه ٢٧٧١ - فنقول: إذا شرع المستأجر في الحج الذي استؤجر عليه، ثم أفسده بالجماع، انقلب الحج الفاسد إلى الأجير، ولم يكن بعد الفساد مضافاً إلى المستأجر أصلاً؛ فإن الحجة المطلوبة لا تحصل بالحجة الفاسدة، وليس كما إذا ارتكب الأجير محظوراتٍ غيرِ مفسدة؛ فإن الاعتداد يقع بمثل هذا الحج شرعاً، فوقع الاعتداد به في طلب المستأجِر، والحج لله تعالى، وإن اختلفت الإضافات. والحجةُ الفاسدة لا تبرئ ذمةً، ولا تقع موقع الاعتداد. ثم إذا انقلب الحج بالفساد إلى الأجير، فيلزمه قضاؤها. ٢٧٧٢ - والقول بعد ذلك يستدعي الفصلَ بين أن تكون الإجارة واردةً على عين الأجير، وبين أن تكون واردةً على ذمته، وكان قد لابس الحج بنفسه، لتبرأ ذمته. فإن كانت الإجارة واردةً على عين الأجير، فإذا فسدت الحَجّة، وانقلبت إلى الأجير، انفسخت الإجارة ولا يتصور في إجارة العين إقامةُ مدةٍ مقام مدة، حتى يقال: إن فسدت الحجة في هذه السنة، فالأجير يأتي بحجة في السنة القابلة.

стр. 2312

فلا (١) وجه [إلا انبتات] (٢) الإجارة (٣) وارتداد الأجرة. فأما إذا كانت الإجارة واردةً على الذمة، ثم فسدت الحجة (٤ على الأجير ٤) فلا شك أن القضاء يلزمُه، فإذا أتى بالحج في قابلٍ، فهل نقول: هذا القضاء يقع عن المستأجِر؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يقع عنه؛ فإن القضاء عمّن الحجُّ الفاسد عنه، وقد تحقق انصراف الحج الفاسد إلى الأجير، فليكن القضاء عنه (٥). ثم في ذمته حَجةٌ عن المستأجر. ومن أصحابنا من قال: القضاء ينصرف إلى المستأجِر، وكأن الحجة الفاسدة لم تسبق، ولا سبيل إلى إنكار انعقاد أصل الحج الأول عن المستأجِر، فليرتبط القضاء به، حتى نقدِّرَكأن الفساد لم يتخلل. والأقيس الوجه الأول. ٢٧٧٣ - ومما يجب التنبه له إذا انتهى الكلام إلي هذا المنتهى أن من كان في ذمته حجة واجبة لله تعالى، فلا يتصوّر منه التطوع بالحج، على مذهب الشافعي، ولو فرض قصد التطوع، لانصرف الحج [المنعقد] (٦) إلى الجهة المستحَقة. وكان شيخي يقول: الأجير الذي في ذمته حجة مرسلة، لو نوى التطوع بحج، فالذي جاء به ينصرف إلى ما عليه من الحج لمستأجِره (٧). وهذا مما انفرد به، ولم يساعده عليه أحد، وذلك لأنا نقدم واجب الحج على نَفْله، لأمير يرجع إلى نفس الحج، مع بناء الأمر على تقديم الأوْلى [فالأوْلى] (٨) في

стр. 2313

مراتب الحج. والاستحقاقُ على الأجير ليس من خاصية الحج. ولو ألزم ذمته [ما لا] (١) يلزم مثله، لكان حكم الوجوب فيه، كحكم الوجوب في الحج (٢). والذي يوضح ذلك أن الحجة قد تكون تطوّعاً من المستأجِر -إذا جوزنا الاستئجار في حج التطوع- فلاح أن ذلك اللزوم ليس من قضايا الحج. هذا قولنا في إقدام الأجير على المفسد. ٢٧٧٤ - ومما نذكره متصلاً بذلك: أن الأجير لو صُدّ، وأُحصر؛ فتحلل، فالقول الوجيز فيه أن طريان الإحصار عليه، والإجارةُ واردةٌ على عينه، بمثابة طريان الموت، وقد سبق القول فيه (٣) مفصلاً، في البناء وإمكانه، إن تُصوّر البناء، وانجلى الحصر. ويعود حكم استحقاق شيء من الأجرة، والقول الجامع ما ذكرناه من تنزيل الإحصار، والتحللِ الطارئ بسببه، منزلة طريان الموت. ٢٧٧٥ - ولو لابس الأجير الحجَّ، ففاته الوقوفُ، فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب أن الفوات ينزل منزلة الإفساد، والسبب فيه أنه يوجب القضاء، كما يوجبه الإفساد، ويخرج الحج بالفوات عن حقيقته، وإن كان لا يتصف بالفساد.

стр. 2314

فالترتيب إذاً كالترتيب، ولا يستحق الأجير شيئاً من الأجرة على مقابلة عمله قبل الفوات. وذكر العراقيون وجهاً بعيداً في إجراء الخلاف في إثبات قسطٍ من الأجرة على مقابلة ما جرى من العمل، قبل الفوات. وهذا بعحِد لا أصل له. وانحصر القول وراء ذلك في محظورٍ لا يوجب القضاء، وقد مضى منقسماً إلى ترك المأمور، وارتكاب المنهي، وإلى محظور يفسد كالوقاع. وقد أجرينا الكلام في الموت وحكمِه، ثم ألحقنا آخراً الإحصارَ بالموتِ، والفواتَ بالإفساد. الفصل السادس يجمع مسائل متفرقة شذت عن ربط الأصول ٢٧٧٦ - منها أن من استأجر أجيراً ليحج عنه، فقرن الأجير، ونوى بالعمرة نفسَه، وبالحج مستأجِره. أما العمرة، فإنها تنصرف إلى الأجير؛ فإنه نوى نفسَه بها، وما استؤجر عليها. وأما الحج، فالأصح أنه ينصرف إلى المستأجِر. وذهب بعضُ أصحابنا إلى أنه ينصرف إلى الأجير؛ فإن الإحرام في حق القارن متّحد، لا يقبل الانقسام، فيستحيل أن يتعلق بعضُ حكمه بالأجير، وبعضه بالمستأجر، ويستحيل انصرافُ العمرة إلى المستأجر. والأصح الوجه الأول؛ فإنه إذا (١) لم يمتنع اشتمال الإحرام على نسكين، لم يمتنع تعدد مَصْرِفهما. ولو استاجره زيد ليحج عنه، واستأجره عمرو ليعتمر عنه، فقرن ونوى بالحج زيداً، وبالعمرة عمراً، ففي المسألة وجهان: أصحهما - أن النسكين مصروفان إلى المستأجرَيْن. والثاني - أن ذلك ممتنع، لاتحاد الإحرام، ثم إذا امتنع انصراف النسكين إلى المستأجرين، فلا وجه إلا انصرافُهما إلى الأجير.

стр. 2315

٢٧٧٧ - ومما يتعلق بذلك أنه لو استأجره زيدٌ على أن يحج عنه، فقرن ونوى بالحج والعمرة جميعاً زيداً، فقد زاده نسكاً، لم يستأجره عليه. واختلف نص الشافعي في ذلك، فمن أصحابنا من قال في المسألة قولان: أحدهما - أن العمرة تنصرف إلى المستأجِر، ويتنزل ما زاده الأجير منزلةَ ما لو قال الرجل لوكِيله بع عبدي (١) هذا بألف درهم، فباعه بألفين، فالبيع صحيح، والثمن بكماله يدخل في ملك الموكِّل بالبيع. والقول الثاني - أن العمرة لا تقع للمستأجر؛ فإنه لم يتعرض لها، وليست من جنس الحج أيضاًً على الإطلاق. ومن قال [بالأول] (٢) ينفصل عن هذا، ويقول: أعمال القارن لا تزيد على أعمال من يُفرد حجَّه، وكأن العمرة صفةٌ وفضيلة للحج. والقولان يقربان من القولين فيه إذا سلم الرجل ديناراً إلى وكيله، وأمره أن يشتريَ به شاة وصفها، فاشترى الوكيل شاتين بالدينار، كل واحدة على نعت الموكِّل. وفي ذلك اختلاف قولٍ سيأتي إن شاء الله تعالى، في كتاب الوكالة. ومن أصحابنا من قال: النصان في العمرة منزلان على حالين: حيث قال: " لا تنصرف العمرة إلى المستأجِر "، أراد بذلك إذا لم يجر منه ما يتضمن رغبةً في العمرة. وحيث قال: " تنصرف العمرة إليه "، أراد إذا كان رغب فيها، فامتنع الأجير ووقع [التقارّ] (٣) على الحج [لإباء الأجير] (٤)، لا لانصراف المستأجِر عن إرادة العمرة. فإذا بدا للأجير والحالةُ هذه أن يحصّل العمرة له، فإنها تنصرف إلى المستأجِر. ثم حيث نقول: تنصرف العمرة [إلى المستأجر] (٥)، فلا كلام، وحيث نقول: إنها تنصرف إلى الأجير، فيعود الخلاف في أن نسكي القِران هل يجوز أن يتعدد مصرفاهما؟ وقد مضى هذا.
следующие страницы →