← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

فقال بعضهم: يقبضه المشتري، ثم يباع عليه، أو يبيعه بنفسه. وقال آخرون: لا يقبضه كما لا يشتريه؛ فإن القبض أمر اختياري يؤثر في تأكيد الملك؛ فينبغي أن يمتنع. فالوجه أن يأمر القاضي من يقبضُ المبيعَ عنه، ثم يبيعه عليه. ولا يخفى على هذا الوجه أن يتخير في فسخ البيع؛ فإن ما جرى من التعذر طارئاً لا ينقص عن إباق العبد قبل القبض. فهذا ما ذكره الأصحاب. والمسألة تستدعي مزيد تفصيل عندنا: فإن كان البائع مسلماً، فالأمر كما ذكرناه. وإن كان كافراً، فلو حكمنا بانفساخ العقد، لقلبناه من كافر إلى كافر، فلا ينقدح وجهُ الانفساخ إلا على بعد. وهو أن الانفساخ يقع قهرياً، وقد ثبت للكافر ملكٌ قهري، على المسلم. وهذا كلامٌ مطلق؛ فإنا حيث نثبت الملك القهري على المسلم، فسببه ضروريٌّ؛ فإن العبد إذا أسلم في يد الكافر، فلا سبيل إلى تخيره، والقضاءِ بانبتات مِلكه. وكذلك إذا فرض إرث؛ فقَطْعُ التوريث مستحيل. فأمّا فيما نحن فيه، فالمطلوب من الانفساخ رعايةُ حرمة الإسلام. وهذا المعنى لا يزول بالانفساخ. ٣٣٥٦ - ومما يفرع على قول المنعِ أن الكافر لو ألزم ذمة المسلم بطريق الاستئجار عملاً، جاز ذلك؛ فإن الاستحقاق لا يتعلق بعين المسلم، وله أن يحصله بغيره. وهل يستأجر الكافر عينَ المسلم على منع الشراء؟ وجهان: أحدهما - لا يجوز ذلك، كما لا يشتري مسلماً. والثاني - يجوز؛ لأن الإجارة لا تفيد ملكاً في الرقبة، ولا يتحقق بها الذِّلة. ولو كان فيها ذلةٌ، لما جاز استئجارُ الحر (١) المسلم. ثم للإجارة منتهى محدود بخلاف الشراء. فإن قلنا: تصح الإجارة، فهل يؤاجر عليه كما يباع عليه عبده المسلم؟ فعلى وجهين: وتوجيههما يقربان من توجيه الإجارة في الأصل. وللمسلم أن يعير عبده المسلم من كافرٍ، وله أن يودعه عنده. وذكر الأئمة وجهين

стр. 2802

في منع ارتهانِ الكافر عبداً مسلماً. وهما قريبان من الخلافِ في الاستئجار الوارد على العين. ٣٣٥٧ - وأجرى الأئمة قولين في شراء الكافر المصحفَ والدفاترَ التي فيها أحاديث النبي ﷺ ، فرأَوا ترتيبَ القولين على القولين في شراء العبد المسلم، وزعموا أن شراء المصحف والكتاب المحترم أولى بالفساد من شراء العبد المسلم؛ من قِبَل أن العبدَ لو أهانه مولاه، تمكن [من الاستعانة، ثم تمكُّنُه من هذا يزع مولاه] (١) من الإقدام على الاستهانةِ، والمصحف لو جوّزنا شرَاءه وقبضَه، فقد يستهين به المشتري، ولا يُطلع عليه. فرع: ٣٣٥٨ - إذا اشترى المسلم عبداً، فخرج كافراً، نُظر: فإن اشتراه في بلاد الإسلام، فله ردّه؛ فإن الكفر في العبيد نادرٌ في هذه الديار. وإن اشترى عبداً في دار الحرب، فخرج كافراً، فالذي ذهب إليه الأكثرون أنه لا يرده؛ فإن الرد بالعيب يبنى على ظن البراءة منه فإذا أخلفَ الظنُّ، ثبت الخيارُ. ولا يغلب على الظن إسلامُ العبد في دار الحرب. وكان شيخي يقول: يثبت الخيار؛ لأن الكفر عيب، فمهما اتفق الاطلاع عليه ثبت الخيار. فصل ٣٣٥٩ - لو اشترى قطيعاً من الغنم مشار إليه كل رأسِ بدرهم، جاز وإن لم يكن عددُ الرؤوس معلوماً عنده حال العقد إذا أحاطت الإشارة بالقطيع. ومنع أبو حنيفة (٢) ذلك. ولو قال: بعتُك عشرة أرؤس من هذا القطيع، لا يجوز؛ فإنها مختلفة، وإيراد

стр. 2803

العقد على هذَا الوجه مجهول، وليس كما لو اشترى آصعاً من صُبرة، ففيها التفاصيل المقدمة ولا خفاء بالفرق. فصل ٣٣٦٠ - إذا وكَّل المسلم ذمياً بشراء خمر له، لم يصح، ولم تصر إذا اشتراها الذمي للمسلم بمثابة الخمرة المحترمة المتخذة لأجل الخل. وجوّز أبو حنيفة (١) ذلك. وإن منعنا شراء الغائب، فوكَّل إنسان وكيلاً حتى يشهد شيئاً ويشتريه بعد المعاينة، صح الشراء للموكل؛ فإنه استعانَ بمعاينة الموكَّل، وأحلَّها محلَّ معاينة نفسه، وأجرى التوكيل فيها، فصح ذلك كما يصح التوكيل بأصل الشراء. وليس ذلك كالتوكيل بشراء الخمر؛ فإن الخمر ليست مالاً في اعتقاد الموكّل. والله أعلم. * * *

стр. 2804

بَابُ بيع حَبل الحَبَلَةِ والملامسة والمنابذة ٣٣٦١ - صدر الشافعي رحمة الله عليهِ البابَ (١) بنهي رسول الله ﷺ " عن بيع حَبَل الحبَلة " (٢). وللحديث تأويلان: أحدهما - أن يبيع الناقة بثمن مؤجل إلى نتاج نتاجها، ولا شك في فسادِ العقد، وسببه جهالة الأجلِ. والتأويل الثاني أن يبيع نتاجَ النتاج قبل أن يخلق. وهذا ممنوع، وهو المعتاد في العرب (٣)، وظاهر اللفظ أيضاً. ومال الشافعي إلى التأويل الأول. واختار أبو عبيد (٤) التأويل الثاني. وقيل: فسر الراوي الخبر بمَا ذكره الشافعي وتفسير الراوي عنده مقدم (٥). وروى أن النبي ﷺ نهى عن بيع الملاقيح والمضامين (٦). فالملاقيح جمع الملقاح، وهو ما في أرحام الأمهاتِ، والمضامين ما في أصلاب الفحول.

стр. 2805

٣٣٦٢ - ومما ذكره الشافعي: " نهى رسول الله ﷺ عن الملامسة والمنابذة " (١) فأما الملامسة، فلها تأويلان: أحدهما - أن يجعلا نفس اللمسِ بيعاً، فيقول صاحب الثوب لطالبه إذا لمست ثوبي، فهو مبيعٌ منك بكذا. هذا أحد التأويلين، ولا شك في فساد البيع عليه. وقيل: الملامسة معناها أن يتبايعا سلعة في ظلمة الليل، وجعلا لمسها قاطعاً لخيار الرؤية، فيقيما اللمس مقامَ الرؤية. وهذا باطل؛ فإنا إن منعنا بيع مالم يره المشتري، فلا كلام. وإن صححنا بيع الغائب، فتعليق خيار الرؤية باللمسِ باطل. ويتطرق إلى هذا احتمال؛ من جهة أن من اشترى شيئاً على شرط قطع خيار الرؤية، ففي صحة العقد خلاف ذكرناه. فلا يمتنع تركُ هذا القول في الصورة التي ذكرناها. ٣٣٦٢/م- والمنابذة أن تنبذ الشيءَ إلى غيرك وينبذ الغيرُ إليك. ثم ينقدح لها التأويلان المذكوران في الملامسة. قال الأئمة: المنابذة في العوض والمعوّض مع القرينة الدالة على إرادة البيع هي المعاطاة بعينها. فظاهر المذهب والنص أن المعاطاة لا تكون بيعاً، وإن اقترنت قرائن أحوال بها. ولا بد من لفظٍ في العقد. وسأصف تفصيلاً في ألفاظ البيع في باب تجارة الوصي. وقال أبو حنيفة (٢): المعاطاة بيع من غير لفظ في المستحقراتِ، وذكر ابنُ سريج قولين في أن المعاطاة مع القرائن في إرادة البيع هل تكون بيعاً، وخرجهما على القولين في أن من ساق هدياً، فعطب في الطريق، فغمس نعله في دمه، وضرب به صفحة سنامه، فمن رأى تلك العلامةَ، هل يحل له الأكل منه؟ فعلى قولين. ولعلنا نعقد في قرائن الأحوال وآثارِها ومواقع الخلاف والوفاق فصلاً جامعاً، في آخر كتاب البيع إن شاء الله تعالى.

стр. 2806

ومما نهى عنه رسول الله ﷺ " بيع الحصاة " (١). وله تأويلان: أحدهما - أن يجعل رمي الحصاة بيعاً. وهذا فاسد. والآخر - أن يقول: بعتك ما يقع عليه حصاتك من هذه الأمتعة. وهذا فاسد. والثالث - أن يبيع من أرضٍ قدرَ ما يبلغه حصاة يرميها المشتري؛ فيكون المبيع من موقفه إلى منتهى الحصاة، وهذا فاسد أيضاً. فصل قال: " ولا يجوز شراء الأعمى ... إلى آخره " (٢). ٣٣٦٣ - ما ذهب إليه جماهير الأصحابِ أن شراء الأعمى وبيعَه فاسدان. وخرَّج بعضُ أصحابنا بيعه وشراءه على بيع ما لم يره البائع، وشراء ما لم يره المشتري. ثم من صحَّحه من الأعمى، فسبيل لزوم العقد عنده أن يوكّل من يرى له العينَ المشتراةَ، ثم إذا امتنع منه البيع والشراء، يجوز له أن يوكل في كل واحدٍ منهما بصيراً. فإن كان بصيراً ورأى شيئاً، ثم كُفَّ بصره، فاشتراه، جاز ذلك إذا لم يتقادم الزمن، أو تقادم وكان الشيء ممّا يبعد تغيُّره، كالحديد والنحاس، وغيرهما. وإذا اشترى شيئاً لم يره، ثم كُفَّ بصره قبل أن يراه. فمن أصحابنا من قال: ينفسخ البيع من قِبَل أنا أَيِسْنا من قرار العقد عند الرؤية. وذكر الشيخ أبو علي ما هو أصلُ الفصل وبه يتبيّن مشكلُه، فقال: البصير إذا اشترى شيئاً لم يره، وصححنا العقد، فلو وكل وكيلاً وفوض الأمر إليه في الفسخ والإجازة عند الرؤية، قال: في صحة الوَكالة وجهان: أحدهما - يصح، كتفويض الأمر في خيار العيب والخُلف. والثاني - لا يصح؛ فإن الخيار ليس مربوطاً بغرضٍ،

стр. 2807

وإنما هو إلى إرادة من له الخيار، ولا تعقلُ النيابةُ إذا انتفى الغرضُ. قال: وهذا كما إذا أسلم كافر على عشر نسوة، وأسلمن، فإنه يختار أربعاً منهن. ولو وكل في هذا الاختيار، لم يجز. ثم قال: إن صححنا التوكيلَ في خيار الرؤية فيبتنى عليه قياسُ شراء الأعمى على شراء الغائب من البصير. وإن لم نصحح التوكيلَ في خيار الرؤية من البصير، قطعنا (١) بفساد شراء الأعمى؛ فإنه لو صح، لم يُفضِ إلى قرار. وهذا الذي ذكره حسن. وفي التوكيل باختيار أربع نسوة أيضاً احتمال. ولكن حكى الوفاق. وللأعمى أن يؤاجر نفسه، ويشتري نفسه من سيده للخلاص، كما له أن يقبل الكتابة إذا كاتبه مولاه. ٣٣٦٤ - وأمّا عَقْدُ السلم، فقد استثناه الشافعي من شراء العين (٢)، وصححه من الأعمى التزاماً وإلزاماً. قال المزني: ظني بلطف الشافعي أنه [إنما] (٣) يصحِّح السلم ممن كان بصيراً، وعاين ما لا تدرك حقيقته إلا بالعِيان كالألوانِ، وما في معانيها. فإذا طرأ العمى صَدَرَ وصفه عن علم. فأما الأكمه، فلا علم معه بحقائق الأوصاف وإن كان يذكرها. واختلف أصحابنا في التفصيل الذي ذكره المزني، فمنهم من وافقه ونزَّل نصَّ الشافعي عليه. ومنهم من لم يفصل بين الأكمه ومن كان بصيراً عاقلاً ثم عمي، وصحح السلم مع العمى التزاماً وإلزاماً؛ فإن الأوصاف إذا كانت تجري من الأكمه على حد الإعلام، والإعلام هو المقصود، فعدم إحاطته بنفسه وقد جرى مسلكٌ في الإعلام غير ضائر.

стр. 2808

وهو بمثابة توكيل الأعمى بصيراً وإقامتِه مقام نفسه. ٣٣٦٥ - ومما يتعلق بحكم الأعمى أنه إذا أسلم وصححنا منه السَّلَم، وحان وقتُ القبض، فهل يصح منه القبض؟ قال معظم أئمتنا: قبضُه بمثابة شرائه عيناً؛ من جهة أنه يتعلق بمعيَّن، وهو لا يحيط به. وقد ذكرنا في شراء الأعمى تفصيلَ الأصحَاب. ومن أصحابنا من رأى قبضَه بالصحة أولى. وفي المسألة احتمال. * * *

стр. 2809

بَابُ بَيعتين في بَيْعَة ٣٣٦٦ - روى أبو هريرةَ أن رسول الله ﷺ " نهى عن بيعتين في بيعة " (١). وذكر الشافعي تأويلين: أحدُهما - أن يقول: بعتك هذا العبد بألف نقداً، أو بألفين إلى سنة، فأيهما شئت أنت، أو أنا، وجب البيع به. فهذا باطل بالنص والإجماع. ومعناه ظاهر. والتأويل الثاني - أن يقول: بعتك عبدي هذا على أن تبيعني فرسَك، فالبيع باطل. يعني البيعَ الذي شرط فيه البيع. وهذا خارج على قياس الشرائط الفاسدة. وأما البيع الثاني إن اتفق جريانه خلياً عن شرط، فهو صحيح. ٣٣٦٧ - وجمع الشافعي في الباب مناهي عن الشارع، فترك كلَّ خبر على معناه. فمنها: " نهى رسول الله ﷺ عن النَجَش " (٢) وهو ضرب من الخديعة. قال الشافعي: ليس من أخلاق أهل الدين، ومعناه أن يتقدم الرجل إلى سلعةٍ تباع فيمن يزيد، وربما عُرف بالحذاقة في التجاير، فيزيد في ثمنها وهو لا يريدها، ولكنه يبغي أن يغترّ الناس ويحرصوا على شرائها؛ فيعطوا أكثر ممَّا كانوا يعطون لولا تغريره. وهذا حرام منه. وهو اللَّبس المحظور. ولكن إن جرى العقد على مبلغٍ من الثمن، صح، فإن التلبيس لا يمنع صحة العقد. والتفصيل في الخيار. فإن جرى ذلك من غير مواطأةٍ مع صاحب السلعة، يصح العقد، كما ذكرناه. ولا خيار، والحرج على الناجش. وإن جرى النَّجَش في مواطأة صاحب السلعة، فالعقد صحيح وفي الخيار وجهان:

стр. 2810

أحدهما - يثبت الخيار للتلبيس؛ اعتباراً بالتصرية، وما في معناها. والوجه الثاني - لا خيار؛ فإن هذا الخداع غيرُ راجع إلى صفة المبيع. ولكنه متعلق بالعين. وليس في قَبيله خيارٌ. والنجش المنهي عنه معناه في اللغة الرفعُ، والناجش الرافع للسعر. ٣٣٦٨ - ثم ذكر الشافعي نَهْيَ رسول الله ﷺ ، إذ قال: " لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه ولا يسومن على سوم أخيه " (١). وصورة البيع على البيع أن يجري العقد ويكون المتعاقدان في مجلس العقد مغتبطين غيرَ نادمين، فيتقدم واحد إلى المشتري ويعرض عليه سلعة خيراً من السلعة التي اشتراها بمثل ثمن سلعته، أو سلعة مثل سلعته بأقلَّ من ثمنها، ويرغّبه في فسخ البيع الأول بهذا السبب. هذا هو البيع على البيع، وهو محرم باتفاق الأصحاب، غيرَ أن البيع يصح؛ فإن التحريم لا يرجع إلى معنى في البيع، وإنما يرجع إلى معنى كلِّي في محاذرة الإضرار بالغير. وكل نهي جرى هذا المجرى، كان في معنى النهي عن البيع في وقت النداء حين يُخشى فواتُ الجمعة. وأما السوم على السوم، فصورته أن يساوم سلعةَ غيره، ويتفقا على قدر الثمن ويهُما بالعقد، ويرجع أحدهما لإحضار الثمن، فإذا جاء إنسان وساومه السلعةَ بأكثرَ من ذلك الثمن، أو عرض على المشتري سلعة بأقلَّ من ذلك الثمن، وتسبب إلى دفع ما كاد يتفق، فهذا منهي عنه محرّم، وهو المعنى بالسوم. ولو كانت السلعة معروضة فيمن يزيد، فإذا طلبها طالب بثمن، فللغير أن يطلبَها بأكثر؛ [إذ] (٢) لم يتحقق توافقٌ على مقدارٍ. والسلعة إنما تعرض على من يزيد للتزايد. فكان الذي يجري ليس سوماً. ثم قال أصحابنا لو خطب الرجل امرأة، فرُدَّ، فللغير أن يخطِبها، وإن أجيب،

стр. 2811

فيحرم على الغير الخِطبة. ولو خطب إلى الأبِ ابنته، فسكت، ولم يجب، ولم يرد، فهل يحرم الخِطبة؟ فعلى قولين سيأتي ذكرهما، إن شاء الله تعالى - في النكاحِ. ولو اتفق السكوت في السوم، فللغير أن يستام قولاً واحداً، عند المراوزة؛ فإن السكوت في باب النكاح قريبٌ من التصريح بالرضا في مقام الخطبة؛ فإن المخطوب يستحي في أول مجلس ولا يصرح. وذَكر العراقيون في السوم طريقةً أخرى فقالوا: إن سكت من خُطب إليه أو من طلب منه متاع، ولم يقترن بالسكوت ما يدل على الرضا، فلا يحرم بهذا السكوت الخِطبةُ، ولا السوم، والسكوت يقدر على وجوه، وإنما يدل على الرضا بعضُها، ولو اقترن بالسكوت ما يدل على الرضا، ففي الخِطبة والسوم جميعاً قولان. فلم يفرقوا بين السوم والخِطبة في الطريقة التي رتبوها. وما ذكروه منقاسٌ. ولكن لا يمكن أن [نُنكر] (١) الفرقَ بين السوم والخِطبة. فالوجه أن يقال: الدال على الرضا مع السكوت في الخطبة، ربما يخالف الدالَّ على الرضا في السوم، في مجاري العاداتِ، فيقع الفرق في أصناف القرائن. وإطلاق القول بأن السكوت دليل الرضا في الخطبة ليس كذلك. فهذا تمام الغرض في هذا الفصل. ثم قال الشافعي: صاحب البيع على البيع والسوم على السوم يَحْرَجُ إذا كان عالماً بالخبر، والناجش يعصِي وإن لم يبلغه الخبر المخصوص في النجش. وسبب ذلك أن تحريم البيع على البيع والسوم على السوم لا يدركه عامةُ الناس، وأما النجش، فخداعٌ، وقد استفاضَ في الناس وشاع تحريمُ الخداع. والقول فيه قريب. * * *

стр. 2812

باب لا يبيع حَاضِرٌ لبَادٍ ٣٣٦٩ - ذكر الشافعي رحمة الله عليه في صدر الباب أن رسول الله ﷺ قال: " لا يبيع حاضر لبادٍ " (١). والحديث وارد في القرويّ أو البدوي يدخل البلد بسلَعٍ وأمتعة، وهو يبغي بيعَها بسعر اليوم خائفاً أن تعظم المؤنةُ عليه لو أقام. فإذا تقدم إليه حضريٌّ والتمس منه أن يترك أمتعته عنده حتى يبيعها على مر الزمن، وقد يتضيق بهذا السبب الأمرُ على أهل البلد. فهذا منهي عنه. وإن كان البدوي عازماً على الإقامة والتربص بالأمتعة وبيعها على مر الأوقاتِ، فإذا أعانه حضريٌّ على عزمه، والتمس منه أن يفوّض الأمرَ إليه، لم يلحقه بذاك حَرجٌ، وكان ما جاء به من باب التعاون. وكذلك إذا طلب البدوي ذلك ابتداء من الحضري، فأسعفه، فلا بأس ولا حرج. وكل ما ذكرناه إذا كان يظهر بسبب التربص ضيقٌ على المسلمين. فإن لم يكن كذلك والأسعار رخيصة، وأمثال تلك السلعةِ موجودة، وكان لا يظهر بالتربص بها أثر محسوس، فهل يَحرَج من يحمل البدويَّ على التربص؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يحرَج بمطلق النهي. والثاني - لا يحرَج؛ لأنَّ معنى الضرار مقصود من النهي، فإذا لم يكن، فلا بأس. ثم إذا باع حاضر لبادٍ، فلا شك في انعقاد العقد؛ فإن النهي ليس يتمكن من مقصود البيع.

стр. 2813

٣٣٧٠ - ثم ذكر الشافعي قول النبي ﷺ : " لا تتلقوا الركبان للبيع، فمن تلقاها، فصاحب السلعة بالخيار بعدَ أن يقدَم (١) السوق " (٢). وصورة ذلك: أن يعلم إنسان بقدوم رُفقة تحمل سلعاً وأمتعة، فيستقبلَهم على قصد أن يشتريَ منهم، ويتقدم إليهم، ويَكْذِبَهم في سعر البلدِ، ويشتري منهم شيئاً من سلعهم أو جميعها بغبنٍ. هذا مورد الخبر. ولا شك أن صنع هذا المتلقي حرام إذا كان عالماً بالحديث. والعقد ينعقد. وللبائع الخيار لنص الحديثِ. هذا إذا كذب في السعر واسترخص، فأما إذا صدقَ في السعر، واشترى منهم بأقلَّ من ثمن المثل، أو بمثل الثمن، ففي الخيار وجهان: أحدهما - يثبت لظاهر الحديث؛ فإن النبي ﷺ ، أطلق إثباتَ الخيار، ولم يفصّل بين أن يكذبَ أو يصدق. ومما يتعلق بذلك أنه لو لقي الركبَ وفاقاً، وما قصد تلقِّيَهم على نحو ما وصفناه، ولكن اتفق الالتقاء بهم، فإن صدق في ذكرِ السعر، واشترى، نفذ، ولا خيار. وإن كذب في السعر، ففي ثبوت الخيار وجهان: أحدهما - لا خيار؛ فإن الحديث وارد في تلقي الركبان وهذا ليس متلقِّياً والثاني - يثبت الخيار؛ لأن معنى الحديث النهي عن المخادعة، وهذا جار في هذه الصورة؛ فهي في معنى مورِد الحديث. فصل في بيع الجارية والبهيمة على شرط الحمل وفي بيعها مع استثناء الحمل ٣٣٧١ - فإذا باع جارية على أنها حُبلى، أو شاةً على أنها لَبون، أو جُبة وشرط حشوَها؛ ففي المسائل طرق: من أصحابنا من قطع بفساد البيع في هذه المسائل؛ فإن البيع تضمن شرطَ مجهولٍ لا إحاطةَ به. ومنهم من قال: في جميعها قولان في صحة البيع. ومنهم من قال:

стр. 2814

يصح البيع في مسألة الجبة وفي الباقيتين قولان. وقطع بعضُ أصحابنا بصحة البيع في اشتراط كون الشاة لبوناً. وقال: هذا صفةٌ في الشاة، وليست تقتضى ثبوتَ لبني في الضرع، فأما إذا اشترط اللبن في ضرعها حالةَ البيع، فيكون ذلك كاشتراط كونها حاملاً. فهذه طرق الأصحاب. قال الشيخ أبو علي: لو قال: بعتك هذه الجاريةَ، وما في بطنها. أو بعتك هذه الشاةَ، وما في ضرعها. أو هذه الجُبةَ وما فيها من الحشو، فيبطل البيع في هذه الصور قولاً واحداً؛ فإنه تعرض لمجهولات وأثبتَها مبيعةً مقصودةً. وليس كما لو قال: بعتُها على أنها حامل؛ فإنه ما جعل الحمل مبيعاً مقصوداً، بل ذكره وصفاً. والوصف قد يكون وقد لا يكون، فكان كما لو اشترى عبداً على أنه خبازٌ. وهذا الذي ذكره حسن. وما ذكره الأصحاب -مع ما ذكر الشيخ أبو علي- يلتفتُ على أن المذكور على صيغة الشرط هل يكون كما يذكر على صيغة الضم إلى المبيع. وقد ذكرنا أمثلة هذا فيه إذا قال: اشتريتُ منك الزرعَ على أن تحصده. فإن جعلنا المفهومَ من الشرط كالمضموم لفظاً، فيقرب الحكمُ بالبطلان. والظاهر ما قاله الشيخ إلا أنه ضمَّ حشوَ الجبة إلى الحمل، وفيه بعضُ النظر: فلا يبعد أن يُجعل كبيع الغائب. ثم يتطرق إلى ما قاله نوعٌ آخر من الاحتمال: وهو أن البيع إن بطَل في الحمل واللبن، فالوجه تخريج البيع في الجارية والشاة على قولين في تفريق الصفقة. وقد تعرض الشيخُ (١) لهذا. ثم قال: الوجه: القطع بالبطلان؛ فإن المضموم مجهولٌ لا يتأتى توزيع الثمن عليه وعلى المبيع. والقياس ما ذكره. لكنَّا أجرينا قولَيْ تفريق الصفقة في صورةٍ لا يتأتى التوزيع فيها، كما في بيع شاةٍ وخنزير. وذلك يُخرّج على القولين في أن العقد إن أجيز بكم يجاز؟ فإن قلنا: يجاز العقدُ في الذي يصح فيه بتمام الثمن، فلا حاجة إلى التوزيع، ولا يضر تعذر التوزيع؛ إذْ لا حاجة إليه.

стр. 2815

٣٣٧٢ - ومما يتعلق بتمام القول في هذا أن من اشترى جاريةً حاملاً، وأطلق العقدَ، فالبيع صحيح، والحمل مستحَق للمشتري، والخلاف في أنه هل يقابله قسط من الثمن. وسيجري تحقيق ذلك في كتاب الرهن، إن شاء الله تعالى. ولو باع جاريةً إلا حملَها، ففي صحة الاستثناء والبيع وجهان: أحدهما - يصح، كما يصح استثناء الثمار قبل بدو الصلاح؛ فعلى هذا يبقى الحمل للبائع. والوجه الثاني - يبطل الاستثناء؛ فإن الحمل بمثابة جزءٍ من الجارية في حكم البيع. هذا في التصريح بالاستثناء. فأما إذا باع جارية وهي حامل بولد حُر، فالأصح صحةُ العقد، وإن وقع الحمل مستثنىً عن البيع شرعاً. وأبعد بعضُ أصحابنا؛ فذكر وجهاً في منع بيعها إلى أن تلد. وكذلك إذا كان الحمل بالوصية لزيد. وكانت الجارية لعمرو. فإذا باع مالك الجارية، فهو كما لو فُرض البيع وهي حامل بولد حُر. * * *

стр. 2816

باب النهي عن بيعٍ وسلفٍ جرّ منفعة ٣٣٧٣ - صح أن رسول الله ﷺ " نهى عن بيع وسلف " (١)، وصورته أن يشترط في البيع أن يُقرضه مالاً. وهذا يلتحق بشرط عقدٍ في عقد. ثم لو قال البائع: بعتك هذا العبدَ بألفٍ على أن أقرضك ألفاً، وقبل المشتري، فالبيع باطل. وكذلك لو قال: بعتك هذا العبدَ بألفٍ على أن تقرضني ألفاً، فالبيع فاسد. أما إذا اشترط على المشتري أن يقرضه، فهذا ضمُّ منفعةٍ إلى الثمن، واشتراط ارتفاق، ولا يثبت ما شَرَطَ، فيصير الثمن مجهولاً به. وكأن التقديرَ بعتك هذا العبدَ بألفٍ وارتفاقٍ بشيءٍ آخر غيره. وإذا قال البائع: بعتك هذا العبدَ بألفٍ على أن أقرضك، فكأنه لم يقنع بأن يقابلَ العبدَ بالألف، فقابلَ العبدَ ورفقاً بألف، فلم يصح. وما ذكره معتضدٌ بنص الرسول ﷺ . فصل ٣٣٧٤ - تعرض الشافعي لإفساد القرضِ الذي يجر منفعة. والوجه عندنا أن نذكر أصلَ القرض ووصفَه، وقواعد الأحكام فيه، ثم نذكر فساده إذا شرط فيه جرَّ منفعةٍ.

стр. 2817

فالقرض في نفسه متفق عليه. وليس عقداً تاماً على قياس المعاوضات؛ فإنه لو كان مردوداً إلى قياسها، لما صح اقتراضُ مالٍ من أموال الربا لشَرْطِ التقابض في بيع بعضه بالبعض. ومعلوم أن من أقرض إنساناً دراهمَ فإنما يبذلُها ليأخذ منه مثلَها، وهذا على القطع مقابلةُ عوض بعوض. وقياسُ هذا يقتضي التقابضَ في مجلس العقد؛ فإن كل عوضين جمعتهما علةٌ واحدة في تحريم ربا الفضل إذا اشتمل العقد عليهما، وجب التقابُض فيهما. فليس القرضُ إذاً على قياس العقود، وليس خالياً عن [تقابل] (١) العوضين مقصوداً. وامتنع الشافعي من إثبات الأجل في القرض؛ من قِبَل أن الأجل إنما يثبت في حقائق العقود المشتملةِ على حقيقة المعاوضة. فإذا لم يكن القرض كذلك، لم يكن في إثبات الأجل معنى، ووافق أبو حنيفةَ على هذا. وكان القرض معروفٌ أثبته الشارع رخصةً مستثنى من قياس المعاوضات، وما فيها من التعبدات؛ فإن القرض لو روعي فيه التقابض، لم يكن فيه معنى. وغرض الشارع بإثبات القرض استثناؤه عن تصنيفات المبيع، وإيصال المقترض إلى القرض من غير أن يُنجز له عوضاً. وهذا لا خفاء به. ٣٣٧٥ - وينشأ من هذا الأصل خلافٌ عظيمُ الوقع مع مالك (٢)، فإنه قال: ليس للمُقرض أن يسترد ما أقرضه على الفور، حتى يقضي المقترضُ وطراً، أو يمضي زمانٌ يسع ذلك. وزعم أنا لو ملكنا المقرضَ استرجاع القرض في الحال، لم يكن للقرض فائدةٌ. وبنى هذا على إثبات الأجل، ولزوم الوفاء به إذا ذُكر، وحمل [هذا] (٣) على موافقة مقصودِ القرض. وهذا الذي ذكره فيه تخييل إذا نظر الناظر إلى مقصود القرض. ولكن لا وجه لما

стр. 2818

قاله؛ من جهة أن منعه المقرضَ من مطالبة المقترض تحكّم منه عليه، لا عن أصل ثابت في الشرع. ثم ذِكْرُه قضاءَ الوطر عماية لا يهتدى إليها، وأمرٌ خارج عن الضبط. والوجه إذا عقلنا غرضَ الشرع مائلاً عن قياس كلِّي (١) أن نقتصر عليه، ولا نُتبعُه هدمَ الأصول. ومقصود الشارع استثناءُ القرض عن التعبّد الثابت في التقابض المشروط. وهذا معترف به، فأما الحجر على المقرض، فلا. والأمر محمول فيه على أنه إن شاء وفَى بامتناعه، فإن لم يفِ، فهو المالك. وقد طرد مالكٌ أصلَه في إلزام العواري إلى قضاء الأوطار. وهذا عندي خَرق لما عليه علماءُ الأمة؛ فإنهم ما زالوا يعرفون من وضع الشرع في العواري تخيّر المعير، وأن له الرجوع متى شاء. وقد ثبت في وضع الشرع عقودٌ مقرونةٌ بشرط الرجوع. والواهب المملِّك بالإقباضِ عندنا وبنفسِ الهبةِ عند مالك ﵀ يرجع فيما وهب. ولم يُنكِر أصلَ الرجوع في الهبة منكر. فالذي يقتضيه الفقه أن يُعتقَدَ استثناءُ الشارع القرضَ كما ذكرناه، مع أن الأمر فيه مبني على أن المقرض يفي بالامتناع، ولا يخلف الموعدَ. وهذا ما اطّرد العرفُ فيه. فإن أراد الاسترجاع، فلا مانع منه. وأما الأجل، فقول مالكٍ في إثباته أَثْبتُ. وسبيل الكلام عليه ما قدّمناه، من أن الأجل من توابع العقود المحققة، ولو أثبتنا الأجل فيه، لألحقناه بالعقود، ولو التحق بها، لامتنع الأجل في مقابلة الدراهم بالدنانير؛ ففي إثباته في الربويات نفيُه. ٣٣٧٦ - ثم إذا تمهد قولُنا في أصل القرض وتنزيله، فنتكلمُ وراء ذلك في شيئين: أحدهما - أنه يقتضي الملك للمقترض وكيف التفصيل فيه. والثاني - فيما يصح إقراضه وفيما لا يصح، ثم نذكر بعدهما القرضَ الذي يجرّ منفعةً. فأما القول في وقت الملكِ، فقد ذكر أئمتنا قولين من معاني كلام الشافعي في ذلك: أحدهما - أن الملك يحصل بالإقباض. وهذا هو القياس؛ فإن المقترض يتصرف فيما اقترضه وقبضه تصرفاتٍ مفتقرة إلى الملك، كالبيع وغيره. وأيضاً؛ فإن

стр. 2819

كل عقد مملِّكٍ على الصحة، إذا لم يقترن به مانِع من نقل الملك، فالملك لا يتأخر فيه عن القبض. والقول الثاني - أن الملك لا يحصل ما لم يتصرف المقترض، كما سنصف تصرّفَه؛ فإن الاقتراضَ ما وقع للتمليك المحض، حتى لا (١) يقتني المقترضُ ما يقترضه. ولو كان المقصود منه ذلك، لرُدَّ إلى قياس العقود، فحكمُ القرض في وضعه يقتضي وقوفَ الملك إلى اتفاق التصرف. التفريع على القولين: ٣٣٧٧ - إن حكمنا بأن الملك يحصل في القرض بنفس القبض مع جريان لفظٍ مشعر باقتراض، فقد قال صاحبُ التقريب وأئمة العراق: لو أراد المُقرِضُ أن يسترد عينَ ما أقرضه، كان له ذلك. وهو ما قطع به القاضي. وسببه أنه إذا كان يملك تغريمه مثلَ حقه عند فواته، فينبغي أن يملك استردادَ عين ملكه. ولو أبى المقترض، كان حاملاً للقرض على مقصود الاقتناء. وقد أوضحنا خلاف ذلك. وذكر الشيخ أبو علي في الشرح أن المقرض ليس له أن يسترد عينَ القرض إلا أن يرضى به المقترض، فلو أراد أن يأتي بمثل ما قبضه، فله ذلك. وهذا الذي ذكره قياس حسن. ولكن جمهور الأصحاب ذهبوا إلى مَا قدمناه. ولو أراد المقترض ردَّ عين القرض، فلا شك أنَ المقرض محمول على قبوله، وليس له أن يقول: إنما أقرضتك هذه الدراهم بعوضها، فلا أقبل عينها؛ وذلك أن القرض منتزعٌ عن حقائق المعاوضات. ولو باع رجل درهماً في الذمة بدرهم، ثم أقبض أحدُهما صاحبه درهماً، فردّه على صاحبه، وكان مثلاً له، جاز ذلك. فإذا لم يمتنع هذا في المعاوضات المحققة، فلا شك أن المقرض محمول على قبول عينِ حقه. هذا إذا فرعنا على أن الملك يحصل بالقبض في القرض.

стр. 2820

٣٣٧٨ - فأما إذا فرعنا على القول الآخر. وقلنا: لا يحصل الملك في القرض إلا بتصرفٍ من المقترض. فالكلام أولاً في نفس التصرف: لا خلاف على هذا القول أنه لو استخدم العبدَ المقترَض أو أعاره، فلا يحصل الملك بهذا القبيل من التصرفات. ولو باعه بيعَ بتات، أو وهبه وأقبضه، فيحكم بنفوذ تصرفه، ويستبين أن الملك انتقل إليه قُبَيْل التصرف الصادر منه، فإنا بالتصرف نعلم جريانَ المقترض في مقصود القرض. وإذا تبيَّنا ذلك، أسندنا تصرفاته إلى ملكٍ مقدَّرٍ قُبيلَها. ولو آجر العبدَ المقترَضَ أو رهنه، فكيف القول في التصرف الذي لا يزيل الملك عن الرقبة، ويستدعي نفوذُه ملكَ المتصرف؟ في كلام أصحابنا خبطٌ في هذا. أمّا شيخي فكان يقول: كل تصرف لو صدر من المتّهب، انقطع به حق رجوع الواهبِ منه، ولولاه لرجع، فذلك التصرف يثبت ملكَ المقترض على حكم التبيّن. وكذلك كل تصرفٍ لو صدر من المشتري، ثم أفلس، لامتنع به حق رجوع البائع إلى عين ماله، فإذا صدر من المقترض، تضمّن حصولَ الملك له، فلا فرق بين هذا المعتبَرِ وبين ما ذكرناه في المتهب. هذا مسلك شيخي. ومن أئمتنا من قال: التصرف المعتبَر فيما نحن فيه هو الذي يزيل الملكَ عن رقبة المقترض؛ فإن الغرض من الإقراض إخراجُ المقترَض. وهذا القائل لا يجعل الرهن مما يكتفى به وإن تعلّق برقبة المقترَض. وقال بعض أئمتنا: كل تصرف يتعلق بالمنفعةِ، فإنه لا يثبت حقَّ الملك في المقترَض، كالإجارة. وكل تصرف يتعلق بالرقبة على لزومٍ، فإنه يتضمن ملك المقترض، فالرهن عند هذا القائل يتضمن تحصيل الملك. وقال بعض أئمتنا: كل تصرف يستدعي ملكاً، فهو من المقترض يتضمن تمليك القرض على مذهب التبيّن.

стр. 2821

وصاغ بعض أصحابنا عن هذا عبارةً أخرى، وقال: ما يستباح بالإباحة لا أثر له، وما لا يستفاد إلا بملكٍ، فهو الذي يُثبت الملك. فهذا تمام طرق الأصحابِ في تفصيل التصرفات المعتبرة في تحصيل الملك في القرض. ومن قال: لا يحصل الملك إلا بما يزيل الملك، فلا يمنع المقتَرِضَ من استخدام العبدِ المُقْتَرَضِ ويَحْمِلُ الإقراضَ على إباحة ذلك، وعلى تمهيد تحصيل الملك إن أراد المقترض تحصيلَ الملك. فأما الإجارة، فلا نصححها، فإنها تستدعي ملكاً، والملك عند هذا القائل لا يحصل بها. ولسنا نحوم بعدُ على استقراض الجارية، فإنا سنذكر أمرها في الفصل الثاني، وهو ما يُستقرَض وما لا يستقرَض. فرع: ٣٣٧٩ - [إذا استقرض] (١) عيناً وباعها على شرط الخيار. فإن قلنا: البيع لا ينقل الملك، والتفريع على أنه لابد من تصرفٍ ناقل للملك، فلا يحصل الملك للمستقرض. وإن فرعنا على أن المعتبر تصرفٌ يستدعي الملك، فالبيع يُملّك المستقرضَ؛ فإنه يستدعي ملكاً، وإن كان لا ينقل الملك ما لم يَلْزم. وإن قلنا: البيع ينقل الملك، والتفريع على أنه لابد من ناقل للملك، فهذا نقل على الجواز، لا على اللّزوم. وفيه تردد للأصحاب. وهو محتمل جداً. وكان شيخي يقول: لا خلاف أن الملك إذا حصل في زمان الخيار لمن اشترى زوجته، فالنكاح ينفسخ. هذا منتهى التفريع على التصرفاتِ المعتبرة في قولنا: لا يملك المستقرض ما لم يتصرف. وقد نجز الغرض فيما يملّك المستقرَض.

стр. 2822

٣٣٨٠ - فأما القول فيما يصح إقراضه: قال صاحب التلخيص: " ما يصح السلم فيه، يصح إقراضُه إلا الولائد ": أراد الجواري. فنقول أولاً: مقتضى كلامه: أن ما يمتنع السلم فيه لأن الوصفَ لا يحيط به لا يصحّ إقراضُه. وهذا ما ذهب إليه الجماهير المعتبرون من الأصحاب. ووجهه أن القرض مقتضاه إلزامُ ذمة المقترض عوضاً موصوفاً، فينبغي أن يكون الشيء قابلاً للصفة، وكأنَّ العينَ المقرضَة بصفاتها سبيلٌ في وصفِ ما يُلزمه ذمةَ المقترض. وهي نازلةٌ منزلةَ ذكر الأوصاف في السلم. فيخرج إذاً مما ذكرناه أن اللؤلؤةَ لا يجوز إقراضُها، وكذلك النشابة والقوس، وكل ما يمتنع السلم فيه. وذكر الشيخ أبو علي هذا الوجهَ، ووجهاً آخر: وهو أن الإقراضَ يجوز في هذه الأشياء. والقول في هذا ينبني على ما سأذكره في آخر الفصل، وأنبه على رد هذه المسألة إن شاء الله تعالى. ٣٣٨١ - ومما يتعلق بهذا الفصل الكلامُ في إقراض الجواري. وقد نص الشافعي على قولين فيه: أحدهما - تجويز ذلك قياساً على العبيد والعُرُوض، والنقود. والقول الثاني - لا يجوز إقراضهن. وقد اتفق أصحابنا على أحد هذين القولين في أن الملك متى يحصل في القرض. ثم ذهب الأكثرون إلى أنا إن قلنا: يحصل الملك بالقبض، فيصح إقراضُ الجارية، ويملكها المقترض بالقبض، كما يملكها بالاتهاب والقبض. وإن قلنا: [لا يحصل الملكُ في القرض بالقبض، فلا يصح إقراضُ الجواري] (١)؛ فإن في تصحيحه تسليمَهن إلى المقترض، فتثبت يدُه عليها من غير ملكٍ. وقد يُفضي ذلك إلى الإلمام، فالوجه حسم هذه الجملة بالكلية.

стр. 2823

وذكر الشيخ أبو علي مسلكاً آخر في بناء إقراض الجواري على الملك، وهو عكس ما ذكره الأصحاب. فقال: إن قلنا: يحصل الملك في القرض بالقبض، فلا يصح إقراض الجارية؛ فإن المقترض لو ملكها، لاستحلها، ثم مَلكَ ردها في عينها، فيكون ذلك على صورة إعارة الجواري للوطء. وإذا قلنا: لا يملك القرضَ بالقبض، فيصح إقراضُ الجارية؛ فإن مستقرضَها إذا لم يملكها، لا يستحلها، ولا يقع ما صورناه من وطء الجارية وردّها في عينها. هذا مسلكه. والذي ذكره الأصحاب قريبٌ. ولا بأس بما ذكره الشيخ أيضاً. والقياسُ جواز الإقراض على القولين. ولكن صح عن السلفِ النهيُ عن إقراض الوَلائدِ. وكأن المسألة اتباعية. وأجمع أئمتنا أن الجارية إن كانت من محارم المستقرِض بنسب أو رضاع، أو صهرٍ، فيجوزُ إقراضها منه. لم أرَ في هذا خلافاً. وهذا يُنبِّهُ (١) على أن المحذورَ الوطءُ واستحلاله، على التفصيل الذي ذكرناه. ٣٣٨٢ - فإذا ثبت التفصيل فيما يجوزُ إقراضه، فالمقترَض لا يخلو إما أن يكون من ذوات الأمثالِ، وإما أن يكون من ذوات القيم؛ فإن كان من ذوات الأمثال، فلا شك أن المردود مثلُ المستقرَض. وإن كانَ المُقرَضُ من ذوات القيم، فقد ظهر اختلاف الأصحاب فيه: فذكروا وجهين أشبههما (٢) بظاهر الحديث أنه يرد مثل ما قبض. وإن لم يكن من ذواتِ الأمثالِ. وصح " أن رسول الله ﷺ استقرض بكراً من أعرابي فتقاضى عليه وأغلظ عليه في القول ". قال أبو هريرة فهممنا به فقال ﵇ " دعوه فإن لصاحبِ الحق يداً ولساناً. ثم أمر أبا رافع أن يقضيه، فلم يجد إلا بازلاً (٣)، فقال:

стр. 2824

" أعطوهُ إياه، خيركم أحسنكم قضاءً " (١) ويعتضد هذا الوجه أيضاً بأن القرض ليس فيه تعرض لذكر العوض، ولو كان الواجب ردَّ قيمة العين لوجب إعلامها، فوضح أن القرض ينزل على العين، وعلى ما يجانسه. والوجه الثاني -وهو الأقيس- أن العين إذا كانت من ذوات القيم، فالواجب على المستقرض قيمتُها؛ فإنه لا مثل لها، ولو ضمنت بالمثلِ في القرض، لضمنت في الإتلافِ بالمثلِ. وهذا القائل يقول: القرضُ إذاً في التصرف والاستهلاك مضمَّن بالبدل الذي يثبت عند الإتلاف. هذا تقديره. وما قدّمناه من الوجهين في إقراض ما لا يصح السلم فيه مبنيان على هذا الذي ذكرناه الآن. فإن قلنا: العين المُقرَضةُ مضمونة بالقيمة، إذا لم تكن من ذواتِ الأمثال، فإقراض الدُّرةِ جائز بناءً على قيمتها. وإن أوجبنا ردَّ المثل، لم يجز فيما لا يضبطه الوصف. ٣٣٨٣ - وأمَّا إقراض الخبز وكل ما لا يجوز بيعُ بعضِه ببعضٍ ينبني (٢) على أن ما ليس من ذوات الأمثالِ يَضمن المقترض مثلَه أو قيمتَه. فإن ألزمناه القيمةَ، والخبز [ليس من ذواتِ الأمثال، فيجوز إقراضه، فإنه ليس فيه مقابلة الخبز بالخبز. وإن قلنا: يضمن المقترض المثل، فهذا يؤدي إلى مقابلة الخبز بالخبز] (٣). وقد اختلف

стр. 2825

أصحابنا فيه، فمنهم من منع الإقراض لأدائه إلى مقابلة الخبز بالخبز. ومنهم من جوز للحاجةِ الماسة، كما يجوز مقابلة الدراهم بالدراهم من غير تقابضٍ. وإلى هذا مال القاضي. وقد نجز الكلامُ في أصول القرض. ٣٣٨٤ - وحان أن نُفَصِّل القرضَ الذي يجر منفعة، فنقول: صح أن النبي ﷺ " نهى عن قرضٍ جرَّ منفعة " (١) واتفق المسلمون على منع ذلك على الجملة، وإن كان مِنْ تردُّدٍ، ففي التفصيل. والمعنى المعتبر أن القرض معروفٌ أثبته الشارع لمسيس الحاجة. واستثناه عن تعبداتِ البياعاتِ، وإنما يتحقق معروفاً إذا لم يقصد المقرض جرَّ منفعة. فإذا أقرض رجُل رجلاً دراهمَ مكسّرة وشرط أن يردها صحيحةً، فالقرض فاسد. ومن هذه الجملة السفاتج (٢)، فإذا جرت مشروطة، فأقرض رجل رجلاً مالاً ببلدةٍ، وشرط أن يرده ببلدة أخرى، فهذا الشرط يفسد القرض؛ فإن المقرض يبغي به درْءَ خطر السفر عن ماله. وهو منفعة ظاهرة. فإن قيل: أتجوزون القرض على شرط الرهن والكفيل؟ قلنا: هو جائز، لا خلاف فيه، وليس هو من القرض الذي يجر منفعة؛ فإن الرهن لا منفعة فيه إلا التوثيق. وكذلك الكفيل، وليس في استيثاقِ المقرض بالرهن جلبُ منفعة زائدة؛ فإنه كان بملكه أوثقَ منه بالرهن الآن. ولو قال: أقرضتك هذه الدراهمَ الصحاح على أن تردها مكسّرة، فهذا حط من مقدار الحق، وليس جلبَ منفعة، ثم تفصيله أنه إن لم يكن هذا القرض (٣) في معرِض

стр. 2826

الشرط، بل ذكره متساهلاً واعداً، فالقرضُ صحيح. وهو بالخيار في الوفاء بالوعد. وإن ذكر ذلك على صيغة الشرط، فقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من حمله على المحمل الأول، وصحح القرضَ. وهو الأصح؛ فإن الشرط في الحقيقة مكرمة، وإنما تشعر صيغةُ الشرط بحقيقة وضعه إذا كان يستجلب الشارط حظاً وغرضاً. ومن أصحابنا من أفسد القرض بصيغة الشرط. وقد تمهد هذا فيما سبق. قال الشيخ أبو علي: من أقرض رجلاً مائة درهم على أن يقرضه مائةً أخرى، ولم يتعرض المقترض لذلك، فالصحيح أن القرض لا يفسد بهذا؛ فإن ما ذكره المقرض ليس إلزاماً وإنما هو وعد. وهو بالخيار في الوفاء به. وفيه الوجه الضعيف تمسكاً بصيغة الشرط. ولا عود إليه بعد هذا. وقال الشيخ: لو وهب رجل من رجلٍ شيئاً على أن يهب منه شيئاً آخر، لا تفسد الهبة، كما ذكرناه في القرض، وهذا في الهبة أظهر. كما سنصفه في آخر المسائل. ولو قال: بعتك هذا العبدَ بألفٍ على أن أهب منك هذا الثوب، فالبيع باطل، والسبب فيه أن المبيع يقابِل عوضاً، فإذا ضمَّ إليه ما لا يلزم، خرج المبيع عن كونه مقابلاً على التجريد بعوضه؛ وهذا يتضمن جهالةَ العوض من غير فرق بين أن يكون الشرط للشارط أو عليه. والهبة لا عوض فيها، فلا حكم لما يأتي به الشارط، إذا كان يلتزم مزيداً ولا يُلزم. وأما القرض، فهو ملحق بالهبة. وإن كان مقابلاً بالعوض؛ فإن حقائق الأعواض لا تراعى فيها، ولو روعيت، لكان يسمى. ولو أقرض وشرط الأجل، فالوجه أن يقال: إن لم يكن للمقرِض غرض في الأجل، فالأجل لا يثبت، والقرض لا يفسد. كما ذكرناه. وإن قُدِّر للمقرض غرضٌ في ذكر الأجل بأن يفرض زمانُ نَهْبٍ والمقترضُ مليءٌ وفيٌّ، فالأحْزم إيقاع المال في ذمته؛ حتى لا يتعرض للضياع. فإن كان كذلك، فمن أصحابنا من جعل شرطَ الأجل جرَّ منفعة، وهو اختيار القاضي، ووجهه لائح. ومنهم من حسم الباب، وجعل الأجل حقَّ المقترض؛ فإنه تأخير المطالبة وإسقاط الطلب بالشيء كإسقاط المطلوب، فلا نظر إلى فرض التعرض للآفةِ.

стр. 2827

٣٣٨٥ - ثم ما ذكرناه من أن القرض إذا اشتمل على شرط يجرّ منفعة، فهو فاسد، فهو فيه إذا كان المالُ المقترضُ من أموال الربا. فأما إذا لم يكن من أموال الربا، فالشرط الذي يجر المنفعة هل يفسده؟ فعلى وجهين ذكرهما صَاحب التقريب والعراقيون: أحدهما - أن القرضَ يفسد؛ لأنه إذا اشتمل على جرِّ المنفعة، كان المال خارجاً عن وضعه ومقصوده. والوجه الثاني - أنه لا يفسد؛ فإن المحذور في مال الربا أن يُردَّ إلى قياسِ المعاوضة، ثم إذا رُدّ إليها، فسد من قِبَل ترك التقابض في المجلس. وإذا كان المال خارجاً عن الربا، لم يضرّ ردُّ القرض إلى قياس البيع. وهذا فيه نظر من قِبَل أنه إذا رُدّ إلى قياس البيع، وجب فيه التزام شرائط البيع، من تسمية العوض ورعاية شقي العقد إيجاباً وقبولاً، ثم يكون هذا خارجاً عن الباب بالكلية، ويرجع بيعاً محضاً. ومن جوز هذا من أصحابنا لم يشترط ردّه بيعاً محضاً. فليفهمه الناظر. وقد صح أن النبي ﷺ " أمر عمرو بنَ العاص حتى استسلف بعيراً ببعيرين إلى إبل الصدقة " (١) ثم مهما (٢) حكمنا بفساد القرض لم يملك المستقرض ما أخذه على قولنا بحصول الملك بالقبض، ولم يملك التصرف فيه على القول الآخر. فرع: ٣٣٨٦ - إذا أقرض رجل رجلاً دراهمَ ببلدة، ثم رآه في بلدة أخرى، وأراد مطالبته بالقرض، نُظر في المال: فإن كان مثل النقود التي لا عسر في نقلها، ولا تتفاوت قيمتُها بتفاوت البقاع، فظاهرُ المذهب أن لمستحق الحق مطالبتَه. وإن

стр. 2828

كان الشيء مما يعسر نقله، وتختلف قيمةُ جنسه باختلاف البلادِ، فلا يطالبه في غير بلد الإقراضِ. وإن غصب عيناً، ثم ظفر المغصوب منه بالغاصبِ في غير محل العدوان والضّمانِ، ولم تكن العين معه، فأراد أن يغرمه مثلَ العين المغصوبة وهي من ذوات الأمثال، ففي المسألةِ وجهان: أحدهما - أنه لا يطالبه بها. ونقلها عسر وقيمتها متفاوتة، كما لا يطالَب المستقرِض. والوجه الثاني - أنه يطالَب؛ تغليظاً عليه، بخلاف المقترض. وسيكون لنا إلى هذا عَوْدٌ بأشفى بيانٍ، إن شاء الله تعالى - في كتاب الغصب. ثم إن قلنا: لا يطالبه بمثل المغصوب، فيطالبه بقيمته اعتباراً ببلد الغصب، وهذا للحيلولة (١). ثم إذا لقيه في بلد الغصب والعين المغصوبةُ قائمة، ردَّ القيمة واستردَّها. وإن كانت تالفةً، فهل يرد القيمة، ويسترد مثلَ المغصوب، وهو من ذوات الأمثال؟ فيه خلافٌ سيأتي إن شاء الله. وإن ظفر المقرض بالمستقرض، فقد ذكرنا أنه لا يلزمه مثل المال إذا كان يثقل نقلُه، ولكن يلزمه القيمة اعتباراً ببلد القرض؛ فإنا لو لم نقل بهذا، لاتخذ المقترضون التغرّبَ ذريعةً في إسقاط الطَّلِبة في الأموال التي وصفناها. فرع: ٣٣٨٧ - عماد الإقراض اللفظ والإقباض: ثم اللفظ أن يقول: أقرضتك أو لفظٌ هذا معناه. ومن الألفاظ أن يقول له: خذ هذا واصرفه في حوائجك بمثله مهما وجدت (٢). وأمّا قبول المستقرض نطقاً، ففيه خلاف: فمن أصحابنا من لم يشترطه، وهو ظاهر المذهب؛ لأن الإقراض حاصله يرجع إلى الإذن في الإتلاف على شرط الضمان، وهذا لا يستدعي قبولاً. ومن أصحابنا من قال: لا بد من القبول؛ فإن هذا التصرف لا يقصر عن الهبة،

стр. 2829

وهي مفتقرة إلى القبول، مع عروّها عن العوض؛ فالقرض المضمَّن بالعوض بذلك أولى. وهذا الخلاف يقرب من القولين في أن القرض هل يتضمن تمليكاً إذا اتصل به القبض. ولا يكاد يخفى وجه الأخذ منه. فصل قال: " لو كان له على رجل حق حَالٌّ من بيع أو غيره، فأخّره به مدةً معلومة ... إلى آخره " (١). ٣٣٨٨ - لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة ﵀ في أنه إذا أقرض شيئاً، ثم أراد أن يلحق به أجلاً، لم يلتحق؛ فإنه لو ذكر الأجل عند الإقراض لم يثبت. فأما إلحاق الأجل بالثمن بعد لزوم البيع، ففاسدٌ لاغٍ، والزوائد التي تلحق بالثمن أو المثمن بعد لزوم العقد، لا تلتحق. وهي ملغاة إذا ذكرت. خلافاً لأبي حنيفة (٢). والحط من الثمن نافذ، ولكنه تبرع غيرُ ملتحق بالعقد عندنا. وأثر ذلك أن البائع لو أبرأ المشتري عن شيء من الثمن بعد لزوم العقد، لم يحط المحطوطُ عن المشتري عن الشفيع؛ فإنه يأخذ المبيع بما وقع العقدُ عليه، وهذا الإبراء غيرُ منعطفٍ على حكم العقد. وهو بمثابة ما لو قبض الثمن ثم وهبَ بعضَه من المشتري. وهذا إذا كان الإلحاق بعدَ لزوم البيع. ٣٣٨٩ - فأما إذا فرض إلحاق بالثمن أو بالمثمن في حال جواز العقد بدوام المجلس، أو بسبب خيار الشرط، ففي التحاق الزيادة وجهان مشهوران: أحدهما - أنها تلتحق وتصير كالمذكورة في العقد. والثاني - أنها لا تلتحق.

стр. 2830

وقد بنى الأصحابُ هذا الخلاف على أن البيع في زمان الخيار هل ينقل الملك؟ قالوا: فإن قلنا: إنه ينقله، فلا إلحاق. وإن حكمنا بأن البيع لا ينقل الملك، فذكر الزيادة على التوافق بمثابة ذكرها بين الإيجاب والقبول. والصحيح عندنا أن الزيادة لا تلحق وإن حكمنا بأن البيع لا ينقل الملك؛ لأن البيع الأول إذا لم يُرفع ولم يشتمل لفظ العقد على هذه الزيادة، فلا معنى لتقدير إلحاق الزيادة من غير فسخ محقَّق وإعادة، فيمتنع لحوق الزيادة لفساد الصيغة. ثم من رأى إلحاق الزيادة، قال: لو حُط بعض الثمن عن المشتري، فهو محطوط عن الشفيع. وقال: لو حُط جميع الثمن، فسد العقد، وكأنه خلا في أصله عن ذكر الثمن. ولو توافقا على إلحاق شرط فاسد، فسد العقد به. ولو ألحق أحدهما شرطاً فاسداً، فسد العقد أيضاً، وإن لم يوافقه صاحبه. ولو انفرد أحدهما بذكر زيادة صحيحةٍ، وامتنع من قبولها الثاني، لم تلحق الزيادة. ولكن إن تمادى الشارط، ولم يفسخ البيعَ، استمر العقد صحيحاً، ولغت الزيادة. وليس كما لو ذكر أحدهما بين الإيجاب والقبول شرطاً ولم يساعده الثاني، فإن العقد لا ينعقد؛ إذ صيغةُ العقد تستدعي توافقاً بين الموجب والقابل. وإذا اختلف القولان، خَرَجا عن مرتبة الجواب والخطاب. ومن عليه الحق المؤجل إذا أسقط الأجل، لم يسقط الأجل في حق مستحِق الدين، حتى لو أتى به قبل حلول الأجل المذكور، لم يجبر مستحِق الدين على القبول، على القول الصحيح. وهل يسقط الأجل في حق من عليه الدين المؤجل؟ حتى لو أراد مستحِق الدين مطالبتَه قبل حلول الأجل هل يكون له ذلك؟ فعلى وجهين: أحدهما - يسقط الأجل في حق من عليه الدين؛ لأنه أسقط حقَّه. والثاني - لا يسقط الأجل؛ لأنه صفة، والصفة لا استقلال لها. وهذا بمثابة ما لو استحق الرجل دراهمَ صحيحةً، فقال: أسقطت حقي في صفة

стр. 2831

الصحة، وأنا راضٍ بالمكسّرة، فلا يسقط حقه إجماعاً. فكذلك الأجل. ومن قال بالأول، انفصل عن الصحة والجودة، وقال: هي صفةُ حق لمستحِق، والأجل حقّ لمن عليه الدين. وليس الموصوف بالأجل حقُّه، فهو إذاً في حقه حقٌّ محض متأصل ليس صفةً. * * *

стр. 2832

بابُ تِجارَة الوَصِيِّ بمَالِ اليتيم قال: " وأحب أن يتجر الوصي بمال من يلي ... إلى آخره " (١). ٣٣٩٠ - أصول القول في الأوصياء يأتي في كتاب الوصايا، إن شاء الله تعالى - ونحن نذكر في هذا الباب ما يليق به وأطرافاً مما نعود إليهِ في كتاب الوصايا تمس الحاجة إليها في نظم مقصود الباب. فنقول: وصيُّ الأب ومنصوبه يتصرف في مال الأطفال كما كان يتصرف الأب في حياته. والقول في الجد أب الأب ووصيه كالقول في الأب. فأما وصي الأم، فلا يتصرف في مال أطفالها وأولادها المجانين في ظاهر المذهب؛ لأنها بنفسها لا تتصرف في أموالهم في حياتها، فكيف يتصرف نائبها بعد وفاتها؟ وذهب الإصطخري إلى أن الأم تملك التصرفَ في ولدها وماله، والنكاح مستثنى عن تصرفات النسوة. ثم قال الأصطخري: وصي الأم يلي أطفالها بعد وفاتها، كما أنها بنفسها تتصرف في حياتها. ثم إن نصب السلطان قيِّماً في أمر الأطفال، فلفظ النصب مع لقب القوام لا يسلِّط المنصوبَ على التصرف في مال الطفل؛ فإنا نجوز أن يكون نصبُه إياه للحفظ فحسب. فإن صرح بتفويض التصرف مَلَكَه على موجَب الشرع. فأما الأب إذا قال: نصبتك وصياً على أطفالي أوْ في أموال أطفالي، فلا شك أن الوصي يحفظ عليهم أموالهم. وهل يملك التصرفَ تعويلاً على لفظ الإيصاء من غير تصريح بالإذن في التصرف؟ فعلى وجهين: أظهرهما - يملك ذلك، بخلاف نصب

стр. 2833

القاضي القيمَ. ومن أصحابنا من قال: لا يملك التصرفَ من غير تصريح، كنصب القيم من جهة السلطان. فإن قيل: فما الفرق؟ قلنا: القُوَّام ينقسمون إلى حفظةٍ ومتصرّفين، وليس يغلب عرفٌ في التصرف، والأوصياء عمَّ العرفُ في تصرفهم، وانضم إليه قرينةُ مسيس الحاجة عند انقطاع نظر الموصي بالموت. وظهر اختلاف الأصحاب في اجتماع وصي الأب وجدّ الطفل من قِبل الأب، فمن أصحابنا من قدّم الجدَّ ورآه أولى، ومنهم من قدم وصي الأب، وذلك يأتي على الاستقصاء، إن شاء الله . ومقصود البابِ تفصيل القول في تصرف الموصى، فنقول: ٣٣٩١ - لا شك أن المأخوذ على الوصي مراعاةُ النظر والغبطةِ والمبالغةِ في الاحتياط، حتى لا يبيع سلعةً له بعشرة، وثم من يطلبها بعشرة وحبة. وللوصي أن يبيع بالنسيئة إذا زاد القدر بسبب الأجل، وارتهن به رهناً وافياً. فإن أراد البيع نسيئةً من غير أخذ رهن، وكان من عليه تقدير الدين مليّاً وفياً، فالأصح الصحةُ. ومن أصحابنا من منع دون الرهنِ، والكفيلُ لا يسد مسدَّ الاستيثاق بالرهن، فإن متضمن الضمان ضمّ ذمةٍ إلى ذمة، والذمم وإن تَضامَّت لا تسد مسدَّ الاستيثاق بالرهن. وسنذكر أصلَ هذا الخلاف في سياق الفصل. والوكيل المطلق والعامل لا يتبايعانِ بالنسيئة؛ فإنهما يتصرفان بالنيابة المحضةِ، والوصي وإن كان نائباً، فتصرفه تصرفُ الولاة؛ فإنه خلفَ الأبَ عند فواته، ثم الأب يبيع نسيئة، على شرط المصلحة. ٣٣٩٢ - ومما يليق بتصرف الوصي الكلامُ في مسافرته بالمال في البر والبحر. أما إن كان في الطريق خوفٌ، فلا سبيل إلى المسافرة بمال الأطفال. وإن غلب الأمن في الطريق، بحيث تغلب السلامةُ، ويندر نقيضها، فهل يملك الوصي المسافرة بمال الأطفال؟

стр. 2834

أما السفر في البر، فقد ذكر الأصحابُ فيه وجهين وقالوا: أظهرهما - أنه يملك المسافرة، فإنه جهة في الاكتسابِ، وهو موكول إلى نظر الوصي. والوجه الثاني - أنه لا يملكه، كما لا يملك المودعَ المسافرةَ بالوديعة. والأول يقول: لم يُجعل إلى المودعَ النظرُ لمالك الوديعةِ، وجُعل إلى الوصي النظر في استنماء مال الطفل. وهذا يُعذ من جهات الاستنماء. وما ذكرناه من الخلاف في البيع نسيئة من غير رهن قريبُ المأخذ من المسافرة مع غلبة الأمن. هذا قولنا في البر. فأما المسافرة بمال اليتيم في البحر فإن كان معطبةَ، فلا سبيل إليه، وإن لم يكن كذلك، وكان يركبه التجار في تجايرهم، وقد يقال: الأمن غالبٌ فيه، فقد قطع معظم الأصحاب بالمنع عن المسافرة فيه بمال اليتيم. بخلاف البر؛ فإن غرر أسلمِ البحار لا ينقص عن خطر البر مع الخوف. وذهب بعض الأئمة إلى أن هذا يخرّجُ على وجوب ركوب البحر للحج. فإن لم نوجبه، فلا يجوز المسافرةُ بمال الأطفال فيه. وإن أوجبنا ركوبَ البحر للحج، فقد نزلناه منزلة البر. وقد صح: "أن عائشة أبضعت بأموال بني (١) محمد بن أبي بكر في البحر" (٢). ومن منع ذلك، تعب في تأويله، وأقربُ مسلك في ذلك أنها أمرت بذلك والممر على السَّاحل الذي لا يتوقع فيه غررٌ من جهة البحر، فإذا كان كذلك، فهو كالبر لا شك فيه. وقيل: لعلها فعلت ذلك بشرط الضمان، وهذا بعيد؛ فإن ما يضمن، فهو ممنوع. والأولى أن يقال: رأت ذلك رأياً، والمسألة مظنونة. ٣٣٩٣ - ومما يتعلق بغرض الباب أن أئمة العراقِ والقاضي ذهبوا إلى فرقٍ بين

стр. 2835

تصرف الأب وبين تصرف الوصيِّ، ونحن نسوقه على وجهه: قالوا: لا ينفذُ القاضي شيئاً من تصرفات الوصي إذا ارتفع إلى مجلسه من غير بينةِ تقوم على أنها موافقةٌ للغبطةِ، وينفّذ تصرفات الأب مطلقاً، وعلى من يدعي خلافَ الغبطةِ البيّنةُ. ولو بلغ الصبي وادعى على الوصي مخالفةَ الغبطةِ، فالقول قوله، وعلى الوصي البيّنةُ. ولو ادعى على أبيه مخالفةَ الغبطة، فالقول قول الأب. والسبب فيه أنَّ تصرف الأب محمولٌ على فرط شفقته وانتفاءِ التهمة عنه، واستحثاث الأبوة إياه على طلب الغبطةِ. والوصي عدلٌ في ظاهر الأمر، وليس على شفقة تستحث على طلبِ الغبطة. ولا يكفي في تصرف الأوصياء أن يعرَى عن الغبن. ولو أنفق الأب شيئاً في مصلحة الصبي، فبلغ الصبي وأنكره، أو زعم: أنك تعديت قدرَ الحاجة، فالقول قولُ الأب. ولو ادعى مثلَ ذلك على الوصي، فهل يقبل قول الوصي؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يقبل، كما لا يقبل منه دعوى الغبطة في البياعاتِ. والثاني - يقبل؛ فإن تكليفه الإشهادَ على كل ما ينفق عليه عسر، والإشهادُ على البياعات من الممكنات. فصل قال: " وإذا كنا نأمر الوصيَّ أن يشتري بمال اليتيم عقاراً ... إلى آخره " (١). ٣٣٩٤ - المتصرِّفُ في مال الطفل بالوصاية والولاية إذا رأى من النظر أن يشتري له عقاراً يردّ عليه غلّةً يُقصد مثلُها ببذل ثمن العقار، فليفعل ذلك، والعقار المغلُّ خير من إعدادِ المالِ للتجارة؛ فإن التجاير على غرر من جهةِ الأسعار أوَّلَا، وإن فرض مسافرة بها يعترضها فنون من الغرر، والعقارُ على إغلاله باقٍ في الأصل، ولو أراد أن يشتري عقاراً نفيساً من جهة القيمة، لا يُغل غَلّة بمبلغها احتفالٌ، بالإضافةِ إلى ما بذل في ثمن العقار، مثل أن يشتريَ داراً عظيمة لا حاجة بالصبي إليها، ولا يوجد من يكتريها،

стр. 2836

فهذا ليس من النظر. وما خالف النظر، فهو مردودٌ. وإذا كنا نرى أن يشتري العقار للطفل على الترتيب الذي ذكرناه، فينبغي ألا يبتدر بيعَ العقار إلا على تثبتِ وتبتن ونظرٍ ظاهر. ٣٣٩٥ - وحاصل القول أنه يبيعه لغبطةِ ظاهرة تقدَّم على شرفِ العقارِ وفضيلةِ ثبوته على سائر المال. وذلك بأن يكون للصبي شقصٌ من عقار، وكان يطلبُه الشريكُ بأكثرَ من ثمنه، وظهرت الزيادة على التقريب الذي ذكرناه، وكان الشريك يحتاج إليه لتخليص العقار لنفسه، أو لتسوية رَبْعه، فهذه غبطة. ومن تمام تصويرها ألا يعجز الناظر للطفل من شراء عقار آخر للطفلِ أكثرَ قيمة وريعاً مما يبيعه، فهاهنا تظهر الغبطة. ولو كان لا يقدر على تحصيلِ عقارٍ بالثمن الذي يأخذه، فذاك في غالب الحال لعلمِ الناسِ بشرف العقار ومزيته على الثمن الذي حصله؛ فإن الناس تتبع الغبطة، فإن كان لا يقدر على تحصيل العقار، فالغالب أن لا خير في بيع العقار. فهذا تمهيد معنى الغبطة، وقد لاح أن لا يكتفى فيه بثمن المثل، ولا بزيادةٍ قريبةٍ يستهين بها أربابُ العقول بالإضافة إلى شرف العقار، وينضم إليه الاستمكانُ من تحصيل عقارٍ للطفلِ. فإذا وقع التنبيه على الأصل، هان اتباعُ الصور. فهذا بيع العقار لأجل الغبطة. ٣٣٩٦ - وأما بيعه لأجل الحاجة، فإن مست حاجة الطفلِ إلى النفقةِ ولم يتأت تحصيلها إلا من جهة العقارِ، فيبيعُ منه بقدر الحاجة؛ إن عجز عن تحصيل النفقةِ بجهة أخرى. ثم القولُ في تصديق الولي في ادعاء الغبطةِ، أو الحاجة، وفي إجراء الوصي على خلافه، وإحواجه إلى إثبات الغبطة بالبيّنة - كما (١) ذكرناه.

стр. 2837

فصل يحوي أحْكامَ ألفاظ الطفلِ في المعاملاتِ وغيرهَا ٣٣٩٧ - أما حكمه في العباداتِ، فقد مضى. وأما إسلامه، فسيأتي ذلك في كتاب اللقيط. وشهاداته مردودة، وفي روايته ولا عرامة (١) به خلافٌ، وفي وصيته -والتدبيرُ من الوصية- قولان. وإذا انضم إلى قوله قرينة تتضمن تصديقَه، مثل أن يفتح البابَ ويخبر عن إذن صاحبها بالدخول، أو يخبر -في بعثه الهدايا والتحف- عن حقيقتها. فإن انتفت العرامةُ، وجرى ما ذكرناه مرسلاً، ولا قرينة، فتصديقه فيما يخبر عنه محمولٌ على الخلاف في قبول روايته. وإن انضم قرينة مصدقة، نُظر: فإن بلغ الأمرُ إلى العلم، سقط أثر قوله، وإن لم تنته القرينة إلى العلم، فلأصحابنا طريقان: منهم من خرَّجه على الخلاف في روايته، ومنهم من قطع بالتعويل عليه، واستمسك بعاداتِ الأولين، في اعتماد مثل ذلك. ولا تصلح عبارته لشيء من العقود خلَا الوصيةَ والعبادة. فلا تستقل [ولا تصح] (٢) عبارته بإذن من يليه. ولا فرق بين أن يكون من يليه عنده يراقبه، وبين أن تقدّر غيبته عنه، وهذا يؤخذ من سقوط عبارته في هذه القواعد عندنا. والخلاف مشهور مع أبي حنيفة (٣). واختلف أصحابنا في بيع الاختبار، وذلك أنا قد نرى للولي أن يخبُرَ الصبي إذا ناهزَ

стр. 2838

الحلم؛ حتى يستبينَ رشدَه في الوجوه. فإن رأى أن يفوض إليه عقداً حتى يتعاطاه، وهو يراقبه ليستبين تهدِّيه وكَيْسه، فهل ينفذ ذلك؛ المذهب أنه لا ينفذ. واشتهر عن بعض الأصحاب تنفيذ هذا العقد وهذا لا وجه له. ولا أصل في قاعدة المذهب لهذا. ٣٣٩٨ - والصبي ليس من أهل القبض فيما لا يكون من أهل العقد فيه؛ فإن القبض فيه من الخطر ما يزيد على العقد. وإذا كان القبض مملِّكاً في عقدٍ كالقبض في الهبة، فيدُ الصبي لا تصلح له، كما لا تصلح عبارتُه للفظ الذي يملِّك لو صدر من أهله. وقال الأئمة: لو قال مالك الوديعة للمودَع: سلِّم الوديعةَ إلى هذا الصبي، فسلمها إليه، برىء؛ فإنه امتثل أمرَه، فيما هو خالصُ حقه. ولو قال للمودعَ: ألقِ هذه الوديعةَ في النارِ، فألقاها، بَرِىء. ولو قال مستحق الدين لمن عليه الدين: سلّم حقي عليك إلى هذا الصبي، فإذا فعل، لم يبرأ، حتى لو ضاع من يد الصبي، فحق مستحِق الدين باقٍ في ذمة المديون؛ فإن يد الصبي لا تصلح للقبض، ولم يتعين بعدُ حق ذي الحق حتى يكون قولُه هذا بمثابةِ الرضا بإتلاف حقه. ولو قال لمن عليه الدين ألْقِ حقي في هذه النار، فإذا ألقى مقداره فيها، لم يبرأ؛ فإن ما يلقيه حقُّ (١) الملقي بعدُ إلى أن يتعيَّن بقبضٍ صحيح، هو المملِّكُ في العين. وهذا ظاهر. ثم إذا ضاع ما سلمه إلى الصبي فبقاءُ الحق على ما وصفناه، ولا ضمان على الصبي. وقد قال الأئمة إذا أودع الرجل شيئاً من ملكه عند صبي، فضاع في يده بسبب ترك الحفظ، فلا ضمان والمضيعُ ربُّ الوديعة؛ إذْ وضعها عند من ليس أهلاً لها. ولو أتلف الصبي الوديعة ففي وجوب الضمان عليه وجهان سيأتي ذكرهما في كتاب الودائع: أحدهما - لا يجب الضمان؛ فإن المودِع هو المسلِّط على الإتلاف.

стр. 2839

ولا خلاف أنه لو باع منه شيئاً وسلمه إليه، فأتلفه، لم يضمن؛ فإن التسليم في البيع تسليط على وجوه التصرّف، بخلاف التسليم في الوديعة. وقال المحققون: لو دفع الصبي ديناراً إلى صراف لينقده، فإذا أخذه منه، لم يجز أن يرده عليه، وهو مال الغير حصل في يده، فليردّه على مالكه، فإن رده على الصبي دخل في ضمانه، يعني في ضمان الصراف، حتى لو ضاع في يد الصبي، ضمنه الصرّاف. ولو ظفر الصبي بدرهم، فاشترى به شيئاً فأكله، فما أكله لا ضمان عليه فيه، وما قُبض منه فقابضه مضمون عليه. أما الضمان فبيّن. وإهدار ما أكله معلل بتسليط المالك إياه على الإتلاف (١). * * *

стр. 2840

باب مداينة العبد (١) ٣٣٩٩ - نذكر في الباب قاعدتين: إحداهما - في العبد المأذون (٢ في التجارة والثانية - في العبد الذي ليس مأذوناً له في التجارة ٢). فأما المأذون، فالأولى تصدير حكمه بحقيقة أمره، فمذهبنا أن السيد إذا أذن لعبده في التجارة، فعقوده فيها واقعة للمولى، والعبدُ مستنابٌ فيها. فإن سَلّم إليه مالاً، وأمره بالتجارة، فالمعنى الذي ذكرناه ظاهر في هذه الصورة؛ فإنه لو سلم هذا المال إلى حرٍّ مطلق، وأمره بأن يتصرف فيه عنه، كان التصرف للآمر؛ من حيث أن ما يباع فهو مالُه، وإذا خرج عن ملكه، انقلب العوضُ إلى مخرج المعوَّض، فإذا كان هذا قولَنا والمأمور حر مطلق، فالعبد بذلك أولى. وإن لم يسلّم إلى العبد شيئاً، وأمره بأن يشتري ويؤدي الثمنَ من كسبه، فكسبه ملك المولى، ولا يكتسب شيئاً إلا ويصير عينُ المكتسب عينَ مال السيد. ثم يقع تصرفه فيه بمثابة تصرفه في سائر أعيان مال المولى. وقال أبو حنيفة (٣): المأذون له في التجارة يتصرف لنفسه، وهذا نظر زائلٌ عن منهاج الحق. وإنما حمله على هذا ظنٌّ له في أحكام العُهدة، ونحن نختتم بذكرها آخر مسائل المأذون.
следующие страницы →