← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

فهذا ليس من النظر. وما خالف النظر، فهو مردودٌ. وإذا كنا نرى أن يشتري العقار للطفل على الترتيب الذي ذكرناه، فينبغي ألا يبتدر بيعَ العقار إلا على تثبتِ وتبتن ونظرٍ ظاهر. ٣٣٩٥ - وحاصل القول أنه يبيعه لغبطةِ ظاهرة تقدَّم على شرفِ العقارِ وفضيلةِ ثبوته على سائر المال. وذلك بأن يكون للصبي شقصٌ من عقار، وكان يطلبُه الشريكُ بأكثرَ من ثمنه، وظهرت الزيادة على التقريب الذي ذكرناه، وكان الشريك يحتاج إليه لتخليص العقار لنفسه، أو لتسوية رَبْعه، فهذه غبطة. ومن تمام تصويرها ألا يعجز الناظر للطفل من شراء عقار آخر للطفلِ أكثرَ قيمة وريعاً مما يبيعه، فهاهنا تظهر الغبطة. ولو كان لا يقدر على تحصيلِ عقارٍ بالثمن الذي يأخذه، فذاك في غالب الحال لعلمِ الناسِ بشرف العقار ومزيته على الثمن الذي حصله؛ فإن الناس تتبع الغبطة، فإن كان لا يقدر على تحصيل العقار، فالغالب أن لا خير في بيع العقار. فهذا تمهيد معنى الغبطة، وقد لاح أن لا يكتفى فيه بثمن المثل، ولا بزيادةٍ قريبةٍ يستهين بها أربابُ العقول بالإضافة إلى شرف العقار، وينضم إليه الاستمكانُ من تحصيل عقارٍ للطفلِ. فإذا وقع التنبيه على الأصل، هان اتباعُ الصور. فهذا بيع العقار لأجل الغبطة. ٣٣٩٦ - وأما بيعه لأجل الحاجة، فإن مست حاجة الطفلِ إلى النفقةِ ولم يتأت تحصيلها إلا من جهة العقارِ، فيبيعُ منه بقدر الحاجة؛ إن عجز عن تحصيل النفقةِ بجهة أخرى. ثم القولُ في تصديق الولي في ادعاء الغبطةِ، أو الحاجة، وفي إجراء الوصي على خلافه، وإحواجه إلى إثبات الغبطة بالبيّنة - كما (١) ذكرناه.

стр. 2837

فصل يحوي أحْكامَ ألفاظ الطفلِ في المعاملاتِ وغيرهَا ٣٣٩٧ - أما حكمه في العباداتِ، فقد مضى. وأما إسلامه، فسيأتي ذلك في كتاب اللقيط. وشهاداته مردودة، وفي روايته ولا عرامة (١) به خلافٌ، وفي وصيته -والتدبيرُ من الوصية- قولان. وإذا انضم إلى قوله قرينة تتضمن تصديقَه، مثل أن يفتح البابَ ويخبر عن إذن صاحبها بالدخول، أو يخبر -في بعثه الهدايا والتحف- عن حقيقتها. فإن انتفت العرامةُ، وجرى ما ذكرناه مرسلاً، ولا قرينة، فتصديقه فيما يخبر عنه محمولٌ على الخلاف في قبول روايته. وإن انضم قرينة مصدقة، نُظر: فإن بلغ الأمرُ إلى العلم، سقط أثر قوله، وإن لم تنته القرينة إلى العلم، فلأصحابنا طريقان: منهم من خرَّجه على الخلاف في روايته، ومنهم من قطع بالتعويل عليه، واستمسك بعاداتِ الأولين، في اعتماد مثل ذلك. ولا تصلح عبارته لشيء من العقود خلَا الوصيةَ والعبادة. فلا تستقل [ولا تصح] (٢) عبارته بإذن من يليه. ولا فرق بين أن يكون من يليه عنده يراقبه، وبين أن تقدّر غيبته عنه، وهذا يؤخذ من سقوط عبارته في هذه القواعد عندنا. والخلاف مشهور مع أبي حنيفة (٣). واختلف أصحابنا في بيع الاختبار، وذلك أنا قد نرى للولي أن يخبُرَ الصبي إذا ناهزَ

стр. 2838

الحلم؛ حتى يستبينَ رشدَه في الوجوه. فإن رأى أن يفوض إليه عقداً حتى يتعاطاه، وهو يراقبه ليستبين تهدِّيه وكَيْسه، فهل ينفذ ذلك؛ المذهب أنه لا ينفذ. واشتهر عن بعض الأصحاب تنفيذ هذا العقد وهذا لا وجه له. ولا أصل في قاعدة المذهب لهذا. ٣٣٩٨ - والصبي ليس من أهل القبض فيما لا يكون من أهل العقد فيه؛ فإن القبض فيه من الخطر ما يزيد على العقد. وإذا كان القبض مملِّكاً في عقدٍ كالقبض في الهبة، فيدُ الصبي لا تصلح له، كما لا تصلح عبارتُه للفظ الذي يملِّك لو صدر من أهله. وقال الأئمة: لو قال مالك الوديعة للمودَع: سلِّم الوديعةَ إلى هذا الصبي، فسلمها إليه، برىء؛ فإنه امتثل أمرَه، فيما هو خالصُ حقه. ولو قال للمودعَ: ألقِ هذه الوديعةَ في النارِ، فألقاها، بَرِىء. ولو قال مستحق الدين لمن عليه الدين: سلّم حقي عليك إلى هذا الصبي، فإذا فعل، لم يبرأ، حتى لو ضاع من يد الصبي، فحق مستحِق الدين باقٍ في ذمة المديون؛ فإن يد الصبي لا تصلح للقبض، ولم يتعين بعدُ حق ذي الحق حتى يكون قولُه هذا بمثابةِ الرضا بإتلاف حقه. ولو قال لمن عليه الدين ألْقِ حقي في هذه النار، فإذا ألقى مقداره فيها، لم يبرأ؛ فإن ما يلقيه حقُّ (١) الملقي بعدُ إلى أن يتعيَّن بقبضٍ صحيح، هو المملِّكُ في العين. وهذا ظاهر. ثم إذا ضاع ما سلمه إلى الصبي فبقاءُ الحق على ما وصفناه، ولا ضمان على الصبي. وقد قال الأئمة إذا أودع الرجل شيئاً من ملكه عند صبي، فضاع في يده بسبب ترك الحفظ، فلا ضمان والمضيعُ ربُّ الوديعة؛ إذْ وضعها عند من ليس أهلاً لها. ولو أتلف الصبي الوديعة ففي وجوب الضمان عليه وجهان سيأتي ذكرهما في كتاب الودائع: أحدهما - لا يجب الضمان؛ فإن المودِع هو المسلِّط على الإتلاف.

стр. 2839

ولا خلاف أنه لو باع منه شيئاً وسلمه إليه، فأتلفه، لم يضمن؛ فإن التسليم في البيع تسليط على وجوه التصرّف، بخلاف التسليم في الوديعة. وقال المحققون: لو دفع الصبي ديناراً إلى صراف لينقده، فإذا أخذه منه، لم يجز أن يرده عليه، وهو مال الغير حصل في يده، فليردّه على مالكه، فإن رده على الصبي دخل في ضمانه، يعني في ضمان الصراف، حتى لو ضاع في يد الصبي، ضمنه الصرّاف. ولو ظفر الصبي بدرهم، فاشترى به شيئاً فأكله، فما أكله لا ضمان عليه فيه، وما قُبض منه فقابضه مضمون عليه. أما الضمان فبيّن. وإهدار ما أكله معلل بتسليط المالك إياه على الإتلاف (١). * * *

стр. 2840

باب مداينة العبد (١) ٣٣٩٩ - نذكر في الباب قاعدتين: إحداهما - في العبد المأذون (٢ في التجارة والثانية - في العبد الذي ليس مأذوناً له في التجارة ٢). فأما المأذون، فالأولى تصدير حكمه بحقيقة أمره، فمذهبنا أن السيد إذا أذن لعبده في التجارة، فعقوده فيها واقعة للمولى، والعبدُ مستنابٌ فيها. فإن سَلّم إليه مالاً، وأمره بالتجارة، فالمعنى الذي ذكرناه ظاهر في هذه الصورة؛ فإنه لو سلم هذا المال إلى حرٍّ مطلق، وأمره بأن يتصرف فيه عنه، كان التصرف للآمر؛ من حيث أن ما يباع فهو مالُه، وإذا خرج عن ملكه، انقلب العوضُ إلى مخرج المعوَّض، فإذا كان هذا قولَنا والمأمور حر مطلق، فالعبد بذلك أولى. وإن لم يسلّم إلى العبد شيئاً، وأمره بأن يشتري ويؤدي الثمنَ من كسبه، فكسبه ملك المولى، ولا يكتسب شيئاً إلا ويصير عينُ المكتسب عينَ مال السيد. ثم يقع تصرفه فيه بمثابة تصرفه في سائر أعيان مال المولى. وقال أبو حنيفة (٣): المأذون له في التجارة يتصرف لنفسه، وهذا نظر زائلٌ عن منهاج الحق. وإنما حمله على هذا ظنٌّ له في أحكام العُهدة، ونحن نختتم بذكرها آخر مسائل المأذون.

стр. 2841

٣٤٠٠ - ونعود الآن فنقول: إذا ركب المأذونَ ديونٌ، فما ركبه من ديون التجارة على حسب الإذن، فهو متعلق بذمته وكسبه، أما معنى التعلّق بالذمة، فيظهر في أنه يطالب بالملتزَم إذا عَتَق، وأما التعلق بالكسب، فمعناه تعيّن الكسب لأداء ما التزمه. والحقوق المالية ثلاثة أقسام: منها ما يلزم بغير رضا مستحق الحق كأروش الجنايات. ومتعلقها في الحال الرقبةُ، وفي تعلّقها بالذمة خلاف، جرى منا التنبيه عليه، واستقصاؤه في آخر كتاب الديات. وأثر الخلاف في التعلق بالذمة أنا إن حكمنا بالتعلّق فلو عَتَقَ، اتّبع بالأرش بالغاً ما بلغ، وإن لم نحكم بالتعلّق، انحصر حقُّ المجني عليه في رقبته وماليَّته، فلا يتبع إذا عَتَق بشيء. هذا بيان هذه الجملة على الإرسال. والقسم [الثاني] (١) - ما يجب برضا ذي الحق، وبإذن المولى، فيتعلق بالذمةِ لا محالة، ويتعلق بالكسب، ولا يتعلق بالرقبة. وما يثبت (٢) برضا ذي الحق من غير إذن المولى، فهو الذي يتعلق بالذمة على الإطلاق دون الكسب. وعنده يقول الفقيه: لا يطالَب به مادام رقيقاً رعايةً لحق السيد، فيتبع إذا عَتَقَ. وإن كوتب، فأوْجبت له الكتابةُ الاستقلال، فظاهر المذهب أنه لا يطالَب بديون الذمة، التي تثبت في حالة الرق؛ فإنه بعدُ مملوك، ولا يبعد أن ينقلب قِناً، ولهذا رُدت تبرعاتُه. وسيأتي هذا في الكتابة، إن شاء الله تعالى. فهذا تقسيم أوّلي. ٣٤٠١ - والذي نبدأ به الآن تفصيلُ القول فيما يتعلق بالكسب [وهذا ينقسم قسمين: أحدُهما - ما يتعلق بالكسب مع التقييد بالتجارة. والثاني - ما يتعلَّق بالكسب مطلقاً.

стр. 2842

فأما ما يتعلق بالكسب] (١) والإذنُ متقيد بالتجارة، فنقول فيه: ما يلتزمه من ديون المعاملة وهو مأذون في التجارة، يتعلق بما اكتسبه من رأس المال، وهو الأرباح، ويتعلق برأس المال نفسِه، لا خلاف فيه وإن لم يكن من كسبه؛ فإن الإذن في التجارة يعيّنُه متعلَّقاً لحقوق التجارة. وإذا كان الإذن المطلق في الضمان والشراء والنكاح يتضمن تأديةَ الملتزَم من الكسب، وإن لم يجر له ذكر، فتعيُّن رأس المال لتأدية ديون المعاملات أوْلى. وإذا فرض للعبد كسب، لا من جهة التجارة: مثل أن يحتشَّ أو يحتطب، ففي تعلق ديون معاملاته المأذونة بما يكتسبه، لا من جهة التجارة وجهان: أحدهما - أنها تتعلق بها؛ فإنها لزمت بإذن المولى، فضاهت مهرَ النكاح ومؤنها الدارّة (٢). والوجه الثاني - أن ديون المعاملة والإذن تتقيد بالتجارة لا تتعلق بهذه الاكساب؛ فإن تخصيصه جهةَ التجارة يتضمن حصرَ التأدية في أموال التجارة. وليس كما لو كان الإذن مطلقاً. والأظهر تعلُّقُ الديون بجميع أكسابه؛ فإن الإذن في التجارة رضا من المولى في الالتزام، والرضا به مشعرٌ بالإذن في التأدية. وأقرب المجال الكسبُ. وإذا أحاطت الديون بالعبد المأذون واطرد الحجر عليه باستدعاء الغرماء، وقُسم المال الحاصل على الديون، فما يفضل بعد قسمة تلك الأموال كيف السبيل فيه؟ فعلى وجهين، وهما الوجهان المقدمان. أصحهما - أن فضلات الديون يؤديها من الأكساب التي ستكون حالاً على حال. ولايزال الأمر كذلك إلى ألا يبقى من الديون شيء. والوجه الثاني - أن الفاضل من أقدار تلك الأموال (٣) ينقلب إلى الذمة المحضة.

стр. 2843

وهذا وإن كان يستدعي مزيد تفصيل، فهو الخلاف الأول، غير أنا فرضنا ذلك الخلافَ في مال التجارة، وأكسابٍ تحصل لا من جهتها، فجرى الوجهان. وهذه الصورة في معناها؛ فإنه إذا سلَّم طائفةً من المال إلى عبده وأذن له في التجارة وكان أحد القابلين (١) يعتقد الحصر في تلك الأموال، حتى إذا قسمت فلو فرض بعد ذلك كسب باحتطاب، فهو على الوجهين. وإن فرض تسليم مال آخر إليه للتجارة، فهو على الوجهين أيضاً؛ فإنه غير تلك الأموال، كما أن الحاصل بالاحتطاب غيرها. التفريع على الوجهين: ٣٤٠٢ - إن رددنا فاضل الديون إلى الذمة المحضة، فلا كلام. وإن رددناه إلى الكسب، فلو باع سيد العبد العبدَ، فالتعلق بالكسب لا ينقطع، وقد صارت الأكساب على هذا الوجه مستحقة التعلق إلى تمام البراءة. وإذا نكح العبد بإذن مولاه وتعلق المهر والنفقة بكسبه، فإذا باعه سيدُه، لم ينقطع التعلق. ثم لا شك أن المشتري (٢) إذا اطلع على ذلك بعد الشراء، ثبت له الخيار في فسخ البيع، وإن رددنا فاضل الديون إلى الذمة، فلا خيار للمشتري؛ إذ لا ضرر عليه في تعلق دينٍ بذمته، إذا كان رقه وكسبه متخلصين له. وخالف أبو حنيفة (٣) في هذا. ولو عَتَقَ العبد قبل أن يتفق أداء فاضل الديون، فلا شك أنه يطالَب به؛ فإنه لا يتصور أن يتعلق دين بالكسب إلَاّ وهو متعلق بالذمة. ثم إذا أدى ما عليه بعد العتق، فهل يرجع به على مولاه؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يرجع به؛ فإنه من آثار تصرف السيد في محلِّ ملكه، ولا تبعة على المتصرف في محل الملك، وما أدى الدينَ منه بعد الحرية بين أن يكون في حكم المستَحَق

стр. 2844

بالتصرف (١) السابق في حالة الرق، وبين أن يقال: ما يرجع إلى الذمة المحضة، فالعبد مختص بالالتزام فيه، فلا نجد مرجعاً لما اختصَّ بالتزامه. والوجه الثاني - أنه يرجع؛ فإن تصرف السيد جرَّ على العبد هذا الغرم بعد العِتاق وانقطاع علائق استحقاق المولى، فكأنه ورَّطه في هذا الغرم، وهو لا يستحقه بحق ملك الرق. وعبَّر الأئمة عن هذا النوع وقالوا: اختلف الأصحاب في أن المولى هل يتصرف في عبده تصرفاً يبقَى ضررُه بعد العتق، ويعدُّ ذلك من بقايا الاستحقاق بعد العتاق كالولاء؟ فمنهم من قال: لا يستحق السيد هذا، وإن وقع، فهو بشرط الضمان، وهذا القائل ينظر إلى حالة العَتاقة وانقطاع السلطان. والثاني - يملك ذلك ويستحقه ولا مرجع. وهذا القائل ينظر إلى حالة الرق. ومن هذا الأصل إذا أجر السيد عبده، ثم أعتقه في أثناءِ المدة، فإذا حصل الوفاء بالإجارة فهل يرجع بمثل أجرة نفسه في المدة الواقعة بعد العتق على سيده؛ فعلى الوجهين اللذين ذكرناهما في الإجارة. وفي ملك العبد فسخها إذا عَتَق تفصيل يأتي في كتاب الإجارة، إن شاء الله تعالى. وإذا ضمن العبد عن مولاه دَيْناً كان عليه بإذنه، ثم أدَّاه بعد العتق، فهل يرجع به على المولى؟ فعلى ما ذكرناه من الوجهين. ٣٤٠٣ - هذا قولنا في متعلق ديون العبد المأذون في التجارة، ويخرج مما قدمناه أولاً، وفصلناه آخراً أن ديون التجارة لا تتعلق برقبة العبد؛ فإنها ليست محل التجارة وليس ما يلتزمه على قياس أروش الجنايات؛ ولهذا قال أئمتنا: لا يؤاجر العبد المأذون نفسه؛ فإن رقبته ليست محل تصرفه. وهل يؤاجر الأموال التي يتجر فيها؟ على وجهين: أحدهما - أنه يؤاجرها؛ فإن السيد أذن له في استنمائها وتحصيل الفوائد منها بالجهات التي تعد استنماء. والوجه الثاني - أنه لا يملك ذلك؛ فإن الإجارة لا تعد من أنواع التجارة، وفيها

стр. 2845

حجر في بعض المذاهب مانع من التجارة الحقيقية؛ فإن المكرَى لا يباع في قولٍ. وفي المأذون وتصرفاته، وتصرفات المولى فيما في يده أحكام سيأتي ذكرها في كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى، ولو جمعنا أحكام المأذون، لطال الباب، ولسنا نلتزم مثل هذا؛ فإنه يُحوج إلى الخروج عن التزام ترتيب السواد. ٣٤٠٤ - فإن قيل: بيّنوا أحكام العُهدة بين السيد والعبد، وبين تعامل العبد وبين السيد. قلنا: ظن أبو حنيفة (١) وأصحابُه أن عُهدة العقود التي يعقدها المأذون تنحصر عليه، ولا تتعداه إلى مولاه، وبنَوْا على ذلك مصيرهم إلى أن العبد متصرف لنفسه، ونحن نذكر ما ظنوه في معرض الأسئلة (٢) والإلزامات، ثم نبيّن المذهبَ في معرض الأجوبة عن تلك الأسئلة. قالوا: لو اشترى المأذون شيئاً لا يطالَب المولى بثمنه، بل العبد هو المطالب، وإذا اشترى الوكيل شيئاً لموكله، فللبائع مطالبة الموكِّل بالثمن. وقالوا: إذا غرم المأذون بعد العتق دينَ معاملة، لم يرجع على السيد، ولو غرِم الوكيل ثمن العقد (٣)، رجع على الموكل. وقالوا: إذا باع المأذون سلعة، وأخذ ثمنها واستُحِقَت السلعة، فالرجوع بالثمن على العبد دون المولى. فهذه أسئلتُهم. واعتقدوا أنها مسلمةٌ لهم. ٣٤٠٥ - ونحن نقدِّم على الخوض في الجواب عنها أصلاً، فنقول: إذا دفع المولى ألفَ درهم إلى عبده ليتجر فيه، فاشترى به شيئاً، ثم تلف الألف في يده، نُظر: فإن

стр. 2846

عيّن الألفَ وتلف، انفسخ به (١) العقد، وارتد به المبيع إلى ملك البائع. وإن كان قد اشترى في الذمة سلعةً بألف، وكان على صرفِ الألف إلى الثمن، فتلف في يده، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن العقد باقٍ، وعلى المولى إخراج ألفٍ آخر؛ فإن العقدَ وقع له، ولم يتعين الألف بالتعيّن، فعلى السيد الوفاء بعهدة العقد. هذا هو الصحيح. والوجه الآخر أن السيد لا يلزمه إخراج ألف آخر. ثم اختلف الأصحاب: فمنهم من قال: ينفسخ العقد بتلف الألف، كما لو كان معيَّناً في العقد؛ من جهة أن السيد حصر إذنه في التصرف في ذلك الألف، فإذا فات، فقد انقطع محل الإذن، ولم يلتزم السيد على الإطلاق الوفاءَ بعقده، والانفساخُ على هذا الوجه اختيار القاضي. ومن أصحابنا من قال: للسيد أن يؤدي الألف من سائر ماله؛ فإن العقد صحّ له، فإن فعل، جرى العقدُ ونفذ، وإن أبى، فالبائع يفسخ العقدَ حنيئذٍ. وكان شيخي يختار هذا الوجه، وهو أمثل من الوجه الأول. والوجهان في الأصل قبل التفريع ينبنيان على ما إذا دفع الرجل ألفاً إلى واحد قِراضاً، فاشترى به شيئاً من غير تعيين، ثم تلفط الألفُ قبل تسليمه، فهل يجب على المالك ألفٌ آخر؟ أم ينقلب العقد إلى المقارِض العامل؟ وسيأتي شرح ذلك، إن شاء الله تعالى. فإن قلنا: في مسألة القراض: على ربّ المال توفيةُ الثمن، فعلى السيد ذلك أيضاً. وإن قلنا: العقد ينقلب إلى العامل، وينفذ عليه، فلا يجب على السيد تأديةُ ألف آخر، ثم يعود الكلام إلى الخلاف الذي قدمته في الانفساخ. ثم إذا قلنا: على السيد أن يأتي بألف آخر، فقد ذكر أئمتنا وجهين في أن العامل هل يتصرّف فيه بحكم الإذن السابق؟ أم لا بدّ من إذن جديد فيه؟ وبنوا هذين الوجهين على ما إذا أوجبنا على مالك رأس المال في القراض أن يأتي بألف آخر، فرأسُ المال ألفٌ أم ألفان؟ فيه وجهان، سيأتي شرحهما، إن شاء الله تعالى.

стр. 2847

وإن غمض على الناظر أن يصير الألف الثاني من رأس المال، ولم يكن مذكوراً حالة العقد، قيل له: هو تابع للألف الأول، والعقد عليه، وإذا تبعه، كان ملحقاً به كما يلتحق حطُّ أرش العيب بالعقد حتى يُحَط من الشفيع، وإن كان يأخذ الشقصَ بالثمن المسمَّى في العقد. ولسنا نلتزم الآن شرح هذه المسألة في أحكام القراض، ولكن لا بد من كشف ما ذكرناه في أحكام المأذون، وكيف تصوير الوجهين، والسيد هو الذي يخرج الألفَ، وإنما يطالبه بائع السلعة، لا العبدُ. فما معنى ترديد الكلام في تصرف العبد فيه؟ وليس للعبد أن يمد يده إلى الألف من مال السيد؟ فالوجه في ذلك أن نقول: إذا أدى الألفَ، ثم فُرض ارتفاع العقد بسببٍ، فالعبد هل يستقل بالتصرف في الألف الراجع؟ فيه الخلاف المقدم. وهو مأخوذ من التحاق الألف برأس المال في القِراض. وينبني على تحقيق هذا أنا إذا قلنا: لا بد من إذنٍ جديد، فالعبد يصير محجوراً عليه بتلف الألف؛ فيرتدُّ العقد إلى تصرف السيد، حتى إن فُرض فيه فسخ، فهو الفاسخ، وهو المخاطب بأحكام العقد. وإن ألحقناه برأس المال، فتصرُّفُ العبد قائم في العقد على حسب الغبطة. ثم إن قلنا: تصرّف العبد باقٍ في العقد، فالمطالبةُ والتعلّق بالذمة على الاستمرار الذي كان. وإن قلنا: يرتدّ العقد إلى السيد، ففي بقاء التعلق بذمة العبد وكسبه تردد، فليتأمله الناظر. ٣٤٠٦ - فهذا أصل قدمناه في الكلام على أحكام العُهدة، وعاد -بعده- بنا الكلامُ إلى الجواب عن أسئلتهم. فإذا باع المأذون سلعةً، وقبض الثمنَ، واستُحِقَّت السلعةُ، وقد كان تلف الثمن في يد العبد، فالمذهب الصحيح أن المشتري يرجع إلى المولى بالعهدة؛ فإنّ يدَ العبد يدُه، فكأنه البائع والقابضُ للثمن. ولسنا نبرىء العبد عن الضمان؛ فإنه خائضٌ في العقد بإذن المولى. هذا هو الأصح.

стр. 2848

ومن أصحابنا من قال: لا طَلِبةَ على العبد، وعبارته (١) مستعار في الوسط، ويده يدُ سيده. وهذا مزيف، لا أصل له؛ فإن يدَه يدُ ضمان في عقد مضمَّن، وقد جرى ما جرى بإذن المولى. هذا إذا قلنا: السيد يطالب بما تلف في يد العبد. ومن أصحابنا من قال: لا مطالبة على السيد. وهذا لا أصل له. ولولا أنَّ في التقريب رَمْزاً إلى هذا، وإلا كنتُ لا أذكره. ولا شك أنه إذا سلّم العبدُ الثمنَ إلى السيد، ثم ثبت الاستحقاق، فالعهدة متعلقة به. هذا جوابنا عن الاستحقاق. والحاصل المعتمد فيه أن السيد يطالَب والعبدُ في العهدةِ أيضاً. ثم العهدةُ في حق العبد تتعلق بذمته وكسبه. وأما قولهم: لو عَتَقَ المأذونُ وغرِم دينَ المعاملة، لم يرجع، فقد تكلمنا على هذا الفصل فيما تقدم. فإن قلنا: يرجع، فهو على قياس الوكيل. وإن قلنا: لا يرجع، فليس هو لوقوع العقد له وانحصارِه عليه؛ إذ لو وقع العقد له، لكان المبيع في يده، كما أن الثمن عليه. فإذا كان المبيع في يد السيد، دَلَّ أن تغريم العبد بعد العتق -من غير إثبات مرجع له- من أصل آخر، وهو أن السيد تصرّف في حالة الرِّق تصرفاً، لم ينقطع ضراره بالعتق. وقد مهدنا هذا الأصل. وأما قولهم إذا اشترى المأذونُ شيئاً للتجارة، لم يطالَب السيد بالثمن في الحال. وهذا فرضوه فيه إذا كان في العبد وفاءٌ، فقد ظهر الخلاف في هذه الصورة: فمن أصحابنا من قال وهم القيّاسون: يطالب السيد بالثمن، كما يطالب الموكَل بثمن العقد الذي عقده الوكيل؛ لأن العقد وقع له، ومِلْكُ الثمن عليه، كما مِلْكُ المثمن على البائع. ومن أصحابنا من قال: لا يطالَب السيد إذا كانت مطالبة العبد ممكنة، وكان ما في

стр. 2849

يده وافياً، وليس هذا لوقوع العقد للعبد، وإنما هو لتنزيل السيد عهدَ عقدِ عبدِه على ما سلمه إليه، فكان كل من يعامله يُنزِل أمره على هذا، ولهذا الفقه (١) تعلّق دينُ المعاملة بما في يده، ولولا ذلك، لما صار رأسُ المال مرتهناً بدين المعاملة. ثم الدليل على أن سبب انقطاع المطالبة عن السيد هذا - أن العقد لو وقع للعبد، لما تعين له مالُ السيد. وقد ذكر أصحابنا في المقارِض والمقارَض هذا الخلاف بعينه. وإن كان عقد المقارِض لا يقع لنفسه، ولكن معاملة القِراض منزلةٌ على مال معيّن، فنشأ منه الخلاف الذي ذكرناه. ولو سلم رجل إلى وكيل ألفاً وقال: اشترِ لي عبداً وأد هذا الألفَ في ثمنه، فإذا اشترى الوكيلُ، فلأصحابنا طريقان في مطالبة الموكل: منهم من خرجه على الخلاف المذكور في رب المال والعامل، ومنهم من قال: لا حكم لهذا التعيين مع الوكيل. والقياسُ طردُ الخلاف في الوكيل. وكل ما ذكرناه فيه إذا كان ما في يد العبد المأذون وافياً فهل يطالَب السيد؟ فهو على ما تقدم. ٣٤٠٧ - فأمَّا إذا قصر ما في يده عن الدَّيْنِ الذي ركبه، فيفرض هذا في تلف بعض ما في يده، وإذا تلف جميع ما في يده، فقد مضى الكلام في أنه هل يجب على السيد توفيةُ الثمن، من سائر ماله؟ فهذا ذاك بعينه. وإذا ضممنا صورة الوفاء إلى الصورة التي لا وفاء فيها، انتظم في الصورتين ثلاثةُ أوجه. أحدها - أن السيد لا يطالَب فيهما. والثاني - أنه يطالب فيهما. والثالث - أنه لا يطالَب وفي المال وفاءٌ. ويطالب إذا لم يف ما في يد العبد بالمقدار المعقود (٢). ثم لا خلاف أن العبد مطالب. واختلف الأصحاب في أن الوكيل بالشراء هل يطالَب بالثمن إذا أضاف الشراء إلى نفسه، ولم يعقد العقد على صيغة السفارة؟ وفي عُهدةِ العقد في حق الوكيل والموكّل كلامُ سيأتي مشروحاً في الوكالة إن شاء الله تعالى.

стр. 2850

والقدر الذي نذكره الآن الفرق بين المأذون؛ فإنه مطالبٌ في حال الرق وبعد العتق وبين الوكيل وفيه عسر. والممكن فيه أن السيد يستخدم عبده في أمره بالشراء، ويُلزمه أن يمتثل أمره. وليس على الحر أمرٌ من جهة موكَله، فإذا التمس (١) منه التوكيلَ عنه والنيابة، تمحّض معنى النيابة، وعقد العبد يعتمد أكسابَه وهي مملوكة للمولى، ثم لا يتأتى تعلّق الطَّلِبة بأكسابه من غير فرض التعلق بالذمة. ولا يتحقق هذا في الوكيل. فهذا هو الفرق بين الموقفين. ٣٤٠٨ - ثم ذكر الأصحاب المسائل الخلافية بيننا وبين أبي حنيفة في أحكام المأذون، ونحن نذكر ما نطلب (٢) بها بيان مذهبنا وتمييزَ أصلنا عن أصل أبي حنيفة: فمما أجريناه أن ديون المعاملة لا تتعلق برقبة العبد المأذون، وتتعلق بالمال الذي في يده. وقال أبو حنيفة (٣): تتعلَّق بذلك المال وبالرقبة. ومن المسائل أن المأذون لا يؤاجر نفسه عندنا، وذكرنا الخلاف في إجارته ما يقبل الإجارة من الأموال التي تحت يده. ومنها أن السيد إذا أذن لعبده في نوع من التجارة، لم يصر مأذوناً في غيره. خلافاً لأبي حنيفة (٤). وهذا مبني لنا على أن العبد يتصرف لمولاه. ولو رأى السيد العبد يتصرف، فسكت، لم يكن سكوته إذناً في التصرف الذي عاينه، ولم يكن إذناً في التجارة.

стр. 2851

وأبو حنيفة (١) جعل السكوت إذناً في التجارة، ولم ينفذ به التصرف الذي اتفق السكوت عنده. ومن المسائل أن المأذون إذا أبق، لم ينعزل بالإباق، ولم ينقطع الإذن. وقال أبو حنيفة (٢): ينقطع، وتصرفه على حكم الإذن نافذ في الإباق إلَاّ أن يكون الإذن يقيد بالتصرف في البلدة التي بها السيد، فلا ينفذ في غيرها. ومنها أن المأذون لا يأذن لعبده في التجارة، كما أن المقارِض لا يقارِض، وللمقارض أن يُوكِّل. والأصح أن المأذون يملك ذلك في آحاد التصرفات، وإنما يمتنع إقامته غيرَه مقام نفسه. وأجاز أبو حنيفة (٣) أن يأذن المأذون لعبده؛ بناءً على أنه يتصرف لنفسه. ومنها أنه ليس له اتخاذ الدعوة وجمع المجهزين. خلافاً لأبي حنيفة (٤). ومنها أنه لو ركبته الديون لم يَزُل ملك السيد عن المال في يده. وقال أبو حنيفة (٥): يزول ملكه عنه ولا يدخل في ملك الغرماء. ومنها أن المأذون إذا احتطب أو اصطاد، لم ينضم ما حصله من هذه الجهات إلى رأس المال حتى يتصرف فيه تصرّفه في رأس المال. نعم، في تعلق ديون معاملاته بالمكتسب من هذه الجهات وجهان تقدم ذكرهما.

стр. 2852

وقال أبو حنيفة (١): ينضم ما يحصّله إلى رأس المال في نفوذ التصرف. ومنها أن المأذون لا يعامل سيده وإن ركبته الديون. وقال أبو حنيفة (٢): له معاملته إذا ركبته الديون. ومنها أنه لا يشتري أبَ سيدِه وابنَه بمطلق الإذن في التجارة؛ فإنّ ذلك لو صح، لألحق ضرراً بالسيد وخسره مالاً، وهو نقيض التجارة. وقال أبو حنيفة (٣): يصح ذلك منه. ومنها أن العبد إذا ادّعى أن سيده أذن له في التجارة، فليس لأحد معاملتُه ما لم يعلم إذنَ السيد من جهته، أو من بينة تقوم. وقال أبو حنيفة (٤): تصح معاملته. واختلف أصحابنا فيه إذا شاع الإذن في الناس، ولعل الأصحَّ الصحة؛ فإن إثبات الإذن على كلّ معامل بتسجيل القاضي شديد. ولو عامله إنسان ولم يدْرِ كَوْنَه عبداً، نفذت المعاملة، فليس علم من يعامِل بحقيقة الحال شرطاً. ثم على من علمه عبداً رقيقاً أن يمتنع من الإقدام على معاملته من غير ثبت. ولو علم من يعامله كوْنه عبداً، فعامله، ثم تبين أنه كان مأذوناً، فهذا يقرب خروجه على قسم من وقف العقود. وهو إذا باع الرجل مالَ أَبيه على اعتقاد حياته، ثم استبان وقوعُ البيع بعد وفاته. وكان شيخي أبو محمد يقول: لو باع الرجل مالَ أبيه وظنَّه مال نفسه غالطاً، ثم

стр. 2853

تبين أنه كان مالَ أبيه وكان ميتاً حالة العقد. قال: هذا العقد يصح قولاً واحداً؛ فإنه لم يبنه على خلاف الشريعة. وهذا الذي ذكره على حسنه محتمل (١). ومنها أن العبد المأذون إذا زعم أن سيده حجر عليه، وقال السيد: لم أحجر عليه، لا تجوز معاملته في ظاهر المذهب؛ لأنه يزعم أن التصرّفَ معه غير صحيح، ومبنى التصرّف في ظاهر الأمر على قول العاقد. ومن أصحابنا من صحح التصرف بناء على قول السيد. وهذا مذهب أبي حنيفة (٢). ومنها أن السيد لو أذن للعبد المأذون أن يأذن للعبدِ الذي في يده للتجارة، صحّ ذلك. ثم لو حجر السيد على المأذون الأول، صح، واستمر الثاني مأذوناً. ولو أراد أن يحجر على العبد الثاني، صح. وقال أبو حنيفة (٣): لا يصح الحجر على العبد الثاني ما لم يرده إلى يده. ومنها أن إقرار المأذون نافذ بدين المعاملة، وهذا متفق عليه. ولو أقر بشيءٍ منه لأبيه أو (٤) ابنه، صح. وقال أبو حنيفة (٥): لا يصح. ومنها أنه لو كان في يده عين مالٍ، فأقرَّ بأنه مغصوب أو وديعة، لا يصح إقراره؛ فإن إقراره يصح فيما يتعلق به الإذن في التجارة. وقال أبو حنيفة (٦): يصح. ومنها أنه لو علم رجل أنه مأذون، وعامله، ثم امتنع من التسليم إلى أن يقع الإشهادُ على الإذن، فله ذلك؛ فإنه لو سلم كان على غرر. وقد ينكر السيد أصل

стр. 2854

الإذن. وهذا كما لو ادّعى رجل أن فلاناً وكَّلني بقبض حقه منك، فصدقه بذلك مَنْ عليه الحق، فله ألا يسلمَ إليه ما لم يُشْهِد على أنّه وكله. وهذا الأصل فيه تردد واحتمال سيأتي في كتاب الوكالة. وقد اشتمل ما ذكرناه على معظم أحكام المأذون، لم يشِذ منه إلَاّ تصرّف السيد في المال الذي في يد المأذون قبل أن تركبه الديون، وبعد أن تركبه، وهذا ذكره الشافعي في مسائل النكاح، عند ذكره نكاحَ العبد، ومتعلّق المهر والنفقة. ٣٤٠٩ - وقد نجز ما أردناه من تعلق ديون المأذون. وكنا ذكرنا قسمين: أحدهما - المأذون له في التجارة، وقد نجز. والثاني - في المأذون له في تصرف يُلزِم الذمةَ عوضاً مطلقاً، من غير أن يتضمن الإذنُ حصراً للتصرف في مالٍ، وهذا بمثابة ما لو أذن السيد لعبده أن ينكح، فهذا إذْنٌ بالتزام المهر والنفقة، وكذلك لو أذن له في أن يشتري مطلقاً، أو أذن له في أن يضمن ديناً. فهذه جهات في التزامٍ جَرَت عن إذن السيد، ولا تعلق لأدائها بأموالٍ خاصة، بخلاف ديون المعاملة في حق المأذون له في التجارة، فما يكون كذلك، فهو يتعلق بجميع جهات كسب العبد التي منها الاحتطاب والاحتشاش والاحتراف -إن كان محترفاً صَنَاعَ اليد- ثم جميع جهات الكسب بالإذن المطلق تصير مستغرقة بالديون التي تلزم من هذه الجهات؛ حتى لا يجوز للسيد أن يستغلَّها (١) قبل أداء الديون المتعلقة بها إلَاّ على شرط ضمان. ولو استخدم عبده يوماً أو أياماً، ففيما يلزمه تفصيل مذكور في كتاب النكاح. ولو التزم ديوناً مطلقةً كما وصفناها بالإذن المطلق، ثم كان مأذوناً له في التجارة في أموالٍ في يده، فالديون المطلقة تتعلق بما يستفيده بالتجارة، اتفق أصحابنا عليه. وفي تعلق ديون التجارة بسائر جهات الكسب سوى التجارة خلافٌ قدمناه، واختلف

стр. 2855

أصحابنا في تعلق الديون المطلقة بعين رأس المال، ولم يختلفوا في تعلق دين التجارة بها. فهذا نهاية التفصيل في متعلقات ديون العبد إذا ثبتت عن إذنٍ مطلق أو مقيد بالتجارة. ٣٤١٠ - وقد انتهينا إلى تفصيل ما يصدر من العبد المحجور من غير إذن السيد، فالوجه أن ننص على مواقع الإشكال، ولا نُطنب بالتقاسيم. فكل تصرف يتعلق بالرقبة، فلا يملك العبد الانفراد به: من جملتها النكاح، وهو الذي يكاد يغمض تعليله، فلا ينكح العبد دون إذن مولاه، ولو صححنا نكاحه دونه، لزمنا أن نبيح له قضاءَ وطره، وذلك يوهي مِنهُ القُوى، ولا ضبط له، ولا منتهى، ويستحيل تصحيح النكاح ووقف التحليل على مراجعة السيد، فكان النكاحُ متعلقاً بالرقبة من الوجه الذي ذكرناه. ٣٤١١ - وأما التصرفات المتعلقة بالذمة، ففيها الكلام، وهي المعنيّة، فإذا اشترى العبدُ المحجور عليه شيئاً بغير إذن سيده، ففي صحة شرائه وجهان ذكرهما العراقيون، والشيخ أبو علي: أحدهما - لا يصح، وهذا الذي قطع به [الإمام] (١) وصاحب التقريب. والثاني - يصح شراؤه؛ فإنه يعتمد ذمته، والسيد لا يملك ذمةَ عبده. وذهب هؤلاء إلى بناء الوجهين على قولين في أن المحجور عليه بالفلَس إذا اشترى شيئاً في زمان اطراد الحجر عليه، ففي صحة شرائه قولان سيأتي ذكرهما. وزعم من ذكرناهم أن العبد محجور عليه لحق غيره كالمفلس، ولا حجر على الذمة، وهذا لا أصل له. والفرق أن المفلس من أهل التملّك والعبد ليس من أهله، وعماد الشراء إمكان الملك للمشتري. ثم من صحح الشراء، قال: إنما تترتب صحة الشراء على قولنا القديم في أن

стр. 2856

العبد يُتصوّر أن يملك، وهذا مشكل على هذا القول أيضاً؛ فإن العبد إن صُوّر له ملك، لم يُصوّر إلا من جهة تمليك السيد إياه، فأما التمليك من جهة غيره، فلا مساغ له، ولا يمكننا أن نقول: المبيع يدخل في ملك السيد قهراً كما يحصله العبد من جهة الاحتطاب والاحتشاش وغيرهما؛ فإن تلك الجهات أفعال تقع لا مردَّ لها، والعقود يتطرق إليها الفساد، والصحة. ثم الذي ذكره العراقيون في قول الصحة أن الملك في المبيع يقع للعبد، ثم السيد فيه بالخيار: إن شاء أقره عليه، وإن شاء انتزعه من يده؛ فإنه يستحيل أن يثبت للعبد ملكٌ مستقر لا يُزيله سيده. ثم قال المفرعون على ذلك: إن لم يأخذ السيد المبيع من عبده، فالبائع بالخيار إن أراد فَسَخَ العقد واستردَّ المبيع، كما يفسخ البائع البيعَ عند إفلاس المشتري بالثمن، والتعذر أظهر في العبد؛ فإنه مع دوام الملك لا مضطرَب له في جهات الكسب؛ بخلاف المعسر. ولا خلاف أن الثمن الذي يلتزمه يتعلق بذمته، لا يؤدي شيئاً منها (١) من كسبه، وإنما يطالب به إذا عَتَق. هذا إذا لم ينتزع السيد المبيع من يد البائع، فلو نزعه من يده، وتملكه عليه، فأراد البائع أن يسترد من السيد، قالوا: ليس له ذلك؛ فإن سلطان الاسترداد يثبت مادام المبيع في يد العبد وملكه، فإذا زال نزل منزلة ما لو زال ملك المشتري الحرّ عما اشتراه، ثم أفلس بالثمن، فلا رجوع للبائع على من تملك على المفلس المبيع. وهذا خبط عظيم، وقول مضطرِب، وكان لا يمتنع أن يقال: يَبيع البائعُ العينَ في يد السيد؛ فإنه مملوك بالثمن، فلا وجه لاستبداده به وإبطال حق البائع، وإحالته على الطَّلِبةِ بعد العتق. ولكن الذي ذكره المفرعون ما نصصت عليه. والتفريع على الفاسد فاسد.

стр. 2857

٣٤١٢ - ولو استقرض العبد المحجور عليه شيئاً بغير إذن مولاه، فهو كما لو اشتراه في التفصيل الذي ذكرناه. ولو ضمن شيئاً بغير إذن سيده، فهذا تصرف منه في الذمة، ولا شك أنه لا يؤدي ما ضمنه من كسبه. ولكن إذا عَتَق هل يطالب بما ضمنه؟ الصحيح أنه يطالب، وليس الالتزام من جهة الضمان كالالتزام من جهة الشراء والاستقراض؛ فإن الشراء والاقتراض يشتملان على تقدير الملك للمقترض وللمشتري، وتصوير ذلك عسرٌ في العبد القن، فظهر الحكم بالفساد، وإذا فسدت الجهة، انقطع اللزوم. والضمان التزام مطلق. ومن أصحابنا من لم يصحح ضمان العبد، ولم يوجه الطَّلِبَة عليه بالمضمون [بعد العتق، وقال: التصرف في الذمة إنما يتصوّر ممن يُفرض منه إمكان الوفاء بالمضمون] (١) وحقيقة ضمان العبد يرجع إلى تعليق الضمان بما بعد العتق، وتعليق الضمان فاسد. ولا خلاف أن العبد يخالع زوجته، فيصح ويثبت العوض، وذلك أنه مالكٌ للطلاق بالعوض وغيرِ العوض. غير أنه في حق المعوَّض كالمحتش والمحتطب. ولو احتش العبدُ أو اصطاد بغير إذن مولاه، دخل ما حصله تحت ملك المولى قهراً؛ فيقع الأمر كذلك في العوض المحصَّل. وهذا لا وجه غيرُه إذا قلنا: لا يملك العبد بالتمليك. وإن قلنا: يتصور له ملك، فلا يبعد أن نقول: يحصُل الملك في العوض له، تخريجاً على ما ذكرناه من شرائه شيئاً بغير إذن مولاه، ثم السيد يتسلط على انتزاع ذلك المال من يده وملكه. وقد نجز غرضنا في تصرف العبد المحجور. وأما أحكام الجنايات وأرشها، وما يتعلق بها من فداء السيد (٢)، فموضعه كتاب الجنايات.

стр. 2858

فصل مشتمل على إقرار العبد وإقرار السيد على العبد ٣٤١٣ - فأما السيد إذا أقر على عبده، نظر فى إقراره: فإن أقر بما يوجب عقوبةً على العبد، لم يقبل إقراره لتمكن التهمة منه، غير أنه إن أقر عليه بما يوجب القصاص، والعبدُ منكر، فرددنا إقراره في العقوبة، فعفا المقَرّ له على مالٍ، ثبت المال؛ فإنّ إقرار السيد وإن رُدَّ فيما يتعلق بالعقوبة لما ذكرناه، فهو مقبول فيما يتعلق بالمال، ومتضمّن الإقرار بالقصاص ثبوتُ المال عند عفو المستحِق على مال، ولكن الأرش الذي يثبت بجناية العبد وفاقاً يتعلق -على المسلك الأصح- بذمته ورقبته، حتى إذا لم تف قيمةُ الرقبة بمبلغه، طولب الجاني إذا عَتَق بالفاضل من قدر القيمة. وإذا أقر السيد على عبده بالجناية الموجبةِ للقصاص لو ثبتت، وأنكر العبدُ، ثم آل الأمر إلى مالٍ، فلا تعلق لهذا المال بالذمة، وإذا عَتَقَ العبدُ، لم يطالب بشيء منه؛ فإن السيد لا يملك إلزام ذمةِ العبد مالاً. ولم يختلف الأصحاب في أنه لو أجبره على ضمان شيء، لم يصح ذلك مع الإجبار، ولو قبل الضمان عليه. وكذلك لو أجبر السيد عبده على أن يشتري له متاعاً، فلا يصح الشراء، وإن كان محلُّ الديون التي تلتزم بالإذن الكسبَ، والكسب ملك السيد، ولكن لا استقلال للأكساب في هذا الباب ما لم يتحقق تعلق الدين بأصل الذمة، فلا احتكام للسادة على ذمم العبيد. ولو أقرَّ السيد بمالٍ تباع الرقبة فيه، فيقبل إقراره في [التعلّق] (١) بالرقبة، ولا يقبل في تقدير [التعلّق] بالذمة. هذا في إقرار السيد. ٣٤١٤ - فأما إذا أقر العبد بشيء، فإن كان إقراره بمالٍ، فإقراره في رقِّه ورقبته مردود، وما يتعلق بالذمة منه فإقراره فيه مقبولٌ يُتبع به بعد العتق، صدّقه السيد أو كذّبه.

стр. 2859

فأما إذا أقر بما يوجب العقوبة، فالذي ذهب إليه الشافعي وأبو حنيفة ومعظمُ العلماء أن إقراره مقبول، وإن كان تنفيذ المقرّ به يوجب إبطال حق المولى من ماليَّته، فإذا اعترف بما يوجب القصاصَ في النفس، أو القطع في الطرف للآدمي أو لله تعالى، نفذ إقراره، ويحكم به. وخالف في ذلك المزني، ولم يرَ قبولَ إقرارهِ؛ لاعتراضه على ملك مولاه. وهذا مذهب محمد وزفر وأحمد (١) وداود. ومعتمد مذهبنا أن الإقرار حجةٌ من الحجج كالبيّنة، فالمقبول منه ما لا تهمةَ فيه، وإقرار العبد كذلك؛ فإن العاقل لا يعرّض نفسه للهلاك حتى يخسِّر غيرَه شيئاً نزراً من المال، والشاهد لذلك أن السيد على أنه المالك إذا أقر بما يوجب العقوبةَ، فإقراره مردود لما ذكرناه من التهمة، وإن كان لو أباح دمه صار هدراً. فالإقرار إذن في الرد والقبول يعتمد ثبوتَ التهمة وانتفاءها. ولو قدر مقدر تهمةً على بُعدٍ في إقرار العبد، فالتهمة البعيدة غيرُ معمول بها. ٣٤١٥ - فإذا ثبت هذا، فلو أقر العبد بما يوجب القصاص، ونفذنا إقراره، فإن اقتص المقَرُّ له، فذاك، وإن عفا عن القصاص الثابت على مال، فالأحسن تنزيل ذلك على القولين في أن موجَبَ العمد ماذا؟ فإذا حكمنا بأن موجبه القَوَد المحضُ، فالمال يثبت إذا عفا المقَرُّ له على مالٍ؛ فإن هذا المال، لم يثبت بالإقرار نفسه، وإنما ثبت بالعفو عن العقوبة الثابتة بالإقرار. هذا إذا قلنا: موجَبُ العمد القَودُ. فأما إذا قلنا: موجبه القود أو المال، أحدهما لا بعينه، فإن اقتصَّ المقَرّ له، نفذ الأمر. وإن أراد الرجوعَ إلى مالِ، فهذا يستدعي مقدمةَ: وهي أن العبد إذا أقر بسرقةِ مالٍ، وزعم أنه أتلف ما سرق، فإقراره مقبولٌ في وجوب القطع لله تعالى، لما ذكرناه. وهل يقبل إقراره في تعلق قيمةِ ما اعترف بسرقته برقبته؛ فعلى قولين مشهورين: أحدهما - لا يتعلق؛ فإن ذلك إقرار بإبطال مالية السيد من الرقبة من غير واسطة.

стр. 2860

والقول الثاني - أن إقراره مقبول؛ فإن التهمة منتفية، ونفس العقوبة تبطل المالية، ولكن قُبل الإقرارُ بها لانتفاء التهمة. وهذا المعنى متحقق فيما ذكرناه. ولا استقلال للسرقة دون مال مسروق، ويستحيل ألا يثبت القول في المسروق ويثبت في السرقة المطلقة. هذا إذا أقر بإتلاف المسروق، وتضمن إقراره تعلّقَ مبلغٍ برقبته. فأما إذا أضاف سرقته إلى عينٍ قائمة، نظر: فإن كانت العين التي اعترف بسرقتها في يد مولاه، فإقراره مردود فيها. اتفق الأصحاب عليه؛ والسبب فيه أن ما نصادفه في يد السيد مُقرٌّ على حكم ملكه، فيبعد الحكم على ملكه بإقرار العبد، ولو (١) قدّرنا قبول هذا الإقرار أَوْشَك أن يستغرق العبد جميع ذخائر سيده، وهذا الآن تظهرُ التهمةُ فيه؛ فإن العبد الحنِق على سيده، قد يستهين بقطع يده، في مقابلة تخسير السيد أموالاً لا تنضبط، وليس هذا كما لو ادّعى تلف المسروق؛ فإن غاية ما يتعلّق بالسيد قدرُ قيمةِ الرقبة؛ فإن أروش الإتلافات لا تعدو الرقبة إلى سائر أموال السيد. ولو أقر العبد بسرقة مال في يد أجنبي، فإقراره مردودٌ في حق ذلك الأجنبي، إذا أضاف إقراره إلى عينٍ قائمة في يده، فإذا رُدّ في حق الأجنبي، فليرد في حق السيد. وقيل: إنّ أبا حنيفة (٢) نَفَّذَ إقراره في الأعيان القائمة في يد السيد. وهذا خبالٌ عظيم. ولو أقر العبد بسرقة عين وكانت العين في يد العبد، اختلف أصحابنا فيه على طريقين: فمنهم من خرّج قبولَ إقراره فيها على القولين، ومنهم من قطع القولَ بردِّ إقراره في العين الكائنة في يده. وهذا هو الظاهر؛ من جهة أن يده يدُ السيد، ولا استقلال له. ثم ما يتصوّر احتواء يده عليه في محل الإقرار لا ينضبط، كما تقدم وليس كالإقرار بالإتلاف؛ فإن غائلته تنحصر في مقدار قيمة الرقبة، كما تقدم. وبنى بعضُ الفقهاء القولين في قبول إقراره بالمال عند ذكر الإتلاف على قولين في الحر لو أقر بسرقة مال، وقُبل إقراره.

стр. 2861

فلو رجع عن الإقرار، قُبل رجوعُه، فيما يتعلق بالعقوبة، ولم تقطع يده. وفي قبول رجوعه عن ضمان المال قولان. وزعم هؤلاء أن وجه البناء أنا إذا قلنا: لا رجوع في المال، فكأنّا لم نبعّض حكمَ الرجوع. فنقول: على هذا لا نبعّض حكمَ إقرار العبد. فإذا قبلناه في وجوب القطع، قبلناه في تعلّق قيمة ما أقر بسرقته، ثم بإتلافه برقبته. وإن قلنا: لا يقبل رجوعُ المقِرّ الحرِّ فيما يتعلق بالضمان، فقد بعّضنا حكمَ الرجوع آخراً، فلا يمتنع أن نبعّض حكمَ إقرار العبد أوّلاً، ونقولُ إقراره في العقوبة (١) [مقبول] (٢)، وفيما يتعلق بحق المولى مردود. وعندي أن هذا البناءَ فاسد، وقد عول الباني فيه على اتباع العبارة. أما القول الذي يُقبل فيه الرجوع عن المال وغَرَمه في حق الحر المقِرُّ، فلست أدري له وجهاً أولاً. ثم لا مشابهة في المعنى بين المسألتين؛ فإن الذي حملنا على قبول إقرار العبد في المسروق انتفاءُ التهمة، لا ينقدح في توجيه القبول غيره. (٣ وهذا المعنى أنَّى يتحقق في الرجوع عن الإقرار؟ ٣). ٣٤١٦ - هذا تفصيل المذهب في إقرار العبد بالسرقة أتينا به مقدمةً لإقراره بما يوجب القصاصَ على قولنا: إن موجَبَ العمد القودُ أو المالُ أحدُهما لا بعينه. ثم يعفو المقَر له، وقد عاد بنا الكلام إلى بيان هذا: وقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: في ثبوت المال في هذه الصورة تفريعاً على هذا القول قولان مرتبان على القولين في قبول إقرار العبد في إتلاف المسروق، فإن حكمنا بقبول إقراره ثَمَّ، فلأن نحكم بقبوله في المال في مسألتنا أولى. وإن حكمنا بأن المال لا يثبت متعلِّقاً بالرقبة في الإقرار بالسرقة، ففي ثبوت المال حيث انتهينا إليه قولان. والفارق أن المقَرَّ به في مسألتنا شيءٌ واحد، وهو القتل، ثم

стр. 2862

ينقسم القول في بدله. والمقَرُّ به في السرقة على حكم المتميز؛ فإنه اعترف بحق مالي وكبيرةٍ موجبةٍ للعقوبة. هذا مسلك. ورأى بعضُ الأصحاب أن يرتب على العكس، ويجعلَ المال في مسألة السرقة أوْلى بالثبوت؛ من جهة أن المواطأة ممكنة في صورة القصاص مع المقَرّ له. ثم إذا فرض العفوُ، فلا عقوبةَ والسرقة إذا ثبتت موجبةً للقطع، تعين استيفاء القطع لله تعالى. فكأنَّ صورةَ السرقة أبعدُ عن التهمة، وإذا كنا نُدير [قبولَ] (١) الإقرار على انتفاء التهمة، فليقع الترجيح في منازِل (٢) الترتيب بما هو معتمد الباب. هذا تمام البيان في ذلك. ٣٤١٧ - وكان شيخي أبو محمد لا يُعرِي قولَنا موجَبُه القود المحضُ عن تصرّف، ويقول: إن قلنا: العفو المطلق على هذا القول لا يوجب المال، فلا يتجه إلا القطعُ بثبوت المال، وإن قلنا: العفو المطلق يثبت المال، فكأناْ لا نمحّض القودَ على هذا القول موجَباً، ونجعل للمال مدخلاً. وإذا كان كذلك، تطرق الاحتمال. والعلم عند الله تعالى. هذا منتهى الكلام في إقرار العبد بالعقوبة. ٣٤١٨ - فأما إقراره بالمال، ففيما لو ثبت لتعلق بالرقبة، فمردود، لا شك فيه لاعتراضه على ملك المولى، واشتماله على التهمة. ولو أقر بما لو ثبت، لأوجب مالاً في ذمته، نفذ الإقرار، ولا أثر له في الحال ما اطّرد الرق ولكن إذا عَتَق اتُّبِع، وليس إقراره في هذا كإقرار المبذّر؛ فإنه لو أقر في اطراد الحجر عليه، ورددنا إقراره، فلو انطلق الحجر عنه، لم يؤاخذ بإقراره السابق. والسبب فيه أن العبد محجور عليه لحق مولاه، فإذا أقرّ بممكنٍ، فإن لم ينفذه في الحال، طالبناه به إذا زال حقُّ الموْلى. والمبذّرُ رُدَّ إقراره رعاية لحقه،

стр. 2863

وحقّه مرعيٌّ بعد انطلاق الحجر عنه. نعم، لو جدّد إقراراً بعد انطلاق الحجر، كان مؤاخذاً به. وإنما يظهر أثر الفرقِ إذا أنكر العبدُ بعد إعتاقه ما أقرّ به، وأنكر المبذر بعد الرشد ما كان أقرّ به، فإذ ذاك يفرَّق بينهما، فيؤاخذُ العتيق، ولا يؤاخذ الرشيد بعد السفه. وإن قيل: بينوا ما يلزم ذمةَ العبد. قلنا: كل ما يعترف به من ديون المعاملات ويدّعي فيه إذْنَ المولى، فهو متعلِّق بذمته. فإن رددنا إقرار العبد في كسبه، فهو مقبول في التعلّق بالذمّة، وقد يقرّ بشيءٍ لا تعلّق له بالكسب أصلاً، وذلك إذا قال: اشتريت شيئاً بغير إذْن السيد، والتفريع على أنه لا يصح شراؤه، فالثمن لا يلزمه مع الحكم بفساد العقد. ولكنه لو قال: أتلفتُ ما اشتريته، فالقيمةُ المعترف بها لا تتعلق برقبته لو ثبت ما قال؛ فإن مالك المال سلّطه على إتلافه، وإنما يتعلق برقبة العبد ما يُتلفه من غير إذن المولى. وهذا من البيّنات التي لا تشكل على الفقيه. * * *

стр. 2864

بَابُ بيع الكِلاب وغيرها ٣٤١٩ - صح أن رسول الله ﷺ " نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحُلوَان الكاهن " (١). أما مهر البغي، فأجرة الزانية، وحلوان الكاهن ما يأخذه الكاهن على تغريرهِ بالكَهانةِ؛ فمذهبنا أن الكلب ليسَ بمالٍ، ولا يجوز بيعه وليس على متلفه قيمة لصاحبه، ولا يُنكر اختصاص صاحبه به، كما سنفصله الآن. والوصية بالكلاب جَائزة ومعناهَا تنزيل الموصَى لهُ في الاختصاصِ بالكلب منزلةَ الموصي، وعلى هذه القاعدة يخلُف الورثة [في الكلاب] (٢) موروثَهم. وإذا لم يخلف إلا الكلابَ، ففي اعتبار خروج الوصيةِ والنظر إلى الثلث كلامٌ يأتي في كتابِ الوصايا إن شاء الله . وأما هبةُ الكلابِ، فقد ذَكر العراقيون والشيخ أبو علي وجهين فيها أحدهما - أنها تصح صحةَ الوصية. والثاني - لا تصح؛ فإن الهبة مقتضاها التمليك والكلبُ ليس ملكاً؛ وتصح الوصيةُ بالحمل وما سيكون، ولا تصح الهبة على هذا الوجه، واختار الأئمة فسادَ الهبة، وقضى القاضي بصحتها. وهذا زلل. وإذا أبطلنا الهبة ألغيناها، والواهب على اختصاصه بالكلب. ٣٤٢٠ - واختلف الأصحابُ في إجارة الكلبِ، فصححها بعضهم؛ تعويلاً على منافعها، ومنعها بعضهم؛ تحقيقاً للبعد من التعامل عليها، ولا يتجه عندنا بناء الوجهين على الخلاف في أن المعقود عليه المنفعةُ أم الأعيانُ، حتى نقول: إذا جعلنا المعقود عليه العينَ، منعنا الإجارة. وإن جعلنا المعقود عليه المنفعةَ، أجزناها؛ فإن

стр. 2865

هذا يبطل بإجارة (١) الحر. والمعنى فيه أن الممتنع تقدير الملك في عين الكلب. ومن يعتقد أن المعقود عليه في الإجارة العينُ لا يرى أن الملك ينتقل فيها. ومن غصب كلباً يجوز اقتناؤه، استُرِد منه، ثم إن كان انتفع به، [فهل يلزمه أجرةُ المثل] (٢)؟ ذَكر الأصحاب وجهين في ذلك، وهذا ينطبق على الخلاف في إجارة الكلبِ. والذي أراه تصحيحُ الإجارة. وإن لم نصححها، فالأوجه عندي إثبات أجرة المثل؛ فإنها منافع مقصودة تطلب بأموالٍ. فإن امتنعت الإجارة لتغليظٍ سببه المنع من التعامل على الكلاب، فلا وجه لتعطيلِ منفعته. ٣٤٢١ - ولو اصطاد الغاصب بالكلب المغصوب، ففي ذلك الصيد وجهان: أحدهما - أنه للغاصبِ الصائد، وهو الأَصح، كما لو غصب شبكة واصطاد بها. والثاني - أنه لصاحب الكلب؛ فإنَّ الكلبَ له اختيارٌ، وهو كالعبدِ المغصوبِ يحتش أو يحتطب في يد الغاصبِ. وهذا ضعيف؛ فإنَّ التعويل في تحليلِ الصَّيد على اختيارِ المرسل، وإذا ظهر اختيارُ الكلب، حرم الصيد الذي يقتله. ثم فرع الأئمة على الوجه الضعيف وقصدوا التنبيه على أصول. فقالوا: إذا قلنا: الصّيد للمغصوب منه، فالغاصب يرد الصيد عليه، ويغرم له أجرةَ مثل الكلب على وجهٍ؛ فإن المنفعةَ وإن صرفها إلى تحصيل فائدة وهي للمغصوب منه، فالغاصب في المنفعة متصرفٌ بعُدوان. وضربوا لذلك مثالين: أحدهما - أن من غصب بذْراً وأرضاً، فزرع الأرض المغصوبة بالبذر المغصوب من صاحب الأرض، فالزرع للمالك؛ لأنه تولّد من عين ماله، وعلى الغاصب مثل ذلك البذر؛ فإن ما تعفن في الأرض كان في حكم الفاسد، وما نبت خلق جديد. ويجب عليه أيضاً أجر مثل الأرض؛ وإن صَرَف منفعتها إلى فائدة مالكها. والثاني - أن من غصب بيضة فأحضنها دجاجةً وخرج الفرخُ، فالفرخ للمالك. وعلى الغاصب قيمة البيضةِ؛ فإنها تفسد

стр. 2866

وتصير مذرة، والفرخ نشوء جديد. وسنستقصي ذلك في كتاب الغصب، إن شاء الله تعالى. فصل ٣٤٢٢ - قال النبي ﷺ : " من اقتنى كلباً إلا كلبَ مَاشِية أو ضَارياً، نقص من أجره كل يوم قيراطان " (١) وفي بعض الألفاظ " أو كلب زرع " فنهى الرسول ﵇ عن الاقتناء، وأجمع الأصحاب على أنه نهي تحريم (٢)، واستثنى من النهي الكلبَ الضّاريَ وهو الصيود، وكلب الماشية وهي التي تحرس النَّعم، وكلبَ الزرع وهي التي تحرس المزارع في أيام الحصدِ والدياسة والتنقية؛ فمن اقتنى كلباً إعجابا بصورته، فهو مرتكبُ محرّمٍ، وإذا اقتناه وهو منتفع به بالجهات الثلاثة التي استثناها النبي ﷺ ، فلا بأس. ولو اقتنى كلب الحراسة للدروب والدور، فقد ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنه لا يجوز ذلك؛ فإن النبي ﷺ لم يستثن إلا ما تقدم ذكره، فيجب الاقتصارُ عليه، وطَرْدُ الحظر فيما سواه. والثاني - يجوز؛ فإن الحراسة في معنى الحراسة، وهذا قريب ممّا يقال فيه: إنه في معنى الأصل. ومن اقتنى جَرْوَ كلبٍ صَيُودٍ حتى إذا استقل صاد، ففي تحريم اقتنائه جرواً وجهان ذكرهما العراقيون أحدهما - يجوز؛ فإنه كلب صيدٍ، وإذا أبحنا اقتناء كلب الصيد، لم نشترط في الإباحةِ إدامةَ الاصطياد به. ومن أصحابنا من قال: لا يحل اقتناء الجرو؛ فإنه ليس ضارياً في الحال، والاقتناء في فحوى الحديث مسوغ لحاجةٍ حاقَّةٍ، تقرب من الضرورة، فأما الاقتناء لتوقع منفعة، فبعيد.

стр. 2867

ومن اقتنى كلب صيدٍ، وكان لا يعتاد الاصطياد، ففي تحريم الاقتناء وجهان أيضاً ذكروهما. والتوجيه بين. فإن قيل: الاختلاف في هذه الصورة مستند إلى احتمال، إلا ما ذكرتموه في الاقتناء لحراسة الدروب، والحراسة كالحراسة، فما وجه المنع؛ قلنا: وجهه أن النبي ﷺ قسم الكلاب، ولو جاز الاقتناء لحراسة الدروب، لعمّ جوازُ الاقتناء؛ فإن كل كلب نباح في موضعه، وهو معنى حراسة الدروب، وكلبُ الصيد والماشية والزرع يحرس في مضايع، ولا يستقل بهذا إلا كلبٌ له اختصاصٌ عن الكلاب. ويمكن أن يقال: لو اقتنيت في الدروب وكثرت أجراؤها، وأنست، خالطت وانبثت نجاساتُها، وليس كذلك كلاب الصحارى. ٣٤٢٣ - فإن قيل: فما قولكم في قتل الكلاب؟ قلنا: أما ما ينتفع به منها، ولا ضرار من جهتها، فلا يجوز قتلها. وأما العقور؛ فإنه يقتل دفعاً لضراوته، وقد نص رسول الله ﷺ على قتل الكلب العقور، وعدّه من الفواسق اللاتي يقتلن في الحل والحرم. وكل كلبٍ عقورٌ إذا اضطر إليه دفعاً عن نفسه. والذي عنيناه الذي يضرى بالشر طبعاً. وأما الكَلِب (١)، فلا يتمهل في قتله؛ فإن شره عظيم. والكلب الذي لا منفعة له، ولا ضرار منه لا يجوز قتله. وقد ذكرنا طرفاً من ذلك مقنعاً في باب الصيود من المناسِك عند ذكرنا الفواسق، وقد صح أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب مرة، ثم صح أنه نهى عن قتلها، واستقر عليه على التفصيل الذي ذكرناه. وأمر بقتل الكلب الأسود البهيم. وهذا كان في الابتداء، وهو الآن منسوخ.

стр. 2868

فصل يَجْمع تفصيْل القَوْلِ فيمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنَ الحَيَوانَاتِ ٣٤٢٤ - أما الآدمي، فلا يخفى تقسيمه إلى الحر والرقيق. وما عداه ينقسم إلى ما لا ينتفع به حياً وميتاً، وإلى ما ينتفع به حياً، وإلى ما لا ينتفع به حياً وينتفع ببعض أجزائه إذا مات أو قتل. وينبغي أن يستثنى منها الحيوان النجس العين، وهو الكلب والخنزير والمتولد منهما ومن أحدهما. فكل ما كان نجساً لا يجوز بيعه. والتقسيم وراء ذلك. فما ينتفع به حيّاً كالفهد والهرّ، فيجوز بيعه وفاقاً، ومنها الطيور الضارية. وأما ما لا ينتفع به حياً وميتاً، فلا يجوز بيعه. وأخذ المال في بيع شيء منها من أكل المال بالباطل. ومن هذه الجملة حشرات الأرض. ودودُ القز منتفع به، وكذلك نحل العسل، وتردد القاضي في العَلَق، فألحقها في جوابٍ بالديدان، ومال في جواب إلى جواز بيعها، لما فيها من منفعة مص الدم عند مسيس الحاجة إليه في بعض الأطراف. وتردد الأئمة في مثل حمار زمِنٍ لا حراك به ولا منفعة له، فحرم بعضهم البيع لسقوط المنفعة، وأجاز آخرون البيعَ نظراً إلى الجنس. وقيل أيضاً: يجوز بيعه لمكان جلده بعد الموت، وهذا المعنى فيه بعض الضعف؛ فإن المنفعة النّاجزة أولى بالاعتبار من توقع أمرٍ سيكون ولو بني [البيع] (١) على التوقع، لصح بيع جلد الميتة قبل الدباغ. فأما الأسد والذئب والنمر، فلا انتفاع بها وهي حية، ولا نظر إلى اقتناء الملوك إياها لإقامة السياسة والهيبة، فليس ذاك منفعةً معتبرة، ولا تتأتى المقابلة بها، بخلاف الفِيَلة؛ فإنَّ ذلك ممكن، وهي مراكب، فالتحقت بما يُنتفع به. أما الأُسد والنمور والذئاب، فالمذهب أنه لا يجوز بيعُها. وذكر القاضي وجهاً آخر أنه يجوز بيعها، بناء

стр. 2869

على إمكان الانتفاع بجلودها، فهي طاهرة في [الحال] (١)، والانتفاع متوقع ببعض الأجزاء. ولا يجوز بيع الرَّخَمة، والحدأة، والغراب؛ فإنه لا منفعة فيها، فإن كان في أجنحة بعضها منفعة، التحقت بالأُسد والذئاب. والأصح منع البيع. ٣٤٢٥ - ثم ألحق الأئمة مسائلَ بما ذكرناه في الحيوان: منها بيع المعازف وآلات الملاهي، فإن كانت بحيث لو كسرت الكسْر المأمور به، لم يكن رُضاضها متمولاً، فلا يصح بيعها. وإن كانت بحيث لو كسرت الكسرَ الواجبَ، لكان رُضاضها متمولاً، ففي إيراد البيع عليها قبل الرض وجهان: أحدهما - يبطل البيع؛ نظراً إلى صفاتها في تركبها، ويعتضد هذا بإطباق الناس على استنكار بيع البرابط والطنابير. والثاني - يصح بيعها؛ لأن جِرم الرضاض كائن فيها. وهذا وإن كان قياساً، فالعمل على الأول. فأمّا إذا باع صوراً وأشباحاً كالأصنام وغيرها، وكانت متخذة من جواهر ذوات قيم، كالصُّفر (٢) والنحاس وغيرها، فهي مكسّرة على أربابها، والأصح جواز بيعها قبل التكسير؛ فإن جواهرها مقصودة بخلاف رُضاض المعازف. وذكر القاضي وجهاً آخر في منع بيعها. فصل ٣٤٢٦ - الأعيان النجسة يمتنع بيعها، وإن كانت منتفعاً بها كالسِّرقين (٣) والأخثاء (٤)، وأجاز أبو حنيفة (٥) بيعها ومنع بيع العَذِرَة. وطرد الشافعي إفساد البيع في كل عين نجسة. والثوبُ المضمخ بالنجاسة يجوز بيعه، والبيع يرد على جوهرِه الطاهر.

стр. 2870

والدهن إذا أصابته نجاسة، ففي جواز بيعه قولان مبنيان على إمكان غسله، وفي إمكان غسل الدهن قولان، سبق ذكرهما في كتاب الصلاة. فإن قلنا غسله ممكن، فبيعه جائز. وإن قلنا غسله غيرُ ممكن، ففي بيعه قولان مبنيان على جواز الاستصباح بالدهن النجس. والقولان في الاستصباح يجريان في ودَك الميتة، وإن كان لا يجوز بيعه. وإنما استعملنا الخلاف في الاستصباح في دهن طاهر الجوهر (١) لَحِقَتْه نجاسة، فإن ما كان نجس العين، فبيعه ممتنعٌ، وإن كان منتفعاً به. والبيع فيما هو طاهر الجوهر قد يتلقى من الانتفاع. هذا تنزيل هذه المسائل على قواعدها. ٣٤٢٧ - ثم أطلق الأئمة الخلاف في جواز الاستصباح. وهو مفصل عندي: فلو كان السراج الذي فيه الدهن النجس بعيداً، بحيث لا يَلقى دخانُه المستضيءَ بهِ؛ فلست أرى لتحريم هذا وجهاً؛ فإن الانتفاع بالنجاسات لا ينسدّ، وكيف يمتنع منه مع تجويز تزبيلِ الأرض وتَدْميلها (٢) بالعَذِرة، ولعل الخلاف في جواز الاستصباح ناشىء من لحوق الدخان الثائر من ذلك الدهن، وفيه تفصيل نذكره. [أمّا رماد الأعيان النجسة، فالمذهب أنه نجس، وفيه شيء قدمته في كتاب الصّلاة. و] (٣) أمّا دخان الأعيان النجسة إذا احترقت -على قولنا بنجاسة الرماد- فما كان يقطع به شيخي أن الدخان رماد، وهو يتجمع بعد الانبثاث. وذكر القاضي وجهاً أنه طاهر وإن حكمنا بنجاسة الرماد؛ فإنه يُعد بخارَ النار. وهذا ركيك. ومما يعتنى به أن الدهن النجس في عينه في دخانه ما ذكرناه. وأمّا الدهن الذي وقعت فيه نجاسة، فدخانه أجزاء الدهن. وما وقع فيه ونجسه، قد لا (٤) يكون مختلطاً، ويظهر في هذا الدخان الحكمُ بالطهارة؛ فإن الذي خالط الدهن يتخلف قطعاً، والذي ثار محضُ

стр. 2871

أجزاء الدهن، والتردد في الاستصباح يجوز أن يكون مأخوذاً من نجاسة الدخان؛ فإنه يثبت في البيوت ويلحق الثياب، وقد لا يحسّ بأوائل لحوقه حتى يحترزَ منه. ولا يمتنع على بعدٍ أن يطرد الخلاف في الاستصباح وإن بعد السراج، فإن هذا ممارسةُ نجاسة مع الاستغناء عنها، وليس كذلك التزبيل؛ فإنه لا يسد مسده شيء، فكان ذلك في حكم الضرورة، ويقرب من هذا جواز اقتناء الكلب الضّاري؛ فإن الحاجة ماسّة ولا يسد مسد الكلب في ظهور منفعته (١) وخفة مؤنته شيء. فصل ٣٤٢٨ - أكثر أئمتنا ذِكْرَ المالية وأجرَوْا في أثناء الكلام ما يتموّل وما لا يتمول، ورأَوْا ذلك قاعدةً متبعة في تصحيح البيع ونفيه. ونحن نفصل القول في هذا على إيجاز وبيانٍ، إن شاء الله تعالى. فممّا يسميه الفقيه غيرَ متمول ما لا يقبل البيع في جنسهِ، وهو ينقسم إلى نجسٍ وإلى محترم: أما الأعيان النجسة قد (٢) سبق القول فيها، وأمّا المحترم الذي لا يتمول كالحرّ وما يحرز بالشرع كبقعة الكعبة، أو حرز كالبقاع التي اتخذت مساجد. ثم ما لا يتمول لجنسه، وهو الأعيان النجسة لا قيمة لها، ولا تضمن بالإتلافِ، وما لا يتمول لحرمته، فلها أبدال عند الإتلاف. ومقصودنا من هذا الفصل شيء آخر. فإذا قلنا: هذا لا يتمول لقدره، فليقع الاعتناء به، وإن كان جنسه مالاً. والضّابط فيه أن كل ما ليس للانتفاع به على حياله وقع محسوس، فهو الذي يقال: إنه لا يتمول، كالحبة والحبتين فصاعداً. وليعتبر وقعه منسوباً إلى كل جهة؛ فإن حبات معدودة قد لا يكون لها وقع في الإنسان، وهي تقيم عصفورة، أو تسد منها مسداً. فكل ما فيه نفع محسوس، فهو مال، وكل ما ليس فيه نفع محسوس، فهو غير

стр. 2872

متمولٍ. وكل منتفع به طاهرٌ غير محترم إذا تحقق الاحتواء عليهِ، فهو مال. وإن كان الناس لا يتمولونه لكثرته ورخاءِ السّعر. فليكن التعويل في الفرق بين ما يتمول وما لا يتموّل على المنفعة في الأجناس الطاهرة غير المحترمة. فلو أجدَّ (١) الرجل صخرة، وكان فيها منفعة ظاهرة، فيجوز أن يبيعها بآلاف ممن يشتريها: وهم في شعاب جبال مفعمة بالصخور. وعليه يخرج تجويز بيع [هذِه] (٢) في أمثال هذه البلاد. فأما الحبة من الحنطة فلا، ولا يختلف هذا بسِنِي الأَزْم والمَجاعة ورخاء الأسعار. ولكن ما يقال فيه: إنّه لا يتمول لقلته فيه حق لصاحبهِ، فلا يجوز أخذ حبة من مال إنسان بناء على أنها لا تتمول. ومن أخذها لزمه ردُّها. قال شيخي: كان القفال يقول: إن تلفت لم يبعد أن أوجب مثلَها. وإنْ منعتُ بيعها. نعم لو كان كذلك القليل من جنس متقوم، فلا قيمة. فهذا حَاصل القول في ضبط ما يتمول. وما لا يتمول. فصل مشْتمل عَلى بَيعْ المَاءِ وحُكمِهِ نظمه الشيخ أبو علي في الشرح ونحن نأتي به على وجهه فلا مزيد عليه. ٣٤٢٩ - فنقول: من ينزح ماء من موضع مباع، فالمذهب المشهور أنه يملك ما أحرزه، كما يملك الحطب إذا احتطب، والصيدَ إذا اصطاد. وفي المسألة وجه بعيد أنه لا يملك قط. ولكن محرزه أولى به، وهذا بعيد لا تفريع عليه. وإنما التفريع على أن الماء يملكه محرزه.

стр. 2873

فمن أحرز ماء في إداوة وسقايةٍ، فقد ملكه، ويجوز بيعه على شط الدجلة، بما يقع من التراضي عليه. فأما إذا حفر بئراً أو قناةً، فاجتمع فيها ماء، فهل يملك ذلك الماء؟ هذا يستدعي أولاً تفصيلَ المذهب في أن الآبار كيف تملك، وهذا مما يأتي استقصاؤه في إحياء الموات، والقدر الذي تمس الحاجة إليه الآن أن من حفر بئراً في مواتٍ وقصد باحتفارها تملّكَها، فإذا ظهر مقصودُه، مَلَكَها، ومقصودهُ ظهور الماء، فكما (١) ظهر، مَلَك، ولا يتوقف الملك على أن يطويَ (٢) البئر ويعمرَها. هذا ظاهرُ المذهب. وقيل: ظهور الماء يجعل حافرَ البئر كالمتحجر، وهذا يأتي في الإحياء. ولو كان يحتفر نهراً إلى نهر عظيم كالفرات، وقصده أخذ شيءٍ من ماء الفرات في نهرهِ، فإذا قصد باحتفار النهر تملكها، وانتهت فوهة النهر إلى النهر الكبير، وجرى فيه الماء، فهذا في ملك النهر نظير إنباط الماء في البئر. هذا إذا قصد التملك. فأما إذا قصد احتفار البئر ليستقي ماءها لا أن يتملكها. فيكون أولى بماء البئر، فإذا تعداها وجاوزها، فالبئر بمائها مباح. فإذا بان ذلك، فلو لم [يملك] (٣) البئر، ولم يقصد تملكها، فالماء المجتمع فيها لا يكون مملوكاً باتفاق الأصحاب. هكذا قال الشيخ. فأمّا إذا ملك البئر، أو كان في ملكهِ الخالص بئرٌ كَدَارِه، فالماء المجتمع في تلك البئر هل يكون ملكاً على الحقيقة لمالك البئر؛ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - وهو اختيار أبي إسحاق أنه لا يملكه، وينزل الماء الحاصِل في ملكه منزلةَ ما لو عشش طائر في ملكه؛ فإنه لا يملكه. وقال ابن أبي هريرة: الماء ملك لصاحب البئر على

стр. 2874

الحقيقة، وهو نازل منزلة الثمرة التي تخرج من أشجاره من غير قصده. ٣٤٣٠ - فإذا ثبت ذلك، فالكلام وراء ذلك في فصلين: أحدهما - إفراد الماء بالبيع. والثاني - بيعه مع قرارِه. فأما إفراد الماء بالبيع، فالماء الذي جمعه في إداوة أو حوض، أو أحرزه، فيجوز بيعه؛ فإنه غير متزايد. فأمّا الماء المجتمع في البئر المملوكة، أو الماء الجاري في النهر المملوك، فإن قلنا: إنه غير مملوك، فإذا أفرده بالبيع، لم يصح؛ لأنه باع ما لم يملكه، فأشبه ما لو باع فرخَ طائر على عش في ملكه. ولم يأخذه بعدُ. وإن قلنا: إنه مملوك، قال ﵁ (١): لا يصح إفراده بالبيع إذا قال: بعتك ماء هذا البئر؛ لأنه ممّا يتزايد تزايداً كثيراً، وليس كذلك بيع الجِزة من قُرطٍ، فإنه إذا ابتدرَ الجزَّ، لم يتزايد تزايداً محتفلاً به، والماء الجاري أولى بالفساد، فلا يصح إذا بيع الماء على الوجهين لعلّتين (٢). ولو قال: بعتك مائة مَن من ماء هذه البئر، فإن قلنا: إنه مملوك، ففي المسألة وجهان: أحدهما - يصح. والثاني - لا يصح. وهما مبنيان على ما إذا أراه نموذجاً من لبن الضرع، فينبغي أن يكون المقدار المذكور من ماء البئر، ومن لبن الضرع بحيث يعتقد قلةُ التزايد فيه، كما قدمناه في لبن الضرع. قال الشيخ: لو باع مقداراً من ماء نهرٍ جارٍ، فهو ممنوع؛ فإنه غير واقفٍ ولا يستمكن من تنزيل العقد على معاين فيه تَسلُّم. وكل ما ذكرناه فيه إذا باع الماء وحده. ٣٤٣١ - فأما إذا باع ماء البئر مع البئر، فنذكر التفصيل في البئر أولاً، ثم نذكره في النهر.

стр. 2875

فإذا باع البئرَ، فلا يخلو إما أن يشترط معه الماءَ الذي فيه أو لا يشترط: فإن شرط معه الماء الذي فيه، فإن قلنا: إنه غير مملوك، فلا يصح البيع فيه. وهل يصح في البئر؟ فهو على قولي تفريق الصفقة. وهو كما لو باع ظبية مملوكة، وأخرى في الصحراء لم يصطدها. فأما إذا قلنا: الماء في البئر مملوك، فإذا باع البئر مع مائه الذي فيهِ، صح؛ فإنه مشاهد. [وليس] (١) كما لو أفرد ماء البئر بالبيع؛ فإن الأصل في تلك الصورة مُبْقَى للبائع. وما نَبَع بعد تقدير البيع، فهو لمالكِ الأصل، فيؤدي إلى اختلاط المبيع، وأما هاهنا مَلَك (٢) المشتري [المنابع] (٣)، فلا أثر للازدياد، ولا يضر أن يختلط ملكُ المشتري بملكه. هذا إذا شرط مع البئر ماءها. فأفا إذا باع البئر ولم يتعرض للماء الذي فيه، فإن قلنا: إن الماء ليس بمملوك، فقد ملك المشتري البئر، وصار أحق بالماء، كما كان البائع أحقَّ به. وإن قلنا: إنه مملوك، فالبئر صارت مملوكة للمشتري، والأصح أنه لا يتبعها الماء؛ فإنه [نماءٌ] (٤) ظاهر، فأشبه الثمار الظاهرة المؤبرة لا تدخل في مطلق بيع الشجرة. ومن أصحابنا من أتبع الماءَ البئرَ وجعله كالثمار التي لم تؤبَّر، ونزل الأمر في هذا على العرف. وهذا قدمته في أثناء مسائل البيع فيما أظنه. فهذا في البئر. ٣٤٣٢ - فأمّا في النهر، فإن باعه من غير تعرض للماء الذي فيه، فالبيع في النهر صحيح، والقول في إتباع الماء الموجود في النهر على ما تفضل. فأما إذا باع النهرَ مع الماء الجاري، فإن قلنا: إنه غير مملوك، فقد جمع بين مملوك وغيرِ مملوك
следующие страницы →