أرش الجناية؛ حتى ينفك الرهن في ذلك المقدار، فيثبت له هذا الحق، وإن كان لا يثبت له دين على عبده.
وهذا ضعيف جداً، حكيناه ولا نعود إليه.
هذا إذا كان تعلُّق الجناية بالطرف.
٣٦٦٦ - فأما إذا قتل العبد المرهونُ السيدَ الراهن، فإن أراد ورثتهُ الاقتصاصَ، كان لهم ذلك. وإن لم تكن الجناية جنايةَ قصاص، أو ثبت القصاص فأسقطوه بالعفو، فلا يثبت لهم عُلقة مالية؛ فإنا إن قلنا: الدية تجب للمقتول (١)، ثم تنتقل منه إلى وارثه، فعلى هذا لو أثبتنا الدية للسيّد، لأثبتناها للمالك. وقد ذكرنا أن ذلك محال.
وإن فرَّعنا على أن الدية تثبت ابتداءً للورثة، فهم يملكون رقبة العبدِ الجاني، في الوقت الذي يملكون فيه الدَّيْن لو أمكن ملكهم فيه. وكما لا يطرأ ثبوت الدين للسيد على ملكه، وكذلك لا يقترنان؛ فإنهما على حكم التناقض يتجاريان، فكيف فرض الأمر لم يثبت للورثة حق مالي؛ فيبقى العبد مرهوناً، كما كان، على المذهب المقطوع به.
٣٦٦٧ - ولو جنى العبد المرهون على ابن السيد الراهن، نُظر: فإن كانت الجناية على الطرف، فللابن القصاصُ، فإن استوفاه، فذاك. وإن عفا على مالٍ، أو كانت الجناية مالية، فالعبد يباع في الأرش، ويفك الرهن.
وإن لم يتفق من الابن تحصيلُ ذلك، والمطالبه به حتى مات، وورثه أبوه الراهن، لم يُخَلِّف (٢) وارثاً غيرَه، فهذا موضع تردد الأصحاب.
منهم من قال: يثبت للأب حق فك الرهن على ما تقتضيه الجناية؛ فإن المال لم يثبت له ابتداءً حتى يحكم باستحالته.
ومن أصحابنا من قال: لا يثبت حق فك الرهن.
وبنى الأئمة هذا الاختلافَ على أصل، وهو أن من استحق دين على عبداً، ثم
стр. 3082
ملكه، فالدين الثابت قبل الملك هل يسقط بطريان الملك؟ فيه خلافٌ مشهور. فإن حكمنا بأن الدين يسقط بالملك الطارىء، قال الأصحاب: فعلى هذا لا يثبت للأب إذا ورث ابنَه حقُّ فك الرهن، وسقط بما جرى الاستحقاقُ. وإن قلنا: الدينُ لا يسقط بالملك الطارىء، فقد قال الأصحاب للأب حقُّ فكِّ الرهن في مسألتنا.
هذا ما اشتملت عليه الطرق، واتفق الأصحاب عليه، كأنهم تواصَوْا فيه، وهو في نهاية الإشكال؛ من جهة أن الملكَ في العبد مستدامٌ، والإرث إن أثبت له ملكاً أثبته جديداً على مملوكه، فكيف يكون الاستحقاق الطارىء على الملك بمثابة الملك الطارىء على الاستحقاق؟
ولكن الأصحاب قالوا: إذا ثبت دينٌ، ففي سقوطه بالملك الطارىء خلاف. فإذا ثبت الدين لغير المالك، ثم انتقل إلى المالك، فيخرّج هذا على الخلاف؛ فإن أصلَ الدين ثبت (١).
فهذا هو المنتهى في ذلك، نقلاً وتنبيهاً.
وكان القول فيه يتعلق بأن العبد له ذمة، ولا احتكام للسيد عليه فيها. وإنما منعْنا معاملةَ السيد عبدَه القن، من جهة أنا لا نرى للعبد استمكان الخروج عما نقدّره لازماً، والرق لا نهاية له. فإذا فرض للدين ثبوت في جهة، فكأنهم على وجهٍ لا يستبعدون (٢ انتقاله إلى السيد بعد ارتباطه بالذمة، كما لا يستبعدون ٢) بقاء الدين إذا طرأ الملك.
وكل ما ذكرناه فيه إذا جنى المرهون على طرف ابن الراهن ثم مات بسبب آخر.
٣٦٦٨ - فأما إذا قتل المرهونُ ابنَ الراهن، فإن كان القتل موجباً للقصاص، فقد مضى القول في القصاص، ووضح أنه لا دفع له إذا أراده مستحقُّه، وإن كان القتل خطأً، رتب الأئمة القولَ في ذلك على اختلافٍ سيأتي في الديات، في أن الدية تجب
стр. 3083
للقتيل أولاً، ثم تنتقل إلى ورثته، أم تجب ابتداءً للورثة. قالوا: إن قلنا: تجب للورثة ابتداءً، فلو أثبتناها، لأثبتناها للسَّيد الوارث ابتداءً. وهذا لا سبيل إليه، فلا يثبت له حق فك الرهن.
وإن قلنا: الدية تثبت للمقتول، ثم تنتقل إلى ورثته، فهذا في الترتيب كأرش الطرف، إذا ثبت للابن، ثم مات بسبب آخر. وقد فصَّلنا هذا.
٣٦٦٩ - ولو جنى العبد المرهون على عبد الراهن تُصوِّرت مسائل عند ذلك:
إحداها - ألا يكون ذلك العبدُ المجنيُّ عليه مرهوناً، فحكمه حكم ما لو جنى على نفس الراهن. أمَّا القصاص، فإلى المولى، وأما المال، فلا يثبت كما مضى.
ومن المسائل أن يجني العبد المرهون على عبد آخر للراهن مرهون عند إنسان آخر، أما القصاص، فكما مضى. وإن كانت الجناية مالية، أو آل الأمر إلى المال، فقد تحقق اعتراض على حق المرتهن الذي قُتل العبد المرهون عنده، فإن كانت قيمةُ العبد القاتل مثلَ قيمة المقتول، أو أقلّ منها، بعناه، ووضعنا ثمنه رهناً بدل العبد المقتول. وإن كانت قيمة الجاني أكثر، فنبيع منه قدرَ قيمة المقتول، ونضعه رهناً، وإن كان التشقيص يتضمن تعييباً، ففي بيع بعضه إبطالُ حق المالك، وفيه أيضاًً إبطال حق المرتهن الذي جنى العبد المرهون عنده. فإذا رضي المالك، ومرتهنُ الجاني ببيع كلِّه، بعناه، وصرفنا مقدار قيمة المقتول إلى مرتهن المقتول، وجعلناه رهناً عنده، وتركنا الباقي عند مرتهن الجاني.
وإن قال مرتهن الجاني: لست أرضى ببيع الفاضل منه عن قدر القيمة، وقال المالك: لست أرضى بتنقيص ملكي بسبب التشقيص. وقد يفرض هذا على العكس بأن يرضى المالك بالتشقيص، ولا يرضى المرتهن، فالذي يدل عليه كلام الأصحابِ أنّا نرعى المصلحةَ ولا نبالي بمن يحيد عنها؛ فإن المالية هي المقصودة، فإذا اجتمع اعتبار المالية، وحقُّ الاختصاص بالغير، فالمالية أولى بالرعاية، وإذا لم يكن بد من إجابة أحدهما واستحال الجمع، فلا فرق في تقديم جانب على جانب، إلا رعاية المصلحة.
стр. 3084
٣٦٧٠ - ومن تمام البيان في ذلك أن قيمة الجاني لو كانت مثلَ قيمة المقتول، وكنا نفك الرهن بسبب مرتهن المقتول، فلو قال الراهن لمرتهن المقتول: لا غرض لك في بيع هذا العبد، فاكتف برقبته، حتى أفك رهن مرتهن الجاني، وأنقلَ حقك إلى رقبته، فإن رضي بذلك مرتهنُ المقتول، جاز وفسخ الرهن في حق مرتهن الجاني، ولا مجال له في المناقشة في هذا؛ فإن حقه إذا كان يرتفع، فتعلقه باستدعاء البيع فضول.
أما مرتهن المقتول إذا قال: لست أبغي هذا العبدَ، فبعه، وضع ثمنَه رهناً، فهل يجاب إلى ذلك؟ ذكر شيخي وصاحب التقريب وجهين في هذا: أحدهما - أنه لا يباع؛ فإن حقه عاد إلى المالية، والعبد الجاني قد تعلق الأرش برقبته، فهو أقرب من قيمته. والوجه الثاني - أنه يجاب فيباع؛ فإنه يقول: كان حقي في رقبة العبد الذي قتل، فإذا قتل، فحقي في قيمته، فلا أرضى إلا بها.
ولا خلاف أنه لو أتى بعبدٍ آخر، وأراد أن يُجبر المرتهنَ على قبوله رهناً، بدل العبد المقتول، لم يُجبَر المرتهنُ على قبوله؛ فإنه ليس قيمة، ولا متعلّق قيمة والعبد الجاني قد تعلق القيمةُ برقبته.
ولم نطوّل الفصلَ بذكر القتل الواقع عمداً، مع تصوير العفو مطلقاًً، أو على مال.
وتخريجه على اختلاف الأقوال، ولكنا نذكر قولاً وجيزاً، فنقول: إذا ثبت حق القصاص للراهن على العبد المرهون، وكان قتل عبداً آخر مرهوناً عند آخر، فإن أراد الاقتصاصَ، فلا منع، وإن أراد العفو على مالٍ، ثبت المال، وتعلق به حق مرتهن المقتول. وإن عفا على غير مال، فهو في العفو على غير مالٍ كالمفلس يعفو عن قصاصٍ، ثبت له على غير مالٍ، والديون محيطةٌ والحجر مطرد، وذلك لأن الراهن محجورٌ عليه حجرَ خصوصٍ في المرهون، كما أن المفلس محجور عليه. وتفصيل هذا يأتي في كتاب الجراح، إن شاء الله تعالى.
وكل ما ذكرناه فيه إذا قتل عبد مرهون عبداً آخر لذلك الراهن، وكان مرهوناً عند رجل آخر.
стр. 3085
٣٦٧١ - فأما إذا رهن رجل عبدين عند آخر، فقتل أحد العبدين الآخر، فإن كانا مرهونين بدين واحد، فقد فات العبدُ الذي مات، والعبدُ الباقي مرتهنٌ بجميع الدين، ولا حاجةَ إلى تكلف نقل، وكنا هكذا نقول لو مات أحدهما حتف أنفه.
فأمّا إذا رهن كلَّ واحد من العبدين بدينٍ مغاير للدين الآخر. فإذا قتل أحدُ العبدين الثاني، وقال المرتهن للراهن: قرِّر الدينَ المتعلقَ برقبة القاتل، وانقل إلى رقبته الدينَ الذي كان متعلقاً برقبة العبد الذي قُتل، فلسنا نجيبه إلى ذلك. اتفق الأصحاب عليه، فليقطع الناظر إمكان ذلك عن فكره؛ والسبب فيه أنه ما لم يفك عن الرهن المتعلِّق به، لا يتصور ربطُ دين آخر به.
هذا سبيل اعتراض الجنايات على المرهون. فإذا أردنا تقريرَ الرهن الأول، ونقلَ الدين الثاني، لم يكن ذلك على مقتضى تأثير الجناية في الرهن.
فإذا ثبت هذا، نظرنا بعده، وقلنا: إن كان [الدين] (١) المتعلق بالقاتل أكثر من الدين الذي كان متعلقاً بالمقتول، فلا فائدة في نقض (٢) رهن القاتل، ونقل رهن المقتول إليه، وليقع الفرض فيه إذا استوى الدينان في التأجيل والتعجيل، كذلك إذا استوى مقدار الدينين مع ما ذكرناه. فلا غرض، فإذا استدعى المرتهن النقل، لم نسعفه واعتقدناه ملتمساً شيئاًً غير مفيد.
نعم لو قال: بيعوا هذا الجاني، وضعوا قيمته رهناً؛ فإني لا آمنه، وقد يبدر منه ما بدر، والقيمة أبعد عن قبول الآفات من العبد، فهل يجاب لهذا الغرض إلى ما يريد؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: نجيبه إلى مهواه؛ فإنه ذكر غرضاً صحيحاً، وقد حدث ما يوجب تغييراً على الجملة. والثاني - أنا لا نجيبه كما لو ارتهن عبداً، فبدر منه هناةٌ قرَّبته من الهلاك، فقال: بيعوه أثق بثمنه (٣)، لم نجبه إلا أن يمرض مرضاً يخافُ موته، فيلحق التفصيل بالمطعوم الذي يُسرع الفساد إليه. وقد مضى.
стр. 3086
فإن قلنا: لا نجيب المرتهن في مسألة الجناية، فلا كلام.
وإن قلنا: نجيبه، فنضع ثمنه إذا بعناه رهناً بالدين الذي كان متعلقاً برقبة المقتول. هكذا يقع (١) الأمر، وإن كان الغرض لا يختلف في المقدار والحلول والتأجيل، حتى لو كان الدين المتعلق بالقاتل أكثر، لم نجعل ثمنه رهناً إلا بالدين الأقل؛ فإنّ بيع العبد بسبب الجناية، مع تبقية القيمة في ذلك الرهن بعينه محال.
ولو اختلف الجنس وكان أحدهما دنانيرَ والآخر دراهم، ولكنَّ المقدارين متساويان في المالية، وكانت الدراهم بحيث لو قومت بالدنانير، لبلغت قيمتُها مبلغَ الدنانير، التي هي أحد الدينين، فليس اختلاف الجنس من اختلاف الغرض. ولو كان الدينان متفاوتين بالحلول والتأجيل، فهذا من الأغراض، ولا فرق بين أن يكون دينُ المقتول مؤجلاً أو حالاً؛ [إذ] (٢) في الحال غرض ليس في المؤجل، وفي المؤجل غرض ليس في الحال؛ فإن القاتل لو كان رهناً بالحال، نقلنا (٣) إلى المؤجل ليتوثق، ويستوفى الحالُّ في الحال. وإن كان القاتل رهناً بالمؤجَّل، ننقله إلى الحالّ، فيبيعه فيه. وهذا غرض ظاهر.
ومبنى المسألة على اتباع الغرض. فإن لم يكن في النقل غرض، فلا نقلَ إلا في استدعاء جواز البيع؛ فإن فيه اختلافاً ذكرته.
وإنما ينتظم ذكر الأغراض إذا فرعنا على أنه لا يجاب إلى بيع القاتل إذا لم يلُح غرضٌ غيرُ البيع.
ثم ذكرَ الشافعي إقرارَ العبد المرهون بما يوجب القصاص، وبما يوجب المال، وقد تقدم القول فيهما، وذكرنا التفصيل فيه إذا أقر بما يوجب القصاص، وقبلنا إقرارَه في العقوبة، فعفا المقَرُّ له على مالٍ.
стр. 3087
٣٦٧٢ - ثم قال: " فإن كان السيد أمر العبد بالجناية ... إلى آخره " (١).
إذا رهن عبداً وأقبضه، ثم أمره بالجناية، فإن كان مميَّزاً، ولم يصدر من السيد إكراهٌ، فلا أثر لأمره، فيما يتعلق بأحكام الجناية، وحكم الجناية الصادرةِ عن أمره كحكم الجناية التي يستبدّ بها. وإن كان غير مميز ولكن كان ألِفاً لاتِّباع أمر سيده إلفَ السبُع [لمن] (٢) يقوم عليه، وكان يسترسل في الجناية عند الأمر طبعاً، استرسالَ السبع عند الإشلاء (٣) والإغراء، فإذا أشار السيد إلى مثل هذا العبدِ، فانطلق، وقتل إنساناً، أما السيد فحكمه حكم المكرِه على القتل، وأمّا العبد، فلا شك أنه لا يتعرض لاستحقاق عقوبة ولا تمييز له، فالعقوبة على المكلّف، وفي تعلق الأرش برقبة مثل هذا العبد وجهان مشهوران: أحدهما - أنه يتعلق برقبته بصدور عين الفعل منه.
والثاني - لا يتعلق برقبته، فإنه كالآلة المردَّدة، وكالسبع يغريه القائم عليه، ثم لا يتعلق برقبة الفهد المغرَى شيء، كما لا يتعلق بالسيف والأسلحة.
ولو أكره السيد عبدَه المختارَ على الجناية، ففي المكرَه قولان، وتفاصيل طويلة ستأتي في كتاب الجراح، إن شاء الله تعالى.
وقدر غرضنا منها أنا إن جعلنا المكرَه كالآلة، ولم نعلِّق به غرضاً، ولا عقوبة، فلا يمتنع أن نخرّج المسألةَ فيه على وجهين، في أن الأرش هل يتعلق برقبته أم لا؟ كما ذكرناه في العبد الأعجمي (٤)، ولا يبعد أن يرتب، ويجعل المكرَه أولى بأن يتعلق برقبته من قِبَل أن التكليف ليس منقطعاً عنه، وإن كان مُكرهاً على القتل، فتأثيمه من أحكام ثبوت اختياره، وليس كالعبد الأعجمي.
وحقائق هذه الفصول تأتي في الجنايات، إن شاء الله تعالى.
стр. 3088
فصل
قال: " ولو أذن له، فرهنه، فجنى، فبيع في الجناية، فأشبهُ الأمرين أنه كير ضامنٍ، وليس كالمستعير الذي منفعته مشغولة ... إلى آخره " (١).
٣٦٧٣ - إذا استعار رجل عبداً من مالكه ليرهنه بدين عليه، فقد أطلق الأصحاب أنه إذا رهن العبد المستعار بإذن مولاه، فالرهن جائز. ثم قالوا في حقيقة هذا الرهنِ قولان؛ أحدهما - أنه يُنحى به نحو الضمان. والثاني - أنه يُنحى به نحو العاريّة، فنبيّن القولين، ثم نوجههما، ثم نفرعّ عليهما.
أما بيانهما: فمن قال: سبيله سبيلُ الضمان، فتقديره أنه إذا أذن للمستعير أن يُلزم رقبةَ العبد المستعار مالاً، وسيد العبد وإن كان بريئاً عن دين المستعير، فلو ضمنه، لصار ملتزماً ماله. فهذا في حكم ضمانٍ في عين العبد، ومالكُ العبد متبرع به، تبرّعَ الضامنين بإنشاء الضّمان.
ومن قال: يجري مجرى العارية، فمعناه أن المستعير ينتفع بمنافع المستعار، فكأنه جعل التوثق برقبته انتفاعاً به، فهذا معنى جريانه مجرى العواري.
٣٦٧٤ - توجيه القولين: من نزله منزلة الضمان، فوجهه أن المالك بريء عن دين المستعير، وإذا ثبت الرهنُ وانبرم بالقبض، فموجبه اللزوم، ولا وجهَ للزوم الدين في حق البريء عنه إلا الضّمان، غيرَ أن المالك يتصرف في ذمته، ويتصرف في أعيان ملكه، ثم ملك أن يُلزم ذمته البريئة دينَ الغير بطريق الضّمانِ، فيملك أن يُلزم رقبةَ ماله دينَ الغير متبرعاً، وهو في الوجهين متصرِّفٌ في محل تمكنه ومِلكه، غيرَ أنه إن ضمن، فلا تعلق للمضمون بماله، وإذا علق الدينَ بماله، فلا تعلّق له بذمته.
ومن قال: يُنحى به نحو العارية، فوجهه أن الضمان محلُّه الذمة، فلا يتعلق الملتزَم بعينٍ قط، وهذا الحق يتعلق بالعين، وراهنه مستعيرٌ، فالرهن عاريةٌ في جهة مخصوصة.
стр. 3089
ونصُّ الشافعي مردَّدٌ بين القولين، فإنه قال: " فأشبه الأمرين "، فكان هذا ترديداً. ثم قال: " وليس هذا كالمستعير "، ففي نصه تردد، وصغوُه إلى قول الضمان.
أمّا التفريع، فقد اختلفت الطرق، وتباينت المسالك. والسبب فيه ميلُ هذا الأصل عن قياس القواعد، وبعده عن الأفهام، فلا يكاد يحيط بأطراف المسألة إلا فقيه موفق.
٣٦٧٥ - فأول ما نصدّر الكلامَ به بعد ذلك أن العراقيين حَكَوْا عن ابن سريج أنه قال: إن جعلنا الرهن مشبهاً بالضّمان، فهو صحيح ثابت. وإن قلنا: يُنحَى به نحو العواري، فالرهن غير صحيح؛ فإن من حُكم الرهن أن يلزم بالقبض، والعارية لا تلزم. فلا وجه لجمع حكميهما النقيضين. ولكن كأن المعير وعد المستعير أن يرخص له في بيع المستعار، وصرفِ ثمنه إلى دينه، وليس بينهما إلا موعد ورجاء. فإن وفى فحسن، وإن أخلف، فله ذلك.
وهذا قريب في القياس بعيد في الحكاية. وسيكون لنا في أثناء الفصل إلى هذا عودةٌ مقرونة بتنبيه. فليقع التفريع على صحة الرهن. فالتفاريع نخرّجها على القولين، فنذكر من قضايا الفصل أحكاماً، ونفرعّ كل حكم على القولين، وإذا نجزت، تعدَّينا إلى حكمٍ آخر، حتى نأتي على أطراف المسألة.
٣٦٧٦ - فالذي أرى تقديمه القولُ في لزوم هذا الرهن. فإن فرَّعنا على قول العارية، فالذي ذكره القاضي أن للمعير أن يرجع عن إذنه قبل جريان الرهن، وله أن يفسخ الرهن بعد جريانه، وقبل اتصاله بالقبض، فإذا اتصل بالقبض، لم يملك المعيرُ فسخَ الرهن، والرجوعَ في العارية؛ فإنه لو ملك ذلك، لم يكن لهذا الرهن معنى، ولم تحصل به الثقة.
ومن دقيق ما ينبغي أن يتأمله الناظر في هذه التفاريع الفرقُ بين المستعير وبين
المرتهن، فالعارية متمحضة على قول العارية، في حق المستعير، فأما المرتهن، فليس مستعيراً وإذا لم يكن مستعيراً، وجب أن تثبت له خاصية الرهن، وهي وثيقة،
стр. 3090
ولا وثيقة من غير ثقة، ولا ثقة مع إمكان الرجوع، ورب عارية تُفضي إلى اللزوم؛ فإن من استعار بقعةً ليدفن فيها ميتاً، فدفن، لم يجز نبشه، إلى غير ذلك من نظائرَ ستأتي إن شاء الله تعالى.
وقطع صاحب التقريب والشيخ أبو محمد، والأثبات من أصحاب القفال أن الرهن لا ينتهي إلى اللزوم على قول العارية؛ والمعير متى شاء رجع، واستردّ، وإن اتصل الرهن بالقبض.
وذكر صاحب التقريب وجهين في صورةٍ: وهي أنه لو كان الدين مؤجلاً، قال: يجوز له أن يرجع بعد حلول الأجل. وهل له أن يرجع قبل حلول الأجل؟ فيه وجهان: أحدهما - يجوز، كما لو كان حالاً، [إذ] (١) لم تلزم العارية.
والثاني - يجوز؛ لأنه أقَّت إذنه، ورُبط به شيء فصار كما لو أعار للغراس إلى مدة.
هذا بيان اختلاف الطرق على قول العارية.
٣٦٧٧ - فأما إذا فرّعنا على قول الضمان، فإذا اتصل الرهنُ بالقبض، لزم على هذا القول؛ ولم يملك المعير الانفراد بالرجوع. وهذا على هذا القول متفق عليه بين الأصحاب.
ولو أراد المعير الرجوعَ بعد الرهن، وقبل القبض، مَلَك. فإن قيل: لم كان كذلك؟ وهلا ثبت الضمان لازماً في حق المعير بنفس عقد الرهن؟ قلنا: لا شك أن المستعير يتخير قبل الإقباض في فسخ الرهن، فإذا لم يلزم الرهن في حقه، وعليه الدين، فكيف يلزم في حق المعير. والتحقيق فيه أن الرهن إذا تم، حل محلَّ الضمان، ولا يتم إلا إذا اتصل بقبضٍ.
والذي يُظهر سرَّ هذا الفصل في هذا المقام أن الذين صاروا إلى أن الرهن لا ينتهي إلى اللزوم على قول العارية ما نراهم يُثبتون من الرهن إلا اسماً ولقباً. وعندي أن مذهبهم موافقٌ لما حكاه العراقيون عن ابن سريج؛ فإن الرهن إذا كان لا يلزم،
стр. 3091
ولا يملك الراهنُ المستعيرُ بيعَ الرهن في دينه كما سنذكره، فلا أثر للحكم بصحة الرهن، ويؤول القول فيه إلى وعد مجرد.
٣٦٧٨ - ومما نفرعه أنا إذا قلنا: هذا عارية، وحل الحق أو وَقع الرهن بدَيْنٍ حالٍّ أوّلاً، فلو أراد المستعير بيعَه وصرْفَ الثمن إلى دينه، من غير مراجعةِ مالك العين، لم يجد إليه سبيلاً، فلا يبيعه إلا بإذن مجدد، صرح بهذا معظم الأصحاب. ورمز به آخرون.
وإن فرعنا على قول الضمان، فلا يملك المستعير الانفراد بالبيع أيضاًً ما وجد اقتداراً على أداء الدين من ماله، فإن أفلس، ولم يجد ما يؤدي به دينَه، فيباع المرهون في دينه وإن سَخِط المعير.
فانتظم من هذا أنا إذا فرّعنا على قول العارية، فلا سبيل إلى البيع في اليسار والإعسار إلا بذن مجدد، ونفسُ الإذن في الرهن لا يكون إذناً في البيع. وإن فرَّعنا على قول الضمان، لم يجز البيع إلا عند العجز عن الأداء. فإذا تحقق، لم نرعَ رضا المالك المعير. وما ذكره من التفريع على قول العارية يؤكد تخريجَ ابن سريج، ويوهي الحكمَ بصحة الرهن، فليتنبه الناظر لما يمرّ به.
وقياسُ طريق القاضي إذا حكم بلزوم الرهن على قول العارية أن يجوز بيعُ الرهن عند الإعسار من غير مراجعة، كما يجوز ذلك على قول الضمان. هذا قياسه.
ولكن لم يتعرض له صريحاً.
٣٦٧٩ - وممّا نفرعه القولُ في أن المعير هل يجبر المستعير على فك الرهن؟ أما من قال: لا يلزم الرهن على قول العارية، فلا فائدة لهذا، والمعيرُ مستبد (١) بالرجوع متى شاء.
وإن ألزمنا الرهن على قول الضمان، اتجه إجبار المعير المستعيرَ على فك الرهن.
[قال القاضي: إن كان الدين حالاًّ، ملك المعير إجبار المستعير على فك الرهن] (٢)،
стр. 3092
سواء قلنا: إنه عارية، أو ضمان وليؤدِّ الدين من ماله. ولا شك أن هذا في حالة يساره. وإن كان الدين مؤجلاً، قال: خرج الإجبار على الفك على القولين: فإن قلنا: الرهن عارية، ملك إجبارَ المستعير على الفك، فأثر العاريةِ عند القاضي يظهر في الدين المؤجل، وكأنه جعل الإجبار على الفك من آثار العواري.
وإن قلنا: الرهن ضمان، فلا يملك إجبارَ المستعير على الفك، كما لو ضمن ديناً مؤجلاً؛ فإنه لم يملك إجبارَ الأصيل المضمون عنه على تبرئة ذمته بأداء ما عليه من الدين.
ولو كان الدين حالاًّ، فقد نقول: يملك الضامن بإذن المضمون له إجبارَ المضمون عنه على أداء ما عليه حتى يبرأ الضامن.
فإن قيل: أليس ذلك مختلَفاً فيه؟ قلنا: نعم اختلف الأصحاب في أن من ضمن ديناً بإذن من عليه الدين، فهل يملك إجبارَه على أداء ما عليه؟ فإن يل: هلَاّ خرجتم الرهن في قول الضمان على هذا الخلاف، حتى تحكموا بأن إجبارَ المستعير على فك الرهن والدين يخرج على وجهين؟ قلنا: بين المسألتين فرق؛ وذلك أن الضامن قبل أن يغرَم ليس عليه بأس إلا تعلق الدين بذمته، وليس كذلك ما نحن فيه؛ فإن العبد المستعار مشتغل بوثيقة الرهن، فكان هذا شبيهاً بأداء (١) الضامن ما ضمنه، ولو أداه يرجع به على المضمون عنه إذا كان الضمان مأذوناً فيه، وهذا مضمومٌ (٢) إلى العلم بأن الرهن ليس ضماناًً محضاً، وهو مشوب نقصاً بالعارية (٣ وكأن حقيقة الخلاف راجع إلى أن المغلّبَ حكم الضمان أو حكم العارية ٣) ومن طلب من المشوبات مقتضى التمحّض، لم يكن على بصيرة.
٣٦٨٠ - ومما نفرعه أن العبد المستعار المرهون لو مات في يد المرتهن، فحكم الضمان مفرّع على القولين: فإن أجرينا الرهن مجرى العارية، وجب ضمان القيمة على المستعير؛ فإن العارية مضمونة.
стр. 3093
وإذا قلنا: سبيله سبيل الضمان، فلا ضمان. فإن قيل: هلا جعلتم تلف العبد على حكم المستعير، بمثابة تلف مالٍ في يد إنسانٍ قد أخذه ليصرفه إلى دينه؟ قلنا: ذلك اقتراض في الحقيقة، وما نحن فيه تعليق برقبة العبد، والأداء منه مرقوب، فإذا فرض التلف، فلا ضمان، قال القاضي: إذا ضَمَّنا المستعيرَ على قول العارية، فلا ضمان على المرتهن؛ فإنه ليس مستعيراً، وإنما المستعير هو الراهن، والمرتهن يمسكه رهناً، لا عارية. وهذا حسن منقاس.
وإذا فرع مفرع على قول ابن سريج، ففي تعليق الضمان بالمرتهن نفسِه تردّدٌ، والظاهر أن لا ضمان عليه.
٣٦٨١ - ومما نفرعه جنايةُ العبد المستعار، فإن حكمنا بأن الرهن ضمان، فلا يجب على المستعير ضمان أرش الجناية؛ فإن يد المستعير على هذا القول ليست يد ضمان، فما الظن على اليد المتفرعة على يده.
وإن قلنا: الرهن عارية، فيد المستعير يدُ ضمان، فهل يضمن أرشَ جناية العبد المستعار؟ فعلى وجهين مبنيّين على أن العارية تُضمن ضمان الغصوب أم لا؟ فإن قلنا: تضمن (١) ضمان الغصوب، فيضمَن أرشَ جناية العبد؛ قياساً على العبد المغصوب يجني في يد الغاصب. وإن قلنا: لا تضمن العاريةُ ضمان الغصوب، فلا يضمن المستعيرُ أرش الجناية، والأقيسُ الوجه الأول. وهذا موضع نص الشافعي في المسألة، فإنه قال: " لو أذن له، فرهنه، فجنى، فأشبه الأمرين أنه غيرُ ضامنٍ، وليس كالمستعير "، فالنص دليل على أن التفريع على قول الضمان. وفيه دليل على أن المستعير يضمن أرشَ جناية المستعار؛ فإنه قال: " وليس كالمستعير".
٣٦٨٢ - ومما يتفرع على القولين أن العبد إذا بيع في دين المستعير إما بإذنٍ مجرّد، أو (٢) بتصوير الاضطرار من المستعير فبماذا الرجوع؟ وكيف السبيل؟ لا شك أن
стр. 3094
المستعير إذا صرف ثمنَ العبد إلى دينه، حيث يصح ذلك، فالسيد يرجع على المستعير، فإنْ بِيع بمقدار قيمته، فلا كلام.
وإن كانت قيمتُه ألفاً واتفق بيعه بألفٍ ومائةٍ، فمالك العبد بكم يرجع على المستعير إذا صرف الثمن كاملاً في دينه؟ هذا ينبني على القولين: فإن قلنا: الرهن ضمان، فالرجوع على المستعير بالثمن بالغاً ما بلغ، ووجهه بيّن. وإن فرعنا على قول العارية، فالرجوع على المستعير بكم؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يرجع عليه بالثمن أيضاًً، وهو قياس بيّن. والثاني - أن المعير يرجع على المستعير بالقيمة، ولا يجد مرجعاً بالمائة الزائدة عليها؛ فإن العارية سبيلُ ضمانها القيمةُ، فلا يرجع المعير إلا بها، ولا يرجع بالزائد عليها.
وهذا ضعيفٌ في القياسِ، ولا أصل لاستبداد المستعير بالزائد على القيمة، وهو من ثمن ملك المعير، ولم يجرِ ما يتضمن اختصاصَ المستعير به. وهذا الوجه على ضعفه لم يَحْكِ القاضي على قول العارية غيرَه.
وممّا يتفرع على القولين أن العبد المستعار لو كانت قيمتُه العدل مائة، فبيع بمائة إلا دينار (١) أو أكثر، ولم ينته النقصانُ إلى مبلغٍ يعد غبناً، بل كان مقداراً يتغابن الناسُ في مثله. فإذا جرى ذلك، وصرفه المستعير إلى دينه. فإن قلنا: الرهن ضمان، لم يرجع المعير على المستعير إلا بمقدار الثمن. وإن قلنا: الرهن عارية، رجع المعير بالقيمة الكاملة، وهي المائة، ولم يحط القدرَ الذي يتغابن في مثله.
٣٦٨٣ - ومما نفرعه أنا إذا قلنا: الرهن عارية، فلا حاجة إلى إعلام القدر الذي سيقع الرهنُ به، ويكفي أن يستعير عبدَه مطلقاًً، ويستأذنَه أن يرهنه ولا يشترط أن يُبيِّن جنسَ ما يقع الرهن به، وقدرَه، ولا كونَه حالاً أو مؤجلاً.
وإن قلنا: الرهن ضمان، فلا بد من إعلام الجنس، والقدر، والتعرض لبيان
стр. 3095
الحلول والتأجيل، فإن الإعلام شرطٌ في صحة الضمان.
وإذا قلنا: إعلام هذه الأشياء ليس بشرط على قول العارية، فلو نصَّ المعير على شيء منها، لم يكن للمستعير أن يخالفَه، ويزيدَ، وإن كان يجوز إطلاق الإذن من غير إعلامٍ، وذلك لأنه إذا أمَرَ، وقدَّر، فيجب إيقاع أمره؛ فإنه المستند والمعتمد في الباب.
ومن ذلك أنا على قول العارية، لا نشترط أن يعيّن المعير من يرهن منه المستعار، بل يجوز إجراء الإذن فيه على الإطلاق، فلو عيّن المعيرُ شخصاً، فلا يجوز للمستعير أن يرهنه من غيره؛ لما ذكرناه من وجوب اتباع الأمر. ولو قال المستعير: [أرهنه] (١) من فلان، فكان التعيين من [جهته] (٢)، ولم يصدر من المعير اقتراحٌ فيه، ولكنه نزَّل الإذنَ على حسب التماس المستعير، فالذي يقتضيه الرأي أن من عيَّنه المستعير يتعيّن، وإن لم يعين المعيرُ بتعيينه ابتداءً؛ فإن كلام المعير مبنيّ على كلام المستعير منزّل عليه.
ولو فرعنا على قول الضمان، فعيَّن المعيرُ شخصاً، ولم يرضَ أن يرتهن غيرَه، فلا مَعْدل عنه. وإن أطلق، ولم يتعرض لتعيين المرتهن والتفريع على قول الضّمان، ووجوب الإعلام، فهل يصح الإذن على هذا الوجه مطلقاً من غير تعيين من يرتهن؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - أنه لا يصح الإذنُ مع الإطلاق في ذكر المرتهن، حتى يُعيَّن. والثاني - لا حاجة إلى ذلك، والمستعير يرهنه ممن شاء.
وهذا الخلاف ينبني على تردد الأصحاب في أنا هل نشترط في صحة الضمان أن
يكون المضمون له معلوماً أمْ لا؟ ثم قال الأصحاب: لا يجوز للمستعير أن يخالف المعير فيما رسم له؛ فإن أصل أمره على اتباع الإذن، حتى لو أذن في الرهن بدراهم، لم يجز الرهن بالدنانير. [وكذلك القول في عكس هذا. ولو أذن في الرهن بالحال،
стр. 3096
لم يرهن بالمؤجل] (١). وكذلك لو أذنَ في الرهن المؤجل، لم يرهن بالحال. والأغراض تختلف بالحلول والتأجيل، ولا يكاد يخفى تقريره؛ فيجب اتباع مراسم المعير المالك.
٣٦٨٤ - ولو قال للمستعير: أذنت لك في أن ترهنه بمائةٍ، فلو رهنه بخمسين، جاز ذلك، ولا يعد النقصان في المقدار مخالفةً، بل إذا نقص، فقد زاد بالنقصان خيراً وحطَّ وبالاً وضُرّاً؛ فهو بمثابة ما لو قال مالك المتاع لوكيله: بعْ هذا العبدَ بألف، فلو باعه الوكيل بألفين، صح، ولا مرد لتلك الزيادة، والرجوع في أمثال هذا إلى العرف، ومعلوم أن هذا لا يعد مخالفة، بل يعد موافقةً. وسنذكر تحقيقَ هذا في كتاب الوكالة، إن شاء الله تعالى.
ولو قال المعير: ارهنه بألفٍ، فرهنه بألفين، فالزيادة مخالفة، ثم قال معظم الأصحاب: إذا خالف وزاد، لم يصح الرهن في مقدار الموافقة أيضاً؛ لأنه بنى صيغة العقد على مخالفة المالك، فلم يصح.
وخرّج صاحب التقريب قولاً آخر: أن الرهن يصح في المقدار الذي عينه المعير، ورضي به، والزيادة مردودة. وزعم صاحب التقريب أن هذا يُخرّج على اختلاف القولى في تفريق الصفقة؛ فإنه جمع بين ألفٍ لا إذن فيه، وبين ألفٍ مأذونٍ فيه، فإذا بطل العقد في الألف الزائد، ففي المزيد الخلافُ الذي ذكرناه.
وهذا لم يصححه المحققون، ورأَوْا القطعَ ببطلان الرهن.
ولا خلاف أن من وكل إنساناً ببيع عبد، واقتضى مطلقُ التوكيل البيعَ بثمن المثل، فلو باعه بغبنٍ، فالبيع مردود. ولا يقال: نصحح البيعَ في مقدارٍ من العبد يكون الثمن قيمة عدلٍ له، ونحذف جزءاً من العبد عن مقتضى العقد. وتقديرُ الزيادة في المبيع كتقدير الزيادة في الثمن إذا وقعت الزيادة على موجب المخالفة.
٣٦٨٥ - ثم قال القاضي: لو جرى الرهن، واتصل بالقبض، ثم إنَّ المالك المعير
стр. 3097
أعتق عبده، فنفوذ عتقه يخرّج على القولين، فإن قلنا: الرهن ضمان، فالعتق ينفذ، وإن قلنا: إنه عارية، فإعتاقه إياه بمثابة إعتاق الراهن المالك العبدَ المرهون، وفيه الأقوال المعروفة. وهذا خرّجه القاضي على طريقةٍ في الحكم بلزوم الرهن على قول العارية، ثم رأى الرهنَ على قول العارية رهناً محضاً في حق المرتهن لازماً، ورآه على قول الضمان غير متأكد في التعلق بالرقبة. ومعظم الأصحاب على مخالفته في ذلك؛ فإنهم ضعفوا الرهنَ وحكمَه على قول العارية، وألزموه وأكدوه على قول الضمان.
وما ذكره جارٍ على قياسه. ولكن في قطعه بنفوذ العتق على قولِ الضمان كلام.
والوجه عندنا تنزيلُ العبد على قول الضمان منزلة العبد الجاني الذي تعلق الأرش برقبته. وقد فصلنا القول في بيعه ورهنه.
٣٦٨٦ - ومما يتم به بيان الفصلِ أن القاضي سئل في التفريع على قول الضمان، وقيل له: لو قال: مالك العبد: ضمنت ما لفلان عليك في رقبة عبدي هذا، فكيف حكم هذا؟ فقال: إذا فرعنا على قول الضمان، تعلّق الدين برقبة العبد، وكان بمثابة الرهن المستعار، فإن شئنا قلنا: رهن العبد المستعار ضمانٌ في رقبته، أو قلنا: الضمان في رقبته رهنٌ.
وهذا الذي ذكره حسن بالغ على الجملة، ولكن فيه تفصيل، فإذا قال مالك العبد لمستعيره: ارهنه بدينك، فقد أنابه مناب نفسه في الضمان في رقبة عبده، فاجتمع رضا المالك، وإنشاءُ الرهن، وقبولُ المرتهن. وإذا قال المالك: ضمنت ما لفلان عليك في رقبة هذا العبد، ولم يُوجَد قبولٌ من المضمون له ففي هذا تردُّدٌ.
وظاهرُ كلام القاضي أن ذلك يكفي، تفريعاً على أنه لا يشترط في الضمان رضا المضمون له.
ويجوز أن يقال: ذلك في الضمان المطلق الذي يرد على الذم، فأما ما يتعلق بالأعيان، فلا بُدّ من تقريبه من الرهون، وشرط صحتها القبولُ من المرتهن.
ويجوز أن يقال: إنما يفتقر إلى القبول إذا جرى على صيغة الرهن، فأمّا إذا وقع الضّمان مصرّحاً به، فلا حاجة إلى ذلك. وقد تختلف الشرائط باختلاف الألفاظ، وإن اتحد المقصود؛ فإن المذهب أن الإبراء لا يفتقر إلى القبول. ولو قال مستحق
стр. 3098
الدين لمن عليه الدين: وهبت منك الدين الذي لي عليك، فالأصح افتقارُ ذلك إلى القبول (١).
وقد نجز الكلام في رهن المستعار على أبلغ وجه في البيان.
فصل
[قال: " والخصمُ فيما جُني على العبد سيدُه ... إلى آخره ".
٣٦٨٧ - إذا جنى جانٍ على العبد المرهون، فقد] (٢) قال الشافعي: " الخصمُ فيما جُني على العبد سيده، فإن أحب المرتهن، حصر خصومتَه، فإذا قُضي له بشيء، أخذه رهناً " (٣) هذا لفظُ الشافعي. فنقول: إذا جُني على العبد المرهون جناية، نُظر فيها: فإن كان موجَبها مالٌ، فقد تضمنت الجنايةُ إتلاف مالية، وتضمنت فواتَ حق الوثيقة للمرتهن في ذلك الفائت، فافتتاحُ الخصومة للمالك؛ فإن الأصل هو الملك، وحق الرهن متفرع عليه، وإذا بدأ المالك الخصومة، لم يزاحمه المرتهن، فإذا ثبت حق الملك، ابتنى عليه حقُّ الرهن.
فإن قيل: لم لم تثبتوا للمرتهن حقَّ المخاصمة، وهو يخاصم المالك، وتدور بينهما الدعوى واليمين والرد؟ قلنا: هو كذلك، ولكن المالك في صورة الجناية أولى بالخصومة. وفي قيامه بها ثبوت حق المرتهن، فإذا كان حق المرتهن لا يتعطل، قدمنا المالك؛ حتى قال المحققون: لو امتنع المالك من الخصومة، انتهض المرتهن خصماً، وتوصل إلى ثبوت حقه، وليس هذا كما لو افترضه (٤) السائل من مخاصمة المرتهن المالكَ؛ فإن تلك الخصومة لو تركها المرتهن، والراهن على إنكاره، لم يقم فيها غيرُ المرتهن مقامه، بخلاف ما نحن فيه. نعم لو ترك
стр. 3099
المالك الخصومة، فلا جرم نقول للمرتهن أن يخاصم حتى لا يتعطل حقه.
قال الشافعي: " ولو عفا المرتهن كان عفوه باطلاً ". وتفصيل القول في هذا أن المرتهن لو أبرأ الجاني عن أرش الجناية، فإبراؤه باطل؛ لأن الإبراء إنما يصح من مالكٍ مطلق التصرف، والمرتهن ليس مالكاً؛ فلم يصح إبراؤه.
٣٦٨٨ - وتمام البيان في هذا الفصل ما نذكره، فنقول: أطلق المراوزة القولَ بأنّ أرش الجناية لا يتصف بكونه مرهوناً؛ فإنه دين، والديون لا تكون مرهونة، كما قدمنا ذلك في صدر الكتاب، وألحقوا مصير العين المرهونة بسبب الإتلاف ديناً في ذمة المتلِف بأنقلاب العصير خمراً، ثم رأَوْا تفصيلَ المذهب إذا قبض الدينَ، وتعيّن بالقبض، كتفصيله إذا انقلبت الخمر خلاً.
وذكر العراقيون عن بعض الأصحاب أن الدين وإن كان لا يجوز تقديره مرهوناً ابتداءً، فإذا استقر الرهن على عينٍ وجنى عليها جانٍ، فالدين اللازم بسبب الجناية على العين مرهون، وليس كالخمر؛ فإن الدين مملوكٌ، والخمر ليست مالاً، والدين مترتب على عين، حيث انتهى الكلام إليه، ومصيره إلى عين، إذا قُدِّر استيفاؤه.
هذا ما حَكوه في ذلك.
ثم قالوا: إذا قال المرتهن: عفوت عن حقي من الوثيقة، أو أسقطت حقي منها، والمسألة مفروضة فيه إذا أتلف الجاني المرهونَ، فقال المرتهن قبل استيفاء الحق من الجاني ما قال، فيسقط حقه، وإذا استوفى الدينَ (١)، فلا حق له فيه. ولو قال المرتهن: أبرأتك عما عليك أيها الجاني، فإبراؤه لا يتضمن سقوطَ الدين، ولكن هل يتضمن سقوط حقه من الوثيقة إذا استوفى الأرش؟ ذكروا وجهين: أحدهما - أن حقه لا يسقط؛ فإنه لم يتعرض للتنصيص على إسقاطه، وإنما أسقط الدين، وليس له إسقاطه، فلو سقط حق الوثيقة، لكان مرتباً على سقوط الأصل، وإذا لم يسقط الأصل، لم يسقط ما يترتبُ عليه هذا طريقهم.
стр. 3100
وكان شيخي يقول: إذا قال المرتهن: أسقطت حقي من الرهن أو أبطلت وثيقتي، وكان الرهن قائماً، فهذا فسخ منه للرهن، وللمرتهن أن يفسخ الرهن؛ فإن الرهن في جانبه جائزٌ، ولم يتعرض لصورة الدين. ونصُّ الشافعي دليل على أن المرتهن إذا أبرأ الجاني، فإبراؤه لغوٌ، وعفوه باطل، وهذا يتضمن بقاء حقه.
أما الراهن لو أبرأ الجاني عن الأرش، فقد قطع الأصحاب بإبطال إبرائه؛ لحق المرتهن؛ فإنا وإن لم نطلق القول بكون الأرش مرهوناً قبل الاستيفاء، فلسنا ننكر تأكُّد حق المرتهن فيه، فالإبراء في الدين (١) بمثابة الهبة في العين، ولو وهب الراهن العين المرهونة، لم يختلف المذهب في بُطلان هبته، وإنما تردُّدُ الأقوال في العتق والاستيلاد، كما تقدم.
ثم قال الأصحاب: لو كانت الجناية على العبد المرهون موجبةً للقَصاصِ، فللرّاهن حقُّ الاقتصاص، وقد تكرر هذا، فلو عفا الراهن على مالٍ، ثبت المال، وتعلق حق المرتهن به، وإن عفا على غير مالٍ، ترتب على موجب العمد، ونزل عفوه منزلة عفو المفلس المحجور عليه. وقد أشرنا إلى ذلك وأحلنا استقصاءه على كتاب الجراح.
فصل
قال: " وأكره أن يرهن المشركَ المصحفَ ... إلى آخره " (٢)
٣٦٨٩ - أراد بالكراهية التحريمَ. والقولُ في بيع المصحف والعبد المسلم من الكافر قد تقدّم استقصاؤه في كتاب البيع، وبينا المذهب فيه على أكمل بيان. والرهن على الجملة مرتَّب على البيع، وهو أولى بالجواز، وإذا منعنا بيع السلاح من الحربي، ففي رهنه منه وجهان، وبيعُ السلاح من الذمي ورهنُه جائز؛ مات رسول الله
стр. 3101
صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهون عند [أبي الشحم] (١) اليهودي.
وقد نجز البابُ في (السواد) (٢) وانسل عن ضبطنا في الأصول مسائلُ، ونحن نوردها فروعاً، ومنها ما أورده المشايخ، ولا اختصاص له بالرهن، ونحن نتأسى بهم.
فرع:
٣٦٩٠ - إذا أقر المرتهن بأن العبد المرهون قد جنى، وكذبه الراهن، فالقول قول الراهن في نفي الجناية، فإذا بيع العبد في الرهن، وسُلِّم الثمن إلى المرتهن عن حقه، فجاء المقَرُّ له بالجناية، وقال للمرتهن قد أقررتَ لي بأرش الجناية، والآن قبضتَ الثمن، فسلمه لي. قال صاحب التقريب: ليس للمقَرّ له ذلك؛ فإنا إن جوزنا بيع الجاني، فهذا الثمن مسلم إلى المرتهن بحق، ولو ثبتت الجناية، لم يثبت للمجني عليه على قول جواز البيع إلا بيعُ العبد، فأمَّا التعلُّق بثمنه، فليس يثبت له، وليس كما لو قُتل العبدُ الجاني واستوفيت قيمته (٣)؛ فإن حق المجني عليه في قيمته، كحقه في رقبته، فإن القيمة تخلفُ العين؛ حتى كأنها خلافة خِلقة، ولا حاجة فيها إلى اختيار مقابلة وإثبات معاوضة، فأما ثمن البيع، فلا حظ للمجني عليه فيه إجماعاً. فإن فرض البيع بإذنه على قولنا: لا ينفذ البيع
стр. 3102
دون إذنه، فهو بمثابة بيع الرهن بإذن المرتهن في حقه الحال.
هذا إن قدرنا جوازَ بيع الجاني.
وإن لم نجوز بيعَه، فالثمن الذي في يد المرتهن ملكُ مشتري العبد الجاني، ولا حظ للمجني عليه فيه، فينتظم منه أن المقَرَّ له بالجناية لا يرجع على المرتهن بسبب قبضه ثمن العبد الذي أقر المرتهن بجنايته. وهذا واضح.
فرع:
٣٦٩١ - ذكر صاحب التقريب في خلل الكلام مسألةً في الجنايات لا اختصاص لها بالرهن، فنسردُها على وجهها، ونقول: لو جنى رجل على بهيمة، وكانت ماخضاً (١)، فأَجْهَضَتْ جنينَها، وكان الجنين حيَّاً لما انفصل متأثراً بالجناية، فمات على القرب. ذكر قولين فيما يلزم الجاني في هذه الصورة: أحدهما - أنه يلزمه قيمةُ الجنين حيَّاً، ولا يلزمه أكثرُ من ذلك.
القول الثاني - أنه يلزمه أكثرُ الأمرين من نقص الأم بالولادة والإجهاض، أو قيمةُ الجنين، فأيهما كان أكثر، فهو الواجب.
ثم قال صاحب التقريب: والقولان فيه إذا لم يظهر بالأم شَيْنٌ سوى الولادة، وكان للجنين لو بقي حيَّاً قيمةٌ، [فإذا مات] (٢)، فالنظر إلى الأكثر في أحد القولين.
والواجب قيمة الولد في القول الثاني.
وقد ذكر العراقيون هذين القولين على هذا الوجه.
والذي يجب الاعتناء به في المسألة فهمُ صورتها، وفيها يبينُ مثارُ القولين، فالبهيمة وهي ماخض تساوي مائة، وإذا ولدت صارت تساوي تسعين، ولم يظهر فيها نقص إلا أن الولد زايلها، فكانت مع الولد تساوي مقداراً ودونه تساوي أقلَّ منه، لمزايلة الولد، لا لعيب أحدثه الولادة، ثم انفصل الولد حياً، وعليه أثر الجناية،
стр. 3103
ومات. فلو أوجبنا قيمة الولد، وأوجبنا [ما انتقص] (١) من قيمة الماخض بسبب الولادة ومزايلة الولد، لكان ذلك تضعيفاً في الغرامة، والولد صار أصلاً بنفسه، فعسر الجمع بين الوجهين.
وتردّدَ القولُ، فقال الشافعي في قول: " أنظر إلى الولد؛ فإن تعطيله صعب، وأوجب قيمته " وقال في القول الثاني: " أُوجب الأكثرَ من نقص الأم بسبب مزايلة الولد وقيمة الولد، فأيهما كان أكثر أوجبته ". هذا بيان القولين.
٣٦٩٢ - قال العراقيون: إذا كانت البهيمة مرهونة، وجرى ما وصفناه؛ فإن أوجبنا قيمة الولد، لم يكن ذلك رهناً، وإن أوجبناالأكثر، فقيمة الولد لم تكن رهناً أيضاًً، وإن أوجبنا ما نقص من قيمة الأم بسبب مزايلة الولد، كان ذلك رهناً.
وهذا فيه نظر، والوجه تخريجه على أَنَّ الحمل الموجود يومَ الرهن هل يدخل تحت الرهن؟ فإن قُلنا: إنه داخل، فيجب أن يكون المأخوذ من الجاني رهناً كيف كان؛ فإنا على هذا القول كنا نبيع الولدَ لو بقي في الرهن.
وإن قلنا: الرهن لا يتعلق بالجنين الموجود حالةَ الرهن، فإن أوجبنا قيمة الولد، لم يكن (٢) رهناً، وإن أوجبنا نقصانَ الولادة، فالمسألة محتملة، ويظهر خلاف ما قالوه؛ فإن ذلك النقصان لم يكن إلا لمزايلة الولد، ولم تتغير صفتها، ويجوز أن يتخيل ما ذكروه بناء على أصلٍ، وهو أن الحمل لو بقي إلى البيع، لبعنا الأم حاملاً، ولصرفنا الثمن إلى الدين، إن لم يزد على مقداره، فمزايلة الولد تخرم هذا الوجه.
والأصح عندي أنه لا يكون رهناً؛ فإن المزايلة قد وقعت.
فرع:
٣٦٩٣ - إذا دفع الراهن والمرتهن الرهن إلى عدلين وفوضا إليهما الحفظَ مطلقاًً، فلو أن أحدهما سلم الرهنَ إلى الثاني كَمَلاً، وفوض إليه الاستقلالَ بالحفظ، فهل يكون بذلك متعدياً؟
стр. 3104
ذكر ابن سريج فيما حكاه العراقيون وجهين: أحدهما - أنه يكون متعدياً؛ فإنه لم يثبت لواحدٍ منهما الاستقلال بالحفظ، فإذا أثبت أحدُهما ذلك لصاحبه، كان على خلاف موجب الاستحفاظ.
والوجه الثاني - أنه لا يكون المسلِمُ إلى صاحبه متعدياً، وكذلك لا يكون المستقلّ متعدياً؛ فإن استحفاظهما يشعر في الظاهر بقيام كل وَاحد منهما بحق الحفظ، لو لم يكن صاحبه حاضراً؛ فإن اعتقاد اجتماعهما أبداً على الحفظ -وهو أمر دائم- بعيدٌ.
والألفاظ المطلقة تؤخذ من موجَب العرف، وليس كما لو فرضَ الوصايةَ إلى رجلين، فإن التصرفات لا يستقل بها أحدُهما دون الثاني؛ فإن الاجتماع على تصرف يقع في الأوقات ليس متعذراً، فحَمْل الأمرِ على اشتراكهما، وصدور التصرفِ عن رأيهما ليس بعيداً، بخلاف دوام الحفظ.
ثم إذا أثبتنا عند إطلاق الاستحفاظ لكل واحد منهما رتبةَ الاستقلال، فلو تنازعا،
فليس أحدُهما أولى من الثاني. فإن أمكن الاشتراك في إثبات اليد، فلا مَعْدَل عنه.
وإن عسر، وقد تنازعا، ورأى القاضي أن يقسم العين بينهما -وكانت قابلةً للقسمة- فله ذلك؛ فإنا إذا كنا نثبت لكل واحد منهما الاستقلالَ بالحفظ، فلا يمتنع بسبب النزاع أن ينفرد كل واحد منهما بحفظ البعض.
وإن قلنا: لا يثبت لكل واحد منهما رتبة الاستقلال -وهو المذهب عند المراوزة- فلا سبيل إلى قسمة العين بينهما؛ فإنا لو فعلنا ذلك، لكنا مخصصين كل واحد منهما بالانفراد في بعض العين، وهذا يخالف موجَبَ الاشتراك.
فرع:
٣٦٩٤ - قال ابن سريج لو سلما الرهنَ إلى عدلٍ، ووكلاه ببيعه عند محِل الحق، وكانت العين من ذوات الأمثال، فأتلفه أجنبي، وغرم المثل. قال ابن سريج: يسلّم إلى العدل بحكم الاستحفاظ الأول، وإذا حل الحق، لم يبعه إلا بإذن جديد.
أما قوله: لا يبيعه إلا بإذن جديد، فصحيح. وأما قوله: يحفظه العدل من غير
стр. 3105
استحفاظٍ جديدٍ، فهذا لا وجهَ له أصلاً؛ فإن العين قد تبدلت، وتقييده بالمثل يشعر بأنه لا يقول ذلك في قيمة المتقومات.
وكل ذلك خبطٌ غيرُ معدودٍ من المذهب. ولعل ابنَ سريج تخيّل في الفرق بين الحفظ والبيع أمراً، وهو أن العدل إذا استحفظه الراهن والمرتهن، لم يكن لكل واحد منهما أن يعدل عنه، فكأن الحفظ صار في حكم المستحق المتعيّن في حق هذا العدل، فإذا فرض التلف والاستحقاق في الحفظ إذا تمَّ (١)، لم يبعد أن يقوم البدل مقام التالف. والإذن في البيع ليس كذلك؛ فإن من صرفه من الراهن والمرتهن ينعزل، فليس البيع مستحقاً متعيناً في حق العدل. فهذا إن ثبت، فلا فرق فيه بين المتقوم والمثلي.
والظاهر عندي أنه لا بد من استحفاظ جديدٍ؛ لأن العين قد تبدّلت.
فرع:
٣٦٩٥ - إذا استعار رجل عبداً من شريكين، فرهنه، ثم أدى نصف الدين على قصد أنه يفك به نصيب زيدٍ من الشريكين، فهل ينفك نصيبه؟ أم لا ينفك شيء من الرهن ما بقي من الدين شيء؟
ذكر العراقيونَ قولين، ولهذا أمثلةٌ ستأتي في الكتاب، إن شاء الله .
فإن قلنا: لا ينفك، فلا كلام. وإن قلنا: ينفك حصته من الرهن، نُظِر: فإن كان المرتهن عالماً بحقيقة الحال، فلا خيارَ له. وإن كان جاهلاً، ولم يَدْرِ صدَرَ (٢) الرهن في شركة، فهل له الخيار؟ ذكروا وجهين: أحدهما - له الخيار. وهو الذي قطع به الشيخ أبو محمد، ووجهه بيّن. والوجه الثاني - أنه لا خيار له؛ فإن الذي بدا ليس عيباً بالمرهون، والحال لا يطرد على نسق واحدٍ في الاتحاد، فلا خيار.
ولعل الأشبه في هذا أن المرتهن إن لم يعرف كونَ العين مستعاراً (٣)، تخيَّر، وإن علمه مستعاراً، فلا ضبط لمن يستعار منه.
стр. 3106
ويجوز أن يقال: الغالبُ الاتحاد في السادة، ويبعد في الوقوع العبد المشترك إلا
في المواريث والتجاير بين الشركاء.
والوجه إثبات الخيار، كما قاله الإمام.
فرع:
٣٦٩٦ - قال العراقيون: إذا رهن رجل جاريةً، فعلقت بمولود رقيقٍ من بعدُ، فجنى جانٍ عليها، فَأَجْهَضَت، ونقصت بسبب الإجهاض نقصاناً عائداً إلى صفتها، زائداً على مزايلة الولد، فإذا التزم الجاني بدلَ الجنين، لم يكن رهناً؛ فإن الولد طارىء، وليس للمرتهن بسبب نقصان الجارية شيء؛ فإن نقصانها يندرج تحت بدل الجنين، وبدل الجنين خارج عن الرهن، فنقصان الجارية في حق المرتهن بمثابة النقصان بآفة سماوية. وهذا حسن لطيف.
فرع:
٣٦٩٧ - إذا قُتل العبد المرهون، فجاء إنسان، وقال: أنا قتلته. فإن صدقه الراهن والمرتهن غرّمناه القيمةَ، ووضعناها رهناً. وإن كذباه، لم يخفَ الحكم. فإن كذبه المرتهن وصدقه الراهن، غرِم القيمةَ، وفاز بها الراهن؛ فإن المرتهن أنكر حقه فيها.
وإن صدقه المرتهن، وكذبه الراهن، فتؤخذ القيمةُ وتجعل رهناً في يد المرتهن.
ثم إذا حلَّ الدينُ وقضى الراهنُ الدينَ من موضع، آخر، فترد تلك القيمة على المُقِرِّ بالجناية؛ فإن الراهن منكر لاستحقاقه.
وفي هذه المسألة وأمثالها خلافٌ، ولكنا جرينا على الأصح.
وقد نقول: نضع تلك القيمة عند الوالي، ويعتقدها مالاً ضائعاً.
فرع:
٣٦٩٨ - قال صاحب التقريب: إذا خلّى الراهن بين المرتهن وبين الرهن المشروط في البيع، فامتنع من قبضه، فهل يجبره القاضي على قبضه؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يُجبر؛ حتى ينقطع خياره في فسخ البيع. وقد تتلف تلك العينُ المعينة قبل القبض وقد تعيب (١).
стр. 3107
والوجه الثاني - أنه لا يجبر على القبض، ولكن، إن امتنع من القبض، أبطل القاضي خيارَه في فسخ البيع. اهـ (١).
* * *
стр. 3108
باب (١) في الرَّهْن وَالحَمِيلِ (٢) في البيع
ذكر الشافعي، ﵀ في أول الباب أن الرهن أمانة، وتعلق بطرق من الحجاج، وسيأتي في ذلك باب، ثم قال: " فلو باع رجل شيئاًً على أن يرهنه به من ماله ... إلى آخره " (٣).
٣٦٩٩ - شرط الرهن جائز في البيع، وإن كان مطلقُ العقد لا يقتضيه، ولكن لما كان من مصلحة العقد، عُدَّ شرطه (٤) جائزاً، وكذلك شرط الضمان والإشهاد، فهذه الوثائق الثلاث يجوز شرطها في البيع، وذكر الشافعي لفظاً في صدر الفصل، نذكر ما فيه أولاً، ثم نخوض في مقصود الباب.
ظاهر لفظه يدل على أن البائع إذا قال: بعتك عبدي هذا بألفٍ على أن ترهنني دارَك هذه، فقال المشتري: اشتريت ورهنت، فالرهن ينعقد من غير قبول يصدر من البائع، ومقتضى كلامه دليل على إقامة شرط البائع في الرهن مقام قبوله، من غير احتياج إلى شيء آخر. وقد صار إلى هذا طوائف من أصحابنا.
والأصح الذي ارتضاه المحققون أن الرهن لا ينعقد مالم يذكر البائع بعد إيجاب المشتري الرهن قبولاً له، ولا يقع الاكتفاء بالشرط الذي يقدَّم؛ فإن الرهن عقد مفتقرٌ إلى الإيجاب والقبول، فلا بد منهما، وليس شرط الرهن بمثابة استدعائه؛ فإنا على قول صحيح نقيم استدعاءَ العقد من أحد الجانبين، مع الإيجاب من الجانب الثاني مقام
стр. 3109
شقي العقد؛ وليس الشرط في معنى الاستدعاء؛ إذ صيغةُ الاستدعاء: أن يقول: ارهن مني دارَك هذه بألفٍ، فإذا قال: رهنتكها بالألف، كفى ذلك، على الصحيح.
ومن قال بظاهر النص، احتج بأن الرهن وإن كان عقداً قائماً، يتعلق (١) بالبيع من جهة الشرط، فيجوز أن يقوم الشرطُ فيه شِقّاً، بخلاف العقد الذي لا يكون مشروطاًً في عقد، وهذا ضعيف.
فإن قيل: كيف تُؤوّلون ظاهرَ النص؟ قلنا: ليس التعرض للإيجاب والقبول من مقاصد الفصل؛ فلم يفصله الشافعي؛ فالقبول مضمرٌ معنى، وإن لم يصرح به.
٣٧٠٠ - ثم إنما يصح شرط الرهن إذا عُيِّن، ولا يسوغ اشتراطُ رهنٍ مطلقاًً وفاقاً، ولو شُرط رهنٌ على الجهالة، كان الشرط فاسداً. وعند ذلك يختلف القول في فساد البيع، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
وكذلك إذا كان يشترط في العقد ضميناً بالثمن، فلا بد من تعيينه؛ فإن الأغراض تختلف بمراتب الضمناء.
وإذا شرط رهناً معيناً، فهل يشترط بيان من يوضع على يديه، فوجهان: أحدهما - لا بد من ذلك؛ فإن الغرض يختلف به. ومنهم من قال: لا يشترط، لأن الرهن هو الوثيقة، وهو متعين لا جهالة فيه، وظاهر النص مع الوجه الأول.
وإن فرعنا على الثاني، فإن اتفقا على يد عدلٍ أو على يد المرتهن، فذاك. وإن تنازعا، رفع الأمرُ إلى الحاكم؛ حتى يعيِّن عدلاً، ويقطع الخصومة بينهما. فإن عين رهناً، فلم يفِ المشتري برهنه، ثبت الخيار للبائع في فسخ البيع، وكذلك إذا كان عيّن كفيلا في شرطه، فامتنع ذلك الشخص من الكفالة، تخير البائع. ثم إذا ثبت الخيار في البيع، فإن فسخ فذاك، وإن أجاز، ورضي، لزم العقد، ولم يتخير المشتري. وقال مالك يتخير المشتري، وتعرَّض الشافعي للرد عليه بما لا نحتاج إلى ذكره.
стр. 3110
فصل
قال الشافعي: " ولو كانا جهلا الرهن والحميل، فالبيع فاسد ... إلى آخره" (١).
٣٧٠١ - قد ذكرنا أن الوثائق ثلاث: الرهن، والكفيل، والشهادة، أما الرهن والكفيل، فلا بد من تعيينهما، وأما الشهادة، فلا يشترط تعيين من يتحمل الشهادة؛ وذلك أن الأغراض تختلف على الجملة باختلاف الرهون والضمناء، فأما الشهادة، فالغرض منها أن يتحمل عُدُولٌ العقدَ أو الإقرار به، وهذا لا يختلف باختلاف العدول، واتفق أصحابنا عليه، فلا يشترط إذن تعيين الشاهد.
ولكن لو عين العاقد شهوداً في شرطه، فهل يتعينون كالرهن والكفيل، فعلى وجهين: أحدهما - يتعينون كالرهن والكفيل، فإن لم يشهد المتعينُ، تخير الشارط.
والثاني - لا يتعينون، وإن عُينوا شرطاً؛ إذ لو تعينوا، لوجب شرطُ تعيينهم كالرهن والكفيل.
ثم قال الأئمة: إذا حكمنا بأنهم لا يتعينون، وألغينا شرط التعيين، فلا يفسد العقد بهذا؛ من جهة أنا أخرجنا تعيين الشهود من مقاصد العقود، وكل شرط لا يتعلق بمقصود العقد، ففساده لا يبطل العقد، كما لو قال: بعتك هذا العبد على أن يلبس الخز، وما في معناه من الشرائط اللاغية.
ثم إذا لم يتعين الشهود، فلا يبعد أن يقال: ينبغي أن يأتي المشروط عليه برجالٍ يقربون من المعينين في الصفات المقصودة في الشهادة، حتى لا يكتفي بإشهاد أقوام يظهر انحطاطهم عنهم. والعلم عند الله تعالى.
٣٧٠٢ - ثم إذا شُرط في العقد رهن مجهول، أو كفيل من غير تعيين، فقد ذكرنا فساد الشرط. ثم إذا فسد الشرط، ففي فساد البيع قولان: أحدهما - يبطل كسائر الشروط الفاسدة. والثاني - لا يفسد البيع؛ لأن الرهن عقدٌ مبتدأ ينفصل عن البيع. وقد يتأخر
стр. 3111
عقدُ الرهن عن عقد البيع، فليس إذن هو صفة في البيع، فلا يفسد البيع بفساده. والصداق لما لم يتأصل ركناً في العقد، وتصور انفراد النكاح عنه، لا جرم لم يفسد النكاح بفساده.
فإن قيل: لم قطعتم بذلك في الصداق، وجعلتم المسألة على قولين في شرط الحَميل والرهن؟ قلنا: في الصداق قولٌ ضعيف أيضاًً سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى؛ ثم الرَّهن إذا كان مجهولاً، صار الثمن مجهولاً؛ فإنه متعلَّق الثمن، وجهالة الثمن تُبطل العقد. وهل يرد على هذا شرط الرهن الصَّحيح؛ فإنه إذا انضم إلى الثمن، كان زيادة، وليست مضبوطة، فكأن العين مبيع بألفٍ وشيء. قلنا: إذا كان الرهن معلوماً، فليس يخفى وقعه، ثم هو كالأجل والخيارِ في أنه من مصالح العقد، فاحتمل شرطه، ولا ضرورة في شرط المجاهيل، كما ذكرناه في الأجل.
فصل
ولو قال: " رهنتك أحدَ عبديَّ ... إلى آخره " (١).
قد ذكرنا أن هذا مجهول، وشرط الرهن المجهول فاسد.
ثم قال: " لو أصاب المرتهن بعد القبض بالرهن عيباً ... إلى آخره " (٢).
٣٧٥٣ - إذا اختلف الراهن والمرتهن بعد قبض الرَّهن في عيبٍ كان بالرهن، فقال الراهنُ: حدث العيب في يدك، وقال المرتهن: بل كان قديماً في يدك، فالقول قول الراهن، كما قدمناه في اختلاف المتبايعين. وهذا إذا لم تكذِّب المشاهدةُ أحدهما، فلا يخفى حكمه إن كان كذلك. ثم إن كان الرهن مبتدأ غير مشروط، فلا أثر للعيب فيه؛ فإن المرتهن لو أراد أن يفسخ الرهن من غير عيب، كان له ذلك، وإنما مسائل عيوب الرهن فيه إذا كانت مشروطة في البيع، فإذا فُرض الرهن مشروطاًً في البيع، ثم اطلع المرتهن على عيبٍ قدبم به، كان له أن يفسح البيع، ولا يتأتى ذلك منه، ما لم
стр. 3112
يردّ الرهنَ، ففائدة الاطلاع على عيب المرهون ردُّ البيع.
ولو قال: لست أفسخ البيع، ولكني أردّ الرهن. قيل له: لا فائدة في ردك إذاً (١) إلا فسخ الرهن، ولو لم تطلع على عيب، لكنتَ متمكناً من فسخ الرهن.
٣٧٠٤ - ولو كان الرهن مشروطاًً في البيع، فقبضه المرتهن، وتلف في يده، ثم اطلع على عيب قديم به، فالرد بعد التلف غيرُ ممكن في المبيع والثمن، ولكن يثبت للمطلع على العيب الرجوع بأرشه عند تعذر رده. والأرش لا معنى له في الرهن؛ فإن معناه في البيع الرجوعُ بقسطٍ من العوض المقابل للمبيع الفائت، والمرهون لا عوض له حتى يُفرضَ الرجوعُ في قسطٍ منه، فإذا لم يكن الرجوع ممكناً، فهل يثبت للمطلع على العيب حقُّ فسخ البيع؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يثبت؛ فإن حق الفسخ مرتب على رد الرهن، فإذا عسر رده، ولم يمكنّا أن نثبت للعيب أرشاً، فلا وجه إلا سدُّ باب الرد وإلزامُ البيع.
والوجه الثاني - أنه يرد البيعَ ويفسخه ويقول: استحققت بالشرط رهناً سليماً، فلم يتفق الوفاء به، فكأنك لم ترهن عندي، ولو شرط (٢) البائع رهنَ عبدين عيَّنَهما، فرهنَ المشتري أحدهما دون الثاني، فللبائع فسْخُ العقد بنقصان الصفة (٣)؛ من حيث إنه يؤثر في المقصود بمثابة نقصان العين.
والقائل الأول يقول: شُرط للبائع رهنٌ معين، فوفَّى المشتري به، فلم يوجد من جهته تأخير وتقصير يكون به غير موفٍ بالشرط، ثم تعذر الرَّدُّ، فَفَسْخُ عَقْده بعيد.
وليس كما لو شرط رهن عبدين، فلم يف بأحدهما. وهذا يتوجه عليه أن الرد ثبت إذا
стр. 3113
كان المرهون باقياً، ولا يقال: قد وفى المشتري بما شُرِط عليه في معين.
هذا بيان الوجهين.
فصل
قال: " ولو اشترط أن يكون المبيع بعينه رهناً، فالبيع مفسوخ ... إلى آخره" (١).
٣٧٠٥ - إذا شرط البائع جعل المبيع رهناً بالثمن، نُفرِّع هذا على الأقوال في أن البداية في وجوب التسليم بمن؟ فإن حكمنا بأن البداية بالبائع، فشرطُ حبس المبيع بطريق الرهن يخالف هذا المقتضى، وإذا خالفه، فسد، وأفسد العقدَ. وكذلك إذا قلنا: هما يجبران على تسليم العوضين، أو قلنا: لا يجبران. ومن بدأ بتسليم العوض الذي التزمه، أجبر صاحبه على تسليم مقابله. فإذا وقع التفريع على هذين القولين، ثم جرى في العقد شرط رهن المبيع، فسد الشرط، وفسد البيع، من جهة أنه تضمَّن خروج البيع عن مقتضاه، فلا يحتمل هذا.
ومن الأصول المعتمدة في البياعات أن العقد إذا كان له مقتضى عند الإطلاق، فلا يجوز تغييره في مقتضى إطلاقه بما لا نفع فيه ولا مصلحة تتعلق بالعقد. فأما الشرط الذي يتعلق بمصلحة العقد، فلا يجوز الاسترسال في تجويزه، بل يُتَّبع فيه توقيفُ الشارع، كالخيار وما في معناه؛ فإن هذه الأشياء في المعاملات كالرخص في العبادَاتِ، فلئن ثبت الرهن بنص الكتاب والإجماع، فرهن المبيع من وجهٍ لا حاجة إليه، وهو على حالٍ مغيرٌ لمقتضى إطلاق العقد، ولا توقيف فيه، فلا سبيل إلى احتماله.
فإذا قلنا: البداية بالتسليم على المشتري، والمبيع بحق العقد محبوس بالثمن، فلو شرط البائع رهن المبيع عنده بالثمن، فهل يصح الشرط على هذا القول؟ فعلى وجهين: أحدهما - يصح؛ فإنه موافق لمقتضى العقد؛ إذ مقتضاه على هذا القول
стр. 3114
حبس المبيع بالثمن. والرهن يوافق هذا المعنى.
والوجه الثاني - لا يجوز الشرط، ويفسد العقد به؛ لأن المبيع إذا كان محبوساً بالثمن، فهو من ضمان البائع، والرهن لو قدر ثبوته، فمقتضاه أن يكون المرهون أمانة في يد المرتهن، فقد اختلف موجَب الحبسين، فشرطُ أحدهما مع الثاني طلب الجمع بين مختلفين.
ثم إن حكمنا بصحة الشرط ووفَّى المشتري به، فالمبيع يكون مرهوناً عند البائع مضموناً عليه بحكم العقد؛ فإن ضمان العقد لا يزول إلا بالقبض، ولا يتصور على مذهبنا مرهون يسقط الدين بتلفه إلا هذا، ولكن الثمن لا يسقط بسبب تلف الرهن من حيث كان رهناً. وإنما يسقط بتلف المبيع من حيث كان مضموناً على البائع.
٣٧٠٦ - ثم قال الشافعي: " ولو قال للذي عليه الحق: أرهنك على أن تزيدني في الأجل ... إلى آخره " (١). إذا قال المشتري والثمن مؤجل عليه للبائع: أزيدك رهناً، فزدني أجلاً. فنقول: الزيادة لا تلحق بالعقد؛ فلا مطمع في حصول هذا الغرض. ويُنظر إلى الرهن الذي يزيده المشتري، فإن أطلقه وما ذكر معه شرطاً، فالذي تقدم من الزيادة في الأجل لغوٌ، وهذا الرهن ثابت. وإن شرط في الرهن الزيادة في الأجل، فقد ضمّن الرهنَ شرطاً فاسداً، ففسد الرهن به.
فصل
قال: " ولو أقر أن الموضوع على يديه الرهنُ قبض الرهن ... إلى آخره ".
٣٧٠٧ - إذا رهن الرجل عيناً، وكانا ذكراً عدلاً. ثم قال الراهن: سلّمت الرهن إلى العدل، وقبضه عن جهة الرهن، ثم استرددته منه بعد لزوم الرهن للانتفاع أو غيره من الأغراض. فقال العدل: ما قبضتُ، ثبت لزوم الرهن بقول الراهن؛ فإنه معترف على نفسه بلزوم الحق للمرتهن، فكان مؤاخذاً بإقراره. وقوله غير مقبول على
стр. 3115
العدل، حتى لو بيع ذلك الرهن [و] (١) خرج مستحقا، فليس لمستحقه مطالبة العدل، بناء على أن متاعه قد مر بيده؛ فإنا لم نصدق الراهن على العدل، وإنما حكمنا عليه بموجب إقراره ليثبت حق المرتهن، وهذا هين المُدرَك في أحكام الأقارير [وما] (٢) يتصل يها من القضايا.
ولو قال لمن وكله بالبيع: قد بِعْتَ ما وكلتُك ببيعه من فلان، فإقراره محكوم به مقبول في حق المعيَّن للشراء، ولكن لا يُقبل إقرارُه على الوكيل إذا كان يتعلق بالوكيل ضمان أو عهدة، فلو أراد المشتري المقَرُّ له أن يطالب الوكيل بعهدة العقد بناء على إقرار البائع له بالبيع، لم يمكنه ذلك؛ لأن الوكيل لم يعترف بالبيع، وإقرار الموكل إنما يقبل على نفسه للمشتري، ولا يقبل على الوكيل حتى يلزمه عُهدة.
فصل
قال المزني: " وجملة قوله في اختلاف الراهن والمرتهن أن القول قول الراهن في الحق، والقول قول المرتهن في الرهن ... إلى آخره " (٣).
٣٧٠٨ - أراد المزني أن يضبط الصور التي يُصَدَّقُ فيها الراهن، والمسائل التي يُصَدَّقُ فيها المرتهن، فأتى بقول مبهمٍ لا يفهم، وأجرى كلاماً ظاهره الفساد، ولا يجوز أن يشكل عليه وجه الحق فيه، فاجتمع أمران: أحدهما - أنه لم يُنتفَعْ بضبطه، والآخر- أنا نحتاج إلى تأويل اللفظ.
أما قوله: " القول قول الراهن في الحق "، فصحيح، ومعناه لو اختلفا في قدر الحق، فقال الراهن: رهنت بخمسمائة، وقال المرتهن: بألفٍ، أو اختلفا في الجنس، فقال الراهن: رهنت بالدنانير، وقال المرتهن: بل بالدراهم التي لي عليك، وكانت له عليه دراهم ودنانير. فالقول قول الراهن.
стр. 3116
وأما قوله: " القول قول المرتهن في الرهن "، فمشكل؛ فإن الراهن والمرتهن لو اختلفا في مقدار الرهن، أو في إقباضه، فنفى الراهنُ مقداراً عن الرهن، أو نفى الإقباضَ، فالقول في ذلك كله قول الراهن، فلا يستدّ مطلق قول المزني، ولا بد للفظه من تأويل، فنذكر وجهه، وهو على التحقيق مراده، وسياق كلامه دليل عليه: فمراده أن الرهن إذا كان مشروطاًً في البيع، فالمرتهن هو البائع والراهن المشتري، فإذا تنازعا في أصل الرهن، كان أو لم يكن، أو في قدره، أو جنسه، فهذا اختلاف المتبايعين في صفة العقد، والحكم فيه التحالف. ثم البداية على الأصح تقع بالبائع وهو المرتهن، فالمعني بقوله: " القول قول المرتهن " هذا.
ويمكن أن يُفرض نزاعٌ في بعض أحكام الرهن، والقول فيها (١) قول المرتهن: وذلك إذا اتفقا على الرهن والقبض، فقال الراهن: فسخنا الرهن. وقال المرتهن: لم نفسخه، فالقول قول المرتهن؛ لأن الأصل أن لا فسخ.
ثم قال: "فيما يشبه ولا يشبه": وهذا رد على مالكٍ؛ فإنه يقول: لو كان الدّين ألفاً، فقال المرتهن رهنتني هذا العبد، وقيمته ألف، فقال الراهن: بل رهنتك الآخر، وقيمته خمسمائة. قال مالك (٢): القول قول المرتهن؛ لأن الظاهر أنه لا يرضى أن يرتهن بالألف ما يساوي خمسمائة، وهذا الذي ذكره مالك لا عبرة به، ولا نظر إلى مقدار القيمة.
فصل
قال الشافعي: " ولو قال الرجل لرجلين: رهنتماني ... إلى آخره " (٣).
٣٧٠٩ - إذا ادعى رجل على رجلين أنهما رهنا منه عبدهما بمائة، نُظر: فإن صدّقاه، ثبت الرهن، وإن كذباه، فالقول قولهما مع اليمين؛ لأن الأصل عدم الرهن. فإن صدقه أحدهما وكذبه الآخر، فنصيب المصدِّق وهو النصف رهنٌ
стр. 3117
بخمسين إذا كان الدين مائة، ونصيب المكذِّب خارج عن الرهن إن حلف على ما نفاه، فإن شهد المصدِّق على المكذِّب، فشهادته مقبولة؛ فإن شهادة الشريك على الشريك مقبولة، وإنما النظر في شهادة الشريك للشريك، كما سنذكره الآن، إن شاء الله .
٣٧١٠ - ولو ادعى رجلان على رجل أنه رهن عِندهما ثوباً (١) له. فإن صدقهما، فذاك. وإن كذبهما، فالقول قوله مع يمينه. وإن صدق أحدهما دون صاحبه، فالنصف رهن من المصدَّق، فإن شهد هذا المصدَّق للمكذَّب، ففي قبول شهادته وجهان: أحدهما - أنها مقبولة؛ إذ لا جرَّ (٢) في شهادته، ولا دفع. والوجه الثاني - لا تقبل شهادته له، وهذا الخلاف في الشهادة يبتني على أصل سنذكره في كتاب الأقارير وكتاب الدعاوى، إن شاء الله تعالى.
والذي لا بد من ذكره هاهنا أن رجلين إذا ادعيا اتِّهابهما [عبداً] (٣) من رجلٍ، وأنه وهبه منهما وسلمه إليهما، فصدَّق المدعى عليهِ أحدهما، وكذب الثاني فَيَسْلم من تصديقه الهبةُ في النصف، ثم ذلك النصف هل يستبدُّ به المقَرُّ له؟ أم لصاحبه أن يقول: نحن فيما بيننا تصادقنا وتقارَرْنا على أن الهبة جرت مشتركة إيجاباً وقبولاً وتسليماً. وقد سلم النصف بإقراره، فليكن هذا مشتركاً؟ فيه وجهان: أحدهما - أن النصف يَسْلم للمقرّ له لا نزاع فيه. والثاني - أن صاحبه يشاركه في النصف الذي سَلِم. وهذا التردد يجري في كل ملكٍ وحقٍّ متلقّىً من عقدٍ على سبيل الشيوع.
ولو اعترف بأن هذه الدار ورثتها أنا وفلان من أبينا، وكانت مجحودة، فسلم لأحدهما بعضها، فيشركه فيها شريكُه في الميراث. وسيأتي هذا بأصله وتفريعه.
عُدنا إلى غرضنا: إذا ادعيا على رجل أنه رهن منهما، فأقر لأحدهما، فذلك
الحاصل بالإقرار إن قلنا: يختص به المصدَّق، فشهادته مقبولة للمُكذَّب، وإن
стр. 3118
قلنا: يَشْركُه فيه المكذَّب؛ فشهادته تتضمن دفعاً عن نفسه؛ فترد لذلك.
٣٧١٠/ م- ولو ادعى رجلان على رجلين أنهما رهنا عبداً لهما منهما، فإن صدقاهما، ثبت الرهن، وإن كذباهُما، فالقول قولهما مع أَيْمانهما، والنزاع بينهم يتصور على وجوه، ولا يكاد يخفى مُدرك جميعها على متأملٍ.
ونحن نذكر أغمض الصور، فنقول: إذا ادعى بكر وخالد على زيد وعمرو أنهما رهنا منهما عبدَهما المشتركَ بينهما، فصدَّق زيد خالداً وكذَّب بكراً، وصدق عمرو بكراً، وكذب خالداً. وكلّ واحدٍ من زيدٍ وعمرٍو له نصفُ العبد، وقد جمع في نصفه بين إقرار وإنكار، فيضمن بكر من جهة المقر مُقِرّاً له بربع العبد، وهو نصف نصيب أحدهما، وكذلك الثاني. ولا غموض لهذا.
وإنما يهاب المبتدىء هذا لما نقل بعضُ الأئمة أن ابن سريج قال: ما (١) انتهيت إلى هذه المسألة إلا احتجت إلى إتقان (٢) الفكر، حتى أثبتها على حاشية الكتاب.
فصل
قال: " وإن كان له على رجل ألفان ... إلى آخره " (٣).
٣٧١١ - إذا استحق على رجل دينين من جهتين، ومبلغ كلِّ دين ألفٌ، فإن رهن بألفٍ في جهة مخصوصة عبداً، ثم إنَّ مَنْ عليه الدين أدى ألفاً، وتنازع الراهن والمرتهن، فقال المرتهن: أديت الألفَ الذي لم يكن موثقاً بالرهن، والرهن باقٍ بالألف الثاني. وقال المؤدي: بل أديتُ عن الرهن، وفككته.
فنقول: لا شك أن الاعتبار بقصد المؤدِّي، حتى لو فرض منه قصد في أداء دين مخصوص، ولم يُفرض من القابض قصدٌ في القبض؛ فإن المؤدَّى يقع في حُكم الله تعالى على نحو قصد المؤدي. فإذاً تبين هذا حكماً، حتى قال الأصحاب: لو ظن
стр. 3119
القابض أن المؤدِّي يودعه الألفَ، وأنه مستحفظ فيه، وقصد المؤدِّي قضاءَ حقه، فالقبض يتم، وذمة المؤدي تبرأ.
وهذا فيه أدنى نظر عندي؛ فإن الإقباض شرطه التمليك، وكل من عليه الدين إذا أداه، فكأنه يُملّك القابضَ، ويثبت له في الأعيان ملكاً؛ فإن حقه لم يكن متعلِّقاً بعين، فإن وصل المُقبضُ فِعله بقولٍ، فذاك. وإن لم يصله بقول، فلا يبعد أن نقول: لا بد من مَخِيلة مُملِّكة مشعرة بتسليط القابض؛ فإن التمليك بالمبهمات غيرُ متجه.
٣٧١٢ - فإذا تبين ما ذكرناه، عاد بنا الكلامُ بعده إلى طريق فصل التنازع.
فنقول: إذا اختلف الراهن والمرتهن على ما ذكرناه، فالقول قول الراهن مع يمينه. ولو قال: أديتُ الألفَ، وقصدت أن يكون نصفُه عن جهة الرهن، ونصفه عن الألف المرسل، فهو مصدَّق، فإن نُوزع، يُحَلَّف.
وإن قال: لم يكن لي قصدٌ في تعيين جهةٍ، وإنما أديت الألف مرسلاً، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنا نقول له: الآن اصرف الألفَ إلى أي جهة شئت. فإن صرفه إلى الرهن، انفك. وإن صرفه إلى الآخر، بقي الرهن، وإن قسمه عليهما، انقسم. والوجه الثاني - أن الأداء المطلق محمول على التقسيم، فيقع عن كلّ دين قسطٌ من المؤدَّى. فإن [استويا] (١) في المقدار يقسط عليهما بالسوية، وإن اختلفا، يقسط عليهما على تفاوت القدرين.
ولهذا نظائر منها: أنه لو أقرض مشرك مشركا ألفاً بألفين، ثم قضاه أحد الألفين في الشرك، ثم أسلما، فقال المؤدي: أديتُ في الشرك ما أديتُ عن جهة الربح، فالألف قائم عليه، وهو مطالبٌ به في الإسلام. وإن زعم أن الذي أديتُه قصدتُ به تأدية رأس المال، فهو مصدّق، وإن اتهم، حُلِّف. وموجب تصديقه الحكمُ ببراءته؛ فإن أصل الدين قد تأدى؛ ولا ربحَ في الإسلام. وإن زعم أني أديت الألف ولم أقصد صرفَه إلى جهة مخصوصة، فوجهان: أحدهما - أن المؤدّى مُقسط على الربح ورأس المال. وحكم ذلك أن يطالبه في الحال بخمسمائة؛ فإنه قد أدَّى
стр. 3120
خمسمائة من الأصل، ولم يبق إلا خمسمائة، ولا ربح.
والوجه الثاني - أنه يقال له: اصرف ما أديته الآن إلى ما شئت، فإن صرفه إلى الربح، فعليه الألف التام عن جهة رأس المال. وإن صرفه إلى رأس المال، سقط الربح، وسقطت المطالبة. وإن بعَّض قصدَه تبعّض الأمرُ، ولم يختلف الحكم، كما قدمناه.
وكذلك لو ترابيا في الشرك درهماً بدرهمين، وأقبض الزائدُ المُفْضِلُ أحدَهما، ثم أسلماً، فالقول في القصد والاختلاف على حسب ما مضى. وهذه المسألة مفروضة في البيع، والأخرى التي قبلها مفروضة في القرض. ولا فرق.
ولو وكل الرجلان رجلاً ليقتضي دينين لهما على رجلٍ، وكل دين ألف مثلاً فدفع
من عليه الدينان ألفاً إلى الوكيل، فإن قال حال الدفع: خُذْه عن دين فلان، وعيّن أحدَ
موكِّلَيْه، وقع عن تلك الجهة. ولو قال بعد ذلك: قصدتُ خلافَ ما قلت، لم يقبل
منه. وهذا يطرد في جميع المسائلِ التي ذكرناها. ولو لم يقل شيئاًً، ثم راجعناه،
فقال: قصدت أحدَ الموكلَيْن، وقع المقبوض على حسب قصده. وإن قال: لم
أقصد تعيين واحد منهما، فيعود الوجهان، نقول في أحدهما: يتقسط ما أداه على
ديْنَي الموكِّلَيْن، ونقول في الثاني للمؤدي: اصرف الآن قصدَك إلى من شئت منهما أو
قسِّط عليهما.
٣٧١٣ - ولو قال من عليه الدين للوكيل من جهة المستحقَّيْن: خذ الألفَ وادفعه إلى فلان. فقد اختلف أصحابنا في هذه المسألة، فمنهم من قال: إذا جرى ذلك، انعزل الوكيل بالقبض عن حكم ذلك التوكيل، وصار وكيلا للمؤدِّي؛ فإنَّ حكم قوله: ادفعه أن يتوقف الأمر على وصوله إلى الموكِّل، وحكم البقاء على توكيله بالقبض أن يبرأ الدافع بالدفع إلى الوكيل، فلا يكون لقوله: ادفع إلى فلان معنى.
ومن أصحابنا من قال: لا ينعزل عن التوكيل بالقبض، وإن قبل التوكيل بالدفع على اللفظ الذي حكيناه؛ وذلك أن يدَ الوكيل ليست [تنتهي بالقبض] (١) ومعنى قبضه