← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

حالة العقد نجساً لكون الفأرة فيه. فهذا نزاع في أن العقد عقد على الفساد أم لا؟ وهو مناظر اختلاف المتبايعين في فساد العقد، كما ذكرناه. هذا جوابه. وتفصيله: فإن قيل: إذا قال المشتري في الصورة الأولى: تنجس اللبن في يدك، فهو ادّعاء انفساخ البيع. قلنا: نعم هو كذلك، والعصير إذا استحال خمراً، فهل نحكم بانفساخ الرهن. فإن قيل: إذا كانت النجاسة في ظرف المشتري، فاللبن ينجس بملاقاة النجاسة، فليس ما ادعاه البائع إقباضاً على الصحة. قلنا: ليس كذلك؛ فإن اللبن إذا حصل في فضاء الظرف، ثبت له حكم القبض جزءاً جزءاً، قبل أن يلقى النجاسة. هذا بيان قوله. فلينظر الناظر في ذلك. فصل قال: " ولا بأس أن يرهن الجارية ولها ولد صغير؛ لأن هذا ليس بتفرقة ... إلى آخره " (١). ٣٦٢٦ - التفرقة في البيع بين الأم وولدها الصغير حرام؛ قال النبي ﵇: " لا تُولَّه والدة بولدها " (٢). ثم إن بيعت الجارية دون الولد، أو بيع الولد دون الجارية، وارتكب المتعاقدان محظور التفرقة، ففي صحة البيع قولان، سيأتي ذكرهما في كتاب السير، إن شاء الله تعالى، وفيه نذكر حد الصغر المؤثر، والتفريقَ

стр. 3047

المؤثر بين الوالد والولد، ثم بين جميع المحارم. وقدرُ غرضنا الآن أن صحة البيع الواقع على حكم التفرقة فيها قولان: أحدهما - وهو الجديد أن البيع باطل. والثاني - وهو القديم أن البيع صحيح. قال الشافعي: لو رهن الأمَّ دون ولدها أو على العكس، فالرهن صحيح؛ لأن ذلك ليس بتفرقة بينهما. واختلف أصحابنا في معنى هذا اللفظ، فمنهم من قال: معناه أن الرهن لا يوجب التفرقة؛ فإن منافع الأم للراهن، فيجمع بين الأم وولدها، ويكلفها احتضانه وإرضاعه. ومنهم من قال: معنى قوله: إن ذلك ليس بتفرقة أن البيع منتظرٌ، [فإذا مست الحاجة إليهِ، لم يفرق بين الأم والولد، فإذا ثبت صحة الرهن] (١) فإذا مست الحاجة إلى البيع بأن حَلّ الدينُ، فهل يجوز إفراد الأم بالبيع - والتفريع على أن التفريق مفسد للعقد؟ على هذا القول وجهان: أحدهما - أن البيع يبطل إذا تضمن التفريقَ؛ طرداً للقياس. والثاني - لا يبطل؛ لأن هذا بيع قهري، ولا يمتنع التفريق قهراً لأمر شرعي، وهذا كما لو كان للجارية ولد صغير حُر، فبَيع الأم جائز، والحرية فرقت بين الأم والولد. كذلك اختصاص الرهن بالجارية يوجب تخصيصه بالبيع. التفريع: ٣٦٢٧ - إن قلنا: تباع الجارية والولد عند مَحِل الدين، وهو الذي نص عليه الشافعي، فلا حظ للمرتهن في الولد، وقد جرى البيع في الأم والولد، فإذا أردنا توزيع الثمن على الجارية والولد، فما وجه التوزيع؟ هذه المسألة تقتضي تقديم أخرى عليها، وهي بين أيدينا، ولكنا لا نجد بُدّاً من ذكرها الان في غرضٍ لنا. فنقول: من رهن أرضا بيضاء، وكان فيها نوى، فقبض المرتهن الرهنَ، ثم أنبتت النوى أشجاراً، فلا سبيل إلى قلعها، ولكن إذا حل الحق وبعنا الأرض والغراس، فكيف يقبض الثمنَ المأخوذَ على الأرض والغراس؟ اختلف أئمتنا في ذلك، فقال بعضهم: تقُوّم الأرض بيضاء فإذا قيمتها مائة، ثم نقوّمها مع الغراس،

стр. 3048

فإذا قيمتها مع الغراس مائة وعشرون، فقد زاد تقدير الضم على تقدير الانفراد في الأرض البيضاء بعشرين درهماً، والعشرون من المائة والعشرين سدسها، فنحفظ هذه النسبة، فإذا هي نسبة الأسداس، فإذا بعنا الأرضَ والغراس وزّعنا الثمنَ على النسبة التي معنا، فصرفنا خمسةَ أسداسه إلى المرتهن، وصرفنا سُدسه إلى الغرماء الباقين. هذا وجه. والوجه الثاني - أنا نقوّم الأرضَ بيضاء، فإذا قيمتها مائة، ونقوم الغراس في الأرض مفردة، فإذا قيمتها خمسون، فنضبط النسبة بأثلاث، فنوزع الثمن عليها، فنصرف ثلثي الثمن إلى المرتهن، وثلثه إلى الغرماء. فهذا بيان الاختلاف في مسألة الأرض والغراس. ٣٦٢٨ - عدنا الآن إلى الجارية وولدها وقد بيعا. وقد يحسن فرض هذه المسألة إذا كانت الأم مفردة وليست ذات ولد، أو بيعت دون ولدها، وكان ثمنها أكثرَ لانفرادها، وإذا بيعت مشتغلة بحضانة الولد، فقيمتها أقل، وعند ذلك يظهر التردد والاختلاف، وقد اختلف أصحابنا في كيفية التوزيع، فقال بعضهم: التوزيع على الأم والولد كالتوزيع على الأرض والغراس، وفيه وجهان نعيدهما: أحدهما - أنا نقوم الأم وحدها فإذا قيمتها مائة. ونقوّمها مع الولد، فإذا قيمتها عند الضم مائة وعشرون. فقد زاد سدس، فليقع التوزيع على الأسداس. هذا وجه. والوجه الثاني - أنا نقوم الأم وحدها، فإذا قيمتها مائة، ونقوم الولد وحده مضموماً إلى الأم، فإذا قيمته وحده مع الأم خمسون، فيظهر لنا نسبة الأثلاث. فليقع التوزيع كذلك. وهذا بعينه ما ذكرناه في الأرض والغراس في الوجهين. هذه طريقة. وهي اختيار الشيخ أبي علي، والقاضي. وذكر صاحب التقريب هذه الطريقة، وذكر معها طريقة أخرى واختارها، فقال: ينبغي أن تقوم الأم مع الولد وهي حاضنة، ويقوم الولد مع الأم، ولا يفرد واحد منهما بالتقويم على تقدير الانفراد، بخلاف مسألة الغراس، والفرق أن الجارية رهنت وهي ذات ولد، فاستحق المرتهن بيعها على نعت الضم، وليس الأرض كذلك؛ فإنها رهنت إذْ رهنت ولا غرس، ثم حدث الغراس من بعدُ، كما سنصوره على

стр. 3049

الاستقصاء، إن شاء الله تعالى. ونحن قدرنا الأرض بيضاء في الوجهين جميعاً، ورددنا الاختلاف إلى كيفية اعتبار قيمة الغراس، وهاهنا لا تعتبر قيمة الجارية وحدها لما نبهنا عليه. فليتأمله النّاظر؛ فإنه حسن. قال صاحب التقريب: نظير مسألة الغراس من الجارية ما لو رهنت، ولم تك ذاتَ ولد، ثم علقت بمولود رقيق، وولدت فيطابق هذا على صورة الغراس؛ من حيث انعقد الرهن وتم والأم على نعت التفردِ، كالأرض البيضاء، فلا جرم [يجري] (١) في التوزيع عند بيعها الخلافُ الذي ذكرناه في الأرض والغراس. ٣٦٢٩ - ومن تمام البيان في هذا الفصل: أن ما ذكرناه من المطابقة في التوزيع إنما يحسن وقعه وأثره إذا حُجر على الراهن، أو مات والديون محيطةٌ مستغرقة، واختلفت الأغراض في التوزيع، فالكلام على ما ذكرناه. فأما إذا لم يفلس الراهن، ولم يضق مالُه، وبعنا الجارية والولد، فعلى الراهن توفيرُ الدين كَمَلاً (٢)، ولا يكاد يظهر فائدة المسألة. هكذا قال الشيخ أبو علي. وهذا فيه فضل نظرٍ يُبيّنُه كلامٌ: وهو أن المرهون إذا بيع في دين المرتهن، فلو أراد الراهن أن يصرف طائفة من مالِه إلى دين المرتهن سوى الثمن المحصّل من بيع الرهن فهل يسوغ ذلك أوْ لا؟ والوجه القطع بجوازه، كما لو أدى الدين، وفك به الرهن، فتَعَلُّقُ حقِّه بثمن البيع، كَتَعَلُّق حقِّه بالمرهون قبل أن بيع. ولو أراد أن يتصرف في ثمن الرهن قبل أن يؤدي حق المرتهن. لم يكن له ذلك. وإذا أراد أن يتصرف فيما يقابل الولد المضمومَ، فله ذلك، وثَمَّ القدر الذي يقابل به الولد فيه الاختلاف المقدم. ولاح بهذا أن أثر الخلاف قائم في حق المطلَق قيامَه في حق المحجور. والغرض أن نبيّن أن متعلَّق الرهن [والوثيقة] (٣) من الثمن المحصل من الجارية والولد كم؟ فإذا

стр. 3050

بانت الكمية، ظهر أمرُها عند الحجر في الفضّ (١) على الغرماء، وعلى المرتهن. ويظهر أثرها حيث لا حجر في تصرف الراهن فيما يزيد على مقدار الرهن. فصل قال: " ولو ارتهن نخلاً مثمراً، قال ثمر خارج من الرهن ... إلى آخره " (٢). ٣٦٣٠ - إذا رهن نخيلاً عليها الثمار، واقتصر على تسمية النخيل، ولم يسم الثمار نافياً ولا مُثبتاً، نُظر: فإن كانت الثمار مؤبّرة، فلا شك أنّها لا تدخل في مطلق تسمية النخل؛ فإنها لا تدخل في تسميتها في عقد البيع على قُوّته، فلأن لا تدخل في حكم الرهن تحت الأشجار أولى، وإن كانت النخيل مُطْلِعَةً، ولكن لم تكن مؤبرة، فقد ذكرنا في كتاب البيع أنها تدخل تحت تسمية النخيل في البيع المطلق، وهل تدخل في حكم الرهن تحت تسمية النخيل؟ ظاهر المذهب أنها لا تدخل. والرهنُ في ذلك يخالف البيعَ، والفارق أن البيع يزيل الملك في الأصل، فلا يبعد أن يقوى على الاستتباع. والرهن لا يقطع ملك المالك عن الأصل؛ ولا يرفع سلطانه، وكأنه موعد في دوام الملك أوجب الشرع الوفاء به، فاختص وجوب الوفاء بمورده المسمى، ولذلك لا يتعدى الرهنُ إلى الزوائد التي ستحدث في مستقبل الزمان، والملك في البيع يُثبت للمشتري حق الملك فيما يتجدد. وخرّج طوائف من الأئمة قولاً آخر في الرهن، وهو أن الثمار تتبع تسمية النخيل إذا لم تكن بارزة (٣)، قياساً على البيع، وذلك لأنا لم نتبِع الثمارَ النخيلَ في البيع لقوة البيع، ولكنا رأينا الثمار الكامنة جزءاً متصلاً كامناً، واعتقدنا اللفظ شاملاً. وهذا يستوي فيه القوي والضعيف. وهذا القول منقاسٌ، وهو مأخوذ من أصلٍ مع القول الأول، وهو أن من باع

стр. 3051

حاملاً، ثبت الحمل مستحقاً للمشتري، والتردد في أنه هل يقابله قسط من الثمن أم لا. ولو رهن جارية حاملاً، ففي تعلق حق الوثيقة بالحمل الموجود حالة الرهن قولان. والرأي ترتيب الثمار غيرِ المؤبرة على الحمل، فإن قضينا بأن الرهن لا يتعلق بالحمل، فلأن لا يتعلق بالثمار أولى، وإن قلنا: يتعلق الرهن بالحمل، ففي تعلقه بالثمار قولان. والفرق أن الحمل لا يقبل التصرف على الانفراد، [فكان حريّا بالتبعية والثمار تقبل التصرف على الانفراد] (١). ٣٦٣١ - ومسائل الحمل ستأتي إن شاء الله تعالى. ولكنا نعجل منها شيئاًً، فنقول: إن قلنا: رهن الجارية الحامل لا يتناول الحملَ، فلو قال: رهنتها مع حملها، ففي هذا تردد للأصحاب، والظاهر أن رهن الجارية لا يتعلق بالحمل؛ فإنه إذا لم يمتنع، فتقدير الانفراد فيه بالذكرِ لا وجه له؛ إذ لو ساغ ذلك، لجاز إفراده بالرهن دون الأم. وهذا الرمز الآن كافٍ. وسنعود إليه عند ذكرنا مسائل الحمل، إن شاء الله تعالى. فصل قال الشافعي بعد تقرير المذهب في أن الرهن أمانة: " وإذا رهنه ما يفسدُ من يومه ... إلى آخره " (٢). ٣٦٣٢ - أما القول في أن الرهن أمانة، فسيأتي في باب معقود، إن شاء الله تعالى. ونحن نذكر الآن تفصيلَ المذهب في رهن ما يتسارع إليه الفساد، فنقول: إذا رهن الفواكه الرطبة وغيرَها مما يتسارع إليه الفساد، نظر: فإن رهنها بدين حالٍّ، صح، ثم إن أدى الدين من موضع آخر، فذاك. وإن اتفق بيعُها في الدين، وصرف ثمنها إليه،

стр. 3052

فهو المراد. وإن لم يتفق الصرف إلى الدين، وأشرف المرهون على الهلاك، فلا خلاف أنه يباع، ويوضع الثمن رهناً مكانه؛ إذ لا طريق إلى استيفاء الحق إلا هذا الطريق، والرهن يتضمن توثيقاً، فإذا أشرف محلّ الوثيقة على الهلاك، ولو هلكت، لضاعت الوثيقة، فالوجه في تبقية الوثيقة البيعُ ووضع الثمن رهناً مكان المبيع. ٣٦٣٣ - وإن رهن ما يتسارع إليه الفساد بدين مؤجل، نظر: فإن عرفنا أن حلول الأجل يتقدم على فساد المرهون، صح الرهن، وكان كما لو رهن بدين حالّ، وانتظم الترتيب على ما ذكرناه. وإن عرفنا أن الفساد يسبق حلولَ الأجل، فتنقسم المسألة أقساماً: منها أن يرهن ويشترط البيع عند الإشراف على الفساد، فإن كان كذلك، صح الرهنُ، ولزم الوفاء بالشرط إذا مست الحاجة إليه، فإذا أشرف على الفساد، بيع ووضع الثمن رهناً. ومن الأقسام أن يرهن ويُقرن (١) [الرهن] (٢) بشرط أن لا يباع عند ظهور الفساد، فإن كان كذلك، فالرهن فاسد؛ فإنّ شرط تبقيته يتضمن فساده، وهو مناقض للتوثق، فجرى الشرط مخالفاً لوضع الرهن. ومن أقسام المسألة أن يطلق الرهن من غير تعرض لشرط البيع أو نقيضه، فإذا كان كذلك، ففي المسألة قولان منصوصان: أحدهما - أن الرهن صحيح، ومطلقه محمول على البيع عند الحاجة ووضع الثمن رهناً. والقول الثاني - أن الرهن فاسد، ومطلقه محمول على تبقية الرهن، وإن كان يفسد، فهو كما لو قيَّد بأن لا يباع. فإن قيل: أليس لو رهن ما يتسارع إليه الفساد بدين حال، كان صحيحاً قولاً واحداً. وإذا مست الحاجة إلى بيعه ووضع ثمنه رهناً، بيع، ولم يختلف في ذلك، والرهن مطلق في الموضعين، فما الفاصل؟ قلنا: إذا كان الدين مؤجّلاً، فحكم الرهن التبقية في حال سقوط المطالبة بالدين.

стр. 3053

هذا حكم الإطلاق في الرهن بالدين المؤجل. فكان تردد القول لذلك. وإذا كان الدين حالاً فالطلِبة حاقّة، لا تأخير فيها يُشعر بتبقية الرهن إلى ثبوت الطلبة. ولو كان المرهون بالإضافة إلى الأجل بحيث لا يقطع بفساده قبل الحلول، وكان لا يقطع ببقائه أيضاًً، وتردد الاحتمال، ففي جواز الرهن المطلق من غير تقييد بالبيع عند الإشفاء على الهلاك قولان، مرتبان على القولين فيه إذا كان يهلك المرهون قبل الأجل لا محالة. وهذه الصورة أولى بالصحة من الأولى. ووجه الفرق بيّن. وقد كنا بنينا رهن المعلّق عتقُه بصفة توجد قبل حلول الأجلِ على رهن ما يتسارع إليه الفساد قبل حلول الأجل، وخرّجنا صحة الرهن على قولين. قال صاحب التقريب: إذا فرعنا على قول صحة الرهن، فقربت الصفة، وكاد العتق أن يقع، بعناه بَيْعَنا الطعامَ المشرفَ على الفساد. وإذا كان الأصل كالأصل، فالتفصيل كالتفصيل. وإذا رهن ما لا يتسارع إليه الفساد، فطرأ بعد لزوم الرهن سبمب يقرّبه من الهلاك قبل حلول الأجل، فطريان ذلك لا يوجب انفساخ الرهن وفاقاً. وإن منعنا رهنَ ما هذه صفته ابتداء على أحد القولين، وتسرُّعُ (١) الفساد طارئاً ومقارناً -على منع الرهن ابتداء- يضاهي إباق العبد، فإذا اقترن، منَعَ، وإذا طرأ، لم يتضمن انفساخ العقد. فرع: ٣٦٣٤ - إذا صح الرهن، ولزم في عين ثابتة لا يخشى فسادها، فقال الراهن: نقلتُ حقك في الوثيقة من هذه الرقبة إلى هذا العبد، فقال المرتهن: رضيت. ذكر أصحابنا في ذلك وجهين: أحدهما - أن هذا يلغو، والوثيقة لا تنتقل، ورضا المرتهن لا يتضمن فسخَ الرهن. والوجه الثاني - أنها تنتقل وتقرُّ في العبد الثاني، وما جرى بينهما يتضمن فسخاً للرهن الأول، وإعادةً له في المحل الثاني.

стр. 3054

وأخذ العلماء هذا الخلافَ من رهن ما يفسد قبل الأجل. ووجه الأخذ منه أَنَّ الرهن فيما يفسد تضمن نقل الوثيقة إلى عوضِ المرهون بتقدير البيع. فقالوا: إذا كنا نجوز ذلك، فما يمنع من نقل الحق اختياراً من محل إلى محل وهذا غير سديد؛ فإن بيع ما يفسد مستحق شرعاً وإقامة الأثمان والقيم مقام الأصول قاعدة ممهدة في الشرع، فأما نقل حق مستقر من محل إلى محل، فليس له أصل من غير حاجة، ولا ضرورة، وليس النقل والرضا مشعراً بالفسخ والإعادة على التحقيق، وليس كما لو قال لمالكِ عبدٍ: أعتق عبدَك عني؛ فإن هذا من ضرورته تقديم نقل الملك، فكان ضمناً لاستدعاء العتق. وأما نقل الوثيقة، فمبنيٌّ على اعتقاد إبقاء الرهن الأولى، مع نقل موجبه، وعلى هذا يخرّج (١) انتقال الوثيقة من المثمن إلى الثمن، فالوجه إفساد الرهن من عين إلى عين. فرع: ٣٦٣٥ - إذا رهن ما لا يفسد، ثم طرأ عليه ما يقرّبه من الفساد قبل القبض، وقلنا: لا يصح رهن ما هذا وصفه، ففي انفساخ الرهن وجهان مبنيانِ على الوجهين في نظائر هذا، كطريان الجنون والموت، وطريان جناية المرهون. والتفريع على منع رهنه. ولو قُتل العبد المرهون قبل القبض، ففي تعلق حق الوثيقة بقيمته الواجبة على المتلف الوجهان المذكوران؛ فإن القيمة تقع ديناً، والديون لا ترهن، ولكن إن جرى ذلك بعد تأكُّد الرهن بالقبض احتُمل على ارتقاب أن تستوفى القيمة وتعيّن. ثم من يقول من أئمتنا إذا استحال العصير خمراً، زال الرهن ثم يعود إذا تجددت الحموضة، ما أراه يطلق القول بأن الرهن يزول بانقلاب المالية في عين الرهن ديناً؛ فإن حقيقة المالية باقية. والقول في هذا محال. هذا إذا كان بعد القبض. فأما إذا جرى الإتلاف قبل القبض، ففي انفساخ الرهن ما ذكرناه. ولو صادف الرهن عيناً ثابتة، فعرض لها بعد القبض عارض يدنيها من الفساد، فقد

стр. 3055

تمهد أن الرهن لا ينفسخ، وقطع الأئمة بأنه يستحق بيعه ووضع ثمنه رهناً. وكان شيخنا يقول: إذا كان إتلاف المرهون يتضمن نقلَ حق المرتهن إلى القيمة، فيتبين أن حقه المستحَق غيرُ منحصر في العين، فعلى هذا يكون [الإشفاء] (١) على الهلاك بمثابة إتلاف المرهون من ضامن. فصل قال: " ولو رهنه أرضاً بلا نخل، فأخرجت نخلاً ... إلى آخره " (٢). ٣٦٣٦ - إذا كان الراهن دفن أعداداً من النوى، ورهن الأرض البيضاء قبل أن تنبت النوى فنبتت، فليس للمرتهن القلعُ؛ فإن الرهن ورد على الأرض وفيها النوى. ولكن إن كان عالماً بذلك، فليس له فسخ البيع الذي الرهنُ شرطٌ فيه. وإن كان جاهلاً، ثم تبين، فله فسخ البيع الذي الرهن شرط فيه، من قِبل أَنَّه حسب أن الساحة البيضاء [تَسْلَم] (٣) لحق وثيقته، فإذا بأن أنها مشغولة، فذلك نقصٌ، فيترتب عليهِ ثبوت الفسخ في البيع. وسيأتي أصل ذلك بعد هذا، إن شاء الله تعالى. ٣٦٣٧ - ولو غشَّى السيلُ الأرضَ المرهونة، وكان في جميعها نوى؛ فنبتت، فلو قال المرتهن: أقلعُه؛ فإنه لم يكن، وإنما حدث بعد لزوم الرهن، لم يكن له القلع قبل حلول الدين؛ إذ لا ضرر عليه في الحال، ولا حاجة إلى بيع الساحة. وإذا حل الحق، نُظر: فإن كان في قيمة العرصة لو بيعت مع النخيل وفاءٌ بالدين (٤)، بيعت العرصة، ولم يقلع النخيل، وإن لم يكن فيها وفاء، ولو قلعت دون النخيل، وفت بالدين، ولم يؤدّ الراهن الدينَ من جهة أخرى، فيقلع الغراس لحق المرتهن، وإن

стр. 3056

كان القلع مضرّاً بالراهن؛ من قبل نقصان الغراس بالقلع، فالسبب فيه أن الراهن التزم الوفاء بحق الوثيقة في الأرض البيضاء، فلزمه أن يفي بما التزمه. هذا إذا لم يكن على الراهن دين يوجب اطراد الحجر عليه، فأما إذا ركبته الديون، واطرد عليه الحجر، والمسألة حيث انتهت، فلا سبيل إلى قلع الأشجار رعايةً لحق الغرماء. فإن قيل: حق المرتهن سابق وفي تبقية الغراس تنقيصُ حقه السابق. قلنا: نعم ولكن [حق] (١) الغرماء صادفَ الأشجار، وتعلق بها، وليس للمرتهن إلا وثيقة، فلا ينبغي أن يُحبط حقوق الغرماء والمالك بالكلية. والذي يقتضيه الإنصاف بيعُ الأرض مع الغراس، ثم في كيفية التوزيع على الأرض والغراس خلافٌ بين الأصحاب، ذكرناه في مسألة بيع الجارية وولدها. ٣٦٣٨ - قال الأئمة: إذا رهن الرجل أرضاً بيضاء، وأقبضها، ثم أراد أن يغرسها ابتداء، فهل يمنع من ذلك والدين مؤجل؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يمنع، كما لا يقلع ما نبت من حميل السيل. والثاني - يمنع؛ فإن هذا إثبات تنقيصٍ في الحال على سبيل الاختيار. ثم إن لم نمنعه، فالكلام في القلع عند حلول الدين كما تفصَّل. وإن كنّا نمنعه من الغراس، فلو غرس، ونبت فهل يقلع عليه قبل حلول الأجل؟ فيه اختلاف، توجيهه قريب من توجيه الوجهين في أصل المنع. فإن قلنا: إنه مقلوع، فلا شك أنه يقلع عند المحِل إذا لم يكن على الراهن حجر. وهل يقلع إذا كانت عليه ديون واطرد الحجر؟ فعلى وجهين. ولا يخفى الفرق بين هذا وبين ما لو نبتت النخلات من نوى في حميل السيل؛ فإن ذلك جرى ولا منع يقترن به، بخلاف ما فرعناه في ابتداء الغرس قصداً من الراهن.

стр. 3057

فصل قال: " ولو رهنه أرضاً، ثم اختلفا، فقال: أحدثت فيها نخلاً ... إلى آخره " (١). ٣٦٣٩ - إذا صادفنا أرضاً مرهونة، وفيها نخيل، فقالى المرتهن للراهن: رهنتني الأرضَ والنخيل القائمةَ فيها يوم رهنتني. وقال الراهن: بل رهنتك الأرض بيضاء، وأحدثتَ هذه النخيل بعد الرهن، ولم تكن موجودة حالة الرهن. فإن كانت المشاهدة تكذب المرتهن؛ بأن تقدّم تاريخ الرهن وامتد سنين، والنخيل بعد فَسِيلٌ لا يخفى أنها نبات سنة، فالمرتهن مكذَّب، ولا حاجة إلى اليمين. وإن كانت المشاهدة تكذِّب الراهن بأن كان النخيل باسقة، وتاريخ الرهن قريب، فالمشاهدة كذبت الراهنَ في دعواه عدمَ النخيل عند الرهن. ولكن لا تنفصل معه الخصومة بهذا؛ إذْ لم يثبت إلا وجود النخيل حالة الرهن، ولا يمتنع أن تكون موجودة، ولا تكون مرهونة، فتتوجه الدعوى عليه بالرهن، فإن أصر على قوله الأوَّل، لم يقبل منه، والمشاهدة تكذبه، ويجعل منكراً، وتعرض عليه اليمين، فإن تمادى في محاله (٢) الأولى، جُعل ناكلاً، وفصلت الخصومة بطريقها. وإن اعترف بالوجود آخراً، وأراد أن ينكر الرهن، قُبل منه الإنكار، وكَذْبتُه الأولى لا تسدّ عليه إنكارَ الدعوى، ثم تُدَارُ الخصومة على نظمها. وإن كانت النخيل بحيث يحتمل أنها كانت يوم الرهن، ويحتمل أنها حدثت بعده بأيام، فالقول قول الراهن في نفي الرهن. ولو اقتصر على نفي وجود النخيل وكان انتفاؤها ممكناً، فالأظهر أنه يُكتفَى منه بإنكار الوجود؛ فإنّ في إنكار الوجود إنكارَ الرهن المدّعىَ. والمسألة مفروضة فيه إذا

стр. 3058

قال المرتهن: كانت موجودة، فرهنتَها مع الأرض. ولهذا نظائر فيها ترددٌ للأصحاب. ستأتي في كتاب الدعاوى. ولو قال المرتهن: رهنتني هذه الأشجار، ولم يتعرض لوقت رهنها، ولم يذكر اقترانَها ولا تأخرها، فلا ينفع، والدعوى على هذه الصيغة تعرض الراهن لتقدم وجود النخيل وتأخرها؛ فإنه لا يمتنع رهنها، وإن تأخرت. والمرتهن إنما يدعي الرهن المطلق، وهذا بيِّن إذا لم يكن الرهن مشروطاً في بيع. فأما إذا كان الرهن مشروطاًً في بيع وصيغة الدعوى كما تقدمت، قال المرتهن: رهنتها مع الأرض يوم رهنتني الأرض. وقال الراهن: لم تكن النخيل موجودة يوم رهن الأرض، وكانت المشاهدة لا تكذبه، وقد ربطا قوليهما ببيعٍ، فقال المرتهن: شرطتَ رهن الأرض والنخيل. فإذا قال الراهن: لم تكن النخيل، فقد ذهب المحققون إلى أن هذا الاختلاف ليس مما يوجب التحالف في البيع؛ فإن حاصله راجع إلى التنازع في وجود النخيل وعدمها. والتحالف إنما يترتب على تنازع في صفة عقدٍ، يتصور التصادق عليها. وهذا حسن دقيق. والظاهر عندي أنهما يتحالفان؛ فإنَّ المرتهن ادعى شرط رهن ممكن، وأنكر الراهن الشرط، وعلله بعلة، فالتنازع في صفة العقد قائم، فليجر التحالف. وإن اتفقا على وجود النخيل، وقال المرتهن: شرطنا في البيع رهنَ الأرض والنخيل، وقال الراهن: لم نشترط إلا رهنَ الأرض، ولم يتعرضا لنفي وجود النخيل، بل توافقا عليه، فهذا اختلافٌ في صفة العقد لا محالة، فيتحالفان ويتفاسخان العقد. ولو قال المرتهن: لِمَ نتحالف، وأنا معترف بأنك وفَّيت بالرهن المشروط في النخيل، فاختلافنا في الرهن؟ قيل له: هذا أمر تبنيه أنت (١) فرعاً على أصل، والراهن منكرٌ لأصل الشرط، فلا بُدّ من التحالف.

стр. 3059

فصل قال: " ولو شرط للمرتهن إذا حل الحق، أن يبيعه، لم يجز أن يبيع بنفسه، إلا بأن يحضره ربّ الرهن ... إلى آخره " (١). ٣٦٤٠ - إذا حلّ الحق، فقال الراهن للمرتهن: بع لي واستوفِ ثمنَه لي، ثم استوفه لنفسك. فإذا باع، نفذ البيع بالإذن، ثم إذا استوفى الثمنَ، وقع الثمن للراهن، ويكون أمانة بعدُ في يد المرتهن، فإن أراد استيفاءَه لنفسه، فلا بد من وزنٍ جديد إن كان موزوناً [أو كيل جديد إن كان مكيلاً] (٢) فإن وزنه ثانياً، فهل يصح الاستيفاء على هذا الترتيب؛ فعلى وجهين، تقدم ذكرهما في كتاب البيع، فإن صححنا الاستيفاء، دخل في ضمانه، وبرئت ذمة الراهن من الدين. وإن لم نصحح (٣) الاستيفاء، فما قبضه على الفساد مضمون عليه، وإن لم يكن مقبوضاً على الصحة عن جهة حقه، فالدين باق في ذمة الراهن. ومن تمام التفريع في ذلك أنا إذا صححنا الاستيفاء، فالذي ذكره الأصحاب أنه لا بد من إنشاء فعلٍ فيه، وليس كما لو رهن الوديعة عند المودَع، فإنا في قولٍ ظاهر نكتفي بدوام يده، كما تفصّل ذلك، وهاهنا لا بد من فعلٍ في الاستيفاء. وتعليله واضح؛ فإن الاستيفاء إنما يصح بناء على إذن الراهن، ولفظُه في الإذن "ثم استوف منه حقك" وهذا تصريح بإحداث أمر. ٣٦٤١ - ولو قال: "بعه لي واستوف الثمن لي، ثم أمسكه لنفسك"، فالظاهر أنه لا بد من فعلٍ في القبض، كما تقدم. ومن أصحابنا من أقام الإمساك على قول صحة القبض مقام الاستيفاء إذا كان الاستيفاء مأذوناً فيه.

стр. 3060

وإذا قلنا: الاستيفاء لا يصح، ثم جعلنا قبضه على الفساد مُدخلاً للثمن في ضمانه، فلو لم يوجد منه فعل، والمأذون فيه الاستيفاء، ولكن نوى أن يمسكه لنفسه، فهذا لا يدخله في ضمانه؛ فإن اليد يد أمانة، والأمانات لا تزول بمجرد النيات. ولو نوى المودَع تغييب الوديعة، ولم يُحدث أمراً، لم يضمن بمجرد النية. ولو قال الراهن: بعه لي واستوفِ ثمنه لنفسك، صح البيع، ولم يصح الاستيفاء؛ فإن الغير يستحيل أن يستوفي حقه قبل ثبوت القبض الصحيح لمن يقع الاستيفاء من جهته، وقد مهدنا هذا في البيع. وإن قال الراهن للمرتهن: " بعه لنفسك "، فباع، فظاهر النص وما ذكره العراقيون، واختاره القاضي أن البيع يفسد؛ لأنه لا يتصور أن يبيع الإنسان مال الغير لنفسه. وذكر صاحبُ التقريب قولاً آخر ارتضاه لنفسه: أن البيع صحيح بناء على قوله: بعه، والفساد في قوله: لنفسك، فليستقل البيع بالإذن فيه. وهذا وإن كان منقاساً، فالمذهب ما قدمته. ٣٦٤٢ - ولو قال الراهن للمرتهن: "بعه". ولم يقل: بعه لي، ولا لنفسك. هذا موضع الاختلاف الظاهر بين الأصحاب -ولا عود إلى ما ذكره صاحب التقريب- فمن أصحابنا من قال: يجوز له أن يبيع كالأجنبي يقول له مالك العبد: بعه. ومن أصحابنا من قال: لا ينفذ بيع المرتهن. وهؤلاء عللوا امتناع البيع بعلتين: إحداهما - أن البيع مستحَقّ للمرتهن بعد حلول الحق، والمسألة مفروضة في هذا، والدليل على أن البيع مستحق للمرتهن أنه لو أذن المرتهن للراهن في البيع مُطلقاً، والحق حالّ، فالبيع يقع للمرتهن، حتى لو أراد الراهن صرفَ الثمن إلى جهة أخرى، لم يجد إليه سبيلاً. فإذا كان البيع مستحقاً للمرتهن، فالإذن المطلق إذا اقترن باستحقاق البيع في حق المرتهن، نازلٌ منزلة الإذن المقيد بالبيع في حق المرتهن، فإذا قال: "بعه"، فكأنه قال: بعه لنفسك. هذا إحدى العلتين.

стр. 3061

والعلة الأخرى أن المرتهن متهم في ترك النظر؛ فإنه يبغي الوصولَ إلى حق نفسه، فقد يستعجل ذلك، فلا يبالي بترك النظر للرّاهنِ، وليس كالوكيل المطلق؛ فإنه لا حقّ له في البيع، فيبيع لغرض الموكِّل طالباً مصلحته. ولو قال من عليه الدين لمستحق الدين: "بع هذا الثوب"، ولم يكن مرهوناً، "وخذ حقك من ثمنه". أمّا البيع، فصحيح؛ فإن بيع ذلك الثوب [ليس] (١) مستحقاً له، فهو فيه كسائر الغرماء. وبيعه لا يقع إلا بحكم الوكالة. ثم فَرَّع الأصحاب على العلتين المذكورتين في توجيه أحد الوجهين، فقالوا: إن كان الدين مؤجّلاً، فقال الراهن للمرتهن: " بعه "، فهذا يخرّج على المعنيين؛ فإن منعنا البيع عند حلول الحق لكون البيع مستحقاً على التحقيق الذي مضى، فهذا المعنى مفقود قبل حلول الأجل؛ فإن البيع غيرُ مستَحق للمرتهن، والدليل عليه أن المرتهن لو قال للراهن قبل حلول الأجل: " بعه "، نفذ البيع، وبطل حق المرتهن، كما مضى تفصيله. هذا إن عللنا بالاستحقاق. وإن عللنا بكون المرتهن متَّهماً؛ من جهة استعجال الحق، فهذا المعنى قبل الحلول مفقود أيضاًً؛ فإنه إنما يبيعه بإذنٍ مُطلقٍ، (٢ والبيع بماذنٍ مطلق ٢) قبل حلول الأجل يفك الرهنَ. وإن قال قبل حلول الأجل: "بعه واستوفِ حقك"، على التفاصيل المقدّمة، فتتحقق التهمة، ويخرج وجهان؛ فإن عللنا بالاستحقاق، فلا استحقاق. وإن عللناه بالتهمة، فهي قائمة. وإن قدَّر الراهن ثمناً للمرتهن، فقال: " بعه بكذا "، فإذا باع بذلك المقدار، فقد زالت التهمة. فإن عللنا فساد البيع بالتهمة، صح. وإن عللنا بالاستحقاق، لم يصح.

стр. 3062

فإن قيل: ما وجه التعلّق بالتهمة، وثمن المثل معلوم، فينبغي أن نقول على اعتبار التهمة: إن باع بثمن المثل، صح. وإن باع بأقل منه، لم ينفذ؟ قلنا: وراء ثمن المثل تهمة؛ فإن الشيء قد يطلب بأكثر من ثمن مثله، فيبيعه المتهم بثمن المثل. وسر هذا يأتي في كتاب الوكالة، إن شاء الله تعالى. هذا بيان الوجهين وتفريعهما. ثم لفظ الشافعي دليل على أن البيع بالإذن المُطلق باطل من المرتهن عند حلول الأجل؛ فإنه قال في صدر الفصل: "لو شرط المرتهن إن حل الحقُّ أن يبيعه، لم يجز أن يبيع بنفسه (١) "، فظاهر النص منعُ البيع عند إطلاق الإذن. ومن قال بالوجه الثاني، وهو القياس، أوّل النص، وقال: قوله: " لم يجز أن يبيعه لنفسه " معناه لم يجز أن يبيعه من نفسه؛ فإنَّ تولِّي طرفي العقد لا يسوغ من الوكيل. ٣٦٤٣ - ومما يتفرع على ما ذكرناه أن الراهن لو أذن للمرتهن في البيع مطلقاً عند حلول الحق، فباعه، والراهن حاضر، فمن راعى التهمة، نفذ العقدَ، ومن راعى الاستحقاق، لم يفصل بين البيع في الحضرة وبين البيع في المغيب؛ لجريان الاستحقاق في الموضعين. ولفظ الشافعي في صدر الفصل يدل على صحة البيع بحضرة الراهن؛ فإنه قال: " لم يجز أن يبيع بنفسه إلا بأن يحضره ربُّ الرهن ". ومن منع البيع مع حضوره، وسلك مسلك الاستحقاق، أوّل النص، وقال: فيه إضمار كلامٍ، والتقدير: لم يجز أن يبيعه المرتهن إلا أن يحضره الراهن فيبيعه (٢).

стр. 3063

وهذا على التحقيق استثناء من غير الجنس كما يعرفه ذو الحظ من الأصول. وبنى بعض أصحابنا الوجهين في الصحة والفساد حيث تتطرق التهمة على وجهين، سيأتي ذكرهما في الوكالة، إن شاء الله تعالى. وذلك إذا وكل الرجل وكيلاً ببيع ماله، فباعه الوكيل من أبيه أو ابنه، ففي صحة بيعه وجهان، وسببهما تمكن التهمة من الوكيل في بيعه من أبيه أو ابنه. هذا كله في إذن الراهن في البيع، وترديد القول في إطلاقه وتقييده. ٣٦٤٤ - ومن بقية الكلام في الفصل أَنَّ الراهن عند حلول الحق لو أراد أن يستقلّ ببيع المرهون، وصرف ثمنه إلى المرتهن، لم يكن له ذلك أبداً، فإن طابقه المرتهن، فذاك، وإلا لا خلاص له إلا بأن يرفع الأمر إلى القاضي، ثم القاضي يقول للمرتهن: ائذن في بيعه، وخذ حقك، كما مضى، أو أبرئه عن حقك. ولو سلطنا الراهن على الاستقلال بالبيع، لبطل أثر التوثق، وحبسُ المرتهن، ومنعُه من التصرف. ولو أراد المرتهن أن يبيع الرهن بنفسه، فإن أمكنه مراجعةَ الراهن، واستيفاءَ الحق منه، فليس له أن يستقل بالبيع. وإن غاب الراهن، أو جحد، ولا بينة، وتعذر استيفاء الحق منه، فقد قطع الأصحابُ بتنزيل المرهون، والحالة هذه منزلَة شيء يظفر به مستحِق الدين من مال من عليه الدين. وفيه تفصيلٌ واختلافُ قول سيأتي في كتاب الدعاوى، إن شاء الله تعالى. فإن قيل: فلا أثر للرهن إذاً، إذا كان لا يسلطه على البيع قولاً واحداً. قلنا: أثره يبين في زحمة الديون وضيق المال؛ فإن ذلك إذا وقع قُدِّم المرتهن بالرهن، وإن لم يكن الرهن، وكان قد ظفر بشيء من ماله، وهو تحت يده، استرددناه منه، ورددناه في جملة الأمتعة، وتركناهم يتضاربون على أقدار الديون. وقد نجز الفصل بما فيه.

стр. 3064

فصل قال: " ولو كان الشرط للعَدْلِ، جاز بيعُه ما لم يفسخا، أو أحدهما وكالته ... إلى آخره " (١). ٣٦٤٥ - إذا حل الحق، فقال الراهن أحضر الرهنَ، وأنا أؤدي دينك من مالي، لم يلزم المرتهن أن يُحضره. ولو رفع الأمر إلى مجلس القاضي، والتمس منه أن يُلزم المرتهن إحضارَ الرّهن، حتى يقعَ قضاءُ الدين واستردادُ الرهن بمرأىً من القاضي، لم يُلزم القاضي المرتهن ذلك، وقال: حقه في الوثيقة قائم حتى يؤدَّى دينُه، ثم إن أدّاه فليس على المرتهن إحضارُ الرهن؛ فإن الرهن أمانة وليس على المؤتمن ردُّ الأمانة. نعم، لا يُمنع صاحبُ الأمانة من أَخذها. ولو أراد الراهنُ بيعَ المرهون وأداءَ الدين من غير ثمنه، لم يكن له ذلك. كما تقدّم. ولو قال للقاضي: أريد أن أؤدي حقَّه من ثمن الرهن، فليس للمرتهن أن يُلزم الراهن تحصيلَ الدين من جهةٍ أخرى، ولا فرق بين أن يكون قادراً على أداء الدين من جهةٍ أخرى وبين أن يكون عاجزاً، كما قدمناه من منع البيع فيه، إذا كان يزعم أنه يؤدي الدين من غير ثمن الرهن. ٣٦٤٦ - ومما يليق بتمام البيان في ذلك: أن البيع لو كان لا يتأتى إلا بإحضار الرهن، فلا يكلّف المرتهنُ إحضارَه؛ إذ قد يكون عليه في ذلك كُلْفة أو مؤنة، وعلى الراهن إذا أراد قضاء الدين من ثمن الرهن أن يتكلف إحضارَه، ويبذل مُؤنة إن مست الحاجةُ إلى بذلها، ثم قد لا يثق المرتهن بيده، فلا يسلمه إليه، ولا تنفصل الخصومة إلا بالقاضي، فإنه يبعث من يعتمده، حتى يكون هو المُحضِر. وإن مست الحاجةُ إلى مؤنةٍ، بذلها الراهن. ٣٦٤٧ - ثم نظم الشافعي فصولاً في تعديل الرهن على يد عدلٍ، ومزج بها جملاً من أحكام الوكالات، وقضايا الأمانات. ولو أُخرت إلى مواضعها، لتعطلت فصولُ

стр. 3065

الكتاب؛ فلا وجه إلا ذكرها بما يتعلق بها على الاستقصاء. فإذا وقع التراضي على تعديل الرهن على يد عدلٍ، جاز ذلك، وكانت يدُ العدل نائبةً عن يد المرتهن، ولا شركة في اليد للراهن؛ فإن حق القبض للمرتهن. ولكن لو أراد المرتهن أن يستردَّ الرهن من العدلِ؛ صائراً إلى أن الحق في القبض لي، لم يكن له ذلك؛ من جهة أن الراهن قد لا يثق بالمرتهن؛ وإنما يقع التعديل لهذه الحالة؛ فالراهن وإن لم يكن له حق في القبض، فله حق رعاية ملكه، وقد رأى التعديل وجهاًً في الرعاية. ثم إن أذن الراهنُ للعدل في بيع الرهن عند محِل الحق، وصرفِه إلى المرتهن، لم ينفذ بيعُه دون إذن المرتهن؛ فإن بيع الراهن لا ينفذ إلا على التفصيل المقدّم. فكيف ينفذ بيع وكيله؟ ولو وكل الراهنُ العدلَ بالبيع ورضي بالبيع المرتهنُ، فينفذ بيعُه إذا داما على الرضا. ولو عزله الراهن، ارتفعت الوكالة بالبيع، فإن أراد الراهن أن يبيع العدلُ، جدد توكيلاً. وإن لم يعزله الراهن، ولكن قال المرتهن: "لا تبعه"، بعد أن رضي، لم يبع؛ فإن إذنه معتبر في البيع، وإذا اعتبر إذنه ابتداءً، اعتبر استمراره عليه. وإذا رجع، بطل إذنه. ثم هل يقال: تبطل الوكالة أم لا؟ قال المحققون: الوكالة قائمة؛ فإن العدل في البيع وكيلُ الراهن، وليس وكيلُ الراهن وكيلَ المرتهن. نعم. إذا رجع المرتهن عن الإذن، انخرم شرطٌ في نفوذ تصرف الوكيل، فإذا أعاد الإذنَ، فالوكالة الآن على شرطها، والتصرف نافذ. وذهب بعض الضعفة إلى أن رجوع المرتهن عن الإذن، يوجب رفع الوكالة، فعلى هذا إذا عاد فأذن، فلا بد من توكيلٍ جديدٍ من الراهنِ. وهذا ضعيف غيرُ معتد به.

стр. 3066

٣٦٤٨ - ومما يتعلق بهذا الفصل أن الراهن والمرتهن لو أذنا للعدل في بيع الرهن عند محلِ الحق، واستمرّا على الإذن، فهل يستبد العدل بالبيع، دون مراجعة الراهن والمرتهن؟ أم كيف السبيل فيه؟ ذكر العراقيون وجهين في تعيُّن مراجعة الراهن: أصحهما - أن المراجعة لا تجب. ووجهه بيّن. والثاني - أنها واجبةٌ؛ فقد يبدو له أن يستبقي الرهنَ، ويؤدي الدين من سائر ماله. وهذا يعتضد بأمرٍ يتعلق بالتصرف، وهو أن الاستنابات قِبَل الحاجات تجري في العادات، ثم إذا حقت الحاجة، فالعادة مطردةٌ بالمراجعة، فحُمل المطلقُ على هذا. وهذا ضعيف، والأصل الاستمرار على الإذن. فإن أراد الراهن رفعه، عزله. ولا خلاف أن المرتهن لا يراجع؛ فإن غرضه توفيةُ الحق، وليس له في الرهن حق ملكٍ، أما الراهن، فقد يستبقي الملكَ، ويؤدي من موضعٍ آخر. وهذا ليس خالياً عن الاحتمال، إن صح ذلك الوجه البعيد. فصل قال: " ولو باع بما يتغابن الناسُ بمثله، فلم يفارقه حتى جاء من يزيده، قَبِلَ الزيادة ... إلى آخره " (١). ٣٦٤٩ - هذا من فصول الوكالة، فنفرضه في العَدْل (٢ وهو مُطّردٌ في كل وكيل. فإذا وكّل الراهنُ العدل ٢) ببيع الرهن، ورضي المرتهن، والتوكيل مطلق، فالعدل مأخوذ في إطلاق التوكيل برعاية ثلاث خِلال: أحدها - ألا يبيع بغبن. وسيأتي تفصيل الغبن. والخصلةُ الأخرى - ألا يبيع إلا بنقد. والثالثة - ألا يبيع نسيئة. فإن باع بثمن المثل، وكان مع المشتري في مجلس العقد، فأشرف عليهما من يزيد في الثمن. فنقول: أولاً إذا كانت السلعة تطلب بأكثر من ثمن مثلها، فليس للوكيل أن

стр. 3067

يبيعها ب ثمن المثل؛ وهذه غبينة (١) بين أرباب المعاملات. ٣٦٥٠ - فإذا تمهد هذا، قلنا: إذا جاء من يزيده، فظاهر النص يشير إلى أنه يبيع تلك السلعة ممن يزيد في الثمن. فإذا قَبِلَ (٢) الزائدَ، ترتَّب عليه تحصيلُ الزيادة، وانفساخُ البيع الأول. وهذا قد استقصيناه في أول كتاب البيع. ولا بد من تجديد العهد به. فنقول: من باع سلعة، ثم باعها في زمان الخيار، أو مكان الخيار، ففي هذا البيع أوجه: أحدها - أنه ينفذ. ثم من ضرورة نفوذه انفساخ العقد الأول. والثاني - أنه لا ينفذ، ولا ينفسخ به العقد الأول. والثالث - لا ينفذ، وينفسخ به العقد الأول. وقد ذكرنا الأوجه وفرعناها. فإن وقع التفريع على نفوذ البيع الثاني، وانفساخ الأول، فالوجه أن يبيع؛ فإنه إن قبل من زاد، حصل الغرض، وإن أبى، فالبيع الأول قائم كما كان. ٣٦٥١ - وحق هذه المسألة أن تُرتَّب على الوجه الذي نصفه. فيقال: إن قلنا: البيع في زمان الخيار فاسد، ولا بد من جلب الزيادة الظاهرة من هذا الذي زاد، فالذي يقتضيه مساق الكلام أن فسخ العقد الأول مستحق. وإذا كان كذلك، فلا خِيَرة في إبقاء ذلك، ولا سبيل إلى أن نقول: يلزم الوكيلَ الفسخُ، فيتيعن من مجموع ما ذكرناه أن ذلك العقد ينفسخ، وهذا معنى استحقاق الفسخ، ثم سبب الفسخ تحصيل الزيادة. فلو حكمنا بالفسخ لمّا ظهرت الزيادة، وأردنا البيع ممن زاد، فإن وافق، وابتاع بما كان يذكر، فذاك. وإن امتنع، ولم يُتم ما وعد، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: انقطع العقد [الأول] (٣)، فليبتدىء الوكيلُ بيعاً إن فوض إليه. وهذا أوجه. وقياسه بيّن.

стр. 3068

ومن أصحابنا من قال: إذا أبى هذا الذي زاد، تبين أن الفسخ الذي حكمنا به غيرُ نافذ، فكأنه كان فسخاً موقوفاً على هذا الوجه، وكان سببه الطمع في تحصيل الزيادة، فإذا أيسنا من تحصيلها من هذه الجهة، فالعقد قائم كما كان. وضُرب لذلك مثل (١)، وهو أن الابن إذا بذل الطاعة لأبيه في الحج، فلم يرشحه الأب لذلك، ثم رجع الابن قبل حج الحجيج في تلك السنة، فنتبين أن ما حسبناه استطاعةً، لم يكن استطاعة، ولا يستقر الحج في ذمته. هذا إذا حكمنا بأن الفسخ مستحَق، وبيّنا وجه الاستحقاق فيه، ثم أنهينا التفريع منتهاه في هذا الطريق. قال الشيخ أبو محمد: إذا كان فوض البيعَ عوداً على بدء إلى هذا الوكيل، فلما بدت الزيادة، أراد أن يحصِّلها بأن يبيع من الزائد، وفرعنا على صحة البيع، ونفوذ الفسخ به، فعلى هذه الطريقة لا نحكم بأنفساخ العقد، إذا كان الوكيل سلك المسلك المستصوب. فإن امتنع منه حينئذٍ، حكمنا بالانفساخ، وعاد التفريع إلى ما ذكرناه. ٣٦٥٢ - فامَّا إذا قلنا: لا يصح هذا الطريق، ولا بد من تقدير ارتفاع العقد الأوَّل، فلا سبيل إلى الحكم بوجوب إنشاء الفسخ كما مضى، فرجع الكلام إلى أن البيع في مكان الخيار إن صححناه، وضمّنَّاه الفسخَ، فهو وجهٌ إن أنشأه الوكيل. وإن امتنع منه، أو قلنا: لا يصح البيع، تعين الحكم بالانفساخ، ثم هو نافذٌ، أو موقوف على ما ذكرناه. وممّا لا بد من ذكره أن الوكيل بالبيع لو باع، ثم فسخ العقد، فهل له أن يبيع مرة أخرى؟ فيه تفصيل يأتي في كتاب الوكالة. والقدر الذي نذكره هاهنا أن الأصحاب اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: ليس له أن يبيع إلا بتوكيل جديد؛ فإنه لم يوكل إلا ببيع واحد. ومنهم من قال: له البيع من

стр. 3069

غير توكيل جديد؛ فإنه وُكِّل ببيع يتم ويؤدي إلى الغرض، فإذا لم يتم، وفُسخ، فهو مأمور ببيعٍ يتم على موجَب التوكيل الأول. وسنكشف هذا في كتاب الوكالة، إن شاء الله تعالى. فصل قال: " وإذا بيع فثمنه من الراهن حتى يقبضه المرتهن ... إلى آخره " (١). قوله: " من الراهن "، أي من ضمان الراهن. ٣٦٥٣ - مقصود هذا الفصل ذكر طرفٍ من العُهدة على الوكيل، وبيانُ قرار الضّمان، وذكرُ سببه، فنقول: للعهدة ثلاثةُ أركان في قاعدة المذهب: أحدها - في توجيه الطلب. فنقول: من اشترى بالنيابة شيئاًً لموكِّله، فهل للبائع توجيه المطالبة بالثمن على الوكيل؟ نُظر: فإن عقد العقد بلفظ السفارة، ولم يضف الشراء إلى نفسه فقال: " اشتريت لفلان "، ولم يقل: " اشتريت " مطلقاًً، فلا مطالبة على السفير. والنكاح لما كان لا يعقد إلا بالسفارة، لم تتوجه الطلِبة على السفير القابل للزوج. فإن أضاف الوكيل الشراءَ إلى نفسه، فقال: اشتريتُ، فإن لم يعلم البائع كونَه وكيلاً، فلا شك أنه يطالبه. وإن علم أنه وكيل واعترف به، فله مطالبة الموكِّل، لم يختلف فيه أصحابنا. وإنما اختلفوا في مطالبة سيد العبد المأذون؛ لِما ذكرناه في مسائله. وهل يطالب الوكيل؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: لا مطالبةَ؛ فإنه سفير في الحقيقة، ولم يصرح بالسفارة، فأشبه ما لو صرح بها. والوجه الثاني - أنه يطالبه بالثمن، وإن علم كونَه وكيلاً؛ فإن قوله: اشتريتُ التزام، فإذا كنا نُلزم من يقول: ضمنتُ الدينَ، فلا بُعْدَ لو ألزمنا من يقول: اشتريت أو قبلتُ. هذا ركنٌ من أركان العُهدة. ثم إذا غرم الوكيل، فلا شك أنه يرجع على الموكِّل، ولا تفصيل في ذلك.

стр. 3070

بخلاف ما لو قال من عليه الدين لرجل: " اضمن عني الدينَ ". فإذا ضمنه، وغرِمه، ففي رجوعه على المضمون عنه خلافٌ إذا لم يقيد المضمونُ عنه الإذنَ في الضمان بشرط الرجوع، وهاهنا لا حاجة إلى ذلك، بل نفس عهدة العقد تقتضي الرجوع بعد الغرم إن اتفق ذلك. ٣٦٥٤ - الركن الثاني من العهدة - تصوير خروج المبيع مستحقاً بعد قبض الثمن. فإذا باع الوكيل وسلَّم المبيعَ وتسلم الثمن، ثم خرج المبيعُ مستحقاً، فإن كان عينُ الثمن باقياً، استردَّها المشتري، وردَّ المبيع على مستحقه. ولو تلف ذلك الثمنُ، لم يخل إما أن يتلف في يد الوكيل، وإمّا أن يتلف في يد الموكِّل. فإن تلف في يد الوكيل من غير تفريطه، فللمشتري الرجوع عليه، ووجهه بيّن، فإنَّ دراهمه تلفت في يده، ولم يكن مؤتمناً من جهته، ثم يثبت له الرجوع إلى الموكِّل، فإنه هو الذي ورَّطه فيما انتهى إليه الأمر، لمّا أمره بالبيع وأقامه وكيل نفسه، فيضمن هذا حق الرجوع عليه، وهذا متفق عليه في عُلقة العهدة، ولا محمل له إلا تعريضه إياه لما جرى، فهو من التغرير الذي يجرّ ضماناً لا محالة. وهو بمثابة ما لو أودع الغاصب العينَ المغصوبة عند إنسانٍ، والحال مشكل على المودَع، فالطّلِبة تتوجّه عليه، لثبوت اليد في الظّاهر. ثم إنه يرجع على الغاصب المودع؛ [من جهة أنه غره لمَّا أَوْدع عنده، وإن كان التلف حصل في يد المودَع، فالقرار على الغاصب المودِع] (١). هذا الذي اتفق الأصحاب عليه في الوكيل، الذي نصبه الموكل في البيع والقبض، ثم ثبت الاستحقاق، وقد تلف الثمنُ المقبوض في يد الوكيل، من غير تفريطه. وقد ذكرنا أن للمشتري مطالبةَ الوكيل بقبضه ماله، ثم له الرجوع على موكِّله لتغريره

стр. 3071

إياه، وينتظم منه أن قرار الضمان على الموكِّل؛ فإن أراد المشتري بذلك أن يطالب الموكِّل بالثمن، وما ثبتت يده عليهِ، فلست أرى له ذلك؛ من جهة أن يده ما وصلت إلى عين مالِ المشتري، وإن كان قرار الضمان عليه؛ من جهة الوكيل إذا غرِم، فلم يوجد منه في حق المشتري إلا أنه أمر وكيله بالمعاملة، ومن أمر غيره بغصب مالٍ، لم يصر بأمره غاصباً، فأقصى ما يتخيل في ذلك أنه غرّ وكيلَه، فغرّ وكيلُه المشتري، وهذا لا يوجب انتظام سبب المطالبة بين المشتري وبين الموكِّل، وهذا ما أراه. وكذلك يجب أن يقال: إذا عُقد النكاح على حكم الغُرور، وألزمنا المغرور قيمةَ الولد لسيد الأمة، ثم أثبتنا للمغرور الرجوع على الغار، فقد جعلنا الغارَّ محلاً لقرار الضمان. وليس يتجه أن يقال: لسيد الأمة تغريمُ الغارّ ابتداءً، وإن كان الضمان يتوصّل إليه بطريق رجوع المغرور عليه. وليس هذا كالغاصب إذا أودع؛ فإن للمغصوب منه مطالبة من شاء منهما؛ والسبب فيه أن يد كل واحد منهما اتصل بملك المغصوب منه، فكان مطالَباً لذلك، هذا ما أقدره. ولستُ أنفي احتمالاً يراه ناظر في تثبيت مطالبة الموكِّل في مسألتنا، والغار في بابِ الغرور، من جهة أن استناد حرية الولد إلى التغرير، لا إلى الإيلاد والإعلاق. وكذلك القول في الوكيل والموكِّل. فهذا بيان ما أردناه، والميل إلى الأول. وقد صرح العراقيون بأن المبيع إذا خرج مستحقاً، وقد تلف الثمن في يد الوكيل، من غير تقصيرٍ منه، فلا يرجع المشتري على الوكيل أصلاً، وإنما يرجع على الموكِّل. وهذا تصريح منهم بأن المشتري يطالِب المغرِّر. وألفاظ المراوزة تدل على أنه لا تتوجه المطالبة على الموكّل، وإنما يطالب الوكيل، ثم إذا غرِم الوكيل، رجع على الموكّل. ونفيُهم مطالبةَ الوكيل بعيدٌ عن قياس المراوزة. والذي تحصل من ذلك أن الضمان متعلق بالموكِّل استقراراً. والذي يظهر القطع به أن الوكيل مطالَبٌ. وفيه وجه ضعيف حكيتُه عن العراقيين، وفي توجيه

стр. 3072

المطالبة على الموكِّل ابتداء (١ ترددٌ. والذي ظهر من كلام المراوزة أنه لا يطالب ابتداءً ١) والذي صرح به العراقيون: أنه يطالبه المشتري ابتداءً. ٣٦٥٥ - وكل هذا إذا تلف الثمن في يد الوكيل، ولم ينته إلى يد الموكل. فأمّا إذا انتهى إلى يد الموكِّل، فتلف في يده، فلا شك أن المشتري يوجّه المطالبةَ على الموكِّل؛ فإن يده ثبتت على ماله، وإنما التردد المتقدم فيه إذا تلف الثمن في يد الوكيل، فإذا ثبت أن الموكِّل مطالَب من جهة المشتري ابتداءً، فهل له مطالبة الوكيل؟ نُظر فيه: فإن لم يمرّ الثمنُ بيد الوكيل، فلست أرى لمطالبة الوكيل وجهاًً إذا لم تثبت له يدٌ، والعقد لم يصح، حتى يتضمن عهدةً متعلقة بمن تولى العقد؛ إذ المبيع خرج مستحقاً. وإن مرَّ الثمن بيده، وانتهى إلى يد الموكِّل، ففي مطالبة الوكيل في هذه الصورة جوابان ظاهران في طريقة المراوزة؛ (٢ من جهة أن الوكيل متوسط، وقد بلغ المال منتهاه، وتلف في يد الموكِّل، والوكيل مؤتمنٌ ٢)، من جهة موكِّله، والمشتري وإن لم يوكِّله، فإنه يسلم الثمنَ إليه، ليسلّمه إلى موكِّله، فكأنه من هذا الوجه مؤتمن -من جهة المشتري- مأذون (٣) له في إيصال الثمن إلى موكله. وقيل تتعلق الطَّلِبة به؛ لأن أخذ المال كان على حكم العُهدة. وكل ما ذكرناه فيه إذا باع العدل بتوكيل الراهن، وأذن المرتهن، ثم جرى ما وصفناه. ٣٦٥٦ - فأمّا إذا تولى الحاكم بنفسه بيعَ الرهن عند اتصال الخصومة بمجلسه، وقبض الثمن ليوصله إلى جهته، فتلف في يده، ثم خرج المبيع مستحقاً، فقد أجمع أصحابنا على أن الحاكم لا يتعلق به طَلِبةٌ، ولا ضمان، ولا يقال: يطالَب به، ثم يرجع؛ فإن الحكام لو تعلقت بهم العهدة في العقود التي يُنشِئونها لظاهر الاستصلاح،

стр. 3073

لعظم الأمرُ وكثرت المشقة، فاتفق الأصحاب على إخراج الولاة في أمثال هذه العقود عن العهد، والطّلِبةِ، والتغريمِ، ابتداء وقراراً. وإذا كان كذلك، فلا بد من إثبات الرجوع؛ فإن حق المشتري لا يضيع، والرجوع ابتداءً على الراهن لا خلاف فيه. فإن قيل: ليس الراهن موكّلاً في عقدٍ يُتخيّل مرجوعاً عليه، وإنما الحاكم فعل ما فعل؛ فكان يجب أن يقال: لم يصدر من الراهن عقدٌ ولا توكيل في عقد، والحاكم لا يضمن، فلا يجد المشتري مرجعاً. قلنا: هذا لا قائل به. وسبب تضمين الراهن أنه رهن ملكَ غيره، وكل من رهن شيئاًً، فقد عرَّضه للبيع على استحقاقٍ. وهذا أبلغ من وكالة تقبل العزل على الاختيار. فالحاكم بنى بيعه على حكم رهنِه، فقد صار بالرهن إذاً مغرِّراً، كما تقدم. وهذا يعضد توجيهَ المطالبة على الموكِّل ابتداء في المسألة الأولى؛ [فإنا لما رفعنا الحاكم من البَيْن (١)، ووجهنا المطالبة على الراهن، فهو (٢) في هذه المسألة بمنزلة الموكِّل في المسألة الأولى] (٣) ونص الشافعي فيمن مات وخلف تركة مستغرقة بالدين، فباع الحاكم تركته، وتلف الثمن في يده قبل أن يصرفه إلى الديون المحيطة بالتركة، ثم خرج المبيع مستحقاً، قال الشافعي: لا عهدة على الحاكم ولا طَلِبةَ، والعهدة على الميت، وتركتِه. فإن قيل: إن كان الراهن في المسألة التي ذكرتموها الآن مغرراً، برهنه، من حيث كان مقتضى الرهن التعريضَ للبيع. فما سبب تعليق الضمان بذمة الميت في المسألة الأخيرةِ؟ قلنا: احتواؤه على المغصوب حتى يتعلق به الدين إذا مات تسبُّبٌ منه إلى تسليط الحاكم على البيع، والسبب المضمِّن قد يقرُب، وقد يبعد.

стр. 3074

٣٦٥٧ - فهذا إذا تولى الحاكم البيعَ، وأمّا إذا نصب أميناً، فباع الأمين الرهنَ، أو عيناً من التركة بإذن الحاكم، وتلف الثمن في يد الأمين، ثم تبين الاستحقاق؛ فلأصحابنا وجهان مشهوران: أحدهما - أنه لا تتعلق الطَّلِبة بالأمين؛ من جهة أنه منصوب من مجلس الحاكم، فكان كالحاكم. وهذا ظاهر نص الشافعي. ومن أصحابنا من علق الطَّلِبةَ بالعَدْلِ، وإن كان منصوباً من جهة الحاكم. وهذا بعيد عن النص والقياس -وإن كان مشهوراً- فليس ينقدح الفرقُ بين الحاكم وبين منصوبه؛ فإن الحكام لا يتعاطون جملة العقود بأنفسهم، وما يفوضونه إلى الأمناء أكثر مما يتعاطَوْنه. ولو تعرض الأمناء من جهتهم لغرر العُهدة، لامتنعوا عن مباشرة الأمور، ويضيق بهذا السبب الأمرُ على القضاة. فإذا حططنا الطَّلِبةَ عن الحاكم؛ صيانةً لمنصبه، وجب طردُ ذلك في أمينه. وقد قال أئمتنا: إذا ادّعى رجل محكوم عليه أن القاضي ظلمني، وتحيَّف عليَّ في حكمه، فلا تقبل دعواه على الحاكم نفسِه، فإنا لو فتحنا هذا البابَ، لانطلقت ألسنُ الخصوم على الولاة. وفي هذا ترتيبٌ وتفصيل، سنذكره في أدب القضاة، إن شاء الله تعالى. ٣٦٥٨ - فحصل من مجموع ما ذكرناه مراتب: إحداها - الوكيل الذي ينصبه الحاكم. وقد مضى القول في مطالبته ورجوعه، ومطالبة موكِّله. والمرتبة الثانية - في تصرف الحكام بأنفسهم. والثالثة - في تصرف الأمناء المنصوبين من جهة الحكام. وقد نجز هذا الركن من أركان العهدة. وليعلم الناظر أن ذلك ليس من عهدة العقد؛ إذ لا عقدَ مع الاستحقاق، ولكن القول في هذا دائر على التغرير والتسبب إليه، مع ثبوت الأيدي للمتوسّطين. ٣٦٥٩ - والركن الثالث - من العهدة يتعلق بالرد بالعيب. وليس هذا موضعه. وسنأتي به مبسوطاً في كتاب الوكالة، إن شاء الله .

стр. 3075

ثم قال الشافعي: إذا بيع الرهن، وخرج مستحقاً، لم تتعلق عهدة الثمن بالمرتهن أصلاً؛ إذ لم تثبت يده عليه، فإن الرهن، وإن بيع في حقه، فلم يأت من جهته تغرير، ولم تثبت يده على مال المشتري، وعينُ الرهن قد قبضها مستحقها. وقال أبو حنيفة: يتعلق العهد بالمرتهن. وقد رمز الشافعي إلى الرد عليه فقال: " وليس الذي بيع له الرهن من العهدة بسبيل " (١). فصل قال: " ولو باع العدلُ (٢)، وقبض الثمن، فقال: ضاع مني، فهو مصدق ... إلى آخره " (٣). ٦٣٦٠ - العدْل إذا وكله الراهنُ بالبيع، ورضي المرتهن، فباع وقبض الثمن، ثم قال: ضاع الثمن في يدي من. غير تقصير، فهو أمين مصدَّق، وإن اتّهم حُلِّف. وهذا لا شك فيه. فلو ادعى العدل أنه دفع الثمن إلى المرتهن، فإن صدقه المرتهن، فذاك، وإن كذبه نُظر: فإن كذبه الراهن أيضاًً، توجه الضّمان على العدل. أمّا المرتهن، فلا شك أنه لا يقبل قول العدل عليه والقول قوله إني لم أقبض حقي، وقول العدل غير مقبول على الراهن في هذا المقام؛ من جهة أنه وإن كان أميناً في حقه، فقد ادعى تسليم المال إلى من لم يأتمنه، وقصر إذا لم يُشهد مع إمكان الجحود. ولو قال الراهن: صدقتَ فيما ادعيتَ، وأنا أعلم أنك سلمت إلى المرتهن ما قبضت، فهل يضمن العدل والحالة هذه؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - لا يضمن لتصديق الراهن إياه. والثاني - يضمن لتقصيره في ترك الإشهاد. ولهذا نظائر ستأتي، إن شاء الله تعالى.

стр. 3076

ولو صدقه الراهن في التسليم، واعترف بأنه كان أشهد، ولكن مات شهوده؛ فلا ضمان. ولو ادعى العدل أني كنتُ أشهدتُ ولكن مات شهودي، أو غابوا، وأنكر الراهن إشهاده، واعترف بتسليمه إلى المرتهن، فإن قلنا: اعترافه بتسليم الثمن إلى المرتهن كافٍ لتبرئة العدل، فلا إشكال. وإن قلنا: يضمن العدل وإن صدقه الراهنُ لتقصيره، فهل يضمن إذا ادعى الإشهاد وأنكره الراهن؟ فعلى وجهين: ذكرهما صاحب التقريب. ومُدرَك توجيههما لائح. ولا خلاف أن الراهن لو شرط على العدل أن يُشهد على تسليمه، واعترف العدل بأنه لم يشهد، واعترف الراهن بأنه سلم إلى المرتهن، فالضمان يجبُ في هذه الصورة وجهاً واحداً؛ من جهة أنه خالف شرطَ موكله. وإن لم يكن شرط، فالمسألة على التردد في أن الاحتياط هل يُلزم العدلَ الإشهادَ. هذا مأخذ الكلام. فصل قال: " ولو قال أحدهما: بع بدنانير ... إلى آخره " (١). ٣٦٦١ - إذا حل الحق، فقال الراهن للعدل: بع الرهن بالدنانير، وقال الآخر: بعْ بالدراهم، فلا يبيع بواحد منهما، فإن بيع العدل ينفذ إذا صدر عن توكيل الراهن، أو رضا المرتهن، فإذا تخالفا، لم يمتثل قول واحد منهما، بل يرفع القضية إلى مجلس الحكم، ثم الحاكم يبيع، أو يأذن لمن يبيع بنقد البلد، إن رأى المصلحة فيه. وهذا بيّن لا خفاء به.

стр. 3077

فصل قال: " وإن تغيرت حال العدل ... إلى آخره " (١) ٣٦٦٢ - إذا توافق الراهن والمرتهن على تعديل الرهن على يد عدلٍ، فإن أرادا رفعَ الرهن من يده وردَّه إلى آخر، جاز ذلك، فالحق (٢) لا يعدوهما. وإن أراد الراهن أن يتحكم بإزالة يد العدل، ويرد الرهن إلى يدِ آخر، لم يكن له ذلك؛ فإن حق القبض للمرتهن، فلا يجوز التصرف في اليد دون إذن المرتهن. ولو أراد المرتهن أن يرفع الرهن من يد ذلك العدلِ دون إذن الراهن، لم يكن له ذلك، لا شك (٣) فيه. والعدل في نفسه لا يرد الرهن على الراهن دون المرتهن، ولا يرد على المرتهن دون الراهن، فإن فعل، صار ضامناً، فإن دفعه إلى المرتهن دون إذن الراهن، ففات في يده، ضمن القيمة للراهن. وإن دفعه إلى الراهن دون المرتهن، (٤ ضمن للمرتهن ٤) إذا فات الرهنُ في يد الراهن. ثم ينظر: فإن كان الحق حالاًّ، فيضمن للمرتهن أقلَّ الأمرين من دَيْنه أو قيمةِ الرهن. وإن كان مؤجلاً، فعليه كمالُ القيمة، ليكون رهناً عند المرتهن. وهذا يلتفت على أصل، وهو أن من يستحق ديناً مؤجلاً قد لا يجبره من عليه الدين على قبول حقه قبل محِلِّه، وقد مضى تفصيل ذلك في مواضع. ٣٦٦٣ - فالغرض إذا ينكشف بذكر صورتين: إحداهما - أن يساعد الراهنُ العدلَ، فيخرَّج الأمر على ترتيب تعجيل الدين المؤجل، وتوفير المعجّل (٥). ومساعدة الراهن

стр. 3078

بأن يأذن للعدل في أداء الدين، أو يؤدي الدينَ بنفسه. ويكفينا الآن التصوير في إذنه للعدل بأن يؤدي الدين. فينتظم الفرق بين الحالّ والمؤجل. فإن كان الدين حالاً، لم يلزمه إلا أقلُّ الأمرين، كما ذكرناه، تفريعاً على أن من أدى دينه المعجل، لم يكن له أن يمتنع عن قبوله. وإن فرض في الدين المؤجل، ففي الإجبار على القبول التفصيل المذكور. فإن قلنا: لا يجبر من له دين مؤجل على قبوله، تعيّن على العدل أن يضع قيمةَ الرهن رهناً إلى حلول الدين. وإن قلنا: يجبر على قبول الدين، فالكلامُ في الدين المؤجل كالكلام في الدين الحالّ. وهذا كله إذا أذن الراهن له في أداء الدين. فأما إذا لم يصادِف الراهنَ حتى يستأذن منه، أو لم يأذن له الراهنُ في أداء الدين، فلا يجب على المرتهن أن يقبل الدين منه، مؤجلاً كان أو حالاً. بل يقول: لستَ مأذوناً من جهة من عليه الدين، ولا أقبل تبرعك بأداء الدين. وإذا كان كذلك نُظر: فإن كان الراهن حاضراً، قاله له العدل: رددتُ عليك الرهن، وأنت المالك، فخلِّصني [بالإذن] (١) في أداء الدين، أو بأداء الدين. وإنما [تحسن] (٢) هذه المسألة إذا كان الدين أقلَّ من قيمة الرهن، وقَبْل أن تتفق مفاوضة الراهن بما ذكرناه يغرَم (٣) للمرتهن قيمة الرهن، وإن كانت ألفاً، والدين دينار (٤). ثم إذا تمكن من الراهن، ففاوضه، فقال الراهن: لست آذن لك في أداء الدين، ولست أؤديه، وكان المرتهن لا يطالب أيضاً، فهذا يؤدي إلى تعطيل مال عظيم على العدل من غير فائدة، ولكن القيمة مرهونة، والراهن مأمورٌ بتخليصها إذا كان الدين

стр. 3079

حالاًّ، كما يؤمر المستعير بتخليص العبد (١) لمعيره، كما سنذكر؛ فإن تغريم القيمة لغير المالك، والعين مردودة على المالك يستحيل أن تبقى على التأبد بغير نهاية، فيتعطل مال بأن يتواطأ الراهن والمرتهن. ولو كان عين الرهن قائمة، فهي مستردة من الراهن. وإن تلفت، فضمان القيمة لتوضع رهناً متوجه على الراهن. ولو غرم العدل للمرتهن قيمةَ الرهن، وقد سلمه إلى الراهن، فله الرجوع بما غرم على المالك الراهن. فإن (٢) فاتت العين، فإنه يقول: إنما غرمت بسبب أخذك الرهن بغير حق، فأرجع عليك. ولو كان الرَّهن قائماً في يد الراهن، لوجب رده على حكم قبض المرتهن. وهذا بيّن. وما ذكرناه فيه إذا أعرض المرتهن عن مخاصمة الراهن. وتشبث بالعدل. والتفصيل ما ذكرناه. فصل ٣٦٦٤ - ثم ذكر الشافعي تغير حال العدل عن العدالة، وبنى عليه أنه إذا فسق، فللراهن ألا يرضى بيده، وإن رضي الراهن، فللمرتهن ألا يرضى؛ فإن الحق ثابت لهما. أما الراهن، فله طلب الاسترداد والاستبدال به؛ محافظة على [ملكه، وللمرتهن مثل ذلك محافظةً على وثيقته] (٣)، وإذا جنى العدل عمداً على الرهن، فهو منه فسوق، ولو جنى خطأً، لم يفسق، ولزمه أرش جنايته، والرهن مُقَرٌّ تحت يده، ولو كان من عدّل الرهن عنده (٤) فاسقاً في الابتداء وكانا عالمين بفسقه، فأراد أحدهما أن يرفع يده عن الرهن، لم يكن له ذلك.

стр. 3080

فإن ازداد فسوقاً إلى فسوقه المتقدم، كان ذلك بمثابة فسوق العدل. وقد سبق التفصيل فيه. ثم ذكر الشافعي بعد ذلك أن العدل لو أراد أن يودع الرهن الكائن تحت يده عند إنسان، فكيف حكمه؟ وهذا لا اختصاص له بالرهن، وسأذكره مستقصى في كتاب الوديعة، إن شاء الله تعالى. فصل قال: " ولو جنى المرهون على سيده ... إلى آخره " (١). ٣٦٦٥ - إذا رهن الرجل عبداً وسلمه إلى المرتهن، فجنى على السيد الراهن، فلا يخلو: إما أن يجني على طرفه وإما أن يجني على نفسه. فإن جنى على الطرف، لم يخل: إما أن يكون موجباً للقصاص أو للمال، فإن كان موجباً للقصاص، فللسيد الراهن أن يقتصّ منه؛ لأن عماد القصاص الزجرُ وشفاءُ الغيظ. والحاجةُ ماسة إلى زجر العبيد عن الجناية على السادة، وشفاءُ الغليل مما يحتاج السيد إليه، فله القصاص. وإن كان يؤدي إلى إبطال حق المرتهن من الوثيقة. ومهما (٢) جرى من المرهون ما يوجب القصاص، لم يندفع القصاص بسبب حقِّ الغير في المالية. وإن كانت الجناية موجبة للمال في جنسها، أو كان موجباً للقصاص، فعفا السيدُ على مال، فلا يثبت المال أصلاً؛ لأن السيد لايستوجب في ذمة عبده مالاً على الابتداء قط. وإذا لم يثبت له حق مال في رقبة عبده، ولم يثبت القصاص، أو ثبت وسقط، فيبقى العبد مرهوناً إلى الفكاك. هذا ما أجمع عليه الأصحابُ، ولم يحكِ أحدٌ فيه خلافاً إلا صاحبُ التقريب، فإنّه ذكر وجهاً بعيداً فقال: ذهب ابن سُريج إلى أَنَّ للسَّيد أن يبيع من العبد الجاني بقدر

стр. 3081

أرش الجناية؛ حتى ينفك الرهن في ذلك المقدار، فيثبت له هذا الحق، وإن كان لا يثبت له دين على عبده. وهذا ضعيف جداً، حكيناه ولا نعود إليه. هذا إذا كان تعلُّق الجناية بالطرف. ٣٦٦٦ - فأما إذا قتل العبد المرهونُ السيدَ الراهن، فإن أراد ورثتهُ الاقتصاصَ، كان لهم ذلك. وإن لم تكن الجناية جنايةَ قصاص، أو ثبت القصاص فأسقطوه بالعفو، فلا يثبت لهم عُلقة مالية؛ فإنا إن قلنا: الدية تجب للمقتول (١)، ثم تنتقل منه إلى وارثه، فعلى هذا لو أثبتنا الدية للسيّد، لأثبتناها للمالك. وقد ذكرنا أن ذلك محال. وإن فرَّعنا على أن الدية تثبت ابتداءً للورثة، فهم يملكون رقبة العبدِ الجاني، في الوقت الذي يملكون فيه الدَّيْن لو أمكن ملكهم فيه. وكما لا يطرأ ثبوت الدين للسيد على ملكه، وكذلك لا يقترنان؛ فإنهما على حكم التناقض يتجاريان، فكيف فرض الأمر لم يثبت للورثة حق مالي؛ فيبقى العبد مرهوناً، كما كان، على المذهب المقطوع به. ٣٦٦٧ - ولو جنى العبد المرهون على ابن السيد الراهن، نُظر: فإن كانت الجناية على الطرف، فللابن القصاصُ، فإن استوفاه، فذاك. وإن عفا على مالٍ، أو كانت الجناية مالية، فالعبد يباع في الأرش، ويفك الرهن. وإن لم يتفق من الابن تحصيلُ ذلك، والمطالبه به حتى مات، وورثه أبوه الراهن، لم يُخَلِّف (٢) وارثاً غيرَه، فهذا موضع تردد الأصحاب. منهم من قال: يثبت للأب حق فك الرهن على ما تقتضيه الجناية؛ فإن المال لم يثبت له ابتداءً حتى يحكم باستحالته. ومن أصحابنا من قال: لا يثبت حق فك الرهن. وبنى الأئمة هذا الاختلافَ على أصل، وهو أن من استحق دين على عبداً، ثم

стр. 3082

ملكه، فالدين الثابت قبل الملك هل يسقط بطريان الملك؟ فيه خلافٌ مشهور. فإن حكمنا بأن الدين يسقط بالملك الطارىء، قال الأصحاب: فعلى هذا لا يثبت للأب إذا ورث ابنَه حقُّ فك الرهن، وسقط بما جرى الاستحقاقُ. وإن قلنا: الدينُ لا يسقط بالملك الطارىء، فقد قال الأصحاب للأب حقُّ فكِّ الرهن في مسألتنا. هذا ما اشتملت عليه الطرق، واتفق الأصحاب عليه، كأنهم تواصَوْا فيه، وهو في نهاية الإشكال؛ من جهة أن الملكَ في العبد مستدامٌ، والإرث إن أثبت له ملكاً أثبته جديداً على مملوكه، فكيف يكون الاستحقاق الطارىء على الملك بمثابة الملك الطارىء على الاستحقاق؟ ولكن الأصحاب قالوا: إذا ثبت دينٌ، ففي سقوطه بالملك الطارىء خلاف. فإذا ثبت الدين لغير المالك، ثم انتقل إلى المالك، فيخرّج هذا على الخلاف؛ فإن أصلَ الدين ثبت (١). فهذا هو المنتهى في ذلك، نقلاً وتنبيهاً. وكان القول فيه يتعلق بأن العبد له ذمة، ولا احتكام للسيد عليه فيها. وإنما منعْنا معاملةَ السيد عبدَه القن، من جهة أنا لا نرى للعبد استمكان الخروج عما نقدّره لازماً، والرق لا نهاية له. فإذا فرض للدين ثبوت في جهة، فكأنهم على وجهٍ لا يستبعدون (٢ انتقاله إلى السيد بعد ارتباطه بالذمة، كما لا يستبعدون ٢) بقاء الدين إذا طرأ الملك. وكل ما ذكرناه فيه إذا جنى المرهون على طرف ابن الراهن ثم مات بسبب آخر. ٣٦٦٨ - فأما إذا قتل المرهونُ ابنَ الراهن، فإن كان القتل موجباً للقصاص، فقد مضى القول في القصاص، ووضح أنه لا دفع له إذا أراده مستحقُّه، وإن كان القتل خطأً، رتب الأئمة القولَ في ذلك على اختلافٍ سيأتي في الديات، في أن الدية تجب

стр. 3083

للقتيل أولاً، ثم تنتقل إلى ورثته، أم تجب ابتداءً للورثة. قالوا: إن قلنا: تجب للورثة ابتداءً، فلو أثبتناها، لأثبتناها للسَّيد الوارث ابتداءً. وهذا لا سبيل إليه، فلا يثبت له حق فك الرهن. وإن قلنا: الدية تثبت للمقتول، ثم تنتقل إلى ورثته، فهذا في الترتيب كأرش الطرف، إذا ثبت للابن، ثم مات بسبب آخر. وقد فصَّلنا هذا. ٣٦٦٩ - ولو جنى العبد المرهون على عبد الراهن تُصوِّرت مسائل عند ذلك: إحداها - ألا يكون ذلك العبدُ المجنيُّ عليه مرهوناً، فحكمه حكم ما لو جنى على نفس الراهن. أمَّا القصاص، فإلى المولى، وأما المال، فلا يثبت كما مضى. ومن المسائل أن يجني العبد المرهون على عبد آخر للراهن مرهون عند إنسان آخر، أما القصاص، فكما مضى. وإن كانت الجناية مالية، أو آل الأمر إلى المال، فقد تحقق اعتراض على حق المرتهن الذي قُتل العبد المرهون عنده، فإن كانت قيمةُ العبد القاتل مثلَ قيمة المقتول، أو أقلّ منها، بعناه، ووضعنا ثمنه رهناً بدل العبد المقتول. وإن كانت قيمة الجاني أكثر، فنبيع منه قدرَ قيمة المقتول، ونضعه رهناً، وإن كان التشقيص يتضمن تعييباً، ففي بيع بعضه إبطالُ حق المالك، وفيه أيضاًً إبطال حق المرتهن الذي جنى العبد المرهون عنده. فإذا رضي المالك، ومرتهنُ الجاني ببيع كلِّه، بعناه، وصرفنا مقدار قيمة المقتول إلى مرتهن المقتول، وجعلناه رهناً عنده، وتركنا الباقي عند مرتهن الجاني. وإن قال مرتهن الجاني: لست أرضى ببيع الفاضل منه عن قدر القيمة، وقال المالك: لست أرضى بتنقيص ملكي بسبب التشقيص. وقد يفرض هذا على العكس بأن يرضى المالك بالتشقيص، ولا يرضى المرتهن، فالذي يدل عليه كلام الأصحابِ أنّا نرعى المصلحةَ ولا نبالي بمن يحيد عنها؛ فإن المالية هي المقصودة، فإذا اجتمع اعتبار المالية، وحقُّ الاختصاص بالغير، فالمالية أولى بالرعاية، وإذا لم يكن بد من إجابة أحدهما واستحال الجمع، فلا فرق في تقديم جانب على جانب، إلا رعاية المصلحة.

стр. 3084

٣٦٧٠ - ومن تمام البيان في ذلك أن قيمة الجاني لو كانت مثلَ قيمة المقتول، وكنا نفك الرهن بسبب مرتهن المقتول، فلو قال الراهن لمرتهن المقتول: لا غرض لك في بيع هذا العبد، فاكتف برقبته، حتى أفك رهن مرتهن الجاني، وأنقلَ حقك إلى رقبته، فإن رضي بذلك مرتهنُ المقتول، جاز وفسخ الرهن في حق مرتهن الجاني، ولا مجال له في المناقشة في هذا؛ فإن حقه إذا كان يرتفع، فتعلقه باستدعاء البيع فضول. أما مرتهن المقتول إذا قال: لست أبغي هذا العبدَ، فبعه، وضع ثمنَه رهناً، فهل يجاب إلى ذلك؟ ذكر شيخي وصاحب التقريب وجهين في هذا: أحدهما - أنه لا يباع؛ فإن حقه عاد إلى المالية، والعبد الجاني قد تعلق الأرش برقبته، فهو أقرب من قيمته. والوجه الثاني - أنه يجاب فيباع؛ فإنه يقول: كان حقي في رقبة العبد الذي قتل، فإذا قتل، فحقي في قيمته، فلا أرضى إلا بها. ولا خلاف أنه لو أتى بعبدٍ آخر، وأراد أن يُجبر المرتهنَ على قبوله رهناً، بدل العبد المقتول، لم يُجبَر المرتهنُ على قبوله؛ فإنه ليس قيمة، ولا متعلّق قيمة والعبد الجاني قد تعلق القيمةُ برقبته. ولم نطوّل الفصلَ بذكر القتل الواقع عمداً، مع تصوير العفو مطلقاًً، أو على مال. وتخريجه على اختلاف الأقوال، ولكنا نذكر قولاً وجيزاً، فنقول: إذا ثبت حق القصاص للراهن على العبد المرهون، وكان قتل عبداً آخر مرهوناً عند آخر، فإن أراد الاقتصاصَ، فلا منع، وإن أراد العفو على مالٍ، ثبت المال، وتعلق به حق مرتهن المقتول. وإن عفا على غير مال، فهو في العفو على غير مالٍ كالمفلس يعفو عن قصاصٍ، ثبت له على غير مالٍ، والديون محيطةٌ والحجر مطرد، وذلك لأن الراهن محجورٌ عليه حجرَ خصوصٍ في المرهون، كما أن المفلس محجور عليه. وتفصيل هذا يأتي في كتاب الجراح، إن شاء الله تعالى. وكل ما ذكرناه فيه إذا قتل عبد مرهون عبداً آخر لذلك الراهن، وكان مرهوناً عند رجل آخر.

стр. 3085

٣٦٧١ - فأما إذا رهن رجل عبدين عند آخر، فقتل أحد العبدين الآخر، فإن كانا مرهونين بدين واحد، فقد فات العبدُ الذي مات، والعبدُ الباقي مرتهنٌ بجميع الدين، ولا حاجةَ إلى تكلف نقل، وكنا هكذا نقول لو مات أحدهما حتف أنفه. فأمّا إذا رهن كلَّ واحد من العبدين بدينٍ مغاير للدين الآخر. فإذا قتل أحدُ العبدين الثاني، وقال المرتهن للراهن: قرِّر الدينَ المتعلقَ برقبة القاتل، وانقل إلى رقبته الدينَ الذي كان متعلقاً برقبة العبد الذي قُتل، فلسنا نجيبه إلى ذلك. اتفق الأصحاب عليه، فليقطع الناظر إمكان ذلك عن فكره؛ والسبب فيه أنه ما لم يفك عن الرهن المتعلِّق به، لا يتصور ربطُ دين آخر به. هذا سبيل اعتراض الجنايات على المرهون. فإذا أردنا تقريرَ الرهن الأول، ونقلَ الدين الثاني، لم يكن ذلك على مقتضى تأثير الجناية في الرهن. فإذا ثبت هذا، نظرنا بعده، وقلنا: إن كان [الدين] (١) المتعلق بالقاتل أكثر من الدين الذي كان متعلقاً بالمقتول، فلا فائدة في نقض (٢) رهن القاتل، ونقل رهن المقتول إليه، وليقع الفرض فيه إذا استوى الدينان في التأجيل والتعجيل، كذلك إذا استوى مقدار الدينين مع ما ذكرناه. فلا غرض، فإذا استدعى المرتهن النقل، لم نسعفه واعتقدناه ملتمساً شيئاًً غير مفيد. نعم لو قال: بيعوا هذا الجاني، وضعوا قيمته رهناً؛ فإني لا آمنه، وقد يبدر منه ما بدر، والقيمة أبعد عن قبول الآفات من العبد، فهل يجاب لهذا الغرض إلى ما يريد؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: نجيبه إلى مهواه؛ فإنه ذكر غرضاً صحيحاً، وقد حدث ما يوجب تغييراً على الجملة. والثاني - أنا لا نجيبه كما لو ارتهن عبداً، فبدر منه هناةٌ قرَّبته من الهلاك، فقال: بيعوه أثق بثمنه (٣)، لم نجبه إلا أن يمرض مرضاً يخافُ موته، فيلحق التفصيل بالمطعوم الذي يُسرع الفساد إليه. وقد مضى.
следующие страницы →