بحكم الخيار مستفاد بعقدٍ مضى في حالة الإطلاق، فهو مستند إليه، وما يجري منه
لا يحمل على تصرف مبتدأ.
والذي يوضح ذلك أن الحجر يطَّرد على الأملاك الثابتة؛ فإنها مهيأة للتصرف إلى ديون
الغرماء، والمعقود عليه على حكم الخيار ليس كذلك؛ فإنه لا يؤثر الحجرُ فيه، ومساق
ذلك يقتضي استثناءَه [عن] (١) حكم الحجر، وبقاءه على موجب الإطلاق. وليس المفلس
منظوراً له بخروجه عن الاستقلال، وإنما سبب الحجر عليه قَصْرُ تصرفه عما يجب صرفه
إلى الدَّين، وهذا إنما يتحقق في الأملاك اللاّزمة؛ فإذاً لا يفصل هذا القائل في تنفيذ
الفسخ والإجازة بين البائع والمشتري، ولا يخصص ما ينفذه بقولنا: لا يحصل الملك
في زمان الخيارِ للمشتري؛ بل يطرده على كل قول، في كل حالٍ.
هذا بيان هذه الطريقة.
ولو جن المشتري في زمن الخيار، وانتصب قوّامٌ عليه، فلا بدّ من رعاية مصلحته
في الفسخ والإجازة؛ لأنه منظور له، ولا وجه لتصرف وليه إلا طلب مصلحته.
٣٩٤٣ - والطريق الثاني - يُبيّنُه تفصيلٌ، فنقول: من اشترى على شرط الخيار، ثم
فُلّس- في مدة الخيار، فرعنا ذلك على القولين في حصول الملك. فإن قلنا:
لا يحصل الملك في المبيع للمشتري، فإن فرع المشتري أو أجاز على وفق (٢)
الغبطة، فلا شكّ في نفوذ ذلك. ولم يختلف (٣) أصحابنا في تنفيذ الفسخ والإجازة
منه. وإن كان لا ينفذ بيعه في أمواله التي شملها الحجر، وإن وافق الغبطة. وفي
شرائه كلام سيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وهذا يوضح أن التصرف بالفسخ والإجازة مستثنى على الجملة عن التصرفات.
فأمّا إن فرع أو أجاز على خلاف الغبطة، قلنا: أمَّا الفسخ على خلاف الغبطة،
فنافذ؛ فإنه ليس يُخرِجُ به عن ملكه شيئاًً، وإنما يمنع به عن جلب ملك، والتفريع
على أنه لا ملك له في زمان الخيار في المبيع والثمن قارٌّ على ملكه؛ فقد بقي بالفسخ
стр. 3257
على ملكه الثمن، ولم يحصل له الملك في المبيع. ورجع ترك نظره إلى عدم الكسب والجلب، وليس على المفلس أن يكسب وإن قدر عليه. هذا إذا فسخ.
وأمَّا إن أجاز العقد على خلاف الغبطة -والتفريع على أن لا ملك له في المبيع في زمان الخيار- فإجازته على خلاف الغبطة مردودة؛ من جهة أنه يُخرج بها الثمنَ عن ملكه، على خلاف المصلحة، وليس له أن يُخرج عن ملكه شيئاًً على خلاف الغبطة.
وإن قلنا: إن الملك في المبيع للمشتري في زمان الخيار، فإن فسخ أو أجاز، ولم يخالف الغبطة، نفذ ذلك.
والذي دل عليه كلام المشايخ في هذه الطريقة - أنه ينفذ الفسخُ والإجازةُ إذا استوى وجه الغبطة، ولم يترجح وجهٌ على وجهٍ. فأمَّا إذا فسخ والغبطة في الإجازة، ففسخه مردود؛ من جهة أنه بفسخه يُخرج المبيع عن ملكه، والغبطة في خلافه. وإن أجاز على هذا القول على خلاف الغبطة، نفذت إجازته؛ لأنه بالإجازة تاركٌ ردّ الثمن إلى ملكه، وإذا ملكناه المبيع في زمان الخيار، ملكنا البائع الثمن لا محالة؛ فهو بالإجازة تاركٌ جلبَ الملك في الثمن، وليس على المفلس الجلبُ والكسبُ، كما قدمناه.
فحاصل الطريقة إذاً راجع إلى أنا لا ننفذ منه على خلاف الغبطة إخراجَ شيء عن ملكه، ولا نكلّفه ردَّ شيء إلى ملكه.
هذا بيان الطريقتين.
٣٩٤٤ - ونقل الأصحاب نصاً عن الشافعي متعلقاً بالرد بالعيب، قال ﵁: "إذا اشترى في الصحة عبداً، ثم مرض، واطلع على عيبٍ به في مرضه، لزمه الرد، وإن لم يَرُد، حُسب من ثُلثه؛ لأن العيب كفقد جزء".
كلامه المطلق يحتاج إلى التفصيل، فنقول: إن اشترى في الصحة عبداً بمائةٍ، وقيمته خمسون، لو كان سليماً، فالمحاباة محتملة (١) بسبب جريان العقد في الصحة.
فلو اطلع على عيب في مرض الموت ينقص عُشرَ قيمة (٢) العبد، فإن رده، فذاك. وإن
стр. 3258
أجاز العقدَ، كان متبرعاً بعشر الثمن، وهو عشرة، ولا نجعله متبرعاً بعشر قيمة العبد؛ لأنّ المسترد في مقابلته (١) الثمن، والأرش المقابل للعيب عشر الثمن لا عشر القيمة، فإجازته تتضمن ترك عشر الثمن، والمحاباة وراء ذلك جارية في الصحة، وليس على المريض أن يكسب للورثة باسترداد جميع الثمن.
٣٩٤٥ - وفي الفصل غائلة ننبه عليها، وندرؤها بسؤالٍ وجواب. فإن قيل: قد
ذكرتم أن المريض ليس عليه الاكتساب، فليس عليه أن يقبل الهبة والوصية، ولا أن
يكتسب بجهة أخرى، والملك حاصل للبائع في جميع الثمن، واستردادُ الأرش نقصٌ
للملك في حق البائع، وجلبٌ من جهة المشتري، فلم كان تركه تبرعاً؟ قلنا: هذا
العقد يتضمن الاستحقاقَ، فإسقاطه إسقاط [حق] (٢) مستحق تضمنه العقد، وقد ثبت
هذا في مرض الموت، وكان إسقاطه بمثابة إسقاط دين، والدين وإن سميناه ملكاً،
فليس شيئاً محصلاً، ولكنه استحقاق التوصل إلى تحصيل الملك في عين، ولذلك
يحط الأرش عن الشفيع، وإن كان مقتضى الشرع أن يأخذ الشّقصَ بثمن العقد، وليس هذا كما ردَّدْناه في خيار الشرط؛ فإن ذلك [تروٍّ] (٣) محض، وليس الفسخ به والإجازة متضمنين إسقاط حق مستحق. فليفهم الناظر ذلك، فبه تمامُ الغرض.
٣٩٤٦ - فإن قيل: الرد مستحق أيضاًً بالعيب، فأوجبوه. قلنا: لو أوجبناه، لألزمنا نقضَ المحاباة التي أمضيناها في صحته، وهذا لا سبيل إليه.
فإن قيل: لو كان الثمن جارية، وقد فرض الاطلاع على العيب، فهل تجوزون لقابض الجارية وطأها؟ قلنا: نعم؛ فإن الجارية في يده وإن تعرضت للاسترداد بمثابة الجارية في يد المتهب، مع استمكان الواهب من الرجوع في الهبة.
٣٩٤٧ - فإن قيل: لو كانت المسألة مفروضة حيث نقلتم نص الشافعي في الصحة
стр. 3259
والمرض، فإذا ترَوْن؟ قلنا: إن كان الثلث وافياً، فمجوز الوطء إلى أن يتفق ما يجري من بائع الجارية، وإن لم يكن الثلث وافياً، فالمحذور الرجوع إلى قسط من الجارية، ولو فرض ترك ذلك القسط على قابض الجارية؛ فهو في الحال تبرع.
ولكن لو تبرع المريض بجارية لا يملك غيرها، وأقبضها، تسلط المتهب على وطئها، بناءً على استمرار الحياة. ثم إذا مات المتبرع، نقضنا تبرّعه في ثلثيها تبيُّناً، وقد نلزمه ثلثي مهرها، كما سيأتي في الوصايا.
فخرج من مجموع ذلك أنا لا نحرم الوطءَ كيف فرض الأمر، وهذا تصريح بحقيق الملك. ومع ذلك نجعل ترك مقدار الأرش تبرعاً.
٣٩٤٨ - وتمام القول فيه أنه لو مات هذا التارك للأرش المريض ولم يَفِ الثلث، فالزائد على الثلث -على قولنا: التبرعُ الزائد مردود- يُثبت للورثة ملكاً لهم، أم هم يثبتوه (١)؟ الظاهر عندنا أنه يثبت لهم. ولا حاجة إلى إثباتهم لأنفسهم. وما قدمناه من التسليط على الوطء محمول على مذهب التبيّن بالأَخَرة والإسناد (٢).
فانتظم من هذا أنّه إذا مرض مرضَ موته، وفرض الاطلاعُ على العيب، وتَرْكُ الأرش، فقد تبيّن بالأَخرة رجوعُ شيء من الثمن إسناداً. فليفهم الناظر ذلك.
ويحتمل أن يقال: للورثة حق الرجوع في الأرش بعد الموت، وإذ ذاك يثبت ملكهم، والأظهر الأول.
٣٩٤٩ - ونحن نذكر صورة أخرى في ذلك، فنقول: لو اشترى عبداً قيمته [مائة] (٣) بخمسين، واطلع على عيب به ينقص عشرَ القيمة، فلو رد، كان الرد على خلاف الغبطة؛ فإن العبد مع العيب يساوي تسعين، فلو رده واسترد خمسين، كان متبرعاً بأربعين، فالرد إذاً تبرع -كما ذكرناه- لأن الغبطة في إمساكه، وهو ملكه الحاصل، ورده إخراجٌ له عن الملك، فإذا كان على خلاف الغبطة، كان متبرعاً. فلو قال:
стр. 3260
أرجع بالأرش، فقال بائع العبد: بل ردّه، فليس له مطالبة بالأرش؛ فإنا نبني الأمر على حياته. وإذا كان الرد ممكناً في الحياة، لم يجز التحكم بإلزام الأرش. ولو مات فأراد الورثة المطالبة بالأرش، لم يكن لهم ذلك أيضاًً؛ فإن المريض تبرّعُه (١) في الرد، فإذا لى يرد، فإنما راعى الغبطة في ترك الرد، ويستحيل أن يقع ترك الرد غبطة، وينضمُّ إليه الرجوعُ إلى الأرش.
ونظير هذا ما لو اشترى الولي للطفل عبداَّ بَخمسين، وقيمته مائة لو كان سليماً، فلو اطلع على عيب به ينقص عشرَ قيمته، فليس له الرد، وليس له أن يُطالبَ بائع العبد برد شيء من الثمن. هذا ما نراه، واللهُ أعلم.
وقد يخطر لمن لا يغوص أن الرد إذا امتنع، فالأرش جزءٌ مستحق الاسترداد.
وليس الأمر كذلك.
فصل
قال: "ولو أسلفه فضة بعينها في طعام، ثم فُلّس، كان أحقَّ بفضته ... إلى آخره" (٢).
٣٩٥٠ - قد ذكرنا في غير المفلس أن من أسلم في جنس وانقطع جنسُ المسلَم فيه عند المَحِلِّ، ولا إفلاس، ولا حجر، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن العقد ينفسخ. والثاني - أن المسلم يتخير: إن شاء فسخ، وإن شاء أنظر المسلَم إليه إلى وجود الجنس، ونحن نذكر في السلم بعد تجديد العهد بهذا الأصل صورتين في المفلس: إحداهما - أن يفلس المسلم إليهِ، والمسلَمُ (٣) فيه عامّ الوجود. فإن كان رأس المال قائماً، فللمسلم فرع العقد، والرجوعُ إلى رأس المال. ولا فرق بين أن يعيّن رأس المال حالة العقد، وبين أن يطلق ذكر الدراهم حالة العقد، ثم يعينها في
стр. 3261
المجلس بالإقباض. فإذا كان ما عين أولاً بالتسمية، أو عين بالإقباض في المجلس قائماً، فرع العقد، ورجع في تيك العين. وإن أراد المضاربة، فسنذكر في آخر الفصل كيفية المضاربة بالمسلَم فيه.
ولو كان رأس المال تالفاً، فهل للمسلم أن يفسخ العقد؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه لا يفسخ؛ لأنه لو فسخ، لضارب ببدل رأس المال؛ إذْ عيْنُه تالفة، وإنما يثبت الفسخ بعذر الفلس إذا كان الفاسخ يتخلص عن المضاربة. والوجه الثاني - أنه يثبت له الفسخ بتعذر الوصولِ إلى تمامِ المسلم فيه. وإذا كان التعذر بانقطاع الجنس يثبت حق الفسخ، فالتعذر بالفلس ينبغي أن يُثبت حق الفسخ. وهذا القائل لا يخرّج قول الانفساخ بسبب الفلس، بخلاف ما إذا انقطع الجنس. هذا بيان صورة واحدة.
٣٩٥١ - الصورة الثانية: مفروضة فيه إذا أفلس المسلم إليه، وانقطع المسلم فيه، فاجتمع الفلس والانقطاع؛ فإن كان رأس المال قائماً، فسخ العقد، ورجع فيه. وإن كان تالفاً، فهل يثبت للمسلم حق الفسخ؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يثبت؛ لأنه لا يتخلص عن مضاربة الغرماء.
والثاني - وهو الأصح- أنه يثبت له حق الفسخ؛ لأنه بالفسخ يصل إلى بعض حقه في الحال. ولو لم يفسخ، وصبر إلى عود جنس المسلم فيه فربما لا يجد في يده شيئاًً يأخذه بحقه؛ فترك الفسخ يلحق به ضرراً بيِّناً. وأيضاًً، فإن حق الفسخ إذا كان يثبت في حالة الإطلاق، فيستحيل أن لا يثبت في حالة الحجر، وكل سبب أثبت الفسخ في الإطلاق، لم يُبْن الأمرُ فيه على الغرض، فإن من اطلع على عيب المبيع الذي قبضه، فله رده على مفلس لا يجد ما بقي بالثمن.
وقد نعود في آخر الفصل إلى تحقيق هذا الوجه من هذه الصورة إن شاء الله تعالى.
٣٩٥٢ - ونحن نذكر الآن كيفية المضاربة في المسلم فيه، فنقول: إذا كان المسلم فيه جنساً من الأجناس، فالمضاربة [به] (١) غير ممكنةٍ؛ لأن التضارب إنما ينتظم في النقود، فإذا لم يكن المسلم فيه نقداً، فلا وجه لتقدير المضاربة به. ولكنا نرده إلى
стр. 3262
القيمة تقديراً، ونُثبت المضاربة بها، ثم ننظر إلى مقدار ما يخصه في المضاربة، فإن كانت القيمة مائة، وقد خصه بالمضاربة عشرة، لم نترك (١) العشرة عليه؛ فإنا لو فعلنا ذلك، كنا معتاضين عن المسلم فيه، وأخذ البدل عن المسلم فيه باطل، غيرُ مباح، فالوجه أن يصرف ما يخصه من الدراهم والدنانير إلى جنس المسلم فيه وتسلمه إليه، فتكون المضاربة واقعةً في أحد النقدين، وملكُ المسلِم مستقرٌ آخراً في مقدارٍ من جنس المسلَم فيه.
والذي قطع به الأئمة أن ملك المسلم لا يثبت في الحصة التي تميزت له من الدراهم، وإنما يثبت ملكه في القدر الحاصل من المسلَم فيه. فلو ميزنا له باعتبار القيمة عشرة، وقدرناها عُشْرَ حقه مثلاً، فهاج رخصٌ وانخفض السعرُ قبل اتفاق صرف الدراهم إلى جنس المسلم فيه، ووجدنا بذلك القدر الذي أقررناه له قدرَ حقه من جنس المسلم فيه بكماله، قال الأصحاب: صرفنا الكلَّ إليه وأوصلنا إليه حقه كَمَلاً، وبرئت ذمة المسلم إليه.
وان وجدنا [به] (٢) أكثر من حقه، فالزيادة مردودة على الغرماء.
٣٩٥٣ - قال القاضي: هذا مشكل. والقياسُ أن نقول: إذا هاج الرِّخص، وصار ما كنّا نقدره بمائة يوجد (٣) بعشرة، فنغير اعتبار القيمة، ونقول: إنه يضرب بعشرة، وننظر ما يخصه مع مزدحم الديون، ونبتدىء بتبيّن (٤) مقدار حقه. وإنما كان كذلك، لأن الحصة المقررة له على حساب المائة لم تدخل في ملكه لما قدمناه من استحالة ملك عوض المسلم فيه، فإذا لم يثبت ملكه فيما ميزنا، بان أن الأمر موقوف على ما يتبين آخراً، وقد بان برخاء السعر، وظهور الرخص أن قيمة المسلم فيه عشرة، فدينه إذاً يقدر بهذا.
هذا ما قاله.
стр. 3263
٣٩٥٤ - والذي ذهب إليه الجماهير ما قدمناه أولاً.
فانتظم مما قالوه، وقاله القاضي وجهان: أحدهما - ما ذكره القاضي، ووجهه القياس البيّن الذي ذكره. والثاني - ما ذكره الأصحاب، ووجهه أنا وإن كنا لا نملِّك المسلِم العشرةَ الدراهم، فنجعله أولى بها؛ حتى كأنها مرتهنة بحقه، وكأنه مرتهن فيها. ولو كان كذلك، لكنا نقدمه بتمام حقه فيما هو مرهون عنده، فيجري إذاً قياس الرهن. ونقول: إن وفّى ما ميزناه بحقه أدينا منه حقه كاملاً. وإن زاد على مقدار حقه، أدينا منه قدرَ حقه، وصرفنا الفاضل إلى الغرماء، كدأبنا في المرهون إذا بعناه.
فإن قيل: لم فعلتم ذلك؟ قلنا: [إفراز] (١) الحاكم للحصص (٢) تخصيصٌ منه لكل ذي حق بمقدار، فما (٣) يتصور فيه التمليك حُمل تخصيصه على حقيقة الملك، وما امتنع التمليك فيهِ حُمل على ما يتصوَّر، وهو التخصيص بطريق الاستيثاق، فكأن حقوق الغرماء انقطعت عن العشرة بالقسمة التي جرت على التقدير الصحيح ابتداءً.
فهذا هو الممكن في توجيه ما قاله الأصحاب. وليس يخفى ظهور ما قاله القاضي في القياس.
٣٩٥٥ - ثم إن كان المسلم فيه شيئاًً من ذوات الأمثال، وقد خص المسلِم عشرُ
قيمته، فإنا نصرفه إلى عشر المسلم فيه. وإن كان المسلم فيه ثوباًً واحداً، أو حيواناً، فالوجه صرف ما يخص المسلِم إلى جزء شائع من ثوب، أو حيوانٍ مستجمعٍ للصفات المذكورة لا (٤) وجه غيره. هكذا ذكره صاحب التقريب وغيرُه. فإذا ضارب بمائة، فخصه من زحمة الديون عشرة، وصرفناها إلى جنس المسلَم فيه، فلو انطلق الحجر، وحدث له مال جديد وعاد الغرماء يضاربون، فللمسلم حق المضاربة في بقية حقه في المال الجديد، فتقوَّم السلعة مرة أخرى، فإن كانت مثل القيمة الأولى، فلا كلام. وإن كانت القيمة أعلى من هذا الوقت، فإنه يضارب بالقيمة العالية؛ فإنَّ المقصود
стр. 3264
إيصالُه إلى جنس المسلم فيه، والقيمة في البين واسطةٌ، اضطررنا إلى اعتبارها، فنعتبر إذاً قيمة المسلم فيه بالغة ما بلغت. وهذا سديد.
٣٩٥٦ - فأمَّا إذا قومنا المسلم فيه آخراً في الصورة التي انتهينا إليها، فكانت قيمته أنقص في الكرّة الثانية، فقد ذكر صاحب التقريب وجهين في ذلك: أحدهما - أنه يضارب باعتبار القيمة الثانية، وهي قيمة الوقت. ووجهه بيّن.
والوجه الثاني - أنه يضارب بالقيمة الأولى المعتبرة في الحجر الأول. وهذا لا أدري له وجهاًً، مع قطعنا بأن القيمة ليست عينَ حقه.
ولو لم يتفق الحجر الثاني، ووفى ما في يد المسلم إليه بتمام حق المسلِم، وهاج الرخص، فليس على المسلم إليه إلا توفيةُ حقه.
وإذا رخص السعر، فإذا فرض حجرٌ ثانٍ وجب أن يضارب بالقيمة الناجزة، فإن القيم تقديرات، والغرض الوصول إلى المقوّم. ولولا أن صاحب التقريب كرّر هذا الوجه الثاني، وإلا كنت لا أذكره لضعفه.
فصل
قال: " ولو أكرى داراً منه سنة، ثم أفلس المكري ... إلى آخره " (١).
٣٩٥٧ - هذا الفصل يشتمل على بيان إفلاس المكري، وإفلاس المكتري والبداية بإفلاس المكري.
ولا تخلو الإجارة إما أن تكون واردة على العين، وإما أن تكون واردة على ذمة المكري، فإن كان الكراء [على] (٢) العين بأن أكرى داره أو دابته، وعقد إجارةً على شرط الصحة، فإذا أفلس المكري قبل انقضاء الإجارة، وحصول الوفاء بها، فالإجارة لا تفسخ لمصلحة المفلس، حتى لو فرعنا على منع بيع المكرى؛ فإنا نمتنع عن بيع العين المكراة إلى انقضاء مدة الإجارة، وفاءً بما اقتضاه العقد. وإن قلنا: يجوز بيع
стр. 3265
المكرَى، فنبيعه في ديونه، ولو كانت قيمته تنقص لمكان الإجارة، لم نبال بنقصانها. فإذا اتفق بيعُ الدار المكراة، وصرْفُ ثمنها في حقوق غرماء المكري، وانفصل الأمر، وانطلق الحجر، والإجارة باقيةٌ، فلو انهدمت الدار في بقية المدة، وقضينا بأنفساخ الإجارة، وكان المكتري وفَّى الأجرة كاملة، فيثبت له حق الرجوع بقسط من الأجرة لانفساخ الإجارة في بقية المدة. وهذا الحق يثبت جديداً مترتباً على الانفساخ الواقع بالانهدام. فهل لهذا المكتري أن يزاحم الغرماء الأولين فيما اقتسموه بينهم، وتضاربوا به؟ فعلى وجهين: ذكرهما العراقيون أحدهما - أنه لا يزاحمهم؛ لأن دينه متجدد حادث بعد القسمة، وفضّ المال على الغرماء، فلا يثبت لأصحاب الديون الجديدة مزاحمةُ القدماء من الغرماء.
والوجه الثاني - أن المكتري يزاحمهم مزاحمةَ غريم يبدو [أخِراً] (١) ونتبين استحقاقَه لدَيْنه متأخراً بتاريخ سابق لاستحقاق الأولين ديونَهم حالة المزاحمة. ووجه ذلك أن الرجوع وإن ثبت الآن، فهو مستند إلى موجَب عقد سابق، وهو الإجارة. فإذا كان رجوع المكتري مستنداً إلى الإجارة السابقة، كان حقه بمثابة دين سابق يبدو.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت الإجارة واردة على العين وقد أفلس المكري.
٣٩٥٨ - فأما إذا كانت الإجارة واردة على ذمة المكري، وما كانت ربطت بعين، وهذا كالتزام المكري نقلَ مقدار مبيّنٍ من طعامٍ أو غيره، من بقعة إلى بقعة، فهذا لازمٌ ذمةَ المكري، فإذا أفلس وفي ذمته ما وصفناه، لم يخلُ: إما إن كان سلّم دابةً إلى المكتري ليحمّلها الطعامَ المذكور. وإما إن لم يكن سلم إلى المكتري شيئاًً.
فإن لم يكن سلم إليه شيئاًً، فالذي في ذمته دينٌ من الديون. فإن كان عِوضُ الإجارة باقياً، وقد أفلس المكري، فللمكتري الرجوع إلى العوض الذي صادفه باقياً. وإن كان العوض تالفاً، ضارب المكتري الغرماءَ بأجر مثل ما استحق من المنفعة، على القياس الذي ذكرناه في رجوع المسلِم، إذا أفلس المسلم إليه.
стр. 3266
٣٩٥٩ - ثم يعرِض في منتهى الكلام أمرٌ يجب إنعام النظرِ فيه. وهو أنا إذا أثبتنا للمكتري حقَّ المضاربة بأجرة المنفعة المستحقة، فإذا بأنت حصته في تقدير المضاربة، فصرْفُ ذلك المقدارِ إليه بمثابة صرفِ مقدارٍ من قيمة المسلم فيه إلى المسلِم. وهذا اعتياضٌ عن المسلم فيه.
٣٩٦٠ - وقد اختلف أصحابنا في الإجارة الواردة على الذمة هل تنزل منزلة السلم حتى نرعى فيها ما يُرعى في السلم من وجوب تسليم الأجرة في مجلس العقد، أم كيف السبيل فيه؟ وسيأتي شرح ذلك في كتاب الإجارة، إن شاء الله تعالى.
فإن جعلنا الإجارةَ الواردة على الذمة بمثابة السَّلم، وهو الصحيح، فلا سبيل إلى ترك حصة المكتري -النازل منزلة المُسْلِم- عليه من القيمة (١)؛ فإن ذلك اعتياضٌ عن المسلم فيه.
ثم إن كان المقصود أمراً لا يتبعض، مثل أن يقول: تحملني إلى بلدة عيّنها، فالحمل إلى بعض الطريق قد لا يفيد، أو، (٢) ربما يكون الموضع المقدَّر مهلكة، فإذا تحقق التعذر، وامتنع الاعتياض، فلا وجه إلا تخيير المكتري في الفسخ، وإذا فسخ العقد، ضارب الغرماء بقيمة الأجرة التي كان بذلها، وقد يتجه عُسرٌ إذا كان المسلَم فيه ثوباًً؛ فإنه إذا خصّه عشرُ القيمة، فلا يجد به عشرَ ثوب، فإذا ظهر تعذرٌ يجر نقيصةً وخسراناً، ثبت الخيار، كما ذكرناه.
وإن كان ألزم ذمة المكري حملَ مائة منٍّ إلى بقعة، وكان حَمْلُ البعضِ مُفيداً على قدره، صرفنا القيمة التي (٣) خصته إلى البعض.
والجملةُ أن التبعيض إن أمكن من غير تعذر، صرفنا حصة المضاربة إليه. وإن عسر، أو تضمن التبعيض نقصاً، ثبت الخيار، لا طريقَ غيرُه. ولا وجه لتمليك القيمة، والتفريع على أَنَّ الإجارة سلمٌ.
стр. 3267
٣٩٦١ - وإن حكمنا بأن الإجارة الواردة على الذمة لا تكون بمثابة السلم، فإذا ضارب المستحق الغرماء بأجرة المنفعة المستحقة، وبانت حصته منها، لم يمتنع أن يملك حصته من القيمة عوضاً؛ فإن الاعتياض عن الديون غيرُ ممتنع، إذا لم يكن مسلماً [فيها] (١). وللنّظر فيها مضطرب، والعلم عند الله.
٣٩٦٢ - [و] (٢) كل ما ذكرناه في الإجارة الواردة على الذمة إذا لم يكن قد سلم المكري عيناً إلى المكتري. فإن كان ألزم ذمته حمل مائة منٍّ، فسلم إليه دابة، حتى يحمّلها المائة. ثم أفلس المكري، فظاهر المذهب أن تلك الدابة متعيّنة لاستحقاق المكتري، كما لو استأجرها في عينها وأورد الإجارة (٣) عليها، فليستوف حقه من تلك الدابة وليحمّلها؛ فإنها سُلمت إليه قبل اطّراد الحجر، فتعينت كما تتعين الدراهم إذا سلمها من عليه الدراهم. والحقوق المتعلقة بالذمم تتعين بالتعيين والتسليم.
ومن أصحابنا من قال: لا تتعين تلك الدابة؛ فإنها ليست مورد الإجارة، والمنافع ليست أعياناً. ويشهد لهذا أن تلك الدابة لو عطبت لم تنفسخ الإجارة بعطبها، بخلاف ما لو وردت الإجارة على عينها. فإذا كان لا يثبت لها حُكم التعيين في انفساخ الإجارة عند تقدير تلفها، لم يثبت لها حكم التعيين في اختصاص المكتري بها؛ فعلى هذا إذا أفلس المكري، فلا حكم لتسليم تلك الدابة.
والأصح الأول.
٣٩٦٣ - وهذا يخرّج على اختلافٍ للأصحاب، سيأتي مشروحاً في الإجارة. وهو أَنَّ من التزم حمْلَ إنسان إلى موضع، وسلم إليه دابةً، فهل له أن يبدلها بأخرى، من غير سببٍ؟ فيه اختلاف سيأتي موضحاً، إن شاء الله تعالى.
هذا كله إذا أفلس المكري.
٣٩٦٤ - فأما إذا أفلس المكتري، فلا يخلو: إما أن تكون الإجارة على العين أو على الذمة. فإن كانت الإجارة على العين، بأن كان اكترى داراً معينة أو دابةً معينة،
стр. 3268
وما سلم الأجرة، فأفلس، والإجارة باقية، فالمذهب الصحيح أنه يثبت للمكري الرجوعُ إلى المنافع في بقية المدة. فإن آثر ذلك، فلتفرع الإجارة في بقية المدة، ويضارب الغرماء بأجرة المنفعة الماضية. وقد تقدم شرح هذا.
٣٩٦٥ - ثم قال العلماء: إن كان أجَّر أرضاً، فزرعها المستأجر، وأفلس، فللمكري الفسخ [و] (١) لا يقلع الزرع، بل يرجع بأجرة مثل بقية المدة، يقدم بها من غير مضاربة، كما تقدم.
ولو كان اكترى دابة وحمَّلها، وأفلس في خلال الطريق، فللمكري الفسخُ.
ولكن لا يضيّع متاع المفلس، بل يمكّنه من نقله إلى مأمن، وليس عليه أن يمكنه من نقله إلى مقصده؛ فإنّ المطلوب ألا يضيع حق المكتري، لا أن يحصِّل مقصودَه.
ولو لم يؤثر [المكري] (٢) الفسخ (٣) وأراد مضاربةَ الغرماء بالأجرة المسماة، فله ذلك، ولا تضيع المنفعة في بقية المدة على الغرماء؛ فإن كانت مشغولة بزراعة أو غيرها، فهو المراد. وإن لم تكن مشغولة، أكريت تلك العين، وصرفت أجرتها إلى حقوق الغرماء.
هذا إذا كانت الإجارة واردة على العين.
٣٩٦٦ - فأمّا إذا كانت على الذمة، وأفلس المكتري، فإن كان المكري قد استوفى الأجرة قبل الحجر، فلا كلام، والمنفعة في ذمة المكري، حقٌّ من حقوق المكتري المفلس، تُصرف إلى ديونه كسائر أمواله.
وإن لم يكن المكري قبض الأجرة، وفرعنا على أن الإجارة الواردة على الذمة ليست سلماًً، ولا يجب تسليم الأجرة في المجلس، فإذا أفلس المكتري، فللمكري فسخُ الإجارة بسبب تعذر العوض؛ فإن آثر ذلك، برئت ذمته منه عما عليه من الحق، وانفسخت الإجارة.
стр. 3269
فصل:
"ولو قسم الحاكلم ماله بين غرمائه، ثم قَدِم آخرون ... إلى آخره" (١).
٣٩٦٧ - إذا حجر القاضي على المفلس، وقسم ماله على غرمائه، ووزعها عليهم، فلا شك أن التوزيع يقع على أقدار الديون، لا على أعداد الرؤوس. فإذا كان له غريمان لأحدهما عليه أربعة آلافٍ، وللثاني ألفان، وجملةُ ماله ثلاثة آلافٍ، فيصرف ألفان إلى من له الأربعة ألف، وألف إلى من له ألفان.
ووضوح ذلك مغنٍ عن بسطهِ. فإذا قسمنا المال على مبالغِ الديون، فظهر للمفلس غرماء آخرون بعد القسمة وفَضِّ الأموال على الحصص، وتبين أن الذين ظهروا كانوا على استحقاقهم حالة الحجر، ولكن كانوا غُيَّباً، فهؤلاء يخاصمون الذين قسمنا المال عليهم، وينزلون معهم منزلة ما لو كانوا موجودين حالة القسمة، حتى إذا كان المال ثلاثةَ آلافٍ، والغريمان الأولان على أربعة آلافٍ وألفين، فظهر غريمٌ ثالث بأربعة آلافٍ؛ فإنه يسترد من الألفين الذين سلمناهما إلى صاحب الأربعة ثمانمائة، ويسترد من صاحب الألفين من الألف أربعمائة، فيخلص له ألف ومائتان، ويبقى لصاحب الأربعة آلاف ألفٌ ومائتانِ، ويبقى في يد صاحب الألفين ستمائةٍ، فتعتدل القسمة على [الاحتياط] (٢) والحصص.
٣٩٦٨ - ولو كان عند القسمة غريمان لكل واحد منهما ألف، والمال ألف، فقسمناه بينهما نصفين، فأتلف أحد الغريمين حصته وأعسر، وظهر غريم ثالث بألف ولم يجد مرجعاً على الغريم الذي أتلف ما خصَّه وأعسر، فصادف الخمسمائة في يد الآخر، فبكم يحاصّه؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فذهب الأكثرون إلى أنه يشاطره فيها، ويقول: تلك الحصة قد فاتت وأنا وأنت سيّان فيما بقي، وتقدُّمُ صورة القسمة لا يخلّفني عنك، وقدْرُ دَيْني كمقدار دينك، فيشترك في هذا الباقي على استواءٍ.
стр. 3270
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يأخذ من هذه الخمسمائة إلا ثلثها؛ فإن الحصة الأخرى لو كانت باقية، لكان يأخذ منها ثلثها أيضاً، فلئن فاتت تلك الحصة وأعسر صاحبها، فلا ينبغي أن يرجع بما فات من حقه بسبب تلك الحصة الفائتة على الحصة الباقية، وكان حقه في أيديهما، ففواته بسبب فوات ما في يد أحدهما لا يرد جميع حقه إلى ما في يد الثاني.
وهذا الخلاف قريبُ المأخذ من القولين في أن أحد الوارثَيْن لو أقر بدَيْنٍ وأنكر الثاني، فهل ينحصر جميعُ الدين في حصة المقر؟ أم لا يلزمه [منه] (١) إلا ما كان يطالَب به لو أقر صاحبه معه؟ وفيه قولان سيأتي ذكرهما في كتاب الأقارير، إن شاء الله تعالى.
٣٩٦٩ - ومما أطلقه الأصحاب (٢) في قاعدة هذا الفصل أن قالوا: إذا اقتسم الغرماء مالَ المحجور، ثم ظهر غريم بدين قديم، فالقسمة السَّابقة لا تنقض، ولكن الغريم الظاهر يُحاصن كلَّ واحد بمقدار حقه، واعتلّوا بأن قالوا: الغريم لا حق له في أعيان الأموال، وإنما تعلقه بالمالية، وإذا (٣) كان يرجع على كلٍّ بحصته، فلا معنى لنقض القسمة مع وصوله إلى ما هو حقه، من غير تقدير تعويض وإبدالٍ.
وهذا يظهر جداً إذا ردت الأمتعة إلى النقود وفُضّت على أقدار الديون، ولم يكن لواحد من الغرماء في محل الكلام عين مال، وإنما حقوقهم ديون مرسلة.
٣٩٧٠ - ولو اقتسم الورثة أعيان التركة، ثم بدا دينٌ، فالأصح المنصوص عليه أن القسمة لا تنقض ببَدْو (٤) الدَّيْن، بل يرجع الغريم على كل وارث بحصته إلى استيعاب حقه؛ فإن حقه يتعلق بمالية التركة، لا بأعيانها. وأثر القسمة في إفراز الأعيان. وإلا فالتركة في أيدي الورثة.
стр. 3271
ولو اقتسم الورثة أعيان التركة، ثم ظهر وارث آخر، فالقسمة منقوضة؛ فإن الوارث يتعلق استحقاقه بالأعيان، فتصحيح الإفراز مع شيوع شركته في التركة محال.
وللشافعي قول آخر: إنه إذا بدا دين، تبيّنا انتقاض القسمة من أصلها؛ لأن التركة مرتهنة بالدين، والتصرف في المرتهن مردود، وسنذكر هذا في موضعه، إن شاء الله تعالى.
٣٩٧١ - ولو أجرى مُجرٍ (١) هذا القول في بُدوّ غريم للمحجور عليه بعد اقتسام الغرماء الأوَّلين، لم يكن بعيداً؛ إذ لا فرق بين بُدوّ دَيْنٍ في التركة، وبين ظهور غريم للمحجور عليه.
٣٩٧٢ - ومما يتعلق بهذا الفصل أن المحجور عليه لو استفاد مالاً جديداً، والحجر مطّردٌ عليه، بأن قبل هبةً، أو وصية، أو احتش، أو احتطب، أو اشترى وصححنا شراءه على الأصح، فهذه الأملاك الحادثة في اطراد الحجر هل يتعدى إليها مقتضى الحجر، حتى لا ينفذ فيها تصرف المحجور عليه؟ أم هي خارجة عن موجَب الحجر؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنها خارجةٌ عن موجب الحجر؛ فإن الحجر تعلق بالأموال العتيدة الموجودة لدى الحجر، وكان المقصود منه قصر يد المفلس عن التصرّف فيها، فلا سبيل إلى تعدية الحجر عن تلك الأموال. والحجر من القاضي في أموال المفلس، كحجر الراهن على نفسه في العين المرهونة، ثم الرهن لا يتعدى موردَه. هذا وجه.
والوجه الثاني - أن الحجر يتعلق بالأموال المستجدة؛ فإن السلطان لم يقصد بحجره تخصيصَ مالٍ، وإنما قصد التسبب إلى إيصال الحقوق إلى مستحقها، وهذا القصدُ لا اختصاص له بالمال الموجود، فليكن المحجور عليه تحت الحجر فيما كان موجوداً، وفيما استجدّه واستحدثه.
٣٩٧٣ - ومن الأصول اللائقة بما نحن فيه أَنَّ الحجر إذا انطلق -كما سنوضح سبب انطلاقه في آخر الفصل- وكان الغرماء على بقايا من ديونه، فلو حدث للمديون مالٌ بعد
стр. 3272
انطلاق الحجر، لم يعد محجوراً عليه بنفس حدوث المال، ولكن لو استدعى الغرماء إعادةَ الحجر بسبب المال الحادث، وكانت بقايا الديون زائدةً على المال الحادث، أو مساوية له - على التفصيل المقدم في أول الكتاب - فالقاضي يجيب إلى ذلك.
فلو تجددت له ديون مع تجدد الأموال، لم يختص الغرماء الذين حدثت حقوقهم [بالمال الحادث، بل اشترك فيه القدماء من الغرماء الذين حدثت حقوقهم] (١).
ولو بدا للمحجور عليه مال قديم، اختص بالتضارب فيه الغرماء القدماء، ولم يشاركهم فيه من حدث حقه.
٣٩٧٤ - والضَّابط فيه أن المال الحادث يشترك فيه الغريم القديم والحادث، والمال القديم الذي كان في الحجر الأوَّل يختص به الأولون، ولا يشارك فيه من حدث حقه بعد انطلاق الحجر الأوّل. ولو انطلق الحجر الأول، (٢ وحدث بعده مال، ولا حجر بعدُ ٢)، وحدث بعد حدوث المال دين، ثم ضرب الحجر ثانياً، اشترك القدماء، ومن حدث دينه، وليس للقدماء أن يقولوا: لا يشركنا في المال الحادث من حدث دينه بعد حدوث المال؛ فإن ذلك الدين إذا حدث قبل عَوْد الحجر، فلا نظر إلى تقدم المال عليه إذا اجتمع حدوث المال والدين في انطلاق الحجر. وهذا واضحٌ لا يخفى على الفقيه، ولا يضرّ التنصيص عليه.
٣٩٧٥ - ومما يليق بمضمون الفصل أَنَّ الديون التي تتجدد في زمان الحجر تنقسم: فمنها ما يتجدد في المصلحة المتعلقة بمال المفلس كالمؤن التي تلزم: [من] (٣) أجرة الدلال أو الكيّال أو غيرهما، فما كان كذلك، فهو متقدّم على حقوق الغرماء، من غير مضاربة؛ فإنا لو لم نقدم هذه الديون، لامتنع التصرف في مال المفلس على مقتضى الصَّلاح، ولرغب العمَلة عن العمل الذي لا بد منه.
وأما ما يتجدد من دَيْن في ماله، ولا تعلق له بصلاح الأمر، وحاجة الوقت، فلا
стр. 3273
تعلق لمستحق هذا النوع من الدين بمال المحجور عليه، فإن ذلك المال في حق الغرماء الذين جرى الحجر باستدعائهم بمثابة المرهون في حق المرتهن، فلو أتلف المفلس مالاً، تعلق بدلُه بذمتهِ، ولم يزاحم مستحقُّ الدين الغرماء في الأموال.
وكذلك القول في جملة الديون التي لا يتعلق لزومها بالمصلحة والحاجة.
فهذا تمامُ القول في ذلك.
فصل
قال: "وإن أراد الحاكم بيع متاعه أو رهنه، أحضره ... إلى آخره" (١).
٣٩٧٦ - إذا استمر الحجر، اشتغل الحاكم على القُرب بتنجيز الأمر حتى لا يطول أمد الحجر من غير حاجة، وذلك بأن يبتدر بيعَ الأمتعة ويَنْصِب في ذلك كافياً أميناً إن كان لا يتعاطاه بنفسه، ولا ينبغي أن يُفْرِط في العجلة، فتُشتَرَى الأمتعة ببخس، ولا يتأنَّى بعد حصول الاحتياط اللائق بالحال.
ثم قال: ينبغي أن يحضر المحجورُ عليه مكانَ البيع؛ فإن ذلك أنفى للتهمة، وقد يعرف صاحب المتاع مما يُروِّج به متاعَه ما لا يعرفه غيره، وهذا استحباب، وذكرٌ للأَوْلى.
ثم قال: ينبغي أن يبدأ ببيع الحيوانات؛ فإنها عرضةٌ للتلف، وفي إبقائها تكثيرُ المؤن. ثم يبيع ما يتسارع إليه الفساد، ويؤخر بيعَ العقار. ويبيعُ كل شيء في سوقه، فإن ذلك أرْوج لها، وأحرى بأن يَنْفَد (٢) العَرْض (٣) فيها.
٣٩٧٧ - ثم إن رضي الغرماء، جَمْعَ أثمان السلع، حتى إذا انتجزت، فرقها حينئذ على أقدار الحقوق. وإن أبَوْا أن يصبروا، ورأَوْا أن يفرّق عليهم كلَّ مقدار ينتجز ويَحصُل، أجيبوا إلى ذلك. وإن رضوا بالجمع، جمع القاضي عند عدل. ولا يبعدُ
стр. 3274
في مسلك الرأي أن يُقرِضَ ما يتحصل مَليّاً وفيّاً؛ فإن أعيان الأموال قد تضيع، والدين في ذمة المليء الوفي أقربُ إلى الثبوت. وقد ذكرنا في تصرف القُوَّام أنهم لو شاؤوا (١) أن يُقرضوا مالَ الطفل على موجَب المصلحة، فلا معترضَ عليه.
٣٩٧٨ - ثم قال صاحب التقريب: إذا أراد القاضي أن يبتدىء قسمةَ المال، لم يُحوج الغرماء أن يقيموا بيِّنةً على أنه لا غريمَ للمحجور غيرُنا. وقد نقول: لا يقسم الحاكم التركة بين ورثة المتوفَّى، حتى تقوم بينة من أقوام ذوي خبرة بباطن أمر المتوفى أنهم لا يعرفون [له] (٢) على طول المخالطة والخبرة وارثاً سوى الحاضرين. وسيأتي ذلك في كتاب الدعاوى، إن شاء الله .
قال صاحب التقريب: إذا حجر القاضي، وشَهَر حجرَه، وأشاعه في الناس، كفى ذلك في حصول الغلبة على الظن بأنه لا غريم له سوى هؤلاء؛ إذ لو كانوا لظهروا. ولما حجر عمر ﵁ على الجهني، اكتفى بأن شَهَر الحجرَ بذكره إياه في أثناء الخطبة. وما ذكره صاحب التقريب حسن. ولكن لا فرق عندنا بين القسمة على الغرماء، والقسمة على الورثة، فحيث نقول: لا بد من إقامة الشهادة على أن لا وارث، فلا بد من مثله في القسمة على الغرماء.
٣٩٧٩ - وممّا يتعلق بتمام الفصل أن القاضي إذا قسم ما وجد من ماله على غرمائه، واعترف الغرماء بأن لا مال له سوى المقسوم علينا، فهل يُحكَم بانطلاق الحجر عنه، أم لا بد أن يتولى القاضي إطلاقَه؟ فعلى وجهين في طريقة العراق: أحدهما - أنه لا حاجة إلى إطلاقه؛ فإن موجَب الحجر قد زال. والثاني - أنه لا بد من الإطلاق؛ فإن ذلك مجتهَدٌ فيه، وقد تمس الحاجة إلى مزيد بحث، فليتوقف الأمر على إطلاق القاضي، حسماً للمادّة، وقطعاً للتهمة، وكما لا يثبت الحجر ابتداء من غير ضرب، ينبغي ألا ينحلّ انتهاءً من غير رفعٍ، وليس كحجر الجنون والصبا، على ما سيأتي ذكرهما في كتاب الحجر، إن شاء الله تعالى.
стр. 3275
٣٩٨٠ - ثم المنصوبُ الذي يتولى بيع مال المفلس بإذن الحاكم ليس له أن يسلّم مبيعاً من ماله قبل توفير الثمن عليه. وقد ذكرنا في أن البداية في التسليم بالبائع أو المشتري أقوالاً في كتابِ البيع، ولا يجري منها في الذي يبيع مال المفلس إلا قولان: أحدهما - أن المشتري منه هو المجبر على تسليم الثمن. والقول الثاني - أنهما يجبران على تسليم المبيع والثمن [معاً] (١) ولا يخرج قولنا: إن البائع يجبر على البداية؛ من جهة أنه يجب على النائب رعاية حق من يتصرف له. هذا هو اللائق بمنصب النائب الأمين. ولا يخرج أيضاًً قولنا: لا يجبران؛ فإن الحاجة ماسة إلى تنجيز الأمر، حتى لا يطول أمد الحجر.
٣٩٨١ - وقد يقع الفرض في صورة لا يخرج فيها إلا قولٌ واحد. وهو أن يكون البائع نائباً كما ذكرناه، ويكون المشتري وكيلاً أيضاً، فلا يخرجُ في هذه الصورة [قولُ] (٢) إجبار المشتري على البداية، وينحصر الجواب في أنهما يجبران معاً، حتى يتوفر الغرضان، ويعتدل الجانبان.
وما ذكرناه في [المتصرف] (٣) في مال المحجور يجري في كُلّ وكيلٍ.
٣٩٨٢ - ولو باع الوكيل سلعةَ مُوكِّله، ونَهَيْنا عن البداية بالتسليم، كما تقرر، فلو ابتدر وسلم المبيع، فقد تعدّى وأساء، ولو وُفّر (٤) الثمن عليه، خرج عن حكم العهدة، إذا كان مأذوناً له في قبض الثمن، ولا نقول: تعدّيه في البداية يُديم عليه حكمَ العدوان في الثمن الذي توفر عليه.
ولو سلم المبيع، وعسُر قبض الثمن، وفات الأمر، فيضمن الوكيل. وفيما يضمنه وجهان ذكرهما صاحبُ التقريب: أحدهما - أنه يضمن الثمن؛ فإنه فوّت متعلّق الثمن، وكان كالشاهد الزور إذا أوقعت شهادته حيلولة، ثم رجع عن شهادته. وهذا
стр. 3276
القائل يعضد مذهبه بأن تغريم الوكيل قيمة المبيع للموكِّل بالبيع بعيد، والمبيع ليس ملكاَّ بَعدَ البيع للمُوكِّل بالبيع. وليس كالمرهون الذي يضمن متلفه قيمتَه للمرتهن؛ فإن حق الوثيقة يتعدى إلى القيمة.
والوجه الثاني: أنه يضمن قيمة المبيع، من جهة أنه التزام بالخوض في البيع ألا يسلمه، ولا يثبت حق موكله فيه إلا بشرط، فإذا لم يف بالشرط، لزمته القيمة؛ نظراً إلى ما قبل البيع. وإن كان المبيع عند التسليم خارجاً عن ملك الموكل.
٣٩٨٣ - وهذا الضمان على الجملة بدعٌ خارج عن قانون الضمان؛ فإنه لم يلتزم الثمنَ بجهةٍ، ولما سلم المبيع، لم يجر عدوانُه في ملك الموكِّل، وحق الحبس لا يُضمن بالقيمة، فالقياس الكلّي نفيُ الضمان، والاقتصار على تأثيم الوكيل إن عمد؛ فإن المشتري إذا قبض المبيع، وأتلفه، فقد وقع القبض مستحقاً. ولكن اتفق الأصحاب على الضمان. وهو من آثار عهدة العقد، فالأوجه إذاً ألا يلزم الوكيلَ إلا الأقلُّ؛ فإن كان الثمن أقلَّ من القيمة، لم (١) يلزمه إلا الثمن. وإن كانت القيمة أقل، فقد يقول الوكيل: احسبوني غاصب عين ومتلفها.
وإلزامه الثمنَ، والقيمة أقل، له وجهٌ على بعد، وأما إلزامه القيمة والثمن أقلُّ، فلا وجه له.
فصل
قال: "وينبغي أن يُشهد أنه وقف مالَه ... إلى آخره" (٢).
٣٩٨٤ - إذا حجر على المفلس الحاكمُ، فالأوْلى أن يُشهد على الحجر (٣ وليس ذلك بواجب، ولكن الأولى ما ذكرناه. والغرض منه شَهْرُ الحجر ٣)، ونشر الأمر، والتأكيدُ بالإشهاد، حتى إذا ظهر ذلك، لم يعامَل المحجور اغتراراً بما عُهد له من مال.
٣٩٨٥ - ثم ذكر الشافعي تفصيلَ القول فيما يمتنع من تصرفات المحجور.
стр. 3277
والقول الجامع أن تصرفاته تنقسم إلى ما يتعلق بعين ماله، وإلى ما لا يتعلق (١ بها: فأما ما يتعلق ١) بعين ماله، فلا ينفذ في الحال انفرادُه بالتصرفات، وهذا أثر الحجر، ولو كان من ماله عبيدٌ، فأعتقهم، لم ينتجز نفوذُ العتق فيهم وفاقاً، وإذا مست الحاجةُ إلى بيعهم في الديون، بعناهم، وصرفنا أثمانهم إلى الغرماء. وإن جزم المفلسُ إعتاقَهم.
٣٩٨٦ - ولو أعتق الراهن العبدَ المرهون، فقد اختلف القولُ في نفوذ عتقهِ، فقد نقول: في قولٍ: ينفذ عتقه، وإن كان معسراً. وهذا مما يجب التنبيه له، والوقوفُ عنده؛ فإنَّ الفقيه قد يرى الحجر بالرّهن المنبرم بالإقباض آكد. والتحقيق في هذا أن القاضي يحجر على تصرفه، وليس يرهن ماله، فأثر حجره منعه من التصرف. والرهن متضمنه تعليق وثيقة بعين، فتخيل قائلون أن ملك الراهن أقوى من حق وثيقة المرتهن.
ولكن إذا أعتق المفلس عبداً، واتفق تأدية الديون، بأن وجدنا راغبين اشتَرَوْا الأمتعةَ بأكثرَ من قيمتها، وفضَلَ ذلك العبدُ، فهل نحكمُ بنفوذ العتق فيه، وقد برئت الذمة؟ فعلى قولين، وتوجيههما: أن العتق من المفلس مردود أم موقوف؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه مردود؛ فإن الحجر تضمن إبطالَ عباراته في التصرفات المتعلّقة بالمال، فلغا ما قال.
والقول الثاني - العتق موقوف؛ فإن القاضي لم يلحق المحجور عليه المفلسَ بالناقص بصباه أو سفهه، وإنما راعى حق الغرماء، فالمفلس تامٌّ بصفته، والعتق قابل [للوقف] (٢)، فانتظم منه انتظار العاقبة. ثم إذا فضل ذلك العبدُ، تبيّنا نفوذَ العتق على هذا القول من وقت اللفظ. هذا في إعتاقه.
٣٩٨٧ - ولو كاتب عبداً لم تنجّز الكتابة، حتى نقدرها مانعة من صرف هذا العبد إلى الدين. ولكن لو فضل هذا العبدُ عن الديون، كما صورناه في العتق، ففي نفوذ الكتابة على مذهب التبيّن القولان.
стр. 3278
ولو باع شيئاً من أمواله، لم يكن بيعه مانعاً للقاضي من تصرفه (١) اللائق بالحال.
ولكن لو فضل ذلك المبيع، ففي نفوذ البيع على التبيّن قولان.
٣٩٨٨ - وكان شيخي يرتب هذه المسائل، ويجعل العتق أولى بالنفوذ، من قِبَل قبوله التعليق بالأغرار (٢)، والوقفُ دون التصريح بالتعليق. والكتابة تلي العتقَ، وتستأخر عنه لما فيها من المعاوضة. والبيع يترتب على الكتابة، وهو أولى بأن لا ينفذ؛ لأنه معاوضة محضة عرية عن قبول التعليق بالأغرار، والهبة في هذا الترتيب في درجة البيع، فإنها لا تُعلّق، كما أن البيع لا يعلّق.
فهذا بيان ترتيب هذه المسائل.
٣٩٨٩ - فإن رأينا إلغاء هذه التصرفات وإبطالَها في الحال والمآل، تصرفنا في المبيع، والمعتَق والمكاتَب تصرُّفَنَا في سائر الأموال. وإن رأينا إجراءها على الوقف، وأمكننا تأدية الديون دون التصرف في محال تصرفات المفلس، أخرنا محالَّ تصرفه، وإن انتهت الحاجةُ إليها، ابتدرنا ما وهبه، وقدمنا التصرف فيه على التصرف في المبيع؛ فإن البيع ألزم من الهبة، وأبعد من النقض، ثم نتصرف بعد الموهوب في المبيع، ثم في المكاتَب، ويؤخر المعتق. وهذا الذي نذكره على قول الوقف استحقاقٌ، وترتيبه واجب، وليس على مذهب الأوْلى والمستحب، وكل تصرف كان أقوى، فإنا نؤخر محلَّه جهدنا.
٣٩٩٠ - ولو لم نجد زبوناً يشتري من أمتعة المحجور إلا العبد الذي أعتقه، والتفريع على قول الوقف، فقال الغرماء: حاجتنا ماسة في الحال إلى شيء، فلا
стр. 3279
تؤخروا حقّنا، ونَجِّزوا بيعَ هذا العبد، فهذا فيه احتمالٌ ظاهر؛ فإن تأخير حقهم بعيدٌ، وإبطالُ الإعتاق لتوقفٍ (١) -مع الاشتغال والتشمير- فيه (٢) بعيدٌ (٣) أيضاًً؛ فلينظر الناظر.
وغالب الظن أن الغرماء يجابون في الصورة التي ذكرناها.
فهذا بيان تصرفات المفلس في أعيان أمواله.
٣٩٩١ - فأما تصرفه الذي لا يتعلق بعين ماله، فنذكر ما قد يخفى، ونترك ما لا خفاء به، كنفوذ طلاقه وخُلعه، وعفوه عن القصاص، واستلحاق النسب، ونفيه باللعان، فلا خفاء بنفوذ هذه الأشياء.
٣٩٩٢ - والذي يُعتنى به أنه لو نكح امرأةً، صح. وإن كان النكاح يُلزمه النفقة، على ما سنعيد هذا في الفصل المشتمل على بيان النفقات، إن شاء الله تعالى.
٣٩٩٣ - ولا شكّ أنه لو اتّهب، أو قبل الوصيّة، صح ذلك منه؛ فإنّ ما يأتي به من هذه الأجناس اكتساب أموالٍ، وليس تصرفاً في المال الذي اشتمل الحجرُ عليه.
٣٩٩٤ - ولو اشترى المفلس، فالمذهب الأصح أن شراءه صحيحٌ، إذا كان الثمن وارداً على الذمة؛ فإنه ليس محجوراً عليه في لفظه وذمته. وذكر بعض أصحابنا قولاً في إبطال شرائه، توجيهه يظهر بالتفريع.
فإن قلنا: لا يصح الشراء، فلا كلام. وإن قلنا: يصح الشراء، فلا يؤدَّى الثمنُ
стр. 3280
من المال الذي اشتمل الحجر عليه. ولكن هذا يخرّج عندنا على الخلاف المقدّم في أن المال الذي يحدث للمحجور هل يشتمل عليه الحجر؟ فإن قلنا: يشتمل الحجر على ما يستحدثه، فهذا القياس يقتضي أن يصرف ما اشتراه إلى ديونه، ويقال لمعامله والبائع منه: أسأْتَ إذ عاملته (١)، فاكتف بذمته، وارتقب يُسره في ثاني الحال. هذا هو القياس، وفيه تحقيق (٢).
٣٩٩٥ - وحاصل المذهب المأخوذ من مرامز كلام الأصحاب وجهان: أحدهما - ما ذكرناه، وهو أن الغرماء يتضاربون في المبيع، والبائع محالٌ على ذمة المفلس، يطالبه بالثمن إذا انطلق عنه الحجر. وتعليله ما ذكرناه.
والوجه الثاني - أن البائع لا يضارب الغرماء في الأموال التي انعقد الحجر عليها؛ فإن دينه جديد، ولكنه يضارب الغرماء في ثمن المبيع المستفاد منه؛ فإن فى دينه يثبت مع ثبوت الملك في المبيع، وهو عوض المبيع. فلا أقل من أن يشارك الغرماءَ في العين المبيعة.
٣٩٩٦ - وممَّا يتعلق بتمام البيان في هذا الفصل القولُ في أن البائع لو أراد الرجوعَ في العين [المبيعة] (٣) على الأصل الممهد في إثبات ذلك للبائع، إذا وجد عين ما باعه في يد المشتري. ونحن نقدم على ذلك مسألة، ذكرها الشيخ في شرح التلخيص: وهي أَنَّ العبد القِنَّ لو اشترى بغير إذن سيده شيئاًً، فالمذهب أن البيع فاسد، ومن أصحابنا من حكم بصحة البيع. وقد ذكرنا ذلك في كتاب البيع.
فإن فرعنا على صحة البيع، فلا شكّ أنه يتعذر على البائع استيفاء الثمن؛ فإن متعلقه الذمة على الإطلاق، وكل دين تعلق بالذمة، فالعبد لا يطالَب به في رقِّه، ولكن إذا عَتَق اتُّبع به.
فإذا علم البائع ذلك، وكان الثمن حالاًّ، ولم يكن عالماً بكونه عبداً حالة العقد،
стр. 3281
فله حق فسخ البيع، والرجوع إلى المبيع. قطع به الشيخ، وحكى فيه وفاق الأصحاب.
ولو كان عالماً بحقيقة رقِّه عند البيع، ففي ثبوت الخيار وجهان: أحدهما - أنه يثبت الخيار. وهو الذي حكاه الشيخ في الشرح. والثاني - أنه لا خيار له، حكاه غيره، ووجهه أنه أقدم على معاملته مع العلم بحقيقة صفته، فلا يثبت الخيار لمن يكون مطلعاً على سببه عند العقد.
فإذا ثبتت هذه المقدمة، عدنا إلى غرضنا، فنقول:
٣٩٩٧ - إذا باع شيئاًً من المفلس المحجور عليه، وكان عالماً بحاله عند العقد، فظاهرُ المذهب أنه لا خيار له، بخلاف العبد؛ فإن انطلاق الحجر عنه مأمولٌ قريب، غيرُ بعيد، بخلاف العتق؛ فإن توقعه (١) بعيد، وظاهرُ الرق الاستمرار، فإذا انضم ذلك إلى علمه بفلسه، امتنع ثبوت الخيار.
وفي المسألة وجه آخر بعيد: أن الخيار يثبت كما ذكرناه في العبد إذا اشترى بغير إذن مولاه، ووجه الجمع بيّنٌ واضح.
ولو باع من المفلس ظانّاً أنه مطلق في تصرفه، فإذا تبيّن له فلسه، واطرادُ الحجر عليه، فالظاهر أنه يثبت له حق الفسخ؛ لاطلاعه على السّبب الذي تعذر به استيفاء الثمن.
ومن أصحابنا من لم يُثبت الخيارَ في هذه الصورة؛ إذ لا خلاف أنه لو باع من معسرٍ غيرِ محجور عليه، لم يكن له أن يفسخ، إذا اطلع على إعساره، حتى يُحجر عليه. والحجر الواقع في مسألتنا لم يضرب لأجل البائع، بل كان المحجور مطلقاً في حق البيع الذي جرى؛ فإنه استبد بنفسه فيه، فنفذناه دون مراجعة الوالي والغرماء، فكان بيعه مستثنى عن حكم الحجر، وهو بمثابة ما لو باع شيئاًً ممن ظنه موسراً، وسلمه إليه، ثم تبين أنه معسر؛ فإنه لا يفسخ البيع من غير حجر على المشتري.
٣٩٩٨ - ومما يتعلق بتصرفات المفلس، أنه لو أقر في حال قيام الحجر بدين في
стр. 3282
ذمته، فالمقَر له لا يضارب الغرماء الذين ثبتت ديونهم إذا لم يصدقوا المفلسَ. ولكن الدين يثبت في ذمة المفلس للمقر له، يطالبه به إذا انطلق الحجر عنه، واستفاد مالاً. وهذا متفق عليه؛ فإن الإقرار ليس عقداً أنشأه.
وإذا كنا نقول: الظاهر صحة شرائه لوروده على الذمة، وإن كان الشراء عقْدَ عهدة على الجملة، فالإقرار الذي هو إجبار محض يُلزم ذمتَه المقَرَّ به لا محالة. من غير تخيل خلاف، ولكن لا يضارب المقَرُّ له الغرماءَ في الأموال التي جرى الحجر فيها.
٣٩٩٩ - ولو أقر المفلس بأن عيناً من الأعيان - التي اطرد الحجر عليها ظاهراً وكانت في يده مغصوبةٌ (١)، وهي لفلان، فقد نص الشافعي في كتبه القديمة على قولين في إقراره بالعين: أحدهما - أنه لا ينفذ في الحال، وإن مسّت الحاجة إلى صرفها إلى ديونه، صرفت إليها. والثاني - أن إقراره ينفذ في العين، وهي مصروفة إلى المقر له بها؛ فإن عبارة المفلس صحيحة، ولا تهمة في قوله.
فقال الأئمة: يجب طرد القولين في الإقرار بالدَّين المرسل: أحدهما - أن المقر له لا يضارب الغرماء بالدين. والثاني - أنه يضارب تخريجاً على قبول إقراره بالعين ناجزاً. وهذا القول يتجه في القياس. وفي الجملة لا فرق بين الدين والعين.
والمريض وإن كان محجوراً عليه في الزائد على الثلث، فقراره بالدين المستغرِق مقبول. وكذلك لو أقر بعين مالٍ، قُبل إقراره.
٤٠٠٠ - فإن قيل: قطعتم القول برد عتقه وبيعه في الحال، وذكرتم القولين في نفوذهما لو سلم محالهما عن الصرف إلى الديون على مذهب الوقف، وذكرتم قولاً في تنفيذ الإقرار بالعين والدين المرسل ناجزاً، وإن أضر ذلك بالغرماء. قلنا: هو كذلك؛ فإن الحجر مقصوده منع المحجور عليه من التصرف؛ فتنفيذ تصرفه فيما جرى الحجر عليه يناقض مقصود الحجر، والحجر لم يسلبه العبارة عن أمرٍ مضى، وليس هو إنشاء تصرف في الحال (٢)؛ فكان ذلك فرقاً واضحاً.
стр. 3283
وإذا لم ينفذ إقراره بالعين في الحال، ولكن سَلِمت العين عن الصرف إلى الديون، وانطلق الحجر، فلا خلاف في مؤاخذة المحجور بإقراره في تلك العين بعد ارتفاع الحجر، ولا يخرّج على القولين المذكورين في البيع والعتق وغيرهما؛ فإنَّ مذهب الوقف في العقود على التردد مشهور، والإقرار يحتمل مثل ذلك، ولو قال إنسان: إن فلاناً أعتق، فرُدّ قولُه فيه، فلو اشتراه، كان مؤاخذاً بموجب قوله السابق.
فهذا منتهى المراد في تصرفات المفلس في غرض الفصل.
فصل
قال: " وذهب بعض المفتين إلى أن ديون المفلس تَحِلُّ بالحجر ... إلى آخره " (١).
٤٠٠١ - لا خلاف أن من مات وعليه ديون مؤجلة، حلت الديونُ بموته، وهذا متفق عليه، وإن كان قد يظهر إضرار ذلك بالورثة؛ فإن الدين المؤجل إلى عشرين سنة لا يساوي شيئاًً به مبالاة؛ وإذا حل الدين، فقد تضاعفت المالية في حق مستحق الدين، ولكن الأمر على ما وصفناه.
٤٠٠٢ - ولو جن من عليه ديون مؤجلة، ففي حلول الدين وقد استمر الجنون قولان: أصحهما - أنها لا تَحِلُّ؛ فإن حلولها على الميت غير منقاس. على أن الممكن أن الآجال مَهْلٌ وفَسْحٌ. والغرض منها طلبٌ لمحل الدين في مدة الأجل؛ وذلك مأيوسٌ منه في حق المتوفَّى؛ فإن الموت حسم إمكان العمل، واستأصل أصلَ الأجل؛ فلا يبعد أن يقطع مدّة الأجل، وهذا لا يتحقق في طريان الجنون؛ فإن الآمال مبسوطة، ما بقيت الحياة.
٤٠٠٣ - وكان شيخي أبو محمد يذكر في طريان الجنون القولين، كما ذكرناهما.
стр. 3284
ثم كان يذكر في طريان الحجر بسبب الفلس قولين مرتبين على القولين في الجنون، ويجعل الجنون أولى بمضاهاة [الموتِ] (١) في اقتضاء الحلول من الحجر؛ من قِبل أن المجنون لا استقلال له، ولكن يخلفه قيِّمه ووليّه، كما يخلف الوارثُ الموروثَ، والمفلس ليس خارجاً عن الاستقلال في التصرفات المختصة به.
وهذا فيه نظر عندي؛ من قبل أن قيّم المجنون لو أراد أن يتصرف له تصرفاً مشتملاً على ثمن مؤجل، لم يمتنع ذلك ابتداءً؛ وإذا كان لا يمتنع ما ذكرناه ابتداء، فاقتضاؤه قطعَ الأجل محالٌ لا اتّجاه له. والوجه عندي تخصيص القولين بالمفلس المحجور، نظراً لمستحق الدين، والحجر مضروبٌ لمصلحة أصحاب الديون.
وبالجملة لا وجه للمصير إلى حلول الأجل في غير الموت. والمعتمد في الموت الاتباع كما ذكرناه. ولا يستدّ فيه معنى على السبر.
ونحن الآن نفرع على القولين في حلول الأجل وبقائه، فنقول:
٤٠٠٤ - إن حكمنا بأن الأجل لا ينقطع، والدين لا يحل، فنتكلم في أمرين: أحدهما - المضاربة بالدين المؤجل. والثاني - فسخ البيع.
فأمَّا الكلام في فسخ البيع، فالمذهبُ الأصح أن من باع شيئاًً بثمن مؤجل، وفُلّس المشتري بسبب ديونٍ حالة، فليس للبائع، والثمن مؤجل أن يفسخ البيع، ويرجع إلى عين (٢) المبيع؛ فإن الأجل يمنع حقَّ الطلب، والفسخُ مترتب على تعذر الثمن المطلوب.
وذكر العراقيون، وغيرُهم وجه آخر، وقالوا: نقرر المبيع، ولا نصرفه إلى الديون الحالّة، وننظر ما يكون، فإن حل الأجل والحجر قائم بعدُ، فللبائع حقُّ الفسخ، وإن كان الحجر قد انطلق، وأمكن استيفاء الثمن كاملاً، استوفاه البائع، وإن كان معسراً، فقد ثبت حقُّ الفسخ، كما سنصفه في التفريع.
وهذا القائل يحتج بأصل هذا الوجه بأن حق البائع متعلق بالمبيع، تعلقَ حق
стр. 3285
المرتهن بالمرهون. ثم لو فرض دَيْنٌ مؤجَّل موثَّق برهن، ثم جرى الحجر، فاختصاصُ المرتهن بالرهن قائم مع استمرارِ الأجل، فليكن الأمر كذلك في الثمن المؤجل.
وهذا مزيف عند المحققين؛ فإن اختصاص المرتهن كان ثابتاً مقدَّماً على جريان الحجر، فدام ذلك الحق. ومن باع شيئاًً مؤجَّلاً، فمقتضى بيعِه تسليمُ المبيع، وتركُ التعلّق به، فإثبات الاختصاص بالمبيع مع دوام الأجل بعيد.
وهذا الوجه على بعده مشهور؛ فلا بد من تفصيله بالتفريع، فنقول:
إذا حل الأجل والحجر قائم، فحق الفسخ يثبت كما ذكرناه، وإن انطلق الحجر، وحل الأجل والمشتري معسر، فالظاهر على هذا الوجه أن يفسخ البيع من غير حاجةٍ إلى إعادة الحجر؛ فإنّ وَقْفَنا [المبيع] (١) وعزلَنا إياه على انتظار حلول الأجل من أحكام الحجر، فكأنّ حكمَ الحجر قائم باقٍ في حق المبيع.
ومن أئمتنا من قال: إذا حل الأجل والعسر دائم، أعدنا الحجرَ، ليفسخ البائع.
وهذا بعيد غيرُ سديد.
٤٠٠٥ - ومما يتصل ببيان هذه القاعدة أنا إذا كنّا لا نحكم بحلول الأجل؛ جرياً
على الصحيح، فلو لم يكن على المشتري إلا أثمانٌ مؤجلة، ولم يكن عليه دين حال،
فلا يثبت لأصحاب الأثمان المؤجلة طلب الحجر عليه، وإن فرعنا على الوجه البعيد
في عزل المبيع للبائع بالثمن المؤجل؛ فإنَّ من لا يملك طلب الثمن كيف يملك طلب
الحجر؟ والتفريع على بقاء الأجل. وإن رأينا عزلَ المبيع [وانتظارَ] (٢) حلول الأجل،
فسببه ألا يصرف المبيع إلى الديون الحالة، فيخيب البائع. وهذا واضح لا إشكال
فيه.
وما ذكرناه تمام الغرض في حكم فسخ البيع على الوجه الذي فرعنا عليه.
٤٠٠٦ - فأما القول في المضاربة بالدين المؤجل، فقد قطع الأصحاب كافة بأن صاحب الدين المؤجل لا يعزل له مقدارُ دينه؛ فإن أصحاب الديون الحالة يختصون
стр. 3286
بالتضارب في الأموال العتيدة التي جرى الحجر فيها، واطرد عليها، والوجه الذي حكيناه في عزل المبيع سببه على بعده تشبيه (١) المبيع بالمرهون. وهذا المعنى لا ينقدح في مؤجل لا متعلق له بعين.
٤٠٠٧ - وكل ما ذكرناه تفريع على أن الأجل لا يَحِلّ، فأمّا إذا قلنا: بحلول الأجلِ، فأصحابُ الديون المؤجَّلة يضاربون أصحاب الديون الحالة. وهذه فائدة الحلول.
ولا يشك فقيه في أن من مات، وكانت عليه ديون حالة، وأخرى مؤجلة، ووقع الحكم بالحلول بسبب الموت، استوى في التضارب من كان دينه مؤجلاً، ومن كان دينه حالاً.
ولو كان في يد المفلس مبيع، وقد وقع [الحكم] (٢) بحلول الثمن، فالمذهب أن البائع يملك فسخ البيع بسبب حلول الثمن مع الحجر.
ومن أصحابنا من قال: وإن حكمنا بحلول الثمن، فلا يثبت حق الفسخ، والسَّبب فيه أن البيع مع الأجل مبناه على انقطاع حق البائع عن المبيع بالكلية، ولهذا لا يثبت للبائع حق حبس المبيع إذا كان الثمن مؤجلاً، فلا ينبغي أن يتغير البيع (٣) عن وضعه، وينقلب البائع إلى التعلق بالمبيع، وهذا ضعيف لا أصل له؛ فإن الثمن إذا كان حالاًّ، فحق الحبس يبطل بتسليم المبيع إلى المشتري طوعاً قبل استيفاء الثمن، ثم يعود تعلّق البائع بالمبيع بسبب طريان الفلس؛ فالوجه إذاً القطع بأنه يثبت للبائع حق الحبس (٤) إذا فرّعنا على اقتضاء الحجر حلولَ الثمن.
٤٠٠٨ - وذكر بعض أصحابنا وجهاً بعيداً في التفريع على وجه الحلول، فقال: فائدة الحكم بالحلول ألا يخيب من كان حقه مؤجّلاً. وإذا كان كذلك، اكتفينا بأن
стр. 3287
نعزل حقَّ من كان دينه مؤجّلاً على ما يقتضي حسابُ التضارُب، ثم ننتظر حلول الأجل، فكأن الأجلَ باقٍ في حق المفلسِ، وإن سقط أثره في حقوق الغرماء، الذين هم أصحاب الديون الحالة.
وهذا مزيّف لا أعدُّه من المذهبِ، ولا يجب أن نعتقد جريان هذا الوجه الضعيف في حق الميت إذا حلت الديون عليه؛ فإنه ليس للانتظار وجهٌ في حقوق الورثة. وإنما ذكر الأصحاب هذا الوجهَ في حق المفلس الحي، وهو باطل حيث ذكروه.
٤٠٠٩ - ومما يتعلق بتمام البيان في التفريع على حلول الديون في حق المفلس أنه إذا لم يكن على الإنسان دَيْنٌ حال، وإنما ديونه مؤجَّلة كلها، فهل يملك أصحابها المطالبةَ بالحجر حتى لا تضيع حقوقهم؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنهم يملكون ذلك؛ فإن ديونهم تحل بالحجر، فينبغي أن يملكوا طلبه.
والثاني - لا يملكون ذلك؛ فإن طلب الحجر يتبع طلب الدين، وليس ذلك ثابتاً لهم، فكيف يملكون الحجرَ وطلبَه، وهم لا يملكون طلبَ أصل الدّين، حتى إذا تعذر مطلوبُهم توصلوا إلى استدعاء الحجر، وهذا الوجه أصح وأقيس.
فرع:
٤٠١٥ - إذا قلنا: لا يحل الأجل بالحجر، فلو باع الإنسان شيئاًً بثمنٍ مؤجَّل، وحل الأجل، وحجر على المفلس، والمبيع قائم، فالمذهبُ أن البائع يملك فسخ البيع، طرداً للقياس في الباب.
وقال بعض أصحابنا: لا يملك الفسخ؛ لأن مبنى العقد على انقطاع علائق البائع عن المبيع بالكلية. وهذا غير سديد.
ولا خلاف أن أصحاب الديون المؤجَّلة إذا حلت حقوقُهم، ملكوا طلب الحجر، كما يملكه من كان أصل دينه حالاً.
فرع:
٤٠١١ - إذا باع شيئاًً من عبدٍ بغير إذْن مولاه، وفرَّعنا على الوجه الضعيف في صحة البيع، فلو أراد البائع فسخَ البيع، قبل حلول الأجل، لم يملكه. قطع به الشيخ في الشرح.
وإذا حل الأجل، فأراد الفسخَ، فقد قطع أيضاًً بأنه لا يفسخ. وهذا محتمل أن
стр. 3288
يثبت له حق الفسخ، كما إذا كان الثمن حالاً، ولهذا قلنا: يثبت حقُّ الفسخ لمن كان الثمن في بيعه مؤجَّلاً، ثم يحل قبل الحجر، ثم يتفق الحجر.
وإذا فرعنا على أن الثمن لا يحل بالحجر، وجرينا على أنه لا يثبت للبائع حق الفسخ بأن يعزل المبيع له، وحكمنا بأن المبيع مستحق الصرف إلى الديون الحالة، فلو لم يتفق صرفُه إليها حتى حل الأجل في أثناء الأمر، فهل يثبت له الآن حق الفسخ؟ فيه احتمالٌ، وترددٌ، مترتب على ما مهدناه في نظائر ذلك.
فصل
قال: " ولو جُني عليه عمداً ... إلى آخره " (١).
٤٠١٢ - مضمون الفصل ذِكْرُ الجناية على المفلس، وعلى عبده، وذكْرُ جناية المفلس وجناية عبده.
فأمَّا الجناية على المفلس، فإن كانت موجبة للقصاص، فله حق الاقتصاص، وليس
للغرماء أن يكلفوه العفوَ على مالٍ ليصرف إلى حقوقهم. وإن عَفا على مالٍ، صُرف إلى ديونه؛ تفريعاً على الأصح في أن ما يستفيده المفلس جديداً، فحكم الحجر جارٍ فيه.
وإن عفا المفلس على غير مال، فهذا يتفرع على أن موجب العمد ماذا؟ وسيأتي شرح هذا في كتاب الجراح، والفصلُ بين المفلس وبين المبذّر والسّفيه.
ولو كانت الجنايةُ موجبة للمال ابتداءً، فهو مصروف إلى الديون؛ جرياً على اطراد الحجر على المال المستحدث.
والجناية على عبد المفلس كالجناية على المفلس نفسه، فتنقسم إلى العمد وغيره.
وتفصيل القصاص والعفو عنه، كما سبقت الإشارة إليه، وإحالة الاستقصاء على كتاب الجراح.
٤٠١٣ - فأما إذا جنى المفلس، فلا يخفى تفصيل القصاص عليه. وإن جنى جناية موجَبُها المال، لم يشارك المجنيُّ عليه أصحابَ الديون في الأموال التي جرى الحجر
стр. 3289
فيها؛ فإن الأرش دينٌ جديد، وليس متعلقاً بمصلحة الحجر، فإن صدرت الجناية من عبد المفلس، فهو من جملة الأموال الموقوفة للغرماء، فلو أراد المفلس أن يفديه بعين من أعيان أمواله، فهذا تصرُّفٌ منه في أعيان الأموال، وقد سبق التفصيل في تصرفاته، فلا حاجة إلى إعادتها. والقاضي لو أراد الفداء، ورأى ذلك مصلحة وغبطة، نفذ ذلك منه. وحق المجني عليه إذا تعلق برقبة العبد مقدم على حقوق الغرماء، كما نُقدِّم حقَّ المجني عليه على حق المرتهن، إذا جنى العبد المرهون.
وهذا واضح. وليس كالجناية على المفلس نفسه. ووضوح ذلك يغني عن بسطه.
فصل
قال: " وليس على المفلس أن يُؤاجر نفسه ... إلى آخره " (١).
٤٠١٤ - ليس على المديون عندنا، محجوراً كان، أو مطلقاً، أن يكتسب لأجل الدّين؛ وإن كان ممكناً منه. وقال أحمد (٢): عليه ذلك، وزعم أن القاضي يؤاجر المفلسَ، ويصرف أجرته إلى نفسه. ومعتمدنا أن الرّب تعالى قال في كتابه ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أوجب الإنظار، ولم يُلزم الاكتساب. وفي إيجاب الاكتساب لأجل النفقة كلامٌ، سيأتي في كتاب النفقة، إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: أليس روي أن رسول الله ﷺ باع سُرَّقا (٣) في دينه، وحُمل ذلك على أنه آجره؛ فإن الحر لا يباع؟ قلنا: يحتمل أنه كان عبداً، فباعه في أرشٍ كان تعلق برقبتهِ.
٤٠١٥ - ولو كان للمفلس أم ولد، فهل يؤاجرها القاضي ليصرف أجرتها إلى الديون؟ فعلى وجهين: أحدهما - يفعل ذلك؛ فإن منافعها مالٌ، فلئن تعذر بيعها،
стр. 3290
فلا تعذر في صرف منافعها إلى الدين. والثاني - لا يفعل ذلك؛ فإنّ المنافع ليست أموالاً عتيدة موجودة، ولو كانت بمثابة الأموال الموجودة، لوجب إجارةُ المفلس من نفسه.
واختلف الأئمة فيه أيضاً إذا كان على المفلس وقفٌ، وأمكن إجارته (١) هل يجب ذلك، وصرفُ الأجرة إلى الديون؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه في أم الولد. ثم إن لم نوجب الإجارةَ، فلا كلام، وإن أوجبناها، فالوجه أن نوالي بين المُدد في الإجارة إلى الوفاء بالديون؛ فإن المنافع لا نهاية لها، وليست كالأموال العتيدة التي تعنى بالصرف إلى الديون.
فإذا كان كذلك، فيلزم من قياس هذا أن يدوم الحجر إلى أداء الديون من جهة الإجارة. وهذا فيه بُعد لا يخفى مُدركه على الفقيه.
فصل
قال: " ويترك له من ماله ما لا غِنى به عنه ... إلى آخره " (٢)
٤٠١٦ - الحاكم قبل تفرقة مال المفلس ينفق عليه، وعلى من تلزمه نفقته من زوجاته وأقاربه الذين يستحقون إنفاقه عليهم. فإن قيل: النفقة على المفلس بيّنة، فما سبب الإنفاق على غيره، والمال موقوفٌ بسبب الديون؟ قلنا: النفقة في ترتيب المعاملة مقدمة على أداء الديون في كل يوم، وأمواله بنفقاته أولى منه بديونه. والإشكال في نفقة الأقارب. وكان لا يمتنع أن يُلحق (٣) في حقوقهم [بالفقير الذي لا مال له] (٤). ولكن
стр. 3291
أجمع الأصحاب على ما ذكرناه، فليثق الطالب (١) بما نقلناه.
٤٠١٧ - ولو كان عليه دينٌ، وقد رهن به مالاً لا يملك غيره، لا ينفق عليه، ولا على أهله وأولاده منه؛ فإن المرهون خارجٌ عن حكم تصرفه إلى الفكاك، والأموالُ باقية على حق المحجور، ولكنه بالحجر محمولٌ على أن يبتدر إلى صرفها إلى [ديونه] (٢)، ثم القاضي يجري فيها على ما كان يجري المديون لو لم يكن محجوراً عليه.
وفي القلب من نفقة الأقارب مخالجةٌ ظاهرة، ولكن المذهب نقلٌ. ونحن لا نذكر وجهاً إلا عن نقل صريح، أو أخذٍ من رمز وفحوى في كلام الأصحاب، ولم أر فيما حكيته شيئاًً.
ثم لا شكَّ أن نفقته نفقةُ المعسرين.
٤٠١٨ - وإذا فضّ القاضي أموالَه على ديونه، فلا شكّ أنه يُبقي له نفقةَ اليوم الذي يتفق التفريق فيه، قال الأصحاب: يُبقي أيضاً نفقة زوجاته وأقاربه في ذلك اليوم، كما تقدم، ولا مزيد على نفقة ذلك اليوم؛ فإنه لا ضبط بعده يقف عنده.
٤٠١٩ - ثم قال: " يُبقي له دستَ ثوبٍ من ماله ". والأمر على ما ذكره؛ فإنه لا سبيل إلى تركه عارياً، ولا خلاف أنا لا نكتفي بما يستر عورته، بل نرعَى ستراً لا يخرم مروءته، ويختلف ذلك باختلاف الدّرجات. فإن كان الرجل من العلماء، فقد قال كثير من الأئمة: يُبقي له دَسْتَ ثوب، ومن جملته طيلسان، وخُفّ. ولي في الخف والطيلسان نظرٌ؛ فإنهما معدودان وراء الاقتصاد، وليس في تركهما خرمٌ للمروءة، والمتبع أن لا تنخرم مروءته. ولا شك أنا لا نبقي له دستَ ثوب يليق بحاله في بسطته وثروته، ولكن ليكن ما نُبقيه لائقاً بحالته. وإن كان الرجل سوقياً نبُقي له دستَ ثوب يليق بحاله. وإن كان أتونياً (٣)، نبُقي له أطماراً لائقةً به. وإن كان في
стр. 3292
انبساطه تزيّدٌ (١) في التجمل على ما يليق برتبته، فنرده في إفلاسه إلى ما يليق بمنزلته (٢)، ولا يُعتبر مجاوزتُه حدَّ الاعتدال اللائق بحاله (٣). ولو كان في ثروته يلبس الخسيس من الثيابِ، وكان يُعدّ مقتراً على نفسه، فإن أفلس، رضينا له بما كان يرضى به في ثروته؛ فإنا لا نزيده في حالة الإفلاس على ما كان عليه قبله. نعم لا نقول بحطه عما كان يعتاده من الخسيس (٤) بسبب إفلاسه، كما قد نفعل ذلك في حق المقتصد.
فليفهم الناظر ذلك.
وقد قال رسول الله ﷺ " ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات، فالمنجيات القصدُ في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب، وذكر الله تعالى على كل حال. والمهلكات شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه " (٥).
ويعطيه في الصيف ما يليق به، وإن اتفق تفريق ماله في الشتاء، أعطيناه ما يليق بالشتاء، ولا يجمع له بين كسوتي فصلين.
٤٠٢٠ - ولو مات المفلس، بدَأْنا بكفنه، ومؤنة دفنه، وفي القدر الذي يكفن به خلافٌ، ذكرناه في كتاب الجنائز. ونحن نرمز إليه لغرضٍ لنا في فقه هذا الفصل.
قال أبو إسحاق المروزي: إذا مات المفلس، اكتفينا بستر عورته بخرقة، وهذا مأخوذ عليه، واختلف أصحابنا في تزييف هذا المذهب على وجهين: أحدهما - أنه يكفن في ثوب واحد يواريه؛ فإن الغرض المواراة بالكفن، وقضاء دينه أهم من تكفينه في ثلاثة أثواب.
стр. 3293
والوجه الثاني - أنه يكفن في ثلاثة أثواب إقامةً لشعار الدين في إكرام جثة المسلم.
والغرض ممّا ذكرناه أن الأصحاب فرقوا بين الكفن وبين ما نبقيه للمفلس من دست ثوب؛ إذ أجمعوا على أن الثوب الواحد لا يكتفى به في حق الحي، وفي الاكتفاء بالثوب الواحد (١) الساتر الخلافُ الذي ذكرناه. والفرق أن الحي يراعَى فيه ما يُبقي عليه رتبتَه ومروءتَه، والميت وإن شُرع إكرامُه، فإلى البلى مصيره، فليعرف الناظر قصدَ الأصحاب في الفرق بين الباب والباب.
ولو مات عبده أو قريبه الذي يمونه، فالكفن من المال العتيد، كالنفقات الدارّة.
والقول في تكفين هؤلاء كالقول في تكفين المفلس نفسه.
٤٠٢١ - ولو ماتت زوجةُ المطلِّق الموسر، ففي وجوب تكفينها على الزوج وجهان مشهوران ذكرناهما. وإن كان الزوج مفلساً، ففي وجوب التكفين الخلافُ الذي ذكرناه، ولا معنى لتخيل الترتيب؛ فإن كل مؤنة لا يشترط فيها اليسار مُخْرجة من مال المفلس بسبب الذين يمونُهم المفلس.
٤٠٢٢ - وممّا يتعلق بتمام البيان في الفصل أن المفلس لو كان مخدوماً، وكان أَلِف غلاماً يخدمه، فالمنصوص عليه أنه يباع في الدين، ونص في الكفارة (٢) على أن ذلك العبد غيرُ محسوب على من عليه الكفارة، ولا يلزمه [صرفه] (٣) إليها، واختلف أصحابنا، فمنهم من جعل في المسألتين قولين، نقلاً وتخريجاً. والمذهب تقرير النصين. والفرق من وجهين: أحدهما - أن العتق في الكفارة حق الله تعالى، وحقوق الله تعالى مبناها على المسامحة، ومبنى حقوق الآدميين على الضيق.
والثاني - أن العتق له بدل في الكفارة ينتقل إليه، ولا بدل للدّين.
هذا قولنا في الخادم. ثم إن رأينا إبقاءه، فليكن قريبَ القيمة، لائقاً بأحوال المعسرين.
стр. 3294
ولو لم يكن له خادم وكان ممن يُخدم، فهل نشتري له خادماً، كما نشتري له دستَ ثوب إن لم نصادفه؟ فعلى وجهين: والأصح أنا نشتريه إن فرّعنا على هذا الوجه الضعيف، فظاهر المذهب أنا لا نبقي له خادماً، بل نصرفه إلى الديون.
٤٠٢٣ - فأما المسكن، فهو أحق من الخادم إذا كان لائقاً بالحال، ولم يكن رفيع القيمة، وإبقاءُ المسكن أولى من إبقاء الخادم، على كل حال، سيّما إذا كان الرجل ضعيفاً ذا عيلةٍ. وذِكْرُ الخلاف في إبقاء المسكن للمفلس أقربُ من ذكره في إبقاء الخادم، لما أشرنا إليه من الفرق بينهما في حكم الحاجة. وذكر الخلاف على طريق النقل في احتساب المسكن على من لزمته الكفارة المرتبة أبعدُ من تقدير النقل في الخادم.
٤٠٢٤ - وإذا أردنا جمع مقتضى ما أشرنا إليه من الفرق بين الخادم والمسكن في حق المفلس، فالصيغة المشعرة بالمقصود أن نقول: في الخادم والمسكن في حق المفلس ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها - أنهما لا يبقيان له. والثاني - أنهما يبقيان. والثالث - أنه يبقى المسكن دون الخادم. ومهما أبقينا له شيئاًً مما ذكرناه، اشترينا له إن لم نجده، كدأبنا في الثياب.
فصل
قال: "وإن أقام شاهداً واحداً على رجل بحق ولم يحلف مع شاهده ... إلى آخره" (١).
٤٠٢٥ - قد سبق منا تمهيد هذا الأصل، ولكنا نعيد تنبيهنا عليه للجريانِ على الترتيب، فالذي نص عليه الشافعي أن المفلس لو ادّعى ديناً على إنسان، وأقام شاهداً واحداً، وامتنع عن الحلف معه؛ فأراد الغرماء أن يحلفوا مع شاهده، لم يكن لهم ذلك.
وقال الشافعي: "لو أقام الوارث شاهداً واحداً على رجل بدين للميت، ولم
стр. 3295
يحلف معه، فأراد غرماء التركة أن يحلفوا، لم يكن لهم، كما ذكرناه في المفلس".
هذا نصه في الجديد. ونص في القديم على قولين في مسألة الوارث: أحدهما - أن الغرماء يحلفون. والثاني - أنهم لا يحلفون.
فمن أصحابنا من ذكر في غرماء المفلس قولاً بنقل الجواب عن غرماء التركة (١) أنهم (٢) يحلفون إذا لم يحلف المفلس. والصحيح الفرقُ بين المسألتين، وقَطْعُ القول بأن غرماء المفلس لا يحلفون؛ فإن المفلس صاحبُ الواقعة، وقد ادّعى الدين لنفسه، فإذا امتنع عن اليمين من ادعى الحق لنفسه، بعُد تحليف غيره، والدين في مسألة الوارث يُدّعى للميت، فكان حَلِفُ الغريم أقربَ إذا فرض نكول الوارث.
٤٠٢٦ - ومما يخرّج على ما ذكرناه أنه لو لم يُقم المفلسُ والوارث شاهداً، ولكنهما ادّعيا، فحلَّفنا المدعى عليه، فنكل عن اليمين، واقتضى الحال ردّ اليمين على المدعي، فنكل المدعي، فهل يحلف الغريم (٣) يمين الرد؟ ترتيب المذهب فيه كترتيب المذهب في اليمين مع الشاهد.
ولو ادعى الراهن أنه استولد الجارية المرهونة بإذن المرتهن، والتفريع على أن الاستيلاد لا يثبت دون إذنه، فإذا أنكر المرتهن الإذنَ وحلّفناه، فنكل، فإن حلف الراهن، ثبت ما يبغيه، وإن نكل، فأرادت الجارية أن تحلف، كان لها ذلك، نصَّ عليه في الجديدِ والقديمِ قاطعاً جوابه. والفرق بينها وبين الغريم في المفلس والوارث ظاهر، وذلك أنها صاحبة حق في تأكد حق الحرية لها، (٤ وهذا في حكم حق ثبت ناجزاً من غير تقدير توصل إليه ٤)، بخلاف الغريم؛ فإن الدين لو ثبت لم يكن حقاً له، ولكنه قد يصير إليه بطريقِ الصرف.
٤٠٢٧ - وممّا يجب أن يُعتنى به أن الأصحاب وإن ذكروا خلافاً في حِلْف الغريم، قالوا: لو لم يدّع المفلس والوارث، لم يكن للغريم أن يدعي في المسألتين ابتداءً،