← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

أجمع الأصحاب على ما ذكرناه، فليثق الطالب (١) بما نقلناه. ٤٠١٧ - ولو كان عليه دينٌ، وقد رهن به مالاً لا يملك غيره، لا ينفق عليه، ولا على أهله وأولاده منه؛ فإن المرهون خارجٌ عن حكم تصرفه إلى الفكاك، والأموالُ باقية على حق المحجور، ولكنه بالحجر محمولٌ على أن يبتدر إلى صرفها إلى [ديونه] (٢)، ثم القاضي يجري فيها على ما كان يجري المديون لو لم يكن محجوراً عليه. وفي القلب من نفقة الأقارب مخالجةٌ ظاهرة، ولكن المذهب نقلٌ. ونحن لا نذكر وجهاً إلا عن نقل صريح، أو أخذٍ من رمز وفحوى في كلام الأصحاب، ولم أر فيما حكيته شيئاًً. ثم لا شكَّ أن نفقته نفقةُ المعسرين. ٤٠١٨ - وإذا فضّ القاضي أموالَه على ديونه، فلا شكّ أنه يُبقي له نفقةَ اليوم الذي يتفق التفريق فيه، قال الأصحاب: يُبقي أيضاً نفقة زوجاته وأقاربه في ذلك اليوم، كما تقدم، ولا مزيد على نفقة ذلك اليوم؛ فإنه لا ضبط بعده يقف عنده. ٤٠١٩ - ثم قال: " يُبقي له دستَ ثوبٍ من ماله ". والأمر على ما ذكره؛ فإنه لا سبيل إلى تركه عارياً، ولا خلاف أنا لا نكتفي بما يستر عورته، بل نرعَى ستراً لا يخرم مروءته، ويختلف ذلك باختلاف الدّرجات. فإن كان الرجل من العلماء، فقد قال كثير من الأئمة: يُبقي له دَسْتَ ثوب، ومن جملته طيلسان، وخُفّ. ولي في الخف والطيلسان نظرٌ؛ فإنهما معدودان وراء الاقتصاد، وليس في تركهما خرمٌ للمروءة، والمتبع أن لا تنخرم مروءته. ولا شك أنا لا نبقي له دستَ ثوب يليق بحاله في بسطته وثروته، ولكن ليكن ما نُبقيه لائقاً بحالته. وإن كان الرجل سوقياً نبُقي له دستَ ثوب يليق بحاله. وإن كان أتونياً (٣)، نبُقي له أطماراً لائقةً به. وإن كان في

стр. 3292

انبساطه تزيّدٌ (١) في التجمل على ما يليق برتبته، فنرده في إفلاسه إلى ما يليق بمنزلته (٢)، ولا يُعتبر مجاوزتُه حدَّ الاعتدال اللائق بحاله (٣). ولو كان في ثروته يلبس الخسيس من الثيابِ، وكان يُعدّ مقتراً على نفسه، فإن أفلس، رضينا له بما كان يرضى به في ثروته؛ فإنا لا نزيده في حالة الإفلاس على ما كان عليه قبله. نعم لا نقول بحطه عما كان يعتاده من الخسيس (٤) بسبب إفلاسه، كما قد نفعل ذلك في حق المقتصد. فليفهم الناظر ذلك. وقد قال رسول الله ﷺ " ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات، فالمنجيات القصدُ في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب، وذكر الله تعالى على كل حال. والمهلكات شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه " (٥). ويعطيه في الصيف ما يليق به، وإن اتفق تفريق ماله في الشتاء، أعطيناه ما يليق بالشتاء، ولا يجمع له بين كسوتي فصلين. ٤٠٢٠ - ولو مات المفلس، بدَأْنا بكفنه، ومؤنة دفنه، وفي القدر الذي يكفن به خلافٌ، ذكرناه في كتاب الجنائز. ونحن نرمز إليه لغرضٍ لنا في فقه هذا الفصل. قال أبو إسحاق المروزي: إذا مات المفلس، اكتفينا بستر عورته بخرقة، وهذا مأخوذ عليه، واختلف أصحابنا في تزييف هذا المذهب على وجهين: أحدهما - أنه يكفن في ثوب واحد يواريه؛ فإن الغرض المواراة بالكفن، وقضاء دينه أهم من تكفينه في ثلاثة أثواب.

стр. 3293

والوجه الثاني - أنه يكفن في ثلاثة أثواب إقامةً لشعار الدين في إكرام جثة المسلم. والغرض ممّا ذكرناه أن الأصحاب فرقوا بين الكفن وبين ما نبقيه للمفلس من دست ثوب؛ إذ أجمعوا على أن الثوب الواحد لا يكتفى به في حق الحي، وفي الاكتفاء بالثوب الواحد (١) الساتر الخلافُ الذي ذكرناه. والفرق أن الحي يراعَى فيه ما يُبقي عليه رتبتَه ومروءتَه، والميت وإن شُرع إكرامُه، فإلى البلى مصيره، فليعرف الناظر قصدَ الأصحاب في الفرق بين الباب والباب. ولو مات عبده أو قريبه الذي يمونه، فالكفن من المال العتيد، كالنفقات الدارّة. والقول في تكفين هؤلاء كالقول في تكفين المفلس نفسه. ٤٠٢١ - ولو ماتت زوجةُ المطلِّق الموسر، ففي وجوب تكفينها على الزوج وجهان مشهوران ذكرناهما. وإن كان الزوج مفلساً، ففي وجوب التكفين الخلافُ الذي ذكرناه، ولا معنى لتخيل الترتيب؛ فإن كل مؤنة لا يشترط فيها اليسار مُخْرجة من مال المفلس بسبب الذين يمونُهم المفلس. ٤٠٢٢ - وممّا يتعلق بتمام البيان في الفصل أن المفلس لو كان مخدوماً، وكان أَلِف غلاماً يخدمه، فالمنصوص عليه أنه يباع في الدين، ونص في الكفارة (٢) على أن ذلك العبد غيرُ محسوب على من عليه الكفارة، ولا يلزمه [صرفه] (٣) إليها، واختلف أصحابنا، فمنهم من جعل في المسألتين قولين، نقلاً وتخريجاً. والمذهب تقرير النصين. والفرق من وجهين: أحدهما - أن العتق في الكفارة حق الله تعالى، وحقوق الله تعالى مبناها على المسامحة، ومبنى حقوق الآدميين على الضيق. والثاني - أن العتق له بدل في الكفارة ينتقل إليه، ولا بدل للدّين. هذا قولنا في الخادم. ثم إن رأينا إبقاءه، فليكن قريبَ القيمة، لائقاً بأحوال المعسرين.

стр. 3294

ولو لم يكن له خادم وكان ممن يُخدم، فهل نشتري له خادماً، كما نشتري له دستَ ثوب إن لم نصادفه؟ فعلى وجهين: والأصح أنا نشتريه إن فرّعنا على هذا الوجه الضعيف، فظاهر المذهب أنا لا نبقي له خادماً، بل نصرفه إلى الديون. ٤٠٢٣ - فأما المسكن، فهو أحق من الخادم إذا كان لائقاً بالحال، ولم يكن رفيع القيمة، وإبقاءُ المسكن أولى من إبقاء الخادم، على كل حال، سيّما إذا كان الرجل ضعيفاً ذا عيلةٍ. وذِكْرُ الخلاف في إبقاء المسكن للمفلس أقربُ من ذكره في إبقاء الخادم، لما أشرنا إليه من الفرق بينهما في حكم الحاجة. وذكر الخلاف على طريق النقل في احتساب المسكن على من لزمته الكفارة المرتبة أبعدُ من تقدير النقل في الخادم. ٤٠٢٤ - وإذا أردنا جمع مقتضى ما أشرنا إليه من الفرق بين الخادم والمسكن في حق المفلس، فالصيغة المشعرة بالمقصود أن نقول: في الخادم والمسكن في حق المفلس ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها - أنهما لا يبقيان له. والثاني - أنهما يبقيان. والثالث - أنه يبقى المسكن دون الخادم. ومهما أبقينا له شيئاًً مما ذكرناه، اشترينا له إن لم نجده، كدأبنا في الثياب. فصل قال: "وإن أقام شاهداً واحداً على رجل بحق ولم يحلف مع شاهده ... إلى آخره" (١). ٤٠٢٥ - قد سبق منا تمهيد هذا الأصل، ولكنا نعيد تنبيهنا عليه للجريانِ على الترتيب، فالذي نص عليه الشافعي أن المفلس لو ادّعى ديناً على إنسان، وأقام شاهداً واحداً، وامتنع عن الحلف معه؛ فأراد الغرماء أن يحلفوا مع شاهده، لم يكن لهم ذلك. وقال الشافعي: "لو أقام الوارث شاهداً واحداً على رجل بدين للميت، ولم

стр. 3295

يحلف معه، فأراد غرماء التركة أن يحلفوا، لم يكن لهم، كما ذكرناه في المفلس". هذا نصه في الجديد. ونص في القديم على قولين في مسألة الوارث: أحدهما - أن الغرماء يحلفون. والثاني - أنهم لا يحلفون. فمن أصحابنا من ذكر في غرماء المفلس قولاً بنقل الجواب عن غرماء التركة (١) أنهم (٢) يحلفون إذا لم يحلف المفلس. والصحيح الفرقُ بين المسألتين، وقَطْعُ القول بأن غرماء المفلس لا يحلفون؛ فإن المفلس صاحبُ الواقعة، وقد ادّعى الدين لنفسه، فإذا امتنع عن اليمين من ادعى الحق لنفسه، بعُد تحليف غيره، والدين في مسألة الوارث يُدّعى للميت، فكان حَلِفُ الغريم أقربَ إذا فرض نكول الوارث. ٤٠٢٦ - ومما يخرّج على ما ذكرناه أنه لو لم يُقم المفلسُ والوارث شاهداً، ولكنهما ادّعيا، فحلَّفنا المدعى عليه، فنكل عن اليمين، واقتضى الحال ردّ اليمين على المدعي، فنكل المدعي، فهل يحلف الغريم (٣) يمين الرد؟ ترتيب المذهب فيه كترتيب المذهب في اليمين مع الشاهد. ولو ادعى الراهن أنه استولد الجارية المرهونة بإذن المرتهن، والتفريع على أن الاستيلاد لا يثبت دون إذنه، فإذا أنكر المرتهن الإذنَ وحلّفناه، فنكل، فإن حلف الراهن، ثبت ما يبغيه، وإن نكل، فأرادت الجارية أن تحلف، كان لها ذلك، نصَّ عليه في الجديدِ والقديمِ قاطعاً جوابه. والفرق بينها وبين الغريم في المفلس والوارث ظاهر، وذلك أنها صاحبة حق في تأكد حق الحرية لها، (٤ وهذا في حكم حق ثبت ناجزاً من غير تقدير توصل إليه ٤)، بخلاف الغريم؛ فإن الدين لو ثبت لم يكن حقاً له، ولكنه قد يصير إليه بطريقِ الصرف. ٤٠٢٧ - وممّا يجب أن يُعتنى به أن الأصحاب وإن ذكروا خلافاً في حِلْف الغريم، قالوا: لو لم يدّع المفلس والوارث، لم يكن للغريم أن يدعي في المسألتين ابتداءً،

стр. 3296

وإنما التردد فيه إذا سبقت الدعوى من الوارث والمفلس، وأفضى الأمرُ إلى الحلف، كما ذكرناه. وكان شيخي [يصرح] (١) بنقل الخلاف في أن الغريم هل يبتدىء الدعوى؟ ويقول: الحلف تِلْوُ (٢) الدعوى، فمن ملكه، لم يمتنع أن يملك الدعوى. وهذا وإن كان قريباً في المعنى، فلم أره إلا له. وقطع الأصحاب القول بأن الدعوى ممتنعة، وإنما ذكروا الخلاف في الحلف إذا سبقت الدعوى من المفلس والوارث. والمستولدة إذا ادعت عُلقةَ الاستيلاد، والرّقُ بعدُ مستمر عليها نُظر، فإن ادعته والمولى يبغي بيعها، فحاولت دفعَ ذلك، فالوجه قبول دعواها. وإن كان المولى لا يتعرض لبيعها، ففي قبول دعواها على الابتداء، والمولى صامتٌ غير متعرض تردّدٌ ظاهر، واحتمال بيّنٌ، مأخوذ من فحوى كلام الأئمة. ٤٠٢٨ - ومما يتعلق بتتمة الكلام في الفصل أن رجلاً لو ادّعى على المفلس ديناً، فإن أقر به، ففي قبول إقراره وردّه الخلافُ الذي تقدم ذكره في تصرفات المفلس. وإن أنكر، كان إنكاره مقبولاً على معنى أنه يبتدىء عليه تحليفه. فإن حلف، انقطعت الخصومة إذا لم تكن بيّنة، وإن نكل، فهل تردّ اليمين على المدعي؟ قال الأئمة: هذا يخرّج على أن يمين الرد بمنزلة البينة في الخصومة، أو بمنزلة إقرار المدعى عليه. فإن قلنا: إنها كالبينة، حلّفنا المدعي يمين الرد، وقضينا بثبوت [الدعوى] (٣). وإن قلنا: إنها كالإقرار، ورأينا التفريع على ردّ إقرار المفلس، فلا تُثبت يمين الردِّ حقَّ المدعي حتى يثبت له مضاربةُ الغرماء. وصورة يمين الرد تجري بلا خلاف. وإنما الكلام في تعلق حق المضاربة ناجزاً، فإنا وإن رددنا إقراره في حق الغرماء في الحالة الراهنة، لم نختلف في ثبوت موجَب

стр. 3297

إقراره في حق المفلس نفسه، حتى يطالَب به إذا انطلق الحجر عنه. وإذا كان كذلك، فإجراء صورة يمين الرد تخرج على ما مهدناه من ثبوت حكم إقراره (١ على الجملة ١). فرع: ٤٠٢٩ - نص الشافعي على أن الرَّجل لو كان وَهَب شيئاًً في حالة الإطلاق، ثم أفلس وحجر عليه، فأثابه المتهب ما هو أكبر قيمةً من الموهوب، لم يلزمه القبول في حالة الحجر، وإن أثابه ما (٢) هو أقل قيمة من الموهوب، فله الرضا. وهذا يبتني على أصلٍ سنشرحه في الهبات، إن شاء الله تعالى. والوجه في النص في الهبة المطلقة، والتفريعُ على أنها تقتضي الثواب. ثم إذا جرينا على هذا، ففي مقدار الثواب خلافٌ، وتفصيلٌ طويل، فإن قلنا: الهبة المطلقة تقتضي المثلَ في الثواب من جهة المالية والقيمة، فلا يجوز أن يرضى المفلس بما هو أقل من ذلك؛ فإن المثل عِوض مستحق. نعم، لا يلزمه قبول الزائد على مقدار المثل. وإن قلنا: للمتهب أن يثيب بما شاء، وإن قل وانتقصَ عن المثل، فعلى هذا يخرّج نص الشافعي " فإن زاد الثوابُ على المثل، لم يلزمه القبول "؛ فإن الزيادة غير مستحقة، وليس على المفلس قبول الهبات والتبرعات. وإن كان الذي بذله أقلَّ من المثل؛ فإنه يقبله؛ إذ لا يجب على المتهب غيرُه، والرجوع فيما نثُبته ونَنْفيه إلى أصلين أحدهما أنه لا يجب على المفلس قبول التبرع، وليس له أن يُسقط مستحقاً. ...

стр. 3298

بَابُ العُهْدةِ في مالِ المفلس ٤٠٣٠ - ذكر الشافعي ﵁ في صدر الباب فصلاً، قدمنا ذكره في تعلق الضّمان بالعدل في الرّهن، والوصي، والحاكم. ولا شكّ أن هؤلاء أمناء إذا تلفت أعيان الأموال في أيديهم من غير تقصير منهم. وغرض الشافعي التعرض لبيان المرجع في [عهدة] (١) العقود. فإذا باع العدلُ (٢) في الرهن بالإذن، وقبض الثمن، وضاع في يده الثمنُ الذي قبضه، ولم يكن وكيلاً من جهة المرتهن بالقبض، فالثمن من ضمان المبيع عليه (٣)، وهو الراهن. وكذلك القول في الوصي (٤)، إذا باع مالاً، فضاع الثمن من (٥) يده، فهو من ضمان المبيع عليه. ولو فرض استحقاقٌ في المبيع، ففي تعلق الضمان بالعدل، والوصيّ، والقيم، والحاكم، التفصيلُ المقدم في كتاب الرهن؛ فلا حاجة إلى إعادته. ٤٠٣١ - والذي يختص بغرض الباب أنا إذا بعنا عيناً من أعيان مال المفلس، وقبضنا الثمن، وخرج المبيع مستحقاً، فإن كان عين الثمن باقيةً (٦) قائمة، فلا شكّ أن المشتري يرجع فيها، وإن كنا سلمناه إلى الغريم، اتبعها المشتري، ولو تلفت في يده؛ فإنه يضمّن الغريم لا محالة، فإن عين ماله تلفت في عقد ضمان في يد إنسان، فله اتباعه بالتغريم.

стр. 3299

٤٠٣٢ - ولو تلف الثمن في يد الحاكم، وقد تمهد أن الضّمان لا يتعلق بالحاكم، فللمشتري الرجوع، وظاهر النص أنه يقدّم بمبلغ الثمن، ولا يحمل على المضاربة. ونقل الربيع وحرملة أنه أُسوة الغرماء، فيضاربهم. فمن أصحابنا من قال: في المسألة قولان: أحدهما - أنه لا يتقدّم في رجوعه، لأنه دين في ذمة المفلس كسائر الديون. ومن أصحابنا من قطع القولَ بأنه يقدم، لأنا لو لم نقدمه، لامتنع الناس عن معاملة المتصرفين في أموال المفاليس، وسبيل كل دين يتعلق بمصلحة المفلس حالةَ الحجر أن يقدم، ولذلك تُقدم أجرةُ الدَّلالين، والمتصرفين، على حسب الحاجة في الأموال العتيدة التي اطرد الحجر عليها. وكذلك القول في أعواض المؤن الثابتة في حالة الحجر، فلتكن عُهدة البيع المنشأ لمصلحة التصرف في مال المفلس مقدمةً أيضاًً. والدليل عليه أنا لو راعينا قياس الديون في المضاربة، للزم أن نقول: لا يضارب الغرماء أيضاًً، فإن حقه متجدد بعد جريان الحجر، والذي يقتضيه قياس الباب أن الدين الحادث بعد الحجر لا يُقدّم [ولا] (١) يضارب به أصلاً. فهذا منتهى القول في ذلك. ...

стр. 3300

باب حبس المفلس ٤٠٣٣ - مضمون هذا الباب ثلاثة فصول: أولها - في قاعدة الحبس. والثاني - في إثبات الإعسار. والثالث - في مسافرة من عليه الدين. فأما: الفصل الأول، فنقول: ٤٠٣٣/ م- إذا ثبت الحق، وتعذر استيفاؤه، لم يخل إما أن يكون التعذر بسبب الإعسار والفلس، وإما أن يكون بسبب امتناع من عليه الحق من تأديته. فإن كان بسبب الفلس، فحكم الله تعالى إنظار المفلس، وإزالة التعرض عنه إلى ميسرة، قال الله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] الآية. وإن امتنع من عليه الحق من أداء ما عليه مع القدرة، فهو ظالم، مندرجٌ تحت قوله ﷺ : "مطل الغني ظلمٌ" "ليُّ الواجد ظلم" (١) ثم القاضي إن وجد له مالاً، وقد تحقق امتناعَه؛ فإنه يملك بيعَه وصرفه إلى دينه، ولا حاجة إلى ضرب الحجر عليه، بل يبتدر البيع؛ فإن منصب الولاية يقتضي استيداءَ (٢) الحقوق، وإيفاءها على مستحقيها، على ما يساعد الإمكان فيه.

стр. 3301

٤٠٣٤ - ومنع أبو حنيفة بيع العروض والسلع في الديون، وناقض، فجوّز بيعَها في بعض النفقات، وسوغ على العموم صرف الدراهم إلى الدنانير، وصرف الدنانير إلى الدراهم (١). ولا فصل عندنا. ٤٠٣٥ - ولو لم يظهر للممتنع مالٌ، وأشكل الأمرُ، فحكم الحال الحبس. هذا ما درج عليه الأوّلون، ومضى عليه الحكام، والحبس في نفسه عقوبة. ولكن قد يقع حيث لا يُستيقن استحقاقُ الممتنعِ العقوبةَ؛ من جهة أن الممتنع إذا لم يثبُت يسارُه، وادعى الإعسارَ؛ فإنا نجوّز صدقَه، ومع تجويز ذلك نحبسه، والسَّبب فيه أن إطلاقه تضييع لحق المدعي من غير ثَبَت، فلا وجه إلا حبسُه إلى البيان. وليس الحبس إيلاماً في الحال، فالمسلك القصد يقتضيه لا محالة. ٤٠٣٦ - ولو تحقق القاضي ظلمَ من عليه الحق في امتناعه، وعلم أنه متمكن من تأدية ما عليه -وقد يظهر ذلك بقراره أو بجهةٍ أخرى، على ما سيأتي الشرح عليه، إن شاء الله تعالى- فالأمر وقد ظهر العناد مفوّضٌ إلى رأي القاضي، فإن أراد أن يعزّره حتى يُظهر المال، فله ذلك، ولا مزيد على الحبس مع اليسر، وإن ظهر العناد، فللقاضي أن يزيد على الحبس ويعزّر. وقد نص الشافعي في نكاح المشركات على [أن] (٢) من أسلم على أكثر من أربع، وأوجبنا عليه أن يختار أربعاً، وحبسناه لذلك، فإن تمادى على امتناعه، فللقاضي أن يعزره. وسببُ التعزير امتناعُه عن حقٍّ محتوم عليه مع الاقتدار عليه. وإنَّما خصص الشافعي هذه الصورة بذكر التعزير، لظهور العناد فيه، وتبيّن الاقتدار على الاختيار، فمهما ظهر العنادُ في الحقوق المستحقةِ، كان الأمرُ على ما ذكره الشافعي في نكاح المشركات.

стр. 3302

ثم التعزير المتعلق بالنظر العام والاستصلاح، موكول إلى رأي الإمام، ولسنا نعني بذلك أنه يتخير فيه، بل يجتهد، ويرى رأيه، ويسلك المسلك الأقصَد. وقد يختلف ذلك باختلاف مراتب الخلق: فذو اللّدَدِ، والعناد، قد لا يكترث بتطويل (١) الحبس، وقد يعلم القاضي، أو يظن أن الغرض يحصل بالحبس المحض؛ فليجر على ما يقتضيه الحال. ٤٠٣٧ - ثم التعزير لايبلغ مبلغ الحد، على ما سنصف المذهبَ فيه في كتاب الحدود. وقد يقتضي الحال تعزيراتٍ في أوقاتٍ يبلغ مجموعها حداً، أو يزيد، فليفعل ما يراه. والاستمرارُ على الامتناع على ممرّ الأوقات في حكم أسبابٍ متجددة، يقتضي تجددَ التعزيرات. ولا يغفل فيما يأتيه من ذلك عن (٢) ترك الموالاة وما في معناها. فإذا بلغ التعزير مبلغاً، وكان أثره ظاهرَ البقاء، فليصبر إلى الاستقلال وظهور البُرْء. ونحن قد نرعَى ذلك في إقامة حدود الله تعالى على شخصٍ واحد، فما الظن بتعزيرات موكولة إلى الاجتهاد لا يُقضى بتعيّنها (٣)؟ الفصل الثاني من الباب ٤٠٣٨ - إذا ادّعى من عليه الحق الفلس والإعسار، لم يخل: إما أن يكون له بينةٌ، وإما ألا تكون. فإن وجد بينةً، أقامها، كما سنذكر الوجه فيها. وإذا قامت، وجرى البحثُ عن التعديل، فلا يسوغ عندنا إدامة الحبس بعد ذلك؛ فإنه على الجملة من قبيل العقوبات. وقد يرى الوالي التعزيرَ به وحده. وقال أبو حنيفة: لا يُصغي القاضي إلى البيّنة على الإعسار، حتى يمضي أمدٌ (٤)،

стр. 3303

ثم اختلف قوله فيه، فقال مرة: لا بدَّ من مضي شهرين، وقال مرة: أربعين يوماً، أو خمسين، وقال مرة: أربعة أشهر (١). ونحن لا نرعى شيئاًً من ذلك، ونُصغي إلى البينة، ونقضي بها من غير تأخير. ٤٠٣٩ - ثم نتكلّم وراءَ ذلك فيما يتعلق بحق الشاهد وتحمّله، ونذكر بعده نظرَ القاضي في أحوال الشهود على الإعسار. فأما الشاهد، فلا يحل له أن يشهد على الإعسار بظاهر الحال؛ فإن الأموال في وضع الجبلات تخفَى ولا تظهر، هذا حكم العادة الغالبة، فليبحث من يتحمل هذه الشهادةَ عن الباطن ولْيسبُر حالَ المشهود له، ولا يخفى طريق البحث في كل باب على الخبير. هذا قولنا في الشاهد. ٤٠٤٠ - فأمّا الكلام في نظر القاضي، فقد قال الشافعي: لا ينبغي له أن يقبل هذه الشهادة إلا من أهل الخبرة الباطنة؛ والسَّبب فيما افتتحناه من ذلك أن مستند الشهادة على الإعسار النفيُ، ولو جرينا على قياس الشهادات، لم نقبلها، فإن النافي لا يكون مثبتاً، ولا يستمكن من ادعاء العلم بالنفي. ولهذه الشهادة نظائر: منها الشهادة على أن لا وارث للمتوفَّى سوى من حضر، وهذه الشهادة متعلقة بالنفي، مقبولةٌ من أهل الخبرة الباطنة، ومنها الشهادة على تعديل الشهود؛ فإن متضمنها نفيُ الأسباب المخرجة عن العدالة، ويلزم قبول هذه الشهادات، ولا مستند لها إلى اليقين قطعاً، للضرورةِ، ومسيسِ الحاجة؛ فإن تخليد الحبس، وتأبيد وقف الميراث محال، والتعديلُ عماد القضاء، ولا يتصور فيه إلا المسلك الذي ذكرنا، فيلتحق عندنا بما ذكرناه الشهادةُ على الأملاك؛ فإنها لا تنتهي إلى يقين قطّ، وإنّما غايتها بناء الأمر على ظواهرَ يصفها العلماء، من اليد، والتصرف، وغيرهما. ولكن لا بد من الاكتفاء بما ذكرناه؛ إذ الحاجةُ ماسة، ومنتهى الإمكان ما أشرنا إليه، فكأنّا نشترط استنادَ الشهادة إلى اليقين فيما يمكن اليقين فيه، كالأقوال، والأفعال التي يتعلق بها الحواس.

стр. 3304

ولا مزيد على ما ذكرناه؛ فإن أسرار الشهادات مذكورة في كتابها. ٤٠٤١ - ومن لطيف الكلام في ذلك أن كل ما تستند الشهادةُ فيه إلى اليقين، فلو علمه القاضي بنفسه، اختلف القولُ في جواز قضائه بعلمه. ولو انتهى القاضي فيما لا علم فيه، إلى منتهى يشهد فيه، كالأصولِ التي ذكرناها، فلا يحل له القضاء. وإن كان يحلّ له أن يشهد بما أحاط به، وظهر عنده، فليتأمل الناظر هذا؛ فإنه من أسرار القضاء. ٤٠٤٢ - وتمامُ البيان في الفصل يتعلق بتردد الأصحاب في أمرٍ نذكره: وهو أن القاضي إن علم أن الشاهد من أهل الخبرة الباطنة في الإعسارِ ونظائرِه، [قبل] (١) شهادته، وإن لم يتحقق ذلك عند القاضي، [ولكن] (٢) ذكر الشاهدُ [أنه خبر باطنه، وهو عدل رضاً، كفى ذلك، فإنه قد يُعتمد في شهادته، كما يعتمد في ذكره أنه من أهل الخبرة الباطنة. وإن أطلق الشهادة على الإعسار، ولم يتبين للقاضي من جهة بحثه، ولا من جهة ذكر الشاهد] (٣) أنه من أهل الخبرة، فيتوقف لا محالة. هكذا ذكره الأئمة. والشهادة على الملك وإن كانت لا تستند إلى يقين مقبولةٌ على الإطلاق من العدل الموثوق به، وليس على القاضي بحثٌ عن أسباب تحمّل الشهادة، والسَّبب فيه أن تلك الأسباب ثابتةٌ، من اليد، والتصرف، ولا يُظَن بالشاهد إلا التثبتُ. والإعسارُ وانتفاءُ الوارث وعدمُ الأسباب المخرجة عن العدالة نفيٌ محققٌ، وعلى الناظر في هذا مزيد بحثٍ، سيأتي الشرح عليه في الشهاداتِ، إن شاء الله تعالى. ٤٠٤٣ - وممَّا يليق بهذا أن الإعسار يثبت بشهادة شاهدين مع الاحتياط الذي ذكرناه. وذكر بعض المصنفين لفظاً مضمونه أنه لا بد من ثلاثة شهود، وهذا خُرقٌ (٤) عظيم، وخروج عن الضبط، ولعله أراد أن القاضي إن بدا له أن يستظهر بالعدد، فعل، لما حققناه من إشكال الإعسار.

стр. 3305

وفي [استظهار القاضي] (١) بعدد الشهود كلام طويل لا نخوض فيه. ثم قال الشافعي: إذا قامت البينة على الإعسار، حلّفنا الشهود بعساره مع البينة، وخالف أبو حنيفة (٢) فيه. واختلف أصحابنا في أن هذا التحليف هل يقف على استدعاء الخصم ومسألته؟ منهم من قال: إنه موقوف على الاستدعاء والمسألة، وهو من حق الخصم. ومنهم من قال: إنه من أدب القضاء، فيتحتم على القاضي التحليف، وإن لم يسأله الخصم، إلا أن يقنع الخصمُ، ويبدي الرضا بإطلاقه، فلا إشكال إذاً. هذا كله إذا أقام بينة على الإعسار. ٤٠٤٤ - فأمَّا إذا قال: أنا معسر، وليس يشهد على إعساري أحد، فكيف خلاصي من هذا الحبس؟ قال الأصحاب: إن عُرف له يسار سابق، فلا سبيل إلى إطلاقه، والحالة هذه، ما لم تقم بينة على زوال اليسار؛ فإنَّ الظاهر بقاؤه، والغالبُ استمكانه من إثبات زوال أسباب اليسار. فإذا لم يُقم بيّنةً، ظهر كذبه. وإن لم يعرف له يسار سابق، فادّعى الإعسارَ، ففي قبول قوله مع يمينه أوجه: أحدها - أنه يُقبل؛ إذ الأصلُ الفقر. والثاني - لا يقبل؛ لأن الظاهر من حال الحُرّ أن يملك شيئاًً، وإن قلّ، ويندرُ حُرٌّ لا ملك له. والثالث - أنه إن التزم الدينَ باختياره مثل مال الضَّمان، والصَّداقِ، فلا يُقبل قوله؛ لأن الظّاهر أنه لا يلتزم باختياره مالاً إلا مع التعويل على ملكٍ وافٍ به. وإن لزمه ضمانٌ من غير اختيار، قُبل قولُه في دعوى الإعسار. هذه الأوجه [الثلاثة] (٣) هي التي عليها التعويل. ٤٠٤٥ - وذكر أصحابنا وجهاًً رابعاً، نسوقه على وجهه ونبيّن اختلاله، قالوا: من أصحابنا من قال: كل دين لزمه عوضاً عن مالٍ، فلا يقبل فيه دعوى الإعسار، وما لم

стр. 3306

يكن عوضاً عن مالٍ، يقبل فيه دعوى الإعسار، وهذا ليس وجهاً رابعاً؛ فإنا حكينا وفاق الأصحابِ في أنه لو ثبت له ملك، لم تقبل دعوى الإعسار منه بتقدير زوال اليسار، وإذا كان هذا متفقاً عليه، فكأن هذا القائل في تفصيله جمع بين صورة الإجماع وبين قبول قوله مطلقاً في غير محل الإجماع. وقد يخطر للفقيه حملُ هذا الوجه الرابع على دين ثبت [عوضاً] (١)، وكان ملتزمه يدعي أنه لم يقبض (٢) المعوّضَ، فإن كان ذاكرُ (٣) هذا الوجه منزّلَه على هذا التقدير، لا على الاعتراف بقبض المعوّض، وادعاء تلفه، فهذا على حالٍ وجهٌ ضعيف؛ فإنه إذا ثبت الملك في المعوّض، فالظّاهر قبضُه، ونحن إنما لا نقبل قول من سبق له يسارٌ، بتأويل ادعاء [زواله] (٤)؛ من جهة أن قولَه يظهر الخُلف فيه، وزوال اليسار ممكن، فعدم قبض المبيع بهذه المثابة. والعلم عند الله تعالى. ٤٠٤٦ - ووراء هذه الأوجه نوعان من الكلام، يحصل بهما تمام الغرض. أحدهما - أنا إذا قلنا: يُقبل قول المعسر مع يمينه، فلست أرى قبولَ قوله مع اليمين بداراً، فيظهر عندي مسلك أبي حنيفة (٥ في التأني مع البحث الممكن عن أحواله، غير أن ما ذكره أبو حنيفة مع البينة ٥) باطل عندنا؛ من جهة أنا نحمل كلام الشهود على صدوره عن بحث منهم، فإذا شهدوا، وجب الاكتفاء بشهادتهم. أما إذا لم تكن بينة، وكان الرجوع إلى قول المدَّعي ويمينه، فيظهر أن يبحث القاضي عن بواطن أمره، وليس ذلك بعيداً عن الإمكان. وهذا يقرب عندي من قول الشافعي في الفاسق: إذا تاب، استبرأتُه أشهُراً، (٦ فإن التوبة مأخوذةٌ من قوله، فرأى الشافعي معه الاستبراء٦) نعم، لست أنكر فرقاً بين الأصلين؛ فإن يمين المعسر بمثابة الجحد.

стр. 3307

والذي ذكرته لست أعزيه إلى نقلٍ. وفي كلام الأصحاب ما يدل عليه، وظاهر النقل يُشعر بالبدار إلى قبول قوله مع يمينه، حيث يقبل قوله. فهذا أحد النّوعين. ٤٠٤٧ - والثاني - أنا إن قلنا: لا يقبل قوله، والمحبوس غريبٌ لا يتوصل إلى إثبات (١) إعساره ببيّنة، فتخليد [حبسه] (٢) شديدٌ عندي. والذي أراه فيه أن السلطان يوكّل به من يبحث عن منشئه، ومولده، ومنقَلبه، ويتناهى في البحث جهده، ثم يُسوّغ المُفتون للباحثين أن يشهدوا، هذا لا أرى منه بداً، والعلم عند الله تعالى. ٤٠٤٨ - وممّا يتعلق بهذا الفصل أنه لو أقام البينة على الإعسار، فأقام مستحق الدين بيّنة على أنه كان في يده مالٌ، فاعترف بكونه في يده، وقال: كان لفلان في يدي وديعة، فإن نسبه إلى حاضرٍ، قُبل قولُه بلا يمين، وإن كان غائباً، حُلِّف. وهذا من معَاصاتِ كتابِ الدعاوى. فإذا ادّعى رجل على رجل مالاً في يده، فقال المدعى عليه: المال لفلانٍ، وليس لي ولا لك، فالقول في تقاسيم هذا الفصل وجوانبه غمرة كتاب الدعاوى وسنذكره إن شاء الله تعالى. والقولُ الذي يليق بما نحن فيه ما أشرنا إليه، فإنْ تفرّق (٣) فكرُ الناظرِ في جوانب الفصل، فلينظر شرحها، وليطلبه من موضعه. ٤٠٤٩ - وإذا (٤) ثبت الإفلاس وجب الإطلاق، فلا حبس على معسر، ثم لا يجوز التعرض له إلى (٥) أن يُفيد مالاً، فإن صرفه إلى دينه، فذاك، وإن أبى، رفع إلى مجلس القضاء، وحُمل على تأدية الدّين من المال الذي أفاده، بالحبس وغيره، على ما تفصّل.

стр. 3308

٤٠٥٠ - والمحجور عليه المفلس إذا صرف القاضي أموالَه الموجودةَ إلى غرمائه، فهل يرتفع الحجر عنه أو لا بد من أن يفكه الحاكم؟ في المسألة وجهان: أحدهما - لا بد من رفع الحاكم؛ فإن ذلك يتعلق بالنظر والبحث والاجتهادِ، فكما لا يثبت الحجر إلا بضربِ السلطان [كذلك] (١) لا ينفك إلا بفكه. والوجه الثاني - أن الحجر [ينفك] (٢)؛ فإن سببه صرفُ ما كان له من مالٍ إلى ديونه، فإذا انتجز ذلك، لم يكن للحكم باستمرار الحجر -وقد زال سببه- معنىً. ٤٠٥١ - والسَّفيه إذا ظهر صلاحه في الدِّين، وإصلاحه المالَ (٣)، فلا ينطلق الحجر عنه إلا بطلاق القاضي، كما سنذكرُه في كتاب الحجر، إن شاء الله تعالى. والسبب فيه أن الحجر نظرٌ للسَّفيه، والحق فيه له، ونظر السلطان قائم، والأمر موقوف إلى إظهاره انطلاقَ الحجر عنه. وسيأتي هذا في كتاب الحجر، إن شاء الله تعالى. ٤٠٥٢ - وأمّا المجنون إذا أفاق، فلا شك في ارتفاع الحجر عنه؛ فإن الجنون وارتفاعَه لا يتعلقان بالنظر والاجتهاد، وسنستقصي القول فيمن عدا المفلسَ من المحجورين في كتاب الحجر، إن شاء الله تعالى. ومن تمام القول في ذلك أن الغرماء لو قالوا: رفعنا الحجر عنك، والحق لا يعدونا، ففي ارتفاع الحجر من غير رفع الأمر إلى القاضي ترددٌ للأصحاب، يدل عليه تلويحاتُهم، ومرامزُهم، فيجوزُ أن يقال: يرتفع الحجر لما ذكرناه من أن الحجر كان بسببهم، وهم مطلقون لا تولي عليهم، وهم في الأموال تحت الحجر كالمرتهن في العين المرهونة (٤). ويجوز أن يقال: لا بد من الرفع إلى القاضي، فقد يظهر غريم غيرهم، والأمر فيه مربوط بنظر الوالي؛ فإنه النائب عن كل غائب.

стр. 3309

٤٠٥٣ - وذكر الشيخ في الشرح مسألةً تتعلق بما نحن فيه: وهو أَنَّه لو باع المفلس جميع ماله من غريمه، ولا نَعرف غريماً سواه. قال صاحب التلخيص: يصح بيعُه، قطع جوابَه به؛ فإن الحجر بسبب هذا الغريم. فإذا دار العقدُ بينهما، وصدر عن تراضيهما، فلا وجه إلا تصحيحه. قال الشيخ أبو علي: كان يدور في خلدي إمكان خلافٍ في ذلك، حتى رأيت للشيخ أبي زيدٍ وجهاًً آخر في ذلك: أنه لا يصح البيع من الغريم من غير مرافعة القاضي، وما ذكرته من التردد في رفع الغريم الحجرَ (١) عن المحجور عليه من غير مراجعة القاضي، مأخوذ من هذه المسألة. ٤٠٥٤ - ولما حكى الشيخ الترددَ في البيع من الغريم بالدين الذي له على المحجور، حكى بعده أن المحجورَ لو باع ماله من غريمٍ (٢) بعينٍ آخر، ولم يبعه منه بالدين الذي له عليه، فلا يصح هذا، وإن صدر عن الرضا (٣). وكذلك قال: لو باع المحجور بإذن الغريم مالَه من أجنبي، لم ينفذ. وإنما حكى عن صاحب التلخيص وأبي زيد المروزي الخلاف فيه إذا باع المحجورُ عليه مالَه من الغريم بالدين. والذي ذكره الشيخ من الوفاق لا يساعَد عليه، ونفوذ البيع بإذن الغريم على نهاية الظهور في الاحتِمال. ثم وجْهُ تخصيص الخلاف بالبيع بالدين، أن ذلك يتضمن سقوطَ الدين، وفي سقوطه انطلاقُ الحجر، وفي البيع بغير الدين اطّرادُ الحجر، وكذلك في البيع من الأجنبي. وما ذكرته من رفع الحجر ينطبق على البيع (٤) بالدين لا محالة. وقد نجز الفصل الثاني من الفصول الثلاثة.

стр. 3310

الفصل الثالث قال: " وإذا أراد الذي عليه انحق إلى أجلٍ السفرَ ... إلى آخره" (١). ٤٠٥٥ - من عليه دينٌ حالّ، ولم يثبت إعساره، إذا هم بالسفر، استمكن مستحِق الدين (٢) من منعه من المسافرة. وحقيقةُ القول في ذلك أنه لا يمنعه عن السفر في عينه منع السيد عبدَه، والزوجِ زوجتَه، ولكنه يتمكن من شغله عن السفر، برفعه إلى مجلس الحُكم، والتشبثِ به إلى تَوْفية الحق. ٤٠٥٦ - ولو كان الدين مؤجَّلاً، لم يمتنع على من عليه السفرُ؛ إذْ ليس (٣) لمستحق الدّين التشبث به قبل حلول الأجل. وهذا مُطّردٌ في الأسفار، خلا سفر الغزو؛ فإن أصحابنا اختلفوا فيه، فذهب بعضهم إلى أنه يجوز منعه؛ فإن مسيره ومصيره إلى مصرعه، وهو سببُ حلول الدين. وهذا بعيدٌ، لا أصل له. والأصح أنه لا يمتنع على من عليه الدين المؤجل أن يسافر نحو الغزو، فإن النظر إلى الحالِّ. ٤٠٥٧ - ولوْ همَّ من عليه الدين المؤجل بالسفر، فساوقه مستحق الدين، عازماً على أن يلزمه حيث يحل الدين، فلا يمنع من الخروج معه، إذا كان لا يؤذيه إيذاء المراقب، والجادّة (٤) مَطْرق الخلق. ٤٠٥٨ - ولو قال مستحق الدين المؤجل لمن عليه الدين: لا تسافر حتى تعطيني كفيلاً بالدين أو رهناًَ، لم يكن على من عليه الدين إسعافُه، خلافاً لمالك (٥).

стр. 3311

ولو قال لمن عليه الدين: أشهد على ديني، فالذي قطع به الأصحابُ أنه لا يلزمه ذلك، وهو الذي اختاره صاحبُ التقريب أيضاً. وحكى وجهاًً غريباً أنه يلزمه إجابته إلى الإشهاد. وهذا لا أصل له، فلا أعده من المذهب. فرع: ٤٠٥٩ - إذا أراد الإنسان أن يدّعي ديناً مؤجلاً على إنسان ففي قبول دعواه قبل حلول الأجل وجهان: أحدهما - أنه لا يقبل؛ فإنه لا يملك المطالبة به، فكيف يملك الاستعداءَ والرفعَ إلى مجلس القضاء. ومن أصحابنا من قال: تُقبل الدعوى؛ فإنه يبغي به التسبب إلى إثباتِ ملكٍ له، فليملك ذلك، وإن كان لا يتوصل إليه في الحال. فإن قلنا: الدّعوى بالدين المؤجل مقبولة، فلا كلام، وإن قلنا: إنها غيرُ مقبولة، فعلى من يدعي الدين الحال أن يصرح بذكر الحلول، أو يقول: لي عليك ألف يلزمك تسليمه إليّ. فإن قال ذلك، وكان الدّين مؤجَّلاً، فللمدعى عليه أن يقول: لا يلزمني تسليم ما ادّعيتَه. ٤٠٦٠ - وكشف القول يستدعي مزيد بَيانٍ مأخوذٍ من الاختلاف في مسألة، وهي أن الرجل إذا أقرّ بألفٍ مؤجل، فهل يقبل قوله في الأجل أم يؤاخذ بالألف حالاًّ، والقول قول المقر له في نفي الأجل مع يمينه؟ فيه قولان سيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى، في كتاب الأقارير. فإن قلنا: لا يقبل قوله في الأجل لو أقر بالدين المؤجل، فيكتفَى منه -والحالة هذه- أن يقول: لا يلزمني التسليم، ويحلف عليه. وإن قلنا: لا يؤاخذ بالألف حالاًّ لو اعترف به مؤجلاً، فوراء ذلك نظرٌ، يجب التثبت فيه. وهو أنا إذا فرعنا على أنه لا يؤاخذ بالألف حالاً؛ فلو قال المقر له: حلفوني أحلف على نفي الأجل، قلنا: لا يكتفى منك بهذا؛ فإنا نفرع على أنه غير مؤاخذ بالألف، وما ذكرته موجب المؤاخذة؛ فإنه على قول المؤاخذة كان لا يعجز عن تحليفك، فكأنا نقول: لا يلزمه إلا ما اعترف به، والمعترَف به دين مؤجل. فإذا ثبت هذا، عدنا إلى غرضنا قائلين.

стр. 3312

٤٠٦١ - إن حكمنا بأنه يؤاخذ بالألف حالاًّ، وقد ادعى المدعي الألف حالاًّ، ولو اعترف المدعى عليه بالألف المؤجل، لكان مؤاخذاً بالألف حالاًّ. وغاية مضطرَبه أن يحلف المقر له، فعلى هذا يكفيه أن يقول في جواب الدعوى: لا يلزمني تسليم ما ادّعيتَه، ولا يحلفُ إلا على هذا الوجه. وإن قلنا: لو أقر بالدّين المؤجَّل، لم يؤاخذ بالألف حالاًّ، فهل يقنع منه بأن يقول: لا يلزمني تسليمه؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يُقنع منه بذاك؛ فإن مقصود الدعوى مطالبة المدعى عليه، فإذا أنكر وجوب التوفية، وحلف عليه، فقد تعرض لمضادة مقصود الدعوى. ومن أصحابنا من قال: عليه أن يبوح. فإن لم يكن أصلٌ (١) للدين، فليصرح بنفيه في الإنكار، وإن (٢) كان (٣) الدين ولكنه مؤجل، فليقر به مؤجلاً. ٤٠٦٢ - وممّا يتعلق ببيان ما نحن فيه: أن من اعترف إعسار إنسان، وأراد أن يدعي عليه ديناً ليثبته على توقع مطالبته به إذا أفاد مالاً، ففي سماع ذلك خلافٌ مضاهٍ لما ذكرناه من دعوى الدين المؤجل. وهذه الصورة أولى بأن لا تُقبل الدعوى فيها؛ فإنّ زوال العسر لا منتهى له بضبط. وليس كالأجل. ٤٠٦٣ - وذكر الأئمة في الدعوى على العبد في دين متعلق بذمته تردداً (٤) أيضاً. ٤٠٦٤ - وقد اشتمل كلامنا على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى في الدين المؤجل، والثانية - في الدعوى على المعسر مع الاعتراف بإعساره، والثالثة - وهي أبعدها، وأولاها بالرد الدّعوى على العبد بدَيْن متعلقٍ بذمته على ارتقاب العتق وزوال الرق. ...

стр. 3313

كتاب الحجر ٤٠٦٥ - الحجر هو المنع، وكل تحريمٍ حجرٌ في الشرع. والحجر في اصطلاح الفقهاء ما يتضمن المنعَ من التصرف. والأسبابُ المقتضية للحجر: الجنون، والصبا، والرق، والسفه، والفلس. فأما المجنون، فلا استقلال له، وأمره مفوضٌ إلى القوّام عليه. والجنون يسلب حكمَ أقوال المجنون بجملتها. والصبا يضاهي الجنونَ في سلب الأقوال الملزمة، وعليه بنينا منعَ إسلام الصبي على المذهب الظاهر، والصلاة تنعقد منه؛ لأنها ليست لازمة. وفي إحرامه احتياط في المذهب بيَنَّاه في المناسك. والفرق بين الإسلام والإحرام عسر. ٤٠٦٦ - وأمّا الحجر بالرق، فثابت. وقد أنكر بعضُ أصحابنا عدَّ الرقيق من المحجورين، وقال: إنه لا يملك شيئاًً، فلم يتصرف. وهذا لا أصل له. ووجه منعه بيّنٌ، والقول في ذلك لا يشير إلى فقهٍ. وتصاريف أحوال العبيد تنقسم ثلاثة أقسام: قسمٌ - لا ينفذ منه، وإن أذن المولى فيه كالولايات والشهادات. وقسم - يستفيده دون إذن المولى كالعبادات، والتصرفاتِ في النكاح المأذون فيه. وقسم - يتوقف نفوذه على إذن السيد وهو كابتداء النكاح، والبيع والشراء، على الأصح وغيرهما. ٤٠٦٧ - وأمَّا المحجور عليه بالفلس، فقد انقضى حكمه في كتابه، وأمَّا المحجور عليه بالسفه، فتفصيل القول في اطراد الحجر عليه، وفيما ينفذ منه وما لا ينفذ، سيأتي على الاتصالِ، إن شاء الله تعالى، وهو مقصود الكتاب. ٤٠٦٨ - ثم ذكر الأصحاب في صدر الكتاب تفصيلَ القول في البلوغ وسببه.

стр. 3314

والغرض التعرض للسَّفَه والتبذير والرشد المناقض لهما، ولكنّ نظمَ الكلام يقتضي ذكرَ زوال الصبا، والنظرُ بعد زواله في الرشد والسفه. والصّبي في الإطلاق غيرُ مكلَّف، وكأن الشرعَ لم يُلزم الصبيَّ قضايا التكليف بسببين: أحدهما - أنه في مظنة الغباوة وضعف القصد، فلا يستقل بأعباء التكليف. والثاني - أنه عري عن البلية العظمى وهي الشهوة. ثم ربط الشرعُ التزام التكليف بأمدٍ، أو تركّب الشهوة، أمّا الأمد فيُشير إلى التهذب بالتجارب، وأما تركب الشهوة؛ فإنه تعرض للبلايا العظام، فرأى الشرع تثبيت التكليف معه زاجراً، وإن اتفق ذلك دون الأمد المعتبر في البلوغ. ٤٠٦٩ - فأما الأمد، فمذهب الشافعي أن بلوغ الغلام والجارية يحصل باستكمال خمسَ عشرةَ سنة. هذا هو المذهب. وذكر بعض أصحابنا وجهاً بعيداً في أن البلوغَ يحصل بالطعن في السنة الخامسة عشرة، من غير استكمال. وهذا لا أصلَ له. هذا قولنا فيما يتعلق بالزمان. ٤٠٧٠ - فأمّا تركب الشهوةِ، فلا مُطَّلعَ عليه إلا من جهة العلامة، حتى نذكر العلامة في الغلام والجارية والخنثى. فأمّا الغلام فعلامة تركّب الشهوة فيه انفصالُ المني، وقد وصفناه في كتاب الطّهارة. ثم اختلف أصحابنا في أقلّ السّن الذي يُفرض بلوغ الغلام بالاحتلام فيه، فقال قائلون: إنه يحتلم (١) إذا استكمل العاشرة. ولو فرض انفصال ما نراه على صفة المني في التاسعة، فهذا نادرٌ. وقد مضى القول في كتاب الحيض فيما يُفرض ندورُه في الحيض، وأقلِّه وأكثرِه. والمتبع في هذه الأبواب الوجودُ، واتباع الأولين، وقد أشبعنا القول في ذلك على أقصى الإمكان. وإنما الذي نُجريه الآن ذكرُ كلام الأصحاب، خلافاً ووفاقاً، على ما تقرّر عندهم في حكم العادة. هذا قولنا في سبب بلوغ الغلام.

стр. 3315

٤٠٧١ - فأمّا سبب بلوغ الجارية، فاعتبار السن [فيها كاعتبار السن] (١) في الغلام. وقد روى الدارقطني بإسناده أن النبي ﷺ قال: " إذا استكمل المولود خمسَ عشرةَ سنةً، كتب ما له وما عليهِ وأقيمت عليه الحدود " (٢) ولفظ المولود يعم الغلام والجارية، فلا فرق بينهما فيما يتعلق بالسن باتفاق الأصحاب. وأمّا (٣) الخارجُ الدال على البلوغ فيها، فالحيض لا شك أَنَّه يدل على البلوغ. والقول في أقل سن الحيض استقصيناه في كتاب الحيض. والمرأة إذا احتلمت وخرج منها ما يُعتقد أنه أصل فطرة المولود من جانبها، فقد ذكرنا في كتاب الطّهارة أن المرأة تغتسل إذا رأت ذلك، واستشهدنا عليه بحديث المرأة التي سألته ﷺ وقالت: ما على المرأة إذا هي احتلمت؟ فقال ﷺ في آخر الحديث: " إذا رأت ذلك، فلتغتسل "، فإذا رأت الصبية ما وصفناه، فهل يكون ذلك بلوغاً منها إذا رأت ذلك على سن إمكان البلوغ (٤)؟ فعلى وجهين ذكرهما الأصحاب: أحدهما - أنه يكون بلوغاً منها، بمثابة احتلام الغلام. والثاني - لا يكون بلوغا؛ لأن ذلك نادر في جنسهن، وحق البلوغ أن يُناط بالعلامات الظّاهرة. وللنَّظر (٥) وراء ذلك مضطرَبٌ. فإذا قلنا: يحصل البلوغ، وهو الأصح، فلا إشكال. وإن قلنا: لا يحصل البلوغ، فالذي يتّجه عندي أن هذه لا يلزمها الغسل في هذا المقام؛ فإنا لو ألزمناها ذلك، لكان حكماً [بأن المنفصل منيٌّ] (٦) والجمع بين الحكم بأنه منيٌّ يوجب خروجُه

стр. 3316

الغسلَ وبين الحكم بأن البلوغ لا يحصل به، فيه تناقض. فعلى هذا يُقطع بوجوب الغسل بخروج المني من المرأة التي لا نشك في بلوغها. وإذا رأت الصبيةُ ذلك في مظنة البلوغ، ففي وجوب الغسل ما ذَكرته. هذا ما رأيته. وظاهر كلام الأصحاب ثبوتُ الغسل وجهاً واحداً، والتردُّدُ في حصول البلوغ (١ من جهة ندور الشيء. وهذا غير سديد. وظاهر المذهب حصول البلوغ ١)، فقد اجتمع للمرأة أسبابٌ ثلاثة إلى أن يلحق بها بعد ذلك ما ينبغي، فالأسباب الثلاثة: السن، والحيض، وانفصال ماء الفطرة. ٤٠٧٢ - فأما الإنباتُ - يعني إنباتَ العانة - فإنه يعم الغلامَ والجارية، ولم يختلف الأصحاب في أنه تعلّقَ به الحكمُ بالبلوغ في حق أولاد الكفار، والشاهد له ما كان من رسول الله ﷺ في بني قريظة، لما حكم سعدٌ بقتل مقاتلتهم، فأمر رسول الله ﷺ برجالهم، فضربت أعناقهم، وكان يأمر بالكشف عن مؤتزر الغلام، فكل من أنبت منهم، كان يقدّم وتضربُ رقبته (٢). ٤٠٧٣ - ثم الترتيب الجامع المرضي في ذلك، أن الأصحاب اختلفوا في أن الإنبات عينُ البلوغ، أو علامةُ البلوغ. هكذا قال الأصحاب. فإن جعلنا الإنبات عينَ البلوغ، وجب الحكمُ بالبلوغ عنده (٣) في أولاد المسلمين، كما يجب ذلك في أولاد الكفار. وإن قلنا: إنه علامةُ البلوغ، ففي أولاد المسلمين وجهان: أحدهما - يحكم بالبلوغ فيهم قياساً على أولاد الكفار.

стр. 3317

والثاني - لا يُحكم؛ فإنا نطلع على تواريخ ولادة أولاد المسلمين؛ فلا نتعلق بالأمر الخفي، وقد لا نطلع على التواريخ في أولاد المشركين، فنكتفي بهذه العلامة. وهذا الذي ذكره الأصحاب فيه بعضُ النّظر، [فلا] (١) وجه عندنا للحكم بأن الإنبات عينُ البلوغ، ولا طريق إلا القطعُ بأنه علامةٌ. ثم ينتظم عليه مراد الأصحاب في القطع بأنه علامة في أولاد الكفار، والتردد في أولاد المسلمين. والمعنيُّ بالإنبات ظهورُ الشعر الخشن الذي يتميز عن الزغب. وحكى بعض الأثبات عن القاضي أنه نزَّل نبات اللحية، والشارب، والإبط، منزلة نبات العانة، وهذا حسن متّجه. وإنبات العانة يقع في مفتتح تحريك الطبيعة، في [تركب] (٢) الشهوة. ونباتُ اللحية، والشاربِ والإبط لا يتراخى في الغالب عن البلوغ، فكان أولى بالدلالة على البلوغ من إنبات شعر العانة. فأمَّا انفراق الأرنبة (٣)، ونتوء غضروفة الحلقوم، وثقل الصوت، ونهودُ الثدي، فشيء منها لا يكون علامةً في البلوغ. هذا منتهى ما أردناه في بلوغ الغلام والجارية، وما يختص به كل واحد منهما، وما يشتركان فيه. ٤٠٧٤ - فأمّا الخنثى، فالسن في حقه كالسن في حق الجنسين، وأمَّا انفصال ما هو على نعت المني، وخروجُ ما هو على صفة الحيض، فهل يتعلق البلوغ به؟ ذكر الشيخ أبو علي، والعراقيون طريقةً، نحن طاردوها، ثم ننبه على وجه التحقيق. قالوا: إذا انفصل [منه] (٤) ما هو على صفة المني، فلا نحكم بالبلوغ، لجواز أن

стр. 3318

يعارضه خروجُ ما هو على صفة الحيض، وكذلك إذا سبق خروج المني (١) من فرج النساء، لم نحكم بالبلوغ لما ذكرناه من احتمال خروج الدم بعده. ولو خرج المني من الذكر، والدمُ من الفرج، ففي الحكم بالبلوغ وجهان: أحدهما - أنه يحكم به؛ فإنه إن (٢) كان رجلاً، فقد أمنى، وإن كانت امرأةً، فقد حاضت. والوجه الثاني - أنه لا يُحكم بالبلوغ لتعارض الخارجَيْن، وليس أحدهما بأن يحال عليه البلوغ أولى من الثاني. قال الشيخ أبو علي: نصُّ الشافعي يدل على هذا الوجهِ الأخير، وهو أن البلوغ لا يحصل عند التعارض. ٤٠٧٥ - وهذا الذي ذكروه كلام مختلط، لا يستند إلى تحصيل. وقد ذكر الأصحابُ في الطرق في علامات الذكورة والأنوثة، أن الخنثى إن كان يبول بمبالِ الرجل، فهو رجل، وإن كان يبول بمبال النساء، فهو امرأة، وإن كان يبول بهما، فالأمر مشكل (٣)، فيتعلق بخروج المني والحيض أوان البلوغ، فإن أمنى بفرج الرجال، فهو رجل، وإن حاض بفرج النساء، فهو امرأة، فإن كان خروج ما هو على نعت المني دالاًّ على الذكورة، فيجب القطع بكونه منيَّاً دالاًّ على البلوغ، وإن لم نحكم بالبلوغ، وجب ألا نحكم بالذكورة، وهذا لا شك فيه. والقول في الحيض إذا انفرد، ولم يعارضه المني كالقول في المني إذا لم [يعارضه] (٤) الحيض. ٤٠٧٦ - وأنا أذكر مسلكين: أحدهما - الحق عندي. والثاني - يفيد تقريب كلام الأصحاب من وجهٍ، على بعده. فأمّا الحق الذي يجب اتباعُه، فهو أن نقول: المني إذا انفرد خروجه، كان بلوغاً. وكذلك القول في الحيض إذا انفرد. فإن قيل: إذا سبق المني، لم يبعد توقعُ الحيض بعده، فكيف يقع به الحكم بالبلوغ؟ قلنا: هذا

стр. 3319

يتوجه في الحكم بالذكورة والأنوثة. وإن شبب مشبب بخلافٍ في الذكورة والأنوثة في الحيض والمني، أُلزم خروجَ البول من أحد المبالين؛ فإنه يبيّن الذكورة والأنوثة، وإن كنا لا نأمن خروجَه من المبال الثاني بعد خروجه من المبال الأوَّل. ثم لا خلاف أنا نعلق الحكم بالمبال إذاً سبق، فإن تأخّر عنه الخروج من المبال الثاني، نقضنا ما حكمنا به، فالوجه إذاً القطع بحصول الذكورة بالمني إذا انفرد، وحصول البلوغ. وكذلك القول في الحيض إذا انفرد. وإن خرج المني والحيض، فلا شك أنا لا نحكم بالذكورة والأنوثة، لتعارض الأمرين. وهل [يُحكم] (١) بالبلوغ؟ هذا محتمل جدّاً. يجوز أن يقال: يحصل البلوغ؛ فإنه إن التبس الذكورة والأنوثة، فقد حصلت العلامتان المعتبرتان في البلوغ، فإن كانت امرأة، فقد حاضت، وإن كان رجلاً، فقد أمنى. ويجوز أن يقال: لا يحصل البلوغ بناء على أن الخارجَيْن ليسا منياً ولا حيضاً؛ فإن تعارضهما قد [يثير] (٢) هذا الإشكال، فإنَّ الجبلّة التي تنشىء المني، لا تنشىء الحيض من مغيضه، والطبيعة التي تنشىء الحيض لا (٣) تنشىء المني، فلا يمتنع ألاّ نحكم على الواحد من الخارجَيْن تحقيقه، وبهذا نوجه نصّ الشافعي -إن كان له نص (٤) - فهذه الطريقة التي أرتضيها. فأما تقريب قول الأصحاب، وحملُه على وجهٍ يقرب بعض القرب، فهو أن يقال: إن سبقَ المني، حكمنا حكماً ظاهراً بالبلوغ، وكذلك إن سبق الحيض؛ فإن سبق أحدُهما، ولحقه الثاني، فحُكْمنا بالبلوغ، ربطاً بالسابق منقوضٌ لا محالة. فهذا هو المعنيّ بقول الأصحاب: لا نحكم بالبلوغ. فإذا اعتقبا، فهل نحكم الآن، وقد نقضنا حكمنا الأول بالبلوغ؟ فعلى التردد. وهذا مع بذل الجهد فيه مُثبَّجٌ (٥).

стр. 3320

فصل ٤٠٧٧ - قد ذكرنا ما يحصل البلوغ به، ونحن نذكر الآن الرشدَ ومعناه، ونقيضه، وهو السفه؛ فإن الربَّ تعالى علق زوال الحجر في حق الصبي بالبلوغ، وإيناس الرشد، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] فنذكر معنى الرشد، فنقول: الرشيد هو الصالح في دينه، المصلح لمالهِ، فلو بلغ الصبي مبذراً، وهو الذي يصرف ماله في جهةٍ لا يستفيد به أجراً في الآجل، ولا حمداً ممّن يُعتبر حمدُه في العاجل. هذا معنى التبذير. ٤٠٧٨ - فإن بلغ الصبي فاسقاً، وكان يعدُّه أهل المعاملات مصلحاً لماله، مقتِّراً ضابطاً، فهو في معنى المبذر؛ والسَّبب فيه أن الفاسقَ قد يصرف أمواله إلى [اتخاذ] (١) الخمور، [وأجرة القَيْنات] (٢) وأبناءُ جنسه يعدّونه مقتصداً في نوعه، وصرفُ المال إلى هذه الجهات تبذيرٌ في الشرع، وإفسادٌ للمال. ٤٠٧٩ - ولو كان يتعدى طوره (٣) في اتخاذ الأطعمة الفائقة الكثيرة القيمة والمؤنة، وكان لا يليق ما يفعله بمنصبه ومرتبته في اليسار، فهذا منه تبذير. ويختلف ما أشرنا إليه باختلاف المنازل والرتب. ٤٠٨٠ - وذكر أئمتنا أنّ صرف المال في الخيرات وجهاً القربات ليس بتبذير. ومن رشيق كلام المتقدمين قول بعضهم: لا خير في السَّرف، ولا سرف في الخير. وكان شيخي يفصل ذلك تفصيلاً حسناً، ويقول: إذا بلغ الصبي، وكان يتشوف إلى صرف المال إلى الخيرات على سرفٍ، فهو تبذير منه، [وإن بلغ مصلحاً للمال مقتصداً، وزال الحجر، ثم طرأ السَّفه، فنذكر أنه يعود الحجرُ، فلو طرأ إفراطٌ في صرف المال إلى الخيرات، فلا نُعيد عليه الحجرَ بهذا. وعند ذلك يقع الفرق بين

стр. 3321

السرف في النفقات، وبين السرف في الخيراتِ] (١) وهذا على حسنه ممَّا انفرد به. والأئمة لم يفرقوا بين حالة البلوغ، وبين ما يطرأ من ضراوةٍ بالخيرات، والمسألة في الإطلاق والتفصيل محتملة جدّاً. ٤٠٨١ - وإذا بلغ الصبي سفيهاً، اطرد الحجر عليه، ووليّه بعد بلوغه سفيهاً مَنْ كان وليّه في صباه؛ فإن السَّفه اتصل بالصبا، فكان ذلك بمثابة تمادي الصّبا. ٤٠٨٢ - وإذا زال سفهُ السفيه وبان رشدُه، فالأصح أنه ينطلق الحجر عنه من غير حاجةٍ إلى رفع القاضي وإطلاقهِ؛ فإن استمرار الحجر لم يكن بضرب القاضي، [فلا] (٢) يتوقف زواله على إطلاقه، وإزالته. ومن أصحابنا من قال: لا ينطلق الحجر عنه، وإن ظهر رشدُه، ما لم يتصل الأمر بنظر القاضي وإطلاقه؛ فإنَّ زوال السَّفه مجتهدٌ فيه، فيجب ربط رفع الحجر بمن إليه النّظر العام. وهذا بعيد جداً. ٤٠٨٣ - وممَّا يتصل بتمام القول في ذلك أن الصبيَّ لو بلغ، ولم يظهر منه ما يخالف الرشدَ، فالأصح أن الحجر يرتفع عنه، ولا حاجة إلى إطلاق القاضي. وذكر بعض الأصحاب وجهاً بعيداً في هذا المقام أيضاًً في أن رفع الحجر يتصل بالحكم وإطلاق الحاكم. وهذا بعيد جدّاً، وهو أبعد ممَّا حكيناه فيه إذا بلغ سفيهاً، ثم زال السفه واستمر الرشد؛ فإنه قد يظن أن الحجر ثبت (٣) بمجتهَدٍ فيه، وهو السفه، فيزيله المجتهد بنظره. وهذا يبعد كل البعد إذا لم يثبت سفَه متصل بزوال الصبا. ٤٠٨٤ - فلو بلغ الصبيُّ رشيداً، وثبت كونُه مطلَقاً، فعاد سفيهاً، فلا بد من الحجر. والمذهبُ الأصح أنه لا يعود بنفسه محجوراً عليه، بل يتوقف الحجر على ضرب القاضي؛ فإنه ثبت استقلالُه، وانقطاع الولاية عنه؛ فلا سبيل إلى عَوْد الحجر

стр. 3322

بأمرٍ مجتهد فيه، من غير أن يصدرعن نظر المجتهد. ومن أصحابنا من قال: يعود محجوراً عليه، كما (١) عاد السفه، ولا حاجة إلى نظر القاضي، بل عَوْدُ السفه، وطريانُه بمثابة طريان الجنون. ٤٠٨٥ - ثم إذا كان الحجرُ يثبت بنفس السفه، أو بضرب القاضي، فلو طرأ الفسقُ مع استدامة الضبط في المال والضِّنةِ به، فهل يعاد الحجر عليه لمكان الفسق؟ المذهب أَنَّه لا يعاد؛ ولو حجر القضاةُ على الفسقة، لحُجر على معظم الخليقة. وكل ما يفعله الحُكّام نظراً، فهو محتوم. ونحن نعلم أن الأولين لم يَرَوْا الحجرَ على الفسقة، ولو رأَوْه، لأظهروه، ثم كان لا يخفى النقل فيه. فخرج ممَّا ذكرناه أن طريان الفسق مع التبذير يتضمن الحجرَ، وطريان التبذير مع الصَّلاح في الدين يوجب الحجرَ أيضاً. فأمّا الفسق المجرَّد، ففيه من الخلاف ما ذكرناه. ٤٠٨٦ - ولئن قال قائلون: طريان التبذير يوجب الحجرَ من غير ضربٍ من جهة القاضي، فلا ينبغي أن يُعتقدَ هذا الوجهُ في الفسق المجرّد مع الضِّنة بالمال، ويجب القطعُ بأن الحجر بالفسق المجرد -إن رأيناه - فلا مأخذ له إلا ضربُ القاضي واجتهادُه. ٤٠٨٧ - ثم إن زال السفه الطارىء وظهر الرشدُ، فإن قلنا: الحجر موقوف على ضربٍ، فالانطلاق (٢) عنه موقوف على قضاء القاضي. وإن قلنا: نثُبت الحجرَ من غير ضرب من جهة القاضي، ففي زوال الحجر عند زوال السَّفه الطارىء وجهان، كما تقدّم ذكرهما في زوال السّفه الذي كان متصلاً بالصبا. ٤٠٨٨ - وتمام الغرض في ذلك أن الصبيّ إذا بلغ سفيهاً، وكان يليه في صباه أبوه، فوليّه في السفه وليُّه في الصبا بلا خلاف. وكذلك لو بلغ مجنوناً، واتصل الجنون بالبلوغ فيليه مجنوناً من كان يليه صبياً. ولو بلغ عاقلاً رشيداً، ثم طرأ الجنون، فلا شك في كون المجنون محجوراً عليه،

стр. 3323

واختلف أصحابنا في أن وليه القاضي، أو الأب. فمن أصحابنا من قال: وليّه الأبُ، كما كان يليه من قبل، فليَلِيَه الآن. ومن أصحابنا من قال: يليه القاضي. ولو عاد التبذير، وقلنا: القاضي هو الضارب للحجر، فهو الولي، أو من ينصبه القاضي؟ وإن قلنا: يعود الحجر من غير ضربٍ للقاضي، ففي وليّه وجهان، مرتبان على الوجهين في الجنون الطارىء. وهذه الصورة أولى بأن يكون القاضي ولياً فيها؛ فإن التبذير وزواله مجتهَدٌ فيه بخلافِ الجنون. فرع: ٤٠٨٩ - إذا بلغ صبيٌّ في قُطرٍ شاغرٍ عن الولاة، وكان سفيهاً، ولم يكن له أبٌ ولا جدٌّ، فالذي ذهب إليه الأصحاب أنه محجور عليه، لا ينفذ تصرفه على ما سنذكر تصرفَ المحجور عليه، ونصفه. وحكى الشيخ أبو علي في شرح التلخيص وجهاً عن بعض الأصحاب أن تصرفه ينفذ إلا أن يلحقه نظرُ والٍ، فيضرب عليه حجراً حينئذ. والسفهُ المتصل عند هذا القائل بالبلوغ بمثابة السفه الطارىء على الرشد، وقد ذكرنا أن المذهب أن من طرأ عليه السفه لا يصير محجوراً عليه من غير ضرب القاضي ونظرِه. وهذا بعيدٌ. والوجه القطع بما قدمناه من اطراد الحجر عليه، ووقوعُه نبذةً (١) من نظر الولاةِ وهو سفيه، كوقوعه كذلك وهو صبي. فرع: ٤٠٩٠ - إذا كان البالغ رشيداً في الوجوه (٢)، بَيْد أنه كان يغبن في بعض التصرفات على الخصوص، فهل للقاضي أن يضرب عليه حجراً خاصاً فيه؟ فعلى وجهين: أحدهما - ليس له ذلك؛ فإن الحجر والإطلاق يبعد اجتماعهما في حق شخصٍ واحدٍ. والوجه الثاني - أنه يجوز ذلك اتباعاً للمعنى. قال الشافعي ﵁ في توجيه جواز ذلك: قولُ رسول الله ﷺ

стр. 3324

لحَبّان، وكان يغبن في البياعات " إذا بعت، فقل لا خلابة " (١) يشبه أن يكون حجراً عليه، في إلزام البيع، وعقدِه من غير خيارٍ. وهذا قاله في سياق الاحتجاج على مالك (٢)؛ إذ قال: الغبن يُثبت حقَّ الفسخ، فقال الشافعي: لو كان الأمر كذلك، لما أمر حَبَّانَ بشرط الخيار، ثم بنى عليه ما ذكرناه من تبعيض الحجر. فصل ٤٠٩١ - قد ذكرنا فيما تقدم السفه ومعناه، وثبوتَ الحجر وارتفاعَه، والتفصيلَ في اقتران السَّفه بالبلوغ، وطريانه بعد الرشد. ومقصود هذا الفصل تفصيلُ ما يصح منه، وما لا يصح. قال الأئمة: يصح طلاقُه، وخلعُه وظهاره، وإقراره بالنسب استلحاقاً؛ فإن هذه الأشياء لا تدخل تحت الحجر، وليس المبذر كالصبي؛ فإن الصبي مسلوبُ العبارة بالكلية، ويصح أيضاً إقرارُه بما يوجب القصاصَ عليه. فإن قيل: لم صححتم الخلع منه وهو تصرف مالي؟ قلنا: إذا كان يصح منه الطلاق بلا عوض، فلأن يصح منه الطلاق (٣) بعوض -وإن قلّ- أوْلى. وذهب الأكثرون إلى أنه يصح منه قبول الهبة، بخلاف الصبي؛ فإنه لا عبارة له، وسنذكر في وصيّة الصبي، وتدبيره عبدَه قولين في كتاب الوصايا. وفي المبذر في التدبير والوصية قولان، مرتبان على الصبي، وهما بالنفوذ أوْلى من المبذر؛ فإنه من أهل العبارة. وأمَّا بيعُه وشراؤُه ونكاحُه، فلا يصح شيء منها، إذا استقل واستبد بذاته. ٤٠٩٢ - ولو أذن له الولي في عقدٍ، وعيّنه له، فحاصل ما قاله الأصحاب أوجهٌ:

стр. 3325

أحدها - أنها (١) تصح إذا صدرت عن إذن الولي؛ فإنّ عبارته صحيحة، والمحذور استقلاله. والوجه الثاني - أنها لا تصح؛ فإن عبارته مسلوبة في العقود الملزمة. والوجه الثالث - أن النكاح يصح بعبارته عند الإذن، بخلاف البيع والإجارة. وفي نكاح المحجور تفاصيلُ مشروحة في كتاب النكاح، فليطلب منه. فرع: ٤٠٩٣ - إذا اشترى المحجور شيئاًً في ذمته، من غير إذن الولي، فالذي قطع به الأصحاب أن شراءه فاسد، لمكان الحجر. وحكى بعض المصنفين وجهاًً في صحةِ شرائه، تخريجاً على الوجه الضعيف، الذي حكيناه في شراء العبد بغير إذن مولاه. وهذا ليس بشيء؛ فإن العبد من أهل النظر، إذا كان رشيداً، وإنما الحجر عليه بسبب المولى. فإذا كنا لا نعلِّق برقبة العبد وكسبه شيئاًً من عُهدة عقده، فلا يمتنع تصحيحُ عقده. والمبذر يُنظر له في الحجر، وحقه مرعيّ (٢) في الحال والمآل. وقد نَسب (٣ هذا الإنسان ٣) هذا الوجه إلى الشيخ أبي حامد (٤)، وقد تتبعت كتب العراقيين، وتعليق أبي حامدٍ، فلم أجد ذلك، فالتفريع إذاً على أنه إذا اشترى المحجورُ المبذّر شيئاًً، لم يصح. فلو أقبضه البائع ما باعه، فتلف في يده؛ لم يلزمه الضمان. والبائع هو الذي ضيّع حقَّ نفسه. ٤٠٩٤ - ثم قال الأئمة: لو صار السفيه رشيداً، وانطلق الحجر عنه، فلا يطالَب أيضاًً؛ والسبب فيه ما ذكرناه من أنّا رَاعَينا حقَّ المبذر. وحقُّه مرعيٌ في الحجر والإطلاق؛ وليس كالمفلس؛ فإنّا قد نردّ بعض تصرفاته في الحجر، ثم ننفذه إذا

стр. 3326

انطلق الحجر عنه، والسبب فيه أن المرعي حقوقُ الغرماء، والحجر مضروب بسببهم. وقد زالت حقوقهم. ٤٠٩٥ - وقال الأئمة: لو اشترى المبذر شيئاًً، وقبضه وأتلفه، كان كما لو تلف في يده، وإن كان لو أتلف مال أجنبي ابتداءً، تعلق الضّمان بماله، ولكن إذا ترتب الإتلاف على الشراء، فسببه تسليط البائع. قال صاحب التقريب: " هو غير مطالب ظاهراً، ولكن إذا انطلق الحجر عنه، فهل نقول: إنه وإن لم يطالب ظاهراً، فالضمان واجبٌ عليه بينه وبين الله تعالى؟ فعلى وجهين ". وهو عندي هفوة؛ فإنه لو ثبتت المطالبة باطناً، فلا مانع من توجيهها ظاهراً. والذي ذكره فيه إذا أتلف، وما أراه يطرُد ما حكاه فيه إذا تلفت العين في يده من غير إتلافٍ. والعلم عند الله. فرع: ٤٠٩٦ - إذا أقر المبذر أنه أتلف مالاً لأجنبي، ففي قبول إقراره قولان: أصحهما - الرد، كما لو أقر بدين مرسل، أو أقر بأن عيناً من أعيان أمواله مغصوبةٌ من فلان؛ فإن أقاريرَه مردودةٌ في هذه الجهات. والقول الثاني - أن إقراره مقبول؛ فإن الإتلاف يتصوّر منه، ولو جرى، لأوجب، وكل ما يتصور، فالإقرار به صحيح، ممّن تصح عبارته. والأصح الأول؛ فإن الإقرار تعبير (١) بإنشاء مسوّغٌ في الشرع، وإتلاف مال الغير غيرُ مسوَّغٍ. ثم كل إقرارٍ رَدَدْناه في حالة الحجر، فلا مؤاخذة به بعد الإطلاق، إلا أن يعيد بعده إقراراً جديداً. فرع: ٤٠٩٧ - ينبغي للولي أن يختبر الصبيَّ أوانَ البلوغ، ليعلم سفهَه ورشده، فإن كان على مرتبة السوقة والتجار، دفع إليه مالاً وأمره بالتصرف فيه بالبيع [والشراء] (٢). وإن لم يكن من هؤلاء، وكان منصبه لا يقتضي البيعَ والشراء،

стр. 3327

فاختباره بأن يدفع إليه مالاً، ويأمره بإنفاقه على الخدم، ويعلم اقتصادَه وغباوتَه. والاختبار في كل جنسٍ على ما يليق بهم. ولا حاجة إلى التطويل بالتفصيل. ٤٠٩٨ - ثم قال الأصحاب: ينبغي أن يقع الاختبار قُبَيْل البلوغ، حتى إذا ظهر الرشد، وقع البدار إلى تسليم المال، فإن كان الاختبار بعقد بيعٍ، فالأصح أنه يأمر الصبيّ حتى يساوم، ويطلب، ويماكِس، فإذا حان العقد ورآه الوليُّ صواباً، تولى بنفسه العقدَ؛ فإنَّ عقدَ الصبي باطلٌ. وأبعد بعضُ أصحابنا، فصحّح عقدَ الاختبار من الطفل، وتعلق بظاهر قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] ولا متعلَّق فيها؛ فإن الابتلاء مجملٌ، لا تعرض فيه للعقد وأسبابه. فرع: ٤٠٩٩ - السفيه إذا أحرم بالحج، انعقد إحرامُه، فإن كان الحج تطوعاً، فلا يسلّم إليه الولي [مالاً] (١) يتبلغ به. واختلف أصحابنا بعد ذلك، فمنهم من قال: حكمه حكمُ المحصر الذي له أن يتحلل، وقد مضى القول في الحصر. ومنهم من قال: ليس كالمحصر، ولا سبيل إلى تحليله، وحكمه حكم معسر، يُحرم، وعدمُ النفقةِ لا يكون إحصَاراً. فرع: ٤١٠٠ - إذا كان السفيه مِطلاقاً، والحاجة ماسة، فالوجه أن يشتري الولي له جاريةً، فإنَّ عتقه لا ينفذ فيها. ومهما تبرم بها، باعَها الولي، واشترى غيرها (٢). * * *

стр. 3328

كتاب الصلح ٤١٠١ - صدّر الشافعي ﵁ الكتاب تيمناً بقول عمر ﵁؛ إذ قال: " الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرَّم حلالاً " (٢). فالمحلِّل للحرام هو الصلح المورَد على عوضٍ محرم، كالخمر والخنزير، والمغصوب، وغيرها. والصلح المحرِّم للحلال هو المشتمل على شرط يتضمن المنعَ من تصرفٍ مباح شرعاً، كشرط المنع من المبيع والهبة في العوض المذكور في الصلح. ٤١٠٢ - والوجه أن يصدَّر الكتابُ بتقسيمٍ حاوٍ يجمع صحيح الصلح وفاسدَه، ومحلَّ الوفاق والخلاف جمعاً كلياً، فإن شذّ عن التقاسيم شيء، تداركناه بفرض المسائل، ورسم الفروع. والصلح في البحث الأوّلي ينقسم إلى ما يجري بين المدعي والمدعى عليه. وإلى ما يجري بين أجنبي وبين المدّعي. فأما الصلح الذي بين المدّعي والمدعى عليه قسمان (٣): صلح مع الإقرار، وصلح مع الإنكار. فأما الصلح مع الإقرار، فإمَّا أن يكون عن عين، وإما أن يكون عن دينٍ. فأمَّا الصلح الواقع عن عينٍ، فينقسم إلى صلح معاوضة، وإلى صلح حطيطة.

стр. 3329

فأمّا صلح المعاوضة الذي يشتمل على عوض سوى العين المدعاة المعترف بها. وذلك إذا ادّعى رجل على رجل داراً أو عبداً أو ثوباًً، فاعترف به، وصدق المدعي، ثمِ قال للمدعي: صالحني عن هذه العين على هذا، وعين عوضاً، أو وصفه وصفاً يُقنعُ به في المعاوضات. فإذا أسعفه المدعي، وقال: صالحتك من (١) ثوبي الذي في يدك على كذا، فقال المدعى عليه: قبلتُ، صحت المعاملة. وهي بيعٌ على الحقيقة، معقودة بلفظ الصلح. وإذا قال الفقيه: حكمه حكم البيع، كانت عبارته مختلّة؛ فإنه بيعٌ بنفسه، ويتعلق به جميعُ أحكام البيع وقضايا الربا، إن اشتمل على الربويات. والعُهَدُ المألوفة في البيع، وأحكام الضّمان، والردود، ولا مزيد؛ فقد قطعنا بأنه بيع. قال صاحبُ التلخيص: الصلح في المقام الذي نحن فيه بيع عُقد بلفظ الصلح. ٤١٠٣ - ويجوز عقد الصلح بلفظ البيع إلا في شيء واحد، وهو الصلح عن الجنايات؛ فإن الصلح جائز عن الإبل، وإن لم تكن على الصفات الضابطة في السلم، ولو فرض عقد تلك المعاملة بلفظ البيع، لم يصح. ٤١٠٤ - قال الشيخ أبو علي (٢): هذا الذي ذكره غير صحيح. والتفصيل فيه أن الأرش إن كان مجهولاً، كالحكومة التي لم تقدَّر، فلا يصح الصلح عنه، ولا يجوز تقدير بيعه، وإن كان الأرش معلوماً على التحقيق، كما إذا كان دراهم أو دنانير، صحَّ الصلح عنه، ويصح التصرف فيه بلفظ البيع. وإن كان الأرش مقدراً، ولكن كان من الإبل، والأوصافُ المرعية في الديات لا يقع الاكتفاء بها في السلم، ففي جواز الصلح عنها وجهان، اختار صاحبُ التلخيص أحدهما. فإن نحن صحَّحْنا الصلحَ، لم يمتنع تصحيح المعاملة بلفظ البيع أيضاًً، وإذا لم نصحح الصلح، فلا شك في امتناع البيع أيضاًً. ثم قال الشيخ: إذا قلنا: موجب العمدِ القودُ المحض، فالصلح من (٣) القصاص جائز، ولا يجوز استعمال لفظ البيع فيه.

стр. 3330

ثم هذا القسم الذي نحن فيه من الصلح يجوز أن يكون [العِوضُ] (١) فيه عيناً، ويجوز أن يكون ديناً إذا لم يكن الذي عنه الصلح مالَ رباً يقتضي العقد عليه التقابضَ في المجلس. ولا معنى للإطناب بعد البيان. هذا صلح المعاوضة. ٤١٠٥ - فأما صلح الحطيطة في هذا القسم، [فتصويره] (٢) أن يدعي رجلٌ على رجلٍ عيناً من الأعيان، فيعترف المدعى عليه بالملك للمدّعي، ثم يقول: صالحني منهُ على نصفه. فإذا قال: صالحتك، كان تقدير هذا راجعاً إلى هبة بعض العين من المدعى عليه، فإذا جرت المعاملة كذلك، فقال المدعي: صالحتك من ثوبي هذا على نصفه، وقال المدعى عليه: قبلت. ففي المسألة وجهان ذكرهما الشيخ في شرح التلخيص: أحدهما -وهو الظاهر الذي قطع به مَنْ سِواه - أن ذلك يصح، ويتضمن هبةَ النصف من المدعى عليه، ويثبت له أحكام الهبات في جملة المعاني، والقضايا. والوجه الثاني - أن هذا باطل؛ فإن الصلح متضمنه المعاوضة، وبيع الرجل ملكه من عينٍ بنصف العين باطلٌ متناقض. والقائل الأوَّل يقول: الصلح عبارة صالحة للمعاوضة في أوانها، وهو مشعر بالهبة في هذا المقام. والدليل عليه أَنَّ إطلاق هذا اللفظ شَائعٌ في الاستعمالِ، ولا معنى له إلا ما ذكرناه. والمطلوب من الألفاظ معانيها، وما يفهم من وضعها. هذا كله فيه إذا كان الصلح دائراً بين المدعي والمدّعى عليه من عينٍ. ٤١٠٦ - فأمَّا إذا كان الصلح عن دين، فتصويره أن يدعي رجل على رجلٍ ديناً، فيعترف به، ثم يقع الصّلح فيه. والصلح في هذا القسم ينقسم إلى صلح معاوضة، وإلى صلح حطيطة: فأمَّا صلح المعاوضة، فهو أن يذكر أعواضاً [عن] (٣) الدين المعترف به. ثم إن كان ذلك
следующие страницы →