← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

وأبعد بعضُ الأصحاب، فأثبت اليد لهما (١). ٤١٦٤ - وهذه الأحوال حقها أن تؤخذ من العاداتِ؛ إذ ليس فيها توقيفاتٌ شرعية، ولا يخفى أن الرّاكب هو الذي يعد مستولياً على الدابة، دون المتعلَّقِ باللجام، وكذلك القول في لابس الثوب [وجاذبه] (٢). ٤١٦٥ - ثم لما ذكر الشافعي معتبرهُ في الجدارِ، وأوضح أن الرجوع إلى اتصال البنيان كما وصفناه، قال: فإن لم يكن، فالجدار مقر على اليدين، واعتبار تقريره على اليدين أوْلى من كل ما يتخيل بعده، سوى اتصال الرّصف والترصيع، وعدَّه ممّا لا يعتبر، مما قد يُخيل. وأشارَ إلى خلاف العلماء، قال: "لا أنظر إلى من إليه الخوارج والدواخل وأنصافُ اللَّبن ومعاقدِ القُمط" والقُمُط جمع القِماط، وهو الحبل. وأراد بالدواخل والخوارج الكتابةَ بالجص والآجر، إذا كان على أحدِ وجهي الجدار كتابة، فلا تعويل عليها، وكذلك إذا كان على أحد وجهي الجدار تزويقاتٌ أو طبقات تزين الجدار، وأراد بأنصاف اللبن أن الجدار لو كان متخذاً من اللبناتِ المقطعة، وكان الوجوه إلى أحد الجانبين والجوانب المكسرة من الجانب الآخر، فلا احتفال بشيء من هذا. ومعاقد القمُط يظهر في الستر بين السطوح [والمتخذ من القصب والحُصر] (٣) وغيرهما، فقد يشد عليها خشبة مستطيلة ومعترضة بالحبال، وقد يُظن أن [الباني] (٤) لها [لا] (٥) يجعل وجه العقد والخشب في جانب نفسه، ويجعل

стр. 3362

الوجه المستوي إلى الجانب الذي يليه، ولا تعويل على ذلك، ولا ترجيح خلافاً لمالكٍ (١). ٤١٦٦ - ولو كان لأحد المتنازعين في الجدار على الجدار أَزَجٌ (٢)، نظر: فإن [كان] (٣) على منتهاه، فهو بمثابة وضع الجذوع بعد تمام البناء، وقد ذكرنا أنه لا تعلق بوضع الجذوع، ولو كان الجدار من أصله مقوساً من جهة أحدهما إلى منتهى الأَزَج، فإذا فرض النزاع والحالة هذه، فصاحبُ الأزَج صاحب الجدار؛ فإن الجدار جزء من الأَزَج، وليس الأزَج موضوعاً بعد بناء الجدار، ولا يعد مثل هذا سوراً في جانب جدارٍ من الأزج له، فإذا كان البيت المؤَزَّج لأحدهما وفاقاً، فالجدار الذي ذكرنا من غير الأَزَج. فهذا منتهى القول في ذلك. ٤١٦٧ - ثم ردد الشافعي قوله في أمر نحن [نوضِّحه] (٤) ونستعين بالله تعالى فيهِ، فنقول: إذا كان بين رجلين جدار مشترك، فأراد أحدهما أن يضع عليه جذوعاً، لم يكن له أن ينفرد به دون إذن شريكه؛ فإن انفراد أحد الشركاء بالتصرف في الملك المشترك لا مساغ له. وقال الشافعي ﵁ في القديم: إن ثبتت حاجةُ الجار إلى الجذوع على الجدار، وجب إسعافه، ولا يختص هذا بالجدار المشترك؛ فإنه لو كان الجدار ملكاً خالصاً للجار، ومسَّت إليها حاجة الآخر -كما ذكرناه- لم يُمنع من وضع الجذوعِ على الجدار، واعتمد في القديم ما رواه أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يمنع جاره بأن

стр. 3363

يضع خشبة على جداره" (١) وقيل: كان الناس لا يعملون بهذا، فلما ولي أبو هريرة مكة أو المدينة قال: "ما لي أراكم معرضين عنها، والله لأرمين بها بين أكتافكم" واختلف في تفسير لفظه، فقيل: معناه لأكلفنكم ذلك، ولأضعن جذوع الجيران على أكتافكم، ضرباً للمثال، وقصداً إلى المبالغة في البيان. وقيل: أراد بقوله لأضعنها: أي لأضعن هذه السُّنة بين أكتافكم، ولأحملنكم العمل بها. ٤١٦٨ - فإن فرعنا على الجديد، فلا سبيل إلى الوضع على الملك الخالص، ولا على الملك المشترك، وإن مست الحاجة إليه. وهذا قانون الشرع، ومقتضى القياس الكلّي والجزئي، وحديث أبي هريرة محمول على التأكيد في الندب والاستحباب، وقد يرد أمثال هذا في الحث على المكرمات. ٤١٦٩ - وإن فرعنا على القول القديم، فلا بد من فرض حاجةٍ. ثم قال الأصحابُ: هذا مشروط بشرطين: أحدهما - أن يضع ما لا يُثقل الجدار، ولا يؤدّي إلى هدمه، فأما أن يبني عليه ما يثقله، فهو ممنوع إلا بالرضا. والثاني - أن تكون الجوانب الثلاثة من البيت لصاحب البيت، وهو يحتاج إلى جانب رابع. فأمّا إذا كان الكل للغير، فلا يضع الجذوع عليها قولاً واحداً. ومن أصحابنا من لم يشترط هذا الشرط الأخير. والحاجة التي أطلقناها لم نُرد بها ضرورةً، وإنما أردنا حاجة البناء، حتى لا يظن ظان أن المعنيَّ بالحاجة ضرورةٌ مرهقةٌ، وداعيةٌ مستقرة. ولكن لو بنى بناء لا يحتاج إليه، وكان البناء يحتاج إلى ما وصفناه من وضع الجذع، فله الوضع. وفي هذا أدنى نظر عندي. ولا يمتنع تخصيص ما ذكره في القديم بحاجةٍ إلى أصل الوضع، وهذا التردد

стр. 3364

يضاهي ما ذكرناه في كتاب الطهارة من تضبيب الإناء بالفضة، [إذْ شرطنا] (١) الحاجة إلى التضبيب. ٤١٧٠ - وإذا فرعنا على القول الجديد، قلنا: إن رضي مالك الجدار بوضع الجذوع على جداره من غير عوض، كان ذلك إعارة، وسنصف في كتاب العارية أن من أعار أرضه، أو جداره للبناء عليه، أو للغراس، فإذا بنى المستعير، وغرس، فللمعير الرجوع في العارية، ولكن يضمن ما ينقُصه بالقلع في الغراس والبناء. وسيأتي هذا على الاستقصاء في موضعه، إن شاء الله تعالى. وغرضنا الآن: أن من استعار أرضاً وغرسها، أو بنى فيها، فللمعير الرجوع، على شرط ضمان النقصان. ومن استعار جداراً ووضع عليه جذوعاً، فإذا أراد مالك الجدار الرجوعَ في العارية، رفعَ الجذوعَ والتزمَ غرامةَ النقصان. وظاهر المذهب أن ذلك سائغ على قياس الباب. وقال بعض أصحابنا فيما حكاه القاضي: لا يجوز الرجوع في هذه العارية؛ فإن ضرر القلع والرفع يتداعى إلى ما هو خاص ملك المستعير؛ فإن الجذوع إذا رفعت أطرافها من جدارٍ لم تستمسك على باقي [الجُدُر] (٢) فإذا عظم الضرر، امتنع القلع. فأثرُ رجوع المعير أن يُلزم المستعير أجر المثل في مستقبل الزمان، وتفصيل ذلك يأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى. ٤١٧١ - وممّا أجراه الأئمة من أحكام العارية إذا اتصل الكلام بها أن من استعار أرضاً وزرعها، لم يكن للمستعير قلعُ الزرع قبل إدراكه، بخلاف الغراس؛ فإن الزرع له أمدٌ معلوم. فلو كان غرس، فأثمرت الأشجار، فلا يجوز للمعير قلعها قبل جِدادِ الثمار؛ فإن الثمار لها أمدٌ كالزرع. وهذا منقاسٌ لا خفاء به. فإذا جُدَّت الثمار؛ فإذ ذاك يقلع المعيرُ إن أراد، على شرط الضمان.

стр. 3365

فرع: ٤١٧٢ - إذا كان الجدار المتنازع. بين الدارين مبنياً على خشبةٍ طويلة، وكان طرفٌ من تلك الخشبة والِجاً في ملك أحدهما، ولم يكن شيء منها والِجاً في ملك [الثاني] (١)، قال العراقيون: الخشبة تكون لمن يكون طرفها في ملكه، ثم قالوا: إذا ثبت أن الخشبة له، فالجدار المبني عليها تحت يده؛ فإن الظاهر أن جدار غيره لا ينبني على ملكه. هذا ما ذكروه، ولم أجده في طرقنا، وليست المسألة خاليةً عن احتمال في الخشبة والجدار. فرع: ٤١٧٣ - قال العراقيون: إذا تنازع الجاران الجدارَ بينهما، وشهدت بيّنة لأحدهما بملك الجدار، ولزم القضاء بها، فيصير صاحبَ يدٍ في القاعدة التي عليها الجدار. وكذلك إذا تنازع رجلان شجرة وشهدت البينة لأحدهما، فيصير مالك الشجرة صاحبَ يد في مغرس الشجرة. هكذا قالوا. وهو قياس طريقنا. فإن قيل: الجدار على قاعدته، والشجرةُ على مغرسها بمثابة الجذع على الجدار، فكيف يدلُ على اليد وقاعدته؟ وكذلك السؤال في الشجرة ومغرسها؟ قلنا: نبهنا على هذا؛ إذ قلنا: الجدار بين الدارين في يدي مالكهما؛ من حيث إنه جزء من كل دارٍ، فكان هذا التمسك بالجزئية أولى من التعلق بوضع الجذع. وهذا لا يتحقق في قاعدة الجدار ومغرس الشجرة، فصار الجدار يداً في القاعدة، والشجرة يداً في المغرس. ونظير ذلك أن الدار إذا كانت مشحونة بأمتعة إنسان، وكان لا يسكنها أحد، فالدار تحت يد صاحب الأمتعة. ولو كان يسكنها رجلان، ولأحدهما أمتعة، فلا نظر إلى الأمتعة مع شهود المتداعيين في الدار وسكونها (٢). ٤١٧٤ - ثم قال العراقيون: لو أقر إنسان بجدار لإنسان، أو بشجرة، فالإقرار لهما هل يكون إقراراً بقاعدة الجدار وبمغرس الشجرة؟ فعلى قولين مأخوذين من أن البيع فيهما هل يتناول أصلهما، وفيه قولان، قدمنا ذكرهما.

стр. 3366

وفي المسألة فضل نظر فيما نصفه سؤالاً وجواباً. فإن قيل: إذا كان لفظ المقر مع اختصاصه بالجدار يتعدّى إلى أصله، حتى يجعل إقراراً به في أحد القولين، مع أن مبنى الإقرار على الحمل على الأقل. فإذا شهد عدلان لإنسان بملك جدار، فقولوا: لفظ الشهود يتضمن الملك في أصل الجدار على أحد القولين قياساً على الإقرار. قلنا (١): هكذا نقول، ولا فرق، والعلم عند الله تعالى. ٤١٧٥ - وهذا يلتفت إلى أصلٍ، وهو أن الشاهد على البائع تقبل شهادته مطلقاًَ، من غير بحث عن شرائط صحة البيع، على المذهب الظاهر، ويحمل البيع المشهود به على الصحّة، على ما سيأتي ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى. فصل قال: "ولا أجعل لواحد منهما أن يفتح كوة فيه ... إلى آخره" (٢). ٤١٧٦ - الجدار المشترك بين شريكين لا يجوز لأحدهما أن يفتح كوة أو يثبت فيه وتداً يعلق فيه شيئاًً؛ فإن التصرف في [الجدار] (٣) المشترك تصرفٌ في ملك الشريكِ، والتصرف في ملك الشريك من غير إذنه [غيرُ] (٤) سائغ، ولا يمتنع على كل واحد من الشريكين أن يستند إلى الجدار المشترك، أو يسند إليه شيئاً من الأمتعة؛ فإن هذا النوع من المنفعة غيرُ معتدٍ به، ولا أثر له. ولو استند إنسان إلى جدارٍ خالص لغيره، لم يمتنع ذلك، ولو منع المالكُ منه، ففيه تردد للأئمة. ويخرَّجُ عليه ما لو تمانع الشريكان في هذا النوع أيضاً؛ فإن الملك المشترك في حكم الملك الخالص.

стр. 3367

وأمّا الاستظلال بظل جدار للغير في الشارع، فلا أثر له، ولا يملك مالك الجدار المنعَ منه. ٤١٧٧ - [و] (١) كما يمتنع التصرف في الجدار المشترك بالفتح، يمتنع البناءُ عليه. ولا يجوز للشريك في الدار أن يسكنها دون إذن الشركاء، وإذا تمانعوا، فالمهايأة (٢) إذا رضوا بها، توفر عليهم حقوقهم من المنافع، وهي في الظاهر تناوبُ في المنافع، وفي الحقيقة بيعُ المنافع، فإذا تراضى شريكان بالمهايأة على أن يسكن أحدهما شهراً، فالمنفعة الحاصلة في كل نوبةٍ في أصل الوضع مشتركة، فكأنَّ كلَّ شريكٍ باع حصته من المنفعة في نوبة شريكه بما يتوفر عليه في نوبته من حق شريكه. ٤١٧٨ - والصحيح أن المهايأة لا تلزم، ولا يجب الوفاء [بها] (٣) وإن وقع التراضي فيها. فإن قيل: لو اكترى رجل داراً سنة بمنفعة عبد سنة، أو أكثر، أو أقل؛ فالإجارة صحيحة، ومقابلة المنفعة بالمنفعة سائغةٌَ عندنا، فهلا وقع القضاء بلزوم المهايأة الصَّادرة عن التراضي؟ قلنا: من ضرورة التناوب بالمهايأة على منافع العين الواحدة أن تنتجز نوبة وتتأخرَ الأخرى، والمنافع المضافة إلى المدة التي ستأتي، لا يجوز إيراد العقد عليها عندنا؛ فإن من استأجر داراً السنة القابلة، لم يصح، فلا تلزم المهايأة على هذا الأصل، وليست معاملةً تقتضي تمليكاً على الصحة. نعم، هي على صورة بيع فاسد، ولهذا قلنا: لا يصح الإجبار عليها؛ فإن الإجبار على البيع الصَّحيح ممتنع، فما الظن بالإجبار على ما هو على صورة البيع الفاسد. فإن قيل: هلا جعلتم المهايأة قسمة بمعنى الإفراز؛ تخريجاًَ على أن القسمة إفراز حق؟ قلنا: ليست المهايأة على صورة القسمة الصحيحة أيضاًً؛ فإن القسمة ينتجز فيها الأقساط والحصص، ويفرض تعديلها وتنزيل الشركاء عليها، والمنافع توجد شيئاًً

стр. 3368

فشيئاً، وليس من التعديل مقابلة واقع منتجز بمتوقع. ٤١٧٩ - وذهب بعض أصحابنا إلى الإجبار على المهايأة؛ لأن الضرورة ماسّةٌ إليها عند تنازع الشركاء، ولو لم يجبر عليها، لتعطلت المنافع. وهذا بعيد عن القياس، ولكن مبناه على الحاجة الحاقّة العامّة، وقد نميل عن مسلك القياس بمثل ما ذكرنا. ٤١٨٠ - فإن قلنا: لا إجبار على المهايأة، فلو تهايأ شريكان على التراضي واستوفى أحدهما المنفعة في النوبة التي قُدّرت، ثم أراد الرجوعَ فيما توافقا عليه ومَنع شريكِه من استيفاء المنفعة في نوبته، فله ذلك، ولكنه يغرَم لشريكه قيمةَ حصته من المنفعة في النوبة التي استوفاها. وإن قلنا: بالإجبار على المهايأة، فإن استوفى أحدُهما النوبةَ الموظفةَ، لم يكن له الرجوع، بل تُوفَّر على الشريك مثلُ تلك النوبة. ثم تعتقب النوب الموضوعة، إلا أن يتراضى الشركاء على نقضها، فلابُدّ من اتباع رضاهم. ثم النوب تطرد إلى غير نهاية، وهذا من الوجوه الظاهرة في الخروج عن القياس. ثم إن قلنا بالإجبار على المهايأة، فلا كلام، وإن منعنا الإجبار عليها، واستمر الشركاء على التدافع، فهذا يؤدي إلى تعطيل المنافع، فهل يباع عليهم الملك عند الامتناع من المهايأة، وإدامةِ الطلب؟ فعلى وجهين حكاهما القاضي: أحدهما - أن العين تباع على الشركاء، لقيام النزاع، وإفضاءِ الأمر إلى تعطيل [المنافع] (١) وهذا وجهٌ ضعيف، لم أره في غير هذه الطريقة. والأصح أنه لا إجبار على المهايأة، ولا على البيع، وتترك المنافع تتعطل إلى أن يتراضيا. ولم يذكر أحد من الأصحاب الإجبارَ على الإجارة (٢)، ولعل السَّبب فيه أن الأمد

стр. 3369

في الإجارة لا متوقف له، ولا سبيل إلى التحكّم بهذه (١)، والإجبارُ يقدر والشريكان متمانعان، والبيع يرد على مورد متعين. وكل ذلك خبط، والوجه نفي الإجبار في المهايأة والبيع. فصل قال: " وقسمته بينهما إن شاءا ... إلى آخره " (٢). ٤١٨١ - الكلام في هذا الفصل يتعلق بأمرين: أحدهما - التفصيل في قسمة الجدار المشترك، إجباراً، واختياراً. والثاني - القول في قسمة أُس الجدار ومبناه، إذا كان قد انهدم الجدار وانهار. ٤١٨٢ - فأمّا الجدار المشترك، فقسمته تفرض على وجهين: أحدهما - قسمة جميع الطول في نصف العرض، فهذا النوع لا إجبار عليه لوجهين: أحدهما - أن قسمة الإجبار لو فرضت، لكان التعيين بالقرعة، ثم القرعة ربما تخرج على خلاف ما يقصد في جهة الانتفاع، بأن تخرج قرعة زيد على الشق الذي يلي دارَ صاحبه، ولا يتأتى -والحالة هذه- من واحدٍ منهما الانتفاع المقصود. هذا وجه. والثاني - أن [الإفراز] (٣) على الحقيقة لا يتصور؛ من قبل أنا وإن فصلنا شِقاً عن شق بخط نرسمه فاصلاً بين الشقين، فلو وضع أحدهما على شقه جذوعاً، أو بنى عليه أدّى ذلك [إلى تثقيل] (٤) الشق الآخر والتحامل عليه. وهكذا يكون نعت الجدار "فلا تتأتى المفاصلة إذاً. وذكر صاحب التقريب وجهاً بعيداً في الإجبار على هذا النوع من القسمة، إذا دعا إليها أحد من الشريكين. ثم قال: "نخصص كلَّ واحد منهما بالحصة التي تليه من غير قرعة". وهذا بعيد في الحكاية، وإن كان يتجه بعضَ الاتجاه، وما ذكرناه من أن

стр. 3370

المفاصلة لا تتحقق، فيه نظر؛ من قِبل اتفاق الأصحاب على تصحيح القسمة بالتراضي. ولو كانت المفاصلة لا تتحقق، لامتنعت القسمة أصلاً. وما ذكرناه في قسمة الجدار في جميع الطول في نصف العرض. ٤١٨٣ - فأمّا قسمة الجدار في جميع العرض في [نصف] (١) الطول، فإنها صحيحة مع التراضي، وهل يجبر عليها الممتنع منهما إذا دعا إليها أحد الشريكين؟ فعلى وجهين مذكورين في الطرق، بناهما المرتِّبون على المعنيين اللذين ذكرناهما في الصورة الأولى. فإن اعتمدنا تعطل الانتفاع لأمرٍ يرجع إلى خروج القرعة، فهذا لا يتحقق في الصورة الأخيرة، فليقع الإجبار على القسمة. وإن اعتمدنا على أن المفاصلة لا تتحقق، فهذا المعنى قد يجري في النوع الأخير من القسمة؛ فلا إجبار إذاً. ٤١٨٤ - ولو انهدم الجدار وبرز الأُس، فأراد قسمته، فالقسمة في جميع العرض في بعض (٢) الطول يجري الإجبار عليها، لفقد المعنيين، فأمّا القسمة في جميع الطول في بعض العرض، فإن جرينا على تعيين حصة كل شريك فيما يليه من غير قرعةٍ، فالإجبار جائز، وإن قلنا: لا بُدّ إذا فرضت القسمة من إجراء القرعة، ففي الإجبار على [القسمة] (٣) وجهان مبنيان على المعنيين المذكورين في قسمةِ الجدار نفسه على هذه الصورة. فصل ٤١٨٥ - إذا انهدم الجدار فعمّراه، وأعاداه بالأعيان التي كانت في الجدار، من غير مزيدٍ، واستويا في العمل وفي الاستئجار عليه، واشترطا أن يكون الثلثان لواحد، والثلث لآخر، فهذا الشرط لغوٌ، والجدارُ نصفان كما كان. ومن رضي بالنقصان

стр. 3371

منهما واعدٌ هبةً، فإن وفَّى بها، فذاك، وإلا، فلا طَلِبَة عليه. ٤١٨٦ - ولو اختص أحدهما بالإعادة، وشرط أن يكون الثلثان من الجدار له، فتقدير ذلك مقابلة عمل العامل على الثلث الذي يقدّر بقاؤه، وللذي لم يعمل بالسدس من ملكه في الجدار، فالسدس إذاً أجرةُ العمل على الثلث. وهذا سائغٌ، على شرط تقدير ذلك من الأساس والنقض؛ حتى تكون الأجرة عتيدة. ولو فرض ربط الأجرة بالسدس بعد البناء، لم يصح؛ فإن هذا تعليق في عين. ٤١٨٧ - وذلك إذا لم يجدّد العاملُ عيناً في الجدار من ملك نفسه، فلو جدد، ليقع الفرض فيه إذا أعاد الجدار بأعيانٍ من عند نفسه من غير أن يستعمل شيئاًً من النقض - فهذه المعاملةُ يتدبرها النّاظر تصوراً، ثم لا يخفى الحكم فيها. فالعامل كأنّه يبيع ثلثَ الأعيان التي أتى بها، ويضم إليها عملَه فيها، والعوض المقابل السدس من أس الجدار. هذا تقدير المعاملة، وهي مشتملة على الجمع بين العين والمنفعة، وهو من صور تفريق الصفقة. والتنبيه كافٍ فيما ذكرناه. ولا بد في الصورة الأخيرة من تعيين الأعيان، والإشارة إليها على سبيل الشيوع، أو ذكرِها وصفاً على سبيل السَّلم. ٤١٨٨ - ثم ذكر الشافعي في آخر الفصل أن الشريكين لو اصطلحا على وجه يصح، وشرطا أن يحمل أحدهما على الجدار ما شاء، فهذا الشرط مفسد (١)؛ فإن الجدار لا يحتمل الوفاء بالشرط، والقدرُ المحتمل مجهول، فالشرط فاسد، وإذا فسد، أفسد ما يفرض من معاملة. فهذا طرد المذهبِ على وجهه في التفصيل. ٤١٨٩ - وقد ذكر صاحب التقريب وجهاً بعيداً في الصورة الأولى، لا وجه له، فأخرته، وأنا الآن ذاكره. قال: لو استويا في الإعادة بالنقض القديم، ولم يتخصص

стр. 3372

أحدهما بمزيدٍ، فلا يمتنع أن ينقص نصيب أحدهما بالتراضي، وزعم أن المشتركَيْن في الدار على تقدير التشطير، لو قال أحدهما: بعت نصفي من الدار بثلث الدار من نصفك، فقال المخاطبُ: قبلت. قال: لا يمتنع أن يحصل بهذه المعاملة أحدهما على الثلثين، ويبقى للآخر الثلث. وهذا عندي كلام ملتبسٌ، لا أصل له. والوجه القطع بفساد هذا النوع من المعاملة. ولو قال أحد الشريكين لصاحبه مع استمرار الشيوع: بعت نصفي من الدار بنصفك، فلا يجوز أن يقدر هذا بيعاً (١)، حتى يترتب عليه تقدير شفعةٍ، أو غيرها من أحكام البيوع؛ فإن وضع الشرع في البيع على إفادة التبادُل، ولا يتحقق مع اطراد الشيوع، فلا وجه لما قال إذاً. فرع: ٤١٩٠ - إذا استعار رجل جداراً ووضع عليه جذوعاً، ثم انهدم الجدارُ، نُظر: فإن أُعيد الجدارُ بأعيانٍ جديدةٍ، لم يملك المستعيرُ ردَّ الجذوع على الإعارةِ الأولى، وإن أعيد الجدارُ بنقضه من غير مزيدٍ، واستعمالِ عين جديدة، فقد (٢) ذكر العراقيون وغيرُهم وجهين في أن المستعير هل له ذلك من غير مراجعةٍ؛ بناءً على الإعارة الأولى؟ ففيه الخلاف الذي ذكرناه. ولا ينبغي أن يُعتقد خلافٌ في أن صاحب الجدار، لو منع من الإعادة يبقى للمستعير خيار. ثم إذا منع، فلا يغرَم ما يغرَمه لو رفع الجذوع، ونقض بناء المستعير، مع بقاء الجدار، فعاد الخلافُ إذاً إلى الاستمرار على حكم [الإعارة] (٣) الأولى. ثمَّ لو فرض إعادة الجذوع تفريعاً على جواز ذلك، فلا ينقض المستعير إلا مع ضمان أرش النقصان.

стр. 3373

فصل قال: "وإن كان السفل في يد رجلٍ، والعلو في يد آخر، فتنازعا سقفه ... إلى آخره" (١). ٤١٩١ - إذا كان السفل في يد إنسانٍ، والعلو المسامتُ له في يد آخر، فتنازع صاحبُ العلو والسفل السقفَ الحائلَ بينهما، نُظر: فإن كان بناء سقف العلو قبل بناء سقف السفل ممكناً، بأن يفرض سقفٌ عالٍ، ثم يفرضَ سقف دونه، بأن تدرج رؤوس الجذوع في وسط الجدار، وينظم عليها السقف، فإذا كان هذا التصوير ممكناً، فالسَّقف الحائل بين العلو والسفل إذا تداعياه، فهو في أيديهما؛ فإنه في حكمِ الجزء للعلو أرضاً، وهو أيضاً في حكم الجزء للسفل سماءً وسقفاً، فصار توسط السقف بين العلو والسفل كتوسطِ الجدار بين دارين، الواقع سوراً لكل واحدٍ منهما. هذا إذا كان إحداث سقفٍ للسفل ممكناً بعد تقدير سقف العلو. ٤١٩٢ - فأمّا إذا كان لا يمكن [إحداث] (٢) سقف السفل على وسط الجدار بعد امتدادِه إلى منتهى العلو، وذلك كالأزَج، فإنه لا يمكن استحداثُه على وسط الجدارِ، فإذا كان كذلِك، علمنا أن السَّقف بُني أولاً، واستحدث بعده جدار العُلو وسقفُه، فالسقف في هذه الصورة في يد صاحبِ السُّفل. ٤١٩٣ - وممَّا يجبُ تأمله فيما قدمناه من تفصيلٍ القولُ في التنازع في الجدار الممتدّ بين الدارين: ذكرنا تفصيلاً في الأَزَج، وجعلنا الأَزَج المبني على الجدار المستوي بمثابة الجذوع التي توضع بعد تمام بناء الجدار، [والأزج] (٣) الذي قوّس له الجدار من أسّه هو المعتبر، وهذا التفصيل لا وقع له فيما ذكرناه في السفل والعلو؛ فإن الجُدران المحيطةَ بفضاء السفلِ لا نزاع فيها، وهي مختصة بيد صاحبِ السفلِ، والأَزج هو

стр. 3374

الذي فيه الكلام، وقد تبين أنه [ما] (١) بُني أرضاً للعلو، وإنما تم بناء السفل بالأَزَج، ثم كان استحداث العلو بعده، فلم يكن الأَزَج مضافاً إلى العلو والسفلِ، على قضية الاستواء أرضاً وسماءً. وهذا بيّنٌ. ٤١٩٤ - فإن كان السقف كما ذكرناه في القسم الأوَّل، وحكمنا بأنه في أيديهما، فلا خلاف أن صاحب العلو يجلسُ عليه، ويضع عليه أثقاله على الاعتيادِ في مثله، وهذا انتفاعٌ بالمشتركِ، وقد تقدم امتناع الانتفاع بالمشترك، ولكن هذا منزَّل على الاعتياد في مثله. واتفق الأصحابُ على أن صاحبَ السفل، لو أراد تعليق شيء من السَّقفِ، لم يمنع منه، والسَّبب فيه أن صاحب العلوّ انتفع بالسّقف، وملك تثقيله بنفسه وأمتعته، فملك صاحبُ السفلِ مساواتَه في تعليق الأثقال في السَّقف، وهما محمولان على حكم العادة في الباب. هذا هو المذهب الظاهر. ومن أصحابنا من لم يجوز لصاحب السفل تعليقَ ثقل في السّقف، ويُلزمه أن يكتفي بالاستظلال من السَّقف. ومن أصحابنا من قال: إن أمكن التعليق من غير إثبات وتدٍ في جرْم السّقف، جاز، مع اجتناب السَّرَف، ولزومِ الاقتصاد، فأما إثبات الوتد في جِرم السقف، فممتنع. فتحصل ثلاثةُ أوجهٍ على ما ذكرناه. ٤١٩٥ - والذي يجب الاعتناء به صرفُ الفكر بين الجدارِ الممتد الواقع بين الدارين سوراً لهما، وبين السقف الفاصل بين العلوّ والسفلِ، فنقول: أصل الفرق لابُدّ منه؛ فإن جلوس صاحب العلوّ، ووضعَه الأثقالَ على السّطح انتفاعٌ ظاهر مؤثر في السقف، وهو مسوَّغ بلا خلاف، ولا يجوز مثله في الجدار الممتد بين الدارين، والسبب فيه أنا لو منعنا صاحبَ العلو ممّا ذكرناه، لتعطل العلو، فكان هذا في حكم الضرورة، من وضع العلو والسفل، ثم ثار الاختلاف بين

стр. 3375

الأصحاب في صاحب السفلِ، ثم حاولوا أن يسوّوا بين صاحب السفل والعلوّ، فكان الظاهرُ تمليكَ صاحبِ السفل تعليق شيء في السقف، ليوازي صاحبَ العلو في تثقيل السقف. ومنع مانعون ذلك، صائرين إلى أن الاستظلال في حق صاحب السفلِ هو قدْرُ الضرورة، وفصَل فاصلون بين نصب الوتِد والتعليق وغير ذلك، كما قدمناه. ٤١٩٦ - وكان شيخي يقول: إذا منعنا صاحب السفلِ من نصبِ وتِد في الوجه الذي يليهِ من السقف، فنمنع صاحب العلو في العلو من [غرز] (١) الوتِد أيضاًً؛ إذ لا ضرورة فيه. وإن جوزنا لصاحب السفلِ نصبَ الوتِد في الوجه الذي يليه، فهل يجوز ذلك لصاحب العلو؟ فعلى وجهين؛ فإن صورة التعليق قد تُحوج إلى نصب وتِد، ولا يتحقق مثلُه على هذا النسق في حق صاحب العلو. وما اختلف الأصحاب فيه من التعليق، فيما يُقدَّر له أثر، فأما ما لا أثر له كتعليق ثوب، أو غيره ممّا لا يؤثر على طول الدهر في السقف، فلا منع منه، ولا يُدرج في الخلاف الذي حكيناه؛ إذ هو بمثابة الاستناد إلى الجدار المشترك الممتد بين الدارين. وقد يتعلق بهذا الفصل أحكام من عمارة الأملاك المشتركة. فصل ٤١٩٧ - الأملاك المشتركة إذا استرمَّت (٢)، ومست الحاجة إلى العمارة، فإن توافق الشريكان على العمارة، أو على تركها، فلا كلام. وإن امتنع أحدهما عن العمارة، ودعا الثاني [إليها] (٣)، ففي إجبار الممتنع عن العمارة قولان: أقيسهما وهو المنصوص عليه في الجديد - أنه لا يجبر الممتنع؛ فإن [الملك] (٤) المشترك يشتمل على ملك الممتنع وعلى ملك غيره، ويبعد أن يجبر

стр. 3376

لملكه، كما لو انفرد بملك شيء، ويبعد أن يجبر لملك غيره. والمنصوص عليه في القديم أن الممتنع يُجبر على العمارة، وهذا القول مبني على مصلحةٍ عامة لا سبيل إلى إنكارها، ولو لم يفرض الإجبارُ، لأفضى إلى ضرر بيّن، سيّما في القنوات، وما في معناها من الضِّياع وغيره. وإن كنا نجبره على القسمة لضرر المداخلة في المساهمة، فالضرر بترك العمارة أشد وأعظم. التفريع على القولين: ٤١٩٨ - إن جرينا على الجديد وفرضنا الكلام في العلو والسُّفل ليقيس النّاظر على محل الكلام ما في معناه، قلنا: لو انهدم العلو، والسفل، وامتنع صاحب السفل من العمارة، لم نجبره، فإن قال صاحب العلو لصاحب السفل: أنت حامل ثِقْلي، فأعد الأمر إلى ما كان، واحمل ببناء السفل ثِقْل العلو، لم نجبه إلى مراده في إجبار صاحب السفل؛ فإن جدران السفل خالصُ ملكه، فلم يُجبر على إعادتها. وما ذكره صاحب العلو من حقه مردود عليه؛ فإن ذلك إنما يثبت إذا بُني السفل، فأمّا الإجبار على تحصيل السّفل لمكان العلوّ، فلا سبيل إليه على هذا القول. ٤١٩٩ - فلو قال صاحب العلو: أنا أبني السُّفل، وأعيد عليه علوي، فلا يمتنع عليه البناء، وإن كان ذلك تصرفاً في ملك صاحب السفل؛ فإنا إن كنا لا نلزم صاحب السفل شيئاًً، فإبطال حق صاحب العلوّ محال، ومنعه من التوصل إلى حقه في العلو ببناء السفل تعطيلٌ لصاحب العلو. ثم لا يخلو إما أن يعيد السفلَ بالنقض القديم من غير مزيدٍ، وإمّا أن يُدخل فيه أعياناًَ من ملك نفسه، وأي الأمرين فعل لم يُمنع منه. أجمع الأصحاب عليه، لما ذكرناه؛ لأن المنع من ذلك تعطيل لحقه. ٤٢٠٠ - ثم ينظر: فإن بنى بالنقض القديم، وكانت أعيان السقف الفاصل بين السفل والعلو عتيدة، فلصاحب السُفل أن يأوي إلى سفله، وينتفع به على حسب ما كان ينتفع به قبلُ [من] (١) المسكن والاستظلال.

стр. 3377

فلو قال صاحب العلو: اغرَم لي أجرة البانين، لم يُجب إلى ذلك. وإن قال: أمنعك من السكون (١)، لم يجب إلى ذلك؛ فإنه أوى إلى ملك نفسه. وإن قال: إذا كان كذلك، فأنا أنقض بنائي، وأرُدُّ الأمرَ إلى ما كان، نُظر: إن لم يأت بعينٍ جديدة في البناء، فليس له نقضه؛ إذْ ليس له في الجدار إلا حقُّ الصنعة، وقد كان انفرد بها، ولا سبيل إلى استدراك الصنعة، فالصنعة (٢) لا تستدرك. وإن كان أعاد جدران السفل بأعيانٍ من عند نفسه، [فله نقضه] (٣)، وليس له منعُ صاحب السفل من السكنى إلى اتفاق النقض؛ لأنه يقول: أنا أدخل ملكي، فلا سبيل إلى منعه، ثم حيث نمنعه من النقض -وذلك إذا لم يحدث عيناً في البناء- فلو هدم، فالمذهب أنه يغرَم ما ينقصُه النقض؛ فإنه إذا بنى، فقد انقطع عمله، والبناء على صفته مملوك لصاحب السفل، فإذا هدمه، كان جانياً على ملك غيره. وسنمهد هذه القاعدة في كتاب الغصوب، ونذكر فيها ضبطاً لبعض الأصحابِ، إن شاء الله تعالى. ٤٢٠١ - ولو كان بنى السفل بأعيان ملكه، فالذي ذهب إليه الأصحاب أنه لا يمنع صاحب السفل من الانتفاع بالسفل سُكنى، وليس للباني إلا النقضُ، والرجوعُ إلى عين ماله. وذكر صاحب التقريب وجهاً أن لصاحب العلو الباني [منع] (٤) صاحب السفل فيقول له إما أن تبذل قيمة أعيان ملكي، وإما أن تنكف عن الانتفاع بها، وإذا دخلت السفل، فقد انتفعت بالسقف والجدران، وهي من أعيان ملكي، وقد بنيتُ ولي البناء. وهذا وجهٌ غريبٌ غيرُ معتد به، والمذهب والقياسُ ما قدمناه، من أن الباني لا يملك إلا نقضَ البناء، فأما المنع من الانتفاع، فلا. والذي ذكره صاحب التقريب يشبه قياس المصالح، والمصلحة تقتضي الإجبارَ على العمارة. وتفريعنا على الجديد.

стр. 3378

٤٢٠٢ - فأما إذا قلنا بالقول الثاني، وهو أن الممتنع مجبر على العمارة، فلسنا نعني بها عمارةً تجلبُ مزيداً، فإنا لو أجبرنا عليها، فقد لا نجد لها موقعاً، [سيما في] (١)، وإنما الإجبار على العمارة التي لو تركت، لاختل الملك بتركها، ثم قد يتداعى الخلل. فإن اتفق إجباره، فلا كلامَ، وإن لم يصادفه، فالقاضي يبيع عليه ماله إن وجده، وإن لم يجد له مالاً، فله أن يستدين عليه، وله أن يأذن للشريك في الإنفاق على شرط الرجوع على الشريك الغائب. ثم الأولى أن يُشهد على ما يجري ليكون أقطعَ للخصومة. ولو لم يُشهد، وأنكر صاحبه، [إذْ ذاك] (٢) يكون القول قول المنكر مع يمينه، فإن استبد الشريك، وأنفق بنفسه من غير مراجعة القاضي، فالذي قطع به معظم الأصحاب أنه لا يرجع على شريكه. وذكر شيخي وصاحب التقريب وجهاًً آخر أن للشريك أن ينفرد بالعمارة، ويرجع، وهذا الوجه خرجوه على ظفر صاحب الحق بغير جنس حقه؛ فإنا في وجهٍ نجوّز له الانفرادَ ببيع ما ظفر به، واستيفاءِ الحق من ثمنه. وقال قائلون: إن أمكنه مراجعة الحاكم، [فليس له] (٣) أن يستبد إذ ذاك بالإنفاق. وهذا أعدل الوجوه، وله التفات إلى هرب الجمَّال واستئجار صاحب المتاع جمَّالاً، وستأتي تلك المسألة، إن شاء الله تعالى. ٤٢٠٣ - ثم قال الأئمة: كما اختلف القول في الإجبار على عمارة الملك المشترك، كذلك اختلف القول في أن صاحب السفل هل يُجبَر على العمارة، مع العلم بأن السُّفل خالصُ حقه. ولكن يتعلق [ببنائه] (٤) حقُّ صاحب العلو، فجرى الإجبار

стр. 3379

على القول القديم على العمارة؛ لمكان حق البناء لصاحب العلو. وإذا فرعنا على القول القديم، فبنى صاحب العلو السفلَ بأعيان ملكه، فلو أراد نقضَه، فقال صاحب السفل: لا تنقضه، وأنا أغرَم لك قيمة أعيان ملكك، فأبى الباني إلا النقضَ، فقد أجمع الأئمة في الطرق على أنه يُمنع من النقض على القديم، ونسعف صاحب السفل فَنَقْنَع منه ببذل القيمة؛ فإنا نفرع على القول القديم، ومبناه على رعاية المصلحة، والمصلحة تقتضي ما ذكرناه. فصل ٤٢٠٤ - إذا ملك الرجل بيتاً، فجاء رجل واشترى منه حقَّ البناء على سطحه، فقد أجمع أصحابنا على جواز ذلك، ودلَّ عليه نص الشافعي. ثم الذي أطلقه الأصحاب أنَّ (١) هذا بيعٌ، واتفقوا على أنه لا يعتمد ملكَ عين، ولم يمتنعوا من تأبيد العقد، والقضاءِ بلزومه، وترددوا في جواز إنشاء هذا العقد بلفظ الإجارة، فجوز بعضهم ذلك، وامتنع آخرون مصيراً إلى أن الإجارة في وضع الشرع تستدعي إعلام المقصود (٢) بطريق النهاية، وذلك يحصل بضرب المدّة تارة، وبذكر عملٍ متناهٍ أخرى: مثل الاستئجار على خياطة الثوب ونحوها. فإن قيل: ما وجه تسمية هذه المعاملة بيعاً، ومقصودُها منفعة؟ قلنا: البيوع وإن كانت في الظاهر ترتبط بأعيانٍ تقضي بجريان الملك فيها، فنهاية المقصود ترجع إلى الانتفاع، وملكِ التصرف، وهو ضربٌ من الانتفاع، ولكن أضيفت المنافع إلى عينٍ هي متعلّقها، وُضع (٣) عن جميع حقوق المنافع فيها بلفظ الملك. ٤٢٠٥ - قال المحققون: هذا النوع الذي نحن فيه بيعُ حقوق الأملاك، وقد قال الشافعي ﵁: الإجارة صنفٌ من البيوع، وذهب المحققون إلى جواز عقد

стр. 3380

الإجارة بلفظ البيع، ومعتمد المذهب في ذلك مسيس الحاجة إليه، وهو مضنون به، يهون بَذْلُك العوضَ في مقابلته. ثم إنما ينتظم هذا النوعُ من الانتفاع بالتأبيد، كما أن مقصود النكاح ينتظم بالتأبيد، ولا ضرورة إلى تأبيد الاستئجار للسكون (١) وغيرِه من جهات الانتفاع، والأبنية (٢) [وضْعُها] (٣) التأبيد. ويجوز الوصية بالمنفعة أبداً؛ فإنا نحتمل في الوصية ما لا نحتمله في المعاملات. فهذا عقد المذهب. ٤٢٠٦ - وذهب المزني إلى أن هذه المعاملة فاسدة، لخروجها عن قضية الإجارة والبيع جميعاً، وهذا معدود من مذهبه المختص (٤) به، لم يخرِّجه للشافعي. واحتج المزني بأن قال: لو أخرج الرجل جناحاً في ملك غيره بعوض، لم يصح ذلك، فليكن ما نحن فيه بهذه المثابة. قلنا له: ما استشهدتَ به يعتمدُ الهواءَ المحضَ، وأمّا حق البناء، فإنه يتعلق بعينٍ، والدليل عليه أن المزني لا يمنع استئجار بقعةٍ مدةً معلومة للبناء عليها، ولا يجوز فرضُ مثل هذا في إشراع الجناح، فبان افتراق الأصلين، في باب جواز المعاملة، في جواز أحدهما ونفيه في الثاني، وآل الكلام بعد ذلك إلى أنا نجوز تأبيد المعاملة للحاجة الماسة، كما تقرر، ولا [نمنع] (٥) أيضاً من تقرير هذه المعاملة إن وقع التوافق عليها. ٤٢٠٧ - وينتظم للفقيه في ذلك مراتب: إحداها - البيعُ. والتأبيدُ مستحق فيه؛ فإنه يتضمن التمليك الحقيقي، واستئصالَ حق المتقدم (٦) بالكلية.

стр. 3381

[و] (١) هذا يشعر على (٢) بقاء الملك للمُكري (٣)، ودخول المستأجر على وجه الإلمام، والأصلُ لغيره. ثم هذا ينقسم إلى ما يجب ضبطه بالنهاية؛ إذ لا حاجة إلى إثباته دون الضبط، وفي هذا القسم ضرورات الإجارات، ويقع في هذا ما يظهر فيه قصد التأبيد، كما نحن فيه، ولا يمتنع تأقيتُه أيضاًً. ومن المراتب - ما يقصد فيه المنفعة، ولكن لا ينتظم أيضاً إثباته على نعت التأقيت [كالنكاح] (٤)؛ فإن الغرض منه التواصل والتوصل (٥) إلى النسل، وذلك ينافيه التأقيت. [و] (٦) لما كان النكاح يسوغ تأقيته في ابتداء الإسلام -لعله (٧) - كان يشير إلى اكتفاء بعض الناس بقضاء الأوطار أياماً معدودة، ثم استقر الشرع على استحقاق التأبيد؛ ليقع النكاح على وضعه، ثم قدرة الزوج على الطلاق تُفيده الاستمكانَ من الخلاص إن أراد. ٤٢٠٨ - ثم ما ذكرناه من المعاملة لا يختص بحق البناء؛ إذ لو أراد ابتياعَ حق الممر، أو حقِّ مجرى الماء، أو مسيله (٨) في ملكه، ساغ ذلك كلُّه. والضابط أنها حقوق مقصودةٌ، تتعلق بأعيان الأملاك. وهذا يَقُضُّ (٩) من لا خبرة له بالحقائق، وزعم أن هذه المعاملات بيعٌ، والمبيع

стр. 3382

منها الصفحةُ العليا من الموضع الذي يتعلق الحق به، وإنما أُتي هذا القائل من ضِيق العَطن (١)، وبلادةِ الفِطن، والمصيرِ إلى [أن] (٢) ما سماه الشرع (٣) بيعاً يستدعي عيناً مملوكة (٤). وقد مهدنا القول في هذا بما فيه أكمل مقنع. ٤٢٠٩ - ثم إذا تمهدت المعاملة، فلا بد فيها -وإن تأبَّدت- من الإعلام اللائق بها، فإن كان مقصودها البناء على جدارٍ، فلا بد من إعلام المبني؛ فإن الغرض يختلف بذلك، فتُذكر الجدران طولاً وعرضاً، وتوصف بكونها مُطبقة أو رَصْفاً، وتوصف السقوف بما يثبتها، ولم يشترط معظم أصحابنا ذكرَ الوزن، وحكى شيخنا عن بعض الأصحاب اشتراط ذلك. وهذا غلوٌّ ومجاوزةٌ لحكم العادة في الإعلام. ٤٢١٠ - ومن اشترى من أرضٍ حقَّ البناء عليها، فلا حاجة [بعد] (٥) تعيين الأرض وإعلام رقعتها إلى إعلام القدر المبني؛ فإن الأرض تحتمل كلَّ ثقل. وعلى هذا قال الأئمة: لا يجوز أن يقول الباني على العلو: أبني ما أشاء، ويجوز إيراد المعاملة على الأرض بهذه الصيغة. ٤٢١١ - ومن لطيف ما يذكر في ذلك أن من اشترى البناء على علوّ، وصح له ما يبغيه، ثم انهدم السفل، فالقول في عمارة السُّفل والإجبار عليها، كما تقدم. ٤٢١٢ - والغرض الآن أن ما اشتراه إذا سُلّم إليه، وثبتت يده عليه، ثم فرض التلف، فلا يكون ذلك بمثابة انهدام الدار المكراة؛ فإن الإجارة تنفسخ، وقد تقدّم أن المقصود من المعاملة التي نحن فيها منفعةٌ مؤبدة، فلا انفساخ؛ إذ لا خلاف أن

стр. 3383

السفل لو أعيد، فحق البناء ثابتٌ لمستحقه، والدار لو أعيد بناؤها، لم تعد الإجارة التي حكمنا بأنفساخها. فخرج مما ذكرناه أن التلف بعد التسليم لا يوجب الانفساخ، والعوض المأخوذ لا يرتد، ولكن من أتلف هذا الحق على إنسانٍ، ضمن له قيمتَه، فيقال له: [اغرَم] (١) قيمةَ حق البناء على هذا الموضع. ٤٢١٣ - ولو باع صاحب السفل حقَّ البناء، ثم إنه أتلف السُّفل بعد التسليم، وغرمناه القيمة كما ذكرناه، وقررنا العوضَ في يده، فلو أعاد البناء بعد سنةٍ مثلاً، فيعود حق البناء. ويسترد تلك القيمةَ، ويُقضى بأنها سلمت في مقابلة الحيلولة، كما يغرَمُ الغاصب قيمةَ العبد المغصوب إذا أبق، وإذا رجع استرد العوض المبذولَ على مقابلة الحيلولة. ٤٢١٤ - فإن قيل: فهل يغرَم متلفُ السفل لمستحق البناء على العلو أجرةَ البناء للمدة التي دامت الحيلولة فيها؟ قلنا: لا سبيل إلى ذلك؛ فإن هذا مما يبعد تبعيضه، ومن هدم على رجلٍ داره، غرِم أرشَ النقض، ولم يغرَم قيمة منفعة [الدار]، (٢) بعد هدمها، كذلك القول في إتلاف السفل، وتعطيل حق البناء. ومن هذا الوجه يُشبّه المعقودُ عليه في هذه المعاملة بالعين المملوكة تتلفُ. والذي يوضح المقصود: أن حق البناء إذا عاد، فقيمته -وهو مؤبّد- لا تنقص عن قيمته قبل هذا بسنين وهو مؤبد، فإن ما يقدّر لا يُحطُّ مما لا يتناهى. وليس من حصافة الفقيه أن يقول: قد يستأجر الرجل علواً للبناء عليه عشر سنين، فلنوجب مثلَ ذلك العوض على من أوقع الحيلولةَ في تلك المدة؛ فإن مسألتنا مفروضةٌ فيه إذا عاد إليه الحق المؤبد، فليفهم الناظر، [ولْيتأنَّ] (٣) في هذا المقام. فرع: ٤٢١٥ - إذا كان للإنسان حق مجرى ماءٍ في ملك غيره واسترم (٤) ذلك

стр. 3384

[المجرى] (١)، فلا يجب على صاحب [الحق] (٢) المشاركة في العمارة "فإن تيك العمارة تتعلق بأعيان الملك، وليست الأعيان لمستحق المجرى. ولو كان ذلك [الاختلال] (٣) بسبب جريان الماء، فعمارةُ المجرى على مَنْ؟ هذا محتملٌ عندي، والظاهر أن العمارة لا تجب على مستحق الجري، ولعلنا نطلع [في] (٤) ذلك على تصرفٍ لبعض الأصحاب فنلحقه بهذا المحل. فصل ٤٢١٦ - إذا كان لرجل سُفل دارٍ، أو سفل خَانٍ (٥)، وما فيه من بيوت، وأروقة، وصُفَف (٦)، وكان علو الخان لآخر، وصاحب العلوّ كان يرقى من درجٍ في السفل إلى علوّه. فلو تنازعا في العرصة هي في يد من؟ فكيف التفصيل؟ قال علماؤنا: إن كان المرقى في آخر الخان، بحيث يخرق الماشي إليه العرصةَ، فالعرصةُ -والحالة هذه- في يد صاحب السفل والعلو جميعاً، فإنها محل انتفاعهما. أجمع الأصحاب على هذا في الطرق. وفي القلب من هذا أدنى شيء؛ من جهة أنا لا نلقى لصاحب العلو في العرصة إلا حقَّ الممر، وقد قدمنا في الفصل السابق أن حق الممر يجوز أن يُشترَى على حياله، ووجدنا لصاحب السفل حقُّ الممرّ، والتبسطُ في العرصة، بالوضعِ فيها، والجلوس، وما شاء من ذلك، وكان لا يبعد في طريق المعنى ألا يثبت لصاحب العلو

стр. 3385

إلا حقُّ الممرّ، فأمّا الملكُ في رقبة العرصة، فلا. ولم يصر إلى هذا أحدٌ من الأصحاب؛ فإنَّ المقصود الظّاهر من العرصات المرور؛ والذي يرقى إلى العلو لا يلزمه أن يستدّ (١) في مقابلة المرقى، ولو أراد أن يجلس ساعة، أو يقف، فلا منع. وكذلك جرى العُرف بأن صاحب العلو لا يُمنع من وضع شيء في عرصة الخان. فهذا منتهى القول في ذلك. ٤٢١٧ - ولو كان المرقى في دهليز (٢) الخان، فتنازعا في ذلك، فقد ظهر اختلاف الأصحاب في ذلك: فمنهم من قال: اليد فيها لصاحب السفل. ولعله الأصح، ووجهه بيِّن. ومنهم من قال: هي في أيديهما، وهذا الخلافُ قرَّبَه الأصحابُ من التردد الذي ذكرناه في السكة المنسدّة (٣) الأسفل (٤)، إذا أشرع بعض السكان جناحاً في أسفل السكة، فهل يثبت لمن أعلاها حقُّ الاعتراض، ولا ممرَّ له في أسفل السِّكة، وهذا التشبيه قريب. ويمكن أن يقال: العلو محتفٌّ بالعرصة احتفافَ السفل، والهواء [محتوش] (٥) بالسفلِ والعلو، فلا يبعدُ والحالة هذه أن تضاف العرصة إليهما؛ فإنه يقال: صحن الخان، وعرصة الخان، والعلو والسُفل من الخان. وهذا الذي ذكرناه ظاهر فيه إذا كان مالك العلو يحيط ملكه بالعلو كله. وإن ملك بعضاً منه، وملك إنسان بعضاً من السُفل، فالاستحقاق من المستحق على قدر الاستحقاق في السفل والعلو، على التفصيل الذي ذكرناه.

стр. 3386

٤٢١٨ - ولو كان المرقى على نصف العرصة لا في صدر الخان، فإن قلنا: اليد في العرصة لهما لو كان المرقى في الدهليز، فما الظن بهذه الصورة؟ وإن قلنا: يختص باليد على العرصة صاحب السفل، إذا كان المرقى في غير الدهليز، فاليد تثبت لصاحب العلوّ على ما يُسامت ممشاه من العرصة، وفيما وراء المرقى التردد الذي ذكرناه في أعلى السكة وأسفلها. وهذه الصورة على حالٍ أولى بأن تثبت اليد فيها لصاحب العلو على ما لا ممشى له فيه من العرصة. ٤٢١٩ - ولو كان مرقى العلو خارجاً من خِطة الخان، فيبعد -والحالة هذه- أن يثبت لصاحب العلو يدٌ في العرصة، وليس كما لو كان المرقى في الدهليز؛ فإنَّ الدهليز من العرصة، فكان من العرصة كأعلى السكة من أسفلها. هذا قولنا في العرصة وثبوت اليد فيها. ٤٢٢٠ - فأمَّا الدرج والمرقى، فقد قال الأصحاب: إن لم يكن لصاحب السفل به انتفاع، ولم يكن تحته بيت مسكون، فاليد في المرقى لصاحب العلوّ فحسب. وإن كان ينتفع صاحب السفل بالدرج، بأن كان يصفف عليها الصفريّات (١) وغيرها، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن اليد لصاحب العلو، كما ذكرناه. والثاني - أنهما مشتركان، فإنهما مشتركان في المنفعة. والأصح الأول؛ فإن الدرج لا تبتنى لذلك، وإنما تبنى للرقي فيها. ولو كان تحت المرقى بيت، وهو سقفه، فاليد لهما في الدرج؛ فإنها سقفُ أحدهما من جهة، وممرّ الآخر من أخرى، فصار كالسقف من السفل والعلو. ولو كان لا ينتفع صاحب السُّفل إلا بوضع الجدار والكيزان (٢) تحت الدرج مستظلاً

стр. 3387

بها، فالظاهر أن ذلك لا يوجب له يداً في الدرج، وفيه شيء بعيد. ٤٢٢١ - وأصل الدرج في يد من الدرج في يده؛ فإن مغرس الشجر، وأسَّ الجدار في يد من له اليد في الشجرة والجدار. وقد نجز الغرض من المسائل المقصودة في الصلح. وذكر المزني فصولاً معادة، قليلةَ الفائدة، سنجمعها في فصلٍ في آخر الكتاب. فصل قال: "وإن كان لرجلٍ شجرةٌ، أو نخلةٌ، فاستعلت أغصانُها ... إلى آخره" (١). ٤٢٢٢ - إذا غرس الرجل شجرة في ملكه، فعلت وانتشرت أغصانها في هواء ملك الغير، فله أن يمنعه من ذلك؛ فإن هواء ملكه حقُّه، وإن أمكن صرفُ الأغصان عن الهواء، بأن تضم إلى الشجرة، كفى ذلك، وإن كان لا يتأتى تفريغ الهواء إلا بقطع الأغصان، فلا بد من قطعها، إذا طلب صاحب الهواء تفريغه. وانتشار العروق تحت الأرض، كانتشار الأغصان في الهواء، والأرض أولى بالتنقية؛ فإنها مملوكة، والهواء حق الملك، والشكاير (٢) التي تنبت على العروق المنبثة لمالك العروق، وإن حدثت في ملك الغير، خلافاً لأبي حنيفة.

стр. 3388

فصل يجمع المسائل التي ذكرها المزني ٤٢٢٣ - ونحن نورد صورها، ونرمز إلى المُعاد، ونذكر ما يشتمل على فائدةٍ جديدة. فممَّا ذكره: أن (١) من صالح عن دراهمَ بدنانير، أو عن دنانير بدراهم، أو عن عين بدين، أو عن دين بعين، وكل هذا ممَّا تقدّم. وممَّا زاده أنه إذا جرى القبض في المجلس، فيتعلق القول بتفريق الصفقة (٢). ٤٢٢٤ - وممَّا ذكره أن من ادعى داراً في يد إخوةٍ، وكانت تحت أيديهم على حكم الإرثِ في الظاهر، فقال المدعي: هذه الدار لي، كان غصبها أبوكم مني، فلو صدقه أحدُ الإخوة، وكذبه [الآخران] (٣). فيثبت الثلث بتصديق ذلك المصدق. فلو صالحه الأخ المقِر على جميع الدار، فنقول: أما صلحه عما في أيدي إخوته، فسبيله كسبيل صلح الأجنبي عن العين المدعَى عليه مع إنكاره، وقد مضى، فإن صححناه، فذاك، وإن أبطلنا الصلح في حق الآخرين، فهل يصح في حقه؟ فعلى قولي تفريق الصفقة، وقد مضى هذا في تأصيل الكتاب. فصل (٤) ٤٢٢٥ - إذا ادعى على رجلين داراً، فأقر له أحدُهما بنصيبه، وأنكر الثاني، فقد ثبت النصف بحكم الإقرار للمدَّعي، فلو صالحه المقر عن النصف الذي أقر به على مالٍ، فالصلح صحيح بينهما. فلو قال الأخ المنكر: آخذ هذا النصف بالشفعة، نُظر: فإن كان سبب استحقاق كل واحد منهما مخالفاً لسبب استحقاق الثاني، فيثبت

стр. 3389

للمنكر حقُّ الشفعة، كأن كان أحدهما اشترى نصيبه، والثاني ورثه من جهةٍ أخرى، أو اتّهبه. والسَّبب فيه أن السبب إذا اختلف، فليس في إنكار المنكر في نصيبه تكذيبُ المدعي في نصيب صاحبه، وإن كان ثبت حقهما ظاهراً من جهة واحدة لا تنقسم كالإرث مثلاً، فإذا ادّعى عليهما، فأقر أحدهما، وأنكر الثاني، ففي [ضمن] (١) إنكار المنكِر تكذيبُ المدّعي في جميع دعواه، فإذا جرى الصلحُ، وحكمنا بصحته بين المدّعي والمقر، فالمذهب الظاهرُ أنه لا يثبت حق الشفعة للمنكر، وأبعد بعض أصحابنا فأثبت له الشفعة، وهذا بعيد، لا أصل له؛ فإن الإنسان مؤاخذ بحكم قوله في حق نفسه. ٤٢٢٦ - وممَّا ذكره المزني أن من ادعى داراً في يد إنسانٍ، فأقر المدعى عليه بها، ثم صالحه على أن يبني (٢) على سطحها، [جاز] (٣)، وهذا كلام عري عن التحصيل، وحاصله أنه أقر بالدار، ثم طلب منه أن يُعير منه سقفها ليبني عليه، وليس هذا مما يورد في المختصرات. ٤٢٢٧ - وممَّا ذكره المزني نقلاً عن كتاب أدب القاضي (٤) أن الشافعي قال: "لو كان البيت علوُّه لواحد، وسفلُه لآخر، فأرادا أن يقتسماه على أن يصير العلوّ لصاحب السُّفل، والسفل لصاحب العلو، قال الشافعي: لا يجوز ذلك". وإنما نقل هذا تأكيداً لمذهبه في أن حق البناء لا يجوز بيعه، وهذا كلام مضطرب؛ فإنه يجوز بيع العلو بالسفل، وإنما أورد الشافعي هذا في سياق ما لا يجبر عليه من أنواع القَسْم، وعد منها ما نقله، ولم يُرد منعَ التبادل إذا صدر عن تراضٍ منهما، ثم أنَّى هذا من مراد المزني في

стр. 3390

بيع حق البناء، والمسألة التي نقلها في بيع العلو بالسفل، والعلو مبني كالسفل. ٤٢٢٨ - ومما نقله المزني مسألة معادة في شراء الزرع (١)، ونحن نطردها بمزيد فائدة فيها، فنقولُ: إذا ادّعى رجل على رجل زرعاً في أرضٍ، فاعترف المدعى عليه، وصالح عن الزرع على شيء، فلا بُدّ من شرط القطع؛ فإن الصلح مع الإقرار بيعٌ. وإن لم يجر شرطُ القطعِ، والأرضُ لغيرِ المقر، لم يجز. وإن كانت الأرض للمقر، ففي المسألة وجهان، تقدّم ذكرهما، في باب بيع الثمار، إذ ذكرنا أن من اشترى النخلة والثمرة جميعاً، فليس عليه شرط القطع، وإن اشترى الثمرة وحدها قبل بدوّ الصَّلاح، فلا بد من شرط القطع. وإن كانت الشجرة له والثمرة لغيره، فاشترى الثمرة، وضم ملكها إلى ملك الشجرة، ففي اشتراط القطع الخلاف الذي ذكرناه الآن في الزرع. ٤٢٢٩ - فلو أقر المدعَى عليه بنصف الزرع، ثم أراد بيعَه، وهو أخضر، أو المصالحةَ عنه حيث يشترط القطع، فالبيع فاسد؛ فإنّ قطعَ النصف غيرُ ممكن، ولا يتوصل إليه إلا بقطع الجميع (٢). قال الأصحاب: لا يتصور [شراء] (٣) نصف الزرع بشرط القطع، إلا في صورة واحدةٍ، وهي إذا كانت الأرض والزرع مشتركين بين شخصين، فاصطلحا على أن يصير الزرع خالصاً لواحد، والأرض خالصة لآخر، بشرط القطع. قيل: يصح، ويلزم قطع النصف، بحكم شرط القطع فيه، وقطع النصف بحكم تفريغ المبيع (٤)، وهي الأرض، وهذا فيه نظر. وقد منع طائفة من المحققين البيعَ في هذه الصورة أيضاً؛ فإن تفريغ الأرض من

стр. 3391

الزرع لا يجب بقطعه، وإذا شُرط، لم يجب الوفاء، فيبقى تعذّر استحقاق القطع. ثم الذين قالوا بالصحّة، بناءً على شرط تفريغ الأرض، فلست أدري ما قولهم في أن شرط التفريغ هل يجب الوفاء به؟ أم هو على الجواز؟ هذا محتمل؛ من جهة أن هذا ليس في المعقود عليه من الزرع، وإنما هو في بيع حصّةٍ من الأرض. ولو باع رجلٌ أرضاً مزروعة، واستثنى الزرع لنفسه، وشرط قلع الزرع، وتفريغ الأرض منه، ففي وجوب الوفاء تردد للأصحابِ، قدمت رمزاً إليه في بيع الثمار. وهذا منزَّلٌ على ذلك. فرع: ٤٢٣٠ - إذا كان للرجل حقُّ مسيل ماءٍ في أرض الغير، فليس له أن يدخل الأرض من غير سبب وحاجةٍ. ولكن إن مسَّت الحاجة إلى تنقيته من الحَمْأة (١)، وسدِّ البثق (٢)، وغيره، فله طروق الأرض، لهذا السَّبب. هكذا قال الأصحاب. * * *

стр. 3392

كتاب الحوالة ٤٢٣١ - الأصل في الحوالة ما روى أبو هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَطل الغني ظلم وإذا أُتبع أحدُكم على مليءٍ فليَتْبع" (١). وفي رواية "ليُّ الواجد ظلم، فإذا أحيل أحدكم على مليءٍ، فليَحْتل". والحوالة مجمعٌ عليها، ونسُمِّيها من طريق المعنى الارتفاقَ الظاهر، وهي في مخالفتها قياسَ (٢) البياعات، لما فيها من الحاجة الحاقّة - تشبهُ (٣) القرضَ، والسلمَ، والإجارةَ، وكلَّ عقدٍ أثبته الشرعُ مُرفِقاً خارجاً عن قياس النظائر. ٤٢٣٢ - وأصل الحوالة في اللغة من الإحالة والتحويل، وصورتها في محل الوفاق بيّنة، ومدارها على ثلاثة أشخاص: المحيل - وهو من عليه الحق، والمحتال - وهو صاحب الحق، والمحال عليه - وهو الذي يحال بالحق عليه، وعليه للمحيل مثلُ ما كان للمحتال على المحيل، ولا يخفى أن الحوالة متضمنها مقابلةُ دين في ذمةٍ بدين في ذمةٍ أخرى. ٤٢٣٣ - وقد اختلفت عبارة الأئمة عن حقيقتها وماهيتها، فقال قائلون: الحوالة معاوضة؛ لأن المحتال يعتاض ما للمحيل في ذمة المحال عليه عمَّا له في ذمة المحيل، والمحيل يعوّضه ماله في ذمة المحال عليه عما عليه للمحتال. ٤٢٣٤ - وقال قائلون من أئمتنا: الحوالةُ استيفاءٌ، ومن كان له دين، فاستوفاهُ،

стр. 3393

فما قبضه ليس نفسَ الدين؛ فإن الدين لم يكن متعيناً، وليس ما عُيّن عوضاً عن الدين هو الدين أيضاً، بل هو الحق الموفَّى، كذلك الحوالة أقيمت استيفاءَ حقٍّ، حتى كأن المحتالَ استوفى ما في ذمته (١) عما كان له في ذمّته (٢)، وصار استحقاقه على المحال عليه، وحلوله محل المحيل نازلاً منزلة استيفاء عينٍ عن دين. ٤٢٣٥ - وقال قائلون: تسمية الحوالة معاوضة محضة غير سديد، وتسميتها استيفاء محضاً غير سديد، والصحيح أنها متركبة من المعاوضة والاستيفاء، فهي معاوضةٌ ضمِّنت استيفاءً، واستيفاءٌ بطريق المعاوضة. وأقرب شيء شبهاً بها ما لو أخذ مستحق الدين عوضاً عمّا له في ذمة المديون، فهذه معاوضة تضمنت استيفاء الحق. ٤٢٣٦ - وذكر شيخي بعد تزييف محض المعاوضة والاستيفاء قولين عن ابن سريج في حقيقة الحوالة: أحدهما - أنها معاوضة باستيفاء، والثاني - أنها ضمان بإبراء، فكان هو (٣) عن حق المحيل. أمّا القول الأوّل - فهو الصحيح. وحاصل الخلاف أن الغالب على الحوالة معنى المعاوضة ومعنى الاستيفاء، فأما تضمنها المعنيين، فلا خلاف فيه. وأمّا القول الثاني - وهو أنّها ضمان بإبراء، فليس له معنىً في أصل الحوالة؛ فإن المحتال يملك ما في ذمة المحال عليه في مقابلة ما كان له على المحيل، وإنّما تحسن هذه العبارة إذا لم يكن على المحال عليه دين، كما سنصف ذلك بعد هذا، إن شاء الله تعالى. ٤٢٣٧ - ثم الأصل في الحوالة الأشخاص الثلاثة الذين ذكرناهم. ورضا المحيل والمحتال (٤) معتبرٌ، أمّا رضا المحيل؛ فإنما اعتبر؛ لأنه مالك الدين على المحال عليه، فلا يُسْتَحَقُّ عليه ماله على المحال عليه دون رضاه، وأمّا المحتال، فحقه ثابت

стр. 3394

على المحيل، فلا يتحول حقُّه دون رضاه. والعبارة الجامعة لهما أنهما على مرتبة المعاوضِيْن، فلا بد من رضاهما. وأمّا المحال عليه، فالمذهب أنه لا يشترط رضاه؛ لأنه متصرَّفٌ فيه؛ ورضا محل التصرف لا يشترط في المعاملات، والمحيل والمحتال متصرفان. وقال أبو حنيفة (١) يعتبر رضا المحال عليه، وهو اختيار الاصطخري من أصحابنا. وهذا ضعيف لا اتجاه له. ٤٢٣٨ - وممَّا نذكره في تأسيس الكتاب التفصيلُ فيما تجري الحوالة فيه. قال الأئمة: يشترط فيما تجري الحوالة فيه أمران: أحدهما - التجانس بين الدَّيْنين. والثاني - استقرار الدين، ولزومُه، على ما نصفه. ٤٢٣٩ - فأمَّا القول في التجانس، فلا تصح إحالة الدراهم على الدنانير، وإحالة الدنانير على الدراهم، وكذلك لا يصح إحالة الصحاح على المكسر، وإحالة المكسرة على الصحاح؛ فإن الحوالة إذا اشتملت على ما ذكرناه، لم تخل عن عوضٍ للمحيل أو المحتال، يستفاد مثله في المعاوضات المحضة، وليس في الحوالة معاوضة محضة. وكشْفُ ذلك أن الدين على المحيل إن كان صحاحاً، فيستحيل أن يزول الاستحقاق عن صفة الصحة من غير قبضٍ حسِّي؛ فإنه لو قال (٢): أبرأتك عن الصحة، لم يصح، وكذلك عكس هذا. [فوعد] (٣) المحتال لا يتحقق قبل القبض الحسي. ٤٢٤٠ - ولو كان ما على المحيل [حالاً، فالإحالة] (٤) على مؤجل لم تجز؛ لما ذكرناه من الغرض المشعر بحقيقة المعاوضة، ولو حكمنا بالصحة، لكان معنى الكلام أن يلتزم المحتال تأخيراً لم يكن. ولو أحال مؤجّلاً على حالّ، المذهب أنه لا يصح؛ لغرض المحتال. ومن أصحابنا من قال: يجوز ذلك، إذا غلّبنا معنى الاستيفاء على الحوالة؛ فإن الدين المؤجَّلَ لا يمتنع تعجيل توفيته، فلتكن الإحالة على حالّ بمثابة تعجيل دين مؤجَّل. وهذا إن كان يخرّج، فعلى تغليب معنى الاستيفاء، ولكن يلزم

стр. 3395

منه تصحيحُ إحالة الصحاح على المكسرة، والمكسرة على الصحاح؛ فإن ذلك يجري في الاستيفاء أيضاًً مع الرضا، من غير احتياج إلى اعتياض. وكان (١) شيخي ربما يذكر وجهاًً، ويقول: كلّ ما لا يؤخذ [في مقابلة الدين إلا معاوضة، فلا تجوز الحوالة عليه، وكل ما يؤخذ] (٢) استيفاء من غير حاجةٍ إلى الرضا، فيجوز إحالةُ الدين عليه إذا كان ديناً، وكل ما يجوز استيفاؤه، ولكن يشترط فيه الرضا، ففي جواز الإحالة الخلافُ الذي ذكرناه. والظّاهر المنع. وقال العراقيون: كل ما هو من ذواتِ الأمثالِ يجوز أن يحال الدين فيه على مثله، وما ليس من ذواتِ الأمثالِ إذا فرض دينان مع اتحاد الجنس والنوع، فهل تصح الإحالة فيه؟ فعلى وجهين. ويمكن تصوير ثبوت العروض والحيوانات في الذمة، في القرضِ على وجهٍ ظاهرٍ لا يحتاج إلى ردّ الأمر إلى الحوالة في السلَم. هذا قولنا في أحد الوصفين المعتبرين، وهو التجانس. ٤٢٤١ - فأما الوصف الآخر وهو الاستقرار، قال الأئمة: لا تصح الحوالة على نجم الكتابة، ولا بنجم الكتابة، كما لا يصح ضمانه. وحكى العراقيون وجهاً غريباً عن ابن سريج: أنه صحح ضمانَ النجم، والحوالةَ به، وعليه. وهذا يأتي مشروحاً في أول كتاب الضَّمان، إن شاء الله. وقال العراقيون: الحوالة على نجم الكتابة فاسدةٌ على ظاهر المذهب (٣)، فأمَّا إذا أحال المكاتَبُ بالنجم على دينٍ ثابت، فهو صحيح؛ لأنَّ (٤) الجائز لا يضر أن يكتسب

стр. 3396

نادراً. والذي ذكره القاضي منعُ الحوالة بالنجم وعلى النجم؛ فإن وضع النجوم على الجواز. وتحصيل القول في هذا عندنا أن المكاتب يُحيل بالنجم الأخير الذي يحصل العتق به، وكذلك يحيل بجميع النجوم دفعة واحدة. فأما الإحالة على المكاتب بالنجم الأخير لا (١) يجوز؛ إذ لو قدر جوازُها، لما عَتَقَ المكاتَب؛ إذ عتقه يوجب براءَته، وإذا برىء، فما الذي يؤديه إلى المحتال؟ بخلافِ الحوالة بالنجم (٢)؛ فإن الدين يبقى في ذمة المحال عليه، ويعتِق. ٤٢٤٢ - هذا ولم يذكر في شرط الحوالة ما لا خفاء به، وهو أن تتعلق بدينين، ولا يجوز فرضُ عَيْنٍ في أحد الشقين. ٤٢٤٣ - ومما يتعلق بأصول الكتاب الحوالة على من لا دين عليه، وقد ذكر ابن سريج فيها وجهين: أحدهما - أنها لا تصح. والثاني - أنها تصح، وخرَّج هذا على تغليب المعاوضة أو (٣) الاستيفاء، وقال: إن قلنا: إنها معاوضة، لم يصح؛ إذ لا عوض في أحد الشقين، وإن قلنا: استيفاءٌ، صح. وكأنَّ من لا دين عليه وفّى الدين على مستحقه، وذلك غير ممتنع. وهذا كلام مختلط. والصحيح عندنا [أن] (٤) يخرّجَ هذا على أصلٍ سيأتي في الضمان، وهو أن الأجنبي الذي لا دين عليه لو ضمن ديناً على إنسان، على شرط براءة المضمون عنه، ففي صحة ذلك وجهان سيأتي ذكرهما، والذي نحن فيه بهذه المثابة؛ فإن المحال عليه لا دين عليه، وإنما التزم على شرط أن يبرأ من أحال عليه، وليس ما نحن فيه مأخوذاً من ذلك، بل هو عينه. ٤٢٤٤ - ثم إن قلنا: الحوالة على من لا دين عليه باطلةٌ، فلا كلام.

стр. 3397

وإن قلنا: صحيحة، فقد ذكر العراقيون وجهين في أنها جائزة، أو لازمة: أحدهما - أنها لازمة، ولا يكاد يخفى معناها. والثاني - أنها جائزة، وللمحال عليه الفسخ، ولا يتوجه عليه المطالبةُ، ولا يتم الأمر ما لم يُسلَّم الدينُ إلى المحال، فإذا سلِّم، لم يملك الاستردادَ. ووجه الجواز عندي باطل ملغىً، لا أصل له؛ إذ لا أثر لقول القائل: الحوالة صحيحة، ولا مطالبةَ، وقولُ هذا القائل: إن الغرض يتم بالتوفية لا حاصل له، مع العلم بأن أجنبياً لو وفَّى دينَ إنسان، وقع الموقع. ٤٢٤٥ - ومما يتفرع على ذلك أن المحالَ عليه إذا لم يكن عليه دين، وصححنا الحوالة، وألزمناها، فقد قطع العراقيون بأنه يملك مطالبة المُحيل بتحصيله، قبل أن يغرَم للمحتال. قال الشيخ أبو علي: لم يذكر الأصحاب غيرَ ذلك، وقطعوا أقوالهم به إلا القفالَ؛ فإنه ذكر لذلك وجهين: أحدهما - ما ذكرناه. والثاني - ليس له مطالبةُ المحيل [بتحصيله] (١)، ولكن إذا غرِم المحال عليه للمحتال، فنقول: إن تقبّلَ الحوالةَ على شرط الرجوع على المحيل، فإذا غرم، رجع عليه. وإذا لم يشترط الرجوعَ، فإذا غرِم، فهل يرجع؟ فعلى وجهين: سيأتي [نظيرهما] (٢) في كتاب الضمان، إن شاء الله تعالى. ٤٢٤٦ - وممّا ذكره العراقيون في تفريع ذلك أن المحال عليه الذي لا دين عليه، إذا أبرأه [المحتال] (٣) عمّا التزمه. قالوا: لا يرجع على المحيل؛ لأنه لم يغرَم شيئاًً. ولو غرِم للمحتال ما التزمه بطريق الحوالة، ثم إن المحتالَ وهب عين ما قبضه من المحال عليه، فهل يملك المحالُ عليه الرجوع على المحيل؟ فعلى قولين مأخوذين من أصلٍ [في] (٤) كتاب الصداق.

стр. 3398

وهو أن المرأة لو وهبت صداقها من زوجها، ثم طلقها قبل المسيس، فهل يرجع عليها بنصف قيمةِ الصّداق، أو لا رجوع عليها؟ فعلى قولين مشهورين: قال شيخي: إذا أصدق امرأته دَيْناً، ثم إنها أبرأته، فطلقها قبل المسيس، وقلنا: لو وهبت الصداق قبل الطلاق، لم يملك الزوج الرجوع عند الطلاق بشَطر الصداق، فإبراؤها بذلك أولى. وإن قلنا: لو وهبت الصداق قبل الطلاق، ملك الزوج [الرجوعَ] (١)، ففي الإبراء قولان. ثم قال: إبراء المحال عليه، الذي لا دين عليه كبراء المرأة زوجَها، ورجوعُ المحال عليه على المحيل كرجوع الزوج بنصفِ الصَّداق عند الطلاق. ٤٢٤٧ - ومما يتعلق بأصولِ الحوالة أنها إذا تمت على شرطها، ثم طرأ على المحال عليه إفلاسٌ، أو جَحْدٌ للحق، ولم يصادف المحتال بيّنةً [يُقيمها] (٢)، فلا يرجع على المحيل أصلاً، وليس إفلاسُ المحال عليه كإفلاس المشتري بالثمن، وقد ذكرنا معتمدَ المذهب في القاعدتين في (الأساليب). ٤٢٤٨ - ولو أحيل على من ظنه غنياً، ثم تبين أنه كان عند الحوالة مفلساً، فهل يثبت له حق الفسخ والإفلاسُ مقترنٌ بالحوالة؟ فعلى أوجهٍ؛ جمعتها من الطرق: أحدها - أنه لا خيار؛ فإن الحوالة في وضعها إذا صحت، لم تحتمل الفسخ؛ إذ هي قاطعةٌ للعلائق بالكلية. والوجه الثاني - أنه يَفسخ تداركاً لما لحقه وما كان مطلعاً عليه، وليس كالإفلاس الطَّارىء؛ فإنا قد نجعل الحوالة في نفسها بمثابة قبض الحق، والطريانُ بعد القبض لا يُثبت الفسخ. فأما إذا اطّلع القابض على عيب قديم، فالذي تمهد في الشرع ثبوت الفسخ. ومن أصحابنا (٣) من قال: إذا كانت الحوالة مُطلقة، فلا خيار، وإن جرى فيها شرطُ مَلاءة المحال عليه، ثم اختلف الشرط، فيثبت الفسخ إذ ذاك؛ فإن الحوالة أُنشئت على اقتضاء [الدين] (٤)، فيجب الوفاءُ بموجبها، فإن قيل: هل صار إلى نفي الخيار مع

стр. 3399

الشرط وإخلافه أحدٌ من الأصحاب؟ قلنا: نعم. ذهب إليه ذاهبون، فصاروا إلى حسم (١) الفسخ، وإلغاء الشرط. حكاه العراقيون. ٤٢٤٩ - وتردُّدُ الأصحابِ في قبول الحوالة الفسخَ عند الاطلاع على فلس المحال عليه يقرب من ترددهم في أن الحوالة هل يلحقها خيار المجلس والشرط؟ وفيه خلافٌ قدمته في أول البيع. مبنيٌّ على أن حكم المعاوضة أغلبُ على الحوالة؟ أم حكم الاستيفاء، وفيه الخلاف الذي مهدناه الآن. فرع: ٤٢٥٠ - إذا كان الدين على المحيل مؤجَّلاً، وكذلك على المحال عليه، واستوى الأجلان في مقدارهما، صحت الحوالة. فلو مات المحيل، فلا يَحِل الدين بموته؛ فإنه قد تحول الدَّين عن ذمته، ولو مات المحال عليه، فيحل الدين حينئذ؛ س فإنه المديون الآن. ذكره العراقيُّون وغيرُهم. ولا خفاء به. ولكني أحببتُ نقله منصوصاً. * * *

стр. 3400

بابٌ في مَسائِلَ قال المزني: [تحريتُ فيها] (١) معنى قول الشافعي ﵁، "فمن ذلك: لو اشترى عبداً بألف درهم ... إلى آخره" (٢). ٤٢٥١ - صورة المسألة أنه إذا باع عبداً من رجل بألفِ درهم، وأحال المشتري البائعَ على رجلٍ بالثمن، ثم اطلع على عيبٍ قديم بالعبد، فرده، فالذي نص عليه المزني هاهنا (٣): أن الحوالة ترتد، وتبطل، ونص في المختصر الكبير (٤) أنها لا تبطل. ومنصوصات المزني في مجال التحرِّي معدودةٌ من مَتْن المذهب، وهي عند المصنفين كنصوص الشافعي، فالذي ذهب إليه الجمهور تخريجُ المسألة على قولين مخرّجين مبنيين على أن الغلبةَ للمعاوضة أو للاستيفاء؟ فإن جعلناها معاوضة، لم نبطلها، كما لو اعتاض البائع عن الثمن ثوباًً اعتياضاً صحيحاً، ثم وجد المشتري بالعبد المشترَى عيباً، فردّه، فلا يرتد ما جرى من الاعتياض عن الثمن، فلتكن الحوالة كذلك، بل الحَوالة أولى، بألا تنفسِخ؛ فإنها بعيدةٌ عن قبولِ الفسخ. وإن جعلنا الحوالة استيفاءً، بطلت؛ لأنها نوعُ رِفقٍ في الاستيفاء، فإذا بطل الأصلُ، بطل الرِّفْق الذي كان تبعاً له، كما لو باع بألفٍ مكسرٍ، فقضاه المشتري صِحاحاً، ثم رد المبيعَ بالعيب، فإنه يسترد الصحاح. وليس للبائع أن يقول: أغرَم
следующие страницы →