نادراً. والذي ذكره القاضي منعُ الحوالة بالنجم وعلى النجم؛ فإن وضع النجوم على الجواز.
وتحصيل القول في هذا عندنا أن المكاتب يُحيل بالنجم الأخير الذي يحصل العتق به، وكذلك يحيل بجميع النجوم دفعة واحدة. فأما الإحالة على المكاتب بالنجم الأخير لا (١) يجوز؛ إذ لو قدر جوازُها، لما عَتَقَ المكاتَب؛ إذ عتقه يوجب براءَته، وإذا برىء، فما الذي يؤديه إلى المحتال؟ بخلافِ الحوالة بالنجم (٢)؛ فإن الدين يبقى في ذمة المحال عليه، ويعتِق.
٤٢٤٢ - هذا ولم يذكر في شرط الحوالة ما لا خفاء به، وهو أن تتعلق بدينين، ولا يجوز فرضُ عَيْنٍ في أحد الشقين.
٤٢٤٣ - ومما يتعلق بأصول الكتاب الحوالة على من لا دين عليه، وقد ذكر ابن سريج فيها وجهين: أحدهما - أنها لا تصح. والثاني - أنها تصح، وخرَّج هذا على تغليب المعاوضة أو (٣) الاستيفاء، وقال: إن قلنا: إنها معاوضة، لم يصح؛ إذ لا عوض في أحد الشقين، وإن قلنا: استيفاءٌ، صح. وكأنَّ من لا دين عليه وفّى الدين على مستحقه، وذلك غير ممتنع.
وهذا كلام مختلط. والصحيح عندنا [أن] (٤) يخرّجَ هذا على أصلٍ سيأتي في الضمان، وهو أن الأجنبي الذي لا دين عليه لو ضمن ديناً على إنسان، على شرط براءة المضمون عنه، ففي صحة ذلك وجهان سيأتي ذكرهما، والذي نحن فيه بهذه المثابة؛ فإن المحال عليه لا دين عليه، وإنما التزم على شرط أن يبرأ من أحال عليه، وليس ما نحن فيه مأخوذاً من ذلك، بل هو عينه.
٤٢٤٤ - ثم إن قلنا: الحوالة على من لا دين عليه باطلةٌ، فلا كلام.
стр. 3397
وإن قلنا: صحيحة، فقد ذكر العراقيون وجهين في أنها جائزة، أو لازمة:
أحدهما - أنها لازمة، ولا يكاد يخفى معناها. والثاني - أنها جائزة، وللمحال عليه الفسخ، ولا يتوجه عليه المطالبةُ، ولا يتم الأمر ما لم يُسلَّم الدينُ إلى المحال، فإذا سلِّم، لم يملك الاستردادَ.
ووجه الجواز عندي باطل ملغىً، لا أصل له؛ إذ لا أثر لقول القائل: الحوالة صحيحة، ولا مطالبةَ، وقولُ هذا القائل: إن الغرض يتم بالتوفية لا حاصل له، مع العلم بأن أجنبياً لو وفَّى دينَ إنسان، وقع الموقع.
٤٢٤٥ - ومما يتفرع على ذلك أن المحالَ عليه إذا لم يكن عليه دين، وصححنا الحوالة، وألزمناها، فقد قطع العراقيون بأنه يملك مطالبة المُحيل بتحصيله، قبل أن يغرَم للمحتال.
قال الشيخ أبو علي: لم يذكر الأصحاب غيرَ ذلك، وقطعوا أقوالهم به إلا القفالَ؛ فإنه ذكر لذلك وجهين: أحدهما - ما ذكرناه. والثاني - ليس له مطالبةُ المحيل [بتحصيله] (١)، ولكن إذا غرِم المحال عليه للمحتال، فنقول: إن تقبّلَ الحوالةَ على شرط الرجوع على المحيل، فإذا غرم، رجع عليه. وإذا لم يشترط الرجوعَ، فإذا غرِم، فهل يرجع؟ فعلى وجهين: سيأتي [نظيرهما] (٢) في كتاب الضمان، إن شاء الله تعالى.
٤٢٤٦ - وممّا ذكره العراقيون في تفريع ذلك أن المحال عليه الذي لا دين عليه، إذا أبرأه [المحتال] (٣) عمّا التزمه. قالوا: لا يرجع على المحيل؛ لأنه لم يغرَم شيئاًً.
ولو غرِم للمحتال ما التزمه بطريق الحوالة، ثم إن المحتالَ وهب عين ما قبضه من المحال عليه، فهل يملك المحالُ عليه الرجوع على المحيل؟ فعلى قولين مأخوذين من أصلٍ [في] (٤) كتاب الصداق.
стр. 3398
وهو أن المرأة لو وهبت صداقها من زوجها، ثم طلقها قبل المسيس، فهل يرجع عليها بنصف قيمةِ الصّداق، أو لا رجوع عليها؟ فعلى قولين مشهورين: قال شيخي: إذا أصدق امرأته دَيْناً، ثم إنها أبرأته، فطلقها قبل المسيس، وقلنا: لو وهبت الصداق قبل الطلاق، لم يملك الزوج الرجوع عند الطلاق بشَطر الصداق، فإبراؤها بذلك أولى. وإن قلنا: لو وهبت الصداق قبل الطلاق، ملك الزوج [الرجوعَ] (١)، ففي الإبراء قولان. ثم قال: إبراء المحال عليه، الذي لا دين عليه كبراء المرأة زوجَها، ورجوعُ المحال عليه على المحيل كرجوع الزوج بنصفِ الصَّداق عند الطلاق.
٤٢٤٧ - ومما يتعلق بأصولِ الحوالة أنها إذا تمت على شرطها، ثم طرأ على المحال عليه إفلاسٌ، أو جَحْدٌ للحق، ولم يصادف المحتال بيّنةً [يُقيمها] (٢)، فلا يرجع على المحيل أصلاً، وليس إفلاسُ المحال عليه كإفلاس المشتري بالثمن، وقد ذكرنا معتمدَ المذهب في القاعدتين في (الأساليب).
٤٢٤٨ - ولو أحيل على من ظنه غنياً، ثم تبين أنه كان عند الحوالة مفلساً، فهل يثبت له حق الفسخ والإفلاسُ مقترنٌ بالحوالة؟ فعلى أوجهٍ؛ جمعتها من الطرق: أحدها - أنه لا خيار؛ فإن الحوالة في وضعها إذا صحت، لم تحتمل الفسخ؛ إذ هي قاطعةٌ للعلائق بالكلية. والوجه الثاني - أنه يَفسخ تداركاً لما لحقه وما كان مطلعاً عليه، وليس كالإفلاس الطَّارىء؛ فإنا قد نجعل الحوالة في نفسها بمثابة قبض الحق، والطريانُ بعد القبض لا يُثبت الفسخ.
فأما إذا اطّلع القابض على عيب قديم، فالذي تمهد في الشرع ثبوت الفسخ. ومن أصحابنا (٣) من قال: إذا كانت الحوالة مُطلقة، فلا خيار، وإن جرى فيها شرطُ مَلاءة المحال عليه، ثم اختلف الشرط، فيثبت الفسخ إذ ذاك؛ فإن الحوالة أُنشئت على اقتضاء [الدين] (٤)، فيجب الوفاءُ بموجبها، فإن قيل: هل صار إلى نفي الخيار مع
стр. 3399
الشرط وإخلافه أحدٌ من الأصحاب؟ قلنا: نعم. ذهب إليه ذاهبون، فصاروا إلى حسم (١) الفسخ، وإلغاء الشرط. حكاه العراقيون.
٤٢٤٩ - وتردُّدُ الأصحابِ في قبول الحوالة الفسخَ عند الاطلاع على فلس المحال عليه يقرب من ترددهم في أن الحوالة هل يلحقها خيار المجلس والشرط؟ وفيه خلافٌ قدمته في أول البيع. مبنيٌّ على أن حكم المعاوضة أغلبُ على الحوالة؟ أم حكم الاستيفاء، وفيه الخلاف الذي مهدناه الآن.
فرع:
٤٢٥٠ - إذا كان الدين على المحيل مؤجَّلاً، وكذلك على المحال عليه، واستوى الأجلان في مقدارهما، صحت الحوالة. فلو مات المحيل، فلا يَحِل الدين بموته؛ فإنه قد تحول الدَّين عن ذمته، ولو مات المحال عليه، فيحل الدين حينئذ؛ س فإنه المديون الآن. ذكره العراقيُّون وغيرُهم. ولا خفاء به. ولكني أحببتُ نقله منصوصاً.
* * *
стр. 3400
بابٌ في مَسائِلَ
قال المزني: [تحريتُ فيها] (١) معنى قول الشافعي ﵁، "فمن ذلك: لو اشترى عبداً بألف درهم ... إلى آخره" (٢).
٤٢٥١ - صورة المسألة أنه إذا باع عبداً من رجل بألفِ درهم، وأحال المشتري البائعَ على رجلٍ بالثمن، ثم اطلع على عيبٍ قديم بالعبد، فرده، فالذي نص عليه المزني هاهنا (٣): أن الحوالة ترتد، وتبطل، ونص في المختصر الكبير (٤) أنها لا تبطل. ومنصوصات المزني في مجال التحرِّي معدودةٌ من مَتْن المذهب، وهي عند المصنفين كنصوص الشافعي، فالذي ذهب إليه الجمهور تخريجُ المسألة على قولين مخرّجين مبنيين على أن الغلبةَ للمعاوضة أو للاستيفاء؟ فإن جعلناها معاوضة، لم نبطلها، كما لو اعتاض البائع عن الثمن ثوباًً اعتياضاً صحيحاً، ثم وجد المشتري بالعبد المشترَى عيباً، فردّه، فلا يرتد ما جرى من الاعتياض عن الثمن، فلتكن الحوالة كذلك، بل الحَوالة أولى، بألا تنفسِخ؛ فإنها بعيدةٌ عن قبولِ الفسخ.
وإن جعلنا الحوالة استيفاءً، بطلت؛ لأنها نوعُ رِفقٍ في الاستيفاء، فإذا بطل الأصلُ، بطل الرِّفْق الذي كان تبعاً له، كما لو باع بألفٍ مكسرٍ، فقضاه المشتري صِحاحاً، ثم رد المبيعَ بالعيب، فإنه يسترد الصحاح. وليس للبائع أن يقول: أغرَم
стр. 3401
المكسرَ، ليسلم لي ما سمحتَ به من الصحة؛ لما ذكرناه في (١) التبعية. ولو اشترى بالصحاح أولاً، ثم رضي البائع بالمكسر، فإذا ردّ المشتري بالعيبِ، فلا يرجع إلا بالمكسر.
٤٢٥٢ - ومن أصحابنا من قال: إن جرى فسخُ البيع قبل قبض المبيع، ارتفعت الحوالة. فإن جرى الفسخ بعد القبض، لم ترتفع. وهذا القائل يفصل بين الحالتين بتعرض البيع لقبول الفسخ قبل القبض. وهذا مزيفٌ. والأصل إطلاق القولين قبل القبض وبعده.
٤٢٥٣ - وكان شيخي يقول في التفريع على هذه القاعدة: ولو أحال المشتري البائعَ بالثمن على إنسانٍ في زمن الخيار الثابت في البيع، فالأصح صحةُ الحوالة، وإن كان العقد جائزاً، بخلاف الحوالة في تجويز الكتابة؛ فإن عقد البيع، وما فيه من عوضٍ، لا يلتحق بالأعواض الجائزة التي لا ثبات لها. والخيار طارىء [فيه] (٢)، فإذا أفضى في العاقبة إلى اللزوم، كان الحكم على موجب اللزوم.
٤٢٥٤ - ومن أصحابنا من منع الحوالة في زمان الخيار، مَنْعَ (٣) ضمان النجوم، ثم قال: إذا صححنا الحوالة في زمان الخيار، ففُسخ البيعُ بالخيار، ارتدّت الحوالة بلا خلاف؛ فإنها إنما صحت على تقدير إفضاء البيع إلى اللزوم، فإذا لم يُفضِ إليه، فلا سبيل إلى التزام الحوالة في الثمن، وقطع الخيار في المبيع.
التفريع على القولين في صورة الرد بالعيب:
٤٢٥٥ - فإن قلنا: لا تبطل الحوالة، فالمشتري هل يرجع على البائع بما أحاله؟ نُظر: إن كان البائع قبضه، فلا شك أنه يرجع عليه، ولا يتعين عينُ ما قبضه، فإن أحبّ أتى ببدلٍ عنه، وتعليله بيّن.
وان لم يكن قبض البائع من المحال عليه، فهل يرجع المشتري على البائع؟ فعلى
стр. 3402
وجهين: أقيسهما - أنه يرجع؛ لأن الحوالة أقيمت مقام الإقباض في وضعها، بل هي أقوى من الإقباض؛ فإن القبض قد يُنقض، والحوالةُ بعيدةٌ عن قبول النقض.
والثاني - لا يرجع عليه؛ لأن الاسترداد على حسب الإقباض، وهو لم يقبضه حساً، فكيف يسترد منه حساً، بل سبيل الاسترداد أن يقع إذا حصل القبض الحقيقي.
٤٢٥٦ - ثم إن قلنا: الحوالة باقية، فلا شك أن البائع يطالب المحال عليه بتوفية مال الحوالة، فلو أبرأه على هذا، فيضمن حينئذ [للمشتري] (١) الثمنَ؛ فإنَّ إبراءه بمثابة استيفائه.
وممّا ينشأ من ذلك: أنا إذا قلنا: لا يرجع المشتري على البائع قبل قبض مال الحوالة، فهل يملك مُطالبتَه بمُطالبة المحال عليه أم لا؟ من أصحابنا من قال: يملك مُطالبتَه على النحو الذي ذكره؛ لأن البائع مالكٌ لمطالبة المحال عليه، فيبعد أن يمتلك البائع ذلك من جهة المشتري، ولا يثبت للمشتري أصلُ توجيهِ المطالبةِ. ومن أصحابنا من قال: لا يملك المشتري الرجوعَ بالثمن، ولا المطالبةَ بتحصيله. وهذا بعيدٌ جداً.
٤٢٥٧ - وإن حكمنا بأن الحوالة تنتقض برد المبيع، فإنْ كان قبض المال قبل الرد، فهل نحكم بأنتقاض الحوالة الآن؟ وفائدةُ ذلك أن يتعين على البائع ردُّ عين ما قبضه؟ أم نحكم بأن الحوالة لا تقبل النقضَ بعد قبض المال من المحال عليه؟ فعلى وجهين، وفائدة قولنا: لا تنتقض، أن البائع لو أراد أن يأتي ببدَلٍ عما قبضه، ولا يردّ عينَه، كان له ذلك. ولو لم يقبض البائع المالَ من المحال عليه حتى حكمنا بارتفاع الحوالة، فلا شك أن المطالبة تنقطع عن البائع، وينقلب الدّينُ في ذمة المحال عليه، بعد الحكم بانفساخ الحوالة، فلا شك أنه لا يقع قبضُه لنفسه. ولكن هل يقع عن المشتري؟
فعلى وجهين ذكرهما شيخي: أحدهما - وهو الذي لا يتجه غيرُه - أنه لا يصح قبضُه للمشتري؛ فإن الحوالة لم تقع للمشتري، وإنما وقعت للبائع، فإذا انفسخت وزالت، لم يبق لها أثر، ويستحيل أن تنعكس الحوالة وكالةً بالاستيفاء.
والوجه الثاني - أن قبضه يصح عن المشتري؛ فإنه جرى الأمر بالقبض على جهةٍ،
стр. 3403
فإن بطلت تلك الجهة، بقي الأمر المطلق. وهذا بعيد.
وكان شيخي أبو محمد يقرّب هذا الاختلاف من أصلٍ بعيد عن وضع المعاملاتِ، وهو أن من تحرّم بصلاة الظهر، قبل الزوال، وحكمنا بأن صلاته لم تنعقد فرضاً، فهل يُقضى بأنعقادها نفلاً؟ فعلى قولين، أجريناهما في هذه المسألة وفي نظائرَ لها.
٤٢٥٨ - ولو أصدق الرجل امرأته ديناً، ثم أحالها زوجها بصداقها على إنسان، وطلقها قبل المسيس، فهذا في نصف الصداق يناظر ما لو أحال المشتري البائعَ بالثمن، فهل يُحكم ببُطلان الحوالة في نصف الصَّداق؟ اختلف أصحابنا على طريقين: منهم من أجراه على القولين المذكورين في البيع، ومنهم من قطع القول بأنّ الحوالة لا تبطل؛ وذاك لأن الطلاق ليس بفسخٍ في الحقيقة، بل هو تصرف في الملك، وليس كذلك الرد بالعيب، والصداق في الجملة أثبت من غيره. ولهذا قلنا: إن الصداق إذا زاد في يد الزوجة زيادةً متصلة، منعت تلك الزيادةُ ارتدادَ النصف عند الطلاق قبل المسيس، ولا تمنع الزيادةُ نفوذَ شيء من الفسوخ. ولو كان الصّداق يرتد إلى الزوج بسبب فسخ من الفسوخ، فالقول في الحوالة كالقول في العقد الذي يطرأ عليه الرد بالعيب، ولا فرق، وإنما التردد في الطلاق.
٤٢٥٩ - ولو باع الرجل عبداً بألفٍ، ثم أحال البائع رجلاً له عليه [مثلُ] (١) الثمن، فأحاله على المشتري، ثم وجد المشتري بالعبد عيباً، فرده، فالأظهر في هذه الصورة أن الحوالة لا تنفسخ؛ لأنها تعلقت بثالثٍ؛ إذْ (٢) تحقق تعلقُها بغير المتعاقدَيْن.
ومن أصحابنا من أعاد ذكرَ الخلاف في هذه الصورة، وجعل الحوالة على المشتري كإحالة المشتري البائع على إنسان، وعلل بأن الحوالة وإن تعلقت باستحقاق ثالثِ؛ فإنها تبعٌ للبيع والتبعية لا تزول (٣). وهذا وإن كان منقاساً، فهو غريب، حكاه العراقيون، والقاضي، وغيرُهم.
стр. 3404
وإذا وقع التفريع على الأصح، وهو أن الحوالة تبقى ولا تنفخس، فإذا فسخ المشتري العقدَ بالرد، وكان غرِم للمحتال، فلا شك أنه يرجع على البائع [وإن لم يكن غرِم] (١) فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يرجع عليه؛ فإنه لم يغرَم بعدُ شيئاًً. والثاني - أنه يرجع عليه، فإنَّ الاستحقاق قد تأكد عليه، وحسابه مع المحتال لا يتعلق به حكم العقد؛ إذ لو كان تتعلق الحوالة بالعقد، لارتفعت بارتفاع العقد.
فصل
قال المزني: "ولو أحال رجل على رجلٍ بألفِ درهم، وضمنها، ثم اختلفَا ... إلى آخره" (٢).
٤٢٦٠ - إذا كان لرجل على رجلٍ دينٌ، وكان للمديون (٣) دينٌ على آخر يماثل الدينَ الأول، فأمر المديونُ مستحقَّ الدين بقبض ذلك الدين. ثم اختلفا، فادّعى أحدهما أن الذي جرى حوالة وادّعى الآخر أنه لم يجر إلا وَكالة، نُظر: فإن قال الآمر: قد قلت لك: وكلتُك بقبض ما لي على فُلان، أو قلت: اقبض ما لي عليه، ونويتُ الوَكالة. وقال المأمور: لا بل قلتَ لي: أحلتك، أو قلت: اقبض ما عليه، ونويتَ الحوالة، فالقول قَولُ الآمر؛ لأن الأصلَ أنْ لا حوالة، وأنّ ملكَه باقٍ في ذمّة ذلك الثالث.
وإنما يثور هذا الخلاف إذا كان المحال عليه موسراً، وكان استيفاءُ الدين منه أيسر.
٤٢٦١ - فإن جرى النزاعُ كما ذكرناه، فالقولُ قول الآمر كما وصفناه، ثم إن صدقنا الآمر، فلا يخلو: إمّا إنْ قبض المأمور، أو لم يقبض. فإن لم يكن [قبض] (٤) قبَّضه الآمر، وإن كان [قبض] (٥)، نُظر: فإن كان قائماً، استردّه من المأمور إن كان حقُّه مُؤجَّلاً، وإن كان حقُّ المأمور حالاً، فقد ظفر بجنس حقه، وإن عسر عليه استيفاء
стр. 3405
جنس حقه منَ الآمر، فازَ بما قبضه. وإن لم يعسر [ردّ] (١) عليه ما قبضه، وطالبه بحقه.
ولو كان قبض، وتلف في يده، فالآمر لا يُطالبُه بالضّمان؛ من قِبَل أنه اعترف بكونه وكيلاً قابضاً له على حكم الوكالة، ولم ينسبه إلى تفريطٍ مضمِّن. والتجاحُد جرى بعد التلف، فلا يتضمن عكس الضّمان على ما تقدم، والمأمور لا يطالب الآمرَ بحقه؛ فإنه اعترف بسقوط حقه بالحوالة، فتنقطع الطَّلبة من الجانبين بسببين.
٤٢٦٢ - ولو اختلفا، وما كان قبض، فالقول قول الآمر في نفي الحوالة؛ كما ذكرناه، والمأمور لما ادّعى الحوالة، فقوله يتضمن الانعزالَ عن الوَكالة، والوكيل إذا ذكر ما يوجب عزلَه، لم يكن له أن يقبض.
فإذا تعذر على المأمور استيفاءُ حقه من المحال عليه لما ذكرناه، فهل له مُطالبة المحيل الآمر؟ فعلى وجهين في طريقة [العراقيين] (٢): أحدهما - ليس له ذلك؛ فإن المأمور يُقرّ بأن ذمة الآمِر قد برئت، وتحوّل دينُه. [والوجه] (٣) الثاني - له المطالبة؛ فإنه تعذّر على المأمور حقُّه من جهة المحيل الآمِر؛ فهو الذي عسَّر عليه الحوالة، وهو معترفٌ.
ولو كان الاختلاف على العكس، فقال الآمر: أحلتك، وقال المأمور: بل وكلتني، فالقول في نفي الحوالة قولُ المأمورِ؛ فإنّ الآمرَ يبغي بما ذكره سُقوطَ [حقِّ] (٤) المأمور عن ذمته، والأصل بقاءُ حقه. وهذا في الغَالب يتفق حيث يكون المحال [عليه] (٥) معسراً، والآمر يطلب نفيَ الطَّلِبة عن نفسه.
٤٢٦٣ - ثم إذا جعلنا القولَ قولَ المأمور، فلا يخلو: إمّا إن كان قبض، أو لم يكن قبض، فإن لم يكن قبض المأمورُ، فلا يقبضه؛ لأن قول الموكل: ما وكلتُك يتضمن عزْلَه لو كان وكيلاً. أو كان قبض، فإن كان قائماً في يده، فالآمرُ يزعم أن
стр. 3406
المقبوضَ حقُّ المأمور وملكه، ولا حق له عليه. والمأمور يزعم أن المقبوضَ ملكُ الآمر، وحقُّه باقٍ في ذمته. وقد ذكرنا أن القول قولُ المأمور في بقاء حقِّه في ذمة الآمر. فإن عسر عليه استيفاءُ حقه، فالوجه أن يتملك [المقبوضَ] (١)؛ لأنه جنس حقه. وإن تيسر استيفاء حقِّه منه، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: يطالِبُ الآمرَ بحقه، وما قبضه موقوفٌ، ومنهم من قال: ما قبضَه يكتفي به، ولا يطالِبُ.
والخلاف مخصوص به إذا لم يكن قبض، فإذا كان قبض، فاعترافُ الآمر بأنه [حقُّه] (٢) كافٍ نازلٌ منزلة تمليكه إيَّاه الآن.
ولا خلافَ أن الآمرَ لو قال للمأمور: لمْ تصدقني وزعمتَ أن ما قبضتَه حقي، فقد وَفَّيْتُكَ إياه، فيجتمع [لك] (٣) من قولي الأخير، وقولي الأول الملكُ في المقبوض، فقد تمس الحاجة إلى تصوير القبض كما قدمناه في كتاب البيع والرهن في إقباض الإنسان شيئاً لحقه، وهو في يده.
فهذا كله فيه إذا قبض، والعين قائمةٌ في يده.
٤٢٦٤ - فأمّا إذا قبض، وتلف، فهل يكون التالف مضموناًً عليه؟ فعلى وجهين، ذكرهما الإمام (٤) وصاحب التقريب: أحدهما - أنه يكون مضموناً على المأمور.
والثاني - لا يكون مضموناًً عليه.
توجيه الوجهين:
من قال: إنه لا يضمنه، قال: لأنا جعلنا القول قولَهُ في نفي الحوالة، فإذا انتفت الحوالة، ثبتت الوكالة، والمالك ليس يدعي إلا جهةَ الحوالة، فإذا انتفت، لم يبق على زعمه ما يقتضي الضّمان.
стр. 3407
ومن قال: إنه يكون مضموناًً عليه، قال: إنا إنما نجعل القولَ قولَ المأمور؛ لأن الأصل بقاءُ طَلِبته على الآمر، وهو يدّعي انتفاءَه، فإذا آل الأمرُ إلى الغرامة، فالأصل أن ماله لا يكون أمانةً، إلا أن يُقرّ بها، ومن تلف في يده ملكُ غيره، فالأصل أن يكون مضموناًً عليه.
ولهذا نظائر، منها: أن المشتري والبائع إذا اختلفا في عيبٍ، فزعم المشتري أنه قديم، وزعم البائعُ أنه حادث، فالقول قول البائع، كما ذكرناه (١) في البيع. فإذا صدقناه، وحلفناه، وجرى القضاء به، ثم اختلف هو والمشتري في قدر الثمن، وتحالفا، وأوجب ذلك ترادّاً، فلو قال البائع: غرمُوا المشتري أرشَ العيب؛ فإنه ثبت بيميني أن العيب حادثٌ في يده، فلا يلزمه أرشُ العيب. وقد مهدنا ذلك في مواضِع.
وقد يتطرق إلى وجه إثباتِ الضّمان سؤالٌ: وهو أن الآمر معترف بأن ما قبضه المأمور ليس ملكاً للآمر، فلا يجري ما ذكرنا [في] (٢) هذا الوجه، من أن الأصل أن ملك الغير مضمونٌ، ولكن يتجه أن نقول: قولُ الآمر يتضمن قبضاً على حُكم الضّمان، ولكنه ضمانُ مقابلةٍ، والتعويل على نفيه الأمانة (٣)، والأصل عدمُها.
٤٢٦٥ - وكل ما ذكرناه فيه إذا لم يجر بين الآمر والمأمور لفظُ الحوالة، فأمّا إذا جرى بينهما لفظُ الحوالة، فقال الآمر: أحلتك بكذا على فلانٍ، ثم يُفرض الخلاف مع جريان لفظ الحوالة، من وجهين: أحدهما - أن يقول الآمر: ذكرتُ لفظَ الحوالة، ولكن أردتُ به الوكالة، وقال المأمور بل أردتَ الحوالة. فالذي يدل عليه ظاهر لفظ المزني في المسائل التي يُجريها أن القول قولُ الآمر؛ فإنه ذكر الإحالةَ والحوالةَ، ثم فرض الخلاف، ثم قضى بأن القولَ قولُ الآمر، ولو كان يختلف الأمر
стр. 3408
باللفظ، [لتعرض] (١) له؛ فإن التصوير لا يتم إلا باللّفظ إذا كان الحكم متعلقاً به؛ فإذاً ظاهرُ قوله إن (٢) القول قولُ الآمر.
قال صاحب التقريب: قد ذكر ابنُ سريج في المسألة قولاً آخر: إن القول قول المأمور الذي يدّعي حقيقةَ الحوالة؛ فإن لفظ الحوالة موضوعٌ لمقصودٍ [وضعاً] (٣) صريحاً، فمن أراد حملها على خلاف معناها، لم يقبل منه، كما إذا ذكر لفظاً من صرائح الطلاق، ثم حمله على خلاف ظاهره، فلا يقبل ذلك منه.
وحاصل القولين راجعٌ إلى أنَّا على قول المزني لا ننظر إلى لفظِ الحوالة، ولكن ننظر إلى قياس الاختلاف، وقياسه يقتضي أن المأمورَ إذا ادعى حوالةً، والآمر ينفيها، فالقول قول الآمر. وعلى القول الثاني يُعتبر صريحُ الحوالةِ، ولا يقبل قول من يحيدُ عن ظاهر معناها، مع الاتفاق على صدور لفظها من الآمر.
٤٢٦٦ - وذكر بعض المحققين وجهاًً ثالثاً، فقال: إن قال: أحلتُك بالألف الذي لي على فلان، ولم يقل بالألف الذي لك عليَّ على الألف الذي لي على فلانٍ، فيجوزُ أن يقال: القول قولُ من يدعي الوَكالة؛ لأنه لم يقل بالألف الذي لك عليّ.
ولو قال: أحلتك بالألف الذي لك عليّ على الألف الذي لي على فلان، ثم ادّعى الآمرُ الوكالة، فلا يقبل ذلك منه.
وهذا التفصيل لا ينتهض عندي وجهاًً ثالثاً؛ إذ لا يجوز أن يقدّر خلافٌ فيه، إذا قال أحلتك بالألف الذي لك عليّ، على فلانٍ بالألف الذي لي عليه، فادعاء الوكالة بعد هذا الامتناع (٤) لا وجه له، فالوجه أن نقول: إن صرح كما صورناه آخراً، فلا وجه إلا القطعُ بتصديق المأمور. وإن أطلق الحوالةَ، ولم يقيدها بهذه القيود الصريحة، فإذْ ذاك ينقدح ذكر القولين.
стр. 3409
التفريع:
٤٢٦٧ - إن قلنا: القول قولُ المأمور في ثبوت الحوالة، فلا كلام. وإن قلنا: القولُ قول الآمر في نفي الحوالة، فإذا نفاها، فقد اختلف أصحابنا فيما رتبه صاحب التقريب: فمنهم من قال: إذا نفى الحوالةَ، انقطعت علائقها بالكلية. وهذا هو القياس على هذا القول. والوجه الثاني - أنه يكون بمثابة حوالة فاسدةٍ، فلا يُرفع حكم الحوالة من كل وجه؛ للفظ الحوالة. وهذا كما يثبتُ الضّمان في البيع الفاسدِ، ويثبت في الكتابة الفاسدة بعضُ أحكام الكتابة الصحيحة.
فإن قلنا: إن سبيله سبيلُ الحوالة الفاسدة، فإذا كان المحال عليه سلَّم المال إلى المحتال، فهل يبرأ بالتسليم إليه [ممّا عليه؟] (١) فعلى وجهين ذكرهما: أحدهما - أنه يبرأ بالدفع إليه، والآمر يُطالب المحتالَ. والثاني - لا يبرأ بالدفع إلى المحتال؛ فإنه لم يكن سبيلُه سبيلَ الوكالة المحضة، ولم تصح الحوالةُ أيضاًً؛ فعلى هذا يطالِبُ الآمرُ المحَالَ عليه بحقه، ثم المحالُ عليه يسترد من المحتال ما سلمه إليه.
وهذا عندي بُعدٌ بحقه. والوجه أن نقول: إذا نفينا الحوالةَ ثبتت قضية الوَكالةِ؛ فإن الأمر بقبض المال من المحال عليه متفق عليه، والنزاع في وجهه. وقد ذكر المتداعيان وجهين، فإذا انتفت الحوالة، وصدقنا الآمر، فالوَجْه ثبوتُ الوَكالةِ، وعلى هذا يبرأ المحالُ عليه بما دفعه إلى المأمور.
وما ذكرناه صورةٌ واحدةٌ في الاختلافِ، مع جريان لفظ الحَوالة.
٤٢٦٨ - فلو كان النزاع على العكس، فقال الآمر: أردتُ لفظَ الحوالة، وقال المأمور: ما قبلتُ الحوالة، وإنما قبلت الوَكالة، قال الأصحاب: قياسُ المزني أن القول قولُ المأمور، فإنّ الأصل بقاءُ طَلِبته على الآمر. وعلى قياس ابن سريج القول [قولُ] (٢) من يُثبت الحوالةَ كما ذكرناه، تمسكاً باللفظ. فإن قيل: قَصْدُ الآمر فيما زعم مُطابقٌ للفظه الصريح، فهلَاّ قطعتم بتصديقه؟ قلنا: الأمرُ كذلك. ولا تتم الحوالة إلا بقبول المحتال، وقد زعم أنه نوى قبولَ الوكالة، فعاد التردُّدُ في أن الاعتبارَ بالقصد، أوْ بظاهر اللفظ.
стр. 3410
فصل
٤٢٦٩ - ذكر المزني صوراً ظاهرةً في الحوالة، نذكرها على وجهها. قاك: لو أحال زيدٌ عمراً على بكرٍ، بما له عليه من الحق، ثم أحال بكرٌ عمراً على خالدٍ، ثم أحاله خالدٌ على جعفرَ، فذلك جائز. ولو أحال زيدٌ عمراً على بكرٍ، ثم عمرو أحال خالداً على بكرٍ، ثم خالدٌ أحال عبدَ الله على بكرٍ، فهذا جائز. وقد تعدد المحتال في هذه الصورة والمحال عليه واحد، وفي الصورة الأولى تعدد المحال عليه، والمحتال واحد.
فرع:
٤٢٧٠ - إذا جنى على إنسانٍ؛ والتزم الأرشَ، وجُني عليه، فاستحقَّ الأرشَ، فإن كان الأرشان دراهم أو دنانير، جازت الحوالة. وإن كان الأرشُ إبلاً من الجانبين، فهذا ينبني على ما قدمناه من أن الحوالة هل تجري في غير ذواتِ الأمثالِ؟ فإن قلنا: إنها تختص بذواتِ الأمثال، فالحوالة فاسدة في مسألتنا هذه. وإن قلنا:
إنها تجري في كل موصوفٍ مستقرٍّ في الذمة، فهل تجري في إبل الدية؟ فعلى وجهين مَبْنِيَّيْنِ على أن الاعتياض عن إبل الدية هل يجوز؟ وفيه قولان سبق ذكرهما.
وسيأتي استقصاؤهما في الديات، إن شاء الله تعالى.
فرع:
٤٢٧١ - إذا ضمن مالاً بإذن المضمون عنه، وأحال المضمونَ له بذلك المال الذي ضمنه على واحد، رجع على المضمون عنه، كما لو أدّاه. ولو ضمن رجلان ألفاً عن واحدٍ، كل واحد منهما ضمن نصفَه، ثم ضمن كل واحد من الضّامنين عن صاحبه، فلو أحال أحدهما المضمونَ له بالألفِ على واحدٍ، فإنه يرجع بخمسمائةٍ على المضمون عنه، وبخمسمائةٍ على صاحبه الضامن. وهذا لا إشكالَ فيه.
فرع:
٤٢٧٢ - قال المزني: وإذا باع رجل عبداً من رجل بألف درهم، فأحال البائع رَجُلاً له عليه ألف على المشتري، ثم تصادق البائع والمشتري على أن المبيع كان حُرّاً، ينقطع العقد بينهما، ولا يُحكم ببطلان الحوالةِ في حق ذلك الثالث، إلا أن يصدِّقَهما، فإن لم يصدقْهما، فلا يُقبل قولُهما عليه (١). وليس كما لو رد المشتري
стр. 3411
العبدَ بعيبٍ قديم؛ فإنا قد نقول في وجهٍ غريب: إن الحوالةَ ترتفع، والفرق أن الرد واقعٌ لا سبيل إلى إنكاره، وهو أمرٌ منشأ، والمتبايعان فيما نحن فيه أخبرا عن حرية المبيع، والخبر يتردَّد بين الصدق والكذبِ، فلو صدقهما المحتال، قطعنا ببطلان الحوالةِ، والمسألة في هذا الطرفِ تنفصل عن الرد بالعيب أيضاًً؛ فإن الأصح بقاء الحوالة وإن جرى الرد؛ فإنا نقدر الحوالة معاوضة برأسها، متعلقة بحق ثالث، فلا يمتنع تقدير بقائها، وإن ارتفع العقد؛ فإنَّا لا نتبين بالرّد أن [الثمن] (١) لم يكن قبل الرد. وإذا تصادقوا على حرية المبيع، تبينا أن أصل الثمن لم يثبت، فلا نتصور ثبوتَ الحَوالة؛ فإن بقاء الشيء فرْعٌ على ثبوتِ أصله، وهذا واضح.
فرع:
٤٢٧٣ - قال صاحب التقريب: إذا أحال الرجل غريمَه على رجلٍ، ثم بان المحال عليه عبداً، فلا يخلو: إما أن يبين أنه عبد لأجنبي، أو يبين أنه عبد للمحيل، فإن بان أنّه عبد لأجنبي، وكان لهذا المحيل [على هذا العبد] (٢) دينٌ في عنقه، يتبعه به إذا عَتَق. قال صاحبُ التقريب: الحوالة صحيحة، وهي بمثابة الحوالة على معسرٍ في ذمته دين، ثم المحتال يطالبُ العبدَ بعد عتقه.
فلو لم يعلم كونَه عبداً، ثم علم، فهذا يترتب على الفصل المقدم، في أن المحتال إذا اطلع على إعسار المحال عليه، وما كان عالماً بإعساره عند الحوالة، فإن قلنا: للمطّلع على إعسار المحال عليه الخيارُ، فلأن يثبت الخيار هاهنا أولى. وإن قلنا: لا خيار للمطلع على الإعسار، ففي هذه الصورة وجهان؛ إذ طريان العتق ليس ممَّا يُعدّ من ميسور الأمور، واليسار والإعسار متعاقبان.
وما ذكرناه فيه إذا كان العبدُ لأجنبي، فأمّا إذا كان العبد للمُحيل، قال صاحب التقريب: إن كان كسوباً، ينبغي أن يتعلق الدين بكسبه، وإن كان غير كسوبٍ، كان متعلِّقاً بذمتهِ.
٤٢٧٤ - وهذا كلام مختلط لا أصل له. والوجه أن نقول: لا يتصوّر أن يكون للسيد على عبده دينٌ يتعلق بذمته، أو في كسبه، إلا في صورةٍ واحدةٍ، سنشير إليها
стр. 3412
آخراً. وإذا كان كذلك، فحوالة [السيد على] (١) مملوكه باطلة، إلا أن تجوز الحوالة على من لا دين عليه، وقد ذكرنا أن تحقيق ذلك يرجع إلى [الضمان] (٢)، وكأن العبد ضمن عن سيده، وسيأتي شرح ذلك في كتاب الضمان، إن شاء الله.
ثم إذا صحَّ، نُظر: فإن كان الضمان بإذن السَّيد، تعلق بكسب العبد إن كان له كسب، وإن لم يكن، فبذمته، ومن ضرورة كل ما يتعلق بالكسب أن يتعلق بالذمة.
ويتصور للسيد على عبده دينٌ يتعلق بذمته على أحد الوجهين، وذلك أن من ثبت له دين على عبد الغير، ثم ملكه، ففي وجهٍ يقسط الدين عن ذمته بالملك الطَّارىء، وفي وجهٍ يبقى عليهِ يتبعه به إذا عَتَق، فعلى هذا يمكن تقدير حوالة السيد على عبده.
فرع:
٤٢٧٥ - إذا أحال رجلاً له عليه ألفُ درهم، على رجلين، على كل واحد منهما خمسمائة درهم، وشرط في الحوالة أن يكون كل واحد منهما كفيلاً ضامناً عن صاحبه.
قال ابن سريج: في صحة هذه الحوالة وجهان مبنيان على أن المعاوضة مغلّبة على الحوالة، أو معنى الاستِيفاء: فإن غلّبنا المعاوضة، لم يمتنع شرطُ الوثيقة فيها، وإن غلبنا الاستيفاء، امتنع ذلك، فإن [الضمان إنما] (٣) يشترط في المعاوضات. وهذا التردّد يلتفت على أنه هل يثبت في الحوالة خيار المجلس والشرط (٤).
* * *
стр. 3413
وبلائي كله من شيئين:
أحدهما - أن بني الزمان ليس يأخذهم في طلب الغايات، لا بل في طلب حقيقة البدايات ما يأخذني، فلا يهتدون لما أبغيه من مداركها، بل أخاف أن يتبرموا بها ...
الإمام
في نهاية المطلب
стр. 3414
كتاب الضمان (١)
٤٢٧٦ - يشترط في الضمان رضا الكفيل، ولا يشترط رضا الأصيل.
وفي المضمون له وجهان، والأكثرون على أنه لا يشترط، فإن شرط، ففي القبول وجهان، فإن شرط، فلا بد من أن يتصل بالضمان، كاتصال القبول بالإيجاب في سائر العقود، وإن شرط الرضا دون القبول، جاز أن يتقدم على الضمان تطويل الزمان، فإن تأخر عنه، فهو كالإجازة، إن جوّزنا وقف العقود.
وإن لم يشترط رضاه، ولا قبوله، فهل يشترط أن يعرف الضامن المضمون له، والمضمون عنه؟ فيه أوجه: أحدها - يشترط معرفتهما، والثاني - لا يشترط، والثالث - يشترط معرفة المضمون له وحده، واختاره في التقريب، والرابع - يشترط معرفة المضمون عنه وحده.
فصل
في رجوع من أدى دين إنسان بغير ضمان
٤٢٧٧ - إذا أدى دين إنسان بغير إذنه برىء، ولا يرجع عليه اتفاقاً، وإن أداه بإذنه، فإن شرط الرجوع، رجع اتفاقاً، وإن لم يشترط، رجع، على الأصح.
وفي اقتضاء الهبة المطلقة للثواب أقوال: ثالثها - التفرقة بين أن يكون الواهب ممن يستثيب مثله من المتهب أو لا يكون، فرتَّب أبو محمد الرجوع بالدين على وجوب الثواب، وجعل الدين أولى بالرجوع، وقال: لا يمتنع تخريج وجه ثالث يفرق فيه بين
стр. 3415
أن يكون المؤدي ممن يسترفد من الأمراء أو لا يكون.
ولو أَوْجر إنساناً طعاماً في غير المخمصة، لم يرجع.
فصل
في إجبار المضمون له على قبول الدين من الضامن
٤٢٧٨ - إذا لم نشترط رضا المضمون له، فأدى الضامن الدين، فإن ضمن بغير إذن الأصيل، لم يجبر المضمون له على قبول الدين، بل هو بالخيار: إن شاء، [طالب] (١)، وإن شاء، ترك، كما لو أدى دين غيره بغير إذنه؛ فإن رب الدين لا يجبر على القبول.
وإن ضمن بإذن الأصيل، فإن أثبتنا الرجوع، أجبر المضمون له على القبول، وإن لم نثبت الرجوع، ففي الإجبار على القبول وجهان، كالوجهين فيمن أمر بقضاء الدين من غير ضمان، وقلنا: لا رجوع. والأشهر الإجبار؛ لوقوع الأداء بإذن المدين.
ولو قال: أدّ ديني بشرط الرجوع، فلا خلاف في الإجبار على القبول.
فصل
في رجوع الكفيل على الأصيل
٤٢٧٩ - للضمان والأداء أحوال: الأولى - أن يقعا بغير إذن الأصيل؛ فلا رجوع اتفاقاًً.
الثانية - أن يقعا بإذنه، فيرجع عليه اتفاقاً، سواء شرط الرجوع، أو لم يشترط، ويحتمل إذا لم يشترط الرجوع أن يخرج على الوجهين فيما إذا قال للأجنبي: "أدّ ديني"، ولم يشترط الرجوع، وقد رمز إليه في التقريب، ولم يصرح به أحد من الأصحاب.
стр. 3416
الثالثة - أن يضمن بالإذن، ويؤدي بغير إذن، فثلاثة أوجه: الثالث (١) - إن أجبر على الأداء، ولم يقدر على مؤامرة الأصيل، رجع. وإلا، فلا، وهو الذي ذكره العراقيون، ومال إليه في التقريب، واختار الأمام (٢) أنه يرجع في الحالين.
الرابعة - أن يضمن بغير إذن، ويؤدي بالإذن، فوجهان: رتّبهما الإمام على ما إذا أمر الأجنبي بأداء الدين، ولم يشترط الرجوع، والضامن أولى بألا يرجع.
فصل
في إشهاد الضامن على الأداء وتقصيره فيه
٤٢٨٠ - إذا أشهد الضامن على الأداء عدلين، أو عدلاً وامرأتين، رجع، وفي المستورَيْن وجهان، وفي العدل الواحد ليحلف معه وجهان، ولا وجه للمنع؛ إذ لم يشترط أحد من الأصحاب إشهاد من يتفق العلماء على قبول شهادته.
فإذا أدى ولم يُشهد، فإن كذبه الأصيل وربُّ الدين، فلا رجوع، وإن صدقه الأصيل، وكذبه رب الدين، وحلف، فوجهان. وإن كذبه الأصيل، وصدقه المدين، سقط الدين (٣)، وفي الرجوع وجهان: فإن منعنا الرجوع إذا ترك الإشهاد، فادعى أنه أشهد عدلين وماتا، فإن صدقه الأصيل، رجع على الأصح، وإن كذبه، فوجهان.
وإن قال: أشهدت زيداً وعمراً، فكذباه، فهو كترك الإشهاد، على ما دلّ عليه كلام الأصحاب. وإن قالا: لا نُبْعد أنا شهدنا ونسينا، ففيه تردد، وهو أولى بالمنع مما إذا ادعى موت الشهود.
فرع:
٤٢٨١ - إذا منعنا الرجوع عند ترك الأشهاد، فأدى الدين مرّةً أخرى، وعلم الأصيل بذلك، فالأصح أنه يرجع. وهل يرجع بما غرمه أولاً، أو بما غرمه ثانياً؟ فيه وجهان، يظهر أثرهما عند اختلاف صفتهما.
стр. 3417
فصل
فيما يرجع به
٤٢٨٢ - الضامن إذا أدى مثل دين الأصيل، رجع به، وإن أدى عنه عوضاً، كالثوب والعَرْض، برىء الأصيل، ورجع بقيمة العَرْض إن ساوت قيمة الدين، وإن زادت، لم يرجع بالزيادة اتفاقاً، وإن نقصت، برىء الأصيل من جميع الدين، وهل يرجع الكفيل بجميع الدين، أو بقيمة العَرْض؟ فيه وجهان: يتفرع عليهما ما إذا ضمن ذمي عن مسلم ديناً لذمي، فصالحه عنه بخمر، ففي صحة الصلح -لتعلقه بالمسلم- وجهان. فإن قلنا: يصح، فللمضمون له أن يطالب الضامن، وإلا فلا. فإن قلنا بالمطالبة، فهل للضامن الرجوع؟ فيه وجهان: إن قلنا: يرجع بالدين، رجع هاهنا
لتحصيله براءة الأصيل.
فرع:
٤٢٨٣ - إذا أمر أجنبياً بقضاء دينه، فأدى عرضاً، برىء المدين، وفي
الرجوع أوجه: أصحها - الرجوع كالضامن، والثالث - إن قال: أدِّ ديني، رجع. وإن قال: أدِّ الدنانير التي عليَّ، لم يرجع.
فرع:
٤٢٨٤ - إذا ادّعى على حاضر وغائب أنهما اشتريا عبده وقبضاه، ثم ضمن كل واحد منهما ما على الآخر، وأقام بينة بذلك، حكم عليهما بالثمن. فإن أداه الحاضر وأراد الرجوع على الغائب، نُظر، فإن لم ينكر، بل وكل عند الدعوى، أو سكت عن الجواب، فله أن يرجع، وإن صرح بالإنكار: فإن أصرّ عليه، فلا رجوع، وإن اعترف بعد ذلك، فلا رجوع على أقيس الوجهين. وإن سكت بعد قيام البينة، فلم يقر، ولم ينكر، ففيه تردُّدٌ لأبي محمد.
فرع:
٤٢٨٥ - إذا ضمن الصداق، ودفعه إلى الزوجة، فارتدت قبل الدخول، رجع ما قبضته إلى ملك الزوج، ولم يكن لها إبداله، فإن رجع الضامن على الزوج، فله إبدال ما رجع إليه؛ لأن ثبوت ملك الزوجة فيه يتضمن ملك الزوج له بطريق القرض.
стр. 3418
فرع:
٤٢٨٦ - إذا أثبتنا الرجوع قبل الأداء، فضمن عن زيد بشرط أن يضمن له عمرو ما يرجع به، ففي صحة الضمان وجهان: فإن قلنا: لا يصح، فلا شيء على الضامن. وإن قلنا: يصح، ثبت الشرط، فإن لم يف به، تخير الضامن في فسخ الضمان، كالبيع إذا شُرط فيه الضمان، وهذا بعيد؛ إذ الضمان لا يقبل الخيار، ولا نعرف خلافاً أن الضمان بشرط الخيار باطل.
فرع:
٤٢٨٧ - إذا ضمن العبد دين سيده بإذنه، ثم أداه بعد العتق، ففي رجوعه به وجهان، كالوجهين في رجوعه بالأجرة إذا أعتقه وهو مأجور.
فصل
في رجوع الضامن قبل الأداء ومطالبته بالتخليص
٤٢٨٨ - إذا أراد الضامن الرجوع قبل الأداء، أو عاوض الأصيل عما يرجع به، فهل له ذلك؟ فيه وجهان، وإن أبرأ (١)، فوجهان. وقال الأمام: إن أثبتنا الرجوع قبل الأداء، صح الإبراء، وإلا، فقولان؛ إذ وُجد سبب الوجوب ولم يجب. وإن أدى الصحاح عن المكسر، لم يرجع بالصحاح اتفاقاً. وإن أدى المكسر عن الصحاح، لم يرجع إلا بالمكسر، بخلاف الرجوع بعوض للقرض الناقص؛ لأن هذا استيفاء، وليس بمعاوضة، ولو طولب الضامن بالدين، فله أن يطالب الأصيل بتخليصه، وأبعد من منع ذلك، وقال الإمام: إن أثبتنا الرجوع قبل الأداء، فله طلب التخليص، وإن لم نثبت الرجوع قبل الأداء، فالمذهب أنه يطالب بالتخليص إن طولب، وليس له ذلك قبل الطلب.
ولو حُبس الضامن، وأثبتنا له الرجوع قبل الأداء، فله أن يطلب حبس الأصيل، وأبعد من منع ذلك.
стр. 3419
فصل
في ضمان المجهول وما لم يجب
٤٢٨٩ - إذا ضمن مجهولاً لم يجب، ولم يوجد سبب وجوبه، فإن لم يمكن الوصول إلى معرفته، لم يصح، مثل أن يقول: "ضمنت لك شيئاً"، وكذا لو قال للمدين: "ضمنت عنك شيئاًً".
وإن أمكن التوصل إلى معرفته، فقولان: القديم - أنه يصح، ولا يطالب إلا بعد الوجوب، وليس له الفسخ بعد الوجوب، وفيما قبله وجهان. فإذا قال: "ضمنت لك ثمن ما تبيعه من فلان"، صح، وإن لم يعين المبيع، ويصير بذلك ضامناً لجميع الأثمان. وإن قال: "إذا بعتَ من فلان، فأنا ضامن للثمن"، فإنه يختص بثمن العقد الأول.
وأما معرفة المضمون له، فإن شرطناها في الدين الثابت، فهاهنا أولى، وإن لم نشرطها ثَمَّ، ففيه هاهنا -لكثرة الغرر- وجهان، ثم تجري الأوجه الأربعة، واشتراط المعرفة هاهنا أولى؛ لما فيه من غرر الجهل، وعدم الوجوب.
ولو علق ضمان الدين الواجب بوقت معلوم، أو بقدوم إنسان، جاز على هذا القول.
وأما القول الجديد -وبه الفتوى- فيشترط في معرفة الدين ما يشترط في معرفة الأثمان، ويصح إن عرفه الضامن وجهله المضمون عنه، وإن جهله المضمون له، فوجهان مأخوذان من اشتراط قبوله ورضاه، ولو عرفه الأصيل، والمضمون له، وجهله الضمين، لم يصح الضمان.
ولو ضمن ما لم يجب، بطل، إن لم يوجد سبب وجوبه، وإن وجد، فقولان مشهوران، وذلك مثل أن يضمن نفقة الزوجة لمدّة معلومة، مما يستقبل من الزمان.
وإن ضمن الثمن في مدة الخيار، صح وجهاً واحداً، وفيه احتمال، لا سيّما إن بقَّينا الملك للبائع.
стр. 3420
وإن قال: "ضمنت من درهمٍ إلى عشرة"، وجوّز كون الدين درهماً، وكونه عشرة، ففي ضمان العشرة وجهان.
وفي ضمان الجُعل قبل العمل طريقان: إحداهما - المنع. والثانية - على القولين فيما وجد سبب وجوبه ولم يجب.
ولا يصح ضمان نجوم الكتابة؛ إذ لا تلزم بحال. وأبعد من خرجها على القولين فيما لم يجب، ووجد سبب وجوبه، وفي ضمانها على القديم وجهان.
فرع:
٤٢٩٠ - إذا جوزنا للضامن تغريم المضمون عنه قبل أداء الدين، فضمن عن زيد بإذنه على أن يضمن عن زيد بهذا الضمان عمرو، ففي صحة الضمان بشرط الضمان وجهان: فإن قلنا: لا يصح، فسد الضمان، ولا شيء على الضامن. وإن قلنا: يصح، فإن وفَّى المضمون عنه، وأعطى الضامن، فذاك، وإن لم يف، تخير الضامن بين فسخ الضمان والبقاء عليه، كنظيره في الضمان المشروط في البيع. وهذا بعيد عن وضع الضمان؛ فإن البيع يقبل الخيار، والضمان لا يقبله. ولا خلاف أن شرط الضمان مفسد للضمان.
فصل
في ضمان الدَّرَك ويسمَّى ضمان العهدة
٤٢٩١ - ومقصوده التزام الثمن إن ظهر استحقاق المبيع، ويصح على القديم، وفي الجديد أقوال: ثالثها - لا يصح إلا بعد قبض الثمن، والمذهب الصحة على الإطلاق، والقولان الآخران مخرجان.
وإن ضمن سلامة الثمن عن الزيف، ففيه الأقوال، وكذلك ضمان نقصان صنجة (١) الثمن عند ابن سُريج على الأقوال. فإن جوزنا ضمان عهدة الاستحقاق،
стр. 3421
فصرح بالضمان إن فسد البيع بشرط مفسد، أو بفوات شرطٍ معتبر أو إن رد المبيع بالعيب، فوجهان. والفرق إمكان التحرز من المفسدات، وتعذره عن الاستحقاق.
فإن جوزنا ذلك، ففي اندراجه في مطلق ضمان العهدة وجهان. ولو خص الضمان بالاستحقاق، اختص به اتفاقاً، وكذلك إن خصه بغيره من المفسدات، إن جوزنا ذلك. ولا يعلّق ضمان العهدة بالإقالة إن جعلت بيعاً، وكذلك إن جعلت فسخاً، على الجديد؛ إذ لا استناد لها إلى العقد، بخلاف الرد بالعيب.
فرع:
٤٢٩٢ - إذا استُحق بعض المبيع، أُخذ الضامن بما يقابل المستحق. وفي فساد البيع في الباقي قولان: فإن أفسدناه، ففي تعلق الضمان به الوجهان في عهدة المفسدات، وإن لم نبطله، فاختار الفسخ، ففيما يقابل المفسوخ وجهان، كالرد بالعيب.
فرع:
٤٢٩٣ - إذا ضمن نقص الصنجة، فادعى البائع نقص الثمن، فالقول قوله، وليس له مطالبة الضامن إلا ببيّنةٍ أو اعتراف. هذا قياس الأصول. ولو كان الثمن عشرة، فادعى المشتري إقباضها، وقال البائع: إنما قبضت تسعة، فالقول قول البائع، وله مطالبة المشتري، وليس له أن يطالب الضامن، على أقيس الوجهين.
فصل
في ضمان الحال مؤجلاً، والمؤجل حالاً
٤٢٩٤ - إذا ضمن المؤجل بما يساويه في الأجل، صح، وأيهما مات، حلّ ما عليه دون ما على صاحبه. فإن مات الأصيل، فأراد الكفيل إلزام رب الدين بقبضه من التركة، أو أن يُبرئه من الضمان، فله ذلك على أظهر الوجهين. وإذا حل المؤجل، أو كان أصل الدين حالاً، فضمنه مؤجلاً، لم يثبت الأجل اتفاقاً، ويفسد الضمان على أظهر الوجهين، ولو ضمن المؤجل حالاً، ففي صحة الضمان وجهان.
فإن قلنا: يصح، ففي ثبوت الأصل وجهان، مأخذهما أن الشرط الفاسد هل يفسد الضمان؟ فإن أثبتنا الأجل، فهل يثبت تبعاً، أو مقصوداً؟ فيه وجهان، يظهران عند موت الأصيل. فإن جعلنا الأجل تابعاً، حلّ الدين على الضامن، وإلا فلا.
стр. 3422
فرع:
٤٢٩٥ - إذا ضمن الصداق ضماناً موجباً للرجوع، ودفعه إلى الزوجة، فارتدت قبل الدخول، فإن كانت العين باقية، رجعت إلى الزوج، وليس لها إبدالها، فإذا رجع الضامن على الزوج، لم يلزمه أن يرد عليه تلك العين.
ولو ضمن العبد عن سيده ديناًً بإذنه، فأداه بعد العتق، ففي رجوعه به على السيد وجهان، كالوجهين في رجوع العبد المأجور بأجرة مثله إذا عَتَق في أثناء المدة.
فرع:
٤٢٩٦ - إذا جوزنا ضمان المؤجل حالاً، فأطلق الضمان، ودَيْن الأصيل مؤجل، فهل يثبت الضمان حالاً أو مؤجلاً؟ فيه وجهان: أظهرهما - ثبوت الأجل، وعلى هذا هل يشترط أن يعرف تأجُّل الأصل، ومقدار الأجل؟ فيه على الجديد وجهان.
فصل
في تعليق الإبراء والضمان
٤٢٩٧ - إذا علق الضمان بمجيء زمنٍ معلوم، أو قدوم إنسانٍ، بطل على الجديد، ويجري الإبراء مجرى الضمان في صور الخلاف والوفاق، فالإبراء عما لم يجب باطل إن لم يوجد سببه، وإن وجد، فقولان، ولا يصح الإبراء من المجهول، وإن أبرأ من درهم إلى عشرة، ففيه الوجهان، ولا يجوز تعليقه على الجديد كالضمان.
وقال الإمام: إن لم يشترط فيه القبول، ففيه احتمال، وإن علقه، فقد أجازه الإمام على القديم.
فرع:
٤٢٩٨ - إذا جوزنا تعليق الضمان، وجهالة المضمون، فقال: بع عبدك من فلان بعشرة، وأنا ضامن لها، أو قال: إذا بعته منه بعشرة، فأنا ضامن لها، فباعه منه بعشرين، لم يلزمه العشرة الزائدة، وفي لزوم العشرة الأخرى خلاف، يجري فيما إذا باعه بخمسة، ومذهب ابن سُريج أنها لا تلزمه لمخالفة البائع لشرطه.
стр. 3423
ولو قال: أقرضه عشرة على أني ضامن، فأقرضه خمسة عشر، لزمه ضمان العشرة اتفاقاًً؛ لأن أجزاء القرض لا يجمعها عقد رابط، بخلاف البيع؛ فإنه إذا باعه بخمسة عشر، فقد باع ثلثيه بعشرة، فلم يوجد الشرط، ولو أقرضه خمسة، فقد قطع ابن سُريج بلزومها، وهو خلاف قياسه.
فرع:
٤٢٩٩ - يجوز ضمان إبل الدية، والإبراء عنها في الجديد والقديم، سواء ثبت للضامن الرجوع أم لم يثبت، وهل يرجع الضامن بالإبل، أو بقيمتها؟ يحتمل وجهين، كما في بدل القرض.
فصل
في الاختلاف في قبض الأصالة أو الكفالة
٤٣٠٠ - إذا باع عبده من اثنين على أن يضمن كل واحد منهما ما على صاحبه من الثمن، بطل البيع. ولو كان له على اثنين خمسة خمسة، فضمن كل واحد منهما ما على الآخر، فله أن يطلب العشرة ممن شاء منهما، فإن أخذها من أحدهما رجع على الآخر بخمسة، إن كان الضمان موجباً للرجوع، وإن أخذ من كل واحد منهما خمسة الأصالة، برئا جميعاً، وإن أخذ من كل واحد خمسة الكفالة، ففي تراجعهما أقوال التقاصّ، فإن قال الدافع: إنما أقبضتك الخمسة الأصلية، وقال القابض: بل خمسة الكفالة، فقد برىء من الخمسة الأصلية، وهل للقابض أن يطالبه بخمسة الكفالة؟ فيه خلاف، من جهة أنه اعترف بقبضها، وقطع القفال بجواز المطالبة؛ لأنه بنى قوله الأول على ظن وتخمين - قال الإمام: إذا أمكن استناد الأقارير إلى اليقين، فرجع المقر، وقال: أخطأت، لم يقبل. وإن لم يمكن الاستناد إلى اليقين، فإن ابتدأ بالإقرار من غير خصومة، ثم رجع، لم يقبل رجوعه. وإن أقر في أثناء الخصومة، أو تقدم الإقرار، ثم وقعت الخصومة، ففيه الخلاف المتقدم.
ولو ادعى استحقاق المبيع، فقال المشتري: كان ملكاً للبائع إلى أن اشتريته منه، ثم ثبت الاستحقاق، فإنه يرجع بالثمن على البائع، وأبعد من منع الرجوع.
стр. 3424
فصل
فيمن يصح ضمانه ومن لا يصح
٤٣٠١ - ويصح الضمان من كل مكلف مطلق (١)، ولا يصح من المبذر، وإن أذن الولي، ويصح من المرأة، وإن لم يأذن الزوج، وضمان المكاتب كتبرعه، والعبد إن لم يكن مأذوناً، فإن ضمن بإذن السيد، صح، وتعلق بكسبه على الأصح، وقيل: يتعلق بذمته. وإن ضمن بغير إذن، ففي الصحة وجهان: فإن صححناه، طولب بعد العتق، وإن كان مأذوناً، فإن لم يأذن السيد في الضمان، فهو كغير المأذون. وإن أذن فيه، فإن لم يكن عليه دين، فإن قيد الإذن بالأداء مما في يده، تعلق به اتفاقاً.
وإن أطلق، فالأصح أنه يتعلق بكسبه، وبما في يده، فإن علقناه بما في يده، أو أذن له في الأداء مما في يده، فإن كان محجوراً عليه بالفلس بالتماس الغرماء، فلا يتعلق الضمان بما في يده؛ لتعيُّنه لديون المعاملة.
وإن لم يكن عليه حجر، وكان بيده عشرون وعليه من المعاملة عشرة، والضمان عشرون، ففي تعلق الضمان بما في يده أقوال: أحدها - لا يتعلق؛ لأنه كالمرهون بدين المعاملة، فليس له التصرف فيه إلا بالمعاملة. والثاني - يتعلق تعلق دين المعاملة، فيوزع على قدر الدينين. والثالث - أنا نقدم دين المعاملة، ونصرف الفاضل إلى الضمان، فلو كان بيده عشرون، وعليه من المعاملة والضمان عشرون عشرون، صرفت العشرون إلى المعاملة، ولو أبرىء عن دين المعاملة، ففي صرف العشرين إلى الضمان قولان، هما الأول والأخير في الصورة السابقة.
فرع:
٤٣٠٢ - إذا لزمته ديون معاملة ولا حجر، فحكم تبرع السيد بما في يده حكم الضمان المأذون فيه، فإن منعناه، فالإعتاق لما في يده من الرقيق كإعتاق الراهن على ما ذكره أبو محمد.
стр. 3425
فرع:
٤٣٠٣ - إذا لم نعلق العهدة بالسيد، ونفذنا تبرعه، فتبرعه (١) كالاسترداد، ولو استرد ما في يده بعد ثبوت دين المعاملة، لانقلبت عهدة الدين إليه.
فصل
في ضمان السيد عن عبده
٤٣٠٤ - إذا ضمن الدين المعلق بذمة عبده، صح، مأذوناً كان أو غير مأذون، ولا يرجع إن ضمن بغير إذنه، وإن ضمن بإذنه بحيث يستحق الرجوع لو كان الأصيل حراً، فلا يرجع إلا بعد العتق.
وإن ضمن دين المعاملة، فإن أداه في الرق، فلا رجوع؛ لأنه استخلص بأدائه ما في يد العبد من ماله، وأبعد من أثبت له الرجوع، وبناه الإمام على الوجهين في المأذون إذا أدى دين المعاملة بعد العتق. فإن قلنا: يرجع على السيد، فلا رجوع للسيد هاهنا. وإن قلنا: يرجع ثَمَّ، ففي رجوع السيد هاهنا وجهان.
وأما المكاتب، فيصح ضمان ما عليه لغير السيد، ولا يصح ضمان نجومه على المذهب، وإن كان للسيد عليه دين معاملة، فضمنه أجنبي، فإن قلنا: لا يسقط إذا رق، صح الضمان، وإن قلنا: يسقط، فهو كالنجوم.
فصل
في كفالة الأبدان
٤٣٠٥ - المقصود من كفالة البدن التزام إحضار المكفول به إن كان ممن يلزمه الحضور، وفي صحتها طريقان:
إحداهما - قولان، والثانية -وهي المذهب- القطع بالصحة، فيصح التكفل بإحضار من ثبت عليه الدين، ومن لم يثبت عليه إن لم يقر، ولم ينكر، وإن أنكر بعد الدعوى، فالأصح جواز الكفالة؛ لأنه يلزمه الحضور إلى انقضاء الخصومة،
стр. 3426
ولا يصح التكفل إلا بمن يلزمه الحضور عند الاستعداء (١)؛ إذ يستحيل أن يلزم الكفيل ما لا يلزم الأصيل. فلو تكفل رجل بالبصرة بإحضار رجل هو ببغداد، لم يصح، وإن قال: إذا قدم من بغداد، فقد كفلت ببدنه، وجوزنا التعليق، فابتداء لزوم الإحضار عند القدوم.
فرع:
٤٣٠٦ - إذا ادعى زوجية امرأة، صحّ التكفّل بإحضارها؛ إذ يلزمها الحضور إذا دعيت.
فرع:
٤٣٠٧ - إذا ضمن ردّ الآبق، لزمه السعي في ردّه، فإن مات، لم يلزمه شيء على المذهب، وأبعد من أوجب قيمته.
فرع:
٤٣٠٨ - إذا تكفل برد المغصوب من يد الغاصب، صح، إذا جوّزنا كفالة البدن، وهو أولى، لأن الرد مقصودٌ ماليّ بخلاف إحضار من يلزمه الحضور؛ فإن فاتت العين، ففي وجوب قيمتها على الكفيل وجهان: فإن قلنا: تجب، فهل تجب قيمة يوم التلف، أو أقصى القيم الواجبة على الغاصب؟ فيه وجهان.
ويجوز ضمان الأعيان المضمونة، كالمستعار، والمأخوذ على وجه السَّوْم.
ولا يصح ضمان الودائع في أيدي الأمناء؛ إذ لا يلزمهم ردّها، وإنما يلزمهم التخلية بينها وبين مستحقيها، والمعنيّ بضمان الأعيان المضمونة القيام بمؤنة ردّها، ومقاساة ما فيه من مشقة وكلفة.
وإذا لزم البائع تسليم المبيع، جاز ضمانه، بمعنى وجوب القيام بتسليمه، فإن تلف في يد البائع، ففي تغريم الكفيل وجهان: فإن قلنا: يغرم، غرم الثمن على المذهب، وأبعد من قال: يضمن الأقل من القيمة أو الثمن.
стр. 3427
فصل
فيما يلزم الكفيل
٤٣٠٩ - يلزم الكفيل إحضار الأصيل إذا أمكن، وعليه مؤونة الإحضار، فإن امتنع، حُبس حَبْسَ الممتنع من أداء الحق، فإن تعذر الإحضار بغيبة الأصيل إلى مكان لا يُعْدى عليه فيه، أو مات، وعسر إحضاره، فإن لم يثبت عليه شيء، فلا طلبة على الكفيل اتفاقاً. وإن ثبت الحق، فهل يطالب الكفيل بالدين، أو بالأقل من الدين ودية الأصيل، أو لا يطالب بشيء؟ فيه أوجه: أقيسها، وأصحها آخرها، ولا غرم عليه مهما (١) تمكن من الإحضار.
ولا تصح كفالة البدن إلا برضا الأصيل، وأبعد من لم يشترطه، ولا يشترط رضا المكفول له، على الأصح، كضمان المال، ولو كفل برضا المكفول له، دون رضا الأصيل، فهل يملك إحضار الأصيل؟ فيه وجهان، من جهة أن الإذن في الكفالة كالتوكيل في الإحضار، ولو قال: كفلت ببدن فلان، حمل على الكفالة الشرعية، وكذلك الإقرار المطلق بسائر العقود، فإن طلب المكفول له الإحضار، فقال الكفيل: لم يأذن الأصيل في الكفالة، فهل يملك إحضاره؟ فيه وجهان؛ إذ المطالبة بالإحضار كالتوكيل.
فصل
في بيان الموضع الذي يحضر فيه الأصيل
٤٣١٠ - إذا لم يبين موضع الإحضار، صح التكفل قولاً واحداً، ولزم الإحضار في محل الضمان، وإن قيد الإحضار بمكان معين، لزم الإحضار فيه، ومهما أحضره الكفيل برىء من الضمان، إن تمكن منه المكفول له، وإن لم يتمكن منه لتعززه، وتمنعه، فالضمان بحاله.
стр. 3428
وإن أحضره بالقرب من محل الإحضار المطلق أو المقيد، فإن كان في إحضاره إلى موضع الإحضار كلفة ومؤونة، لم يبرأ، وإن لم يكن، ففي البراءة وجهان.
والاعتبار في ذلك بالكُلفة والمؤونة، دون المسافة. ولو أحضره، فقال المكفول له: لا أقبله الآن، ولا أتسلمه، برىء اتفاقاًً.
فصل
في تعليق الكفالة
٤٣١١ - إذا قال: إذا جاء رأس الشهر، فقد كفلت ببدن فلان، ففي صحة الكفالة وجهان.
وإن علّق بما يتقدم ويتأخر كالحصاد، فوجهان مرتبان، وأولى بالبطلان.
وإن علقها بمجهول قد يكون، وقد لا يكون، كقدوم إنسان، فوجهان مرتبان.
ولو نجز الكفالة، وعلق الإحضار على شهر، صح على المذهب، ولم يلزم الإحضار إلا بعد الشهر، فإن أحضره قبل الشهر، برىء عند المزني، وقال ابن سريج: لا يبرأ، إن كانت بيّنة المكفول له غائبة، أو كان دينه مؤجلاً بالشهر، وإن لم يكن شيء من ذلك، ففي إجباره على القبول وجهان، كما في الإجبار على قبض الدين المؤجل.
ولو نجز الكفالة، وعلق الإحضار بالحصاد، أو بقدوم زيد، ففيه خلاف مرتب على صور التعليق، وصور التنجيز، وأولى بالصحة من صور التعليق، وهذه الصور بأعيانها جارية في تعليق التوكيل.
فصل
في دعوى الكفيل براءة الأصيل
إذا ادعى الكفيل أن المكفول له قد أبرأ الأصيل، فالقول قول المكفول له. فإن نكل عن اليمين، فحلف الكفيل، برىء من الضمان، ولا يسقط دين الأصيل؛ إذ لا نيابة في اليمين. وإن حلف المكفول له، طالب الكفيل بإحضار الأصيل. فإن قال الأصيل: ليس لك إحضاري؛ لإقرارك ببراءتي، فعلى الخلاف المذكور في
стр. 3429
المؤاخذة بالإقرار الواقع في أثناء الخصام، إذا قامت البينة بخلافه، والوجه القطع بإيجاب الإحضار؛ إذ لو لم يثبت، لاتخذ الكفلاء ذلك ذريعة إلى إسقاط الضمان.
وإنما ينقدح الخلاف في الرجوع بعد الغرم إن كانت الكفالة بمال.
ولو قال الكفيل: تحققت أن كفالتي وقعت بعد الإبراء، ففي سماع دعواه للتحليف وجهان يجريان في كل عقد يُدّعى بعده ما يتضمن إبطاله.
فصل
في الكفالة بأهل الحدود، وبإحضار الموتى
٤٣١٢ - إذا تكفل بإحضار من لزمه حد، فثلاثة أوجه: ثالثها - تخصيص الصحة بحقوق الآدمي، كحد القذف، والقصاص. ولو مات المكفول به، ففي انقطاع الكفالة بموته وجهان؛ إذ جميع العقود والتصرفات مقيدة بحال الحياة.
وتصح الكفالة ببدن الميت، حيث يجب إحضاره مجلس الحكم؛ لإقامة الشهادة على عينه، وصورته، وكذلك تصح بإحضار الصبيان لإقامة بينة أو غير ذلك، ويعتبر فيه إذن القوّام.
فرع:
٤٣١٣ - إذا كفل ببدن إنسان، فمات المكفول له، ففي انقطاع الكفالة أوجه: أقيسها - أنها لا تنقطع بموته، بل تبقى لورثته، كما في ضمان الديون.
وثالثها -وهو ضعيف- إن كان في التركة وصي أو كان على الميت دين، استمرت الكفالة، وإلا فلا.
فصل
فيمن كفل به جماعة، وأحضره أحدهم
إذا كفل ثلاثة بإحضار زيد، فأحضره أحدهم، فقد برىء، وفي براءة صاحبيه قولان مخرجان، بخلاف أداء الدين في الضمان؛ فإنه المقصود الأقصى، وكفالة الأبدان وسيلة، لم يحصل مقصودها بمجرد الإحضار.
ولو كفل به ثلاثة، وكفل كل واحد بإحضار صاحبيه، صح، فإن أحضره أحدهم
стр. 3430
برىء، وبرىء الآخران عن ضمان المحضِر، وفي براءتهما عن أصل الضمان القولان. فإن قلنا: لا يبرآن، وهو القياس، فعلى المحضِر إحضار صاحبيه، والكفالة باقية عليهما، فلو حضر زيد بنفسه، ثم غاب، فينبغي ألا يبرأ الكفلاء بذلك، بخلاف تأدية الدين؛ إذ لا مقصود وراءه.
فصل
في ألفاظ الكفالة وما تضاف إليه
٤٣١٤ - إذا قال: كفلت ببدن فلان، أو عليَّ إحضاره، أو التزمت إحضاره، أو أنا بإحضاره كفيل، أو قبيل، أو قال: ضمنت، صح. وإن قال: أُحضره، لم يصح؛ لأنه وعد، وإن قال: كفلت ببدنه، أو وجهه، صح، ولعل الرأس في معنى الوجه.
وإن أضاف الكفالة إلى عضو آخر، كاليد والرجل، فأوجه: أحدها - يصح في كل عضو يضاف إليه الطلاق. والثاني - يختص بالوجه. والثالث - يبطل إلا أن يضاف إلى مالا يقوم البدن إلا به، كالرئة، والظهر، والكبد، والقلب، وهذا بخلاف الطلاق؛ فإنه قويٌّ سارٍ، ولذلك لو حصره في شهر، سرى إلى ما بعده، ولو حصر الكفالة في شهر، اختصت به اتفاقاًً.
فصل
في الشهادة على الضمان
٤٣١٥ - إذا ادعى عشرة، ولم يذكر سببها، فشهد بها شاهد، وشهد الآخر بخمسة، ثبتت الخمسة اتفاقاًً، ولو ادعى عشرة من ضمانٍ أو غيره، فشهد بها شاهدان، وقال أحدهما: قد قضى منها خمسة، فهل تثبت العشرة أو خمسة؟ فيه وجهان. فإن أثبتنا العشرة، فللمدين أن يحلف مع شاهد القضاء بشرط إعادة الشهادة بعد ادعاء القضاء، وأبعد من أجاز الحلف من غير إعادة الشهادة. فإن حلف، سقطت
стр. 3431
الخمسة، ولو ادعى ضمان عشرة، فشهد أحدهما بذلك، وشهد الآخر بضمان خمسة، فإن حلف، استحق العشرة، وإن لم يحلف، لم يستحقها. وهل يستحق خمسة؟ فيه وجهان.
ولو ادعى عشرة عن ضمان، فشهد أحدهما أنه ضمنها عن زيد بن خالد بن بكر، وقال الآخر: ضمنها عن رجل أعرف عينه دون نسبه، ثبتت العشرة. وأبعد من قال: لا تثبت.
ولو ادعى أنه ضمن له عن زيد بن خالد، فشهد اثنان أنه أقر بضمان العشرة، ولم يتعرضا لاسم الأصيل، فالمذهب ثبوت العشرة. وأبعد من طرد فيها الوجه المذكور في الصورة السابقة.
***
стр. 3432
كتاب الشركة
٤٣١٦ - لا يصح من الشِّرَك إلا شركة العِنان، وأبعد من أجاز شركة الأبدان، وهي الاشتراك في الصنائع والأعمال، وشركةُ الوجوه، كالقراض الفاسد، وهي أن يكون لأحدهما مال، وللآخر خبرة بالتجارة ووجهٌ عند التجار، فيشتركان على أن يكون المال من أحدهما والعمل من الآخر، ولا يسلم إليه المال.
وشركة المفاوضة أن يتشاركا في الغرم والغنم من غير خلط في المال.
وتجوز شركة العنان بالنقدين، وفي غيرهما من العروض وجهان، والفتوى بالصحة.
ولا خلاف أنها لا تتم إلا بخلط المال بشيوعٍ حكمي، أو خلط حسّي، لا يمكن معه التمييز في الحس والعِيان، فلا يتأتى ذلك بين الصحيح والمكسر، والعتيق والحادث، والمختلف النقوش والألوان، وإن تعذر التمييز لكثرة المخالط. فإن اختلف الجنس، فلا شركة، كالسمسم مع الكتان.
وإن اتحد الجنس واختلف النوع: كالبرّ الأصفر مع الأحمر، فوجهان: والأوجه المنع.
وإن استوى عرْضان في الوصف والقيمة، والْتبس أحدهما بالآخر التباساً مأيوس الزوال، فلا شركة (١).
стр. 3433
فصل
فيما يشترط في شركة العنان
٤٣١٧ - حقيقة الشركة اختلاط المال، ويشترط الإذن في التصرف من الجانبين، أو من أحدهما، فإن كان الإذن من أحدهما، فللآخر أن يتصرف في نصيب نفسه، وهل يملكان التصرف بقولهما: "اشتركنا"؟ فيه وجهان. ولا يشترط التساوي في قدر المال، خلافاً للأنماطي، وفي اشتراط علمهما بقدر المالين وجهان. وشرط العلماء في الشركة أن تعقد بعد اختلاط المال، فإن تقدم العقد على الخلط، لم يصح إذا وقع الخلط بعده. وفيما قالوه نظر؛ لأن إذنهما توكيل من الطرفين، فإن علقاه على الخلط، خرج على تعليق التوكيل. وإن نجزاه، فالوجه القطع بصحته واستمراره إلى ما بعد الخلط، إلا أن يشترطا إفراد كل واحد من النصيبين بالتصرف.
فرع:
٤٣١٨ - إذا كان التصرف من الجانبين، لم يشترط انفراد أحدهما باليد، وإن كان من أحدهما، فوجهان، بناهما الإمام على الخلاف في شرط الزيادة (١) للمنفرد بالتصرف، فإن منعناه، لم يشترط انفراده باليد، وإن أجزناه، فإن لم يشترطاه، فلا يشترط الانفراد باليد، وإن شرطاه، ففي الانفراد باليد الوجهان.
فرع:
٤٣١٩ - إذا باع أحد الشريكين العبد بإذن شريكه، مع جهلهما بقدر ملكهما، ففي صحة البيع وجهان: فإن قلنا: يصح، تعدى الابهام إلى الثمن.
فصل
في توزيع الربح والخسارة على رؤوس الأموال
٤٣٢٠ - وضع الشركة على توكيل بالتصرف مضافٍ إلى التصرف بالملك. ولا تتغير بها القواعد، فيجب توزيع الربح والخسارة على رؤوس الأموال، فإن شرطا تفاوتاً، فإن كان التفاوت في الخسران، بطل الشرط، كأن كان في الربح، فإن استويا في
стр. 3434
العمل، وقدر المال، بطل الشرط، وإن استويا في المال، وتفاوتا في العمل، فإن شرطت الزيادة لمن زاد عمله، ففي ثبوتها وجهان: أقيسهما - الثبوت؛ لمقابلتها بالعمل، فإن قلنا: لا تثبت، فانفرد أحدهما بالعمل، أو بزيادة فيه، فإن صرحا بالتوزيع على الأموال، فالعامل متبرع، وإن أطلقا الشركة على أن ينفرد أحدهما بالعمل، أو بزيادة فيه، فهل يلحق بمن استعمل إنساناً، ولم يُسمّ له أجرة؟ فيه وجهان والفرق جريان العادة بتسامح الشركاء في الأعمال.
فصل
في حكم الشرط الفاسد
٤٣٢١ - إذا فسد اشتراط التفاوت في الربح، ففي فساد الشركة وجهان. والمعظم على نفي الفساد؛ للاتفاق على تنفيذ التصرف وتوزيع الأرباح على رؤوس الأموال.
وقال أبو علي: يظهر أثر الفساد في حكمٍ واحد، وهو إذا استوى المال، وشرطت الزيادة لمن زاد عمله، ثم فسدت الشركة بسبب من الأسباب؛ فإنه يستحق أجرة المثل لما عمل على نصيب شريكه، ولا يستحق الزيادة المشروطة، ولو فسدت الشركة، وقد زاد عمل أحدهما، ولم يشترط له شيء، فالأصح أنه لا أجرة له، فإن أوجبناها، فقد ظهر الفرق بين الشركة الصحيحة والفاسدة. ولو استويا عملاً ومالاً، لم يظهر فائدة الفساد إلا على منع التقاصّ، ولا خلاف أن الشركة لو صحت، لم يطالب أحدهما بأجرة عمله، ولا بزيادة.
وتنتفي الشركة بانتفاء الخلط، لأنه حقيقتها، ولذلك أبطلنا شركة الأبدان.
ولو اشتركا في التصرف، وشرط انفراد أحدهما باليد، فالشرط فاسد، وفي فساد الشركة الوجهان.
стр. 3435
فصل
في فسخ الشركلة وانفساخها
الشركة عقد جائز، لأنها توكيل من الجانبين، أو من أحدهما، فأيهما مات أو جن، انفسخت، فإن أراد الوارث تجديدها، فليعقدها مع الشريك الباقي، وينعزلان بقول أحدهما: فسخت الشركة.
ولو عزل أحدهما الآخر، اختص العزل بالمعزول، وبقي العازل، واقتسامهما المال كاقتسام سائر الشركاء، فإن خلطا رديئاً من أموال الربا بجيد، كزيت رديء بجيد، قسم بينهما على ما ذكرناه في باب التفليس (١)، ولو كان لهما دين على رجلين، فأراد أن ينفرد كل واحد منهما بما على أحد الرجلين، فإن جوزنا بيع الدين من غير المدين، فليشتر كل واحد منهما نصيب الآخر من الدين على أحد الرجلين بعين، فيصير مختصاً به.
فصل
في الشركة في المنافع
لا تصح الشركة بالمنافع لامتيازها، فلو كان لرجل بغل ولآخر راوية، فشاركهما من يسقي بالبغل والراوية على أن يكون الماء بينهم، لم تصح الشركة، فإذا استقى ماء مباحاً، فأصح الطريقين أنه إن نوى نفسه، اختص بالماء اتفاقاً، وعليه أجرة البغل والراوية، وكذلك يلزمه الأجرة إن استقى من ماءٍ يملكه.
وإن نوى نفسه وصاحبيه، فهل يشاركانه في الماء؟ فيه وجهان: فإن منعنا المشاركة، لزمته الأجرة، وإن أثبتنا المشاركة، فالماء بينهم أثلاثاً. وقيل: