الخمسة، ولو ادعى ضمان عشرة، فشهد أحدهما بذلك، وشهد الآخر بضمان خمسة، فإن حلف، استحق العشرة، وإن لم يحلف، لم يستحقها. وهل يستحق خمسة؟ فيه وجهان.
ولو ادعى عشرة عن ضمان، فشهد أحدهما أنه ضمنها عن زيد بن خالد بن بكر، وقال الآخر: ضمنها عن رجل أعرف عينه دون نسبه، ثبتت العشرة. وأبعد من قال: لا تثبت.
ولو ادعى أنه ضمن له عن زيد بن خالد، فشهد اثنان أنه أقر بضمان العشرة، ولم يتعرضا لاسم الأصيل، فالمذهب ثبوت العشرة. وأبعد من طرد فيها الوجه المذكور في الصورة السابقة.
***
стр. 3432
كتاب الشركة
٤٣١٦ - لا يصح من الشِّرَك إلا شركة العِنان، وأبعد من أجاز شركة الأبدان، وهي الاشتراك في الصنائع والأعمال، وشركةُ الوجوه، كالقراض الفاسد، وهي أن يكون لأحدهما مال، وللآخر خبرة بالتجارة ووجهٌ عند التجار، فيشتركان على أن يكون المال من أحدهما والعمل من الآخر، ولا يسلم إليه المال.
وشركة المفاوضة أن يتشاركا في الغرم والغنم من غير خلط في المال.
وتجوز شركة العنان بالنقدين، وفي غيرهما من العروض وجهان، والفتوى بالصحة.
ولا خلاف أنها لا تتم إلا بخلط المال بشيوعٍ حكمي، أو خلط حسّي، لا يمكن معه التمييز في الحس والعِيان، فلا يتأتى ذلك بين الصحيح والمكسر، والعتيق والحادث، والمختلف النقوش والألوان، وإن تعذر التمييز لكثرة المخالط. فإن اختلف الجنس، فلا شركة، كالسمسم مع الكتان.
وإن اتحد الجنس واختلف النوع: كالبرّ الأصفر مع الأحمر، فوجهان: والأوجه المنع.
وإن استوى عرْضان في الوصف والقيمة، والْتبس أحدهما بالآخر التباساً مأيوس الزوال، فلا شركة (١).
стр. 3433
فصل
فيما يشترط في شركة العنان
٤٣١٧ - حقيقة الشركة اختلاط المال، ويشترط الإذن في التصرف من الجانبين، أو من أحدهما، فإن كان الإذن من أحدهما، فللآخر أن يتصرف في نصيب نفسه، وهل يملكان التصرف بقولهما: "اشتركنا"؟ فيه وجهان. ولا يشترط التساوي في قدر المال، خلافاً للأنماطي، وفي اشتراط علمهما بقدر المالين وجهان. وشرط العلماء في الشركة أن تعقد بعد اختلاط المال، فإن تقدم العقد على الخلط، لم يصح إذا وقع الخلط بعده. وفيما قالوه نظر؛ لأن إذنهما توكيل من الطرفين، فإن علقاه على الخلط، خرج على تعليق التوكيل. وإن نجزاه، فالوجه القطع بصحته واستمراره إلى ما بعد الخلط، إلا أن يشترطا إفراد كل واحد من النصيبين بالتصرف.
فرع:
٤٣١٨ - إذا كان التصرف من الجانبين، لم يشترط انفراد أحدهما باليد، وإن كان من أحدهما، فوجهان، بناهما الإمام على الخلاف في شرط الزيادة (١) للمنفرد بالتصرف، فإن منعناه، لم يشترط انفراده باليد، وإن أجزناه، فإن لم يشترطاه، فلا يشترط الانفراد باليد، وإن شرطاه، ففي الانفراد باليد الوجهان.
فرع:
٤٣١٩ - إذا باع أحد الشريكين العبد بإذن شريكه، مع جهلهما بقدر ملكهما، ففي صحة البيع وجهان: فإن قلنا: يصح، تعدى الابهام إلى الثمن.
فصل
في توزيع الربح والخسارة على رؤوس الأموال
٤٣٢٠ - وضع الشركة على توكيل بالتصرف مضافٍ إلى التصرف بالملك. ولا تتغير بها القواعد، فيجب توزيع الربح والخسارة على رؤوس الأموال، فإن شرطا تفاوتاً، فإن كان التفاوت في الخسران، بطل الشرط، كأن كان في الربح، فإن استويا في
стр. 3434
العمل، وقدر المال، بطل الشرط، وإن استويا في المال، وتفاوتا في العمل، فإن شرطت الزيادة لمن زاد عمله، ففي ثبوتها وجهان: أقيسهما - الثبوت؛ لمقابلتها بالعمل، فإن قلنا: لا تثبت، فانفرد أحدهما بالعمل، أو بزيادة فيه، فإن صرحا بالتوزيع على الأموال، فالعامل متبرع، وإن أطلقا الشركة على أن ينفرد أحدهما بالعمل، أو بزيادة فيه، فهل يلحق بمن استعمل إنساناً، ولم يُسمّ له أجرة؟ فيه وجهان والفرق جريان العادة بتسامح الشركاء في الأعمال.
فصل
في حكم الشرط الفاسد
٤٣٢١ - إذا فسد اشتراط التفاوت في الربح، ففي فساد الشركة وجهان. والمعظم على نفي الفساد؛ للاتفاق على تنفيذ التصرف وتوزيع الأرباح على رؤوس الأموال.
وقال أبو علي: يظهر أثر الفساد في حكمٍ واحد، وهو إذا استوى المال، وشرطت الزيادة لمن زاد عمله، ثم فسدت الشركة بسبب من الأسباب؛ فإنه يستحق أجرة المثل لما عمل على نصيب شريكه، ولا يستحق الزيادة المشروطة، ولو فسدت الشركة، وقد زاد عمل أحدهما، ولم يشترط له شيء، فالأصح أنه لا أجرة له، فإن أوجبناها، فقد ظهر الفرق بين الشركة الصحيحة والفاسدة. ولو استويا عملاً ومالاً، لم يظهر فائدة الفساد إلا على منع التقاصّ، ولا خلاف أن الشركة لو صحت، لم يطالب أحدهما بأجرة عمله، ولا بزيادة.
وتنتفي الشركة بانتفاء الخلط، لأنه حقيقتها، ولذلك أبطلنا شركة الأبدان.
ولو اشتركا في التصرف، وشرط انفراد أحدهما باليد، فالشرط فاسد، وفي فساد الشركة الوجهان.
стр. 3435
فصل
في فسخ الشركلة وانفساخها
الشركة عقد جائز، لأنها توكيل من الجانبين، أو من أحدهما، فأيهما مات أو جن، انفسخت، فإن أراد الوارث تجديدها، فليعقدها مع الشريك الباقي، وينعزلان بقول أحدهما: فسخت الشركة.
ولو عزل أحدهما الآخر، اختص العزل بالمعزول، وبقي العازل، واقتسامهما المال كاقتسام سائر الشركاء، فإن خلطا رديئاً من أموال الربا بجيد، كزيت رديء بجيد، قسم بينهما على ما ذكرناه في باب التفليس (١)، ولو كان لهما دين على رجلين، فأراد أن ينفرد كل واحد منهما بما على أحد الرجلين، فإن جوزنا بيع الدين من غير المدين، فليشتر كل واحد منهما نصيب الآخر من الدين على أحد الرجلين بعين، فيصير مختصاً به.
فصل
في الشركة في المنافع
لا تصح الشركة بالمنافع لامتيازها، فلو كان لرجل بغل ولآخر راوية، فشاركهما من يسقي بالبغل والراوية على أن يكون الماء بينهم، لم تصح الشركة، فإذا استقى ماء مباحاً، فأصح الطريقين أنه إن نوى نفسه، اختص بالماء اتفاقاً، وعليه أجرة البغل والراوية، وكذلك يلزمه الأجرة إن استقى من ماءٍ يملكه.
وإن نوى نفسه وصاحبيه، فهل يشاركانه في الماء؟ فيه وجهان: فإن منعنا المشاركة، لزمته الأجرة، وإن أثبتنا المشاركة، فالماء بينهم أثلاثاً. وقيل:
стр. 3436
يشتركون فيه على قدر الأجور، فإن ثلَّثناه، فلا تراجع، وإن وزعناه على الأجور، فيرجع كل واحد على كل واحد من صاحبيه بثلث أجرة المثل لما بذل. والطريقة الثانية - فيه للشافعي ثلاثة نصوص-: أحدها - اختصاص الماء بالمستقي، والثاني - يتشاركون فيه، ويتراجعون بالأجور ثُلثاً ثُلثاً، والثالث - التقسيط على قدر الأجور.
وهذا تخليط لا يصح.
فرع:
٤٣٢٢ - إذا استأجر رجل بغلاً وراوية ومُسقياً لاستقاء ماء مباح، فإن أفردت كل منفعة بإجارة، صح، ووقع الماء للمستأجر -وإن نوى الأجير نفسه- لاستحقاق منافعه بالإيجار، وكذلك الإيجار لإحياء الموات، وتملك المباحات.
وإن استؤجر الجميع في صفقة واحدة، ففي صحة الإجارة قولان: فإن قلنا: تصح، وزع المسمى على قدر الأجور. وإن قلنا: لا تصح، فالذي ذكره أبو علي: أن الماء للمستأجر -وإن نوى الأجير نفسه- لأن منافعه مضمونة بالأجرة، وقال الإمام: إذا نوى نفسه، فالوجه إيقاع الماء له، وسقوط أجرته، وعليه أجرة البغل والراوية.
ولو كان لأحدهم بغل، وللآخر بيت رحا، ولآخر حجرها، فشاركهم رابع على أن يعمل والحاصل بينهم، لم يصح. فإن استؤجر العامل لطحنٍ في الذمة، فطَحَنه، استحق المسمى، وعليه الأجرة لأصحابه، ولذلك لو غصب البيت والحجر والبغل، أو استأجر ذلك إجارة صحيحة أو فاسدة؛ فإنه يستحق المسمى، وعليه أجرة المثل، في الغصب والإجارة الفاسدة، والمسمى في الإجارة الصحيحة، وإن أوقع الإجارة على عين الطاحن والبيت والرحا، صح إن كان في عقودٍ، وإن كان في عقدٍ، فقولان. فلو ألزم ذمم الأربعة طحن حب معلوم، صح اتفاقاًً. فإن وقع الطحن بالأعيان التي اشتركوا عليها، استحقوا المسمى أرباعاً، ولكل واحد على أصحابه ثلاثة أرباع أجرة المثل.
стр. 3437
فصل
في الشركلة بالمنافع والأعيان
٤٣٢٣ - ولو كان لأحدهم أرض، وللآخر بَذْر (١)، وللثالث آلات الحرث، فشاركهم رابع على أن يزرع ويكون الزرع بينهم، لم يصح، والزرع لمالك البذر، وعليه لأصحابه كمال أجور الأمثال.
ولو كان لأحدهم ورق، وللآخر بزر القز (٢)، فشاركهما آخر، على أن يعمل ويكون الفَيْلَج (٣) بينهم، لم يصح. ولو اشتركوا في البزر، أو باع أحدهم بعض الدود من صاحبيه، اشتركوا في الفَيْلَج، ولا نظر إلى التفاوت فيما يخرج من الدود، كما لا ينظر في البذر المشترك إلى التفاوت فيما يُنبت وما لا ينبت.
فرع:
٤٣٢٤ - إذا استؤجر لتملكِ مباحٍ، كالاحتطاب والاحتشاش، جاز، وحصل الملك للمستأجر، وإن توكل في ذلك، فوجهان، خصهما الإمام بما إذا قصد بذلك موكله، وقطع بأنه إن قصد نفسه، ثبت الملك له، وفي احتطابه بغير إذنه تردّد، والظاهر حصوله للوكيل.
стр. 3438
فصل
في الاختلاف
٤٣٢٥ - إذا أراد أحدهما ردّ المبيع بالعيب، وأراد الآخر إمساكه، ففي انفراده بالردّ قولان، وإن غبن أحدهما في الشراء، فإن كان الثمن في الذمة، فالعقد له، وإن كان بالعين، لم يصح في نصيب شريكه، وفي نصيبه قولان، ولو تنازعا عيناً في يد أحدهما، فادعى الخارج أنها للشركة، وقال ذو اليد: بل هي لي، فالقول قول ذي اليد، مع يمينه، فإن كان المال عشرين، وفي يد أحدهما عشرة، يدعي أنها حصلت له بالقسمة، وأنه سلم إلى الآخر عشرة، فالقول قول الخارج في نفي القسمة، وقول الداخل في الخمسة التي ادعى ردّها إليه من جملة العشرة، وتقسم العشرة التي في يده بينهما، بعد أن يحلف كل واحد منهما على نفي ما ادعى عليه.
فصل
في أمانة الشركاء
٤٣٢٦ - الشركاء أمناء يقبل قولهم في دعوى الرد والتلف، ومن ادعى منهم خيانة مطلقة، لم تسمع، وإن فصَّل، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه.
ولو باع أحدهما عيناً، فادعى المشتري أنه أقبضه الثمن، فصدقه الشريك الآخر، وأنكر البائع، فالقول قول الشريك البائع، فإن حلف، فله طلب حصته دون حصة شريكه؛ لاعتراف الشريك ببراءة المشتري، وليس للشريك أن يساهم البائع فيما يأخذه من الثمن، فإن شهد الشريك على البائع بالقبض، لم تُقبل شهادته فيما يخصه، وفيما يخص البائع قولا تبعيض الشهادة، وإن نكل البائع عن اليمين، عرضت على المشتري، فإن حلف، برىء، وإن نكل، فهو كحلف البائع، هذا إذا تنازع البائع والمشتري.
ولو تنازع البائع والشريك، فالقول قول البائع، فإن نكل، عرضت اليمين على
стр. 3439
الشريك، فإن نكل، كان كحلف البائع، وإن حلف، طلب حصته من البائع، وللبائع مطالبة المشتري بحصته من الثمن على قول الكافة، وقيل: لا يطالب؛ لأن نكوله مع اليمين كبينة أو إقرار، وأيهما كان، امتنع به الطلب والخصام، وهذا غريب منقاس، ومقتضاه أن الخصام لو وقع في الابتداء مع المشتري، فحلف المشتري يمين الرد بعد نكول البائع، فينبغي أن يطالب الشريك بحصته من الثمن؛ لأن يمين الرد كبيّنة أو إقرار.
ولو أذن أحدهما للآخر في البيع، وقبض الثمن، ولم يأذن الآخر في ذلك، فادعى المشتري دفع الثمن إلى الآذن، وصدقه المأذون، فالقول قول الآذن، وللمأذون طلب حصته من المشتري بكل حال؛ لأنه لم يأذن لشريكه في القبض، وليس له طلب نصيب الآذن، فإذا قبض المأذون نصيب نفسه، فلشريكه أن يساهمه فيه عند المزني، وقال ابن سُريْج: لا يساهمه؛ لأنه اعترف بانعزاله بالقبض، قال الشيخ (١): وإن انعزل المأذون كما قال ابن سريج، فينبغي أن يخرج ذلك على ما إذا باعا شيئاًً صفقة واحدة، وقبض أحدهما نصيبه من الثمن، فهل يساهمه الآخر؟ فيه وجهان، ولو شهد البائع على الإذن بقبض جميع الثمن، قبلت شهادته؛ إذ لا جَرَّ فيها.
فصل
في بيع الجزء الشائع وغصبه والإقرار به
٤٣٢٧ - إذا قال أحد الشريكين للمشتري: بعتك نصفي، أو حصتي من هذا العبد، صح، وانحصر البيع في نصيب البائع، وإن قال: بعتك نصف العبد، فهل ينحصر أو يشيع في النصفين؟ فيه وجهان: فإن أشعناه، بطل بيع ربع العبد، وفي الربع الآخر قولا تفريق الصفقة.
стр. 3440
وإن أطلق أحدهما الإقرار بالنصف، فإن أشعنا البيع، فالإقرار أولى، وإن حصرناه، شاع الإقرار في أصح الوجهين، وإن أطلق، فروجع، فحصر الإقرار في نصيب الشريك، قُبل عند أبي محمد، واستبعده الإمام.
وقد نص الشافعي، واتفق أصحابه على تصور غصب الجزء الشائع؛ إذ الغصب إزالة يد محقة، وإحداث يد عادية، فإذا أزال الغاصب يد الشريك، وأحل نفسه محله، ولم يتعرض لنصيب الآخر، فقد غصب النصف، فإن باعه، خرج على الوقف، وإن باع الجميع هو والشريك الآخر من شخص واحد، فقد قطعوا بالنفوذ في حصة الشريك البائع، لاتفاقهم على تعدد الصفقة بتعدد البائع، وقيل: لا يصح لاشتمال القبول على الصحيح والفاسد مع اتحاده، وهذه هفوة.
***
стр. 3441
كتاب الوكالة
٤٣٢٨ - تصح الوكالة بإجماع العلماء، ولا تصح فيما لا تطرق للنيابة إليه، كعبادات الأبدان، إلا الحج، وركعتي الطواف، إذا أتى بهما الأجير على الحج، وفي الصوم خلاف، ويصح في كل ما تتطرق إليه النيابة، ويقع معظم نفعه للموكِّل، كالعقود، والفسوخ، والطلاق، والعتاق، والرجعة، والنكاح، والصلح، والسلم، والرهن، والحوالة، والقبوض المستحقة، والعواري، وقبول الهبات.
وفي تملك المباح وجهان.
ولا يجوز في الإيلاء؛ لأنه يمين، ولا نيابة في الأيمان، وفي الظهار جوابان، مأخذهما تغليب الطلاق أو الأَيْمان.
والوجه القطع بالتصحيح في الإيصاء والضمان.
ولا يجوز في الغصب، والعدوان، فإن غصب ما أذن له فيه، اختص بأحكام الغصب والضمان.
ويجوز في إثبات القصاص، وحد القذف اتفاقاً، وكذلك في استيفائهما إن حضر الموكِّل، وإن غاب، ففيه -لاختلاف النص- طريقان: إحداهما - المنع، قولاً واحداً، والثانية - فيه قولان.
والمذهب منع التوكيل في طلاق امرأة سينكحها.
وأصح الوجهين بطلان التوكيل في الإقرار، وبه قطع المراوزة. فإن قلنا: يصح، فقال: أقرّ عني لزيد بعشرة، لم يكن التوكيل إقراراً، وإن عزله، امتنع الإقرار.
وإن قلنا: لا يصح، فالأصح أن نفس التوكيل إقرار، فإن قال: أقر عني لفلان بشيء، فهو كقوله: "له علي شيء". ولو قال: أقرّ لزيد، واقتصر، فوجهان، وقطع العراقيون بأنه ليس بإقرار؛ إذ يحتمل أقر له بالفضل والإحسان.
стр. 3442
فصل
فيمن يجوز توكيله وتوكُّله
٤٣٢٩ - كل من ملك مباشرة أمرٍ لنفسه، وهو مما يقبل النيابة، جاز أن يوكل فيه، وكل من باشر لنفسه أمراً يقبل النيابة، جاز أن يتوكل فيه، وهذا مطرد، واستثنى من عكسه مسائل، فالعبد والسفيه لا يتزوجان بغير إذن السيد والولي، ولو توكّلا فيه بغير إذنٍ، جاز، على المذهب. ولو توكلا في الإنكاح، لم يجز، على المذهب؛ إذ لا يملكانه بالإذن. وفي توكيل المرأة في طلاق غيرها وجهان. والمحجور بالفلس لا يتصرف في أمواله، وإن توكل فيما لا عهدة فيه، جاز، وكذلك فيما فيه العهدة، على المذهب.
فصل
في التوكيل في المخاصمة
٤٣٣٠ - لا يشترط في التوكيل في الخصام رضا الخصم، رجلاً كان، أو امرأة، مخدَّرة أو غير مخدّرة، ويدخل تحت لفظ الخصومة إقامة البينة، وسماعُها وجرحُها، واستزكاؤها، فإن استثنى الموكل شيئاً من ذلك، لم يملكه الوكيل، ولا يملك المصالحة وإن جاز التوكيل في صلح المعاوضة والحطيطة. وليس له أن يقبض الحق إذا ثبت، على أصح الطريقين؛ إذ لا يعدّ من الخصام، وقيل: فيه وجهان. ولو توكل في قبض حق، فاحتاج إلى الخصام، فهل له ذلك؟ فيه وجهان.
وإن توكل بالمخاصمة من الجانبين، لم يجز، على الأصح، فإن أجزناه، فليفرغ من حجة أحدهما، ثم يشتغل بحجة الآخر.
وإن وكل اثنين بالمخاصمة، فهل لأحدهما الانفراد؟ فيه وجهان: فإن منعناه، لم يخاصم إلا بحضور صاحبه؛ إذ الغرض بذكرهما حضورهما للتشاور والتناصر، وكذلك الغرض من كل ما يفوض إلى اثنين على الإطلاق، كالوكالة والوصاية، وسائر التصرفات.
стр. 3443
ولو توكل في مجلس الحكم، فله أن يخاصم فيه، وفي غيره من المجالس في الاستقبال. وقال القاضي: يتخصص ذلك بمجلس التوكيل، على مصطلح القضاة، وليس الأمر كما قال.
وإن وكله في مخاصمة خصمائه، ولم يعين، صح في جميع الخصومات، وقيل: لا يصح؛ للجهالة.
وإن ادعى أنه وكيل زيد في مخاصمة عمرو، فإن صدقه عمرو، ثبتت بذلك الوكالة، واطرد الخصام، فإن كان عمرو مدعىً عليه، لم يملك الامتناع من المخاصمة إلى أن يحضر الموكل، وإن كان مدعياً، فله أن يخاصم وأن يؤخر، وإن كذبه عمرو، لزمه الإثبات، وتسمع بينته في حضور الخصم، وغيبته. وقال القاضي: لا بد أن ينصب القاضي من يسمع البينة في مسألة الغيبة؛ إذ لا بدّ من مقضي عليه بخلاف القضاء على الغائب؛ فإنه يتوجه إليه، بخلاف الوكالة؛ فإن إثباتها ليس قضاء على الغائب، ولا أصل لما قال.
فرع:
٤٣٣١ - إذا وكل في مجلس القضاء، فللوكيل أن يخاصم عنه ما دام حاضراً، وإن غاب، لم يخاصم، إلا أن يعرفه الحاكم بنسبه، ولا يجوز أن يعتمد على قوله في نسبه، فإن أقام بينة بالنسب، سُمعت، ووجب استزكاؤها. وقال القاضي: جرت عادة القضاة بترك الاستزكاء هاهنا؛ اعتماداً على ظاهر عدالة الشاهدين، وهذا مما تفرّد به؛ فلا تخرم به الأصول.
فصل
في قبول الوكالة
لا تفتقر الإباحة إلى قبول المباح له، ولا تبطل برده، وفي اشتراط قبول الوكالة طريقان: إحداهما - وجهان. والثانية - لا يشترط إن كانت بلفظ الأمر، وإن كانت بلفظ التوكيل، أو الإنابة أو التفويض، فوجهان، ولو عزل نفسه، انعزل اتفاقاًً.
فرع:
٤٣٣٢ - إذا شرطنا القبول، فلا بدّ أن يتصل بالإيجاب، فإن كتب الغائب بالوكالة، نفذت على الأصح.
стр. 3444
فإن لم نشترط القبول، نفذ تصرف إلوكيل، وإن شرطناه، فليقبل إذا عرف مضمون الكتاب.
فصل
في تعليق الوكالة
٤٣٣٣ - إذا علق الوكالة بصفةٍ أو وقت، فطريقان: أحسنهما - أنا إن شرطنا القبول، لم يجز، وإن لم نشترطه، جاز. والثانية - إن لم نشترطه، جاز، وإن شرطناه، فوجهان.
ولو عجل التوكيل، وعلّق التصرف، جاز، ولا يتصرف قبل وجود الشرط، ورمز العراقيون إلى تخريجه على الخلاف في التعليق، إذ لا معنى للوكالة مع منع التصرف.
فرع:
٤٣٣٤ - إذا منعنا التعليق، فتصرف الوكيل بعد وجود الشرط، نفذ عند العراقيين، ويسقط المسمى، ويجب أَجْر المثل. ومنعه أبو محمد، وقال الإمام: إن وكل بصيغة التوكيل، لم ينفذ إن شرطنا القبول، وإن وكل بصيغة الأمر، نفذ إن لم نشترط القبول.
فرع:
٤٣٣٥ - إذا لم نشترط القبول، ففي اشتراط علم الوكيل بالوكالة خلاف مرتب على العلم بالعزل، وأولى بالاشتراط، فإن شرطناه، فهل يشترط أن يقترن بالوكالة؟ فيه وجهان. فإن لم نشترط الاقتران، فتصرف قبل العلم، ففي نفوذ تصرفه قولان، كما لو باع مال أبيه على ظن حياته، فظهرت وفاته.
فصل
في العزل
٤٣٣٦ - لا يقف العزل على القبول اتفاقاًً، ولا على علم الوكيل على الأصح، وفيه قول مخرّج. وإن مات الموكل أو جن، أو أَعْتَق العبد الذي وكَّل في بيعه، أو باعه بيعاً لازماً، ولم يشعر الوكيل، نفذ التصرف، وانعزل الوكيل.
стр. 3445
ولا ينعزل الحاكم قبل بلوغ الخبر؛ لما في ذلك من الضرر، وقيل: فيه القولان.
فرع:
٤٣٣٧ - إذا لم نشترط العلم بالعزل، فتصرف الوكيل، فادعى الموكل أنه عزله قبل التصرف، لم يقبل إلا ببيّنة.
فرع:
٤٣٣٨ - في تعليق العزل خلاف مرتب على تعليق الوكالة، والأصح الجواز.
فرع:
٤٣٣٩ - إذا جوزنا التعليق، فقال: مهما عزلتك، فأنت وكيلي، ثم
عزله، عاد التوكيل، فإن عزله ثانياً، لم تعد الوكالة، إلا إذا قال: كلما عزلتك، فأنت وكيلي، فيتكرر التوكيل بتكرر العزل.
فإن عزله في غيبته، فإن شرطنا العلم بالعزل، فالوكالة بحالها، وإن لم نشترطه، فهل تعود الوكالة، أو تخرج على الخلاف في اشتراط علم الوكيل؟ فيه وجهان؛ لأن الوكيل قد أمن من اطراد العزل.
فرع:
٤٣٤٠ - إذا حكمنا بعود التوكيل بعد العزل، فصادف التصرف وقت الانعزال، ففي نفوذه وجهان. وإن شككنا في ذلك، أو اختلفا فيه، فالأصل بقاء التوكيل.
فرع:
٤٣٤١ - إذا حكمنا بتكرر الوكالة إذا تكرر العزل، فالخلاص منها بأن يقول: كلما وكلتك، فأنت معزول.
فصل
في إقرار الوكيل على الموكل
٤٣٤٢ - إذا توكل بالمخاصمة لمدعٍ، أو مدعىً عليه، لم يقبل إقراره عليه، ولو عدّل وكيل المدعى عليه ببينة المدعي، لم يقبل؛ لأنه يقطع الخصومة كالإقرار، وليس للوكيل أن يختار قطع الخصام.
стр. 3446
فصل
في التوكيل في الإبراء
٤٣٤٣ - إذا قال: أبرأتك مما لي عليك، وهو عالم بقدره، صحّ، وإن لم يصرح بذكر المقدار، كما لو قال: بعتك بما باع به فلان، ويشترط في الإبراء معرفة الموكل لما يبرىء منه، دون الوكيل، فإذا قال: أبرأتك مما لموكلي عليك، صح، وإن جهله الوكيل، بخلاف البيع؛ فإن عهدته تتعلق بالوكيل.
فصل
في توكيل الوكيل
٤٣٤٤ - إذا وكل إنساناً بتصرفاتٍ أو خصومة، فإن تيسّر عليه تعاطي ذلك، لم يملك التوكيل فيه اتفاقاًً، وإن عسر، فطرُقٌ: إحداهن - التجويز فيما يعسُر منه، وفي المتيسر وجهان. والثانية - المنع في المتيسر، وفي المتعسر وجهان. والثالثة - في الجميع وجهان: أحدهما - الجواز في الكل، وفيما شاء منه، والثاني - المنع في الكل، والجواز في البعض، والتعيين إليه، وهل يعتبر في العُسر عظم المشقة، أو عدم الإمكان؟ فيه وجهان.
فرع:
٤٣٤٥ - توكيل العبد المأذون كتوكيل الوكيل، في الخلاف والوفاق، وللوصي، والمقارض، والولي المجبِر أن يوكّلوا وفي غير المجبر خلاف.
فصل
في التوكيل بإذن الموكل
٤٣٤٦ - يجوز التوكيل بالوكالة، فإذا وكله بتصرف، وأذن له أن يوكل فيه، فله أحوال: الأولى - أن يقول: وكل عني فيما وكلتك فيه، فيكون الوكيل الثاني وكيلاً عن المالك، لا ينعزل بانعزال الأول بحال.
стр. 3447
الثانية - أن يقول: وكل عن نفسك، فهل يملك الأول عزل الثاني؟ فيه وجهان، يعبر عنهما بأنه وكيل عنه أو عن المالك، فإن جوزنا له عزله، انعزل بموته وجنونه، وإن منعناه من عزله، ففي انعزاله بموته وجنونه وجهان. ولو انعزل الأول بعزل المالك، ففي انعزال الثاني بذلك وجهان، اعتباراً بالموت والجنون. وإن عزل المالك الثاني، انعزل إن منعنا الأول من عزله. وإن أجزناه، فوجهان، فإن قلنا: لا ينفذ، فطريق الخلاص أن يعزل الأول، فينعزل الثاني بذلك.
الثالثة - أن يقول: وكلتك في التوكيل، ولا يزيد، فبأي الحالين يُلحق؟ فيه وجهان.
فرع:
٤٣٤٧ - إذا جوزنا للوكيل المطلق أن يوكل، فإن أضاف إلى الموكل، فهو كالحال الأولى، وإن أضاف إلى نفسه، فهو كالحال الثالثة.
فصل
في دعوى الأمين الرد على المؤتمن
٤٣٤٨ - كل أمين ادعى الرد على المؤتمن، فالقول قوله باتفاق الخراسانيين، وقال العراقيون: إن كان الغرض للأمين: كالمستأجر والمرتهن، فالقول قول المؤتمن.
وإن كان الغرض للمؤتمن كالوديعة والوكالة بغير جُعل، فالقول قول الأمين. وإن كان الغرض لهما كالوكيل بالجعل، فوجهان.
فرع:
٤٣٤٩ - كل أمين تلفت العين عنده بغير تفريط منه، لم يضمن، وكل أمين ادعى التلف، فالقول قوله باتفاق الخراسانيين، وقياس العراقيين إلحاق دعوى التلف بدعوى الرد، ويحتمل أن يفرقوا بين الرد والتلف.
стр. 3448
فصل
في دعوى الرد على غير المؤتمن
٤٣٥٠ - إذا ادعى الرد على غير المؤتمن، لم يقبل قوله إلا على وجه بعيد، كمن، التقط لقطة، أو أطارت إليه الريح ثوباً، فادعى الرد على المالك، لم يقبل، وكالقيم إذا ادعى الرد بعد البلوغ والرشد، فلا يقبل على الأصح، وإن ادعى النفقة في، الصغر، فإن ذكر سرفاً، ضمن، وإن ذكر اقتصاداً، قبل على الأصح.
فرع:
٤٣٥١ - من طولب بالدين، فله أن يمتنع من أدائه حتى يُشهد له بقبضه، وفي الوديعة وجهان. وقال العراقيون: لا يمتنع في الدين، إلا إذا كان به بينة.
فصل
في دعوى الرد على رسول المؤتمن
٤٣٥٢ - إذا ادعى الأمين الدفع إلى الرسول، واعترف المالك بالإرسال، وكذب، الأمين في الدفع، فالقول قول الرسول في عدم القبض، وفي تغريم الأمين وجهان؛ إذ يد الرسول كيد المرسل، وقطع الإمام بالتغريم؛ لأنه ادعى الرد على غير المؤتمن، وإن كذبه الرسول، وصدقه المالك، فإن قلنا: لا يغرم إذا كذبه المالك، فهاهنا أوْلى، وإن قلنا: يغرم ثمَّ، فهاهنا وجهان مشهوران لتقصيره بترك الإشهاد.
فصل
في التنازع في إيقاع التصرفات
٤٣٥٣ - إذا توكل بتصرف، أو أداء أمانة، أو دين، فادعى أنه فعل ذلك، وأنكره الموكل، ففي قبول قول الوكيل مع يمينه طريقان: إحداهما - ثلاثة أقوال: أحدها - لا يقبل في الجميع، لتعلقه بثالث، والثاني - يقبل حتى في أداء الديون والأمانات، والثالث - إن شابه لفظُ الدعوى لفظَ الإنشاء، قبل، وإلا فلا، فيقبل في العتق
стр. 3449
والطلاق، ولا يقبل في الاقتصاص. ولو قال: بعتُ، فالقياس أنه لا يقبل؛ إذ لا يستقل بالإنشاء من غير قبول.
والطريقة الثانية -وهي المشهورة- إن ادعى دفع دين أو أمانة، لم يقبل، على المذهب. وإن ادعى عقداً وهو باقٍ على الوكالة، قبل؛ لقدرته على الإنشاء.
فرع:
٤٣٥٤ - إذا صدقه المالك على قضاء الدين، ولكنه، لم يُشهد، لزمه الضمان، إلا على قول بعيد. وقال العراقيون: إذا جحد القابض، فإن ترك الإشهاد في غيبة الموكل، ضمن، وإن تركه بحضرته، فوجهان. وإن دفع الوديعة بحضوره، لم يضمن، وفي الغيبة أوجه: ثالثها - التفرقة بين أن يدفعها في مكانٍ يتعذر فيه الإشهاد، أو يتيسر.
فصل
في التنازع في قبض الديون والأثمان
٤٣٥٥ - إذا توكل في قبض دين، فادعى أنه قبضه، وأنه تلف في يده، فقال الموكل: لم تقبضه، فالقول قول الموكل؛ إذ لا غرم على الوكيل، ولا خصومة معه، وللموكل أن يطالب المدين بالدين، بخلاف ما لو اتفقا على الاستيفاء، ثم اختلفا في الرد أو التلف، فالقول قول الوكيل؛ فإنا لو كذبناه، لغرمناه.
ولو سلَّم المبيع بإذن الموكل، أو كان البيع بالمؤجل، فسلم المبيع، ثم ادعى أنه قبض الثمن، فالقول قول الموكل، فإن اتفقا على قبضه، ثم اختلفا في تلفه أو ردّه على الموكل، فالقول قول الوكيل؛ فإن البيع إذا كان مطلقاً أو مقيداً بالحلول، فسلّم المبيع قبل قبض الثمن، لزمه الأقل من قيمة المبيع أو الثمن، فإذا ادعى الموكل أنه سلمه، فأنكر، فالقول قول الوكيل؛ لأنا لو كذبناه، لغرمناه، وليس للموكل مطالبة المشتري بالثمن على الأصح؛ لتعلق الخصومة بالوكيل، بخلاف ما ذكرناه في الدين، فإن قلنا: لا يطالبه بالثمن، فرد المشتري المبيع بالعيب، فله طلب الثمن من المالك والوكيل، فإن غرّم الوكيل، لم يرجع على المالك؛ لأن يمينه صلحت للدفع دون الإثبات، فأشبه ما لو اختلف المتبايعان في عيب ممكن الحدوث، فحلف
стр. 3450
البائع، ثم انفسخ البيع بالتحالف، فليس له أن يغرّم المشتري أرش العيب الحادث اتفاقاًً، إلا أن في صورة الوكالة إشكالاً، من جهة أنا قد برّأنا المشتري من الثمن، وصدقنا الوكيل في قبضه وتلفه أو ردّه على المالك، وذلك يقتضي الرجوع على المالك، ولا يتجه منع الرجوع إلا إذا جوزنا مطالبة المشتري بالثمن.
فصل
فيمن طولب بأمانةٍ فأخّر ردها
٤٣٥٦ - كل من طولب بأمانة، لم يجز له تأخير ردها إلا بعذر، فإن أخر بغير عذر، ضمن، وإن كان مشتغلاً بأكل، أو طهارة، أو حمّام، لم يلزمه القطع، فإن تلفت في هذه الحال، لم يضمن عند الأصحاب، وقال الإمام: إن تلفت بسببٍ تتلف به لو كانت عند المالك، لم يضمن، وإن تلفت بسبب التأخير، ضمن.
فرع:
٤٣٥٧ - إذا ادعى المالك تأخيراً لا عذر فيه، أو اتفقا على التأخير، وادعى
المالك نفي العذر، فالقول قول الأمين.
فصل
فيمن جحد الأمانة، ثم ادعى ردّها أو تلفها
٤٣٥٨ - إذا ادعى عليه بوديعة أو قَبْض ثمن توكل في قبضه، فأنكر، فله حالان: إحداهما - أن يقول: ما لك عندي شيء، أو لا يلزمني تسليم ما ادعيت، ثم تقوم عليه البينة بالاستيداع وقبض الثمن، فيدعي الرد أو التلف، فالقول قوله مع يمينه، فإن أضاف التلف إلى ما بعد الإنكار، لزمه الضمان.
الثانية - أن يقول: ما استودعتُ، ولا قبضتُ، فتقوم البينة عليه بذلك، فيدعي الرد أو التلف، فإن أضافهما إلى ما قبل الإنكار، لم يقبل قوله، فإن أقام بينة، لم تسمع على أظهر الوجهين؛ لأنه كذبها بالإنكار، وإن أضاف التلف إلى ما بعد الإنكار، قبل قوله، كالغاصب، وعليه الضمان. وإن أضاف الرد إلى ما بعد
стр. 3451
الإنكار، لم يقبل قوله، فإن أقام بيّنة، فقد سمعها الأصحاب، وخرجها الإمام على الخلاف لإكذابها بسابق الإنكار.
فصل
في مخالفة الوكيل ما يقتضيه اللفظ أو العرف
٤٣٥٩ - إذا قال: اشتر بهذه الدراهم، وجب الشراء بعينها، فإن خالف، انصرف العقد إليه. وإن قال: اشتر في الذمة، وانقد فيه هذه الدراهم بعد اللزوم، فاشترى بعينها، لم ينعقد، على الأصح.
وليس للوكيل أن يبيع، ولا أن يشتري من نفسه اتفاقاً، وإن نص له على ذلك، فوجهان أجراهما ابن سريج في كل عقد مفتقر إلى الإيجاب والقبول، فإن أذنت المرأة لابن عمها أن يتزوجها متولياً للطرفين، أو توكل في جلد نفسه حدّاً، أو في قطع يده قصاصاً أو حداً، ففيه الوجهان، وهو بعيد في النكاح؛ لما فيه من التعبد، وفي الجلد، لما فيه من التهمة.
وإن كان عليه دين، فتوكل في قبضة من نفسه، فعلى الوجهين عند الإمام، وإن توكل في إبراء نفسه منه، صح، وفي طريقة العراق وجهان، ولا وجه للمنع إلا إذا شرطنا القبول في الإبراء.
وعلى الوكيل المطلق أن يبيع بثمن المثل حالاً من نقد البلد، فإن باع بنسيئة من مليء وفيٍّ، أو باع بالغبن أو بغير الغالب في البلد، لم يصح، والغبن هو النقص الظاهر الذي يعدّ به حاطّاً من ثمن المثل، وإن باع ما يساوي مائة بنقص درهم، صح؛ لأنه يعدّ ثمن المثل أيضاً.
وإن كان في البلد نقدان غالبان، فباع بهما أو بأحدهما، صح، وتردد بعضهم في البيع بهما، ولو باع أو اشترى بشرط الخيار، ففي الصحة طريقان: إحداهما - إن شرطه في البيع للمشتري، لم يصح، وإن شرطه لنفسه، فوجهان، وإن شرطه في الشراء لنفسه، جاز، وإن شرطه للبائع، فوجهان. والطريقة الثانية -وعليها الجمهور- فيه أوجه: ثالثها - إن اختص بالخيار، صح، وإلا، فلا.
стр. 3452
وإن أذن في البيع بأجلٍ ثمنُ المثل فيه مائة، فباع بالمائة حالاً، فوجهان. وإن باعه بتسعين حالاً، لم يجز، وإن قال: اشترِ بمائة حالة، فاشترى بمائة نسيئة، فلأيهما يقع؟ فيه وجهان، وإن اشتراه بمائة وعشرة مؤجلة، وقع للوكيل.
فصل
فيما يعد مخالفة وموافقة
٤٣٦٠ - إذا باع بثمن المثل، أو أكثر، أو اشترى بثمن المثل، أو أقلّ، نفذ للموكل، وإن اشترى بأكثر من ثمن المثل، انصرف العقد إليه، وإن قال: بع بمائة، فباع بمائتين من جنس المأذون، صح اتفاقاً، وإن باع بجنس آخر، لم يصح، فإن أذن في البيع بمائة درهم، فباع بمائة ديناًر، لم يصح. وإن قال: بع بمائة، ولا تزد، أو قال: اشترِ بمائة، ولا تنقص، فزاد في البيع، أو نقص في الشراء، فوجهان. قال الإمام: إن نص على ذلك نصاً لا يحتمل التأويل، لم يصح، وإن احتمل تأويله بأني لا أكلفك مشقة في تحصيل الزيادة، ونحو ذلك، ففيه الوجهان. وإن قال: اشتر عشرة أعبد، فاشتراهم في عشرة عقود، أو في صفقة واحدة، صح. وإن اشتراهم دفعة واحدة من رجلين: لكل واحدٍ منهما خمسة، وقلنا: يصح هذا البيع، مع ما فيه من جهالة الثمن، وقع للموكل، وإن قال: اشترهم صفقة واحدة، فاشتراهم بعقود، لم ينفذ للموكل، وإن اشتراهم من اثنين بقبول واحد، فوجهان، وإن قال: اشتر عبداً بعشرة، فاشترى نصفه بأربعة، أو اشترى النصفين بثمانية في عقدين، لم ينفذ للموكل.
فصل
في اختلاف الوكيل والموكل في الثمن
٤٣٦١ - إذا اشترى جارية بعشرين، فقال الموكل: إنما أذنت في الشراء بعشرة، فقال الوكيل: بل بالعشرين، فالقول قول الموكل، وينصرف العقد إلى الوكيل إن وقع على الذمة، وإن وقع على العين، بطل. فإن لم يعترف البائع بالوكالة، وحلف على نفي العلم، أخذ العشرين التي تناولها العقد، وغرمها الوكيل للموكّل. وينبغي
стр. 3453
للحاكم (١) أن يقول للموكل: لا يضرك أن تقول للموكل: بعتك الجارية بعشرين، فإن أجاب، صح البيع، وحلت الجارية للوكيل، ولا يكون ذلك إقراراً من البائع، على النص، وللوقف في هذا العقد احتمال ظاهر. وإن امتنع من البيع، فهل يجوز للوكيل وطء الجارية؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها - لا تحل له إلا أن يضرب عن الخصام.
والثاني - يجوز؛ بناء على أن العقد يقع له، ثم ينصرف إلى الموكل، وهذا لا يصح في الثمن المعين، وإن كان في الذمة، لم يصح أيضاً إلا على قول أبي حنيفة.
والثالث - التخريج على الظفر بمال الظالم، فإن منعناه، لم يتصرف في الجارية، ويخرج على هذا وجه: أن الحاكم ينتزعها ليحفظها حِفْظ ما لا يعرف مالكه. وقال الإمام: إن كان الوكيل صادقاً في الباطن، خرج على الظفر بمال الظالم، وإن كان كاذباً، فلا تعلق له بالجارية، إذ لا حق له على مالكها.
فصل
فيمن يوكل في تزوج أو شراء، فيقبل غير ما أذن فيه
٤٣٦٢ - صيغة النكاح بالتوكيل أن يقول الموجب: زوجت فلانة من فلان، فيقول الوكيل: قبلت نكاحها لفلان. وفي انعقاد البيع بمثل هذه الصيغة وجهان، وقطع الصيدلاني بالمنع، فإن أجزناه، لم تتعلق العهدة بالوكيل. وإن توكّل بقبول امرأة معينة، فقبل للموكل نكاح غيرها، لم يقع العقد للموكل، ولا للوكيل، وإن توكل بشراء جارية معينة، فاشترى غيرها، ونوى الموكل، فإن كان الثمن في الذمة، فإن منعنا وقف العقود، انصرف العقد إليه، وإن صرح بإضافته إلى الموكل، فهل يبطل، أو يقع للوكيل؟ فيه وجهان.
стр. 3454
فصل
في دفع الحق إلى من يدّعي أنه وارث المستحق أو وكيله
٤٣٦٣ - إذا كان بيده حق، فادعى عليه مدعٍ أنه وكيل في قبضه، فدفعه إليه، فتلف عنده، فأنكر المستحق الوكالة، وحلف، فله أن يغرّم القابض، والدافع، ولا يرجع واحد منهما على الآخر، إن تصادقا على التوكيل، وإن لم يتصادقا عليه، رجع الدافع على القابض، ولا يرجع القابض على الدافع، ولو وقع ذلك في الدين، فلا غرم للمالك إلا على الدافع، لأن الحق غير متعين، وغلط أبو إسحاق، فأجاز تغريم القابض.
فرع:
٤٣٦٤ - إذا ادعى الوكالة في قبض الدين، وصدّقه المدين، لم يجبر على التسليم إليه، ما لم يثبت التوكيل، خلافا للمزني، وبعض الأصحاب.
ولو قال: لفلان عليَّ ألف -وقد مات- ولا وارث له سوى هذا، أجبر على التسليم على ظاهر المذهب، وإن قال: أحالني فلان بالألف الذي له عليك، فصدقه، ففي إجباره على إلتسليم وجهان.
فصل
في اختلافهما في البيع بالتأجيل
٤٣٦٥ - إذا باع الوكيل بأجل، فقال الموكل: لم آذن في التأجيل، فالقول قول الموكل، فإن حلف، فللمشتري حالان: الأولى - أن ينكر الوكالة، فالقول قوله، فيحلف على نفي العلم، ويقرّ المبيع بيده، فإن نكل، فحلف الموكل، أخذ المبيع، وإن نكل الموكل، لم ينتزع المبيع، ولا يمنع نكوله من تحليفه الموكل أنه لم يأذن في التأجيل، فإن حلف، لزم الوكيل بدل المبيع. ثم لا يطالب الوكيل المشتري بالثمن إلا بعد الأجل، فإذا حلّ، فإن صدق الوكيل المالك على نفي الأجل، لم يطالب المشتري إلا بالأقل من الثمن أو قيمة المبيع، وإن أصر على تكذيب الموكل، فله أن
стр. 3455
يطالب بالثمن، فإن زاد على بدل المبيع، فهل يحفظ الزيادة، أو يدفعها إلى الحاكم ليحفظها، أو يتخير بين الأمرين؟ فيه ثلاثة أوجه، هذا إذا لم نجعل إنكار الوكالة عزلاً، فللوكيل أن يطلب بقدر ما غرم، ولا يخرج على الظفر بغير الجنس، لأن الموكل هاهنا لا يدّعيه.
الثانية - أن يقول: علمت أنك وكيل، فإن كان المبيع باقياً، ردّه، وإن كان تالفاً، فللموكل تغريم كل واحد منهما، وللمشتري في التصديق أحوال: الأولى - أن يقول: إنما اعتمدت على قولك في التأجيل، مع العلم بأنك وكيل، فإن غرّم الموكل المشتري قبل قبض الثمن، أو بعده، لم يرجع على الوكيل، وفيه قول أنه يرجع بما زاد على الثمن من قيمة المبيع لأجل التغرير، وإن غرّم الوكيل، لم يرجع بزيادة قيمة المبيع، والمطالبة بالثمن عند الأجل على ما تقدم. الحال الثانية - أن يقول: أعلمُ أنه أذن في التأجيل، فأيهما غَرِم، لم يرجع على الآخر، لعدم التغرير، وطلبُ الثمن على ما سبق. الثالثه - أن يقول: لم يأذن لك في التأجيل، فإن غرم الوكيل، رجع على المشتري، لأنهما كغاصبين مرّ المغصوب بيد أحدهما، وتلف عند الآخر.
فصل
فيمن توكل بشراء شاة، فاشترى شاتين
٤٣٦٦ - إذا قال: اشتر بهذا الدينار شاة، فاشترى به شاتين تساويان ديناراً، لم يصح، ولو ساوت كل واحدة ثلث دينار، فقد أشاروا إلى القطع بالبطلان، لعدم حصول الغرض، وإن ساوت كل واحدة ديناراً، أو ساوت إحداهما ديناراً والأخرى نصف دينار، فإن اشتراهما بعين الدينار، صح الشراء على أصح القولين، كما لو قال: بع بمائة، فباع بمائتين. واتفقوا على تصحيح هذا القول، وإن اشتراهما في الذمة، ونوى الموكل، فهل يقع العقد له أو للموكل؟ فيه قولان: فإن أوقعناه للموكل، ففي تخيره في الإجازة قولان، فإن خيرناه، فله الإجازة في إحداهما بحسابها من الثمن، فإن ساوت كل واحدة ديناراً، رجع على الوكيل بنصف دينار، ونفذ العقد في الأخرى للوكيل بنصف دينار، ولا يخرج قول التخيير في الشراء بعين
стр. 3456
الدينار؛ لأنه قابل الشاتين بملك الموكل، فلم يجز التبعيض، وفيه نظر؛ لأن الصفقة متحدة في الصورتين.
فرع:
٤٣٦٧ - إذا قال: بع هذا العبد بمائة، فباع نصفه بالمائة، صح. وإن باع النصف بعرْض يساوي المائة، لم يصح، وإن باع أحد النصفين بمائة، والنصف الآخر بعرْض، لم يصح إلا فيما قوبل بالمائة، وإن باع الكل بمائة، وعرْضٍ يساوي مائة، فإن أبطلنا شراء الشاتين، فهذا أولى لمخالفته للجنس المأذون، وإن نفذنا شراء الشاتين، فهاهنا قولان. فإن نفذناه، فهل ينفذ في الكل، أو في النصف المقابَل بالمائة؟ فيه قولان، وضابط هذا الفصل أنه إن لم يحصّل الغرض، لم يصح، وإن حصّله مع زيادة، ففيه الخلاف.
فصل
في ردّ الوكيل بالعيب
٤٣٦٨ - إذا توكل بشراء عبد موصوف، أو معين بثمن مسمى، فوجده معيباً، فله حالان: إحداهما - أن يساوي الثمن المسمى مع العيب، فللمالك الرد، معيناً كان العبد أو موصوفاً، ولا يبطل الردّ بتأخير الوكيل، ولا بإسقاطه، اتفاقاًً. وإن أراد الوكيل الردّ، فإن كان العبد موصوفاً، جاز إلا على وجه غريب، وإن كان معيناً، فوجهان: فإن قلنا: يرد، فأبطل الرد، ففي البطلان وجهان: أصحهما -عند الإمام- البطلان؛ لأن تأخيره وإبطاله كعزله لنفسه.
الثانية - ألا يساوي الثمن المسمى، فلا ينعقد البيع للموكل على المذهب فإن عقد على العين، بطل، وإن عقد على الذمة، انعقد للوكيل، وفيه وجه أنه ينعقد للموكل، ويثبت له الخيار، كما لو زوّج وليّته من معيب، جاهلاً بعيبه، فإن النكاح ينعقد مثبتاً للخيار، ولو علم ذلك، لبطل النكاح.
فرع:
٤٣٦٩ - إذا اشترى الموصوف مع العلم بالعيب، ففي انعقاده للموكل ثلاثة أوجه: أبعدها - أنه ينعقد له، بشرط ألا يمنع العيب من التكفير به، واستثني الكفر من
стр. 3457
جملة العيوب، فإن أوقعناه للموكل، فلا ردّ للوكيل، وللموكل أن يرد، وأبعد من منعه من الردّ؛ تنزيلاً لعلم الوكيل منزلة علمه، كما أن رؤيته كرؤيته.
فرع:
٤٣٧٠ - إذا اطلعا على العيب، فرضي به الموكل، فلا ردّ للوكيل، اتفاقاً، بخلاف عامل القراض.
فرع:
٤٣٧١ - إذا اشترى الوكيل في الذمة، راضياً بالعيب، فردّه المالك (١)، فهل ينفسخ العقد، أو ينقلب إلى الوكيل؟ فيه وجهان، مأخذهما التبين (٢) والوقف.
فرع:
٤٣٧٢ - إذا ردّ الوكيل، فأقام البائع البينة على رضا المالك، قبْل الرد، بطل الردّ. وإن لم يُقم البينة، ولم يمض زمان يتسع لاتصال الخبر بالموكل والعود برضاه، لم تسمع دعوى الرضا، وإن مضى ما يسع ذلك، حلف الوكيل أنه لا يعلم برضا [الموكل] (٣)، وردّ المبيع، وإنما حلف هاهنا لغرضه في البراءة من العهدة.
فصل
في عهدة الثمن
٤٣٧٣ - إذا اشترى لموكله في الذمة، فإن لم يصدقه البائع على التوكيل، طالبه بالثمن في [الحال] (٤)، وإن صدقه البائع والموكل، فهل يطالب الوكيل أو الموكل، أو يطالبان؟ فيه أوجه: أعدلها - آخرها، وأيهما خصصناه بالمطالبة فأعسر لم يطالب
стр. 3458
صاحبه، فإن خصصنا الطلب بالوكيل، فغرم، فله الرجوع على الموكل، وإن لم نشرطه، وفي رجوعه قبل التغريم وجهان، كما في الضمان، وقيل في رجوعه إذا لم نشترط الرجوع وجهان، كما لو قال: أدّ ديني إلى فلان.
فرع:
٤٣٧٤ - إذا دفع الموكل قدر الثمن إلى الوكيل، فقضى به الثمن، ثم ردّ المبيع بالعيب، لزم الوكيل أن يردّ عين الثمن على الموكل، إلا إذا خصصنا الوكيل بالطلب، فإن له أن يردّ بدله، ويمسكه، لأن بذل الموكل لذلك إقراضٌ للوكيل.
فصل
قبض الثمن وتسليم المبيع
٤٣٧٥ - إذا برىء المشتري من الثمن، استبد بقبض المبيع، وعلى الوكيل تمكينه من ذلك.
والوكيل بالبيع هل يملك قبض الثمن؟ فيه وجهان، فإن شرط عليه ألا يسلم المبيع وإن قبض الثمن، بطل الشرط، وصح البيع، وفي بطلان الوكالة وجهان يظهران في سقوط المسمى، ولزوم أجرة المثل، وإن شرط عليه أن يشرط في البيع أن لا يسلم المبيع، فالتوكيل والبيع باطلان، سواء اقترن الشرط بالبيع، أو خلا عنه.
فصل
في عهدة الثمن إذا استُحِقَّ المبيع
٤٣٧٦ - إذا باع الوكيل، وقبض الثمن، فتلف في يده، ثم بان استحقاق المبيع، فإن لم يعترف المشتري بالوكالة، طالب الوكيل، وإن تصادقوا على التوكيل، ففيمن يطالَب الأوجه الثلاثة، وأقيسها هاهنا اختصاص الطلب بالوكيل؛ لأنه كالمأذون في الغصب، فإن خصصنا أحدهما بالتغريم، لم يرجع على صاحبه، وإن قلنا: يطالبان، فغرم أحدهما، فلا تراجع من الجانبين، وأيهما رجع، فيه ثلاثة أوجه: أشهرها - أنه لا رجوع إلا للوكيل، لأنه مغرور، والثاني - لا رجوع إلا للموكل، لتلف العين عند الوكيل. والثالث - لا رجوع من الجانبين.
стр. 3459
فصل
في عهدة ما يشتريه الوكيل
٤٣٧٧ - إذا قبض الوكيل العبد المشترى، فتلف عنده، قبل أن يقبضه الموكل، ثم استُحِق، فللمالك (١) مطالبة البائع اتفاقاًً، لاشتمال يده على المبيع، وهل يطالب معه الوكيل، أو الموكل، أو يطالبان؟ فيه الأوجه الثلاثة، ويبعد مطالبة الموكل هاهنا، إذ لا تغرير منه، ولم يقبض المبيع، ويقرب أن يقال: لا يطالَب إلا إذا عَيَّن العبد في التوكيل، والقياس أنه لا يغرم إذا تلف الثمن أو المبيع في يد الوكيل، لأنه كالإذن في الغصب، وإذا غرم أحدهما؛ فالرجوع على ما تقدم.
فرع:
٤٣٧٨ - إذا أنكر البائع أو المشتري التوكيل، حلف على نفي العلم، وإن صدق البائع على التوكيل، وقال: لم تنو موكلك، فالقول قول الوكيل.
فصل
في الوكالة العامة
٤٣٧٩ - إذا قال: وكلتك بكل قليل وكثير، لم تصح اتفاقاً، وإن ذكر ما يقبل النيابة مما يتعلق به، فإن فصل أجناسه، كالعتاق، والطلاق، صح، إلا في الشراء.
وإن قال: وكلتك بكل ما إليَّ مما يقبل التوكيل، فوجهان.
وإن وكله بشراء عبد، ولم يصفه بشيء، لم يصح؛ لأنه غررٌ؛ إذ لا تدعو الحاجة إليه، وفيه وجه أنه يجوز التوكيل في شراء عبد، وفي الإسلام في ثوب.
وإن وكله في شراء شيء، ففيه تردد ظاهرٌ على هذا الوجه، وإن ذكر الجنس: كالهندي والسندي، فإن قدر الثمن، صح. وإن لم يقدره، فوجهان، وشرط أبو محمد ذكر النوع، ولم يتعرض له الأصحاب.
стр. 3460
وإن قال: اشتر عبداً كما تشاء، فقد منعه الأكثر، وأجازه أبو محمد لتصريحه بالتفويض التام.
فصل
في شهادة الوكيل للموكل
٤٣٨٠ - إذا شهد لموكله بما لو ثبت، لكان وكيلاً فيه، لم يقبل، والوكيل بالخصومة إن شهد بغير ما تتعلق به الخصومة، قُبل، إلا أن يصير عدواً للمشهود عليه، وإن شهد بما فيه الخصومة، لم يقبل مع قيام الخصام، وإن عزل، فطريقان: إحداهما - الرد إن خاصم. وإن لم يخاصم، فوجهان. والثانية - القبول إن لم يخاصم. وإن خاصم، فوجهان. وقال الإمام: إن قصُر الزمان بحيث تقع التهمة، ففيه الخلاف، وإن طال، فالأوجه القطع بالقبول، وفيه احتمال.
فرع:
٤٣٨١ - إذا ادعى الوكالة، فشهد بها شاهدان، إلا أن أحدهما شهد بالعزل، لم تثبت الوكالة، على المذهب، وأبعد من أثبتها. ولو شهدا بالتوكيل، ثم قال أحدهما: تحققت عزله بعد الشهادة، فوجهان: أظهرهما - المنع من إثبات الوكالة. ولو شهد أحدهما بأنه قال: وكلته، وشهد الآخر بأنه قال: أنبته، لم تثبت الوكالة. ولو شهد أحدهما أنه قال: وكلته، وشهد الآخر أنه أذن له، ثبتت الوكالة.
فصل
في التوكيل في الصلح عن الدم
٤٣٨٢ - إذا وكل في الصلح عن الدم، لم يكن التوكيل عفواً، وله أن يقتصَّ قبل الصلح.
وإن أمره أن يصالح عن الدم على خمر، فإن امتثل، سقط القصاص، وإن صالح على خنزير، ففي السقوط وجهان: فإن أسقطناه، وجبت الدية.
ولو صالح على الدية، فإن أسقطنا القصاص، صح، ولو وقع هذا الاختلاف بين الإيجاب والقبول، لم يصح اتفاقاًً، لعدم الانتظام.
стр. 3461
فصل
في توكيل العبد في شراء نفسه
٤٣٨٣ - إذا وكل العبدُ من يشتري له نفسه، فإن أضاف الشراء إلى العبد، صح، وعَتَق، وإن نوى العبد، ولم يصرح بذكره، انعقد للمشتري، ولزمه الثمن؛ لأن السيد لم يرض ببيعٍ يتضمن العتق قبل أداء الثمن.
ولو توكل العبد في شراء نفسه لزيد، فإن أضاف الشراء إلى زيد، وقع لزيد، وإن نوى زيداً، وقع العقد للعبد، وعَتَق؛ لأن قوله: اشتريت نفسي صريح في العتق، فلا يقبل إبطاله.
فصل
في انعزال العبد بالبيع والإعتاق
٤٣٨٤ - إذا وكل عبده، ثم أعتقه، ففي انعزاله طريقان: إحداهما - فيه وجهان.
والثانية - ينعزل إن أمره بذلك استخداماً، وإن صرح بالتوكيل والتخيير، لم ينعزل، وإن أطلق، فوجهان.
فإن جعلنا قول السيد أمراً، فلا أثر لعزل العبد نفسه، وإن جعلناه توكيلاً، فله أن يعزل نفسه. وفي اشتراط القبول وجهان.
وإن باعه بعد أمرٍ أو توكيلٍ، فإن لم نعزله بالعتق، فالبيع أولى، وإن عزلناه بالعتق، ففي البيع وجهان: فإن قلنا: لا يبطل الأمر، فكان إنشاء التصرّف مما يفتقر إلى إذن السادة، فلا بد من إذن المشتري (١) في الامتثال، ويحتمل ألا يتوقف نفوذ التصرف على إذنه وإن شرطناه.
стр. 3462
٤٣٨٥ - فروع شتى:
الأول - إذا قال: بع من عبيدي من شئت، فباعهم إلا واحداً، صح، اتفاقاًً، وإن باع الجميع، لم ينفذ في الكل.
الثاني - إذا قال: خذ حقي من زيد، لم يأخذه من ورثته إذا مات.
وإن قال: خذ حقي، أخذه من الورثة.
الثالث - إذا وكل في السلم، وأذن لوكيله أن يؤدي رأس المال من عنده قرضاً، أو هبة، لم يصح على النص، لعدم القبض، وقال ابن سريج: يصح لحصول القبض ضمناً.
الرابع - إذا أسلم للموكل في شيء، ثم أبرأ المسلم إليه، فإن لم يعترف المسلم إليه بالتوكيل، نفذ الإبراء في الظاهر دون الباطن، ويضمن الوكيل بدل رأس المال للحيلولة، ولا يغرم مثل المسلم فيه، ولا قيمته؛ لأن ذلك اعتياضٌ، وخرّج الإمام تضمين الثمن على قولي الحيلولة الممكنة الزوال بالاعتراف، وأصحهما إيجاب الضمان.
الخامس - إذا مات أحد المصطرفين في المجلس قبل القبض، فإن لم نبطل الخيار، ثبت لوارثه القبض والإقباض، وإن أبطلناه، بطل الصرف. ويجوز التوكيل في قبض عوضي الصرف، فإن قبضه الوكيل قبل مفارقة الموكل للمجلس، صح، وإلا فلا.
فصل
فيما ينعزل به الوكيل
الوكالة جائزة، لا تلزم بحال، فتنفسخ بالموت، والجنون، ولا تنفسخ بردة الوكيل، وإن أزلنا بها الملك، فإن حجر على المرتد، فهو كحجر الفلس، والمذهب صحة وكالة المفلس، وفيه وجه بعيد؛ لأجل تعلّق العهدة، وهو جارٍ هاهنا.
ولا بالإغماء، والعدوان. وخالف أبو محمد في الإغماء، وأبعد من عزل بالعدوان.
стр. 3463
فرع:
٤٣٨٦ - إذا قصر زمان الجنون، فقد تردّد فيه في التقريب وقطع أبو محمد بالانفساخ، وقال الإمام: هو كالإغماء إن امتد بحيث تتعطل المهمات، وتحتاج إلى قوَّام.
فرع:
٤٣٨٧ - إذا جحد الموكل الوكالة، ثم اعترف، ففي كون جحوده عزلاً وجهان: أشهرهما - أنه عزل، والأقيس أنه ليس بعزل؛ لأن العزل إنشاء لا يدخله صدق ولا كذب، بخلاف الإقرار، ولا يبعد أن يجعل عزلاً إذا تعمد الكذب خاصة.
***
стр. 3464
كتاب الإقرار
باب الإقرار بالحقوق والمواهب والعارية
٤٣٨٨ - الإقرار إخبار عن وجوب حق بسبب سابق، وهو حجةٌ بالإجماع، ويصح من كل حرٍّ بالغ رشيد، ولا ينفذ ممن لا يميز كالمجانين، والأطفال، ولا يصح من الصبي المميز بالعقوبات والأموال، وفي إقراره بالتدبير والوصية قولان (١).
فصل
في إقرار العبيد
٤٣٨٩ - ويصح إقرار العبد بالحدود والقصاص في النفس والأطراف وفي ثبوت المال المسروق تبعاًً للقطع قولان (٢)، يجريان في إقرار السفيه، والمفلس بالسرقة، إذا رددنا إقرارهما بالإتلاف من غير سرقة، فإن لم نوجب المال المسروق، فقد أطلقوا
стр. 3465
وجوب القطع، ورأى الإمام تخريج القطع على الوجهين، فيما إذا أقرّ الحرّ بسرقة مالٍ من غائب، ولعلّ أصحهما أنه لا يقطع (١).
ولو عُفي عن العبد في قصاص الجناية المقر بها، ففي وجوب الدية قولان مرتبان على قولي الغرم في السرقة، وأولى بالوجوب؛ لأنها ثبتت ضمناً للقتل، وسبب قطع السارق مميز عن وجوب الضمان؛ ولذلك يضمن في الحرز، ولا يقطع ما لم يخرج المال، وإن أوجبنا القود المحض، ففي الدية قولان مرتبان على إيجاب أحد الأمرين، وأوْلى بالإيجاب؛ لأنها وجبت بالعفو دون القتل، وإن أقر، أو قامت عليه البينة بدين معاملة لم يأذن فيها السيد، لم يتعلق إلا بذمته.
وإن أقر بجناية خطأ، أو إتلاف مالٍ، لم يتعلق برقبته إلا بالبينة، أو تصديق المالك (٢)، فإن ثبت ذلك، فداه المالك بأقل الأمرين على الأصح، فإن فضل شيء، تعلق بذمته، على الأصح. وإن كذبه السيد، ففي تعلق الأرش بذمته طريقان: إحداهما -وعليها الجمهور- يتعلق وجهاًً واحداً. والثانية - فيه الوجهان.
فصل
في إقرار السفيه
٤٣٩٠ - وينفذ إقراره بأسباب العقوبات، ولا ينفذ بما يستبد به من المعاملات، فإن اشترى شيئاًً، وسلمه البائع إليه، فأتلفه، وقامت اليبنة بذلك، لم يطالب ببدله في الحال، ولا بعد الإطلاق (٣)، وإن ثبت عليه إتلافٌ من غير معاملة، وجب الضمان، وإن أقر به، فقولان، وإن ادُّعي عليه بإتلافٍ، فإن نفذنا إقراره، سمعت الدعوى، وعرضت اليمين، فإن حلف، انقطع الخصام، وإن نكل، عُرضت اليمين
стр. 3466
على المدعي، فإن حلف، استحق، وإن أبطلنا إقراره، لم تسمع الدعوى إلا إذا جعلنا يمين الرد كبينة تقام.
وإن أقرت الرشيدة أو السفيهة بالنكاح، نفذ، على المذهب (١). ولو أقر به سفيه، فينبغي ألا ينفذ، لعجزه عن الإنشاء، ولتعلق الحقوق المالية به.
فصل
في إقرار المفلس
٤٣٩١ - ويصح إقراره بالعقوبات.
وإن باع ما تعلق به الحجر، ففي وقوفه على الإطلاق قولان في الجديد، بخلاف بيع الفضولي، فإنه ممنوع في الجديد، إذ لم يصادف ملكَ البائع. وإن باع الراهن الرهن، بطل في الجديد، وإن كان ملكاًً له؛ لأنه أدخل الحجر على نفسه (٢)، بخلاف المفلس (٣).
وإن أقر بعينٍ تعلّق بها الحجر، فإن وقفنا البيع، فالإقرار أولى، وإن رددنا البيع، فالأصح وقف الإقرار.
ولو عامل بعد الحجر، فلا مضاربة (٤) بدين المعاملة اتفاقاً. وإن أقر بمعاملة سابقة على الحجر، فقولان.
وإن ثبت عليه إتلافٌ بعد الحجر، ببينة، أو اتفاق منه ومن الغرماء، فلا مضاربة على المذهب، وفيه وجه. وإن أقر بذلك، فإن لم تثبت المضاربة عند قيام البينة، فهاهنا أوْلى، وإن أثبتناها ثَمَّ، فهاهنا قولان مرتبان على قولي إقرار السفيه بالإتلاف،
стр. 3467
وإقرار المفلس أوْلى بالنفوذ؛ لأن السفه خبلٌ في العقل؛ فأشبه الصبا، بخلاف الإفلاس.
وإن أقر بإتلافٍ سابق على الحجر، فقولان. وإن أقر بسرقة أنشأها بعد الحجر، لم تثبت المضاربة، إلا إذا أثبتنا المضاربة عند ثبوت الإتلاف، ففي نفوذ إقراره للمضاربة قولان، مرتبان على القولين في الإقرار بمطلق الإتلاف، وصورة السرقة أولى بالنفوذ؛ لبُعد التهمة.
فصل
في الإقرار بالمبهات
٤٣٩٢ - إذا ادعى بمجهولٍ، لم يُسمع إلا في الوصية (١)، وخالف القاضي في الوصية، وإن أقرّ بمجهولٍ، صح، إجماعاً، ورجع إليه في البيان، فإن امتنع منه بعد الطلب، فثلاثة أوجه: أحدها -وعليه الجمهور- أنه يحبس إلى البيان، والثاني - لا يحبس، ويقال لخصمه: ادّع عليه بمعلوم، فإن أقر، أُخذ به، وإن أنكر، وأصر على الامتناع، حلف خصمه، وقضى له. والثالث - إن قال: غصبت منه شيئاًً، حُبس، إن امتنع من الرد والبيان، وإن أقر بدين، فحكمه ما ذكرناه في الوجه الثاني.
ومن أسلم على عشر نسوة، وامتنع من اختيار أربع، حبس اتفاقاًً؛ لقدرته على إنشاء الاختيار، بخلاف معرفة قدر المقرّ به؛ فإنه قد يجهله.
فصل
فيما يقبل في تفسير الشيء
٤٣٩٣ - إذا قال له: علي شيء، قبل في تفسيره أقل ما يتموّل، فإن فسره بسمسمة أو حبة حنطة، قُبل، على النص؛ لأنها شيء يحرم أخذه، ويجب ردّه، وأبعد من قال: لا يُقبل، وإن ادعى بها، لم تسمع عند القاضي (٢)، وقطع الأمام بالسماع؛ إذ
стр. 3468
لا يمتنع طلب ما يحرم أخذه، ويجب ردّه. وإن فسَّر بتمرة أو زبيبة، فإن كان في موضع يعزان فيه، قبل، وإن لم يعزا، كالتمرة بالبصرة، فإن لم نقبل التفسير بالسمسمة، ففي التمرة والزبيبة تردد، وقطع الإمام بالقبول.
وإن فسر بما لا يتمول جنسه، فإن لم يتعلق به اختصاص، كالخنزير والخمرة غير المحترمة، لم يقبل؛ لأن قوله: "عليّ" التزام، ولا حق في الخنزير والخمرة المراقة لأحد، وإن تعلق به الاختصاص، كخمر الخل، وكلب الصيد، والجلد القابل للدبغ، قُبل، على أَقْيس الوجهين، والأظهر أن الكلب القابل للتعليم، كالجلد القابل للدباغ، ويجوز أن يفارقه بأنه لا يصير إلى المالية بخلاف الجلد.
وفي التفسير بالخمرة المحترمة شيءٌ؛ من جهة أن من أظهر الخمر، وزعم أنها خمر خل، فقد ذهب طوائف إلى أنها تراق، ولا يقبل قوله، وإنما لا نتعرض باتفاق المحققين لما تطهر (١)، فلو اطلعنا عليها مع مخايل شاهدة بالاحترام، لم نتعرض لها على المذهب، ولو أبرزها، ظهر التسارع إلى إراقتها.
وإن فسر بردّ سلام، أو حق عيادة، لم يقبل عند الأصحاب؛ لبعده عن فهم أهل الخطاب.
فصل
فيما يقبل في تفسير غصب الشيء
٤٣٩٤ - قال الشافعي: "إذا قال: غصبته على شيء، ثم فسر بخمرٍ أو خنزير، قبلتُه، وأرقت الخمر، وقتلت الخنزير" (٢) ولم يخالفه أحد من الأصحاب، وقالوا: لو قال: له عندي شيء، فهو كقوله: غصبته على شيء، وخالفهم أبومحمد والإمام؛ لأن اللام ظاهرة في، الملك، وإن فسر الغصب بما يتعلق به الاختصاص، ولا يتموّل، وجب القطع بالقبول.
стр. 3469
فرع للقاضي:
٤٣٩٥ - إذا كان بيد المضطر ميتة، لم يكن أولى بها من مضطر آخر؛ إذ اليد لا تثبت على الميتة. والوجه خلاف ما قال؛ إذ الميتة بالنسبة للمضطر كالمباح بالنسبة إلى المختار.
فصل
في تكذيب المقر في التفسير
٤٣٩٦ - إذا أقر بمبهم، ثم فسره بما يُقبل، فأكذبه المقَرُّ له، وقال: "أدعي عليك عشرة (مثلاً)، وأنك أردتها بالإقرار، ثم فسرته بدرهم"، سُمعت الدعوى، وحلف المقِر على نفي الزيادة، وأنه لم يردها بالإقرار، وإن ادعى بالإرادة لا غير، أو ادعى على إنسان بإقرار، فالأصح أنها لا تسمع، وإن قال المقر: أردت العشرة بالإقرار، ولا تلزمني الزيادة، أو قال: العشرة لك، ولم أرد بالإقرار إلا الدرهم، لزمته العشرة، ولا تحليف.
فصل
فيما يقبل في تفسير المال
٤٣٩٧ - إذا قال: له عليّ مال، ثم فسره بما لا يتموّل جنسه، كالخمرة المحترمة، أم بما لا يتمول لقلته، كالخردلة، لم يقبل، وفي التمرة والزبيبة حيث تكثران تردد، والظاهر القبول، وتردد أبو محمد في المستولدة (١) ومال إلى أنها مال، وإن فسر بأقل ما يتمول، قبل. وضابط أقل ما يتمول: "كل ما يظهر أثره -وإن قل- في جلب نفع أو دفع ضرار".
وإن قال: له عليّ مال عظيم أو كثير، لزمه أقل ما يتمول، على المذهب. وأبعد من قال: لا بد من زيادة وإن قلّت، ومن قال: لا بد من التفسير بما يزيد، ولو بعِظَم الجِرْم والذات، وكلاهما لا يصح؛ إذ العظيم والكثير قد يراد بهما الجلال، قال
стр. 3470
الشافعي: "أصل ما أبني عليه الإقرار اتباع اليقين، واطّراح الشك والغلبة، إذ الأصل براءة الذمة".
ولو قال: له عليّ أكثر من مال فلان، قبل فيه أقل ما يتموّل؛ لأن الكثير يطلق على الحلال، وعلى الدين الذي لا يتعرض للهلاك.
وإن قال: له علي أكثر من الدراهم التي بيد فلان، فكانت ثلاثة، واعترف أنه عرف عددها، لزمه ثلاثة، على المشهور وقول الجمهور، وقبل منه أبو محمد أقل من ذلك؛ إذ يجوز أن يقال: درهم خير من دراهم وأكثر بركة، وإن كان في يده عشرة، فقال: ظننتها ثلاثة، أو عرفت أنها عشرة، ونسيت عند الإقرار، فإن حلف على ذلك، لزمه ثلاثة على المشهور.
وإن قال: له علي مثل ما في يد فلان، لزمه مثل ما في يده؛ لتعدد الحمل على المرتبة والفضل.
وإن قال: له علي أكثر مما في يد فلان من الدراهم عدداً، ثم فسر [بجنس] (١) يزيد عدده على تلك الدراهم، قُبل؛ لأن التفضيل وقع في العدد دون الجنس.
وإن شهد اثنان على رجل بمالٍ، فقال: له علي أكثر مما شهدا به، لزمه أقل ما يتمول، لاحتمال أن يريد أنهما شهدا بزور، وأن قليل الحلال أكثر من كثير الحرام، فإن حكم بشهادتهما، فقال: له عليّ أكثر مما حكم به الحاكم، فوجهان.
فصل
في تمييز الأعداد وعطف المعلوم على المجهول
٤٣٩٨ - إذا أقر بعدد مبهم، وعطف عليه معيناً، لزمه المعين، وأخذ بتفسير المبهم، سواء كان المعين مكيلاً، أو موزوناً، أو غير ذلك. وإن أقر بعدد مبهم، ثم جاء بعده بمفسَّر، فإن خلا العدد عن العطف، كان المبهم من جنس المفسر، بخلاف