٤٨٥٧ - ومما يتصل بهذا الركن أنه لو كان له ألفُ درهمٍ على إنسان، فقال لآخر: قارضتك على مالي على فلان، فاقبضْه، وتصرفْ، فلا يصح القراض باتفاق الأصحاب على هذا الوجه؛ لأن النقد لم يكن عتيداً حالةَ العقد، واحتاج العامل إلى تحصيله، وتحصيلهُ ليس من أعمال التجارة. وقد ذكرنا أنه لا يجوز ضمُّ عملٍ إلى عمل التجارة في معاملة القراض.
ولا يصفو هذا حتى نبيّن معه أمراً آخر، فنقول: إذا أحضر ربُّ المالِ المالَ، وقال: إذا جاء رأسُ الشهر، فقد قارضتك على هذا المال، فالمعاملةُ فاسدةٌ، باتفاق الأصحاب، وإن كنا قد نجوّز تعليق الوكالة؛ فإن القراض ليس وكالة محضة، ولكنها معاملةٌ ضمنُها معاوضة، وقد احتمل الشرع فيها جهاتٍ من الجهالات على حسب الحاجات، فلا تحتمل ما لا حاجة إليه، والتعليقُ [منه] (١).
ولو قال: قارضتك الآن على هذه الدراهم، ولكن افتتح التصرفَ بعد شهر، ففي صحة القراض وجهان ذكرهما القاضي: أحدهما - المنع؛ لأن حاصل هذا يؤول إلى تعليق القراض أيضاً إذا (٢) كان لا ينتجز تسلُّط العامل على العمل في الحال.
فإذا ثبت هذا الذي ذكرناه، عُدنا إلى ما كنّا فيه من قوله: عاملتك على مالي على فلان، فاستوفِهْ، وتصرف، فهذه المعاملة ناجزةٌ، ولكن التصرف موقوف على الاستيفاء والقبض، فالمعاملة فاسدة، لم يختلف الأصحاب في فسادها، وإن اختلفوا فيه إذا كان النقد حاضراً، فقال: قارضتك الآن عليه، وتصرف بعد شهر، والسبب فيه أن معتمد القراض نقدٌ حاضر، والدَّيْن في الذمة، وإن كان مملوكاً، فهو أبعد عن إمكان التصرف من العروض.
٤٨٥٨ - ولو كان لرجل على رجلٍ ألفُ درهم، فقال مستحق الدين لمن عليه الدين: قارضتك على ما لي عليك، فانقده، وتصرف، فلا تصح هذه المعاملة؛ فإنا إذا كنا نمنع صحتها، والدَّيْنُ على الغير، فلأن نمنع صحتَها في هذه الصورة أولى،
стр. 3852
والدليل عليه أن ما على الغير إذا كان استوفاه المأمور، فإنه يحصل في يد المستوفي ملكاً للآمر، وما على الإنسان إذا أحضره لا يصير ملكاً لمستحق الدين، فلا وجه لصحة المعاملة.
ويتصل بهذا أنه إذا قال: عاملتك على ما لي على فلان، فاقبضْه، وتصرف فيه، ولك من الربح كذا، فالمعاملة فاسدة، كما تقدم، ولكن إذا قبض ما على فلان، وافتتح التصرفَ فيه، نفذ تصرفُه لوقوعه على حسب الإذن، والقراض الفاسد أثرُ فساده في خروجه عن الوضع، وبطلانِ ما وقع التشارط عليه في تجزئة الربح، أما التصرف، فمعتمدُ نفوذِه الإذنُ من المالك، فلا فساد منه، ثم ما يحصل من ربح في المعاملة الفاسدة، فهو بجملته لمالك أصل المال، وللعامل أجرُ مثل عمله، كما سنذكر ذلك على أثر نجاز القولِ في الأركان، إن شاء الله .
هذا فيه إذا قال: قارضتك على ما لي على فلان، فاقبضه وتصرف فيه، فأما إذا قال: عاملتك على ما لي عليك، فحصّله، وتصرف فيه، فما يحصّله ويحضره لا يدخل في ملك الآمر، ويبقى ملكاً له. فإذا تصرف فيه، [لزم] (١) تخريجُ ذلك على أصلٍ قدمناه.
٤٨٥٩ - ونحن نذكر مزيدَ تفصيل فيه، ثم نعودُ إلى غرضنا من هذه المسألة التي انتهينا إليها.
فإذا قال الرجل لصاحبه: اشتر لي بثوبك هذا الحمارَ، وأشار إلى حمارٍ لإنسان، فإذا اشترى ذلك الحمارَ بذلك الثوب، فلا يخلو إما أن يسمي في العقد الآمرَ، وينسبَ الشراء إليه، أو ينويه ولا يسميه. فإن سماه، ففي وقوع الشراء له وجهان: أحدهما - يقع له؛ لأنه اشتراه له بأمره، فعلى هذا ما حكم الثوب الذي يتعين في العقد؟ وجهان: أحدهما - أنه هبة، فكأنه وهب منه الثوب، في ضمن هذا التصرف، وأقْبَضه، ثم توكّل عنه في شراء الحمارِ به. والثاني - أن يقدره قرضاً، فكأنه أقرضه، ثم التقدير بعده على ما ذكرناه، هذا أحد الوجهين. والوجه الثاني - في الأصل أن
стр. 3853
العقد لا ينصرف إلى الآمر؛ لأن الثمن غيرُ مملوكٍ له، فعلى هذا في المسألة وجهان: أحدهما- أن العقد يبطل؛ لأنه لم ينصرف إلى من سماه، فأبطلناه. والوجه الثاني - أن العقد يقع لمالك الثوب، وتلغو التسمية.
هذا إذا سماه، فأما إذا لم يسمِّ الآمر، ولكنه نواه، ففي انصراف العقد إلى ذلك الآمر من الخلاف ما ذكرناه، ثم إذا حكمنا بانصرافه إليه، فالتفريع في الثوب المجعول ثمناً على ما قدمناه. وإن لم نقض بانصراف العقد إلى من نواه، فينصرف العقد إلى هذا المأمور العاقد، وجهاً واحداً؛ إذْ لم تجر تسميةٌ تخالف وضعَ الشرع.
٤٨٦٠ - فإذا تمهّدَ هذا، عُدنا بعده إلى غرضنا، وقلنا: إذا قال: حصِّل الألفَ الذي عليك، وتصرف فيه، فإذا حصله، فهو ملكه بعدُ إلى أن يَقْبض عنه قابضٌ، وما يقع من تصرفٍ بعد هذا على نية الآمر، فهو خارج على ما مهدناه من التصرف للغير، بعين مالِ المتصرف، فليجر هذا ذلك المجرى؛ فإنه عينُ المسألة التي أوضحناها.
٤٨٦١ - ومما يتصل بتمام البيان في ذلك أن الرجل إذا قال للغير: اشتر لي الخبز بدرهمٍ من مالك، فإذا اشتراه في الذمة، وقع الشراء للموكّل، ولا يلزم هذا المأمور أن ينقد الدرهمَ من ماله، فإذا نقده من ماله، كان مأخذ هذا من أصلٍ آخر، وهو أن من أدى دين غيره بإذنه على شرط الرجوع عليه، فإنه يرجع عليه، وإن أذن له في الأداء مطلقاً، ولم يُقيِّد بشرط الرجوع، ففي الرجوع وجهان، تكرر ذكرهما، كذلك إذا اشترى الخبز بأمره، فقد وجب الثمن على الآمر، فإذا أداه من مال نفسه بإذنه، ففي الرجوع ما قدمناه.
ولو اشترى الخبز بدرهم عيَّنه من ماله، فهذه المسألة هي التي مضت؛ فإنه (١) اشترى للآمر شيئاً بعين مال نفسه.
فإذا تمهَّد ذلك، عدنا إلى مسألتنا عودةً أخرى، وقلنا: إذا قال: عاملتك على ما لي عليك، فحصِّله، وتصرف على سبيل القراض، فإن اشترى شيئاً في الذمة للآمر، ثم نقد الثمنَ، فهو بمثابة ما لو اشترى الخبز في الذمة، ونقدَ الثمن من عند
стр. 3854
نفسه، وإن حصّل الدراهم واشترى بأعيانها شيئاً، فهو بمثابة ما لو اشترى للآمر مالاً بعين مال نفسه، [وقد تفصَّل] (١) القولُ في هذه المسائل.
٤٨٦٢ - ولو قال: خذ هذه العين، وأشار إلى سلعة، فبعها، وقد قارضتك على ثمنها، فقد نص الشافعي على فساد القراض، والنص يعضد ما قدمناه.
ولو قال: قارضتك على ألف درهم، وذكر شرائطَ القراض، وأحضر الألفَ في المجلس، فقد قال القاضي ﵁: يصح ذلك، وتُحتمل غَيْبةُ الألف حالة العقد، إذا حصل التَّنْجيزُ في المجلس، ولو فارق المجلسَ، ثم حصّل الدراهم، لم يصح، ولا بد من تجديد عقدٍ بعد تحصيلها.
وما ذكره حقٌّ، لا دفع له، ولا يجوز أن يكون فيه خلاف؛ فإن من باع درهماً بدرهم، وأجرى ذكرهما على الإطلاق، ثم أُحضر الدرهمان، وجرى التقابض فيهما قبل التفرق، صح العقدُ. ولا يجوز بيعُ الدراهم بالدراهم ديناً بدين، ولكن إذا جرى التعيين في المجلس، فالحكم له. كذلك القول في إحضار الدراهم في المجلس في غرضنا من القراض. وقد تم بيان هذا الركن.
٤٨٦٣ - الركن الثالث من أركان القراض: أنه يجب تسليم مال القراض إلى العامل
وتثبت اليد له فيه على التمحُّض من غير مشاركة. وهذا متفق عليه بين الأصحاب.
فلو قال رب المال: يكون الكيس في يدي، وأنت تتصرف وتشتري، وإذا احتجت إلى الثمن، جئتني فنقدتُه، فلا يصح القراض على هذا الوجه. والسببُ فيه أن مبنى هذه المعاملة على الاتساع في طرق تحصيل الربح، والشرعُ إنما احتمل ما في القراض من الجهالة لهذا السبب وإذا لم يكن المال في يد العامل، لم يحصل غرض الاستنماء على الاتساع المطلوب في بابه، والاستمكان المشروط في أسبابه؛ فإن السلعةَ قد تحضر فيتخيّل العامل فيها منفعة، ولو وقف صاحبها حتى يطلب المالَ، لفات المتجَرُ. وهذا ظاهرُ الوقوعِ، ولو انفرد العامل باليد، وكان المال حاضراً معه، لم تفته هذه الأسباب. والتجايرُ فُرَصٌ تمر مرّ السحاب.
стр. 3855
ولو قال المالك: أتصرف معك، كان هذا مفسداً للقراض؛ من جهة أن تصرف المالك يُضعفُ ويوهي يدَ العاملِ، ويخرجه عن الاستقلال ويحوجه إلى المراجعة.
وكل ذلك يَنْقُص من بسطته في التصرف.
٤٨٦٤ - ومما يتصل بهذا الركن قول الشافعي: "ولو قارضه، وجعل معه غلامَه ... إلى آخره" (١).
فنقول: إذا شرط ربُّ المال أن يعمل مع العامل، فهذا فاسدٌ لما ذكرناه، ولو شرط أن يعمل مع العامل غُلامُه؛ يعني غلامَ المالك، فالنص في القراض والمساقاة أن ذلك جائز، أما المساقاة فنتركها إلى موضعها. وأما القراض، فتفصيل القول فيه أنه إذا لم يشترط أن يكون المال في يد عبده، وأثبت للعامل منصبَ الاستقلال بالتصرف، ولم يشترط عليه مراجعةَ العبد، وأقام العبدَ مُعيناً له ليخدمه في الجهات التي يحتاج إلى خدمته فيها، فظاهر النص أن شرط ذلك لا يُفسد العقدَ؛ لأنه ليس مناقضاً لمقصود المعاملة، وفي تصوير المسألة تقرير ذلك.
ومن أصحابنا من قال: إذا شرط أن يكون عبده معه في تصرفاته، وإن كان لا يراجعه فيما يريد الاستقلال به، فالشرط فاسد مفسد؛ من قِبل أن يدَ العبد يدُ مولاه، فيكون العبدُ معه بمثابة كون السيد معه، ولو شرط أن يكون معه بنفسه، لفسدت المعاملة؛ لأن اليد يتطرق الانقسام إليها، فكذلك القول في العبد.
ومن أصحابنا من قال: لا يضرُّ كون العبد معه؛ فإنه مستخدَمُ المقارض، ومن استأجر عبداً، أو استعاره، فيدُ العبد المستخدَمِ بجهة الاستعارة، أو جهةِ الإجارة يدُ المستخدِم بالجهتين، لا يدُ مالكِ العبد، ولهذا تُجعل الدار المستأجرة والمستعارة حرزينِ للمستأجر والمستعير، في أحكام السرقة. ومحل الخلاف فيه إذا لم يكن على المقارض حجرٌ من جهة العبد ولم يُلزمْه مالكُ العبد مراجعةَ العبد في [حَرْز] (٢) المال، ولا في التصرفات، فلو جرى حجر من هذه الفنون، لفسد القراض بسبب
стр. 3856
الحجر، كما سنصفه في الركن الذي يلي هذا الركن.
٤٨٦٥ - الركن الرابع: في بيان التعرض للتصرف المقصود بالقراض، ووضع هذا العقد على الاتساع في الاسترباح والاستنماء، كما قررناه مراراً. والتصرف من قبيل التجارة لا غير؛ فإن سائر الجهات في المكاسب يتيسر تحصيلها بالاستئجار، بخلاف التجارة، فليكن مقصود القراض التجارة المتسعةَ المضطرب من غير حجرٍ يتضمن تضييقاً ظاهراً، ولسنا نشترط التفويض المطلق الذي لا احتكام فيه للمالك، فإنه لو قال: عاملتك على هذه الدنانير على ألا تتّجر إلا في الثياب، جاز؛ لأن فيها متسعاً رحباً، وكذلك قد يُعيّن صنفاً من الثياب يعم وجوده، ويظهر توقع الاسترباح فيه، فيجوز القراض.
ولو عيّن شيئاً يعزّ وجودُه، ولا يتسع المتجر فيه، لم تصح المعاملة. والتعويل في النفي والإثبات على ما نبهنا عليه.
ومما يجب التنبيه له الآن أن القراض يشتمل على معنى التوكيل في التصرف، وإن كان يؤول في منتهاه إلى الشركة عند ظهور الربح، كما سنصف ذلك.
وقد ذكرنا في كتاب الوكالة أن الوكالة الخاصة أولى بالصحة من الوكالة العامة، حتى لو أفرط العموم، فقد نقول: لا يصح التوكيل، والسبب في البابين أن الوكيل يقول ويعمل لموكِّله نائباً عنه، لا حظ له [في تصرفه] (١)، والقياس أن يتصرف المرء لنفسه بنفسه، وإنما أقام الشرع الوكلاء مقام الموكِّلين لمسيس الحاجة إلى الاستنابة [في بعض الأمور، وهذا إنما يظهر في الأشغال الخاصة، والقراضُ لا ينبني على الاستنابة] (٢) المحضة، وإنما هي معاملةٌ مالية يتعلق بها غرض رب المالِ والعاملِ، فحصولُ الغرضِ فيه يستدعي انطلاقاً في التصرف، وانبساطاً في جهات الاسترباح، وانتهى الأمر فيه إلى [تخصيص] (٣) المعاملة في أول الوضع بما هو ذريعة إلى تحصيل المقاصدِ جُمَعٍ، من غير تربصٍ لارتفاع الأسواق.
стр. 3857
وقال الأئمة في تمهيد هذا الأصل: لو قال رب المال لا تبع إلا من فلان، أو لا تشتر إلا من فلان، فهذا يفسد القراض؛ فإنه حَجْر بيّن، وإذا تبين ذلك المعيَّن أن الأمرَ مرْدودٌ إليه، احتكم بائعاً ومشترياً، وفسد نظام المعاملة.
وقالوا: [لو] (١) قال: لا تتصرف حتى تستشير فلاناً وتستضيء برأيه، فالمعاملة تفسُد؛ من جهة أنه قد لا يصادفه إذا حانت متجرةٌ وتعرضت للفوات، ولهذا شرطنا في صحة المعاملة انفرادَ العامل باليد، وكذلك لو قال: لا تنفرد بشيء من التصرف حتى تراجعني، فهذا مفسدٌ.
والقراض كما يقتضي انفرادَ العامل باليد يقتضي انفراده بالتصرف؛ فإن اليد لا تُعنى لعينها، وإنما شرطنا استقلاله بها، ليكون مادة لانبساطه، فكيف يسوغ الحجر عليه في عين (٢) التصرف؟ فإن قيل: قد أطلق الأصحاب جواز مقارضة الرجل الواحد رجلين، وسيأتي ذلك في تفاصيل المسائل، إن شاء الله تعالى؟ قلنا: هذه المسألة فيها تفصيل، فإن قارض رجلين وشرط أن لا يستقل واحدٌ منهما بالتصرف دون صاحبه، فالذي يدل عليه ظاهرُ كلام الأصحاب أن ذلك فاسدٌ، وإذا كنا نفسد القراض بأن يشترط على العامل أن يراجع رجلاً بعينه، فلا شك أن هذا المعنى يتحقق فيه، إذا ارتبط التصرف برجلين لا ينفذ دون اجتماعهما.
ولو قارض رجلين وأثبت لكل واحد منهما الاستقلالَ بالتصرف، فهذا هو الذي جوزه الأصحاب، وفيه كلامٌ وإشكالٌ، ليس هذا موضعه. وسيأتي ذلك مفصلاً في أثناء الكتاب، إن شاء الله تعالى.
هذا قولنا في إطلاق تصرف العامل على الانبساط، مع منع الحجر عليه، بما يؤدي تضييق المجال في [طريق] (٣) المتاجر (٤).
٤٨٦٦ - الركن الخامس في القراض: في التعرض للإطلاق والتأقيت:
стр. 3858
لم يختلف الأئمة في أن إطلاقَ القراض، وتركَ التأقيت فيه موضوع المعاملة، وأول ما نذكره أن التأقيت ليس شرطاً في هذه المعاملة، بخلاف المساقاة، والسبب فيه أن المقصود من أعمال المساقاة تحويه المدة، فلا بد منها لحصول الإعلام، والمقصود من القراض تحصيل الربح، ولا ضبط له، وهو في غالب الأمر يتعلق باتفاقاتٍ، لا تنضبط، وتوقعات لا تنحصر. هذا قولنا في أن التأقيت ليس شرطاً في القراض.
ونحن نتكلم وراء ذلك، في أن التأقيت هل يبطل القراض؟ وقد اضطربت طرق الأصحاب، ونحن نأتي بترتيب يجمع ويحوي الغرض. قال العراقيون: إن أقّت ربُّ المال بيعَ المقارض للسلع، فالتأقيت فاسدٌ مفسد، مثل أن يقول: تبيعُ العروضَ وتردها إلى الناضّ في سنة، ولا تبعْ بعدها. هذا فاسدٌ؛ من جهة أنه قد لا يجد للعروض زبوناً في المدة المضروبة. فإذا فرض ارتفاع القراض بالتفاسخ، فيبقى العامل مطالباً ببيع العروض، وتنضيضها؛ إذ لا تتأتى المفاصلة إلا كذلك، فلا وجه إذاً للمنع من البيع، ولا لتأقيته.
وإن ذكر التأقيت في شراء الأمتعة، مثل أن يقول: تشتري من الأمتعة ما تراه في سنة، فإذا انقضت، لم تزد في الشراء وتفتتح البيعَ - من غير مدة، ففي ذلك وجهان ذكرهما العراقيون: أصحهما- أن القراض يصح على هذا الوجه؛ فإنه ليس في هذا التأقيت ما ينافي مقصودَ العقد، ولا حجراً، ينقص من البسطة المرعية.
والوجه الثاني- أن القراض يفسد بالتأقيت؛ فإن مبناه في وضع الشرع على الإطلاق، وهذا أسنده العراقيون إلى أبي الطيب بن سلمة.
ولو قال قارضتك [سنة] (١) ولم يتعرض لتأقيت البيع، ولا تأقيت الشراء، ولكن ذكر التأقيت مضافاً إلى القراض، ففي المسألة وجهان: من أصحابنا من جعل هذا كالتصريح بتأقيت البيع، حتى يفسد القراض. ومنهم من جعله كالتصريح بتأقيت الشراء حتى يُخرَّجَ على الوجهين المذكورين.
هذا هو الترتيب الجامع في الباب.
стр. 3859
٤٨٦٧ - ومن تمام البيان في ذلك أنّا إذا صححنا تأقيت الشراء، فالشرط أن يذكر وقتاً يتأتى فيه الانبساط في الشراء على موافقة غرض الاسترباح، حتى لو قال: قارضتك على أن تشتري في ساعةٍ من نهار، لا يصح، فإن هذا المقدارَ من الزمان لا يسع من الشراء ما يوافق في غالب الأمر، ويُثبت متسعاً في التجارة.
ومما نُلحقه بهذا الركن أن المالك لو عيّن للعامل شراء ضربٍ من العروض يوجد غالباً في فصول السنة، فذاك. وإن عيّن ما يختص وجودُه ببعض فصول السنة، كالرطب والفواكه الرطبة، ففي الاتجار في هذا الضرب متسع لا ننكره، ولكن إذا انحصر وجوده في بعض الأزمنة فينحصر البيع فيها لا محالة، وذكرها مع هذا التنبيه يتضمن تأقيت البيع. وقد ذكرنا أن تأقيت البيع ينافي صحة القراض، فاختلف لذلك أصحابنا، فذهب بعضهم إلى منع القراض، لما أشرنا إليه، وذهب آخرون إلى صحة القراض؛ فإن بيع الرطب في أوانه يتنجَّزُ، وليس مما يُبنى الأمر فيه على تربص، حتى يُحملَ تأقيتُ البيع على تضييقٍ في التجارة، من حيث يخالف التربصَ المعتاد في السلع، فإذا كان الغالب انتجاز البيع، وإن فرض وقوفُه في بعض السنة، فهو غير مُكترَثٍ به في العادة، فلا حكم لتأقيت البيع، ولم يختلف أصحابنا أنه لو قال: اتَّجِرْ في البطيخ مادام، فإذا انقضى، ففي غيره، جاز ذلك، ولم يمتنع. وإن كان الرطب متأقتَ البيعِ على ما ذكرناه ولكن لم يحمل ذلك على تضييق، وصح لأجله القراض، وهذا يقتضي تصحيح القراض مع الاقتصار عليه.
٤٨٦٨ - الركن السادس من أركان القراض: قسمةُ الربح على جُزئية صحيحة وحصر عِوض المقارض فيما يسمى له من الربح.
وبيان ذلك: أن رب المال والعامل ينبغي أن يتشارطا الربح بينهما على جزئيةٍ معلومة حالة المعاقدة، ويذكرا ذلك ذكْرَ العوض في مقابلة المعوَّضِ المطلوبِ من العامل، وهو عملُه، وعِوضُ عمله الجزءُ الذي يسمى له من الربح. فيقول رب المال: قارضتك، أو ضاربتك، أو عاملتك، على التصرف في هذا المال، ولك من ربحٍ يرزقه الله نصفه، ولي نصفه، أو لك ثلثه، ولي ثلثاه، على ما يتفقان عليه.
стр. 3860
فلو ذكر للمقارض أجراً معلوماً، لم يكن ما جاء به قراضاً، ولا إجارةً صحيحة؛ فإن شرط الاستئجار إعلامُ العمل، والعملُ في معاملة القراض لا ينضبط، ومحاولة تقديره يخالف مقصود العقد. كما أن طلب تأقيت النكاح يخالف موضوعَه، والإعلام حيث يشترط لا يُعنَى لعينه، وإنما يُطلب منه نفيُ الجهالة على وجه يليق بمقصود العقد.
ولو قال المالك: قارضتك على أن لي النصف من الربح، ولم يتعرض لإضافة النصف الآخر إليه، أو قال: على أن لك النصف من الربح، ولم يتعرض لإضافة النصف الآخر إلى نفسه. أما إذا أضاف إلى نفسه جزءاً، فظاهر ما نقله المزني أن ذلك غير صحيح؛ فإن الأصل أن الربح بكماله لمن الملك له في رأس المال، وإنما يثبت للمقارض جزءٌ منه، بأن ينسب إليه ولم يَجْر لنسبة جزءٍ إلى العامل ذكرٌ.
وذكر ابن سُريج قولاً مخرّجاً أن القراض يصح، ويقع الاكتفاء بإضافة جزءٍ إلى المالك؛ فإن هذا مع جريان المعاملة صريحٌ في إضافة الباقي إلى العامل من طريق الفحوى، والمعاني هي المقصودة، لا صيغُ الألفاظ.
هذا إذا أضاف إلى نفسه وسكت عن الإضافة إلى العامل، فأما إذا أضاف جزءاً من الربح إلى العامل، وسكت عن إضافة الباقي إلى نفسه فالذي قطع به الأئمة الحكمُ بصحة القراض، بخلاف الصورة المتقدمة؛ فإن المعاملة تقتضي ذكر عوضها والمعوّض من الربح ما يسمى للعامل، وما عداه لا يثبت للمالك بحكم الشرط. وإنما يثبت له بحكم ملك الأصل، فإذا اشتملت المعاملة على ذكر عوضها، يكفي ذلك في الحكم بتصحيحها، وليس كالصورة الأولى.
وذكر العراقيون وجهاً عن بعض الأصحاب أن العقد لا يصح حتى تجري الإضافة في الجزأين إلى الجانبين. ونظموا من تخصيص الإضافة بأحد الجانبين ثلاثةَ أوجه: أحدها- الصحة. والثاني- الفساد. والثالث- الفصل بين أن تقع الإضافة إلى العامل وبين أن تقع الإضافة إلى المالك. وليس لما ذكروه من الخلاف في الإضافة إلى العامل وجهٌ.
٤٨٦٩ - ولو قال: قارضتك على أن لك الربحَ كلَّه، فلا يصح القراض على هذا الوجه؛ فإن هذه المعاملةَ إنما جوّزت لارتفاق ملاك الأموال بأعمال الذين لهم كَيْسٌ
стр. 3861
في التجارة. فأما إذا صُرف جميعُ الربح إلى العامل (١)، سقط غرض المالك بالكلية،
وعاد النظر إلى أن هذا الذي صدر من المالك منحة، أو هبة متعلقة بالربح الذي سيكون.
فاذا ثبت ما ذكرناه، فمن أصحابنا من قال: هذا إقراضٌ، والعامل يملك رأس المال مِلْكَ [القرض] (٢)، وإذا اتفق ربحٌ، فهو له، وهذا ضعيف لا شيء؛ فإن المعاملة على الأصل (٣) مصرَّحةٌ باستبقاء (٤) الملك في رأس المال، وتحصيلُ الملك فيه للمستقرض لا وجه له.
ومن أصحابنا من قال: الذي جرى قراضٌ فاسد، وسنختم نجاز الأركان بحكم القراض الفاسد على الجملة.
٤٨٧٠ - والذي ننجزه الآن أنّ تصرف العامل نافذٌ لصَدَره عن إذن المالك، وكمالُ الربح للمالك؛ فإن العامل إنما يستحق جزءاً منه بمعاملةٍ صحيحة، وهي فاسدة، فيما نحن فيه، وللعامل أجرُ مثل عمله، ربحَ أو خسر؛ فإنه خاض في العمل على أملٍ في العوض، فإذا لم يحصل ما أمّله، لم يحبَط عمله.
فلو قال: قارضتك على أن لي تمامَ الربح، فالقراض لا يصح على هذا الوجه، ولكن ينفد تصرفُ العامل، لصدوره عن إذن المالك. وهل يستحق أجرَ مثلِ عمله؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يستحقه، حملاً على أن القراض فسد، فرُدَّ الرّبحُ إلى أصله، وقوبل العمل بأجر مثله. والوجه الثاني - أنه لا يستحق شيئاً؛ لأنه خاض في العمل من غير أن تُشعر المعاملةُ بإثبات عِوضٍ له على مقابلة عمله.
والقائل الأول يُجيب عن هذا، ويقول: نفس جريان المعاملة يدل على أن لا يحبَط عملُ العامل، ومقصود المالك أن يخلص الربح له، وللعامل أجرُ عمله.
وهذا يمكن تقديرُه في نظْم الكلام، ولو أراد استخداماً مجرداً، لما ذكر المعاملة والقراض، وما في معناهما.
стр. 3862
٤٨٧١ - فإذا تمهد ما ذكرناه من نسبة الربح إلى جزئية إليهما، واتضح أن إثبات الربح بكماله لأحدهما منافٍ لمقصود العقد، فنقول بعد ذلك: لو شرط المالك لنفسه درهماً مثلاً، ثم قال: الربح بعده نصفان بيننا، فهذا مفسد للمعاملة؛ من جهة أنه قد لا يتفق الربح أكثر من درهم، فيؤول حاصل الأمر إلى اختصاص المالك بجميع الربح المتّفق، وكذلك لو وقع الشرط على أن يختص العامل بدرهم، ثم قسمةُ الربح بعده، فهذا مفسدٌ؛ لأن الربح قد لا يزيد على درهم، فيُفضي مقصودُ العقد إلى شرط تمام الربح للعامل.
ولو قال: لك درهم من عُرض المال، والربح إن اتفق نصفان بيننا، فهذا يُفسد لا من جهة الفساد الذي ذكرناه الآن، ولكن ذكر الأجرة للعامل من غير الربح مفسدٌ للعقد كما مهدناه.
وعلّل بعضُ الأصحاب الفسادَ فيه إذا قال المالك: لي درهم أختص به من الربح، والباقي مقسوم بيننا، بأن قال: الجمع بين التقدير وبين الجزئية يُفسد ضبط التجزئة؛ فلا ندري أن المشروط للمالك من الربح كم. ولا حاجة إلى هذا التعليل عندنا.
وفيما قدّمناه مَقْنع.
واستشهد القاضي في محاولة تحقيق هذه العلّة بمسألة في المذهب فيها نظرٌ عندنا، وهي أنه قال: لو قال مالك الصُّبْرة لمن يخاطبه: بعتك صاعاً من هذه الصُّبرة، ونصفُ الباقي منها بكذا، فالبيع باطلٌ لضمه التقديرَ إلى الجزئية، ولو قال: بعتك نصفَ هذه الصُّبرة، لصحَّ. هذا ما ذكروه. وفيه احتمالٌ؛ فإن الصاع معلومٌ، ونصف الباقي معلوم. فإن كانت الصبرة مجهولة الصِّيعان، فقد نقول: لا يصح بيع الصاع منها، فإن جرينا على الأصح، وصححنا بيعَ صاعٍ من الصُّبرة المجهولة المقدار، فذكْرُ نصفها بعد أخذ الصاع منها، كذكْر نصفِها من غير أخذ الصاع، فليتأمل الناظر، وليكتف في مسألة القراض بالمسلك الذي قدمناه.
٤٨٧٢ - ولو قال: قارضتك على أن تتصرف في الثياب والحبوب، وما يتفق من
ربح على الثياب، فهو لي، فهذا فاسد؛ إذ قد لا يتفق الربحُ إلا على الثياب، فيؤدي
стр. 3863
حاصل الشرط إلى اختصاص المالك بجميع الربح. وكذلك إذا شرط للعامل ربح صنفٍ، فقد لا يتفق غيرُه فيُفضي الشرطُ إلى اختصاص العامل بجميع الربح. وعلى هذا لو دفع إلى العامل ألفاً، ثم دفع إليه بعد ذلك ألفاً، وشرط تمييز أحدِ الألفين عن الثاني، فيما يتصل به من المعاملات، وقال: ما يتفق من الربح على الألف الأول، فهو لي. هذا غير جائزٍ، لما ذكرناه، وكذلك لو فرض تخصيص العامل.
ولو دفع إليه الألفين معاً، ثم قال: ربح أحد الألفين بكماله لي وربح الثاني لك.
قال ابن سريج: لا يصح هذا. وقال القاضي: الوجه عندي القطعُ بتصحيحه؛ إذ لا تمييز بين الألفين، ولا فرق بين أن يقول: نصفُ الربح لك، وبين أن يقول: ربح الألف من الألفين لك. وهذا الذي ذكره متَّجه حسنٌ، ولا وجه لما ذكره ابنُ سريج إلا فسادُ اللفظ؛ فإن الذي يقتضيه موجَب العقد قسمةُ الربح على الشيوع بين المالك والعامل، من غير تعرض في اللفظ لربح جزءٍ من رأس المال، فإذا قال: نصف ربح الألفين لك، فهذا جارٍ على الإشاعة. وإذا قال ربح أحد الألفين لك، فهذا يتضمن تخصيصاً غيرَ مُفيدٍ، فيفسد اللفظُ، والمعول في العقود على الألفاظ.
٤٨٧٣ - ولو قال: ثلث الربح لي، وثلثه لعبدي هذا، وثلثه لك، فقد أجمع الأصحاب على صحة العقد، وقَضَوْا بأن إضافة الثلث إلى العبد بمثابة إضافته إلى السيد، فكأنه قال: الثلثان من الربح لي والثلث لك. ولو قال: الثلث من الربح لي والثلث لزيد، وذكر شخصاً آخر، لا تعلق له بالمعاملة، فهذا الشرط فاسد؛ فإنه تضمَّن شرطَ الربح لمن ليس مالكاً لرأس المال، ولا عاملاً فيه. وكذلك لو شرط جزءاً من الربح، لمكاتبه، فهو فاسد أيضاً للمعنى الذي ذكرناه.
فإن قيل: إذا تبين ما يستحقه العامل، فقد وضح عِوضُ عمله، وحُكم الشرع صرفُ الباقي إلى المالك، فإن فرض فيما ليس عوضاً لعمل العامل فسادٌ، فليس لذلك الفساد تعلقٌ بمقصود العقد، فليرتفع ذلك الفساد، وليصح العقدُ.
قلنا: لو شرط العاملُ جزءاً من الربح لثالث، لم يخفَ على الفقيه كوْنُ ذلك فاسداً مفسداً إذا نشأ الشرط من جهة العامل، وإنما ينتفي الإشكالُ في هذا الطرف من جهة إمكان صدور الشرط عن غرضٍ للعامل، وإذا لاح هذا، ابتنى عليه التشارط من
стр. 3864
الجانبين؛ فإنّ في جريان التشارط ثبوت الشرط من جانب العامل لا محالة. فلو وجد شرطٌ من جانب المالك، وقبولٌ من العامل، فهو التشارط بعينه، فإن قبول الشرط من [العامل] (١) شرطٌ، وسرّ ذلك أن الربح في هذه المعاملة وإن كان مستنده رأسَ المال، فهو في حكم المحصَّل بعمل العامل، فإذا قُسم، فليقسم على وفق الشرع، وذلك بأن يُفرضَ بين المالك والعامل، فإن فرضت قسمةٌ، على خلاف هذه القضية، كانت مجانبةً لوضع الشرع، فالشرع إنما سوغّ هذه المعاملة للحاجة التي صدرنا الكتاب بها.
وكل ما ذكرناه فيه إذا أثبت الملك في مقدارٍ لثالث بحكم الشرط. فأما إذا قال: الثلث لك، والثلثان لي، وأنا أصرف أحد الثلثين إلى فلان، فهذا الآن شرطٌ منه وراء مقصود العقد، وهو في حكم وعدٍ منه، لم يتحكم به أحد عليه، فإن وفّى به كان جميلاً، وإن أبى، فهو على ملكه في القسط المشروط له.
٤٨٧٤ - ومما يتعلق بتمام البيان في هذا الركن: أن المالك لو شرط لنفسه سوى الجزء المسمى من الربح انتفاعاً ببعض أصناف الأموال، مثل: أن يقول: أركب دابةً تشتريها، أو ما جرى هذا المجرى، فهذا فاسدٌ؛ من جهة أنه ضم إلى الربح ما ليس في معناه. وإذا لاح هذا في جانب المالك، فهو في جانب العامل أوضح؛ فإن استحقاقه عن جهة [عوض] (٢) عمله، فإذا ضمَّ إلى الجزء المسمَّى له شيئاً، فسد العوض، فالمالك يستحق بأصل ملكه، فإذا فسد من المالك شرطُ مزيدٍ، فلأن يفسدَ هذا من جانب العامل أولى. وهذا الفصل يتضح عند ذكر تفصيل القول في أن المالك هل ينتفع بمال القراض انتفاعاً لا يضرُّ به. وسنأتي في ذلك بفصلٍ جامع، إن شاء الله .
وقد نجزت الأركان التي أجريناها توطئةً للكتاب، وتمهيداً للقواعد، والمسائلُ بعدها نردُّها إلى ترتيب (السواد) (٣).
стр. 3865
فصل
قال: "وإذا سافر كان له أن يكتري من المال مَنْ يكفيه بعضَ المؤنة ... إلى آخره" (١).
٤٨٧٥ - إذا كان القراض مطلقاً ولم يجرِ من المالك إذنٌ في المسافرة، لم يكن للعامل المسافرةُ بمال القراض، اتفق الأصحاب عليه، وإن كانت التجارة قد تقتضي السفر إذا كسدت البضائع في موضع المعاملة؛ لأن الأسفار مظِنة الأخطار، فلا ينبغي أن يهجم عليها من يتصرف بالإذن، فالمقارض في هذا كالمودَع، فإن سافر دون الإذن، دخل المالُ في ضمانه، والعقد قائمٌ لا ينقطع، فلو سلمت البضائع، فباعها في بلدةٍ أخرى، لم يمتنع نفوذ البيع وإن لم يتفق في مكان (٢) المعاملة.
فإن قيل: إن تقيدت المعاملة بمكانها، فليتقيد جوازُ البيع بالمكان. قلنا: الإذن عام، لا ينكر عمومه، ولولا أخطار الأسفار، لما منعنا منها، والبيع لا خطر فيه.
ثم قال العلماء: إن باع المال بمثل ثمن البلد الذي جرت المعاملة فيه أو أكثر، فجائزٌ، وإن باعه بأقلّ من ذلك الثمن، وظهرِ النقصان، وبلغ مبلغاً لا يتغابن الناس بمثله، كان هذا كما لو باع في مكان المعاملة بغبْنٍ.
ثم إذا صححنا البيعَ منه، وقد تعدى بالسفر، فالثمن الذي يقتضيه من ضمانه
أيضاًً، كالأصل.
ولو وكل وكيلاً في بيع ماله، فتعدّى فيه، دخل في ضمانه، فلو باعه، لم يكن الثمن من ضمانه؛ لأن عدوانه اختص بما تعدى فيه، ولم يوجد منه تعدٍّ في الثمن.
وسبب عدوان العامل في مسألتنا المسافرةُ، وهي حاصلة في الثمن حصولَها في الأصل.
فإن قيل: هذا يستقيم لو سافر بالثمن، وزايل مكانه، فأما إذا تلف الثمنُ في البلدة التي اتفق البيع بها بآفة سماوية، لا تعد من أخطار الأسفار، فما رأيكم فيها؟
стр. 3866
قلنا: الضمان واجبٌ، لأنه في تلك البلدة مسافرٌ، وإذا ضمَّنا المسافر، لم يقف وجوب الضمان على حصول التلف بما يختص بأخطار السفر، وإن فَرض علينا من لا يهتدي إلى مأخذ الفقه إقامتَه بتلك البلدة، فالإقامةُ في غرضنا شرٌّ من السفر؛ فإنّ الذي عنيناه بالسفر المضمِّن مزايلةَ مكان المعاملة، وهذا المعنى حاصل نوى الإقامة، أو لم ينوها.
وكل ذلك فيه إذا لم يأذن له المالك في السفر.
٤٨٧٦ - فأما إذا أذن له في المسافرة، فلا شك أنه يسافر بالإذن أميناً غيرَ ضامنٍ.
والكلام يقع وراء ذلك في مؤن السفر، فنقول أولاً: الأعمالُ في حق المقيم قسمان: أحدهما - ما يتولاه العامل بنفسه، وهو ما جرت به عادة التجار، كطي الثياب ونشرها، وردها إلى الأسفاط (١)، وإخراجها منها. إذا كان من هذا القبيل، فلا يستأجر العامل عليه بأجرة يُخرجها من مال القراض. نعم. إن أراد أن يستأجر بأجرةٍ يبذلها من خاصِّ ماله، فله أن يفعل ذلك.
والقسم الثاني من الأعمال، ما لا يتولاه التاجر بنفسه غالباً، وقد جرت عادةُ التجار بالاستئجار عليه، وهو كالكيل والوزن، والنقل من مكانٍ إلى مكان، فالمقارض يستأجر على هذه الأعمال، ويؤدي الأجرةَ من مال القراض، ولو تولاه العامل بنفسه، وأراد أن يأخذ أجرةَ نفسه من مال القراض، لم يكن له ذلك، ونجعله متبرعاً بتلك الأعمال.
وأما نفقة العامل في الإقامة، فلا نحتسب شيئاًً منها من مال القراض. وكذلك أجرةُ المسكن الذي يسكنه العامل محسوب عليه من ماله.
وأجرة الحانوت الذي يتَّجر عليه مأخوذةٌ من مالِ القراض.
وإذا أراد السفر بالإذن فإنه يخرجُ من مال القراض مؤن الجمال وكذا الجَمّال، وما تمس إليه الحاجة في نقل المال وصيانته. فأما نفقة العامل في نفسه، فالذي نص
стр. 3867
عليه هاهنا أن له النفقةَ بالمعروف، ونص في رواية البويطي على أنه لا يستحق النفقة في مال القراض، فاختلف أصحابنا على طريقين، فمنهم من قطع بأنه لا نفقة له في مال القراض، وحمل نص الشافعي على المؤن المتجددة الراجعةِ إلى المال، كمؤنة الجمال وكذا الجمّال.
ومن أصحابنا من جعل المسألة على قولين: أحدهما - أنه لا يستحق النفقة من مال القراض، قياساً لحالة السفر على حالة الحضر. والثاني - أنه يستحق، لأنه بسفره هذا، احتبس عن سائر مكاسب نفسه، فانحصرت حركاته وسكناته في غرض مال القراض، بخلاف حالة الإقامة.
التفريع:
٤٨٧٧ - إن حكمنا بأنه لا يستحق النفقة، فلا كلام. وإن حكمنا بأنه يستحقها، ففي القدر قولان: أحدهما - أنه لا يستحق من النفقة إلا ما يزداد بسبب السفر؛ فإن هذا الزائد هو المتجدد بسبب السفر، وما سواه كان يطّرد في الحضر والسفر.
والقول الثاني- أنه يستحق جميعَ النفقة من مال القراض؛ فإنه سلم نفسه بالكلية إلى هذه الجهة، وقد ثبت أنها جهةُ استحقاق النفقة، فينبغي أن يستحق تمامَها، كالزوجة الحرة تُسلم نفسها إلى الزوج. ثم هذا القائل إنما يُثبت للعامل كمالَ النفقة، إذا كان سفره مقصوراً على مال القراض، فلو كان حمل مع نفسه مالاً لنفسه، أو لغيره، فالنفقة تقسط على مقدار المالين، فينفق من مال القراض قدر ما يخصّه، والباقي عليه في مال نفسه.
ثم اعتبر أئمتنا في هذا المنتهى مقدارَ المالين، ويجوز أن يعتبرَ مقدارُ العمل على المالين. وقد يكون المال المحمولُ مع مال القراض قليلَ المقدار من حيث القيمة، ولكنه ثقيلٌ كثير [التعب] (١) فيتجه التوزيع على أجرة المثل في العملين. والله أعلم.
فرع:
٤٨٧٨ - إذا سافر بمال القراض إلى بلدة، فاتفق أن التقى العامل ورب المال
стр. 3868
في تلك البلدة، وتفاصلا وأخذ رب المال رأسَ المال وحصته من الربح، فلو قال العامل: لو بقيت المعاملة، وبقيت الأموال، أو أثمانها في يدي، لرجعت إلى وطني بها، ونفقتي فيها، والآن إذا تفاصلنا، فاغرَم لي ما يردّني إلى وطني، فهل له ذلك، تفريعاً على قول استحقاق النفقة؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - له ذلك؛ فإن بقيةَ السفر عليه من أعمال القراض، التي كانت تقابَل بمزيدٍ على ما شُرط للعامل من الربح.
والوجه الثاني- أنه لا يستحق شيئاً من ذلك؛ فإن القراض قد انفصل، وخرج المال من يده، وإذا انكف، فليس مسافراً بمال القراض.
فرع:
٤٨٧٩ - إذا رجع العامل من سفره، وكان قد بقي معه فضلُ زادٍ، كان أعده للسفر، أو بقيت آلات كان أعدها للسفر، كالمِطهرة، ونحوها، فقد ذكر شيخي وجهين: أحدهما - أنه يجب عليه ردُّ الآلاتِ، وفاضلِ الزاد إلى مال القراض؛ فإن السبب الذي كان يُستحق به قد زال، وهذا هو القياس الذي لا ينقدح غيره.
والوجه الثاني- أنه لا يرد؛ فإن هذا يعد مستوعباً بحاجة السفر، وكان يُقرِّب (١) هذا الخلافَ من تردد الأصحاب في أن جند الإسلام إذا انبسطوا في طعام المغنم، وعُذروا، لكونهم في ديار الحرب، لو انتهَوْا إلى دار الإسلام، ومعهم بقايا من تلك الأطعمة، فهل يلزمهم ردُّها إلى عُرض المغنم؟ فيه وجهان مشهوران.
وعندنا أن ذلك محمول على توسُّعٍ شهدت به الأخبار في السِّيَر، ولا يسوغ أن يتخذ أصلاً في أحكام المعاملات.
ثم إذا فرَّعنا على الوجه الضعيف هاهنا في فاضل الزاد، فلا بد من الانتهاء إلى ضبطٍ فيه، والوجه أن نقول: إن كان الفاضل بحيث لو ضُم إلى ما اتفق إخراجه (٢)، وقدِّر إخراجه، لما كان ذلك سرفاً، فهذا هو الذي أراه في محل الخلاف. وإن كان زائداً على هذا، فذلك الزائد بضاعةٌ.
стр. 3869
فصل
قال الشافعي: "ولو اشترى، فله الرد بالعيب ... إلى آخره" (١).
٤٨٨٠ - قد ذكرنا أن الوكيل إذا اشترى لموكِّله شيئاً، واطلع على عيب قديم به، فله أن يرده بالعيب، ولا يحتاج في تنفيذ الرد إلى مراجعة الموكِّل، وإن كان لو رضي الموكل بذلك العيب، لامتنع من الوكيل الرد بعد رضاه. والسبب في هذا أنه لو أخر الرد، وهو ينتظر رأي موكِّله، فقد يرى الموكل الرد، ولو أراد الوكيل بعد الاطلاع على ذلك أن يرد، لامتنع عليه الرد، ولصار متطوّقاً لما اشتراه، والذي عامله قد لا يصدّقه في أنه وكيل، فيخرج منه أنه يصير ملتزماً لحكم العيب، فأثبتنا له الابتدارَ إلى الرد، لما ذكرناه.
ولو قال المردود عليه: قد رضي موكلك، فالقول قول الوكيل مع يمينه، يحلف بالله: أنه لا يعلم رضاه. وهذا قد ذكرناه، وقدمناه في أحكام عهدة الوكيل.
ولو اشترى المقارض شيئاً، واطلع منه على عيبٍ قديم، فالأولى عندنا بناءُ الأمر على تقسيمٍ، فنقول: إذا خرج المشترَى معيباً، لم يخل: إما أن تكون الغبطة في الرد وكان الإمساك ينافيها، أو كانت الغبطة في الإمساك مع ظهور العيب، فنذكر ما يتعلق بالقسمين ثم نذكر استواء الأمرين، في الرد والإمساك في جهة الغبطة.
فأما إذا كانت الغبطة في الرد، فللعامل أن ينفرد بالرد، فإذا كنا نجوز للوكيل الانفرادَ بالرد، فهذا في حق المقارض أولى؛ من جهة أن للمقارض غرضاً يخصه في تحصيل جهات الغبطة، والتوقِّي عن نقيضها، ثم يَنْفصل المقارضُ في هذا المقام عن الوكيل من حيث إن الموكل لو رضي بالعيب، لم يملك الوكيل الردَّ، ولو رضي المالك بالعيب، فللمقارض الردُّ، وليس من حصافة الرأي أن يقول القائل: إذا كان المبيع لا يتمحّض حقاً للعامل، فينبغي أن يملك ربُّ المال إلزامَ العقد في بعضه؛ فإن هذا في هذا المقام غيرُ مبني على أقْدار (٢) الحقوق، والنظر في التوزيع عليها. وقد
стр. 3870
تقع هذه الواقعة، ولم يظهر بعدُ في المال ربحٌ، فالحكم على ما ذكرناه، فلسنا نُثبت للمقارض حقَّ الرد لملكٍ له في الرقبة ناجزٍ، حتى يقدَّرَ مع ملكه ملكٌ ونبني عليه ما قدرناه، ولكنَّ الحقَّ الذي أشرنا إليه أمرٌ يعم هذا المشتري في وجه الرأي من طريق التوقع، والأمور تنفصل في العاقبة.
ولو رضي هذا المقارض بما اشتراه، وأبى المالك، فلا ينصرف المشترَى إلى
جهةِ مال القراض. ومهما كانت الغبطة في الرد، فلا يتصور بقاء المبيع لجهة القراض
إلا بتراضيهما، وسنعود إلى ذلك في آخر هذا الفصل، إن شاء الله .
٤٨٨١ - فأما إذا كانت الغبطة في الإمساك، وتصوير ذلك أن يشتري العامل عبداً يساوي -مع ما به من العيب- ألفاً بتسعمائة، فالغبطة في إمساكه، فلو أراد العامل أن يرد، لم يكن له ذلك؛ لأن تصرفه منوط بطلب الفوائد، وهو برده في هذا المقام مفوّتٌ حظّاً مالياً لا خفاء به. وكذلك لو أراد المالك الرد، لم يكن له ذلك، فالنظر إلى الغبطة من الجانبين.
وهذا الفصل لا يصفو عن شوائِب الإشكال، ما لم نذكر في هذا المنتهى حكمَ الوكيل، فنقول: إذا اشترى الوكيل لموكله عبداً بتسعمائة، ثم اطلع منه على عيبٍ، وكان يساوي العبد مع ذلك العيب ألفاً، فهل للوكيل -والحالة هذه- أن ينفرد برد العبد قبل مراجعة الموكل؟ اختلف أئمتنا في هذه المسألة: فذهب الأكثرون إلى أن للوكيل أن يرد، وإن كانت الغبطة في الإمساك، واعتقد هؤلاء الردَّ من حق الوكيل، وقالوا: لا سبيل إلى منعه منه، مادام هو متعرضاً لالتزامه وتطوّقه، كما صورناه في صدر الفصل، والإنسان له غرض في رد المعيب، وإن لم يتعلق به غرضٌ مالي؛ فإن من اشترى عبداً، واطّلع منه على عيبٍ قديم، وكان يساوي مع ذلك العيب أكثر من الثمن المسمى، فحق الرد ثابت إجماعاً، وإن لم يكن للراد غرضٌ مالي، فكذلك الوكيل إذا كان يتعرض لالتزام العيب، كما نبهنا عليه، فله أن يبتدره على خلاف الغبطة، فيردّه، هذا وجهٌ.
ومن أصحابنا من منع الوكيل من الرد في هذا المقام؛ فإن في الرد -لو ابتدره الوكيلُ- تخسيراً للموكِّل وإحباطَ جزءٍ من المالية عليه، وعيافةُ الوكيل عيبَ
стр. 3871
العبد بتقدير أنه قد يلزمه، لا يعارض ناجز ملكِ الموكل، وينبني عندنا على هذا الأصل أن الوكيل بشراء العبد لو اشترى عبداً معيباً، مع العلم بعيبه، ولكنه كان مغبوطاً غيرَ مغبون، وقد وكله موكله بشراء العبد مطلقاً، فهل يصح منه شراءُ هذا العبد لموكِّله؟ هذا يخرّج على الوجهين في النظر إلى العيب والغبطة، ففي وجهٍ يجوز، ثم للموكل حقُّ الرد إن أراد، وفي وجهٍ لا يقع العقد عن الموكِّل؛ لمكان العيب المعلوم. وكان شيخي يذكر وجهاً ثالثاً ويقول: إن كان يشتريه للتجارة، فينعقد البيع عن الموكل، وله الخيار، وإن كان يشتريه للقُنية والخدمة، فلا يقع العقد عن الموكل. وهذا حسن لا بأس به.
٤٨٨٢ - ونحن نعود بعده إلى المقارض، فنقول: ما ذهب إليه معظم الأئمة في الطرق أن المقارض لا يملك الردَّ إذا كانت الغبطة في الإمساك؛ فإن تصرفاتِه مُدارةٌ على رعاية الأغراض المالية.
ومن أصحابنا من ألحق المقارض بالوكيل فيما ذكرناه من أنه هل يملك الرد؟ وهذا متِّجه؛ فإن حطّ رتبته عن الوكيل لا وجه له فيما رتبناه، ونظمناه، وإلى هذا مال جوابُ القاضي ﵁.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت الغبطة في الرد، أو كانت الغبطة في الإمساك.
٤٨٨٣ - فأما إذا استوى الأمران، ولم يترجح أحدُهما على الثاني في غرضٍ ماليٍّ، فلا شك أن المقارض له أن يرد؛ فإنه مالكٌ للتصرف، فإذا كان يملك بيعَ هذا العبد بثمن مثله، فينبغي أن يملك ردّه واستردادَ الثمن المبذول.
٤٨٨٤ - ومما يتعلق بتمام البيان في هذا الفصل: أن الغبطة إذا كانت في الإمساك، كما تقدم تصويره، فإذا قلنا: للمقارض الردُّ مع ذلك، وهو مسلكٌ بعيدٌ، لما فيه من التخسير، ولكن إذا فرعنا عليه، فيجب أن يملك ربُّ المال الردَّ أيضاًً؛ إذْ هو أولى بذلك، وهو مالك الأصل، غيرَ أن العامل إذا ردَّ، ارتد الملك وانتقض العقدُ، وإذا ردّ المالكُ، ولم يرض العامل بالردّ، نظر: فإن كان وقع العقد بعينٍ من أعيان مال القراض، فالرد يتضمن نقضَ العقد من المالك أيضاًً، وإن كان العقد وارداً على الذمة مصروفاً بالنية إلى جهةِ القراض، فردُّ المالك لا يتضمن نقضَ العقد،
стр. 3872
ولكنه يتضمن صرفه إلى المقارض، فعليه الثمن، وله المبيع.
فلو فرض مثل ذلك في الموكِّل والوكيل، فإن لم يعترف البائع بكون المشتري وكيلاً، فالأمر على ما ذكرنا في المقارض العامل، وإن اعترف بكونه وكيلاً، ولم يردّ الوكيلُ مقصراً، أو راضياً، ففي المسألة وجهان: أحدهما- أن العقد ينفسخ؛ فإنه لا [حظ] (١) للوكيل فيه. والثاني - أنه يرتد إلى الوكيل، وينقلب العقد إليه؛ فإن العقد ورد على ذمته، ثم لم يوجد منه ردُّه مع تمكّنه منه، ولم يجد نفاذاً على الموكل. وهذا الوجه يشير إلى أن الوكيل بالشراء الوارد على الذمة عرضةٌ لأن يكون هو المتملّك، وينقدح إذا حكمنا بأن العقد يرتد إلى الوكيل أن نقول: نتبين أن العقد وقع له إذا انعقد؛ فإنّ صَرْفَ الملك من الموكل بعد حصوله له إلى الوكيل من غير عقدٍ جديد بعيدٌ، وظاهر القياس أن الملك ينقلب إلى الوكيل على نعت التجدّد ولقد (٢) كان واقعاً للموكل.
هذا حاصل الغرض فيما يتعلق برد العامل ورد المالك.
٤٨٨٥ - ومما جرى الرسم بذكره أن المردودَ عليه لو قال للوكيل: قد رضي موكلك، فلا ترد، فلا يملك الوكيل الردَّ، ما لم يحلف على نفي العلم، كما أشرنا إليه، وهو مستقصىً في كتاب الوكالة.
ولو قال المردود عليه للعامل: لا ترد؛ فإن المالك قد رضي به، فقد قال
الأئمة: يردُّ المقارض من غير يمين؛ فإنه يملك الرد، وإن اعترف برضا المالك، وهذا متجه إذا كانت الغبطة في الرد، فأما إذا كانت الغبطة في الإمساك، فالتفصيل فيه ما قدمناه. فليتبع الناظرُ تأصيلَنا، وتفصيلنا في ذلك، يَرْشُد، إن شاء الله.
فصل
قال: "لو اشترى وباع بالدين، فضامنٌ إلا أن يأذن له ... إلى آخره" (٣).
٤٨٨٦ - فأما بيعُ سلع القراض نسيئةً، فممتنعٌ، لا شك فيه، لما في النسيئة من
стр. 3873
الغرر، ولسنا ننظر إلى غرض التجارة في ذلك، صائرين إلى أن البيع إذا كان من مليء، وفيٍّ، وحصل مع ذلك التوثّقُ برهنٍ، أو كفيلٍ، فهذا مما يعتاده التجار، من ضروب التجارة؛ فإن هذا تصرفٌ مستفادٌ بالإذن، فكان محمولاً على مطلق الإذن. وأمرُ الوكيل بالبيع والابتياع إذا جرى مطلقاً، نافى النسيئة، ونزل منزلة العقد لو فرض مطلقاًً، ولو كان البيعُ والشراء مطلقين، تضمَّنا حلولَ العوض.
وهذا فيه ضربٌ من التلفيق؛ فإن معتمدنا في بيع الوكيل العرفُ، ولأجل ذلك منعنا بيعَه بدون ثمن المثل، إذا كان موكلاً بالبيع مطلقاً، فكان لا يمتنع أن يتعلق متعلق بقرينة الحال في قصد التجارة: ويسوِّغُ من المقارض في استصلاح المال ما يجوز من أب الطفل، ولكنّ المانعَ منه أن الولاية تُثبت رتبةَ الاستقلال للولي، والشفقةُ المعتضدةُ بالعدالة والديانة تُؤَمَّنُ من [بوائقِه] (١)؛ فقيل له: تصرف في مال طفلك تصرفَك في مال نفسك، إذا كنت ترعى الغبطةَ، وصلاحَ المال. والقراضُ دائرٌ بين مستقلّيْن، لا ينتظم التصرف بينهما إلا باللفظ، والأغراض تختلف اختلافاً بيناً؛ فلم يمكنا أن نترك اللفظ على عُرفٍ مطّردٍ؛ فمن التجار من لا يبيع نسيئةً أصلاً، ولا يشتري نسيئة ويُعدُّ صاحبَ النسيئة على مجازفةٍ وغرر. وهذا يغلب في معظم الأزمان. فإن لم يتّحد الغرض، ولا متعلّق إلا اللفظ، فمطلقه يقتضي الحلولَ في البيع، والشراء.
فإن قيل: إن ظهر تفاوتُ الأغراض في البيع نسيئةً؛ من جهة أنه يتضمن إزالةَ اليد عن الملك، وانتظارَ الثمن، والطوارقُ تطرق، والعوائق تطرأ فهذا متَّجهُ. أما الشراءُ بالنسيئة، فما المانع منه؟ قلنا: قد لا يؤْثر أصحابُ الديانات بقاءَ التبعات، واشتغال الذمم، وهذا غير مُنْكَرٍ في عادات كثير من الناس.
هذا منتهى القول.
ثم إذا أبطلنا البيعَ نسيئة، ولم يصر المقارض متعدياً بنفس البيع حتى يسلّمه، فإذا سلمه صار غَاصباً، والمشتري منه مشترٍ من الغاصب، وقد ذكرنا هذا الفصل مستقصىً في كتاب الغصب. فأما إذا اشترى شيئاًً مؤجلاً، فمن ضرورةِ التأجيل وقوعُ
стр. 3874
الثمن في الذمة، فلا ينصرف ما اشتراه إلى جهة القراض، ولكنه ينفذُ عليه. وهذا واضح.
فصل
قال: "وهو مصدَّق في ذهاب المال، مع يمينه ... إلى آخره" (١).
٤٨٨٧ - لم يختلف علماؤنا في أن يد المقارض يدُ أمانة فيما يتلف في يده من غير تقصير، فلا ضمان عليه فيه. ولو ادّعى تلفاً، وكان ما ادعاه ممكناً، فأنكر رب المال، فالقول قول المقارض مع يمينه. ولا يشترط في تصديقه مع يمينه أن يغلب على القلب صدقه، بل يكفي إمكانُ صدقِه، وبيان ذلك: أنه لو ادَّعى احتراقَ شيء من المال، وكان حانوته، أو مسكنهُ في مَحِلَّةٍ وقع فيها حريقٌ ظاهر، فالظاهر صدقه، ولكنّا نحلّفه لو ادّعى ذهابَ المال بجهةٍ لم تظهر، كسرقةٍ ونحوِها، ولكن كانت الجهةُ ممكنة، فإنه يصدّق مع يمينه.
ولو نسب الضياعَ إلى جهةٍ يُعلم أنها (٢) لم تكن، مثل أن يدعي احتراق ثياب نهاراً في حانوتٍ بارزٍ للناظرين، وذكَر وقتاً لو جرى فيه حريق، لم يخف وقوعُه، فقوله مردود؛ إذ لا إمكان على الوجه الذي قال.
ولو ادعى ضياعَ المال مطلقاً من غير أن يذكر جهة، صُدِّق مع يمينه، ولم يكلَّف ذكر جهةِ الضياع. والقول في المقارض في ذلك كالقول في المودَع.
٤٨٨٨ - ولو ادعى المقارض ردَّ طائفةٍ من المال على رب المال، فالذي قطع به القفال أنه مصدّقٌ مع يمينه، ومذهب القفال طردُ ذلك في الأمناء كلَّهم.
٤٨٨٩ - وقد قدمنا ترتيبَ العراقيين وتقسيمهم في الأمانات. ونحن نعيدُه لغرضٍ لنا.
قالوا: إن لم يكن للمؤتمن أرَبٌ في الأماناتِ، ولا منفعةٌ، وإنما كانت المنفعةُ كلُّها في الحفظ لرب المال، فإذا ادعى هذا المؤتمن ردَّ الأمانة صُدِّق مع يمينه.
стр. 3875
وإن كان للأمين منفعةٌ فيما في يده كالمرتهن في العين المرهونة، فإذا ادّعى ردَّ الرهن، لم يصدَّق إلا أن يقيم بينةً، والقول قولُ الراهن مع يمينه، وطَردوا هذا في يد المستأجِر في العين المستأجَرة؛ فإنه قبضها لمنفعةِ نفسه.
وإن تردد الأمر، فكان [للمؤتمن] (١) غرضٌ فيما في يده، وكان للمالك غرضٌ أيضاًً، فإذا ادّعى مَنْ هذا وصفُه الردَّ، فقد ذكروا وجهين: أحدهما- أن القول قولُ المؤتمن الذي يدعي الردَّ؛ لأن المنفعة ليست خالصةً له.
والوجه الثاني- أن القول قول المردود عليه، وضربوا في هذا القسم مثالين: أحدهما - الوكيل إذا قبض شيئاًً لبيعه بأجرةٍ، ثم ادعى ردَّه، ففي المسألة وجهان.
والثاني - المقارض، إذا ادّعى الردَّ على رب المال.
ولم يختلفوا أن الأمناء بجملتهم لو ادّعَوْا تلفَ المال في أيديهم، صُدِّقوا مع أيمانهم. وإنما هذا التفصيل للعراقيين فيه، إذا ادعى المؤتَمنُ الردَّ على المالك. ثم بنَوْا على هذا، وقالوا إذا لم يصدقوا المؤتمن في دعوى الرد، فمؤنة الرد [عليه، وإن كنا نصدقه في دعوى الرد، فمؤنةُ الرد على المالك؛ فأتبعوا مؤنةَ الرد] (٢) وجوبَ التصديق عند دعوى الرد، وطبقوا الوفاق على الوفاق في النفي والإثبات، والخلاف على الخلاف.
هكذا حكاه القاضي عن طريقهم، وهذا بعيد جداً، ولم يصح عندنا من طُرقهم إلا الترتيبُ الذي ذكرناه في (٣) أن من ادّعى الرد هل يصدق؟ فأما إيجابُ الردّ ومؤنته، مع القطع بأن اليدَ يدُ أمانة، فبعيدٌ عن قانون المذهب، ويبعد كل البعد أن يجب على المرتهن والمستأجر مؤنةُ الرد.
٤٨٩٠ - وأما القفال، فإنه قطع بتصديق كل مؤتمن في دعوى الرد إذا لم تكذبه المشاهدة. وأجرى المرتهن والمستأجِرَ والمقارضَ والوكيلَ مجرى المودَع، ونزَّل دعوى الرد في جميع هؤلاء منزلةَ دعوى التلف، وسلم العراقيون دعوى التلف،
стр. 3876
والتصديقَ فيها مع اليمين، وإنما خالفوا في دعوى الرد، كما ذكرناه.
٤٨٩١ - فحاصل (١) المذهب أن طريقة المراوزة التسويةُ بين الأمناء وبين دعوى الرد والتلف، والقطعُ بأنه لا يجب على أمينٍ ردٌّ، وإنما عليه التخلية بين المالك وبين ملكه. وإذا كان هذا أصلَهم، فيستحيل عندهم إلزامُ مؤنة الرد على أمين.
والعراقيون وافقوا المراوزة في المودَع، ووافقوهم في دعوى التلف من سائر الأمناء، ورتبوا كلاماً في دعوى الرد، ولم ينقل أحدٌ عنهم التزامَ مؤنة الرد، إلا القاضي، كما تقدم.
والذي يدور في النفس من ترتيبهم شيئان: أحدهما - أن المستأجر ليس يتمحض انتفاعُه مع بَذْله العوض، وفي انتفاعه تقريرُ الأجرة، وكان لا يبعد عن أصلهم إلحاقُ ذلك بما لا يتمحض فيه انتفاع صاحب اليد، وعندي أني قدمت هذا فيما سبق.
والذي نجدَِّدُه الآن أن قياس طريق المراوزة أن المقارض لو قال: رددتُ على المقارض رأسَ المال، وحصتَه من الربح، وهذا الباقي في يدي حصتي أنه يصدق، وهذا فيه إشكال؛ من جهة أن الذي يبقى في يده عِوضُ عمله، ولا يسلّم له عوض عمله إلا بأن يثبت التسليمُ في رأسِ المال، وقسطِ الربح، فيؤول الخلاف في هذا إلى حكم المعاوضة، وهذا إن طُرد فيه قياسُ تصديق المقارض في نهاية الإشكال. نعم، لَوْ لم يتفق ربحٌ، وادّعى المقارض ردّ رأس المال بكماله، فتصديقه حكم الائتمان.
ولا شك أن المراوزة يطردون قياسهم في تصديق المقارض؛ فإن ما ذكرناه من التصاق (٢) حكم المعاوضة بالأمانة لم يوجب إثبات حكم الضمان [بعلقة المعاوضة، وكأن المشروط للمقارض ليس له حقيقةُ المعاوضة. وقد قال] (٣) العلماء: القراض في ابتدائه وَكالة، وفي انتهائه إذا ظهر الربح شركة. وسيأتي ذلك [مشروحاً في المسائل إن شاء الله] (٤).
стр. 3877
فصل
قال: "ولو اشترى من يعتق على رب المال بإذنه عَتَق ... إلى آخره" (١).
٤٨٩٢ - العامل إذا اشترى ابنَ ربِّ المال أو أباه، فلا يخلو: إما أن يشتريه بإذنه، أو دون إذنه، فإن اشتراه بغير إذنه، لم ينصرف الشراء إلى جهة القراض، ولم يخل إما أن يشتري بعين المال، أو يشتري مطلقاً في الذمة. فإن اشتراه بالعين، فالشراء باطل؛ لأنه مأذونٌ في التجارة المربحة، وهذه صفقة إن حكمنا بها خاسرة، فينبغي أن يكون المرعي في القراض [أعواض] (٢) المال، لا غيرها.
ولو اشتراه في الذمة، صح الشراء، وانصرف إلى العامل.
وخرج من مجموع ذلك أن التسليط على التجارة، والإذنَ فيها، لا يملّك العامل شراء من يعتق على الآمر.
ولو أراد العامل أن يشتري جاريةً كانت زوجة رب المال، أو أراد أن يشتري زوجَ ربةِ المال، فهل يصح ذلك تلقياً من مطلق الإذن في التجارة؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يصح لما فيه من الإضرار، ونحن نعلم خروج ذلك عن إرادة الآمر وإذنه، من طريق المعنى؛ فإنه لو أراد ذلك، لنص عليه، ونبه عليه، والألفاظ العامة في هذه المسالك تُخصَّصُ بقضايا العرف، ولهذا قلنا: لا يبيع الوكيل بالإذن المطلق ما وُكّل ببيعه بالغبن الفاحش، وإن كان لفظ البيع شاملاً من طريق اللسان لكل بيع. وهذا القائل يستشهد أيضاًً بامتناع ابتياع من يعتِق على رب المال.
والوجه الثاني- أن الشراء صحيح، في الزوج والزوجة؛ فإنه يُفيد مقصودَ المالية فيهما حَسَب إفادته ذلك في سائر المماليك، والمرعيّ فيما ينصرف إلى جهة القراض، الغرضُ (٣) الذي وُضع القراض له. وإذا كان ذلك (٤) يحصل، فلا نظر
стр. 3878
إلى (١) ضررٍ آخر يلحق من جهةٍ أخرى؛ لا مِن ماليةِ المعقود عليه ابتداءً وبقاءً؛ وبهذا ينفصل ما نحن فيه من (٢) شراء الأب [وكل من يَعتِق] (٣) على رب المال؛ فإن ذلك الملك لا يبقى، لو قدرنا حصولَه.
٤٨٩٣ - فإذا تبين ما ذكرناه، فليقع الفرضُ بعده فيه إذا اشترى العامل من يعتِق على المالك بإذن المالك، فإذا جرى الشراء بإذنه، صحّ، ونفذ، ثم ينقسم القول وراء هذا؛ فلا يخلو: إما أن يكون في المال ربح، وإما أن لا يكون في المال ربح، فإن لم يكن في المال ربح، فلا يخلو: إما أن يشتريه بكل المال، أو ببعضه، فإن اشتراه بكل المال عَتَق عليه، وانتهى القراض، وكان كما لو استرد المال؛ إذْ الإتلاف أو التسبب إلى التلف الحُكمي محل الاسترداد، ثم إذا نفذ العتق في الجميع، فلا شيء للعامل؛ فإن القراض صحيح والعامل في القراض لا يستحق إلا الربح، إن كان، فإن لم يكن، واتفق استردادُ المال قبل ظهور الربح، فلا شيء للعامل. وسنذكر هذا في أثناء فصول الكتاب، إن شاء الله -نعم، لو كان القراض فاسداً، وكان (٤) للعمل الذي جاء به العاملُ أجرُ مثلٍ، فله أجر مثل عمله، إذا استرد رأس المال قبل الربح، أو بعده، ولم نفصل فيما أجريناه بين أن يكون الشراء وقع بعين المال، وبين أن يقع في الذمة؛ فإن الشراء إذا كان على وَفْق الإذن، فإنه ينصرف إلى الجهة المنوية حسَب وروده عليها، لو فرض تعيين الأعيان عوضاًً، وهذا بيّن.
وما ذكرناه فيه إذا اشترى بكل المال، ولا ربح. فأما إذا اشتراه ببعض المال، ولا ربح، فيصح الشراء، وينفذ العتق، ويصير ذلك القدرُ مسترداً من رأس المال وسنذكره مفصلاً (٥)، إن شاء الله.
٤٨٩٤ - فأما إن كان في المال ربح، فلا يخلو: إما أن يشتري بالكل أو بالبعض،
стр. 3879
فإن اشتراه بالكل، [و] (١) كان رأس المال ألفاً، فربح العامل ألفاً، ثم اشترى من يعتِق على المالك بالألفين، فلا شك في نفوذ العتق في مقدار رأس المال فيه (٢). وهو يقع نصفاً من العبد. وأما الربح إن كانا شَرَطَا وقوعَه شَطْرين، فيَعْتِقُ من الربح المقدارُ المشروط للمالك، ويحصُل من رأس المال ومن حصةِ الربحِ العتقُ في ثلاثة أرباع العبد، والربع الباقي يُنظر فيه، فإن كان المالك موسراً، ذا وفاءٍ عَتَق عليه من طريق السِّراية الربعُ الباقي، وغرِم للعامل مقدارَ حصته، وهو خمسمائةٍ في الصورة التي فرضناها، والتفريع على تعجيل السِّراية.
فإن قيل: لم تتعرضوا للقولين في أن العامل هل يصير مالكاً للربح المشروط له بالظهور، أم يتوقف جريان ملكه على المفاصلة؟ قلنا: لا حاجة في هذا المقام إلى هذا الأصل؛ فإنا وإن حكمنا بأن الملك للعامل، فالعتق يسري لا محالة، إذا كان من حصل العتق عليه موسراً.
فإن قيل: هلا خرّجتم حكماً آخر على هذين القولين، وقلتم: إذا صرنا إلى أن العامل لا يملك ما شرط له إلا عند المفاصلة، فالعتق يسري في الجميع، ولا شيء للعامل؟ قلنا: لا سبيل إلى ذلك؛ فإن نفوذ العتق في مقدار رأس المال ينزل منزلة المفاصلة باسترداد رأس المال، ولو استرد ربُّ المال رأسَ المال، وقد ظهر الربح، فيثبُت حصةُ العامل من الربح لا محالة، فإنا نُنزِل الإتلافَ والتسببَ إليه بمثابة استرداد رأس المال، واستردادُ رأس المال مفاصلةٌ، ومقاسمةٌ.
ولو كان رأس المال ألفاً، وما زاد قبل الإقدام على شراء من يعتق على المالك، ولكنه لما [اشتراه كان] (٣) يساوي ألفين على [مكانته] (٤) لو بقي رقيقاً، فهذا ربحٌ حصل بهذا العقد، فكان (٥) التفريع فيه كالتفريع على ما لو حصل الربح قبل هذا العقد (٦).
стр. 3880
وكل ما ذكرناه فيه إذا اشترى من يَعْتِق على المالك بما يساوي رأسَ المال والربحَ الحاصلَ.
٤٨٩٥ - فأما إذا وقع الشراء ببعض مال القراض، وقد ظهر الربح [كأن] (١) كان رأس المال ألفاً، والربحُ الظاهر ألفٌ، وقد وقع الشراء بألفٍ، فالذي قطع به الأئمةُ أنه إذا عيّن هذا المقدار من مال القراض في العقد، أو كان اشترى في الذمة، ونقد الثمنَ، فالعتق ينفذ، ولا نحكم بانحصار ثمن العبد في جهة رأس المال، بل نقضي بأنه يقع شائعاً؛ فإن الربحَ شائعٌ في رأس المال، ورأسُ المال شائعٌ في الربح، والاسترداد يقع على الشيوع، فكأنه استرد نصفَ رأس المال، ونصفُ الربح على هذا الوجه يقع (٢). ثم لا يخفى تنفيذ العتق، ولا حاجة إلى تقديرِ السِّراية، [وتنزيلِ] (٣) ما جرى منزلة استرداد نصفِ المال، مع اعتقاد الشيوع بين رأس المال والربح، وسنذكر على أثر هذا الفصل فصلاً جامعاً في الاسترداد، ووقوعِ المسترد على حكم الشيوع، إن شاء الله.
هذا هو المذهب الذي لا يجوز أن يُعتقدَ غيرُه.
وحكى القاضي عن العراقيين طريقةً أخرى، لم أطلع عليها من مسالكهم، على بحثي عنها، وذلك أنه قال: ذكر العراقيون أن العامل إذا اشترى من يعتِق على رب المال بإذنه، وقد ظهر الربح في المال، فإن اشتراه بقدر رأس المال عَتَق، وكأنّ (٤) المالكَ استرد رأس المال، والباقي بينهما ربحٌ، يتقاسمانه على موجَب الشرط.
وإن اشتراه بأقلَّ من رأس المال، فالثمن محسوب من رأس المال، مُنحصرٌ فيه، لا يُحسب شيءٌ منه من الربح.
وإن اشتراه بأكثرَ من رأس المال، حَسَبْنا من رأس المال على كماله، ثم حَسَبْنا
стр. 3881
الزائد من حصة المالك من الربح، ثم إن استوفى حصتَه، فالباقي للعامل، وإن أبقى من حصته شيئاً، فله البقية.
ثم لما حكى القاضي هذا قال: هذا الذي ذكروه غلطٌ، ولا شك أن ما حكاه غلطٌ، ولكن أخشى أن يكون الناقل غالطاً؛ فلا يستجيز المصير إلى ما حكاه عن العراقيين من أحاط بأطراف الكلام في أحكام هذه المعاملة.
هذا كله تفصيل القول فيه إذا اشترى العامل بإذن رب المال من يعتق عليه، وقد بان من سرّ الفصل أن مغزاه يرجع إلى استرداد طائفة من المال، وتفصيلُ الاسترداد، وتحقيق الشيوع فيه سنذكره متصلاً بهذا الفصل.
٤٨٩٦ - والعبد المأذون له في التجارة إذا اشترى أبَ المولَى، فلا يخلو: إما أن يشتريَه بإذنه، أو دون إذنه، فإن اشتراه بإذنه، نُظر: إن لم يكن عليه ديْن، صحَّ شراؤُه، وعَتَق على المولى، وإن كان عليه دَيْن، ففي عتقه عليه قولان.
وقرّب الأصحاب ما في يد المأذون إذا ركبته الديون، قبل أن يحجر القاضي عليه، من المال المرهون، وذكروا قولين في أن السيد لو أعتق عبداً مما في يد عبده المأذون، وقد ركبته ديون، فيكون كما لو أعتق الراهن العبد المرهون، وكذلك العبد في التركة التي تعلق الدين بها، فإذا أعتق الوارث عبد التركة، فهو بمثابة الراهن، فإذا اشترى العبدُ بإذن المولى من يعتِق عليه، وعليه ديون، فإن جرى ذلك برضا الغرماء، صحّ، ونفذ العتق، وكذلك القول فيه إذا أعتق المولى عبداً بإذن الغرماء، والعبدِ المأذون، فالعتق ينفذ نفوذَه من الراهن في المرهون، عند إذن المرتهن. وقد ذكرت مجامع أحكام المأذون فيما تقدم، وأخرت جملاً من أحكامه إلى كتاب النكاح.
ولو اشترى العبد المأذون بغير إذن مولاه من يعتق عليه، فليقع الفرض فيه إذا لم يكن عليه دَيْن، ففي صحة الشراء قولان منصوصان للشافعي ﵁: أحدهما - لا يصح، وهو اختيار المزني، لأنه مأمور بالتجايرِ (١) المربحة، والذي اشتراه ليس
стр. 3882
ممّا يُتَّجرُ فيه، وقد يكون فيه استيعابُ المال، فشابه العبدُ المأذونُ في ذلك العاملَ في القراض، وقد قطع الأئمة بأن العامل في القراض لا يصح منه أن يشتري من يعتِق على رب المال، فليكن المأذون له في التجارة بهذه المثابة.
والقول الثاني- أن ابتياعه يصحّ، لأنه مستخدمُ السيد، ومأمورُه، وما يصدر منه في امتثال أمر المولى، يقع خدمةً مستحقة عليه، فيليق به أن يرعى في حقه مطلق الأمر، وقد أذن له في الشراء، والعامل (١) مَبْنَى أمره على التجارة؛ فإنّ عِوض عمله فيما يحصله من الربح، فكانت تلك المعاملة متقيدةً بالتجارة، ومعاملةُ العبد خدمةٌ، كما ذكرناها.
هذا ما قيل في توجيه القولين.
وفي هذا فضلُ نظرٍ عندي، فيجب أن يقال: إن قال لعبده: اتّجر في هذه الأموال، فإذا اشترى من يعتِق على المولى، لم يصح؛ لأن ما جاء به لا يسمى تجارة.
وإن أطلق له التصرف، ولم يتعرض لذكر التجارة، وما يدل عليها، فإذا اشترى من يعتِق على مولاه -والحالة كما وصفناها- فيحتمل قولين.
ولو قال للعامل: تصرف، ولم يقل له: اتّجر، فلا يصح من العامل أن يشتري من يعتِق على رب المال قولاً واحداً؛ لأن المعاملة وإن لم تتقيّد بالتجارة، فقرائن الأحوال، ومقتضى المعاملة، دالةٌ على قصد التجارة. هذا ما لا بد منه.
٤٨٩٧ - ومما يتصل بما نحن فيه أن الرجل إذا وكل وكيلاً، حتى يشتري له عبداً، وذكر بعض صفاته، فلو اشترى له من يعتِق عليه، وتوكيله إياه ليس مقيداً بالتجارة، فقد اختلف أصحابنا: منهم من قال: يصح ذلك من الوكيل، ويعتِق على الموكِّل؛ من جهة أن التجارة غيرُ محققة، والتصرف مع الوكيل خاص.
ومن أصحابنا من قال: لا يصح ذلك من الوكيل؛ فإن قرينة الحال تدل على أنه يبغي منه عبد قِنْية، أو عبد تجارة، فإذا اشترى مَنْ يعتِق عليه، لم يكن ما جاء به من القبيلين، فبطل.
هذا إذا وقع شراؤه بعين مال الموكل، فأما إذا اشترى في الذمة، فإن صححناه عن
стр. 3883
الموكل، فلا كلام، وإلا فينفذ العقد على الوكيل، ثم لا يعتِق، فقد انتظم من مجموع ما ذكرناه القولُ في العامل، والعبدِ المأذون، والوكيل بالشراء.
فأما العامل، فلا يصح منه أن يشتري لرب المال من يعتق عليه من غير إذنٍ، لتمحّض قصد التجارة من المعاملة.
والعبد المأذون إذا اشترى بغير إذن مولاه من يعتق عليه، ففيه القولان المنصوصان، وسببُ تردد القول ما ذكرناه، من أن العبد ليس يعمل لنفسه، وإنما هو مأمور من جهة غيره.
والوكيل بشراء عبدٍ يتأخر في المرتبة عن المأذون له في التجارة، وشراؤه من يعتِق على موكله يُخرَّج على الخلاف الذي ذكرناه. وهو على حالٍ أولى بالنفوذ من شراء العبد المأذون.
ثم إذا لم يصح شراء العبد المأذون، فلا كلام، وإن صححناه، لم يخل: إما أن يكون عليه دين، وإما أن لا يكون عليه، فإن لم يكن [عليه] (١) دينٌ، ففي نفوذ العتق قولان، كما تقدم ذكرهما.
٤٨٩٨ - فأما إذا اشترى العامل ابنَ نفسه، أو أبا نفسه، فلا يخلو إما أن يكون في المال ربحٌ، وإما أن لا يكون في المال ربحٌ، فإن لم يكن في المال ربحٌ، وكان اشترى بعين مال القراض من يعتِق عليه نفسِه، صح الابتياع، ووقع المشترى ملكاً لرب المال، ولم يعتِق.
وإن كان ظهر في المال ربح، وقلنا: إن العامل لا يملك الربح إلا عند المفاصلة، فيصح الشراء في هذه الصورة، ولا يعتِق على العامل.
فأما إذا قلنا: إن العامل يملك من الربح ما شُرط له قبل المقاسمة، فقد اشترى من
يعتق عليه بعين مال القراض، فهل يصح البيع في قدر حصته من الربح؟ فعلى قولين ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما- لا يصح؛ فإنا لو نفَّذنا في قدر حقه العتقَ، لكان ذلك خلافَ مقصود القراض؛ إذ المقصودُ منه الاستنماء والاسترباح، ولو لم نحكم
стр. 3884
بالعتق، والحالة هذه، أدى ذلك إلى أن يدخل في ملكه بعضُ من يعتِق عليه، ولا يعتق؛ فحسمنا البابَ، وقلنا: لا يصح البيع في نصيبه.
والقول الثاني- أنه يصح؛ فإنه مطلقُ التصرف في ملكه، فلا يؤاخذ فيه بما ذكرناه.
التفريع:
٤٨٩٩ - إن قلنا: لا يصح البيع في نصيبه، فهل يصح في نصيب المالك؟ فعلى قولي تفريق الصفقة. وإن قلنا: إن البيع يصح في حصّته، فهل يعتِق عليه؟ فعلى قولين، ذكرهما صاحب التقريب أيضاً: أحدهما- يعتق لثبوت ملكه.
والثاني- لا يعتق، لأنه وإن ثبت ملكُه، فهو ملكٌ ضعيف، غيرُ مستقر (١)؛ إذ الربح (٢) وقايةٌ لرأس المال، فيجب اعتباره (٣) لهذه الجهة، إلى انفصال الأمر بالمقاسمة. والقولان يقربان من القولين في أنّ عتق الراهن هل ينفذ في المرهون؟ فإن قلنا: لا ينفذ العتق، فلا كلام. وإن قلنا: ينفذ فيه العتق، فيسري العتق إلى نصيب المالك، إن كان العامل موسراً.
هذا كله فيه إذا اشترى من يعتق عليه بعين مال القراض.
٤٩٠٠ - فأما إذا اشتراه في الذمة، فلا يخلو: إما أن يشتريه مطلقاًً، أو ينوي نفسه، أو يصرفَه إلى جهة القراض. فإن نوى نفسه، أو أطلق، فينصرف إليه العقد، ويلزم الثمنُ ذمتَه، ويعتق عليه العبد، لا شك فيه، ولا تعلق له بالقراض.
وإن صرفه بالنية إلى القراض، خرّجنا ذلك على ما لو (٤) اشتراه بعين مال القراض. فإن قلنا: لو عين مال القراض، صح العقدُ، فيصح العقد عن جهة القراض، (٥ والتفصيل كما قدمناه. وإن قلنا: لو عين مالَ القراض، لم يصح، فإذا أورد العقدَ على الذمة، فلا يصح عن جهة القراض ٥)، ويقع عن المشتري، ويكون كما لو أطلق العقد، أو نوى نفسَه.
стр. 3885
ومما ذكره صاحب التقريب في تمام الفصل: أنه لو اشترى العامل أباه مطلقاًً، ولم يصرح بصرفه إلى جهة القراض لفظاً، ثم قال: نويت به الصرف إلى جهة القراض، وقلنا: لو انصرف إلى القراض، لم يعتق منه شيء، فهل يُقبل منه ادعاؤه الصرفَ إلى القراض؟ فعلى قولين ذكرهما (١): أحدهما - يُقبل قوله، وهو القياس؛ لأنه الناوي، وإليه الرجوع. والثاني - أنه لا يقبل قوله؛ فإن العقد الذي يُقدِمُ عليه عقدُ عتاقة؛ فإذا أراد حمله على ما ينفي العتقَ عنه، لم يُقبل ذلك منه.
٤٩٠١ - ومما يتعلق بتفريع القول في العامل أن رأس المال لو كان ألفاً، فاشترى به من يعتِق عليه، ولم يظهر ربحٌ في المال، فقد ذكرنا أنه لا يعتق عليه شيءٌ؛ فإنه لم يظهر في المال ربحٌ، فلو أمسك العبدَ المشترى، فارتفعت قيمته، فصار يساوي ألفين؛ فإن قلنا: لا يملك من الربح شيئاًً قبل المفاصلة، فلا كلام. وإن قلنا: إنه يملك ما شرط له، فهل يعتِق مقدار حصته، فعلى الخلاف الذي ذكرناه. فإن قلنا: إنه يعتق عليه، فهل يسري العتق إلى تمام العبد إذا كان العامل موسراً، فعلى وجهين: أحدهما - أنه يسري، كما لو اشترى والربح ظاهرٌ.
والثاني- لا يسري؛ فإنّ العتق حصل في الدوام، من غير اختيارٍ من جهته، وإذا حصل العتق بجهةٍ، لا تتعلق بالاختيار، فلا يتعلق بها السريان.
ولهذا قلنا: لو اشترى الرجل بعضَ من يعتِق عليه، عتق عليه ذلك القدر، وسرى العتق إلى تمام العبد. ولو ورث الرجل بعض من يعتِق عليه، وعتَق ما ورثه، لم يسر العتق إلى الباقي؛ لأن الوراثة تقتضي ملكاً قهرياً، والعتق المترتب على السبب القهري لا يسري. ومن قال بالوجه الأول، انفصل عن الإرث، وقال: لا اختيار فيه أصلاً، بخلاف ما نحن فيه، فإنه اختار الشراء أولاً، ثم كان له اختيار في الإمساك إلى ظهور الربح، فانتظم الخلاف مما ذكرناه.
стр. 3886
فصل
قال: "ومتى شاء ربُّه أخْذَ ماله ... إلى آخره" (١)
٤٩٠٢ - مضمون هذا الفصل شيئان: أحدهما - قد نبهنا عليه في الأركان، وهو أن معاملةَ القراض جائزةٌ من الجانبين، فمهما أراد المالك فسْخَها، كان له فسخُها، وكذلك هي جائزة من جهة المقارض، فمهما (٢) أراد الفسخَ، فلا معترض عليه، وهذا بيّنٌ.
والمقصودُ الآخر يتعلق باسترداد طائفةٍ من مال القراض، وهذا من أقطاب الكتاب، ولا بد من صرف العناية إلى دَرْكه، والاهتمامِ به؛ فإن معظم التعقيدات في المسائل ينشأ من هذا الأصل. ونحن نقول فيه.
٤٩٠٣ - إذا عامل الرجل على مقدارٍ من المال، ثم استردّ بعضَه، لم يخلُ: إما أن يكون ذلك قبل ظهور الربح والخسران، وإما أن يستردّ بعد ظهور الخسران في رأس المال. فإن لم يكن ظهر ربحٌ، ولا خسرانٌ، حُطَّ ذلك المقدار المسترد من رأس المال، ولم يَخْفَ رجوع رأس المال إلى المقدار الباقي، فعليه يُبنى الربح والخسران، وكأن المعاملةَ وقعت على ذلك المقدار أول مرة.
وإن ظهر ربحٌ في المال، وفرض استرداد طائفةٍ، فغرض هذا الفصل يُبيّن شيئين: أحدُهما- اعتقادُ الشيوع في رأسِ المال والربحِ في حكم الاسترداد. والثاني - أنه إذا اتّفق ربحٌ، ثم اتّفق بعده خسران من غير تقدير استرداد، فالربح وقايةٌ، والخسران محسوب منه، لا خلاف فيه. فأما إذا أتى الخسرانُ على الربح، ولم يبق منه شيء، ثم فرض بعده نقصانٌ، فهو محسوب من رأس المال.
فإذا ظهر ما ذكرناه صوَّرْنا صورةً، وبيّنا فيها غرضنا، فنقول: لو كان رأس المال مائةً؛ فربح العامل عشرين، ثم استرد ربُّ المال عشرين، ثم
стр. 3887
خسر العامل عشرين، فليس لرب المال أن يقول: قد دفعت مائةً، وأخذتُ عشرين، وفي يدك الآن ثمانون، فلا لي، ولا عليّ، ولا حق لك أيها العامل، بل للعامل أن يقول: هذه العشرون التي هي خسرانٌ لا يلزمني جبرُها؛ فإن لي أن أنكف عن العمل، وأما العشرون التي أخذتَها، فقد كان السدس منها ربحاً وهو ثلاث دراهم وثلث، فقاسمني ذلك المقدارَ من الربح، فلي منه نصفه.
وهذا يُحقِّق أن المسترد يقع شائعاً على نسبة رأس المال والربح.
ولو كان الربح عشرين، ورأس المال مائة، فكل مقدارٍ يعرض أخذُه يقع على نسبة الربح ورأس المال، والعشرون من المائة والعشرين سدس الجملة، فإذا أخذ ربُّ المال عشرين، فسدُس ما أخذه ربحٌ، وخمسة أسداسِه من رأس المال.
٤٩٠٤ - ولو كان رأس المال مائة فخسر أولاً عشرين، ورجع المال إلى ثمانين، ثم استرد ربُّ المال في حالة الخسران عشرين، ثم ربح العامل عشرين، فصار ما في يده ثمانين، فلو قال صاحب المال: دفعتُ مائة وأخذت عشرين وهذه ثمانون في يدك، فلا شيء لك. فللعامل أن يقول: العشرون التي أخذتَها كانت في الأصل خمسةً وعشرين، والخسران مفضوضٌ على جميع رأس المال، [وحصةُ كل عشرين منه خمسة، فلم يبق في يدي على هذا التقدير من رأس المال] (١) إلا خمسة وسبعون وأنا إنما أجبر خسران ما بقي في يدي فأما ما تستردُّه مني، فلا ألتزم جبران خُسرانه، فإذا بقي في يدي خمسة وسبعون، وإذا أنا حصَّلتُ خمسة وسبعين، فقد جبرتُ ما عليّ جبرُه، إذا كنت أتمادى على التصرف، وفي يدي الآن ثمانون، فخمسةٌ منها ربح لا تحسب في جُبران، فنقسمها بيْننا على الشرط.
وقد تحصّل مما ذكرناه شيوعُ الخسران في المال على حساب شيوع الربح فيه.
٤٩٠٥ - ونحن نذكر صورةً أخرى في تمهيد ذلك ذكرها ابن الحداد، فنقول: إذا كان رأس المال مائة، فخسر العامل ورجع إلى تسعين، ثم استرد ربُّ المال من التسعين عشرة، فالقدر الذي يستردّه من المال يخصُّه قدرٌ من الخسران، وذلك
стр. 3888
القدر لا ينجبر بما سيتفق من الربح بعدَ ذلك؛ فإنه لو استرد جميع المال، لانقطع أثر [الجبران] (١) بالكلية، فإذا استرد قدراً، فما قابل ذلك القدرَ من الخسران، لا يتقدّر (٢) فيه الجبران، فنقول: لما خسر عشرة، قسَّطْنا العشرة على تسعين، فخص كلَّ عشرة منها تسعُ العشرة، وهو درهمٌ وتُسع، فلو ربح العامل بعد ذلك، وبلغ [المال] (٣) مائة وخمسين، فكم يكون قدر رأس المال؟ معلوم أنه استرد عشرة في الوقت الذي كان في المال خُسران عشرة، وقد خص ما استرده تُسعُ العشرة، وهو مما لا ينجبر (٤)، فيحط من المئة أحدَ عشر وتسعُ درهم، فيبقى ثمانية وثمانون، وثمانية أتساع درهم، فهذا رأس المال من المائة والخمسين، والباقي ربح، يقتسمانه على الشرط بينهما.
ولو دفع إليه مائةً، وَرَبِحَ، فصار مائة وخمسين، ثم إن المالك استرد من الجملة خمسين، فالربح مقسطٌ على جميع المال، فإذا استردّ خمسين، فنقول: ثلث ما استرده ربح شائع مشترك بين المالك والعامل.
وبمثله لو استرد خمسين كما ذكرناه، ثم خسر العامل، فرجع ما في يده إلى الخمسين، فنقول: ثلثا الخمسين المستردّة تحسب من رأس المال، وثلثُها يحسب من الربح، فقد نقص من رأس المال ثلاثة، وثلاثون، وثلث، وعاد رأسُ المال إلى ستة وستين وثُلثيْن، والربح من المقبوض ستةَ عشرَ وثلثان، فإذا خسر العامل كما ذكرناه، وسلم هو مما قبضه من الربح نصفَه إلى العامل، إن كان الشرط كذلك، وهو ثمانية وثلث، فإنّ المسترد ربحاً لا يخرج عن كونه ربحاً بما يتفق من الخسران. وإنما يكون الربح وقايةً لو بقي في عُرض المال، وهذا كما أن ما يخص المسترد من الخسران لا يلحقُه الجبران بالربح الطارىء.
هذا حقيقة ما ذكره الأصحاب في شيوع الربح والخسران، وبيان موقعهما في المسترد.
стр. 3889
٤٩٠٦ - ثم نعود بعد ذلك إلى أمرٍ متصل بفسخ القراض.
فإذا انعقدت المعاملة، ثم انفسخت بفسخٍ من رب المال، أو العامل، فإن كان قبل العمل والتصرف، أخذ رب المال رأس المال، ولا كلام. وإن كان بعد التصرف، نُظر: فإن كان المال ناضَّاً، وقد حصل ربحٌ، أخذ رب المال رأسَ المال، واقتسما الربح بينهما. وإن لم يكن ربح، أخذ ربُّ المال رأسَ المال، ولا إشكال. فلو قال العامل: أحبطتم سَعْيي، قلنا: إنك دخلت في العقد على أن تستحق جزءاً مما يحصل من الربح، ولم يحصل شيء، فلا مال لك. ولو قال: اتركوه في يدي حتى أتصرّف فيه لم نتركْه؛ إذ لا منتهى له، والمعاملة جائزة.
ولو جرى الفسخ والمال عُروض، لم يخلُ: إما أن يكون فيها ربح أو لم يكن، فإن لم يكن فيها ربح، فهل يجب على العامل تنضيضُ رأس المال ببيع العروض؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما- أنه يجبر على تنضيض العروض وردّها نقداً كما كان، وهذا مما قطع به شيخي والقاضي، وإليه إشارة الشيخ أبي علي. وكأَنَّ المحققين اعتقدوا أن العامل إذا صرف النقد إلى العروض، التزم ردَّ العروض إلى النقد، وبه يخرج عن المطالبة.
والوجه الثاني- لا يلزمه ذلك، وهو الذي قطع به بعض المصنفين؛ فإنه يقول: المعاملة جائزة، وقد انفسخت، ولا تبعةَ عليّ، نقصت قيمةُ العروض أو زادت، فإلزامي البيعَ والتنضيضَ لا معنى له.
فإن قلنا: لا يلزمه البيع، أو رضي المالك بترك العروض، فقال العامل: أبيعها، ولم يكن في ضمنها (١) ربح، فهل له بيعها على قهرٍ وكُرْهٍ من رب المال؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا؛ لأنه كفاه شغلاً، وأسقط عنه حقاً، وليس في المال ربح حتى يكون له فيه حق.
والوجه الثاني - له بيعها؛ لأنه ربما يتفق زبون فيشتريه بأكثرَ، فيحصل الربح.
وفي النفس من هذا شيء، فإذا قُوِّمت العروضُ، فأراد أن يبيع عرْضاً بما
стр. 3890
يساوي، فما عندي أنه يسوغ له ذلك على سُخطٍ من المالك؛ فإنَّا لو فرضنا البيع على هذا النسق في سائر العروض، لم يستفد العامل ببيعها شيئاً. نعم، إذا فسخ القراض، ووجد العامل زبوناً يشتري العروضَ بأكثرَ مما تساوي، فهذا محتمل؛ فإن هذا ليس ربحاً على الحقيقة، وإنما هو رزقٌ يساق إلى مالك العروض، ولا خلاف (١) أن هذا الجنسَ محسوبٌ من الربح في دوام القراض، فهذا السرّ لا بد من التنبه له.
٤٩٠٧ - ومما يتفرع على هذا المنتهى أن القراض إذا فسخ، ووقع التراضي على ردّ العروض إلى رب المال، [إذا] (٢) لم يكن ربح، فلو ارتفع السوق، وظهر الربح، فهل له أن يرجع فيه؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا رجوع له؛ لأنه أسقط حقّه بالتسليم، فلم يمكنه الرجوع.
والثاني- بلى؛ لأن حقه إنما يثبت في الربح بالظهور، وقد [ظهر] (٣) الآن، فلم يُؤثِّر إسقاط الحق قبل الظهور.
هذا كله تفصيل القول فيه إذا تفاسخا، ولم يكن في المال ربح.
٤٩٠٨ - فأما إذا كان في المال ربحٌ، [فنكلّفه] (٤) تنضيض قدر رأس المال.
هذا متفق عليه في هذا المقام؛ فإنه إذا كان يبغي الربحَ، فعليه أن يُتمِّمَ العملَ، وتنضيضُ رأس المال من تمام العمل، وليس كالصورة التي تقدمت، وهي إذا لم يكن ربح.
ثم إذا حصل التنضيض في مقدار رأس المال، فالذي قطع به المحققون: أنه لا يجب تنضيض الباقي؛ بل هو مال مشترك بين رب المال والعامل، وسبيله سبيل عَرْضٍ مشترك بين شريكين.
ولو كان في المال ربح، كما صورنا، فقال العامل: تركتُ حقي من الربح على رب المال، فهذا يُبنَى أوّلاً على أن العامل يملك الربح بالظهور أو القسمة؟ فإن قلنا: إنه يملكه بالظهور، لم يسقط حقه بإسقاطه، حتى يجري فيه مسلكاً مُمَلِّكاً قياساً على كل