فصل
قال: "ومتى شاء ربُّه أخْذَ ماله ... إلى آخره" (١)
٤٩٠٢ - مضمون هذا الفصل شيئان: أحدهما - قد نبهنا عليه في الأركان، وهو أن معاملةَ القراض جائزةٌ من الجانبين، فمهما أراد المالك فسْخَها، كان له فسخُها، وكذلك هي جائزة من جهة المقارض، فمهما (٢) أراد الفسخَ، فلا معترض عليه، وهذا بيّنٌ.
والمقصودُ الآخر يتعلق باسترداد طائفةٍ من مال القراض، وهذا من أقطاب الكتاب، ولا بد من صرف العناية إلى دَرْكه، والاهتمامِ به؛ فإن معظم التعقيدات في المسائل ينشأ من هذا الأصل. ونحن نقول فيه.
٤٩٠٣ - إذا عامل الرجل على مقدارٍ من المال، ثم استردّ بعضَه، لم يخلُ: إما أن يكون ذلك قبل ظهور الربح والخسران، وإما أن يستردّ بعد ظهور الخسران في رأس المال. فإن لم يكن ظهر ربحٌ، ولا خسرانٌ، حُطَّ ذلك المقدار المسترد من رأس المال، ولم يَخْفَ رجوع رأس المال إلى المقدار الباقي، فعليه يُبنى الربح والخسران، وكأن المعاملةَ وقعت على ذلك المقدار أول مرة.
وإن ظهر ربحٌ في المال، وفرض استرداد طائفةٍ، فغرض هذا الفصل يُبيّن شيئين: أحدُهما- اعتقادُ الشيوع في رأسِ المال والربحِ في حكم الاسترداد. والثاني - أنه إذا اتّفق ربحٌ، ثم اتّفق بعده خسران من غير تقدير استرداد، فالربح وقايةٌ، والخسران محسوب منه، لا خلاف فيه. فأما إذا أتى الخسرانُ على الربح، ولم يبق منه شيء، ثم فرض بعده نقصانٌ، فهو محسوب من رأس المال.
فإذا ظهر ما ذكرناه صوَّرْنا صورةً، وبيّنا فيها غرضنا، فنقول: لو كان رأس المال مائةً؛ فربح العامل عشرين، ثم استرد ربُّ المال عشرين، ثم
стр. 3887
خسر العامل عشرين، فليس لرب المال أن يقول: قد دفعت مائةً، وأخذتُ عشرين، وفي يدك الآن ثمانون، فلا لي، ولا عليّ، ولا حق لك أيها العامل، بل للعامل أن يقول: هذه العشرون التي هي خسرانٌ لا يلزمني جبرُها؛ فإن لي أن أنكف عن العمل، وأما العشرون التي أخذتَها، فقد كان السدس منها ربحاً وهو ثلاث دراهم وثلث، فقاسمني ذلك المقدارَ من الربح، فلي منه نصفه.
وهذا يُحقِّق أن المسترد يقع شائعاً على نسبة رأس المال والربح.
ولو كان الربح عشرين، ورأس المال مائة، فكل مقدارٍ يعرض أخذُه يقع على نسبة الربح ورأس المال، والعشرون من المائة والعشرين سدس الجملة، فإذا أخذ ربُّ المال عشرين، فسدُس ما أخذه ربحٌ، وخمسة أسداسِه من رأس المال.
٤٩٠٤ - ولو كان رأس المال مائة فخسر أولاً عشرين، ورجع المال إلى ثمانين، ثم استرد ربُّ المال في حالة الخسران عشرين، ثم ربح العامل عشرين، فصار ما في يده ثمانين، فلو قال صاحب المال: دفعتُ مائة وأخذت عشرين وهذه ثمانون في يدك، فلا شيء لك. فللعامل أن يقول: العشرون التي أخذتَها كانت في الأصل خمسةً وعشرين، والخسران مفضوضٌ على جميع رأس المال، [وحصةُ كل عشرين منه خمسة، فلم يبق في يدي على هذا التقدير من رأس المال] (١) إلا خمسة وسبعون وأنا إنما أجبر خسران ما بقي في يدي فأما ما تستردُّه مني، فلا ألتزم جبران خُسرانه، فإذا بقي في يدي خمسة وسبعون، وإذا أنا حصَّلتُ خمسة وسبعين، فقد جبرتُ ما عليّ جبرُه، إذا كنت أتمادى على التصرف، وفي يدي الآن ثمانون، فخمسةٌ منها ربح لا تحسب في جُبران، فنقسمها بيْننا على الشرط.
وقد تحصّل مما ذكرناه شيوعُ الخسران في المال على حساب شيوع الربح فيه.
٤٩٠٥ - ونحن نذكر صورةً أخرى في تمهيد ذلك ذكرها ابن الحداد، فنقول: إذا كان رأس المال مائة، فخسر العامل ورجع إلى تسعين، ثم استرد ربُّ المال من التسعين عشرة، فالقدر الذي يستردّه من المال يخصُّه قدرٌ من الخسران، وذلك
стр. 3888
القدر لا ينجبر بما سيتفق من الربح بعدَ ذلك؛ فإنه لو استرد جميع المال، لانقطع أثر [الجبران] (١) بالكلية، فإذا استرد قدراً، فما قابل ذلك القدرَ من الخسران، لا يتقدّر (٢) فيه الجبران، فنقول: لما خسر عشرة، قسَّطْنا العشرة على تسعين، فخص كلَّ عشرة منها تسعُ العشرة، وهو درهمٌ وتُسع، فلو ربح العامل بعد ذلك، وبلغ [المال] (٣) مائة وخمسين، فكم يكون قدر رأس المال؟ معلوم أنه استرد عشرة في الوقت الذي كان في المال خُسران عشرة، وقد خص ما استرده تُسعُ العشرة، وهو مما لا ينجبر (٤)، فيحط من المئة أحدَ عشر وتسعُ درهم، فيبقى ثمانية وثمانون، وثمانية أتساع درهم، فهذا رأس المال من المائة والخمسين، والباقي ربح، يقتسمانه على الشرط بينهما.
ولو دفع إليه مائةً، وَرَبِحَ، فصار مائة وخمسين، ثم إن المالك استرد من الجملة خمسين، فالربح مقسطٌ على جميع المال، فإذا استردّ خمسين، فنقول: ثلث ما استرده ربح شائع مشترك بين المالك والعامل.
وبمثله لو استرد خمسين كما ذكرناه، ثم خسر العامل، فرجع ما في يده إلى الخمسين، فنقول: ثلثا الخمسين المستردّة تحسب من رأس المال، وثلثُها يحسب من الربح، فقد نقص من رأس المال ثلاثة، وثلاثون، وثلث، وعاد رأسُ المال إلى ستة وستين وثُلثيْن، والربح من المقبوض ستةَ عشرَ وثلثان، فإذا خسر العامل كما ذكرناه، وسلم هو مما قبضه من الربح نصفَه إلى العامل، إن كان الشرط كذلك، وهو ثمانية وثلث، فإنّ المسترد ربحاً لا يخرج عن كونه ربحاً بما يتفق من الخسران. وإنما يكون الربح وقايةً لو بقي في عُرض المال، وهذا كما أن ما يخص المسترد من الخسران لا يلحقُه الجبران بالربح الطارىء.
هذا حقيقة ما ذكره الأصحاب في شيوع الربح والخسران، وبيان موقعهما في المسترد.
стр. 3889
٤٩٠٦ - ثم نعود بعد ذلك إلى أمرٍ متصل بفسخ القراض.
فإذا انعقدت المعاملة، ثم انفسخت بفسخٍ من رب المال، أو العامل، فإن كان قبل العمل والتصرف، أخذ رب المال رأس المال، ولا كلام. وإن كان بعد التصرف، نُظر: فإن كان المال ناضَّاً، وقد حصل ربحٌ، أخذ رب المال رأسَ المال، واقتسما الربح بينهما. وإن لم يكن ربح، أخذ ربُّ المال رأسَ المال، ولا إشكال. فلو قال العامل: أحبطتم سَعْيي، قلنا: إنك دخلت في العقد على أن تستحق جزءاً مما يحصل من الربح، ولم يحصل شيء، فلا مال لك. ولو قال: اتركوه في يدي حتى أتصرّف فيه لم نتركْه؛ إذ لا منتهى له، والمعاملة جائزة.
ولو جرى الفسخ والمال عُروض، لم يخلُ: إما أن يكون فيها ربح أو لم يكن، فإن لم يكن فيها ربح، فهل يجب على العامل تنضيضُ رأس المال ببيع العروض؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما- أنه يجبر على تنضيض العروض وردّها نقداً كما كان، وهذا مما قطع به شيخي والقاضي، وإليه إشارة الشيخ أبي علي. وكأَنَّ المحققين اعتقدوا أن العامل إذا صرف النقد إلى العروض، التزم ردَّ العروض إلى النقد، وبه يخرج عن المطالبة.
والوجه الثاني- لا يلزمه ذلك، وهو الذي قطع به بعض المصنفين؛ فإنه يقول: المعاملة جائزة، وقد انفسخت، ولا تبعةَ عليّ، نقصت قيمةُ العروض أو زادت، فإلزامي البيعَ والتنضيضَ لا معنى له.
فإن قلنا: لا يلزمه البيع، أو رضي المالك بترك العروض، فقال العامل: أبيعها، ولم يكن في ضمنها (١) ربح، فهل له بيعها على قهرٍ وكُرْهٍ من رب المال؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا؛ لأنه كفاه شغلاً، وأسقط عنه حقاً، وليس في المال ربح حتى يكون له فيه حق.
والوجه الثاني - له بيعها؛ لأنه ربما يتفق زبون فيشتريه بأكثرَ، فيحصل الربح.
وفي النفس من هذا شيء، فإذا قُوِّمت العروضُ، فأراد أن يبيع عرْضاً بما
стр. 3890
يساوي، فما عندي أنه يسوغ له ذلك على سُخطٍ من المالك؛ فإنَّا لو فرضنا البيع على هذا النسق في سائر العروض، لم يستفد العامل ببيعها شيئاً. نعم، إذا فسخ القراض، ووجد العامل زبوناً يشتري العروضَ بأكثرَ مما تساوي، فهذا محتمل؛ فإن هذا ليس ربحاً على الحقيقة، وإنما هو رزقٌ يساق إلى مالك العروض، ولا خلاف (١) أن هذا الجنسَ محسوبٌ من الربح في دوام القراض، فهذا السرّ لا بد من التنبه له.
٤٩٠٧ - ومما يتفرع على هذا المنتهى أن القراض إذا فسخ، ووقع التراضي على ردّ العروض إلى رب المال، [إذا] (٢) لم يكن ربح، فلو ارتفع السوق، وظهر الربح، فهل له أن يرجع فيه؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا رجوع له؛ لأنه أسقط حقّه بالتسليم، فلم يمكنه الرجوع.
والثاني- بلى؛ لأن حقه إنما يثبت في الربح بالظهور، وقد [ظهر] (٣) الآن، فلم يُؤثِّر إسقاط الحق قبل الظهور.
هذا كله تفصيل القول فيه إذا تفاسخا، ولم يكن في المال ربح.
٤٩٠٨ - فأما إذا كان في المال ربحٌ، [فنكلّفه] (٤) تنضيض قدر رأس المال.
هذا متفق عليه في هذا المقام؛ فإنه إذا كان يبغي الربحَ، فعليه أن يُتمِّمَ العملَ، وتنضيضُ رأس المال من تمام العمل، وليس كالصورة التي تقدمت، وهي إذا لم يكن ربح.
ثم إذا حصل التنضيض في مقدار رأس المال، فالذي قطع به المحققون: أنه لا يجب تنضيض الباقي؛ بل هو مال مشترك بين رب المال والعامل، وسبيله سبيل عَرْضٍ مشترك بين شريكين.
ولو كان في المال ربح، كما صورنا، فقال العامل: تركتُ حقي من الربح على رب المال، فهذا يُبنَى أوّلاً على أن العامل يملك الربح بالظهور أو القسمة؟ فإن قلنا: إنه يملكه بالظهور، لم يسقط حقه بإسقاطه، حتى يجري فيه مسلكاً مُمَلِّكاً قياساً على كل
стр. 3891
شِرْك مملوك في مال مشترك. وإن قلنا: حق العامل يثبت في الربح عند المقاسمة، فهل يسقط حقُّه بالإسقاط من غير نظرٍ إلى رضا رب المال؟ فعلى وجهين: أحدهما - يسقط؛ لأنه حق ملكٍ، وليس بحقيقة ملك، فيسقط كما يسقط حق الغانم بالترك والإعراض قبل القسمة.
والثاني- لا يسقط؛ لأنه حق متاكد، وليس عقداً يُفسخ، وليس كالمغنم؛ فإن المغانمَ ليست مقصودَ الغُزاة، وإنما مقصودهم إعلاءُ كلمة الله، والذبُّ عن دِينه.
ثم لم يختلف أصحابنا أن حق العامل يسقط من الربح بما يقع من الخسران، كما سنفصله عند ذكرنا القولين في أن العامل متى يملك الربح، إن شاء الله.
فإن قلنا: لا يسقط حق العامل بالترك على رب المال، والإعراض، فالمطالبة لا تسقط عنه بتنضيض رأس المال.
ويخرج من ذلك أن القراض يُفضي في عاقبته إلى مقتضى اللزوم؛ فإن العامل إذا لم يجد سبيلاً إلى إسقاط حقه من الربح، ودامت عليه الطَّلبة لأجل ذلك بتنضيض رأس المال، فهذا عملٌ يجب على العامل إيفاؤه إذا تحقق ظهور الربح. وإن قلنا: يسقط حق العامل من الربح، فهل تبقى عليه الطَّلبة بتنضيض رأس المال؟ القولُ في هذا كالقول فيه إذا لم يظهر ربح، ولكنه صرف النقدَ إلى العروض فهل يجب عليه تنضيضها؟ فعلى ما تقدم من الخلاف والتردد.
٤٩٠٩ - [ويتنخَّل] (١) من هذا أنه إذا لم يظهر ربح، ففي تكليفه التنضيض الكلامُ المقدم. وظاهر قول الأصحاب أنه يكلّفُ التنضيض، ولم يعرف شيخنا والقاضي غيرَه.
وإن ظهر الربح، وقلنا: لا يقدر العامل على إسقاطه، فإنه يكلف تنضيض رأس المال، وإن قلنا يملك العامل إسقاط حقه، فأسقطه، ففي تكليفه التنضيض خلاف.
والمراتب منقسمة: المرتبة الأولى- وفيها يتحقَّق (٢) الجوازُ أن تنعقد المعاملة على النقد، فالعامل على خِيَرته إلى أن يصرفه إلى العروض، ولا تكليف عليه مهما انكفَّ،
стр. 3892
فإذا صرفه إلى العروض، ترتّب الأمر إلى ظهور الربح وعدم ظهوره. وقد فصّلناه.
ولو قال العامل: قوّموا العروض، وأفرزوا مقدار رأس المال منها، وسلّموا إليّ من حساب الربح قسطاً من العروض، لم يُجَب إلى ذلك، ولم يكن له أن يأخذ من العروض سلكاً (١)، وإن أَبَرَّت (٢) الأرباحُ على قدر رأس المال؛ فخرج من هذا الاتفاقُ على منعه من أخذ جزءٍ من الربح، حتى يفي بالتنضيض، ولو حصل التنضيض في معظم رأس المال، لم يكن له أن يأخذ بقسطِ ما نضَّ من الربح، فأخْذُ أقلِّ القليل من الربح موقوفٌ على تنضيض جميع رأس المال.
ثم لا يجب التنضيض في غير رأس المال. وكأَنَّ العقد ألزمه أن يرد رأس المال كما أُخذ، إن أراد أن يأخذ الربح.
والسبب فيه أن هذه المعاملةَ مع ما فيها من الأغرار على رعاية مصلحةٍ [بيّنة] (٣)، ومن أعظم (٤) أسبابها أن يلتزم العامل تنضيض العروض.
وما ذكرناه فيه إذا كان رب المال مطالِباً بالتنضيض.
فأما إذا رضي ربُّ المال بأن يُفرَزَ رأسُ المال من العُروض، ثم يقع اقتسام الربح وراء ذلك، فإن رضي به العامل أيضاً، جاز ما تراضيا عليه.
وإن رضي رب المال بأن لا تباع العروض، وأبى العامل إلا بيعها، فهل يجاب
العامل إلى مراده؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه فيه إذا لم يظهر في المال ربحٌ، [وقال] (٥) العامل: أبيع العروض، فهل يجاب العاملُ إلى مراده؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه.
٤٩١٠ - فخرج من ذلك أنه إذا كان في المال ربحٌ؛ فلرب المال المطالبةُ بتنضيض رأس المال.
стр. 3893
وإن رضي رب المال (١)، فهل للعامل تنضيضُ رأس المال، فعلى الخلاف الذي ذكرناه.
ولو نضَّ رأسُ المال، فالذي ذهب إليه المحققون أنه لا مطالبة وراء رأس المال بتنضيضٍ، لا من جهة رب المال، ولا من جهة العامل، بل تبقى العروض مشتركة بعد تنضيض رأس المال، وسبيل الشركة فيها كسبيل الشركة في المواريث وغيرها من الجهات التي تُثبت الشركة.
وفي القلب من هذا أدنى بقية، أما إذا نضَّ رأسُ المال، فلا يبقى طَلِبةٌ لرب المال [بالتنضيض] (٢) هذا لا سبيل إليه.
فأما العامل إذا قال: أبيع الكلَّ، فلعل حقي يزيد بالبيع عند وجدان زبون، فهذا فيه احتمال، والأظهر أنه لا يملك ذلك؛ فإنه إذا ظهر أن ربَّ المال لا يكلفه ذلك إذا امتنع، فحمْلُه ربّ المال على البيع -مع أن رب المال لا يقدر على حمله- بعيدٌ (٣)، والذي قطع به المحققون أنه لا طَلبةَ من الجانبين، بعد تنضيض رأس المال.
فصل
قال: "وإن مات رب المال صار لوارثه ... إلى آخره" (٤).
٤٩١١ - القراض من العقود الجائزة. هذا وضعه، ولا نظر إلى ما يُفضي القراض إليه من تكليف التنضيض؛ فإن ذلك في حكم الخروج عن عُهدةٍ تثبُت على حسب [المصالحة] (٥)، وكلُّ عقدٍ جائزٍ من الجانبين كالشركة والوكالة، فحكمه أنه ينفسخ بموت أحد المتعاقدين.
٤٩١٢ - ونحن نذكر تفصيل المذهب في موت المقارِض، ثم نذكر التفصيلَ في
стр. 3894
موت المقارَض، فإذا مات المقارِض، انفسخ القراضُ، ولم يكن للعامل الاستمرار على الاتّجار حَسَب ما كان يفعل في حياة ربّ المال، نعم، إن أوجبنا عليه التنضيضَ، مع فسخ العامل القراض، فذلك الأمرُ يبقى بعد موت المقارِض، وهذا هو الذي يدلُّ على أنه ليس تنضيض رأس المال [مقصود القراض] (١)، وإنما عُهدةُ الشروع في القراض، فإذا كنا نرى تكليف المقارض [ذلك] (٢) بعد انفساخ القراض، فالوارثُ إن كان مستقلاً يكلفه ذلك أيضاً، وإن انفسخ القراض. وإن كان الوارث طفلاً؛ فالوصي يطالب العامل، وإن لم يكن وصيٌّ، فالقيّم الذي ينصبه القاضي يطالِب بذلك، وإن أراد القاضي أن يكلّفه ذلك بنفسه ويقوم على ذلك الطفل، فهو حسنٌ.
وإن أراد الوارث المستقل استدامةَ القراض، من غير إعادة عقدٍ وتجديدٍ (٣)، فلا سبيل إلى ذلك؛ فإن القراض قد تحقق انفساخُه.
ولا يمتنع ابتداءُ القراضِ في مال الطفل على شرط المصلحة اللائقة بالحال، [وليكن] (٤) العامل ممن يجوز إيداعُ مال الطفل عنده، أو إقراضُه منه.
ثم إن كان المال ناضّاً، وليس فيه ربحٌ ولا خسران؛ فيجوز ابتداءُ القراضِ [المفيد] (٥) للطفل، والمتبع في قسمة الربح ما تعلق التشارط به على حسب المصلحة. وإن كان الوصي والمقارَضُ عالمين بالنسبة التي وقع القراض عليها ابتداء، فقالا: تعامُلُنا على ما كنا عليه، لم يمتنع ذلك، إذا كانا محيطين بمعنى اللفظ الذي أبهماه، والمصلحة في أثناء ذلك كلِّه مرعيةٌ.
٤٩١٣ - ثم لو قال الوصي، أو الوارثُ المستقل للعامل: قررتُك على موجَب
стр. 3895
العقد الذي كان في [حال] (١) الحياة، وهما عالمان كما وصفناه، [فظاهر] (٢) المذهب أن العقد ينعقد بلفظ التقرير، وإنا كان مشعراً بالاستدامةِ والاستصحاب؛ فإن المعنيَّ به [أن] (٣) يثبت هذا العقدُ المجدَّدُ على موجب العقد المتقدم، وكما يعبّر بالتقرير عن الاستصحاب، يُعبّر به عن بناء العقد على العقد.
وكان يمنع شيخي تجديدَ العقد بعبارة التقرير، وهذا التردد يشبه تردُّدَ الأصحاب في الوصية الزائدة على الثلث، إذا قلنا: تنفيذها من الورثة ابتداءُ عطية، فهل تنفذ الزيادة بلفظ الإجازة؟ [ظاهر المذهب أنها تنفذ بلفظ الإجازة] (٤) حملاً على أن هذا بناءٌ على سابقٍ وتأسٍّ به.
وكان شيخي يحكي وجهاً أنه لابد من لفظٍ يصلُح لابتداء التبرّع (٥)؛ من جهة الوارث، ثم كان يقول: إن استعمل الوارث الإجازة أخذاً من قول القائل: أجاز فلان فلاناً، إذا أعطاه جائزةً، فقد يجوز من هذا التأويل، فإن لم يرده، لم يجز. وإذا قال: أجزت وصية أبي، فهذا غير صالح للحمل على الجائزة، فيظهر فيه التردد.
ولو فسخ القراض في الحياة، فانفسخ، فاستعمال التقرير بناء على ما تقدم يُخرّج على ما ذكرناه؛ إذْ لا فرقَ بين أن يُفسخ القراض بالموت، وبين أن ينشأ فسخه في الحياة.
[ولو انفسخ البيع بين المتعاقدين، فأراد إعادتَه على الموجب الأول، فقال صاحب المتاع:] (٦) قررتُ البيع على ما كان، وقال المخاطَب: بذلك قبلتُ، فهذا على ما ذكرته.
ولو ارتفع النكاح فقال الولي للخاطب: قررتُ النكاحَ على ما كان، فقال
стр. 3896
الخاطبُ: قبلتُ، فالذي [رأيته للأصحاب] (١): أن ذلك لا يُحتمل في النكاح؛ فإنه مبنيٌّ على تعبدٍ في اللفظ ظاهرٍ، ولا تعويل فيه على اتباع المعنى، وليس يخلو النكاح من احتمالٍ إذا جرى لفظ النكاح مع التقرير.
٤٩١٤ - ثم نعود إلى القول في القراض، ونقول: إن كان المال ناضّاً، فتجديد القراض لا امتناع فيه على الشرط المقدّم.
وإن كان مالُ القراض عُروضاً، فأراد الوارث مع العامل أن يقرر العقد عليها، فقد ذكر العراقيون والقاضي في جواز ذلك وجهين: أما المنع، فبيِّنٌ؛ فإن هذا ابتداءُ القراض، وأما التجويز، فلست أرى له وجهاً، مع القطع بانفساخ القراض أولاً.
ومن يذكر الوجهين في هذا المقام يلزمه طردُهما فيه إذا فسخ القراض في الحياة، ثم طلب تجديده على موجب العقد الأول، وهذا بعيدٌ.
ومن أصحابنا من قطع القولَ بمنع [هذا] (٢) إذا جرى الفسخُ والإعادة في الحياة، وخصص الوجهين بما يُبنى على الموت، والانفساخ الحاصل [به] (٣).
ولم يختلف الأصحاب أن القراض إذا انفسخ بطريان الموت، أو بإنشاء الفسخ، فينقطع حكم القراض الأول.
وبيانه أنا كنا (٤) نرى الربحَ الحاصلَ وقايةً لما يتوقع من خسران، ونقصان، والآن إذا جُدّد العقدُ، فالعامل شريك في المال ولا يصير حقُّه من الربح وقاية [للمال وعرضةً] (٥) لجبر الخسران، نعم، لو فرض ربحٌ جديد في العقد المجدّد، فهو الذي يكون وقاية لرأس المال في هذا العقد المستفتح؛ وذلك أنا لا نشك في ارتفاع العقد الأول، والاحتياج إلى تجديد عقدٍ آخر إن أرادا تجديده، وإنما تساهل الأصحابُ في لفظ التقرير. وتجويزُ التجديد، والمالُ عروض مجاوزةٌ للحد، وتركٌ لركن العقد.
стр. 3897
٤٩١٥ - مما يتعلق بما نحن فيه أن المقارض إذا مات، وكان قد [ظهر] (١) في المال ربح قبل الموت، فحق العامل في ذلك الربح مقدَّم على الديون والوصايا، وحقوقِ الورثة، سواء قلنا: إنه يملك ما شُرط له بالظهور، أو يملك عند المفاصلة؛ فإن حقه متعلق بالعين، لازمٌ، لا يصادمه دينٌ ولا وصية.
قال الأصحاب: إن جعلنا العاملَ مالكاً لما شُرط له، فلا كلام، وإن لم نجعله مالكاً في الحال (٢)؛ فحقه المتعلِّق بالعين آكدُ (٣) من حق المرتهن المستوثِق بالرهن، ثم حق المرتهن مقدَّم، فحق من استحق التملكَ أولى بالتقدم.
٤٩١٦ - هذا كله فيه إذا مات رب المال، فأما إذا مات العامل، فلا شك في انفساخ القراض بموته، فلو أراد ربُّ المال أن يبتدىء عقداً مع وارث العامل، وكان المال ناضّاً، جاز ذلك.
وإن كان عُروضاً، فقد اتفق الأصحاب على منع إعادة العقد عليها في هذا الطرف. وهذا متَّجه.
وإنما المشكلُ ذكرُ الوجهين في الطرف الأول، وقد تكلف بعض الأصحاب فَرْقاً، فقال: المعقود عليه (٤) من المقارِض رأسُ المال، وقد انتقل هو بعينه إلى الوارث، وخلَفه فيه، فلا يبعد مع هذا حكم البناء.
والمعقود عليه من جانب العامل العملُ، وقد انقطع العمل بموته، ولا خلافة فيه.
وهذا تكلف لا أصل له، مع القطع بأن العقد ينفسخ بموت رب المال، وإنما كان هذا فقهاً، لو ساغ المصير إلى الحكم بدوام العقد، فإذا لم يكن كذلك، فلا اتجاه للالتفات (٥) إلى البناء، ولا بناء. وإنما القدرُ المحتمل ما يتعلق باللفظ، كإقامة
стр. 3898
التقرير مقام لفظ التجديد والابتداء، ومن تعدى ذلك إلى حكمٍ، فقد خرج عن قالَب الفقه.
٤٩١٧ - ومما يتعلق بهذا الفصل أن العامل إذا مات والمال ناض، ولا ربح، فتصوير ابتداء القراض مع الوارث هيّن.
وإن كان المال ناضاً، وفيه ربحٌ، فوارث العامل شريك في المال، فإذا فُرض ابتداء القراض معه، فقد صححه الأصحاب، وهذا على التحقيق إيراد القراض على مالٍ شائعٍ، ليس متعيناً في نفسه (١)، وأطبق الأصحاب على جوازه.
وفي هذا فضل نظر عندنا، فإنا ذكرنا في كتاب الشركة أن الشريكين إذا كان بينهما دراهم على التنصيف ملكاها إرثاً مثلاً، فإذا عقدا عقد الشركة، فمقتضاها قسمة الربح على مقدار الملك في رأس المال، فلو فوض أحدُهما التصرفَ إلى الآخر، وشرط له مزيدَ ربحٍ بسبب انفراده بالعمل، فقد ذكرنا في ذلك تردداً في كتاب الشركة، وهذا أوانُ كشفِ القول فيه.
فالذي أراه أن أحد الشريكين إذا ترك العمل بالكليّة إلى شريكه، ورفع اليد عن ملك نفسه، وجرى مع الشريك على الشرائط المرعية في القراض، فيجب والحالة هذه القطعُ بإثبات حكم القراض، وكأن الشريك قارضه على نصيب نفسه من المال، وقد ذكرنا أن الشيوع لا يمنع صحةَ القراض، وسنذكر في ذلك أمثلةً بعد هذا، إن شاء الله.
وإذا كان كذلك، فمن ضرورة القراض أن ينفرد العاملُ بربحِ نصيبه، ويكون مقارضاً في نصيب شريكه، ومن حكم كونه مقارضاً أن يكون ربح ذلك [النصيب] (٢) مقسوماً بينهما على جزئيةٍ، ونسبةٍ يتوافقان عليها، فلست أرى لذكر الخلاف وجهاً في هذه الصورة، إلا إن تشبث متشبث باشتراط كون رأس المال متميزاً غير شائع، ولم أر أحداً من الأصحاب يصير إليه، أو يتشبث به.
وأنا أقول: لو كان المال بينهما نصفين، وسُلِّم العمل على شرط القراض لأحدهما، على أن يكون الربح نصفين، فهذه معاملة فاسدة، وهي بمثابة ما لو شرط
стр. 3899
رب المال على العامل أن يكون جميع الربح في رأس المال له. والذي أراه ما ذكره الأصحاب من الوجهين فيه إذا انفرد أحدهما بمزيد عمل، ولم ينفرد بكلِّه، ولم ترتفع يدُ الشريك عن نصيبه، فإذ ذاك يظهر تمحّضُ حكم الشركة.
ومن أصحابنا من احتمل فيه التفاوت في الربح؛ شرطاً لمصلحة تتعلق بالشركة على طريقة التبعية، من غير رعاية أركان القراض.
فعلى هذا يقوى المصير إلى رد الأمر إلى موجب الشركة، وإبطال اتباع الشرط.
هذا تمام البيان في موت رب المال والمقارَض، وعلينا بعدُ بقيةٌ في موت العامل سنذكره في غرض آخر بعد هذا، إن شاء الله وحده.
فصل
قال: "وإذا قارض العاملُ بالمال ... إلى آخره" (١).
٤٩١٨ - إذا جرى قراض صحيح وتسلّم العاملُ المالَ، وأراد أن يقارض رجلاً آخر، نظر: فإن فعل ذلك بغير إذن رب المال، لم يكن له هذا، فإنّ إقامة العامل غيرَه مقامَ نفسه مستقلاً بذاته تتنزَّل منزلةَ نَصْب الوصي وصياً، على معنى إقامته غيرَه مقام نفسه في جميع ما هو منوطٌ به، وهذا يمتنع في الوصاية المطلقة، وكذلك يمتنع أن ينصب الوصي بعد موت نفسه وصياً، إذا لم يثبت له ذلك، والوكيل في الشغل الخاص لا ينصب وكيلاً؛ فالمقارَض إذا نصب مقارَضاً، بمثابة الوكيل في الشغل الخاص ينصب وكيلاً، ثم إذا أفسدنا ذلك من العامل، فليس قولنا فيه على قياس قولنا في فساد القراض الصادر من المالك، وسبب الفساد إخلالٌ بشرط، فإنا ننفذ تصرفَ العامل (٢) بناء على إذن المالك، و [نرد] (٣) أثر الفساد إلى غرض القراض، والعاملُ إذا نصب عاملاً من غير إذن المالك لم ينفذ (٤) تصرف العامل الثاني؛ فإنه ليس مأذوناً من
стр. 3900
جهة المالك، وتصرُّفُه في مال القراض -ولا إذن من المالك- كتصرف الغاصب، وسنعود إلى ذلك الآن في أثناء الفصل، إن شاء الله.
٤٩١٩ - هذا إذا قارض العامل رجلاً من غير إذنٍ من المالك.
فأما إذا أذن المالك للمقارَض الأول أن يقارض رجلاً، فهذا ينقسم معناه: فإن أراد بهذا الإذن أن ينسلخ المقارَضُ عن حكم القراض، وينتهض وكيلاً في معاملة إنسان، فهذا جائز، والمقارَض الأول إذا أراد ذلك في حكم السفير عن المالك، وحكم القراض بين المالك والعامل الثاني، ولا يجوز والمسألةُ مفروضةٌ كذلك أن يشترط المقارَض الأولُ لنفسه شيئاًً من (١) الربح؛ إذا (٢) لم يعمل؛ فإنَّ استحقاق الربح يترتب على ملك رأس المال، أو على عملٍ فيه، ولم يوجد من الأول ملْكٌ ولا عملٌ، فشرْطُ شيءٍ من الربح له بمثابة شرط جزء من الربح لأجنبي، وقد أوضحنا
فساد ذلك فيما تقدم، وإن كان يعتقد جوازَ شرْط شيء من الربح له؛ من حيث إنه يسعى في تحصيل العمل بنصب العامل، فهذا طمعٌ في غير مطمع؛ فإنّ ربح القراض لا يستحق إلا بعمل القراض، وليس نصبُ المقارَض من عمل القراض، وقد حققنا هذا في أركان القراض.
هذا وجهٌ في تصوير صدور الإذن من المالك في نصب عامل آخر، وقد يُتصور ذلك على وجهٍ آخر، وهو أن يعامل المالك رجلاً والربح بينهما نصفان، ثم يقول للعامل: إن أردت أن تشرك مع نفسك عاملاً، وتجعل ما شرطتُ لك من الربح بينك وبينه على ما تتوافقان عليه [فافعل] (٣)، فالذي أشار إليه اختيار الأئمة أن ذلك ممتنع؛ فإنه لو جاز ذلك، لكان العامل الثاني فرعَ الأوّل، والأولُ ليس مالكاً لشيءٍ من رأس المال، ونصيب العامل على ما سيثبُتُ من الربح ليس على موجَب الشرع، وهذه معاملة يضيق فيها مجال القياس، ووضْعُ القراض على أن يكون أحد المتعاقدين مالكاً لرأس المال لا عمل من جهته، والثاني صاحبُ عملٍ لا ملك من جهته.
стр. 3901
ومن أصحابنا من جوز القراض بإذن المالك على هذه الصورة (١)، وقال: كأن المالك نصب مقارَضَيْن في ابتداء الأمر، ولو فعل ذلك، لم يمتنع، وربما نذكر ذلك [مشروحاً] (٢) في الفروع، إن شاء الله تعالى.
ثم من جوّز هذا [يفرض] (٣) الأمرَ في اشتراكهما في العمل؛ فأما أن يفوِّض أحدُهما العملَ بكلّيته إلى الثاني ويطمع في شيء من (٤) الربح، فلا سبيل إليه أبداً؛ لما صورناه؛ فإن استحقاق الربح من غير ملك، ولا عمل محالٌ.
هذا قولٌ كُلِّيٌّ في تصوير الإذن من المالك في مقارضة العامل رجلاً آخر.
٤٩٢٠ - ونحن نعود إلى مقصود الفصل، والمعنى الذي ساق الشافعيُّ الكلامَ له فنفرض فيه إذا عامل المقارَض ثانياً من غير إذنٍ من المالك، ونقول فيه أولاً: هذا عدوانٌ متضمنٌ للضمان، فإذا سلّم المالَ إلى العامل الثاني، ارتبط الضمان به، ثم لا يخلو هذا الثاني: إما إن يكون عالماً بحقيقة الحال، وإما أن يكون جاهلاً: فإن كان عالماً؛ فغاصبٌ على التحقيق ضماناً وغُرْماً، وإثماً، ثم لو تلف المال في يده على علمه؛ فالضمان مستقر عليه استقراره على الغاصب من الغاصب، ورب المال بالخيار إن شاء طالب الأول، وإن شاء طالب الثاني، فإن طالب الثاني، استقر الضمان، ولا مرجع للثاني على الأول. وإن طالب الأول، فله ذلك، ثم يرجع هو على الثاني؛ إذ عليه قرار الضمان.
وإن كان العامل الثاني جاهلاً بحقيقة الحال، معتقداً أن العامل الأول مالكٌ، فحكم الضمان، والتراجع، [والقرار] (٥) على ما قررناه في كتاب الغصوب، في الأيدي المترتبة على يد الغاصب، مع اعتقاد كون الغاصب مالكاً. وقد أوضحنا من طريقة المراوزة أن كلَّ يدٍ لو ترتبت على يد المالك كانت يدَ أمانة، فإذا ترتبت على يد
стр. 3902
الغاصب، تعلّقت الطَّلِبة بها، ولكن ليست يدَ قرار الضمان. وذكرنا للعراقيين في ذلك اختلافاً وترتيباً.
فالمقارَض إذن على رأي المراوزة لا يستقر الضمان عليه فيما يتلف في يده؛ لأن يده يدُ أمانة. والعراقيون ذكروا في قرار الضمان عليه وعلى غيره خلافاً.
٤٩٢١ - وهذا الذي ذكرناه من فصل الضمان ليس مقصودَ الفصل، بل اعترض فرمزْنا (١) إليه، وأحلناه على ما بيّناه في الغصوب (٢). وإنما مقصود الفصل ما نبتديه الآن، ونذكر مقدمةً للمسألة قائمةً بنفسها. نقول (٣):
إذا غصب رجل دراهمَ، وتصرَّف فيها، وظهرت أرباحٌ في ظاهر الحال، أو تصرف المودَع على خلاف الإذن، وربح، فإذا فعل ذلك، فهو غاصب، فالمنصوص عليه للشافعي في الجدبد، وهو القياس الذي لا حَيْد فيه أن تيك التصرفات إن وردت على الأعيان المغصوبة، فهي منقوضة، وإن تعددت، وبلغت مبلغاً يعسر تتبعها، وإن كانت الأعيان المغصوبة قائمةً، فهي مستردّة، والبياعات الواردة عليها فاسدة، والأعيان [المأخوذة] (٤) في مقابلتها مردودة على ملاكها.
هذا في التصرف الوارد على العين.
ولو اشترى الغاصب في ذمته شيئاً، وأدى الثمنَ من الدراهم التي غصبها، فبَيْعُ المتاعِ في الأصل واقع للغاصب؛ [إذْ] (٥) ورد على الذمة؛ وتأديةُ الثمن من الدراهم المغصوبة عدوان، وتلك الأعيانُ متَّبعةٌ (٦) مستردةٌ حيث تُلْفَى (٧)، على قاعدة الغصب.
وإذا ملك الغاصب ما اشتراه في الذمة، ثم ارتفع السعر، وباعه، فالربح له؛ فإنه
стр. 3903
ربح على ملكه الصحيح. وهذا هو القياس الذي لا يخفى مُدركه.
ونصَّ الشافعي في القديم على أن الغاصب إذا تصرف في الدراهم المغصوبة، واتفقت أرباحٌ بسبب تصرفه، فإنه (١) يُجيز تلك التصرفات، ويفوز بالأرباح، واعتمد في ذلك مصلحة كلّية؛ من جهة أن تتبُّعَ التصرفات الكثيرة في الأمتعة التي تداولتها الأيدي، وتشتتت في البلاد عَسِرٌ، وقد لا يُوصَل إليه، هذا وجه (٢). والآخر (٣): أنَّا لو لم نجوّز هذا، فقد يتّخذ الغضابُ ذلك ذريعةً إلى تحصيل الأرباح؛ فإن الشراء في الذمة، ونقْد الثمن من الدراهم المغصوبة متيسّرٌ لا عسر فيه.
٤٩٢٢ - وهذا القول ينتشر تفريعه، ونحن نبذل المجهودَ في الجمع، فنقول أولاً: التصرف الذي أورده الغاصب على الذمة يُجيزه المالك إذا كان النقد من دراهمه، ويتوصّلُ إلى الأرباح؛ فإن المعتمد في هذا القول اتّخاذُ الدراهم المغصوبة ذريعةً إلى تحصيل الأرباح (٤)، وهذا ينطبق على إيقاع الشراء في الذمة قصداً، مع بناء الأمر على أداء الثمن من الدراهم المغصوبة، فقد اتّفق الأصحاب على جريان الإجازة في عقود الذمة على هذا القول، كما قالوا بجريانها لو أورد الغاصب التصرف على الأعيان المغصوبة.
وهذا في عقود الذمة على نهاية الإشكال؛ فإن عقد الذمة -إذا لم يصدر عن إذنٍ- منصرفٌ إلى العاقد، ويعظم تفريع الأصول الفاسدة الحائدة عن النسق.
واختصاص مذهب الشافعي بإمكان التفريع سببُه التزامه الجريانَ على الأصول، فإذا فرض حَيْدٌ اضطرب تفريع المذهب، ولم يحتمل مذهب الشافعي ما يحتمله غيره من المسالك المبنية على الميل عن الأصول.
٤٩٢٣ - ثم يعترض الآن أمور نرسلها: منها أن معظم أقوال الأصحاب مصرَّحةٌ بأن المالك بالخيار في الإجازة. ومضمونُ هذا أنه إن لم يُجز العقودَ، لم تجز، وانقلب
стр. 3904
التفريع إلى قياس القول الجديد في اتباع العقود وأعيان الأموال على موجب الشرع (١).
وذهب بعضُ (٢) المحققين إلى أن هذه العقود نافذةٌ كذلك، غيرُ موقوفة لتعذّر (٣) التتبع، وفي كلام القاضي إشارة إلى هذا. وهو بعيد، ووجهه على بعده أنا إن خرّجناه على الوقف، فكيف نقف عقود الذمة، ومعلوم أن عاقدها لم يقصده بها، وهذا وقف لا عهد به، فليتأمل الناظر ذلك، وليعلم أن هذا القول البعيد فيه إذا ظهرت أرباح، فإن لم يظهر، فلا مساغ لهذا القول، وليس إلا اتباع القياس.
واختلف جواب أئمتنا المفرعين على القول فيه إذا لم تكثر العقود، وسهل الوصول إلى تتبعها، فقال قائلون: القول القديم يجري، وإن (٤) كان الأمر كذلك؛ فإن النظر إلى الكثرة والقلة وإمكان التتبّع عسيرٌ، لا يهتدى إليه، والأمر المتبع في الباب ظهورُ الربح.
وكان شيخي يحكي عن شيخه القفال أن العقود إذا كثرت، وعسر اتباعها، ووجدنا الأثمان عتيدة، ولا ربحَ، فهذا القول يجري، وإن تخللت عقودُ ذمة.
٤٩٢٤ - فحصل من مجموع الكلام أن العقود إذا كثرت، وحصل ربحٌ، جرى القولُ القديم، والتردد بعده في وقوف الأمر على الإجازة، أو وقوع [العقود] (٥) كذلك من غير حاجةٍ إلى إجازة. وإن أمكن تتبع العقود على يسر وقد حصل (٦) ربحٌ، فوجهان، وإن كثرت العقود وعسر التتبع ولا ربح، فوجهان. وإن لم يكن ربحٌ، وأمكن التتبع، لم يجر القول القديم. هذا هو الترتيب الحاوي.
وفيه سر، وهو أنا ذكرنا قولاً للشافعي في وقف العقود موافقاً لمذهب أبي حنيفة،
стр. 3905
وذلك القول يجري على شرطه و [خاصية] (١) القول القديم في عقد الذمة إذا لم يقصد العاقد بها المغصوب منه.
٤٩٢٥ - ومن تمام البيان في ذلك أن الغاصب لو قال: نويت بالشراء المغصوبَ منه، فقياس قول الوقف المعروف يجري هاهنا؛ فإن العقد عندنا يقف إذا فرعنا على الوقف في جانب الشراء، كما أنه يقف في جانب البيع. ولو قال مشتري السلعة: نويتُ بالعقد نفسي، أو أطلقتُه، فالمفرع على القول القديم، لا يبالي به؛ فإن معوَّلَه قطعُ الذريعة، وهذا إنما يتحقق إذا لم نبُالِ بقصده؛ فإنه ليس يعسر عليه أن يقصد (٢) نفسه أو يطلق.
والذي أراه في هذا أنه لو اشترى شيئاً في ذمته، ولم يخطر له أن يؤدي الثمن من الدراهم المغصوبة، ثم سنح له هذا من بعدُ، فينبغي أن يخرج هذا من تفريع هذا القول، إن صدقه صاحب الدراهم، وإن لم يصدقه، فالذي يقتضيه القياس في التفريع على هذا القول أنَّ تصرفه يقع لصاحب الدراهم، كما قدمناه، وقد يعترض في ذلك فرضُ نزاعٍ بين المتصرف، وبين صاحب الدراهم بأن يقول المتصرف: قد عرفتَ أن ابتياعي لهذا لم يكن على قصد تأدية الثمن من دراهمك، ولا يكاد يخفى فصْلُ هذه الخصومة، وليس على مالك الدراهم إلا أن يحلف لا يعلم ذلك منه. وهذا قد يظهر في أداء [الثمن] (٣) من الوديعة.
ولم يبق في تفريع هذا القول الفاسد شيء، والأصل مضطرب، والتفريعاتُ مختبطة.
٤٩٢٦ - فإذا تمهد هذا عدنا إلى صورة القراض في غرض الفصل: فإذا سلَّم رجل إلى رجل ألفَ درهم قراضاً، فقد ذكرنا أنه ليس له أن يستبد بمقارضة إنسانٍ دون مراجعة المالك، فإذا فعل، وسلم المالَ إلى المقارَض الثاني، وعمل الثاني، وربح
стр. 3906
على تقدير أن المالك هو المقارض الأول، فلا شك أن الأول ضامنٌ غاصب، وكذلك الثاني، والتصرفات التي جرت من العامل الثاني لا تقع عن المالك الأصلي على القول الجديد، فإن ما كان منها على عين المال مردود باطل، وما كان على الذمة، فلا ينصرف إلى المالك، ولكنه ينصرف إلى المقارَض الأول؛ فإنه هو الآمر الموكّل في حق الثاني، والثاني ينويه بتصرفات الذمة، ولا يكاد يخفى تفريع القول الجديد، وإنما الغرض تفريع القراض على القول القديم.
فالذي نقله المزني عن الشافعي في (السواد) (١) وهو الذي فهمه الأئمة من نقله:
أن المالك لو قارض الأول على [شطر] (٢) الربح، ثم قارض الأولُ الثاني على شطر الربح، فإذا نفذنا عقود المقارَض الثاني، وتصرفاته، وخرّجناها على حكم الصحة، فالمالك يسترد رأسَ المال، ويأخذ نصفَ الربح لجهة القرض، ثم المقارَضُ الأول والثاني يقتسمان النصف الباقي نصفين.
هذا جواب الشافعي على القول القديم، وأصل هذا القول مشكلٌ، لا يستريب الفقيه في ميله عن القياس، وهذا التفريع مائل عن قياس القول القديم. ولا يتضح الغرض إلا بأسئلة وأجوبةٍ عنها.
٤٩٢٧ - فإن قيل: قياس القول القديم تنفيذُ التصرفات الواقعة على خلاف الإذن للمالك، وصرف جميع الأرباح إليه، وقد أوضحنا أن المقارَض الثاني في حكم الغاصب، والغاصب إذا تصرف في المال المغصوب نفذت تصرفاتُه، وانصرفت أرباحها إلى المالك. هذا سؤالٌ متّجهٌ.
ولكن يجوز أن يقال: نحن إنما نصرف عقودَ الذمة إلى المالك من غير إذن منه على خلاف القياس قطعاً، لتذرعّ الغصاب إلى التصرف في الأموال المغصوبة بوسائط عقود الذمة، فإذا كنا نرعى حق المالك، ونخالف القياس في صرف عقود الذمة إليه، فإذا تقدم منه الرضا [بشطر] (٣) الربح ابتداءً، لم نزد له على ما رضي، ولم نخالف
стр. 3907
القياسَ على خلاف رضاه، فهذا وجهُ دفع هذا السؤال.
فإن قيل: لم صرفتم شيئاً من الربح إلى المقارَض الأول، ولا ملك له في رأس المال، ولا عمل من جهته، والربح إنما يُستحق لجهتين: إحداهما - ملكُ رأس المال. والثانيةُ- العملُ على شرط الشرع؟ قلنا: معظم عقود القراض تقع على الذمة، والمقارَض الثاني تصرف على اعتقاد أن المقارَض الأول هو المالك، وكان ينويه بتصرفات الذمة، والقياسُ يقتضي وقوعها عنه، ثم الأرباح تتبع في منهاج القياس الملكَ في السلع، فاتجه صرف جميع الربح في عقود الذمة إلى العامل الأول، ولكنا في التفريع على القول القديم امتنعنا عن إجراء القياس مصلحةً للمالك الأصلي، وقطعاً للذريعة، كما تمهد، فلم يبعد إذاً صَرْفُ شيء من الربح إليه.
فإن قيل: إن صح هذا، فلا تصرفوا شيئاً من الربح إلى العامل الثاني، فإن حاله كحال المقارض مقارضة فاسدة. قلنا: إذا أشرنا إلى تأصُّل المقارض الأول؛ فقد جرت منه معاملةٌ مع الثاني، وإذا كنا نجيز التصرفات الفاسدة في القياس، احتمل هذا المسلكُ الوفاءَ للعامل الثاني.
فإن لجَّ السائلُ وقال: تَدْوارُكم على عقود الذمة، فيلزمكم أن تخالفوا هذا القياسَ في العقود الواردة على الأعيان. قلنا: مبنى هذا القول على التسوية بين تصرف العين والذمة، [ثم] (١) يقع من قياس انصراف عقود الذمة إلى المقارض الأول تصرفاتٌ على تلك الأعيان التي يقتضي القياس وقوعها له، ومبنى هذا القول على ترك البحث وإجراء الأمر على ظواهر الحال؛ إذْ لو كنا نبحث عنها، لما قلنا بالقول القديم أبداً؛ فأقصدُ الطرق إجراء الربح على ما قاله المزني تفريعاً على القديم. هذا مع علمنا بأن هذا القولَ فاسدٌ من أصله، وإنما نلتزم تقريبَ القول على قاعدة القول القديم (٢) في الخروج عن هذه الإشكالات. والذي ذكرناه أفضى للإشكال.
стр. 3908
٤٩٢٨ - ثم نقول بعد ذلك: إذا انكشف السر، وظهر الأمرُ، وقد عمل المقارَض الثاني على أنَّ نصف جميع الربح له، ثم لم يسلم له إلا نصف النصف، فهل يرجع على العامل الأول؟ وكيف السبيل إلى قطع العلاقة والأمر على ما وصفناه؟
فالوجه أن نقول: أما نصف النصف، فيسلم له على القديم، وفي رجوعه على العامل الأول بنصف أجر مثل نفسه وجهان مشهوران: أحدهما - أنه يرجع عليه، لما نبهنا عليه من أن الوفاء بتمام النصف لم يُمكن، فقد تعطل شَطر عمله عن مقابل، فالوجه إثبات شطر أجر مثله على العامل الأول.
وهذا له التفاتٌ على قاعدة التغرير ونُزوعٌ إليه.
والوجه الثاني - أنه لا يستحق إلا ما سلّم له من الربح؛ فإن الجمع بين حكم الصحة والفساد متناقض، وصرفُ جزءٍ من الربح إلى العامل [من] (١) حكم الصحة، وإثبات أجر المثل حكم الفساد، فلا سبيل إلى الجمع. هذا بيانُ تردد الأصحاب.
وذهب ذاهبون منهم إلى الفصل بين عبارة وعبارة، وقالوا: إن كان قال المقارَض الأول للمقارَض الثاني: خذ هذا قراضاً على أن ما رزق الله من ربحٍ، فهو نصفان بيننا، فإن كان اللفظ كذلك، لم يرجع العامل الثاني على الأول؛ لأن الله تعالى لم يرزقهما من الربح أكثر مما خصَّهما بالمقاسمة.
وإن كان قال: على أن الربح بيننا نصفان، ففي ثبوت رجوع الثاني على الأول وجهان كما تقدم.
وكان شيخي لا يفصل بين العبارتين؛ فإن العامل الثاني يفهم منهما تشطّر جميع الربح، ولو لم يفهم [هذا] (٢)، وتردد، كان ذلك مضاربةً على جهالة بجزئية الربح.
هذا تمام الغرض من هذا الفصل، وهو حسيكةُ الكتاب؛ لما فيها من الحَيْد عن قانون القياس. وشرطُنا بلوغُ أقصى الإمكان في كل فصل.
стр. 3909
فصل
قال الشافعي ﵁: "وإن حال على سلعةٍ في القراض حوْلٌ، وفيها ربحٌ، ففيها قولان ... إلى آخره" (١).
٤٩٢٩ - مقصود الفصل الكلامُ في أن الملك في الجزء المشروط من الربح متى يحصل للعامل؟ وفيه قولان للشافعي: أحدهما - أنه إذا ظهر الربحُ، مَلكَ العاملُ القسطَ المشروطَ له من الربح، ولم يتوقف ثبوتُ ملكه على المفاصلة.
والقول الثاني: أن العامل لا يملك ما شرط له بمجرد الظهور، حتى تنتهي المعاملة على ما سنصف انتهاءَها. وهذا اختيار المزني.
توجيه القولين على قدر الحاجة: من قال: يحصل الملك للعامل بظهور الربح، احتج بأنه يستحق الجزءَ المشروط له بالشرط، فيجب أن يملكه على مقتضى الشرط، ومقتضاه أن يملك من الربح إذا تحقق الربح الجزءَ المشروط له، وقد تحقق ظهور الربح، فإن كان استحقاق الربح مأخوذاً من موجب الشرط، فهذا موجب الشرط، ولا نعرف له مأخذاً سوى ذلك، ثم لا يمتنع مع استحقاق ما سمي له أن يبقى عليه عملٌ بعد الاستحقاق.
ومن قال بالقول الثاني، اعتمد في نُصرته مسلكين: أحدهما - أن العامل لو ملك ما شرط له عند ظهور الربح، لصار شريكاً في المال، ثم يلزم من ذلك أن يقال: لو فُرض نقصان، لشاع في جميع المال. فإذا قيل: النقصان مُنحصرٌ في الربح، والربح وقايةُ رأسِ المال، دل ذلك على أن الملك غيرُ ثابتٍ للعامل، ولا يلزم عليه [حصة] (٢) المالك، فإن زيادة ملكه (٣) إن كانت وقاية لماله، لم يمنع ذلك، والمشروط للعامل ليس زيادةً في حقه، بل هو عوض كدّه وعمله، هذا مسلك في التوجيه.
стр. 3910
والمسلك الثاني - أن العمل في القراض غير مضبوط، وهو مذكور [في] (١) معاملة جائزة، فكان كالجُعالة، وحكمها أن لا يثبت استحقاق الجُعل فيها إلا عند نجاز العمل، وعمل المقارَض لا ينتجز بظهور الربح.
التفريع على القولين:
٤٩٣٠ - إن قلنا: لا يملك العامل ما شرط له بالظهور، فرأس المال والربحُ بكماله ملكُ ربّ المال. وفرع الأئمةُ على هذا القول وجوبَ الزكاة عليه إذا كان المال زكاتياً، وانقضى (٢) الحول. وقد استقصيتُ تفصيلَ القول في زكاة مالِ القراض على أحسن مساقٍ في بابٍ من كتاب الزكاة.
ثم إذا فرعنا على ذلك، لم يملك رب المال أن يبطل حق العامل من القسط المشروط له، ولا خلاف في ثبوت حق العامل، وإنما الكلام في أنه ملكٌ أو حقُّ ملك.
ومهما (٣) ظهر الربح، فللمقارض أن ينكفَّ عن العمل، ويسعى في تنضيض مقدار رأس المال، حتى يأخذ حصته من الربح، هذا ثابت له، لا سبيل إلى إبطاله عليه.
ولو أتلف ربُّ المالِ المالَ كلَّه: الأصلَ، والربحَ، فيغرَم للعامل حصَّتَه من الربح وفاقاً، والسبب فيه أن الإتلاف في هذه المنازل بمثابة القبض المحسوس، وإذا استرد ربُّ المال رأسَ المال والربحَ، ملك العاملُ حصتَه من الربح، والإتلات بمثابة الاسترداد.
وكذلك نقول لو مات المقارَض بعد ظهور الربح وقبل التفاصل، فورثتُه في طلب المشروط من الربح ينزلون منزلة الموروث.
٤٩٣١ - ومما يتفرع على ذلك أن المال لو كان جارية، فلا يحل لرب المال وطؤها، وإن قلنا: إنه مالك الأصل والربح؛ فإنا لا ننكر مع ذلك ثبوتَ حق العامل في المقدار المشروط له.
стр. 3911
وقد قال القاضي والمحققون: لو اشترى المقارضُ جارية برأس المال، ولم يظهر الربح بعدُ، فليس لرب المال أن يطأها، واعتلّوا [بأنا] (١) لا نتحقق انتفاء الربح في المتقوّمات وإنما الاطلاع على نفي الأرباح وإثباتها بأن تنض.
وهذا فيه فضل نظر.
ولعل الوجهَ أن يقال: إن كان الربح ممكناً فيها، فالتحريم كما ذكره الأئمة، وإن تحققنا أن لا ربح -وقد نستيقن ذلك عند انحطاط قيمتها بعد الشراء- فتحريم وطئها على مالكها بعيدٌ. ويمكن أن يخرّج على أن العاملَ لو طلب بيعَها، وربُّ المال يأبى، فهل يجب إسعاف العامل بما يطلبه؟ فيه خلافٌ قدّمناه: فإن أوجبنا إسعافه، فقد أثبتنا له عُلقةً مستحقةً فيها، فيحرم الوطء بها، وإن لم نُوجب إسعافَه، ولا ربح، والسيد مهما أراد، فَسَخ القراضَ، فلا يبعد تحليلُ الوطء والحالة هذه.
ثم رأيت [لشيخي] (٢) تردداً في أنا إذا حرمنا الوطء، فلو وطىء ربُّ المال، فهل
يكون ذلك فسخاً منه للقراض؟ فعلى جوابين: الأظهر- أنه لا يكون فسخاً.
هذا مقدار غرضنا الآن في التفريع على أن العامل لا يملك ما شرط له من الربح بالظهور.
٤٩٣٢ - فأما إذا قلنا: يملك العامل ما شُرط له، فلا يتسلط على أخذه استرداداً حتى يحصل تنضيضُ رأس المال، ولا يملك التصرفَ فيه، والسبب فيه أن المعاملة مادامت قائمةً، فالربح وقايةٌ لرأس المال، حتى لو فرض نقصانٌ أو خسرانٌ، انحصر ذلك في الربح، فلا ينتقص من رأس المال شيء ما دام بقي من الحصتين شيء -وإن قلّ- فالربح بجملته وقايةٌ لرأس المال، وهذا الحق راجع إلى رب المال.
فكأنا وإن (٣) ملكنا العاملَ ما شرط له من الربح، فلسنا نقطع عن نصيبه حق الوقاية، وكمالُ الربح على القول الأول ملك رب المال، وللعامل في القدر المشروط
стр. 3912
له حق التملك. و [على القول الثاني] (١) ملَّكنا العامل عند الظهور الجزءَ المشروطَ له من الربح، ولرب المال فيه حقُّ الوقاية، فليس للعامل أن يستبد بالتصرف ويكون قاطعاً لحق رب المال.
ثم إذا نضَّ مقدارُ رأس المال، وانفسخ القراض، ورجع رأس المال إلى تصرف المالك، فهذا هو النهاية التي يستقر عندها ملك العامل على نصيبه من الربح.
ولو اتفق نُضوض المال، والعامل متمادٍ على العمل، ولم يطرأ ما يوجب انفساخَ القراض، فالكلام في ثبوت الملك للمقارَض في القدر المشروط له يُخرّج على القولين.
ولو انفسخ القراض والمال عروضٌ، فقد ذكرنا التفصيل في أن العامل هل يجبر على التنضيض؟ فإن حكمنا بأنه لا يجبر عليه، وقد ارتفع القراض، فهل يُقضى بثبوت الملك للعامل قولاً واحداً؟ وهل (٢) يُقضَى باستقرار حقه؟ فعلى وجهين: أحدهما -[أنا] (٣) لا نحكم بالاستقرار، ولا نقطع القول إلا بأحد أمرين: أحدهما - تنضيض رأس المال. والثاني - الاقتسام من غير تنضيض، فإذا بقيت العروض ولم يجر فيها اقتسام، فالقول في الربح كالقول فيه قبل انفساخ القراض. [والوجه الثاني- أنه يحكم باستقرار حكم العامل] (٤).
التفريع على هذين الوجهين:
٤٩٣٣ - إن حكمنا بأن القول في الربح على ما كان، فالربح بكماله يُعدّ وقايةً لرأس المال، وإن حكمنا باستقرار حق العامل، فيخرج المشروط له عن كونه وقاية، ويشيع النقصان -إن وقع- في جميع المال (٥)، شيوعَه في الأملاك المشتركة، وقد زال الربح ووقايته وآل الكلام إلى ملكٍ مشترك. وهذا كله تفريع على أنه لا يُجبر العامل على التنضيض.
стр. 3913
ولو نضت العروض، وانفسخ القراض ولم يجر اقتسامٌ، فالمذهب الأصحُّ القطعُ باستقرار ملك العامل، ثم موجب الحكم باستقرار ملكه خروجُه عن كونه وقاية، ورجوع الأمر إلى التصرف في الأملاك المشتركة.
ومن أصحابنا من اعتقد أن القسمة بعد التنضيض من تمام عمل المقارَض، وهذا ضعيف لا شيء.
فخرج من مجموع ما ذكرناه أن القراض ما دام باقياً، فالربح على القولين، وحق الوقاية ثابت، سواء كان المال ناضّاً، أو عُروضاً.
وإن انفسخ القراض والمال عروض، نُفرع على أن العامل هل يجبر على بيعها؟ فإن قلنا: هو مجبر على البيع، فظاهر المذهب جريان القولين في الربح، وعدم استقرار حق العامل. وفيه وجه ضعيف أن حقه يستقر؛ فإنّ عملَ القراض قد انتهى لما انفسخ، وهذا واقع وراء المنتهى، تبعةً للعقد، وعُلقةً له.
وإن قلنا: إنه لا يجبر على تنضيض العروض، ففي المسألة [الوجهان] (١) وإن نضت العروض، ولم يبق إلا القسمة، فالمذهب استقرار حق العامل. فإن حصلت القسمة، لم يبق خلافٌ. وكذلك لو حصل التنضيض في مقدار رأس المال، ورُدّ إلى المالك، فالباقي -وإن كان عُروضاً- ملك مشتركٌ خارج عن قياس الأرباح، ويستقر فيها حق [العامل] (٢).
فهذا تمام البيان في ملك الربح، وما يتعلق به. والقول في الزكاة تقصَّيتُه على أحسن وجهٍ في كتابها.
٤٩٣٤ - قال المزني: "هذه مسائل أجبت فيها عن معنى قوله، وقياسه:
من ذلك لو دفع إليه ألفَ درهم وقال: خذها، فاشترِ بها (هَرَويّاً)، أو (مَرْويّاً) بالنصف، كان فاسداً ".
هذا لفظ المزني (٣). وقد اختلف أصحابنا في صورة المسألة، وسببِ الفساد:
стр. 3914
فمنهم من قال: ما ذكره المزني من ذكر (الهرَوي) و (المرْوي) تنويعٌ منه للكلام، وفرضٌ للصورتين، مع ترديد الحكم فيهما. وليس ذلك الترديد من كلام المتعاملين، والمعاملةُ مفروضة مع الجزم في (الهروي) أو (المروي)، وإذا كان كذلك، فقد حكم المزني بفساد القراض، فَمَحْملُ (١) الفساد في (٢) مراده عند بعض الأصحاب أنه لم يُضف النصفَ إلى مستحقه، بل أطلق، وقال بالنصف. وقد قدمنا في بعض أركان القراض، أن رب المال لو قال: قارضتك على أن لك النصف، فالظاهر صحة [هذا] (٣) اللفظ. وإن قال: على أن لي النصف، ولم يتعرض لإضافة النصف الثاني إلى العامل، ففي المسألة وجهان. واختيار المزني أن القراض لا يصح.
فإذا قال: قارضتك على أن تشتري الثيابَ الهروية بالنصف من الربح، فليس فيه إضافة إلى العامل، ولا إلى المالك، فلم يصحح المزني المعاملةَ.
وإذا كنا نجري على هذا التأويل، فالأكثرون من الأصحاب يخالفونه في الفساد، ويذهبون إلى صحة المعاملة؛ فإن المذهب الصحيح أنه لا فصلَ بين أن يسمي الجزءَ لنفسه، أو للعامل، ولعل إطلاقَ نسبة النصف (٤) أولى بالصحة من إضافة النصف إلى المالك. وإذا كانت الجملة بين شخصين، فبيان نصيب أحدهما بيانٌ لنصيب الثاني، قال تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث﴾ [النساء: ١١]، فكان في تعيين الثلث للأم تعينُ الباقي للأب.
٤٩٣٥ - ومن أصحابنا من قال: ذكْر (الهروي) و (المرْوي) ترديدٌ في صيغة العقد، من جهة العاقد، فكأنه قال [له] (٥): تصرف في الهروي أو المروي: إن شئت في هذا، وإن شئت في ذلك، وإن اخترت التصرف في أحدهما، فلا تتصرف في الآخر. فقال الأصحاب: سببُ الفساد ترْكُ الجزم وترديد لفظ المعاملة على النوعين،
стр. 3915
فلا هو أطلق تفويضاً إلى العامل، ولم يجزم أيضاً. وهذا كما قال الشافعي: لو ساقاه على أنه إن سُقي النخيلُ بماء السماء، فله الربع، وإن سقاه بالنضح، فله الثلث، لم تصح هذه المساقاة، للترديد.
قال القاضي: الحكم بالصحة محتمل مع هذا الترديد، فإنه لو عيّن أحدَ النوعين، وفيه متسع كما ذكرناه، لم يبعد الحكم بالصحة (١)، فإذا ذكرهما على الترديد، فقد زاد العاملَ مزيد بسطة؛ إذ خيّره بينهما، وهذا أولى بالصحة من تعيين أحدهما، وهذا الذي ذكره حسنٌ متجه لا ينساغ عندنا غيره.
٤٩٣٦ - ومن أصحابنا من قال: سببُ الفساد في هذه المسألة أنه أذن له في الشراء دون البيع، وقضية القراض أن يتسلط العامل على البيع إذا حصلت العروض في يده بالشراء، والذي يحقق هذا المحملَ في كلام المزني أنه قال: "كان فاسداً، لأنه لم يبين، فإن اشترى، فجائز، وله أجر مثله، وإن باع، فباطل؛ لأن البيع بغير أمره" (٢). وهذا ظاهرٌ من النص أن البيع غير مستفاد بحكم الإذن. وهذا وجهٌ من الفساد لا سبيل إلى إنكاره؛ فإن عماد عمل العامل على الشراء والبيع، وهما طرفا (٣) التجارة وركناها.
ونحن نقول في ذلك: إن صرح [المالك] (٤) بالأمر بالشراء والنهي عن البيع، فهذا مفسدٌ للقراض، ثم حكمه اختصاصُ المالك بالربح، وردُّ العامل إلى أجر مثل عمله.
ولو تعرض للتسليط على الشراء، ولم يذكر التسليطَ على البيع، لانفياً ولا إثباتاً، فهذه صورة المزني، والقول في ذلك ينقسم: فإن قال: تصرّف في هذه الدراهم، واشتر بها، ولم يذكر لفظة المضاربة والمقارضة، وأثبت الشراء، ولم يتعرض للبيع، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن إطلاق الأمر محمول على التسليط
стр. 3916
على البيع، وإنما لم يجرِ ذكْرُه؛ من جهة أنه لا بد منه، ووقع التعرضُ للشراء تنبيهاً على البيع بعده.
ومن أصحابنا من حمل السكوت [عن] (١) البيع على ترك التسليط عليه، فعلى هذا تفسد المعاملة ولا [يتسلّط على البيع] (٢)، كما ذكرناه.
٤٩٣٧ - ولو قال: قارضتك، أو قال: ضاربتك، أو قال: خذ هذه الدراهم قراضاً أو مضاربة على أن تشتري، ولم يقع للبيع تعرضٌ، فظاهر المذهب وهو الذي قطع به القاضي وكلُّ محقِّقٍ أن المعاملة صحيحة؛ فإنه استعمل فيها اللفظَ الصريح الموضوعَ لها، فأغنى ذكرُه عن تفصيل حكمه، واقتضى إطلاقُه التسلّط الذي يوجبه العقد، وكان السكوت عن ذكر البيع محمولاً على الاكتفاء باقتضاء لفظ القراض له.
ومن أصحابنا من أجرى الوجهين في هذه الصورة أيضاً؛ لأن الأصل أن العامل لا يتصرّف إلا بالإذن، وقد جرى الإذنُ (٣) في أحد النوعين، وهو الشراء، فبقي النوع الثاني على المنع والحظر.
هذا منتهى كلام الأئمة في تصوير ما ذكره المزني وقد جرت [في] (٤) جهات خلافهم في التصوير مسائلُ مذهبية، أجريناها وذكرنا وجوهَ الخلاف فيها.
٤٩٣٨ - ومما أراه متعلقاً بلفظ المزني أنه لم يتعرض للربح، ولا لرأس المال، ولكن ذكرَ النصفَ مرسلاً، فقال: على أن تشتري هروياً أو مرْوياً بالنصف، ولم يقل: بالنصف من الربح، وهذا يقتضي إشكالاً في لفظ العقد. ويجوز أن يقال: تفسد المعاملة بهذا الإشكال (٥)، ويجوز أن يحمل ذكْر النصف على الربح اتباعاً للمعروف المعهود في الباب.
وهذا منتهى الغرض في المسألة.
стр. 3917
قال: "إن قال: خذها قراضاً، أو مضاربةً على ما شرط فلان من الربح لفلان ... إلى آخره" (١).
٤٩٣٩ - إذا قال: قارضتك على هذه الدراهم، ولك من الربح ما شرطه فلان لفلان، فإن كانا عالمين بما شرطه فلان لفلان، فالمعاملة تصح وفاقاً، وإن لم يُجريا ذكرَ تلك النسبة؛ فإن التعويل على علمهما وعلى عبارة بيّنةٍ على ما علماه.
وإن جهلا المقدارَ الذي ذكره فلان لفلان، ولكن كان التوصل إلى الإحاطة به ممكناً، فالمعاملة فاسدة؛ فإنها لم تَعتمد حالة العقد جزئيةً معلومة. وهذا بعيْنه يجري في البياعات والمعاملات المشتملةِ على الأعواض. فإذا قال: بعتك عبدي هذا بما باع به فلانٌ دارَه أو فرسَه -وكانا عالمين بذلك المقدار- صحّ، وإن كانا جاهلين به، قادرين على الوصول إلى دَرْكه، فالبيع فاسد، وجهْلُ أحد المتعاقدين في ذلك كله كجهلهما.
وإذا قال المنتهي إلى الميقات: لبيك بإهلال كإهلال فلان، فعقدَ الإحرامَ على الإبهام، انعقد على الصحة، وهو من خصائص الحج؛ فإن الذي يقتضيه قياس التعيين في النيات افتقارُ الحج إلى التعيين، ثم انعقاد الإحرام مبهماً. والمحرم (٢) لا يدري أحاجٌّ هو أم معتمر، أو هو محرمٌ بهما مشكلٌ في القياس جداً؛ ولكنا أعرضنا عن وجه القياس، وتعلقنا فيه بالخبر، وهو ما روي: "أن علياً رجع من اليمن عام حجة الوداع، وانتهى إلى [قَرْن] (٣)، وقد بلغه خروج رسول الله ﷺ إلى النسك، فأحرم، وأبهم وقال: لبيك بإهلال كإهلال رسول الله، ثم
стр. 3918
ذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فلم ينكر عليه " (١).
أما المعاملات، فقد تُعبِّدنا فيها بالإعلام، ونُهينا عن العقد على الجهالة والإبهام، فاتّبعنا في كل بابٍ ما تعبدنا به.
٤٩٤٠ - ثم قال المزني: "فإن قارضه بألفٍ على أن ثلث ربحها للعامل، وما بقي من الربح، فثلثه لرب المال وثلثاه للعامل، فجائز" (٢).
هذا كلام المزني. وغرض الفصل أن الربح إذا ذكر جزئيتَه، وانقسامَه على نسبةٍ معلومة، تهون الإحاطة بها، فلا شك في [صحة (٣) العقد].
وإن أجرى نسبةً معقَّدةً، معلومةً في الحساب، ولكن كان يختص بدَرْكها العلماءُ بالحساب، ويتوصل إلى درْكها من ليس حسوباً إذا تفكّر، أو أرشده مفسّر، وهذا مثل أن يقول للعامل: لك ثلثُ الربح، وخمسُ تُسع عُشر الباقي، فهذا معلوم في طريق الحساب. ولكن إخراجَه يُحوج إلى تصحيح المسألة، وبسط طرق الحساب فيها، فالوجه أنهما إن كانا عالمين بالحساب ومُدرَكِه، وكان اللفظ المذكور في العقد مُعْلِماً في حقهما للمقدار، فيصح العقد قطعاً؛ فإنا نقول: لو قال رب المال لصاحبه: عاملتك، ولك من الربح ما شرطه فلان لفلان، فالمعاملة صحيحة إذا كانا عالمين بما ذكره فلان لفلان؛ تعويلاً على علمهما، فكذلك تصح المعاملة مع اطّلاع المتعاملين على ما يقتضيه الحساب.
هذا إذا انتجز علمهما بذلك الجزء حالة العقد.
فإن لم ينتَجز علمُهما حالة العقد، أو كان أحدهما غيرَ مهتدٍ إلى الحساب، ففي المسألة وجهان ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - أن المعاملة فاسدة، لعروّها عن العلم المطلوب حالة العقد. وهذا يتنزل منزلة ما لو قال: لك من الربح ما شرطه فلان لفلان، وكانا جاهِلَيْن بما شرطه، أو كان أحدهما جاهلاً، فالمعاملة فاسدة، وإن أمكن التوصل إلى ما ذكره فلان لفلان، كذلك القول في اللفظة الحسابية.
стр. 3919
ومن أصحابنا من قال: المعاملة صحيحة، لأن اللفظة المشتملة على الجزئية معلومة في صيغتها، فتعتمد صحةُ العقد تلك الصيغة. وقول القائل: لك ما شرط فلان لفلان مجهولٌ في نفسه، لا إعلام فيه.
ثم طريق إخراج الجزئيات لا يليق استقصاؤه بهذا الفصل، ولعلنا نذكر طرفاً صالحاً يُثبت الاستقلال في هذه الأبواب في كتاب الفرائض، إن شاء الله ، ثم في كتاب الوصايا.
ونذكر إخراج ما ذكره المزني: فإذا قال: لك ثلث الربح، والثلث مما بقي لي، والباقي لك. فنطلب عدداً له ثلث، ولثلثيه ثلث، وهو تسعة فنجعل الربحَ تسعة أجزاء، ونصرف منها ثلاثة إلى العامل أولاً، فيبقى ستة، فنصرف منه ثُلثَه إلى المالك، وهو سهمان من تسعة، ثم يُصرف الباقي، وهو أربعة من تسعة إلى العامل، فيحصل له من [التقديرين] (١) سبعةُ أتساع الربح، وللمالك تسعاه. هذا بيان ما ذكره المزني.
فصل
قال: "وإن قارضه على دنانير، فحصلت في يده دراهم ... إلى آخره" (٢).
٤٩٤١ - إذا كان رأس المال دنانير معلومة، فتصرّف فيها العامل، وصرفها في العروض، ثم نضت العروض، [ورجعت] (٣) إلى الدراهم، فهذه الدراهم بمثابة العروض في حق هذا القراض، فيتعين على العامل -على القياس الذي مهدناه- ردُّ الدراهم إلى الدنانير، وكذلك لو كان الأمر على العكس.
وهذا يناظر من القواعد زكاةَ التجارة في العروض، فإنا نقوّم العروض في نهايات الأحوال ومُنقرض السنين بما كان رأسُ المال في ابتداء الحول، حتى لو [كان] (٤) رأس المال دراهم، وقع التقويم بها لا غير، فلو صادفنا في آخر الحول دنانير، لم نوجب
стр. 3920
الزكاة فيها بحساب مقدارها، ولكنا نقومها بالدراهم، ونوجب الزكاة في قيمتها على هذه النسبة.
٤٩٤٢ - ومما يتعلق بمضمون الفصل من حكم القراض، أن أموال القراض لو كانت عُروضاً، فقال رب المال: رضيتُ بأن آخذ مقدار رأس المال عروضاً، وقال العامل: بل أبيعُ؛ ففيه الخلاف المقدم، ولو كان رأس المال دنانيرَ، وقد آل الأمر إلى الدراهم، فلو قال رب المال: رضيت أن آخذ مقدار حقِّي من الدراهم، فالذي قطع به المحققون أن العامل لو أراد صرف الدراهم إلى الدنانير على خلاف مراد الآمر في قدر رأس المال، فليس له ذلك، بخلاف مسألة العروض. والفرقُ أن قيمة العروض لا تنضبط، وقد يتفق في أثمانها تفاوتٌ، والتعويل فيها على الرّغبات ونقيضها، فلا يمتنع إسعاف العامل ببيعها، فعساه يستفيد مزيداً، وأما الدراهم والدنانير فلا يفترض في أسعارهما تفاوت معتبر، وليس مما يُفرض فيه رغبةٌ من راغب، وزهدٌ من زاهد. فإذا قال العامل: [أصرف] (١) الدراهم إلى الدنانير، كان ذلك تعنتاً منه.
هذا ما ذهب إليه المحصلون.
وأبعد بعضُ أصحابنا فأجرى في الدراهم والدنانير من الخلاف ما ذكرناه في العروض، وردِّها إلى النقد.
ولو جرت المعاملة على الدنانير مثلاً، والنقد الغالب في التصرفات الدراهم، فالمذهب الذي عليه التعويل أن العامل يُكلّفُ رد العروض في مقدار رأس المال إلى الدنانير. فلو قال: أردّها إلى الغالب في البلد، ثم يأخذ منه رب المال بمقدار رأس المال، فلا يترك [و] (٢) ذلك.
وذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص وجهاً عن بعض الأصحاب: أن العامل إذا رد العروض إلى نقد البلد، كفاه، وهذا بعيد لا اتجاه له، وليفرق الفقيه فيما نثبته
стр. 3921
وننفيه بين أن يرضى ربُّ المال بأخذ النقد الحاصل عن حساب رأس المال، وبين أن يبغي مطالبةَ العامل برده إلى نوع رأس المال، فإن رَضي ربُّ المال، فالوجه اتباعُ رضاه، والكلام في نقدين. فإن طالب ربُّ المال العاملَ برد النقد الحاضر إلى نوع رأس المال، فالمذهب أن له ذلك إذا كان في المال ربح، والوجه الذي ذكره الشيخ أبو علي ضعيف، في هذا الطرف، كما نبهنا عليه.
ولو كان رأس المال دراهم صحاحاً، فحصلت في يد العامل المكسرةُ من ذلك النوع، فعليه تحصيل الصحاح في رأس المال، فإن وَجد الصحاح بالمكسرة سواءً، فذاك، وإن لم يجد، ولا سبيل إلى المفاصلة، باع المكسرة بالدنانير، واشترى بالدنانير الصحاحَ من الدراهم.
ولو أراد أن يبيع المكسرة بعرْضٍ، ثم يبيعَ ذلك العرضَ بالصحاح المطلوبة، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن ذلك يجوز؛ فإنه إذا لم يكن من إدخال واسطةٍ بدٌّ، فلا فرق بين أن يكون عرْضاً، أو نقداً.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز صرف المكسرة إلى العروض، لتصرف العروض إلى الصحاح، فإنّ العروض قد تكسد، وتبقى إلى أن يطلبها طالب، (١ وقد يكون في عرضها فيمن يزيد بخسٌ ظاهر. وإذا صرف المكسرة إلى الدنانير، تيسر الأمر، فإن ١) الدنانير رابحةٌ أبداً لا حاجة إلى التربص بها.
فصل
قال: "وإن دفع مالاً قراضاً في مرضه ... إلى آخره" (٢).
٤٩٤٣ - إذا دفع المريض في مرض موته دراهمَ، أو دنانيرَ إلى إنسان قراضاً، وشرط له جزءاً من الربح، فالمعاملة صحيحة، وإذا اتفق الربحُ فيها، فللعامل ما شرط له، ولا ينتهي الأمر إلى حكم التبرع، والاحتسابِ من الثلث، حتى لو كان
стр. 3922
الربح الحاصل بحيث لو [قيست] (١) حصة العامل فيه بأجر مثله لزادت عليه، فلا يجعل المريض في حكم المتبرع بتلك الزيادة.
فهذا اتفاق الأصحاب، والسبب فيه أن الربح لا معوّل عليه، فقد لا يحصل منه شيء فيخيب تعبُ العامل، وقد يحصل مقدارٌ نزرٌ يزيد أجر مثل العامل عليه، والربح أيضاً في حكم المعدوم قبل حصوله، فإذا حصل عُدّ حصولُه من آثار عمل المقارض.
يخرج عما ذكرناه (٢) أن المشروط من الربح ليس من باب التبرعات أصلاً.
ونقول على حسب ذلك: لو كان العامل أحدَ الورثة، جازت المعاملة، ولم نقل: إنها تبرع على وارثه في المرض.
٤٩٤٤ - ولو ساقى المريض رجلاً على نخيل، ثم كان ما شرط له من الثمار زائداً على أجر عمله، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من أجرى المساقاة مجرى القراض، وقد تمهد قياس القراض، والجامع أن المطلوب مفقودٌ في المعاملتين؛ إذ لا ربح ولا ثمرة فيهما، وحصول الثمار منسوب إلى عمل المساقى وإلى حسن قيامه على الأشجار، فلا فرق.
ومن أصحابنا من قال: إذا زاد حصةُ المساقى من الثمار على أجر مثله، فتلك الزيادة تبرع محسوب من الثلث، وإن كان المساقى وارثاً، فهو مردود. والفرق بين المعاملتين أن الثمار منتظرة في أوانٍ معلوم، وأما الأرباح، فلا وقت لها، ولا ضبط. والوجهان ذكرهما العراقيون.
فصل
قال: "وإن اشترى عبداً، فقال العامل: اشتريتُه بمالي لنفسي ... إلى آخره" (٣).
٤٩٤٥ - كل شراء يقع [بعين] (٤) مال القراض، فلا شك في انصرافه إلى جهة
стр. 3923
القراض، ولا أثر لنية العامل فيه، ولو نوى نفسه، كانت نيته باطلة ساقطةَ الأثر، فأما العقود الواردة على الذمة، فالتعويل فيها على النية، فإن نوى العاملُ بها جهةَ القراض، وقعت عنها، إذا لم تكن مخالفةً لوضع التصرفات في القراض، ولو نوى بالشراء الذي ثمنه واقعٌ في الذمة نفسَه، انصرف إليه، وكذلك مطلقُ الشراء الذي وصفناه مُنصرفٌ إلى العامل، ولا يقع عن القراض، وهذا بيّن.
٤٩٤٦ - والغرض بعده أن العامل إذا اشترى عبداً فقال: اشتريتُه لنفسي، وقال رب المال: بل اشتريتَه لجهة القراض. وهذا الخلاف في الغالب يجري إذا ظهر في العبد (١) غبطةٌ ظاهرة. ولو كان الخلاف على العكس، فقال العامل: اشتريتُه عن جهة القراض، وقال رب المال: [بل] (٢) اشتريتَه مطلقاً، أو اشتريته لنفسك. وهذا الخلاف يُفرض فيه إذا كان ابتياع العبد بثمن مثله، ولكن اتفق انحطاطٌ في سوق العبيد.
فإذا جرى الخلافُ على الوجهين، فالقول فيهما قول العامل، والسبب فيه أن المعتمد في انصراف العقد إلى جهة القراض، أو وقوعِه عن العامل نيةُ العامل، ولا مُطّلع على نيته إلا من جهته، فلزم الرجوع إلى قوله. ثم لا نصدقه إلا باليمين.
ونظائر ذلك كثيرة.
فإن قال قائل: لم تحلّفونه، وهلا اكتفيتم بمجرد قوله؟ قلنا: الجواب عن هذا ظاهر في طريق الخصومة، فإن من ظهر صدقه، فلا يُكتفى منه بمجرد قوله، بل نكلفه إقامةَ الحجة عليه، والحجةُ في الباب اليمينُ.
ولو أنه قال: اشتريتُ هذا العبدَ لنفسي، ثم اعترف بأنه اشتراه للقراض، قُبل رجوعه على هذا الوجه، وإذا كان رجوعه مقبولاً؛ فإنا نأمل من عرض اليمين عليه أن ينكفَّ ويرجع، وسبب عرض الأيمان، الحملُ على الإقرار، فإذا كان الإقرار ممكناً، فاليمين لا بد منها، ثم إن حلف، فذاك، وإن نكل عن اليمين، ردت اليمين إلى رب
стр. 3924
المال، فيحلف على حسب ما يدّعيه، واليمين المردودة تقع باتّةً، وهي مشكلةٌ في هذا المقام؛ من جهة أنه لا مطّلع على النية إلا من جهة الناوي، ولكن [يمين] (١) الرد تستند في هذا المقام إلى قرائن ومخايل تظهر ولا يمتنع استناد الأيمان إلى أمثال ذلك، وسنقرر هذا على أبلغ وجه في أحكام القضاء، إن شاء الله .
ومن المخايل في الباب أن رب المال لو كان سمعه يقر بأني اشتريت لجهة القراض، ثم جحد وأنكر، فللمدعي أن يعوّل على الإقرار الذي علمه، وهو أقوى من مخيلةٍ تخيلها، وقرينةٍ يرجم ظنه فيها.
٧ا ٤٩ - ولوح رجلان ألمفين إلى رجل، وقال كل واحد منهما: اشتر لي بالألف عبداً، فإذا اشترى عبداً بألف لأحدهما، فادّعى كلُّ واحدٍ منهما أنه اشترى له هذا العبدَ، فإذا أقر الوكيل لأحدهما قُبل قوله؛ إذ الرجوع إليه، والاعتبار بنيته.
ثم إذا حكمنا بالعبد لأحدهما، بحكم إقراره، فلو ادعى عليه الثاني، فهذا يُبنى على أنه لو أقر للثاني بعد الإقرار الأول، فهل يغرم للمقر له ثانياً قيمةَ المقر به. وفي هذا وفي أمثاله قولان، قدمنا ذكرهما.
وهذه المسألة تمتاز عن نظائرها بشيء، وهو أن قيمة العبد لو كانت ألفاً، وسلّم إليه كل واحد منهما ألفاً، [فهو] (٢) إذا زعم أنه اشترى العبد لأحدهما، فالألف الآخر قائم في يده للثاني، فقد لا يفيد قولنا: إنه يغرم للثاني على قولٍ إلا إذا فرضنا تفاوتاً في قيمة العبد وثمن العقد؛ فإذْ ذاك يختلف القول.
فلنفرض هذه المسألةَ فيه إذا لم تزد القيمة، ويخرج عليه أنه بسبب هذا الإقرار لا يغرَم شيئاًً، ولا يصح أيضاًً رجوعُه عن الإقرار الأول. فإذا انتفى إمكانُ الرجوع، وانتفى الغرم، فلو أراد الثاني أن يحلفه، لم يكن له ذلك؛ فإنّ اليمين فائدتها الحمل على الإقرار، ولو أقر للثاني، لما أفاد إقرارُه شيئاً.
فإن قيل: هلا حلَّفتموه حتى إذا نكل تردّون اليمين على الثاني؟ قلنا: هذا لا وجه له؛ فإنا إن جعلنا يمين الرد كالإقرار، فقد سقطت فائدة إقراره، فلا
стр. 3925
[موقع] (١) ليمينه إن حلف. وإن قلنا: يمين الرد تنزل منزلة البيّنة، فقد يظنّ ضعفةُ الأصحاب أنها تتضمن استرداد العبد، كما لو قامت البينة. وهذا مزيفٌ، لا أصل له، وقد يبتدره، ويسبق إليه في أمثال هذه المسألة طوائفُ من الأصحاب. واعتقادُه في هذا الموضع على نهاية الضعف؛ فإن البينة لا يتصور قيامها على النية، وإنما يُفرضُ قيامُها على الإقرار، وقد ذكرنا سقوط أثر الإقرار، والحالف يمينَ الردّ ليس يُسند يمينَه إلى إقرار كان من هذا الشخص فيما سبق، وإنما يسندها إلى مخيلةٍ وظنٍّ، والبينةُ لا تكتفي بأمثال ذلك.
فصل
قال: " ولو قال العامل: اشتريت هذا العبدَ بجميع الألف ... إلى آخره" (٢).
٤٩٤٨ - إذا دفع ألفاً إلى العامل، وقارضه عليه، فليس للعامل أن يشتري للقراض بأكثرَ من الألف، لأن رب المال لم يرض بأن العامل يشغل ذمتَه بأكثرَ من هذا المبلغ، فإن اشترى عبداً بالفٍ، ثم عبداً آخر بألف، قلنا: إن اشترى العبدَ الأول بعين الألف، أو اشتراه لجهة القراض، فهو واقعٌ عن جهة القراض، ولا يقع العبدُ الثاني عن جهة القراض أصلاً. ولكن إن اشتراه بعين الألف، فالشراء باطل، سواءٌ وقع الشراء الأول بعين الألف، أو لم يقع بالعين.
والسبب فيه أنه إن وقع العقد الأول بعين الألف، فقد تعين عوضاً مملوكاً في العقد الأول، فإذا عينه ثانياً في عقد آخر، لم يخف بطلان هذا العقد الثاني.
وإن لم يقع العقد الأول بعين الألف، فقد صار الألف مستغرقاً به مستحقاً، فامتنع تعيينه في العقد الثاني، [كما يمتنع تعيين مرهونٍ ثمناً في غير حق المرتهن، هذا إذا وقع العقد الثاني] (٣) بعين الألف.