الولادة على الملك، ولا تعويل على ذلك؛ فإن تصويرهم ليس عن اعتقاد اشتراط التعيين، ولكنه تصوير وفاقي، ثم تناهَوْا في شرحه، وهذا مقطوعٌ به، لا يجوز أن يُتمارى فيه.
٦١٦١ - ومما يتصل بهذا أن المزني لما نقل في صدر الفصل عن الشافعي أنه شرط على الملتقِط تقييد البيّنة كما سبق، حكى بعد نجاز ذلك الكلام عنه نصَّاً آخر، واعتقد أنه مخالف للنص الذي نقله أوّلاً، وذلك أنه قال: إذا التقط الرجل منبوذاً، فجاء آخر، وقال: هذا [اللقيط] (١) ملكي، كان في يدي قبل ذلك، وأقام بينةً على أنه ملكُه، وأطلقت البيّنةُ شهادتَها على الملك، نقل عن الشافعي قبول الشهادة (٢)، ثم أخذ ينظم قولين ويختار أحدَهما.
وهو مأخود عليه؛ فإن النص الأول في ادعاء الملتقط الملك فيمن التقطه، وهذا النص الذي حكاه آخراً، فيه إذا ادعى الملكَ في اللقيط غيرُ الملتقط، وليس في حق المدعي يد [التقاط] (٣)، حتى نحْذَر [استناد] (٤) الشهادةِ إليها، [فكانت] (٥) الشهادة مقبولة على الملك مطلقاً، من غير تعرض للسبب، قياساً على البينات الشاهدة على الأملاك، في سائر الخصومات.
فقد بأن غلط المزني، وأنه عَدّ مسألتين مختلفتين مسألة واحدة، وقدر فيها اختلاف جوابٍ.
٦١٦٢ - وإذْ نجز الفصل على أحسن مساقٍ وترتيب، فأنا أذكر بعد نجازه طريقةً
стр. 4517
لشيخي كان يقول: إذا ثبت الملك بإقرار المملوك -حيث يُقبل إقراره- فلا كلام.
والتداعي وراء ذلك في تعيين الملك، فلا حاجة -والحالة هذه- إلى تعيين السبب.
فأما إذا كان دعوى الملك في معارضة الحرية الأصلية، فلا بد من إسناد البينة شهادتها إلى الولادة على الملك.
وهذا الذي ذكره ليس بالبعيد، ويجوز أن يقال: هو معتضدٌ بالنص، وفحوى كلام الأصحاب، وهو مخالف لما ذكره صاحب التقريب.
ولكن يدخل عليه شيء، وهو أن ملك الأم الوالدة كيف يطلق، وهل على الشهود أن يقولوا [إنها] (١) أقرت بالملك أم يجب في الأم أيضاً إسناد ملكها إلى ولادة؟ وهذا أمرٌ طويل، ولهذا أخرت ما ذكره الشيخ، والتعويل على الكلام المقدم.
فصل
قال: " وإذا بلغ اللقيط، فاشترى، وباع ... إلى آخره " (٢).
٦١٦٣ - مضمون هذا الفصل مشتمل على بقيةٍ من أحكام الرق والحرية وهو بالإضافة إلى ما تقدم خفي منسوب [إلى جلي] (٣)، فليعتن (٤) الناظر به، وليستعن بالله تعالى.
ونحن نستفتح الكلام بذكر ثلاث مراتب نترجمها، ثم ننعطف على بيانها: إحداها - أن يبلغ اللقيط ويقرَّ بالرق لإنسانٍ ابتداء، من غير أن يتقدم منه إقرارٌ بالحرية، أو يتقدم منه تصرّفٌ يقتضي الاستبدادُ به الحريةَ.
والمرتبة الثانية- أن يبلغ، فيقرَّ بالحرية، ثم يُقرّ بعده بالرق لإنسان.
المرتبة الثالثة - مضمونها أن يتصرف تصرفاتٍ لا يستبدّ بها إلا حرٌّ، ثم يُقرّ بعدها بالرق لإنسان.
стр. 4518
فهذه المراتب قواعدُ الفصل.
٦١٦٤ - ونحن نرجع إلى أولاها: فإذا بلغ، وأقرَّ بالرق ابتداء لإنسانٍ، من غير أن يتقدم على إقراره هذا دعوى حرية أو تصرف. فالمذكور المشهور في الطرق أن إقراره بالرق (١ مقبولٌ.
٦١٦٥ - وذكر صاحب التقريب قولاً آخر: إنه لا يُقبل إقراره بالرق على نفسه ١)؛ فإن الدار حكمت له بالحرية، فلا يُنقض مقتضى الدار إلا ببيّنةٍ، وشبّه صاحب التقريب الحريةَ المحكومَ بها بظاهر الدار مع الإقرار بالرق بعدها، بالإسلام الحاصل بتبعيّة الدار، ثم اللقيط إذا بلغ وأعرب عن نفسه بالكفر، ففي أصحابنا من نقل قولاً: إنه يحكم بردّته، ولا يُنقض الأصل السابق تبيّناً، فكذلك وجب: ألا تُنقض الحريةُ.
غير أن المسلم يُتصور منه أن يرتدّ، والحرّ الأصلي لا يتصور منه أن يُرِقَّ نفسه.
٦١٦٦ - فإن قلنا: لا يُقبل إقراره بالرق في هذه المرتبة، فلا كلام.
وإن قلنا: يقبل إقراره بالرق -وهو الأصح الظاهر- فيتوصّل من هذا المنتهى إلى ذكر المرتبة الثانية-[وهي إذا] (٢) زعم أولاً أنه حرٌّ بعد بلوغه، ثم أقرّ بالرق بعد ما سبق منه الاعتراف بالحرية.
فالذي قطع به العراقيون أن إقراره بالرق لا يقبل بعد ذلك قولاً واحداً، فإن الحكم الظاهر بحريته في صباه تأيّد، وتأكّد بإعرابه عن نفسه بعد بلوغه بالحرية، فإذا أراد أن يناقض ذلك، كان كما لو بلغ اللقيط، فأعرب عن نفسه بالإسلام، ثم أعرب بعده بالكفر، ولو فعل ذلك، كان مرتداً قولاً واحداً جانياً على الإسلام، والفرقُ بين البابين أن الجناية على الإسلام بالردة ممكنة، وخرمُ الحرية بعد ثبوتها وتأكدها (٣) غيرُ ممكن.
وهذه الطريقة هي التي صححها القاضي، وذكر أنها المذهب.
стр. 4519
٦١٦٧ - وقطع الصيدلاني القول بقبول الإقرار بالرق بعد تقدم الاعتراف بالحرية، وشبه هذا بما لو ادّعى الزوج الرجعة وأنكرت المرأة مصادفتها العدة، على صيغةٍ تقتضي تصديقَها، كما سيأتي تفصيل ذلك في كتاب الرجعة -إن شاء الله تعالى- فإذا جعلنا القول قولَها، وحلفت، وانتجزت الخصومة، ثم عادت، فاعترفت بتصديق زوجها، فالرجعة ثبتت.
وهذا الوجه الضعيف ذكره القاضي وزيّفه، وزعم أن ناصره يقول: إقراره بالحرية، ثم إقراره بالرق بعدها، بمثابة ما لو أقر بكون الشيء ملكاًً له، وعزاه إلى نفسه وادّعاه، ثم أقر به لإنسانٍ من غير أن يتخلل بين الإقرارين ما يتضمن نقل الملك، فإقراره لذلك الإنسان مقبول.
وهذا الاستشهاد ضعيف؛ فإن الحرية إذا ثبتت، فلا سبيل إلى رفعها، ولله في استقرارها حقٌّ، وفي الإقرار بها تعرُّضٌ لالتزام حقوقٍ تقتضيها الحرية ُلله، وللعباد.
وأما ما استشهد به الصيدلاني، فلنا في تلك المسألة من الرجعة نظر أولاً [كما] (١) سيأتي، إن شاء الله تعالى.
ثم ليست الحرية بمثابتها؛ فإن اللقيط إذا بلغ، وأقر بالحرية، فقد وافق إقرارُه بها حريةً اقتضتها الدار، كما تقدم، فلا سبيل إلى نقضها بعد ثبوتها ظاهراً، وإقراراً.
هذا بيان الحكم في هاتين المرتبتين.
٦١٦٨ - فأمّا بيان المرتبة الثالثة - وهي ألا يصدر من بعد البلوغ إقرارٌ برقٌ، ولا حرية، ولكنه تصرّف تصرفاتٍ يقتضي نفوذُها الحريةَ، فنكح، وأصدق، وباعَ، واشترى، ثم إنه بعدها أقر بالرق، فكيف السبيل؟
الوجه في افتتاح الكلام أن نقول: إن رددنا إقراره في المرتبة الأولى، وصرنا إلى أن الرق لا يثبت أصلاً إلا ببينة، فلا حكم لإقراره بالرق، وهو كلام لاغٍ مطّرح، ولا يرد على هذا إلا مسألة وهي إذا نكح، ثم أقر بالرق فإقراره اعتراف منه بأن التي نكحها محرّمةٌ عليه، فيستحيل أن نحلّها له، وهو يزعم أنها محرمة، وصدقُه في
стр. 4520
الإقرار بالرق ممكن، وهذا يضاهي ما لو أقرّ أحد الابنين الوارثين بنسب بنتٍ، فالمذهب الظاهر أن إقراره مردود ولا يثبت النسب، ولا الإرث ظاهراً وباطناًً، ولكن التي أقر لها بالأخوّة محرمةٌ عليه، وإن كان أصل إقراره مردوداً، فهذه المسألة فيما نحن فيه ملحقةٌ بتلك.
٦١٦٩ - وإن فرعنا على أنه لو أقرّ بالرق بعد البلوغ، قُبل إقراره -وهذا طريق الأصحاب، والمسلك المشهور- فعليه نخرِّج المرتبة الثالثة، ولا نعود إلى ما ذكره صاحب التقريب في المرتبة الأولى، فنقول:
٦١٧٠ - إذا أقر بالرق بعد تصرفاتٍ، فأصل إقراره بالرق مقبول، ولكن اختلف قول الشافعي في تفصيل القبول: فأحد القولين - أنه يقبل إقراره عموماً في الماضي، والحال، والمستقبل، وفيما له وعليه، وفيما يتضمن إلحاقَ ضررٍ بغيره.
والقول الثاني - أنه لا يقبل إقراره على العموم، بل يقال: هو مقبول فيما عليه.
ثم اختلفت الطرق، ففي بعضها أن إقراره يقبل في المستقبل عموماً فيما له وعليه، ويقبل إقراره فيما مضى، وسبق، فيما هو عليه، ولا يقبل إقراره فيما يتضمن إبطال حقٍّ لغيره.
ومن أصحابنا من طرد هذا القولَ على هذا التفصيل في المستقبل والماضي، وقال: لا يقبل إقراره فيما يتضمن إلحاق ضررٍ بغيره ويستوي فيه الماضي والمستقبل.
وإذا جمعنا الأقوال من غير التفاتٍ إلى ما ذكره صاحب التقريب، كان حاصلها ثلاثة أقوال:
٦١٧١ - أحدها - أن إقراره بالرق مقبول عموماً، فيما له وعليه، وفيما يضر بالغير، وفيما لا يضر، من غير فرق بين السَّابق واللاحق، والماضي والمستقبل.
والقول الثاني - أن إقراره مقبول فيما عليه، ولا يقبل قوله في إبطال حق غيره، ويستوي فيه الماضي والمستقبل.
والقول الثالث - أنه يقبل إقراره عموماً في المستقبل فيما لهُ وعليه، ولا يقبل فيما
стр. 4521
سبق ومضى، إذا تضمن إضراراً بغيره، ويقبل إقراره فيما هو عليه إذا لم يضر بغيره فيما مضى.
هذا بيان الأقوال.
٦١٧٢ - توجيهها: من قال بقبول إقراره عموماً، احتج بأن أصل الرق قد ثبت، والمقر غيرُ متهم؛ فإن العاقل لا يورّط نفسه في أسر الرق وضبطه (١) المؤبّد، ليضرّ بغيره، وإذا انتفت التهمة، نفد الإقرارُ، وإن كان يؤدي نفوذُه إلى الإضرار بحق الغير، وهذا بمثابة ما لو أقر العبدُ بجنايةٍ، توجب القصاصَ عليه؛ فإن إقراره مقبول، والقصاصُ واجب.
وهذا القول الذي ننصره يضاهي ما لو أقر العبد بسرقة نصاب؛ فإن أصل إقراره مقبول، والقطع متوجه، وفي قبول إقراره بأخذ المال قولان.
ووجه قول من يبعّض حكم إقراره عموماً في الماضي والمستقبل أن التعرض لإبطال حق الغير لا وجه له، والعقوبات مستثناة عن هذه القاعدة؛ فإنه لا يهجم على التزامها لقصد الإضرار بالغير عاقل.
ومن فصل بين الماضي والمستقبل، قال: إذا قبلنا الإقرار بالرق، فيستحيل تبعيض حكمه في مستقبل الزمان، فأمَّا ما تقدم على الإقرار، فقد يتجه فيه التبعيض والتجزئة تخريجاً على ما مهدناه.
وهذه الأقاويل مجملة يفصّلها التفاريع، ونحن نأتي بها، ونفصلها مسألة مسألة، ونخرّج كل واحدة على الأقاويل، إن شاء الله تعالى.
فنقول:
٦١٧٣ - اللقيطة إذا بلغت، ونكحت بناء على الحرية، ثم اعترفت بأنها رقيقةُ فلانٍ، وصدقها المقرُّ له بالرق.
فهذا نخرّجه على الأقوال، فإن قلنا: يقبل إقراره عموماً من غير تبعيض، فنحكم برقها، ونتبين أنها نكحت من غير إذن مولاها، ونقضي بأن النكاح فاسد.
стр. 4522
فإن لم يكن دخل الزوج بها، فلا نصفَ مهرٍ، ولا متعة، و [إن] (١) كان دخل بها، فعليه مهر المثل للسيد المقَرُّ له بالرق.
وإن كانت ولدت منه أولاداً، فأولاده منها أحرارٌ؛ فإنها أتت بهم والزوج على اعتقاد الحرية فيها، ويلزمه قيمتُهم للسيّد حين سقطوا وانفصلوا.
وأما العدّة، فقد قال الأصحاب: لا يلزمها عدة، ولكنها تستبرىء بقُرء؛ لمكان الوطء.
قال القاضي: الصحيح أنها تؤمر بأن تعتد بقرأين؛ فإن عدة الأمة بعد ارتفاع النكاح الصحيح قرءان، ونكاح الشبهة في حُرماته بمثابة النكاح الصحيح، فلتعتدّ بقرأين.
وهذا التردد للأصحاب يجب اطراده في كل نكاح بشبهة على أمةٍ، ولكن الذي ذكره القاضي أن هذا من قول الأصحاب يختص بهذه الصورة، والاعتداد بالقرأين متفق عليه في غيرها من الأنكحة الفاسدة المعقودة على الأمة بالشبهة، ولا فرق عندنا.
وإن تخيل متخيل في هذه الصورة أن سبب الاكتفاء بالقرء الواحد أنا نقبل إقرارها عموماً، ونستأصل أثر الحرية بالكلية، ولا يبقى لتصرفها أثر، فيلزم على مساق ذلك ألا نحكم بحرية الأولاد، أو [نشبب] (٢) بخلاف فيها، وقد أجمع الأصحاب على حرية الأولاد كما ذكرناه.
وكان شيخي لا يذكر هذا الاختلاف، ويقطع بأنّها تعتد بقرأين.
هذا تفريع على قولنا بقبول الإقرار عموماً.
٦١٧٤ - وإن قلنا: يُبعَّضُ الإقرار؛ فيقبل فيما عليها دون ما لَها؛ فنحكم على هذا
стр. 4523
القول برقها (١) أولاً، ولا نحكم بانفساخ النكاح في المستقبل، ولا بفساده فيما مضى، وإن (٢) فرقنا بين الماضي والمستقبل؛ فإنا إذا التزمنا إلزام النكاح فيما مضى فنلتزم الوفاء بحكم الصحة، ونجعل كأن النكاح في حكم المستوفى المقبوض فيما تقدم، ولهذا نظائر من النكاح لا تخفى على الفقيه، وعلى هذه القاعدة بنينا مذهبنا في أن الحرّ إذا وجد الطَّوْل بعد نكاح الأمة، لم نقض بارتفاع النكاح.
هذا حكمنا في أصل النكاح.
ثم الكلام بعد ذلك في المهر.
قال الأئمة: على الزوج أقلُّ الأمرين من المسمَّى ومهر المثل، فإن كان مهر المثل أقلَّ الأمرين، فالسيّد المقَرُّ له لا يدّعي غيره، وإن كان المسمى أقل، فإلزام الزوج أكثرَ منه إضرارٌ به، وقد ذكرنا أنا لا نضر بالغير للإقرار بالرق.
فإن قيل: حطّكم من مهر المثل إضرار بالسيّد المقر له، قلنا: هذا حكم الرق، وإنما نُثبت الرقَّ بالإقرار، ونحن نتوقى الإضرارَ بالغير.
فليتثبت الناظر في هذا المقام، فلا شك فيما ذكره الأصحاب. وما يفرض فيه من سؤالٍ (٣) خيالٌ لا حاصل له.
٦١٧٥ - والأولاد الذين أتت بهم قبل الإقرار أحرار، وليس على الزوج قيمتهم للسيّد المقر له؛ فإنا لو ألزمناه ذلك، كنا مضرّين به لإقرارها.
ولكن لو استمر على النكاح، فالأولاد الذين تأتي بهم في المستقبل أرقاء [قطع] (٤) الأصحاب بهذا أقوالَهم.
стр. 4524
فإن قيل: هلا قلتم: إن الأولاد أحرار، إذا (١) فرعتم على اجتناب الإضرار في الماضي والمستقبل، كما أنكم بقَّيتم النكاح في المستقبل، فقولوا: يبقى النكاح له في المستقبل على حكمه فيما مضى، وإرقاقُ أولاده إضرار به؟
قلنا: ما ذكره الأصحاب ظاهرٌ إذا عممنا قبولَ الإقرار في المستقبل من غير تفصيل. فإن قلنا بالتفصيل في الماضي والمستقبل، والتزمنا اجتناب الإضرار، فالمسألة محتمِلةٌ (٢).
ظاهرُ كلام الأصحاب ما ذكرناه؛ لأن الأولاد الذين يحدثون في مستقبل الزمان متجددون، وأمرهم يشابه استفتاح تصرف بعد الإقرار بالرق؛ فلا ينتظم مع الحكم بالرق، وعِلْمِ الزوج بأن الرق محكوم به - القضاءُ بحريّة الأولاد، وليس الولد متضمَّن النكاح ولا معقودَه، وإن كان مقصوداً منه على الجملة، وليس هذا كحكمنا بدوام النكاح؛ فإن الحكم بدوامه هو الحكم بصحته أوّلاً، فمن الوفاء بالصحة الإدامةُ، وهي المقصودةُ، والأولاد في المستقبل بخلاف ذلك.
ولست أنكر اتجاه احتمالٍ في حرية الأولاد في المستقبل اتباعاً لحق الزوج ومصيراً إلى أن الأولاد من مقاصد النكاح، ولا أُبعد أن الأصحاب فرّعوا ما ذكروه من رق الأولاد في المستقبل، على تعميم قبول الإقرار في المستقبل، وردّ التفصيل إلى ما مضى.
وهذا منِّي تنبيه على كل وجه بعد أن ظهر لي من كلام الأصحاب القطعُ برق الأولاد في المستقبل، وقد ذكرت وجهه، والله المستعان.
٦١٧٦ - فإن أراد الزوج ألا يَرِقّ أولادُها، فليطلّقها، وإذا طلقها، اعتدت بثلاثة أقراء، وهذا يظهر إذا كان الطلاق رجعيّاً، فإنّ الرجعية منكوحة، فإدامة التربص في القرء الثالث من إدامة النكاح، وإن طلقها زوجها البتة، فبانت، فالذي قطع به
стр. 4525
الأصحاب أنها تعتد بثلاثة أقراء؛ فإنّ ذلك من توابع النكاح. وأمرُ العِدد لا يختلف بكون الطلاق رجعياً أو مُبيناً.
ولو مات الزوج، فقد قال الشافعي تفريعاً على القول الذي انتهينا إليه: تتربص شهرين، وخمسةَ أيام، ورأى عدة الوفاة، وراء انتهاء (١) النكاح نهايته، ولم يرها من حق الزوج، ومَحَّضها تعبداً بخلاف عدة الطلاق. وهي (٢) رقيقةٌ، فلتعتد عدة الإماء عن وفاة زوجها.
وهذا حسنٌ.
ولم يصر أحد من الأصحاب إلى أنها تعتد عدة الحرائر أربعةَ أشهر وعشراً.
وثار (٣) بعض الفقهاء في هذا المقام، فقال: لا يجب عدة الوفاة؛ فإن حظ الزوج قد انقضى، فلا التفات عليه، والرق ثابت، فلتعتد بالقرء (٤).
ثم ينقدح عندي في هذا أنه إن جرى وطءٌ، فالكلام في القرء الواحد والقرأين على ما مضى في أول هذا التفريع، وإن لم يجر وطء أصلاً، ففي المسألة احتمال: يجوز أن يقال: تستبرىء بقرء، كما إذا اشتُرِيت من امرأة، أو مجبوب. ويجوز أن يقال: لا استبراء؛ فإن السيد ينكر ما كان. وما ذكرناه من الحكم بصحة النكاح ظاهرٌ، وليس أمراً باطناً ولكنَّا [كنا] (٥) نرعى حق الزوج في ظاهر الأمر، فإذا انقضى، وانقطعت حقوقه، فالسيّد يقول بعد ذلك: لم يكن نكاح قط، فلا استبراء.
فليتأمل الناظر هذه الفصول.
стр. 4526
وأسدُّ الطرق وأقطعُها للشغب ما ذكره الشافعي ﵁ في الشهرين والخمسة الأيام؛ فإن عدة الوفاة من حرمات النكاح، وإن كان لا يعتبر فيها شغل الرحم. فإذا جرى الحكم بالنكاح، لزم إثباتُ عدة الوفاة، ثم لم تثبت العدة الكاملة لما نبهنا عليه.
٦١٧٧ - ومما أجراه الشافعي أنه قال: يملك الزوج عليها ثلاث طلقات. وظاهر [هذا] (١) الكلام يشير إلى أن ذلك بسبب كونها حرة في حق الزوج.
ولا حاصل لهذا على مذهب الشافعي؛ فإن الاعتبار في عدد الطلاق بحرية الزوج ورقّه، والزوج الحر يملك على زوجته الأمة ثلاثَ طلقات، حتى قال الأصحاب: هذا تفريع من الشافعي على مذهب أبي حنيفة، وهذا غير منتظم؛ فإنّ الشافعي لا يفرع على مذهبٍ يُبطله، ولكن الذي ينقدح فيه أمران:
أحدهما - أنه غفل عن مذهبه في هذا، وأجرى القياس الذي كان [فيه] (٢).
والآخر - أنه أراد أن يبيّن مشكلات هذا الفصل [بالتقدير] (٣) والتحقيق، حتى كأنه قال: لو كان الطلاق يتغيّر برقها وحريتها، لحكمنا بأن الزوج يملك عليها ثلاث طلقات تحقيقاً لثبوت النكاح، على تمام قضاياه.
٦١٧٨ - وممّا يتصل بهذا الفصل أنا إذا [أَدَمْنا] (٤) النكاحَ في المستقبل كما ذكرناه، فنحكم بأنها تُسلَّم إلى الزوج تسليم الأمة المنكوحة، حتى يقال: يستخدمها السيد نهاراً، ويسلّمها إلى الزوج ليلاً، أم نقول: تسلم إلى زوجها تسليم الحرة، حتى لا نبالي بتعطل منافعها على السيد المقَرِّ له؟ ما يقتضيه قياس قول الأصحاب أنا نسلمها إليه تسليم الحرة، فإنا لو لم نفعل هذا، لعظم الضرر، وظهر النقص في عين مقصود النكاح، ومعقوده.
стр. 4527
وهذا ينفصل من هذا الوجه عن رقِّ الأولاد في المستقبل؛ فإن العلوق بالولد أمرٌ موهوم، لا يجوز أن يُبنى عليه ما ينتجز من الضرر، ولولا ذلك (١)، لما جوّزنا للحر الفاقد للطَّوْل أن ينكح أمةً؛ فإن السعي في إرقاق الولد لا يجوز لشهوات النفوس، ولكن لما كان ذلك موهوماً، والحاجةُ ناجزةٌ، صححنا النكاح.
ويرد على ما ذكرناه أن الزوج يسافر بها الشرق والغرب، وهذا مما ترتاع منه نفسُ الفقيه مع الحكم بالرق وتسليط السيد على البيع وغيره من التصرفات، فليتأمل الناظر ذلك، فهو منتهى تفريع هذه المسألة.
ونحن نأخذ الآن في تفريع مسألة أخرى فنقول:
٦١٧٩ - اللقيط إذا نكح بعد البلوغ، ثم أقر بكونه رقيقاً، فإن قلنا: الإقرار بالرق مقبول عموماً فيما له وعليه، فالنكاح مردود من أصله.
فإن لم يكن دخل بها، فلا شيء لها، وإن كان قد دخل بها، فقد قيل: لها مهر المثل.
ثم يتعلق بذمة العبد، أو برقبته؟ فيه وجهان، كما لو نكح العبد المعروف بالرق من غير إذن مولاه نكاح شبهة، فوطىء ووجب المهر، ففي تعلّقه بالذمة، أو الرقبة خلاف، وسبب توهم التعلق بالرقبة تنزيلُ العُقر (٢) منزلة أُروش الجنايات، وفي هذه المسألة وأمثالها بابٌ معقود في كتاب النكاح.
فلو كان المهر المسمّى أقلّ من مهر المثل، فقد يخطر للفقيه أنها لا تطلب إلا المسمى؛ لأنها قنعت به، وليس كما إذا جرى نكاح مشتمل على مسمى؛ ثم تبيّنا فسادَه قبل الدخول؛ فإن الرجوع إلى مهر المثل ثَمَّ.
والسبب فيه أنا تحققنا فساد النكاح ظاهراً وباطناًً، وهاهنا نحكم بفساد النكاح لأجل الإقرار حُكماً ظاهراً، فيجوز أن يقال: هي مؤاخذة بحكم رضاها بالمسمى.
ويجوز أن يقال: إنما تؤاخد برضاها بالمسمى لو بقي النكاح، والعلم عند الله تعالى.
стр. 4528
٦١٨٠ - فأما إذا فرّعنا على تبعيض الإقرار، فيقبل إقراره، فيما عليه دون ما لَه، ونحكم بانقطاع النكاح من وقت الإقرار، لا من أصله.
ثم إن لم يكن دخل بها، فعليه نصفُ المسمى كما لو طلقها. وإن كان دخل بها، فلها جميع المسمى، وليس لها إلا المسمّى، حتى لو كان مهرُ مثلها أكثرَ، فلا مطمع لها فيه، لأنا على هذا القول لا نُسند ارتفاع النكاح إلى ما مضى.
ثم هذا المسمى يتعلق بكسب العبد إن كان له كسب، ونجعل كأن عبداً نكح بإذن مولاه.
وإن لم يكن له كسب، فلا تعلق للمهر إلا بذمة العبد، كما لو نكح بإذن المولى، ولم يكن كسوباً، ولا يخفى أن القول القديم في دخول السيد في ضمان المهر والنفقة لا يخرّج هاهنا؛ فإن ذلك القول على ضعفه مبناه على صدور الإذن من السيد تحقيقاً، وهذا المعنى مفقود هاهنا.
٦١٨١ - ومما نفرعه على ذلك: البيعُ والشراء فنقول: إذا بلغ اللقيط، وباع، واشترى، ثم أقر بالرق، فإن لم نبعض الإقرار، فالتصرفات كلُّها فاسدة، وأعيان الأموال مستردّة، وما صودف تحت يد اللقيط، فهو ملك المقَرّ له بالرق، وإن تلفت الأعيان في أيدي من قبضها، ضمن قيمتها، وإن حصلت في يده بالشراء أعيانُ أموالِ الناس رُدت على ملاكها، وإن تلف في يده شيء منها، فالضمان متعلق بذمته، فإن عهدة المعاملة الجارية بغير إذن المولى لا تتعلق إلا بذمّة العبد.
ولو قال من عامله: حسبته حراً، لم يختلف الحكم بحسبانه بعدما نفد الإقرار عموماً.
٦١٨٢ - وإن قلنا: يتبعض الإقرار، فلا ينقض شراؤه وبيعه، وما اشتراه يؤدّي ثمنه مما في يديه؛ نص الشافعي عليه، ولا نقول: ما في يده يسلّم إلى المقر له بالرق، وتتعلق الأثمان بذمته، ولكنا نجعله كعبد مأذونٍ له، يشتري وفي يده الأموال هذا هو الذي يقتضيه الإنصاف، فإن لم نصادف في يده شيئاً، فيتعلق الثمن بذمته حينئذ.
стр. 4529
٦١٨٣ - ومما نفرّعه أنه إذا جنى، ثم أقر بالرق، فإن كانت الجناية موجبةً للقود، فعليه القصاص، وإن كانت موجبة للمال، تعلق الأرش بالرقبة؛ فإن العبد المعروفَ بالرق إذا جنى هكذا حُكمُه.
وإن جُني عليه، فإن كان الجاني عبداً، فعليه القصاص إن كان عمداً، وإن كان حراً، سقط القصاص، والنظر في الأرش؛ فإن كان قطعَ يدَ اللقيط، ثم أقر بالرق، فإن كان نصفُ اليد ونصفُ القيمة سواء، فذاك، وإن كان نصف القيمة أقل من نصف الدية، فليس على الجاني إلا نصفُ القيمة؛ فإن السيد لا يطلب إلا هذا، وقد استقر الرق له.
وإن كان نصفُ الدية أقلَّ من نصف القيمة، فهذا يُبتنى على تبعيض الإقرار، فإن حكمنا بالإقرار عموماً، وجب على الجاني نصفُ القيمة، وإن زاد على نصف الدية.
وإن فرعنا على تبعيض الإقرار، ففي الأخذ بنصف القيمة إضرار بالجاني، وفي الأخذ بنصف الدية [نقصٌ من حق الرق، وفيه إضرار بالسيد المقر له] (١)، فما الذي نعتبره؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: يغلّظ على الجاني؛ فإن أرش الجناية يبين مقداره بالأَخَرة، وقد بأن أنه جانٍ على رقيق، وثبت الرق قطعاً.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب على الجاني إلا نصفُ الدية، وهذا هو الأقيس والأصح؛ فإن الجناية جرت قبل ثبوت الرق، فيبعد أن نعطف من ثبوت الرق مزيد غُرم على الجاني قبل ظهور الرق.
فإن قال السيد: نقصتم من حقي؟ قلنا له: هذا بمثابة إدامَتِنا النكاحَ على اللقيطة إذا أقرت بالرق.
وقد نجز تمام المراد في التفريع على الأقوال. ونحن نرسم بعد ذلك فروعاً متعلقة بما مضى.
فرع:
٦١٨٤ - ما ذكرناه مفصلاً مفرّعاً فيه إذا أقر اللقيط بالرق لإنسان فصدّقه المقَرُّ له، أو ادّعى إنسان رقَّه، فاعترف.
стр. 4530
فأمّا إذا أقر بالرق لواحدٍ، فكذبه المقرّ له، فلو أقر بالرق لآخر، فهل يُقبل إقراره الثاني؟ قال الشافعي فيما حكاه العراقيون: لا يُقبل إقراره الثاني أصلاً؛ فإنّا حكمنا بعتقه لما رَدّ إقرارَه، وكأن العبد رجع إلى يد نفسه -لو قدرنا الرق- وحكمُ ذلك العتقُ، وليس هذا عتقاً على التحقيق يُعقب ولاء، وإنما هو تقديرٌ أطلقناه.
وقال ابن سريج يقبل إقراره للثاني، كما [لو] (١) أقرّ بثوبٍ لواحدٍ، فردّه، ثم أقر به لآخر.
وفيما استشهد به ابن سريج نظرٌ، وترددٌ للأصحاب، ذكرناه في كتاب الأقارير.
على أن الفرق ظاهرٌ؛ فإن الثوب لا يفرضُ إلا مملوكاً، وأما الحرية، فإنها الأصل في بني آدم، وفي حصولها حقٌّ لله تعالى؛ فإن حقوق الله تعالى تكثر على الأحرار، وفي ردّ الحرية ردُّها.
٦١٨٥ - ومما يتفرع على هذا المنتهى، أنا إذا ردَدْنا إقراره للثاني، فلو ادّعى مدَّعٍ عليه الرقَّ، [فلا] (٢) تُقبل دعواه من غير بينة. [و] (٣) هذا على نص الشافعي ظاهر، وليس للمدّعي أن يحلّفه؛ فإن الحلف يفرض لتوقع الإقرار، فإذا كان إقراره مردوداً، فلا معنى للحلف، ولو قدر نكوله، لكانت يمين الرد بمثابة الإقرار، فإذا كان الإقرار مردوداً، فلا معنى لهذا التقدير.
فإن ذهب ذاهب إلى أن يمين الرد بمثابة البيّنة، فقد يرى التحليف لتقدير النكول، حتى إذا فرض النكول، أثبتت عليه يمين الرّد. وهذا ضعيف، لما ذكرناه من تعلّق حق الله تعالى بالحرية. والله أعلم.
...
стр. 4531
وقد بان الآن، ومما أجريه في هذا المجموع، ولا شك في تبرم بني الزمان به - أني كثيراً ما أجري المسائل على صيغة المباحثة، ثم هي تفضي إلى مقر المذهب آخراً، ويعلم المسترشد طريق الطلب والنظر. وهذا من أشرف مقاصد الكتاب، فلست أخل به لجهل من لا يدريه.
الإمام
في نهاية المطلب
стр. 4532
كتاب الفرائض (١)
٦١٨٦ - الأصل في الفرائض الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعلم بها مما توافت الأخبار على الترغيب في طلبه، قال رسول الله ﷺ : " تعلموا الفرائض؛ فإنها من دينكم، وإنها نصف العلم، وإنها أول علم ينتزع من أمتي، وينسى " (٢). وقال ﷺ : " تعلموا الفرائض، وعلموها الناس، فإنّي امرؤٌ مقبوض، وإن العلم سينزع حتى إن الرجلين من أمتي يختلفان في فريضة لا يجدان من يخبرهما بها " (٣). وقيل: سماها رسول الله
ﷺ نصفَ العلم؛ لأن الخلق بين طوري الحياة والموت، والشرع ينقسم إلى أحكام الأحياء وأحكام الأموات.
стр. 4533
وعن عمر بن الخطاب أنه قال: " إذا تحدثتم، فتحدثوا بالفرائض وإذا لهوتم، فالهوا بالرمي " (١).
وكان يجب على المحتضَر في ابتداء الإسلام الوصيةُ للوالدين والأقربين، كما أنبأ عنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] أيْ فرض عليكم إذا حضر أحدَكم علاماتُ الموت إن ترك مالاً، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] معناه لحب المال لبخيل.
واختلفوا في المراد بالأقربين المذكورين مع الوالدين، فذهب بعضهم إلى أن الأولاد يندرجون تحت الأقربين.
وقال قائلون: كانت الوصية تجب للوالدين، ومن عدا الأولاد من الأقربين، وكان الأولاد يأخذون ما يفضل من الوصايا، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩] معناه ليخْش الذين يحضرون المحتضَر من الشهود، ولْينصحوه إذا قصد أن يستغرق المال، ولا يُبقي للأولاد شيئاً، وليتقوا الله في نصيحته، وليقولوا قولاً معروفاً.
ثم هدّد الأوصياء وتوعّدَهم على التبديل، فقال تعالى (٢): ﴿فمن بدله﴾ من الأوصياء ﴿بعد ما سمعه﴾ من الموصي، ﴿فإنما إثمه﴾ ووباله على المبدّلين، فإن الله سميع بما قال الموصي، عليم بما يفعله.
ثم أطلق على الأوصياء التخويفَ إذا علموا من الموصين ميلاً في وصاياهم، فقال عزّ من قائل: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ [البقرة: ١٨٢]: أي علم منه ميلاً، والخوف يأتي بمعنى العلم، ﴿فلا إثم عليه﴾ هو، في أن يُبدّله، وذلك مثل ألا يُبقي للأولاد شيئاً.
стр. 4534
ثم استقرت الشريعةُ على الفرائض.
٦١٨٧ - وقال أبو العبّاس بنُ سُريج: كان يجب في ابتداء الإسلام على المحتضَر أن يوصي لكل أحد بما في علم الله من الفرائض، فكان من يوفَّق له مصيباً ومن يتعداه مخطئاً.
وهذا زلل من أبي العباس ولا يجوز أن يعتقَد ثبوتُ مثل ذلك في الشرائع؛ فإنه تكليفٌ على عماية، وكان ابن سُريج يقول: كُلّفوا ذلك حسبما كلفوا الاجتهاد في القبلة والأواني.
وهذا إن صح عنه مشعر بالخلو عن أركان الاجتهاد؛ فإن الاجتهاد لا بد وأن يتعلق بأدلّةٍ قطعيةٍ، أو علاماتٍ ظنية، وفرضُ ما ذكرناه غيرُ ممكن في الفرائض. وإن كان النظر إلى أقدار الحاجات، فهي تختلف، ولا تنضبط.
٦١٨٨ - ثم أبان الله الفرائض في قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله﴾ وفي الآية التي تليها، وفي آية الكلالة في مختتم السورة (١).
وقال ﷺ : " إن الله تعالى لم يكل قَسْم مواريثكم إلى مَلكٍ مقرَّب، ولا إلى نبي مرسلٍ، ولكن تولى قَسْمها، فقسمها أبْين قَسْم، ألا لا وصية لوارث " (٢).
стр. 4535
٦١٨٩ - وقيل كانوا يتوارثون في ابتداء الإسلام بالتحالف، والنُّصرة، وكان الواحد يقول لصاحبه: دمي دمُك، ومالي مالك، ترثني وأرثك، وهو بيّن في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]. ثم نسخ الله تعالى ذلك بالإسلام والهجرة، فقال : ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فكان المهاجر وغير المهاجر لا يتوارثان.
ثم نسخ الله تعالى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]،و [الأحزاب:٦] وقيل: كان الرجال يُورَّثون دون النساء، وكان يقال: الرجال يتحملون المؤن ويُقْرون الضيف، ويلقَوْن الحروب، وكان ينفَق على المرأة من مال زوجها بعد موته سنة، وذلك حظُّها من الميراث. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. ثم نسخ حكمَ هذه قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. ثم لم تشتمل الآي الثلاث على جميع الوقائع.
٦١٩٠ - وانقلب رسول الله ﷺ إلى رضوانه واختلف أصحاب رسول الله ﷺ ، وعظم اختلافهم فيما لم يلقَوْه منصوصاً، وسبب ذلك أنهم لم يجدوا قواعد الفرائض مبنيةً على معانٍ معقولة، فاضطربوا في التمسك بالأشباه والتقريبات، فأتوا فيها بالعجائب والآيات.
стр. 4536
وقال العلماء بالفرائض: تحزّب أصحاب رسول الله ﷺ ثلاثةَ أحزاب، فتكلم أربعةٌ منهم في جميع الفرائض: علي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عباس.
وتكلم قومٌ في معظم أصول الفرائض مثل: أبي بكر، وعمر، ومعاذ.
وتكلّم بعضُهم في مسائلَ نادرةٍ، كعثمان وغيره ﵃ أجمعين.
ثم من بدائع حكم الله تعالى أن الأربعة الذين تكلموا في الجميع لم يُجمِعوا في مسألة إلا أجمعت الأمة على مذهبهم، ولم يتفق في مسألة مصير اثنين منهم إلى مذهب، وذهاب اثنين إلى مذهب الآخر، ولكن إذا اختلفوا وقفوا آحاداً، وصار ثلاثةٌ إلى مذهب، وواحد إلى مذهب واحد.
٦١٩١ - ثم نظر الشافعي إلى مواقع الخلاف، ولم يجد مضطرباً في المعنى، فاختار أن يتبع زيد بن ثابت، ولم يضع لأجل هذا كتاباً في الفرائض، لعلمه بعلم الناس بمذهب زيد، وإنما نصّ على مسائلَ متفرقة في الكتب، فجمعها المزني، وضم إليها مذهب زيد في المسائل. ولم يقل: تحرَّيْتُ [فيها] (١) مذهب الشافعي كقوله في أواخر الكتب التي مضت؛ فإن التحرّي اجتهاد، ولا اجتهاد في النقل. وقد تحقق عنده اتباع الشافعي زيداً.
وتردد قول الشافعي حيث ترددت الروايات عن زيد، واعتمده فيما رواه من ذلك ما رواه الأثبات عن رسول الله ﷺ أنه قال: " أفرضكم زيد" (٢)، قال المحققون: لو رفعت واقعة إلى مجلس رسول الله ﷺ ، وفيها مذاهب لعلماء صحابته، فقال فيها:
стр. 4537
أفرضكم زيد، وزيد منهم وفيهم، لتعين اتباعُ مذهبه (١).
فكذلك يجب هذا في جميع القواعد إذا قال: أفرضكم زيد.
وأما قوله ﷺ : " أقضاكم علي، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ "، فالقول في القضايا يتسع، ويتعلق بما لا يسوغ التقليد فيه، وكذلك الحرام والحلال.
وعندنا أن المذهب لا يستقل بهذا القدر؛ فإن زيداً ما انتحل مذهبه إلا عن أصلٍ يجول الرأي فيه، ولهذا خالفه أصحاب رسول الله ﷺ . والشافعي لم يُخلِ مسألةً عن احتجاج، وإنما اعتصم بشهادة رسول الله ﷺ ترجيحاً، وهذا بيّن.
وإذا كان كذلك، فحقٌّ على الناظر أن يتبين مواقع الكلام في كل قاعدة حسبما يفعل ذلك في قواعد الشريعة.
٦١٩٢ - ثم الذي نراه بعد ذلك أن نذكر جُملاً في صدر الفرائض تتنزل منزلة المعاقد والضوابط، يطلع حافظها بها على الأصول، ثم نعود بعد الإيناس بها إلى ترتيب السواد، ونعتمد شرح مذهب زيد، ولا نخلي أصلاً عن ذكر المشاهير من مذاهب الصحابة ﵃، ونشُمِّرُ للتلخيص والتقريب جهدنا، ثم نتعدى قليلاً حدود الفقهاء في تمهيد أصول الحساب، وتسهيل طرقها، وتقريب مأخذها، ثم المهارة فيها موكولة إلى الدُّربة.
стр. 4538
فصلٌ
في معاقد جُمْلية
نأتي بها توطئةً وإيناساً
٦١٩٣ - فنقول: استحقاق الإرث متعلق بالقرابة والسبب. والسبب ينقسم إلى خاص، وعام: والسبب العام التوريث بالإسلام. والسببُ الخاص النكاح والولاء، أما الولاء، فسبيل الإرث به التعصيب لا غير، والزوجية سبيل الإرث بها الفرض.
والأصول المورّثةُ بالقرابة الأبوة، والأمومة، والبنوّة، والأخوة، والجدودَة، والعمومة.
والورثة من القرابة ينقسمون على أنحاء، ونحن نردد تقاسيمهم في كل غرض، فنقول أولاً: هم ينقسمون إلى الأصول والفروع.
أما الأصول، فهم الذين ليس بينهم وبين الميت واسطة بها يُدلون، وهم أربعة: الأب، والأم، والابن، والبنت، وهؤلاء لا يحجبون بالأشخاص حجباً كلّياً.
والفروع من الورثة على أربعة أقسام: ذكرٌ يُدلي بذكرٍ، وهم بنو البنين، وبنو الأب، وهم الإخوة وبنوهم. وبنو الجد، وهم الأعمام وبنوهم.
وذكر يدلي بأنثى، ولا يُلفى الوارث من هذا القبيل إلا شخص واحد، وهو الأخ للأم؛ فإن إدلاءه إلى الميت بالأم.
وأنثى تدلي بذكر، وهو (١) ثلاث: بنت الابن، وبنت الأب: وهي الأخت من الأب، وأم الأب.
стр. 4539
وأنثى تدلي بأنثى، وهو الأخت للأم، والجدة أم الأم.
والحجب بالأشخاص يتطرق إلى الفروع، كما سيأتي ذلك، إن شاء الله تعالى.
٦١٩٤ - ثم إنا نقسمهم تقسيماً آخر فنقول: كل ذكر يدلي بذكر من القرابة، فهو عصبة، وكل ذكر يُدلي بأنثى، فهو صاحب فرض. وكذلك الأنثى المدلية بالأنثى. فأما الإناث المدليات بالذكور، فلا يرثن بالتعصيب بأنفسهن. وقد ذكرنا أنهن ثلاث: بنت الابن، والأخت من الأب، وأم الأب. أما أم الأب، فلا ترث إلا بالفرض. وبنت الابن، والأخت يعصّبهما غيرهما، وإذا انفردتا عن معصِّب أخذتا بالفرض.
٦١٩٥ - ونقسم جملة الورثة تقسيماتً آخر، فنقول: منهم من يأخذ بالتعصيب لا غير، وهم البنون، وكل ذكرٍ يُدلي إلى الميت بذكر، والجدُّ مستثنىً من ذلك. والمستحق بالولاء.
ومنهم من يرث بالفرض المحض، وهم من القرابة: الأم، وكل مُدْلية بأنثى، والذكر المدْلي بأنثى، وهو الأخ من الأم، والزوج والزوجة.
ومنهم من يرث بالفرض والتعصيب، وهؤلاء قسمان: منهم من يرث بأحدهما، ولا يجتمع الوجهان له، ومنهم من يرث بالفرض المحض تارةً، وبالتعصيب أخرى، ويرث بالفرض والتعصيب جميعاَّ.
فأما من يرث بالفرض تارة، وبالتعصيب تارة، ولا يجتمعان له، فهم البنات، وبنات الابن، والأخوات من الأب والأم، والأخوات من الأب. وأما من يرث بالفرض وحده، و [بالتعصيب وحده، ويرث بهما جميعاً، فالأب يرث بالفرض مع الابن وابن الابن، ويرث] (١) بالتعصيب المحض إذا لم
стр. 4540
يكن معه ولد، ولا ولد ابن، ويرث بالفرض والتعصيب جميعاً مع البنات، وبنات الابن، والجد في ذلك كلّه بمثابة الأب عند عدم الأب.
فهذه جمل عقدناها.
٦١٩٦ - ونحن نعقد جملة أخرى فنقول: الوارثون من الرجال على البسط خمسةَ عشرَ: الابن، وابن الابن، وإن سفل، ما أدلى بمحض الذكور، والأب، والجد: أيو الأب، ما لم يدل بأنثى، والأخ من الأب والأم، والأخ من الأب، والأخ من الأم، وابن الأخ من الأب والأم، وإن سفل ما أدلى بمحض الذكور، وابن الأخ من الأب وإن سفل، ما أدلى بمحض الذكور، والعم أخ الأب من أبيه وأمه، والعم أخ الأب من أبيه، وابن العم من الأب والأم، وإن سفل ما أدلى بمحض الذكور، وابن العم من الأب كذلك. وعم أب الميت بمثابة عم الميت، وكذلك عم جدّه الوارث، وبنوهم على قياس بني أعمام الميت، والزوج، والمولى المعتِق.
٦١٩٧ - والوارثات من النساء على البسط عشر: البنت، وبنت الابن، وإن سفلت ما أدلت بمحض الذكور، والأم، والجدة أم الأم، وإن علت ما أدلت بمحض الإناث، والجدة أم الأب وإن علت، ما لم تدل بذكرٍ مُدلٍ بأنثى، والأخت من الأب والأم، والأخت من الأب، والأخت من الأم، والزوجة، والمولاة المعتقة.
وليس في الورثة أنثى تستغرق الميراث إلا المعتِقة.
٦١٩٨ - وإن أوجزنا قلنا: الوارثون من الرجال: الابنُ، وابنُ الابن، والأبُ، والجد، والأخ، وابنُ الأخ من الأب، والعم من الأب، وابن العم من الأب، والزوجُ، والمولى المعتِق.
٦١٩٩ - والوارثات من النساء: البنتُ، وبنتُ الابن، والأم، والجدةُ
стр. 4541
المدلينَ بوارث، أو وارثة، والأخت، والزوجة والمولاة المعتقة.
٦٢٠٠ - ومن الجمل التي نعقدها أن نقول: التوريث بالتعصيب والفرض: أما التعصيب فالوارث به يستغرق التركة إن لم يزاحم، ويأخذ الفاضل من الفرائض، وإذا استغرقت الفرائض أجزاء التركة، سقط، إلا في مسألة المشتركة على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
٦٢٠١ - وأما الفرض، فأصله في اللسان القطع، وسميت الحزَّةُ التي تستقر فيها عروةُ الوتر فُرضة، ثم استعمل الفرض بمعنى التقدير، فإن المقدّرات مقتطعة عن الجمل، فالفرائِض هي المقدرات.
والمقدرات التي هي الأصول في المواريث ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.
وإن أحببت قلت: النصف ونصفه، ونصفُ نصفه، والثلثان، ونصف الثلثين، ونصف نصفه.
ويجمع هذه الستة أصلان: النصف والثلثان.
ثم يتشعب من النصف نصفه، وربعه، ويتشعب من الثلثين نصفه وربعه. وما ذكرناه أصول الفرائض، وإذا عالت المسائل، وزادت المقدّرات على أجزاء المال، فلا تتعدى هذه المقدّراتُ في الإطلاق، وإن كان السدس فيها سبعاً، وتسعاً، وعشراً.
٦٢٠٢ - وقد نص الله على هذه الأجزاء الستة في ثلاثةَ عشر موضعاً في كتابه.
فذكر النصف في ثلاثة مواضع: ذكره للزوج إذا لم يكن للمرأة ولد، في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]، وللبنت الواحدة، في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]،
стр. 4542
وللأخت الواحدة إذا كانت لأب وأم، أو لأب فقال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦].
وذكر الربع في موضعين: للزوج إذا كان للزوجة ولد، وللزوجة إذا لم يكن للزوج ولد.
وذكر الثمن للمرأة إذا كان للزوج ولد، ومواضع الربع والثمن [بينة] (١).
وأما الثلثان، فقد ذُكر في موضعين: ذكره للأختين، إذا كانتا لأب وأمٍ، أو لأبٍ، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾ [النساء: ١٧٦] وللبنات فقال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] ثم للبنتين الثلثان كما للأختين على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
وشرط في الأختين أن يكون الميت كلالة، فمنهم من قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد، وهو قول أكثر الصحابة ﵃، وإحدى روايتي ابن عباس، ويعني بالوالد: الآباءَ، والأجدادَ، دون الأمهات، وبالولد الذكورَ والإناثَ، الوارثين منهم، قربُوا أو بعدوا.
ومنهم من قال: هو من لا ولد له، وإن كان له والد. وهو الرواية الثانية عن ابن عباس.
ثم اختلفوا، فقال بعضهم: الكلالة اسمٌ للميت، وقال بعضهم: الكلالة اسمٌ للورثة، وسنعطف على جميع ذلك في الشرح، إن شاء الله .
فأما الثلث، فقد ذكره الله تعالى في موضعين: ذكره للأم إذا لم يكن هناك ولد ولا إخوة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] وذكره للاثنين من أولاد الأم، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وهو يثبت للجدّ عند بعض منازله.
стр. 4543
وأما السدس، فقد ذكره في ثلاثة مواضع: ذكر للأبوين السدس في قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، وللأم إذا كان للميت ولد، أو اثنان من الإخوة، فصاعداً، وذكره للواحد من أولاد الأم، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]، وللسدس مواضع ملحقة بالنص.
فهذا بيان الفرائض في نصوص الكتاب.
٦٢٠٣ - ونحن نصوغ عن مستحقيها عبارةً جامعةً تشير إلى الكليات، فنعود، ونقول: النصف فرض خمسة:
فرضُ الزوج إذا لم يكن للزوجة ولد، ولا ولد ابن.
وفرضُ البنت الواحدة من الصلب، إذا لم يكن معها ابنٌ يعصّبها.
وفرضُ بنت الابن الواحدة، إذا لم يكن في الصلب ولد، ولم يكن معها غلام يعصّبها في درجتها.
وفرْضُ الأخت الواحدة من الأب والأم، إذا لم يكن معها في الفريضة من يعصبها.
وفرض الأخت الواحدة من الأب إذا لم يكن في الفريضة أحدٌ من الإخوة من الأب والأم، لا الذكر، ولا الأنثى، ولم يكن معها معصّبٌ، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- ذكرُ من يعصِّبُ الأخوات.
والربع فرض اثنين: فرض الزوج إذا كان للزوجة ولد، أو ولد ابن.
وفرض الزوجة إذا لم يكن للزوج ولد، ولا ولد ابن.
وكأن الزوجين يتوارثان على نسبة التعصيب بين الذكر والأنثى، حيث يقول: [للذكر] (١) مثل حظ الأنثيين، فللزوج ضعف نصيب الزوجة مع الولد،
стр. 4544
ودونه، فله النصف حيث يكون لها الربع، وله الربع حيث يكون لها الثمن.
ثم الزوجات كالزوجة الواحدة في الربع والثمن، ولولا ذلك، لاستغرقت أربع زوجات الميراثَ، بأربعةِ أرباع.
والثمن فرض صنف واحد: وهنَّ الزوجات إذا كان للزوج ولد، أو ولد ابن.
والثلثان فرض أربعة أصناف: ولا يثبت إلا بعددٍ:
فرض بنتي الصلب، فصاعداً، إذا لم يكن معهن ابنٌ يعصبهنّ.
وفرض بنتي الابن فصاعداً إذا لم يكن في الصلب ولد، ولم يكن في درجتهن غلام يعصّبهن.
وفرض الأختين من الأب والأم، فصاعداً، إذا لم يكن في الفريضة من يعصّبهن.
وفرض الأختين من الأب، فصاعداً إذا لم يكن في الفريضة أحدٌ من أولاد الأب والأم، ولم يكن معهن من يعصّبهن.
وأمّا الثلث ففرض الاثنين (١)، فصاعداً من الإخوة والأخوات من الأم (٢).
وفرض الأم إذا لم يكن للميت ولد، ولا ولد ابن، ولا اثنان من الإخوة والأخوات فصاعداً، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف، فلها الثلث.
إلا في فريضتين: إحداهما - زوج وأبوان، والأخرى - زوجة وأبوان. للزوج النصف وللأم ثلث ما تبقى، والباقي للأب، وهذا والسدس واحدٌ، ولكنا لا نطلق السدسَ، حذاراً من مخالفة لفظ الكتاب.
стр. 4545
وللزوجة الربع من الفريضة الأخرى، وللأم ثلث ما تبقى، وهو ربعٌ في الحقيقة، ولكنا لا نطلقه.
(٣ والثلث يثبت لاثنين فصاعداً من أولاد الأم مفضوضاً عليهم بالسوية لا يفضّل ذكر على أنثى ١).
والثلث فرض الجدّ في بعض منازله، كما سيأتي في بابه مشروحاً، إن شاء الله تعالى.
والسدس فرض سبعةٍ:
فرض الأب إذا كان للميت ولد أو ولد ابنٍ.
وفرض الأم إذا كان للميت ولد أو ولد ابن، أو اثنان من الإخوة والأخوات، فصاعداً.
وفرض الجدات، فيشتركن فيه، إذا استوين في الدرجة، وتستحقه الواحدة إذا انفردت.
وفرض بنت الابن، أو بنات الابن إذا كان في الصّلب بنتٌ واحدة، ولم يكن معهن في درجتهن ذكر يعصّبهن.
وهذا السدس يسمى تكملة الثلثين ضمّاً إلى النصف الثابت لبنت الصلب.
وهو فرض الأخت الواحدة والأخوات من الأب إذا كان في الفريضة أخت واحدةٌ من الأب والأم، وليس في الفريضة من يعصّب الأخوات فللأخت من الأب والأم النصفُ، وللأخت أو الأخوات من الأب السّدس تكملة الثلثين.
وهو فرض الواحد من أولاد الأم ذكراً كان، أو أنثى.
وفرض الجد في بعض منازله.
فهذه معاقد كلية وقواعدُ جُملية، ذكرناها وأجريناها على مذهب زيدٍ،
стр. 4546
ونحن نعود بعدها إلى ترتيب المختصر، ونستوعب تفاصيل القواعد، ونعوّل على استقصاء مذهب زيد، ولا نخلي ما نجريه عن حكاية مذاهب غير زيدٍ من الصحابة ﵃.
***
стр. 4547
باب من لا يرث
٦٢٠٤ - ذكر المزني في صدر هذا الباب أن ذوي الأرحام لا يرثون.
والترجمة (١) أوّلاً مأخوذةٌ عليه، فإن قال معترض: من يرث أحق بالضبط ممن لا يرث، فلم صدّر الكتاب بذكر من لا يرث؟
قلت: لعله رأى الكلامَ فيمن يرث باتفاق مضبوطاً قريباً، فرأى تصدير الكتاب بذكر محلّ الخلاف؛ فإنه أهمّ، وكل من عدا المذكورين من الوارثين والوارثات من المتصلين بالقرابة من الأرحام.
ومذهب زيد أنهم لا يرثون، وصار إلى توريثهم علي، وابنُ مسعود، وابنُ عباس، وغيرُهم. ولسنا نرى الخوض في ذكرهم الآن، وسنعقد في أمرهم باباً، إن شاء الله .
وأصناف ذوي الأرحام على التقريب أحد عشر:
أولاد البنات، وبنات الإخوة، وأولاد الأخوات، وأولاد الإخوة للأم، وكل جدٍّ وقع بينه وبين الميت أنثى، وكل جدّة وقع بينها وبين الميت ذكر بين أنثيين، والعمة، والخالة، والخال، والعم للأم، وبنات الأعمام.
ومن لا يرث من هؤلاء فالمدلي به لا يرث، لأن المدلي لا يزيد على الذي به
стр. 4548
الإدلاء، وسنفرد في ذوي الأرحام -إن شاء الله باباً نذكر ما يقع به الاستقلال.
فصل
قال فيمن لا يرث: " والكافرون ... إلى آخره " (١).
٦٢٠٥ - اختلاف الدين إسلاماً وكفراً، يمنع التوارث من الجانبين، فلا يرث الكافرُ المسلمَ، ولا المسلمُ الكافرَ، وهذا مذهب معظم العلماء.
وقال معاذ: المسلمُ يرث الكافرَ، والكافر لا يرثه، كما أن المسلمَ ينكح الكافرة، والكافر لا ينكح المسلمة.
وقد قال رسول الله ﷺ : " لا يتوارث أهل ملّتين شتى " (٢).
والكفار يتوارثون وإن اختلفت مللهم، فاليهودي يرث النصراني والمجوسي والنصراني يرثهما.
وقال شريح (٣) والأوزاعي: الكفار المختلفون في الدين لا يتوارثون،
стр. 4549
واحتجا بظاهر قوله ﷺ : " لا يتوارث أهل ملتين شتى ". والحديث محمولٌ على ملة الكفر والإسلام، والكفر في التوارث ملّة واحدة. قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] فجعل الكفار في حكم أهل دين واحدٍ.
والمرتد لا يرث عندنا، ولا يورث، وله باب مفرد يأتي في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.
فصل
قال: " والمملوكون ... إلى آخره " (١).
٦٢٠٦ - العبد لا يرث، ولا يورث، فإنه على الصحيح لا يملك، وإن ملّكناه على القديم، ولا يملك إلا من جهة تمليك السّيد إياه، ثم هو ملكٌ، لا قرار له. والمكاتب في معنى القن.
ومن نصفه حر ونصفه عبد لا يرث عندنا، وهل يرثه حميمُه؟ في المسألة قولان: أقيسهما - أنه لا يرثه؛ لأن من لا يرث لا يورث. هذا هو الأصل.
والثاني - يرثه لأنه ملك ملكاً تاماً بنصفه الحر، فهو فيه كالشخص الكامل الحرية.
فان قلنا: لا يورث، ففيما خلّفه وجهان: أحدهما - يعود إلى مالك الرق في نصفه.
стр. 4550
والثاني - يُصرف إلى بيت المال.
وإن قلنا: يرثه حميمُه، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه [يرث] (١) جميعَ ما يجمع بنصفه الحر.
والثاني - يرث نصفَ ذلك، ويعود النصف منه إلى السيّد، لأن سبب الإرث الموت، والموت حلّ جميعَ بدنه، وبدنُه ينقسم إلى الرق والحرية، فيجب انقسام ما يخلِّفه؛ فإن ذلك ليس ملكَ نصفه، وإنما هو ملك كله؛ إذ يستحيل أن يملك نصفُ شخصٍ شيئاً، وكأن النصفَ الحر يُثبت حكم الملك للجملة، والرق ينافي الملك إذا لم تَسْتتبعْه (٢) الحرية.
وقال علي وابن مسعود: من نصفه حر ونصفه عبد يرث ويورث. وقيل هو مذهب المزني.
قال الشافعي: لو ورثناه من حميمه، لأدّى ذلك إلى توريث الأجانب بعضهم من بعض؛ لأن ما يملكه يقع مستحقاً بينه وبين مولاه، كما لو احتش أو احتطب، [أو اتّهب] (٣).
فصل
قال: " والقاتلون ... إلى آخره " (٤)
٦٢٠٧ - القتل قسمان: مضمون، وغير مضمون. فالمضمون يوجب الحرمان، سواء كان مضموناً بالقصاص، أو الدية، أو الكفارة. ولا فرق بين أن يكون عمداً أو خطأ، وبين أن يكون القاتل صبياً أو بالغاً، عاقلاً أو مجنوناً،
стр. 4551
ولا فرق بين أن يقع القتل بسببٍ (١) أو مباشرة، كل ذلك يوجب حرمان الميراث.
وقال عثمان البتِّي (٢): قتل الخطأ لا يوجب حرمان الميراث.
وقال مالك (٣): القاتل خطأ لا يرث من ديّة المقتول شيئاً؛ لأن الديّة حصلت بفعله، ويرث من سائر أمواله.
ومعتمدنا في الباب ما روي عن النبي ﷺ ، أنه قال: " ليس للقاتل من الميراث شيء " (٤).
وقال أبو حنيفة (٥): قَتْلُ الصبي والمجنون لا يتعلق به حرمان الميراث، وكذلك القتل بالسبب.
هذا في القتل المضمون.
٦٢٠٨ - فأما إذا لم يكن القتل موجباً للضمان، فإنه ينقسم إلى قتلٍ مستحَق، وإلى قتلٍ لا يوصف بكونه مستحقاً.
стр. 4552
والذي يوصف بكونه مستحقاً، فإنه ينقسم إلى الواجب الذي لا يسعُ تركه، وإلى ما يسعُ تركه.
فأما ما لا يسعُ تركه، فالحدّ، فإذا أقامه من إليه الإقامة، ففي المسألة ثلاثة أوجه: أحدها - أنه لا يوجب الحرمان؛ فإن الإمام لا يجد بداً من إقامته.
والثاني - يُحْرَمُ، لظاهر قوله ﷺ : " ليس للقاتل من الميراث شيء " وإذا استبعد القائل الأول فَهْمَ [حرمان] (١) هذا القاتل من الخبر، لزمه [قَتْلُ] (٢) المخطىء، فإنه ليس متهماً؛ فإن قيل: لا نأمن قصده سرّاً، وإبداءه الخطأ ظاهراً، قيل: لو لم يشعر أحد بقتله، فلم يحرم الميراث باطناً بينه وبين الله تعالى؟ وهو في علم الله تعالى مخطىء.
والوجه الثالث: أن الحدّ إن ثبت بالإقرار، لم يُحرم القاتل، وإن ثبت بالبينة، حُرم؛ فإن التهمة تتطرق، من جهة احتمال المواطأة في القتل المترتب على البينة.
هذا في القتل المستحَق الذي لا محيص عنه.
فأما القتل الذي يسع تركه، كالقصاص، فإذا اقتص الرجل من حميمه، فهل يحرم الميراث؟ فعلى وجهين مرتبين على الوجهين في الحد، وهو أولى بأن يتضمن الحرمان؛ لأن القاتل [متخيّر] (٣) بين القتل والترك، والتركُ مندوبٌ إليه.
٦٢٠٩ - فأمّا القتل الذي لا يوصف بكونه مستحَقاً، ولا يتضمن ضماناً، ولا يتصف بكونه محظوراً، فهو كقتل القاصد دفعاً، وفي تعلق الحرمان به
стр. 4553
وجهان مرتبان على الوجهين في القصاص، وهو أولى بأن يتعلق الحرمان به؛ من جهة أنه لا يوصف بكونه مستحقاً، والتهمة تتطرق إلى القاتل الدافع؛ من حيث يُظن أنه زاد على قدر الحاجة.
٦٢١٠ - ويتصل بما نحن فيه قتلُ العادل الباغيَ، وقتل الباغي العادلَ. أما قتل العادل الباغيَ، فقريب من قتل المقصود القاصد دفعاً.
وأما قتل الباغي العادل، فيترتب على أنه هل يضمن أم لا؟ فإن قلنا: إنه يضمن، فيحرم الميراث. وإن قلنا: لا يضمن، ففي حرمان الميراث وجهان مرتبان على الوجهين في العادل، وفي المقصود إذا قتل القاصد دفعاً، والباغي أولى بالحرمان؛ لأن قتل العادل لا يوصف بكونه مباحاً.
٦٢١١ - والمكره إذا قتل حميمه، وقلنا: إنه يضمن، فلا شك أنه يحرم. وإن قلنا: لا يضمن، فهل يحرم؟ المذهب أنه يحرم؛ لأنه آثم بالقتل منهي عنه.
وفيه وجهٌ بعيدٌ أنه لا يحرم. وهذا مرتب على الباغي، والمكره أولى بالحرمان؛ لأن الباغي على تأويل في قتل العادل.
فصل
قال: " ومن عمي موتُه ... إلى آخره " (١).
٦٢١٢ - إذا مات اثنان معاً، لم يتوارثا، وإذا ماتا، ولم يُدْرَ أماتا معاً أم تقدم موتُ أحدهما على موت الثاني، فلا توارث بينهما، وذلك بأن يموتا في غريق، أو حريق، أو تحت هدم، أو يُقتلا في معركة، أو يموتا في بلادِ غُربة، ويستبهم الأمر في موتهما.
стр. 4554
وهذا فيه إذا أيسنا من درك حقيقة الحال، ولو علمنا تقدُّم موت أحدهما، ولكن أشكل علينا المتقدّم على وجهٍ لا يمكن فرضُ الإحاطة به، فالأمر كما وصفناه، في أنا لا نورّث ميتاً من ميت.
وقد ذكرنا فيه إذا تيقنا السبق، وأشكل علينا السابقُ في نكاحين على امرأة، وفي جُمعتين في بلدةٍ - قولين، ولا ينتظم في الميراث القولان.
والفرق أن فسخ النكاح ممكنٌ إذا تعذر إمضاؤه، وتعارضت الحجج في الخصومات، وأمر الناس بإقامة الظهر لا تعذر فيه، إذا صحت جُمعةٌ، لا بعينها.
وإذا أيسنا من درك السابق، وتميزه عن المسبوق في الميتين، فلا سبيل إلى وقف الميراث أبداً.
وكان شيخي يتردد في صورة في الموت، وهي إذا سبق أحد الموتين، وتعيّن السابق، ثم أشكل إشكالاً، لا يتوقع دركُه. وهذه صورة يُقْطَع فيها بصحة جمعة، وصحة نكاح.
والرأي أن اللَّبس مهما تحقق في الموتين أولاً وآخراً، فلا نورّث ميتاً من ميت، بل نقول في كل ميت: ننظر إلى من خلّفه من الأحياء، ونجعل كأن ذلك الميت الآخر، لم يكن أصلاً.
٦٢١٣ - وقال عمرُ، وابنُ مسعود، وبعضُ أهل الكوفة: نورث الموتى بعضهم من بعض.
ثم إذا عمي موتُ رجلين، فإنما يرث أحدهما من تليد مال صاحبه، دون الطريف، والمراد بالطريف الذي ورث هو منه (١).
стр. 4555
مثاله: أن يغرق رجل مع زَوْجةٍ، وابنٍ لهما، وخلّف الرجل من الأحياء امرأةً أخرى، وبنتاً، وخلّفت أم الابن -وهي الزوجة- أخاً، وخلّف الابن ابناً.
فعلى قول زيد، نقول: مات الرجل عن:
بنت، وزوجة، وابن ابن:
فللبنت النصف، و [للزوجة] (١) الثمن، والباقي لابن الابن، والفريضة من ثمانية.
وماتت [المرأة] (٢) عن:
أخٍ، وابنِ ابن.
فيسقط الأخ، والمال لابن الابن.
ومات الابن عن ابن
فماله له.
٦٢١٤ - وعلى قول عمر، وابن مسعود: مات الرجل الغريق عن:
امرأتين، وابنٍ، وبنت، وابن ابن.
فللمرأتين الثمن، والباقي بين الابن والبنت، للذكر مثل حظ الأنثيين، ويسقط ابن الابن. فينكسر سهمٌ بين المرأتين، وسبعة أسهم بين الابن والبنت، وهما في التقدير ثلاثة؛ فإن الذكر باثنين، ففي المسألة كسران: اثنان، وثلاثة: نضرب اثنين في ثلاثة فتصير ستة، ثم نضرب الستة في أصل المسألة، كما سيأتي ذلك، إن شاء الله تعالى في أبواب تصحيح الكسُور، فصار المبلغ ثمانية وأربعين، للمرأتين ستة، وللابن ثمانية وعشرون، وللبنت أربعة عشرَ.