← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

فقال قائلون- المودع إذا أنفق في [مثل] (١) هذه الصورة، كان على ما ذكرناه من الخلاف. ومن أصحابنا من قال: [لا يرجع] (٢) المودَع قولاً واحداً، والفرق أن المكتري يستحق على الجمال القيام بتعهد الجمال لتتهيأ لحمل الأثقال، فإذا هرب الجمال، فاستأجر المكتري، كان ذلك تسبباً منه إلى استيفاء حقٍّ مستحَقّ، وهذا المعنى لا يتحقق في حق المودَع؛ فإنه المقصّر لمّا قبل الدوابَّ من غير تعرضٍ لعلفها وسقيها. ولو أذن القاضي للمودَع أن ينفق ليرجع بما ينفقه، فقد ذكر أصحابنا في ذلك خلافاً، [وقد] (٣) أوضحنا مثلَ هذا الخلاف في مثل هذه الصورة من مسألة الجمّال. وهذا الخلاف لا يُتلقى مما قدمناه فيه إذا لم يجد الحاكم فأنفق؛ فإن الحاكم إذا رأى الاستقراض على ربّ الدواب أو رأى بيعَ دوابه، كان له ذلك، والمودَع مع الحاكم لا يستبد، فإذا كان أراد الحاكم أن يأذن له لينفق ويرجع، فوجه الامتناع فيه عند من يمنع أنه في حكم [المقرض] (٤) القابض، وهذا يبعد اجتماعه في حق الشخص الواحد [ومهما] (٥) تعلق أمرٌ بالحاكم وردَّدنا فيه رأياً، لم نعنِ به أن الحاكم لو أدى اجتهاده والمسألة مجتهد فيها، لم نتبع اجتهادَه؛ فإن اجتهاد القضاة متبع بلا خلاف، وإنما الذي نمهده مسلك [النظر] (٦) حتى يرى القاضي فيه رأيه، فإن [استقرّ] (٧) رأيه على شيء، اتبع. ٧٦٧٦ - ثم إذا أوجبنا على المودَع أن ينفق على الدابة، فالقدر الذي يجب إنفاقه

стр. 5882

مما يتعين إنعام النظر فيه، فنقول: أما المقدار الذي يقيها الهلاك، فلا بد منه، وكذلك إذا كانت [تتعيّب] (١)، وإن كانت لا تهلك، فيجب أن يصونها عما يعيّبها؛ فإن التعيب في معنى التلف. ولا نكلف المودع أن يستفرغ الوسع في تسمينها، والذي يضطرب الرأي فيه أنها إذا كانت على حالةٍ وحدٍّ من السمن عند الإيداع، فهل يشترط أن يعلفها علفاً يبقيها على حدِّها أم نقول: لو انحطت عن ذلك الحد قليلاً، لم يضر، إذا لم ينته النقصان إلى حدّ العيب؟ هذا فيه نظر واحتمال (٢)، ولعل الأوجه أنها إذا كانت على غايةٍ من السمن لا يشترط استبقاؤها على ما كانت عليه، وإن كانت على اقتصاد، فيتردد الرأي، والاحتمال متطرق إلى جميع أطراف المسألة. ٧٦٧٧ - ومما يتعلق بهذا أن المودع لو حبس الدابة، ولم يعلفها حتى هلكت، فإن لم تكن [جائعةً] (٣) لمّا (٤) ثبت يده عليها، ثم حبسها، فهلكت جوعاً، لزمه الضمان. ولو كانت عند الإيداع على حدٍّ من الجوع، فحبسها، وازداد الجوع وتمادى، فنفقت الدابة، وكان نفوقها بسبب الجوع السابق وما انضم إليه، فهذا يستدعي تقديم مسألة ستأتي مشروحة في الجراح، إن شاء الله تعالى، وهي أن الرجل إذا حبس إنساناً وأغلق عليه باباً حتى مات جوعاً، وكان على حدٍّ من الجوع لما حُبس، فانضم ما زاد إلى ما كان، ففي المسألة وجهان مشهوران: أحدهما - أنه لا يجب الضمان؛ فإن الحابس لو حبسه في مثل الزمان الذي جرى الحبس فيه ولم يكن جائعاً عند ابتداء الحبس [فهذا] (٥) القدر كان لا يهلكه، ولم يوجد منه إلا الحبس في هذا القدر، فلا يؤاخذ بتلفٍ ترتب على الجوع السابق. هذا وجه. والوجه الثاني - أن الضمان يجب؛ فإن حبسه صادف موصوفاً بالجوع، فكان

стр. 5883

مهلكاً لمصادفته جائعاً، وهذا ينزل منزلة ما لو ضرب رجلاً مريضاً مُدْنفاً سياطاً لا يهلك الصحيح بها ويقصد بها قتل المريض، فإذا مات، كان الضرب موجباً للقصاص؛ فإن المريض يُقصد قتله بهذه الضربات. (١ فقال الأئمة إذا حبس المودَعُ الدابة وكانت جائعة ١) فتمادى الجوع إلى الموت، ففي وجوب الضمان وجهان مرتبان على الوجهين في حبس الآدمي، وجعلوا الصورة التي ذكرناها في الوديعة أولى بسقوط الضمان فيها؛ من قبل أن المودعَ [له] (٢) أن يحبس الدابة على الجملة، وليس يجوز لمن حبس آدميا أصلُ الحبس. وسنذكر في كتاب الجراح، إن شاء الله وجهاً ثالثاً في أن الضمان يتقسط؛ فيسقط بعضه ويجب بعضه، ولا طريق إلا التنصيف؛ فإنّ وقْع الجوع في الباطن [يختلف] (٣) أولاً وآخراً، وهذا وجه لا بأس به، وإذا خرج في حبس الآدمي، خرج في حبس الدابة [من غير] (٤) علف أيضاً. ٧٦٧٨ - ولو قال مودِع الدابة: أودعتها عندك، فلا تعلفها ولا تسقها، ولا عليك لو ماتت، فلو حبسها حتى هلكت، فلا شك أنه يأثم، ويأثم مالكُها، والذي قطع به الأصحاب انتفاء الضمان؛ فإن الضمان حق مالك الدابة، وقد أباح التسبب إلى إهلاكها. وحكى العراقيون وجهاً عن الإصطخري أن الضمان يجب على المودَع، ولست أدري لهذا وجهاً؛ فإنه إن قال ذلك من جهة تحريم ترك العلف، فيلزمه على مساقه أن يقول: إذا قال مالك العبد لإنسان: اقتل عبدي هذا، فقتله يلزمه الضمان، فإن طَرَد مذهبَه في هذه الصورة، فقد استجرأ على مخالفة الإجماع، وإن رام [فرقاً لم] (٥) يجده، ولست أعد مثل هذا من متن المذهب، ولكني لا أجد بدّاً من حكايته.

стр. 5884

٧٦٧٩ - ومما يتعلق بالفصل أن المودِع لا يكلفه القيام على الدابة بنفسه وتعاطي سقيها، وهذا يخرّج على ما مهدته في استعانة المودَع بعبده والمتصلين به، ولو كانت الدابة [تخرج] (١) للسقي، فإن أخرجها [عبدٌ أو أجير] (٢)، فلا بأس، وذلك مع اطراد الأمن واعتدال الحالة؛ فإن طرأت حالة في البلدة تقتضي أن ألا تسلّم الدابة إلى مملوك أو سايس، فيجب على المودَع أن يرعى في كل حالة ما يليق بالعرف فيها، والتعويل في التفاصيل على العرف، وأعرف الناس به أعرفهم [بفقه] (٣) المعاملات. فصل قال: "فلو حوّلها من خريطة إلى أحرز منها ... إلى آخره" (٤) ٧٦٨٠ - نصوِّر هذا الفصل بفض الختم والشدّ، فنقول: إذا كانت الوديعة في خريطة، وعليها ختم المودِع، فإن فض المودَعُ الختم، فالذي ذهب إليه جماهير الأصحاب في الطرق أن المودَع يصير ضامناً للوديعة بفض الختام. وذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص وجهاً أن فض الختم لا يوجب الضمان، وهذا غريب (٥) جداً، ووجهه على بعده أن فض الختم ليس من الأسباب المضمّنة التي ذكرناها في صدر الكتاب، ولو كان منها، لكان يلتحق بالتضييع، وليس فض الختم [تضييعاً] (٦)؛ فإن الختم لا يزيد في الصون والإحراز، وهذا متجه في القياس، ولكن ظاهر المذهب ما قدمناه. فإن قيل: فما وجه ظاهر المذهب؟ قلنا: فض الختم فعلٌ يشعرُ بخيانة المؤتمن،

стр. 5885

وإذا ظهرت مخيلة الخيانة، [ارتفعت] (١) الأمانة، وهذا يتقوى بالعرف؛ فإن الناس يعدّون من فض الختم خواناً، وقد ذكرنا أن مبنى الكتاب على العرف. والذي يشهد له أن المودع إذا انتفع بالوديعة، ضمنها، وليس انتفاعه تضييعاً، ولكن يستبين به مخايل الخيانة، ومجاوزة حدود الأمناء. هذا قولنا في فض الختم. وألحق الأئمة بذلك حلَّ الشداد عن الكيس، إذا كان مشدوداً، وهذا فيه تفصيلٌ عندي، فإن كان الشدّ على وجهِ يقصدُ، وقد يكون إعلاماً حتى يستدل ببقائه على بقاء الكيس على ما كان، فهذا كالختم، فإن كان الشد قريباً، بحيث لا يقصد مثلُه في صوان (٢) [أو إعلام] (٣) فما [أراه] (٤) مما يُبالَى به، والاحتمال يتطرق إليه على حال. ٧٦٨١ - ومما يتصل بذلك، وهو مقصودٌ في نفسه أن المودَع إذا فض الختم وضمّناه الوديعة، فلا كلام، وإن لم يكن الكيس مختوماً، ولا مشدوداً شدّاً معتبراً، فلو أخذ المودَعُ من جملة الدراهم درهماً، و [استنفقه] (٥)، ضمنه، ولا يضمن غيره، وإن ردّ بدلَه من مِلكه إلى الكيس، فالمردود إلى الكيس ملكُه، ولا يتأدى به ما عليه؛ فإن الدين لا يتأدى إلا [بمُقبضٍ] (٦) وقابض، وهذا غير متحقق فيما نحن فيه، فالدرهم إذاً مُقَرٌّ على ملكه، ثم إنا ننظر وراء ذلك، ونقول: إن كان [درهمه] (٧) يتميز عن دراهم الكيس، [فلا] (٨) تصير الدراهم مضمونة عليه، وإن اختلط درهمه بدراهم الكيس على وجه لا يتميز، فيصير ضامناً [لجميع] (٩) دراهم

стр. 5886

الكيس، وكلُّ من خلط مال نفسه بمال غيره متعدياً، صار ضامناً لجميع مال الغير، وإن قل قدر ماله، والسبب فيه انبساط أثر الخلط على جميع المال. هذا إذا أخذ درهماً واستنفقه، ثم رد بدله. فأما إذا أخذ الدرهم من الكيس ولم يفض ختماً، ولا حل شداداً، ثم رد ذلك الدرهم بعينه إلى الكيس، نُظر: فإن كان ذلك الدرهم متميزاً عن سائر الدراهم، فالضمان لا يعدوه إلى سائر الدراهم، وإن اختلط ذلك المضمون بسائر الدراهم، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يضمن جميعَ الدراهم؛ فإن الدرهم المردود إلى الكيس مضمون؛ بناء على أن المودع إذا ضمن عيناً من أعيان الوديعة لم يعد أميناً فيها بردها إلى الصون المطلوب منه، فالدرهم إذاً وإن رُدّ مضمونٌ، وإذا تحقق الاختلاط، فلا درهم يشار إليه إلا ويجوز أن يكون ذلك الدرهم، [فانبسط] (١) الضمان على الجميع، وصار كما لو خلط درهماً من دراهمه بتلك الدراهم. والوجه الثاني - أنه لا يضمن إلا درهماً؛ فإنه لم يتعدّ إلا في درهمٍ، ولمّا رده، فهو [مال] (٢) صاحب الوديعة، فلا عدوان في الخلط. ٧٦٨٢ - ومما يليق بهذا المنتهى أنه إذا وضع وديعة عند إنسان والتمس منه أن يجعلها في ظرفٍ من ظروفه، فإذا فعل المودَع ذلك، ثم أراد إخراج الوديعة من ذلك الظرف، وردَّها إلى ظرفٍ آخر، فلا بأس إذا لم يكن في النقل من الظرف المعيّن إلى ظرفٍ آخر إخلال بالإحراز، وحطٌّ عن حدّ الحرز الأول. وأعظم منازل الظروف -إن كان لها أثر في الإحراز- أن تكون كالبيوت. ولو قال المالك احفظ [هذه] (٣) الوديعة في هذا البيت، فنقله إلى بيت آخر، لم يضرّ ذلك إذا اقتصر على التعيين، ولم ينه عن النقل، فإن نهى عن النقل، فقد مضى تفصيل المذهب فيه.

стр. 5887

[فإن] (١) كان الظرف يؤثر في الإحراز، بأن يعسر قرضه (٢) وقطعه، فهو بمثابة البيوت إذا عينت. هذا إذا كان الظرف للأمين. فأما إذا كان الظرف لصاحب الوديعة، فأخرج المودَع الوديعة من ذلك الظرف وحفظها دونه، فقد ذكر العراقيون في ذلك وجهين: أحدهما - أن هذا يضمّنه الوديعة، وينزل منزلة فض الختم، وحل العِفاص والوِكاء؛ فإن التعرض لإخراج الوديعة من ظرفها تفتيش، والتفتيش عن الودائع من شيم الخوّان. والوجه الثاني - أن ذلك لا يضر، وليس هو في معنى الفض والحل؛ فإنهما يشعران بطلب الاطلاع على أقدار الودائع، وهذا هو المحذور، فإذا كان الكيس مفتوحاً، فليس في تمييزه (٣) من الدراهم طلبُ اطلاع، والكيس مع الدراهم في حكم وديعتين، فإذا أراد المودَع أن يحفظ وديعتين في بيتين، [فلا] (٤) حرج عليه. هذا منتهى القول فيما يتعلق بالختم، والحل، والشدّ. فصل قال الشافعي ﵁: "ولو شرط ألا يرقد على صندوق ... إلى آخره". ثم قال: "ولو شرط أن يربطها في كمه، فأمسكها في يده ... إلى آخر الفصول" (٥) ٧٦٨٣ - جمع الشافعي ﵁ [بين] (٦) مسائل، وضابطُها واحد، وجامعها من طريق التصوير أن يذكر مالكُ الوديعة في حفظها جهةً مخصوصة في الكيفية، ثم إن

стр. 5888

المودَع يخالف تلك الجهة إلى أخرى، وذلك مثل أن يدفع دنانير إلى إنسان ويقول له: اربطها على كمك، فاحتوى عليها المؤتَمن بكفه، فهذا احتياطٌ من وجه، وإن كان مخالفةً لما ذكره المودِع، وقد اختلف طرق الأصحاب في ذلك. فالطريقة المشهورة نأتي بها على وجهها، ثم نلحق بها غيرَها، فنقول: إن لم يَجْرِ من صاحب الوديعة تنصيصٌ على [كيفية] (١) الحفظ، فلا معترض على المودَع: ربطَ الوديعة في كمه، أو أمسكها في كفه؛ فإن هاتين الجهتين في الحفظ بمثابة بَيْتين في الدار، وكل واحد منهما يتصف بكونه حرزاً معتاداً في مثل الوديعة المفروضة، فالمؤتمن يتخير في حفظ الوديعة في أي بيت شاء. فأما إذا عين صاحبُ الوديعة نوعاً من الحفظ مثل أن يقول: اربطها في كمك، فاحتوى عليها بكفه، فالربط على الكم يختص بنوعٍ من الاحتياط في بعض الأحوال، فإنه لو غفل أو غلبته عيناه، فالمربوط على الكم لا ينسلّ، ولا يتبتّر (٢)، فلو كانت الوديعة في كفه، وغلبته عيناه، لاسترخت أنامله، وانسلت الوديعة. والضبط في الكف قد يكون أحرز في بعض الأحوال، فإن غاصباً لو أراد [سلب] (٣) الوديعة من حافظها، فكونها في الكف أحوط وأضبط من كونها [مربوطة] (٤) على الكُم، وكذلك الطَّرار قد يهون عليه [حلّ] (٥) الكُمّ، واستخراج ما فيه، ولا يعصم عنه الربط، ولا يتوصل الطرار إلى ما يحتوي المرء عليه بكفه. فإذا لاح ذلك، ابتنى عليه ما ذكره الأصحاب، قالوا: إن عيّن مالك الوديعة الربطَ على الكم، فضبط المودَعُ في الكف، فضاعت الوديعة، نظر: فإن جاء الضياع من جهة الانتشار والانسلال عند النوم، والغفلة، وجب الضمان؛ فإن الضياع جاء من

стр. 5889

الجهة [المحذورة] (١) التي يكون الربط فيها أحوط من الاحتواء بالكف، وإن جاء الضياع من جهة [سلب، ونهبٍ، فمانعَ المودَعُ الوديعة] (٢) جهده، ثم غُلب، فلا ضمان؛ فإن الاحتواء بالكف أحوط في مثل هذه الحالة. وحكى الأصحاب نصاً على هذا الوجه عن الشافعي، وذلك أنه قال: "إذا سلم مالكُ الوديعة ماله إلى المؤتمن، وقال: احفظه في هذا البيت، ولا تُدخل عليه زيداً، فخالف المودَع وأدخل ذلك الشخص الذي نهاه المالك عن إدخاله، فضاعت الوديعة، نظر: فإن جاء الضياع من جهة دخول ذلك الشخص، واطّلاعه على الوديعة، بأن سرق هو أو دلّ سارقاً، [وجب] (٣) الضمان، وإن جاء الضياع من جهةِ غير هذا الداخل، فلا ضمان. وبنى الأصحاب على ذلك تعيينَ البيت في مثل قول المودع: احفظ الوديعةَ في هذا البيت، فنقله إلى بيت آخر، وكان في كل واحد من البيتين نوعٌ من الاحتياط ليس في الثاني، فإذا ضاعت الوديعة، نظر: فإن تحقق الضياع من جهة قصور البيت المنقول إليه عن البيت المعيّن، وجب الضمان، وإن لم يأت الضياع من جهة القصور، لم يجب الضمان، وذلك مثل أن يكون البيت المنقول إليه أقوى جداراً، وأطولَ سَمْكاً (٤)، وأمتن أساساً، ولكنه كان يتاخم شارعاً، والبيت الآخر أضعف من المنقول إليه، ولكنه لا يتاخم الشارع، فإن أتى الضياع من جهة النقب والبيت المنقول إليه أمنع للنقب، فلا ضمان. ولا يخفى تصوّر نقيض ذلك في الجهة المحذورة، وهذه الطريقةُ المشهورة. ٧٦٨٤ - [قال صاحب التقريب لما استاق هذا الترتيب على وجهه: هذا هو المشهور] (٥) من المذهب، ويحتمل عندي أنه إذا خالف في جهة الحفظ التي عيّنها

стр. 5890

مالك الوديعة، فضبط في كفه، [وقد] (١) أمره بالربط، أو ربط وقد أمره بالحفظ في اليد أنه يضمن في الحالتين، سواء جاء الضياع من الجهة المحذورة، أو من جهة أخرى، واعتلّ بأن قال: إذا كان الضمان ممكناً في جهة المخالفة على وجهه، فقد حصل من المودَع تعرض للضمان على الجملة، فإذا تعرض للضمان في بعض (٢) الأحوال لأجل المخالفة، وجب أن يصير ضامناً بسبب المخالفة كيف فرض الضياع. وهذا وإن كان له اتجاه في المعنى، فهو غريب، ويلزم على مساقه أنه إذا نقل الوديعة من البيت المعيّن إلى غيره، وكان بين البيتين تفاوت في جهتي الحفظ أنه يجب الضمان. وفي كلام صاحب التقريب ما يتضمن ذلك. فأما إذا استوى البيتان في جهات الحفظ، فإذ ذاك إذا نقل، فلا ضمان -وإن عين المالك أحد البيتين- إذا لم يصرح بالنهي عن النقل عنه. ٧٦٨٥ - وذكر العراقيون مسلكاً آخر، ولم يتعرضوا لشيء من هذه التفاصيل التي ذكرناها، فقالوا: إذا أمره بأن يضبطه ربطاً على الكم، فحفظه في كفه، فقد اختلف نص الشافعي في أنه إذا ضاع هل يضمن أم لا؟ ولم يذكروا في اختلاف النص التفصيل الذي حكيناه في طريقنا. ثم قالوا: اختلف أصحابنا فمنهم من قال: في المسألة قولان: أحدهما - أن الضبط في الكف أولى وأحرز، ومنهم من قال: لا، بل الربط على الكم أحرز وأولى. فإن قلنا: الكف أحرز، فإذا أمره بالربط، فضبط في كفه، لم يضمن، ويكون كما لو قال: احفظه في هذا البيت، فنقله إلى أحرزَ منه، [وإن] (٣) قلنا: الربط في الكم أحرز من الضبط في الكف؛ فإنه يضمن إذا احتوى عليه بكفه؛ لأنه ترك الأحوط في مخالفته، فكان كما لو عين له بيتاً ليحفظ الوديعة فيه، فنقلها إلى بيت دونه في الحِرز، فلم يتعرض العراقيون لما ذكره أئمتنا المراوزة [من] (٤) اتفاق الفوت بالجهة

стр. 5891

المحذورة عند فرض المخالفة، وإنما مهدوا أولاً تردُّداً في الأحوط، ثم بنَوْا عليه حكمَ الضمان، إذا فرضت المخالفة. ومن تمام طريقهم أن المسألة عندهم مصوّرة فيه [إذا] (١) نص على جهة وخصصها بالذكر، ولم ينه عن الانتقال عنها، ونزّلوا هذا منزلة ما لو عين بيتاً، وقال: احفظ الوديعة فيه، ولم يصرح بالنهي عنه إلى غيره. فلو نص على جهة في الحفظ، وصرح بالنهي عن غيرها مثل أن يقول: اربطها على كمك ولا تترك الربط ولا تعدل عنه إلى الحفظ في الكف، [فإن] (٢) كان كذلك، فهو بمثابة ما لو قال: احفظ الوديعة في هذا البيت، ولا تنقلها إلى غيره، وقد ذكرنا أنه إذا نقل إلى بيتٍ أحرزَ مما عين أو مثلِه، ففي المسألة وجهان، كذلك يجري هذا الاختلاف في هذه الصورة. ومما يرد على طريقهم أن قائلاً لو قال في تأسيس الكلام: الربط والضبط متساويان، أو في كل واحد منهما نوعٌ من الاحتياط ليس في الثاني، والأحوال التي [تُحوج] (٣) إلى خاصة كل واحدة من الجهتين [متعارضة] (٤) الإمكان، ونتيجة هذا الحكمُ بالتساوي. ومهما ذكر العلماء في شيئين ترجيحين، وذهب كل فريق إلى تغليب الجهة التي رآها [فيتجه] (٥) عند الناظر، إذا استدّ نظره استواء الجهتين لما نبهنا عليه. هذا منتهى طريق العراقيين. ٧٦٨٦ - فقد انتظم من مجموع ما ذكرناه ثلاث طرق: إحداها - للمراوزة، وهي تدور على النظر إلى وجه الهلاك، بعد تبين ما يخص كل جهة به من الاحتياط

стр. 5892

ونقيضه، فإن اتفق الفوات من الوجه المحذور [من] (١) الجهة المنتقل إليها، وجب الضمان وإن اتفق الهلاك من غير الوجه المحذور في الجهة المنتقل إليها، فلا ضمان. والطريقة الثانية لصاحب التقريب - وهي أنا نوجب الضمان إذا فرض الانتقال من الجهة المعيّنة إلى الجهة الأخرى، سواء كان الفوات بما يحذر في تلك الجهة أو بغيره. والطريقة الثالثة للعراقيين - وقد تفصلت على وجهها. ويُجري الفطن في أثناء ما ذكرناه في الجهتين تفصيل القول في تعيين البيت والنقل منه إلى آخر، والتفطّن لما يختص به كل بيت من احتياط في الحفظ ونقيضٍ له، حتى إن كانا كذلك، فهما كجهتي الحفظ، فإن استويا، لم يخف تفريعهما. وقد نجز تمام المراد في ذلك. فصل قال الشافعي ﵁: "ولو شرط ألا يرقد على صندوق ... إلى آخره" (٢). ٧٦٨٧ - هذا متصل بما تقدم في تعيين طريق الحفظ والنهي عنه، وقصد الشافعي بهذا الردَّ على مالك (٣)؛ فإنه سلك مسلكاً لم يرتضه الشافعي، فقال: إذا نهاه عن الرقود على الصندوق، فرقد عليه كان برقوده عليه دالاً اللصوص على مكان الوديعة، والدلالة على الوديعة سببُ الضمان، فرد الشافعي عليه ذلك، ولم يجعل ما [تخيّله] (٤) معتبراً؛ فإن كلّ محوط برعاية كالىءٍ فيه هذا المعنى، وقد أوضحنا أن الدُّور لا تكون أحرازاً بأنفسها [ما] (٥) لم تكن ملحوظة بعينٍ كالئة، نعم إن [فرض] (٦)

стр. 5893

غرض في الرقود أمام الصندوق، مثل أن كانت الوديعة [تؤتى] (١) من أمامها، فإذا فرض الرقود أمام الصندوق، فقد يعسر على من يبغي الصندوق إتيانه من جهة قدّام، ولو فرض الرقود على الصندوق تهيّأ إمكان الإتيان من الجهة المحذورة، فيلتحق هذا بما إذا عيّن جهة في الحفظ، كالربط على الكم والضبط في الكف، فتركَ الجهة المعينة، واختار أخرى [وقد] (٢) مضى تفصيل ذلك، فلا حاجة إلى إعادته. فصل ٧٦٨٨ - إذا مات المودَع، وخلف الوديعة، وأوصى بها، ولم ينسب إلى تقصير، فتلفت الوديعة في يد الوارث، فإن كان تلفها على القرب قبل التمكن من الرد، فلا ضمان أصلاً؛ فإن المودَع لم يقصر، ومن خلفه بالوراثة لم يقصر أيضاً، ولو مر زمان إمكان رد الوديعة، ثم تلفت في يد الوارث، فهذا فيه تردد يتعين الاعتناء بفهمه. فليعلم الناظر أن الوارث ليس مودَعاً من جهة المالك، وموت المودَع لا يورِّثه حقَّ الحفظ في الوديعة، كما أن موت الوكيل لا يورث وارثه حقَّ التصرف الذي كان مفوضاً إلى الوكيل، فخرج منه أن الوارث فيما في يده بمثابة من يطيّر الريحُ ثوباً إلى يده، فليس له حكم المعتدين، وليس أيضاً أميناً من جهة المالك. وقال الأئمة: إن لم يطلع على صاحب الثوب، لم يكن عليه طَلِبَة، وهذا فيه بعض النظر عندي، فالقول فيه يبنى على أن الثوب الذي وصفناه في حق من وقع في يده هل ينزل منزلة اللقطة أم لا، وفيه خلاف ذكرته في فصل الركاز من كتاب الزكاة، فإن جعلناه لقطة، لم يخفَ حكم اللقطة فيما يجب ويجوز فيها، وإن لم نجعله لقطة، فهو أمانة، وفي وجوب الإشعار بها تردد، والظاهر أنه لا يجب طلب مالكه؛ فإن وجوب التعريف في معارضة تسليط الملتقط على التملك، فإذا سددنا باب التملك، لم نكلف من وقع الثوب بيده القيام بالتعريف، وما ذكرناه يتضح بسقوط اختيار صاحب اليد.

стр. 5894

وذهب بعض أصحابنا إلى وجوب الإشعار [به] (١). ثم القول فيه يختلف [على] (٢) تردد واحتمال، فيجوز أن يجب الإشعار أبداً، ويجوز أن يكتفى [بإشهاره والإشهار] (٣) به إلى حدٍّ يغلِّب على الظن شيوع خبره، ثم لا يجب غيره، أما تقييد التعريف بالسنة على قياس اللقطة، فليس بالمتجه، مع أن انقضاء السنة لا يُعقِب حقَّ التملك، وليس يُبعد فقيهٌ (٤) المصير إلى ذلك؛ من حيث إنه تعريف شرعي. ولو اطلع صاحب اليد في الثوب على مالكه، يجب عليه إعلامه، وإن لم نوجب التعريف عند التباس المالك، فكذلك على الوارث في مسألتنا أن يُعلم صاحب الوديعة، فإن قصر في إعلامه بها، صار ضامناً. هذا معنى قول الأصحاب: إن تلفت الوديعة قبل الإمكان، لم يضمن، وإن تلفت بعد إمكان الرد، ضمنها، والمراد إن تمكن من الإعلام، [فلم] (٥) يُعلم، ولم يُرد الأصحابُ (٦) أن الوارث يلزمه تعاطي الرَّد بنفسه، حتى إن كانت مؤنةٌ في الرد، وجب عليه التزامها، هذا ما لا قائل به [من] (٧) الأصحاب. ٧٦٨٩ - ولو ادعى الوارث الرد على المودَع، لم يقبل قوله، والسبب فيه ما مهدناه قبلُ من أنه ليس مؤتمناً من جهة المالك، وإنما تُقبل دعوى الرد من المؤتمن على من ائتمنه، وحكم الأمانة [إن] (٨) ثبت في حق الوارث، فلم تثبت الأمانة مقصودة، والتصديق في دعوى الرد موقوف على ثبوت الأمانة قصداً. ٧٦٩٠ - ولو ادعى الوارث التلفَ، فكذبه المودِع، فالوجه عندنا القطع (٩)

стр. 5895

بتصديقه؛ لأنه ليس [معتدياً] (١) ويده يد أمانة. وينقدح عندي هاهنا طريقةُ العراقيين في إيجاب الإشهاد، [إن] (٢) كان السبب مما يمكن (٣) الإشهاد عليه، وكان (٤) الإشهاد ممكناً، ولهذا لم نصدقه في الرد؛ فإن الإشهاد على الرد ممكن. هذا منتهى النظر في ذلك. ولو ذكر المودَع أن الوديعة تلفت في يده، ومات قبل أن يحلف، فالأمر محمول على ذلك، ولمالك الوديعة أن يحلّف الوارث، ثم قال الأصحاب: إن تحقق الوارث تلف الوديعة، حلف عليه بناء على علمه، وإن لم يتحقق ذلك، وكان ظنه غالباً في صدق أبيه، فله أن يحلف على البت؛ بناء على ظنه بصدق أبيه. وهذا قطب من أحكام الأيْمان سيأتي مشروحاً، إن شاء الله ، في كتاب الدعاوى. وإن غلب على ظنه كذب أبيه، لم يكن له أن يحلف. وإن أمكن فرض استواء الأمرين في الاعتقاد من غير تصوير ظنٍّ غالب، ففي جواز الاعتماد على قول الأب [خلاف، سببه] (٥) اعتضاد اليمين ببراءة ذمة الوارث، وسلامة التركة له. ومن منعه من اليمين، اعتل بأن اليمين لا مستند لها من يقين [ولا] (٦) ظن، والأصل بقاء الوديعة. فهذه جملةٌ في أحكام الورثة، كنا وعدنا ذكرها، وقد نجز الغرض منها، وإذا

стр. 5896

ضمت (١) إلى ما ذكرناه في [الإيصاء] (٢) وترك الإيصاء، كان المجموع كلاماً بالغاً في ذلك. فصل قال: "ولو ادعى رجلان وديعة، فقال المودَع: هو لأحدكما ولا أدري لأيكما هو ... الفصل" (٣). ٧٦٩١ - إذا ادّعى رجلان وديعةً، فقال المودَع: لا أدري لأيكما هو، وقد علمت أنه لأحدكما. فإن لم يدعيا علمه، فلا كلام لهما معه؛ فإنه ليس متعدياً باتفاقهما، ونسيانُه لا [يلحقه] (٤) بالمتعدين وفاقاً، فليُحط الناظرُ بذلك، فهو قاعدة الفصل، فإذا لم يكن ضامناً، ولم يُدَّع عليه علمٌ، انقطعت الطَّلِبةُ عنه. هذا ما ذكره الأصحاب. قال صاحب التقريب: هل للقاضي أن يحلّفه على نفي العلم، وإن لم يدّع الخصمان العلم؟ فعلى وجهين. ثم قال: إن قلنا: لا يحلّفه القاضي، وهو الأصح، فلا كلام، ووجهه أن هذا يتعلق بحقهما، وهما لا يدعيانه. قال: وإن قلنا: يحلفه القاضي، فهو استحبابٌ وليس باستحقاق، قطعَ جوابَه بهذا. وهذا عندي كلامٌ مضطرب؛ فإن التحليف في حق الله من الزكوات إذا قضينا بأنه مستحب لغوٌ من الكلام، كما نبهت عليه في كتاب الزكاة، والحق في الزكاة لله، ويليق بحقوق الله تعالى احتياط القضاة، فأما إثبات التحليف في حق الآدميين، من غير دعوى، مع الحكم بأنه استحبابٌ، فكلامٌ (٥) في نهاية السقوط والركاكة، ولكن

стр. 5897

صاحب التقريب كرر (١) هذا في كتابه، فلم أوثر إخلاء هذا المجموع عنه، ولا يمكن حمل كلامه على تنبيه القاضي الخصمين على دعوى العلم؛ فإنه لم يُرد ذلك، ولم يتعرض له، ورأى التحليف إذا قيل به من مراسم القضاة، وسيكون لنا إلى هذا الفصل عودة في إيضاح تداعيهما في الوديعة وقطعهما الدعوى عن المودع إذا [استفرغنا] (٢) مقصودَ الفصل. ٧٦٩٢ - ولو ادعى كل واحد منهما علمَه، فقال هذا: أنت تعلم أني مالك الوديعة، وقال الآخر مثلَه، فيحلف المودع بالله لا يعلم. وذكر أئمتنا في طرقهم إن اليمين الواحدة تكفيه في حقهما، وقال أبو حنيفة (٣): لا بد وأن يحلف لكل واحد منهما يميناً، وهذا عندي محتمل في القياس؛ فإن خصومة كلِّ واحد منهما منفصلة عن خصومة الثاني، وهذا احتمالٌ، والمذهب ما نقلته. ولو فرضنا حضورَ أحدهما، وادعاءه العلمَ، فأنكر المدعى عليه العلم، وحلف عليه، فإذا حضر الخصم الآخر، فهل يقع الاكتفاء باليمين السابقة؟ وليقع الفرض فيه إذا تعرض المودَع للتردد بينهما، فقال لما توجهت عليه الدعوى من الأول: لست أدري أودعتَ أم أودع صاحبُك فلان، فإذا جرى الحلف مع الأول، فهل يحلّفه الثاني؟ هذا لا نقل فيه، [وفي] (٤) المسألة احتمال، ولا يبعد أن يثبت للثاني أن يحلِّفه، وتخصيص اتحاد اليمين [بشهودهما] (٥) حال قيام الخصومة، وهذا فيه إذا وقع التعرض في جواب الأول للرجلين. فأما إذا ادعى الأول، فكان من جواب المدعى عليه: إنك أودعتني أو رجل آخر لم

стр. 5898

يسمِّه، ولست أدري، فإذا حلف لا يدري أن المدعي (١) أودع عنده، فلا بد من تجديد اليمين إذا حضر الثاني. ثم إذا حضرا وادعيا (٢)، وعُرضت يمين العلم، فلا يخلو إما أن يحلف بالله لا يعلم مَن المودِع المستحِق منهما، أو ينكل عن اليمين، فإن حلف: لا يدري من المستحِق منهما، قال صاحب التقريب: لا يخلو الخصمان إما أن [يحلفا] (٣) بينهما أو ينكلا عن التحالف، أو يحلف أحدهما وينكل الثاني. ٧٦٩٣ - فإن نكلا جميعاً، ولم يحلف واحد منهما، قال: فلا يدفع المال إليهما، ولا يقسم بينهما؛ إذ لم يُقم واحد منهما حجة، ولا يدَ أيضاً لواحدٍ منهما، فلا يقتسمانه، ولكن يوقف المال [بينهما] (٤) كما يوقف كل مالٍ بين جماعة أشكل مستحقه منهم. ثم إن أقام واحد منهما بينة، قضي بها، وإن اصطلحا، وتراضيا، فهو إليهم، ولعلنا نذكر في ذلك قولاً ضابطاً في نكاح المشركات، إن شاء الله يحوي أطراف الكلام في أمثال هذا الإشكال. فخرج منه أنا على رأي صاحب التقريب لا نقسم الوديعة بينهما وجوباً، ولكنا نقف على التراضي أو البيان. [وقال] (٥) طوائف من أئمتنا -وهو مذكور في بعض المصنفات- إذا لم يحلفا، قُسّمت الوديعة بينهما قَهْراً، وسبيلهما كسبيل رجلين في أيديهما دارٌ، وكل واحد

стр. 5899

يدعي الدار بكمالها لنفسه، فحكم الدار أن تقرر في أيديهما ويُقضى بظاهر الملك لكل واحد منهما في نصف الدار. وهذا يمكن توجيهه بأن المودَع في إقراره [لهما] (١) سوّى بينهما، ولم يعيّن واحداً، وأبهم الأمرَ، واعترف بأن يده مستعارة، فصار كما لو ثبتت أيديهما على الوديعة. وهذا وإن كان يتجه، فالأموال المشكلة تَرد على ذلك؛ فإن من أسلم على ثمان نسوة وأسلمن، فإضافة الربع أو الثمن إليهن على قضيةٍ واحدة، ليس بعضهن أولى به من البعض. ثم لم يُطلق جماهير الأصحاب القولَ بوجوب قسمة الربع أو الثمن بينهن، على أنهم لم يُخلو ذلك الفصلَ عن المصير إلى قسمة ذلك بينهن وجوباً، على ما سيأتي. وقياس ظاهر المذهب، ما ذكره صاحب التقريب. ثم قال: إذا قلنا: يوقف المال، فهل تبقى تلك الوديعة في يد المودَع، أم تخرج من يده؟ فعلى قولين، وهذان القولان جاريان في نظائر ذلك: أحدهما - أنها تخرج من يده؛ فإنه أقر بأنه ليس بمستحق له، وثبت طلب الاسترداد من كل واحد من الخصمين، فيسلم القاضي الوديعة إلى عدل أو يحفظها بنفسه. والقول الثاني - أنه يتعين تقريرها في يد المودَع؛ فإنه لو استخرجها من يده، لوضعها عند مثله، فاستدامةُ يده إلى البيان أولى. وإن قلنا: للقاضي أن يُخرج الوديعة من يده، فلو رأى أن يستحفظه من تلقاء نفسه، لم يمتنع ذلك، ولكن لا بد منه. هذا إذا حلف المودَع، ونكل الخصمان عن التحالف بينهما. ٧٦٩٤ - فأما إذا حلفا جميعاً: هذا (٢) حلف أنه المستحِق دون صاحبه، وكذلك صاحبه، قال صاحب التقريب: في المسألة وجهان حينئذ: أحدهما - أن الوديعة

стр. 5900

تقسم بينهما، ويكون كما لو تنازعا داراً في أيديهما وتحالفا، فلكل واحد منهما نصفها، كذلك هاهنا. والوجه الثاني - أنه لا يجب قسمة الوديعة بينهما؛ فإن (١) يمينهما تعارضتا وتضادّتا [فلتسقطا] (٢)، ويلتحق الخصمان بما إذا نكلا، ثم لا شك أن من يقسم الوديعة بينهما في نكولهما يجري هذا الحكم في [حلفهما] (٣)، ثم قال: إذا لم تقسم الوديعة، لم تثبت أيديهما، وكانت الوديعة موقوفة، وقد مضى تفصيل القول في الوقف. وكلُّ ما ذكرناه فيه إذا عرضنا اليمين على المودَع، فحلف بالله لا يعلم. ٧٦٩٥ - فأما إذا عرضنا اليمين عليه في نفي العلم، فنكل عن اليمين، قال صاحب التقريب في كيفية ردّ اليمين على المدّعين وجهان: أحدهما - أن القاضي يبدأ بمن شاء منهما؛ إذ ليس أحدهما أولى من الثاني، فيحلف كل واحد منهما، والبداية موكولة إلى القاضي. والوجه الثاني - أنه يُقرع بينهما، فمن خرجت عليه القرعة يحلف أولاً ثم الثاني بعده. ٧٦٩٦ - التفريع على الوجهين: إن قلنا: إنه يحلِّفهما بلا قرعة، فإذا حلفا، فقد ذكر صاحب التقريب ثلاثة أوجه [على هذا الوجه] (٤) أحدها - أنه يسلّم إلى كل واحد منهما نصف العين ويغرِّمه (٥) كلُّ واحد منهما نصفَ قيمة العين، وتعليل ذلك أن كل واحد منهما يقول: أثبتُّ بيميني استحقاقي للوديعة، وأنت بترك الإقرار حُلْت بيني وبين نصف الوديعة، ولما [نكلتَ] (٦) عن اليمين لم تُعذَر (٧)، ولم تصدَّق على دعوى

стр. 5901

النسيان، فيتحصل من ذلك أن كل واحد منهما ينسبه إلى تفويت نصف الوديعة عليه، وموجب ذلك ما ذكرناه من تغريم كل واحد منهما إياه نصفَ قيمة الوديعة، وهذا الوجه لا يتضح إلا بذكر صفة اليمينين، [فيحلف] (١) كل واحد منهما على استحقاقه، وعلى علم المودَع باستحقاقه؛ فإنه بحلفه على علمه يُثبت تفويتَه، ولو (٢) لم يحلف على علمه، لم يستحق عليه شيئاً من القيمة. هذا أحد الوجوه (٣). و [الوجه] (٤) الثاني - أن العين تقسم بينهما، وليس لواحد منهما عليه شيء من القيمة. وهذا الوجه يخرج خروجاً صحيحاً على قولنا: الشاهد على الملك إذا رجع عن شهادته بعد نفوذ القضاء، لم يغرم للمشهود عليه قيمةَ المشهود به، وكذلك إذا قال: [غصبتُ] (٥) هذا العبدَ من فلان، لا بل من فلان، فالعبد مسلّم إلى الأول المقرّ له [أولاً] (٦)، وهل يغرم للمقر [له] (٧) الثاني قيمةَ المقرّ به؛ من جهة انتسابه إلى التفويت عليه بالإقرار الأول؛ فيه قولان. فالوجه الأول والثاني إذاً مأخوذان من هذين القولين. ٧٦٩٧ - وذكر صاحب التقريب وجهاً ثالثاً - وهو أن العين لا تسلم إليهما، بل توقف بينهما، وهذا الوجه خارج على ما مهده من الخلاف في حلفهما بناء على تعارض اليمينين، فالذي يقتضيه الترتيب إذاً ذكر خلاف في أن العين هل تسلم إليهما أم لا؛ فإن قلنا: لا تسلم إليهما، وقد حلف كل واحد منهما على علمه، فهل يغرَم

стр. 5902

القيمة للتفويت؟ فعلى وجهين مبنيين على ما ذكرناه من أن التفويت هل يوجب الغُرم؟ فإن قلنا: لا يوجبه، فالعين موقوفة، ولا غرم، وإن قلنا: التفويت يوجب الغرم، فالعين توقف، والغرم يجب، ثم يغرَم المودع لكل واحد منهما تمام القيمة؛ فإنه ينسب في حق كل واحد منهما إلى الحيلولة في العين. وفي كلام صاحب التقريب [دقيقة] (١) على وجه الوقف، وهو أنه قال: إذا [أوقفنا] (٢) العين، فيغرَم المودَعُ لكل واحد منهما نصفَ القيمة قولاً واحداً لتنجيز الحيلولة في العين الموقوفة، وهل يغرم تمام القيمة، أم (٣) النصف الثاني من القيمة في حق كل واحد على التردد المتلقى من القولين في الشهادة والإقرار؟ وهذا حسن. وكل ذلك تفريع على وقف العين. فإن قلنا: العين تقسم بينهما، ففي تغريم المودَع لكل واحد منهما نصف القيمة الوجهان المقدمان. هذا كله إذا نكل المدعى عليه، وحلف الخصمان. ٧٦٩٨ - ولو نكلا، كان كما لو حلف المدعى عليه على نفي العلم ونكلا؛ فإن نكولهما أقام حكم [يمين] (٤) الخصم وثبتت خاصية نكولهما، فالتحق هذا بما تقدم فيه إذا حلف ونكلا. ٧٦٩٩ - ولو حلف أحدهما ونكل الثاني [فاز] (٥) الحالف بالعين، وخاب الناكل؛ فإن نكوله كما يحرمه العين يحرمه الرجوع في القيمة. [وكل] (٦) ذلك تفريع على أحد الوجهين، وهو أنا لا نقرع بينهما.

стр. 5903

٧٧٠٠ - فأما إذا قلنا: نقرع بينهما (١)، فمن خرجت لها القرعة، [حلّفناه] (٢)، فإن حلف، فكيف السبيل فيه؟ ذكر صاحب التقريب وجهاً ظاهراً، ورمز بالثاني، فالذي أظهره أن الحالف يفوز بملك العين، وهذا فائدة القرعة، فلو قال الثاني: فأنا أحلف؛ حتى يشترك في العين، لم نُجبه إلى ذلك، ومن [آثار] (٣) القرعة إعتاق عبد وإرقاق عبد، والخصمان هاهنا يدعي كل واحد منهما تمامَ الاستحقاق، والمدَّعى عليه معترفٌ بالاستحقاق لأحدهما لا بعينه، فلا يمتنع أن تؤثر القرعة في تعيين أحدهما. وقد قال الشافعي في أحد أقواله: إذا تعارضت بينتان، ورأينا استعمالهما، فإنا نقرع بين الخصمين، فمن خرجت له القرعة، فاز بالملك، وخاب صاحبه. وإنما ذكرنا هذا حتى لا يستبعد الناظر اقتضاءَ القرعة اختصاص أحدهما بملك [العين] (٤). هذا وجه ظاهر. ثم فرع عليه، وقال: إذا فاز من خرجت له القرعة -وحلف- بملك العين، فهل يغرم المودَع للثاني (٥) إذا حلف؟ فعلى وجهين، وهما الوجهان المذكوران في أن إيقاع الحيلولة هل يتضمن تغريم القيمة؟ فإن قلنا: لا يغرم للثاني شيئاً، [فلا] (٦) يحلِّفه أصلاً ويحلّف (٧) من خرجت له القرعة لا محالة. وإن قلنا: الحيلولة توجب الغرامة، فيحلف الثاني، فإن حلف، استحق [تمام] (٨) القيمة. هذا كله بيان الوجه الذي أظهره، وهو اقتضاء خروج القرعة تخصيصَ من خرجت له القرعة باستحقاق العين.

стр. 5904

وأشار إلى وجهٍ آخر [وهو] (١) أن القرعة لا تفيد ذلك، ولا تقتضيه، ولكن فائدة القرعة بدايةٌ محضة باليمين، فإن خرجت القرعة لأحدهما، وحلف، حلّفنا الثاني، ثم يعود التفريع إلى أن القاضي يحلّف من شاء منهما، وقد مضى تفصيل [القول في] (٢) ذلك. ٧٧٠١ - ثم إذا كانا يحلفان، فسبيل حلفهما فيما يتعلق بالعين ما نصفه، فنقول: من تقع البداية به (٣) إن حلف، فيحلف أنه لا حق لصاحبه في العين، ثم إن نكل صاحبه، فعلى الذي حلف أولاً أن يحلف مرة أخرى على الإثبات، فيثبت له الاستحقاق بيمين النفي والإثبات، ولا يجمع في الابتداء بين النفي والإثبات. وإن نكل من بدأنا به، فحينئذ يجمع صاحبه -إن أراد أن يحلف- بين النفي والإثبات. وتمام البيان في هذا يأتي في الدعاوى عند ذكرنا اختلاف رجلين في أيديهما دارٌ وكل يدعي تمامها [لنفسه] (٤)، فيدُ كلِّ واحد ثابتة في نصف الدار، وهو فيه مدَّعىً عليه، وهو مدعٍ في النصف الذي في يد صاحبه. وحكم يمين المدعى عليه أن يكون على النفي ويمين الردّ يكون على الإثبات، ولا يثبت يمين الرد إلا عند [نكول] (٥) الخصم. ٧٧٠٢ - وقد نجز تفصيل القول في مسألة الوديعة، وذكر الأئمة صورةً أخرى تتعلق بالغصب تناظر صورة الوديعة، وهي أن من في يده العين لو قال: غصبت هذه العين من أحدكما، ولا أدري ممن غصبت، فلا يكتفى منه بيمين واحدة على نفي العلم (٦)، بل كل واحد منهما يكلفه أن يحلف على البت: ما غصبتُ هذه العينَ منك (١ فإن أبى، كان ناكلاً عن اليمين، والفرق بين البابين أن المودَع غيرُ ضامن، وقد ذكرنا في

стр. 5905

صدر الفصل أن نسيانه لا يُثبت له حكمَ العدوان، فاكتفينا منه بنفي العلم؛ فإنه إذا انتفى العلم عنه، انتفى الضمان، وانتفاء العلم في الغصب لا يدرأ الضمان، ولا يقطع الطَّلِبةَ عن الغاصب، فلاح الفرق. ولو ادّعى أحدهما عليه الغصبَ، وكان سبق منه دعوى التردّد، وقال للذي وجه الدعوى عليه ما غصبت العين منك ١)؛ فإنه يصير مقرّاً للآخر؛ لأنه [اعترف] (٢) أولاً [بأن] (٣) الغصب كان من أحدهما، فإذا جزم نفي الغصب في حق أحدهما، تعين الثاني لثبوت الغصب في حقه، فيسلّم العين إلى الثاني. ثم هل يغرم للذي ادعى عليه، فأنكر الغصب في حقه شيئاً، وكيف السبيل فيه؟ لا شك أنه بمجرد الإنكار في حقه لا يغرم؛ فإنه لم يأت أولاً بما يقتضي ثبوتَ حق له، حتى ينتسب إلى إيقاع الحيلولة آخراً، نعم، لو أنكر دعوى الأول، وجعلنا ذلك إقراراً للآخر، فلو أقر للأول بعد ما أنكر، فهل يغرم للأول شيئاً؟ فعلى قولين وعلى هذين القولين يبتني أن الأول الذي أنكر حقَّه هل يملك تحليفه؟ فإن قلنا: لو أقر له بعد الإنكار، غرِم له، فيملك الأول تحليفَه لتوقع أن ينكل، فيحلف المدعي. وإن قلنا لو عاد، فأقر للأول، لم يغرم له شيئاً، فليس للأول أن يحلّفه؛ فإن تحليفه إياه لا يفيد غُرماً، وقد استقر الإقرار المتلقَّى من الإنكار للثاني، وذاك لا مستدرك له، فلا معنى للتحليف. وقد هذى بعضُ الأصحاب بشيء، لا فائدة فيه، ومثله يشوش المذهب، ويفسد القواعد، وذلك أن بعض من لا يحيط بسر الفقه، صار إلى أن الأول لو حلف يمين الرد، لا يستحق العين المغصوبة؛ بناء على أن يمين الرد ينزل منزلة البينة المقامة، ولا ينزل منزلة إقرار الخصم، ثم لو أقام الأول بيّنة، قضي له بها، وهذا ليس بشيء، وهو بإجماع أئمة المذهب غلطٌ، وسنذكره على الاستقصاء في كتاب النكاح، وفي كتاب الدعاوى، إن شاء الله .

стр. 5906

فصل ٧٧٠٣ - ذكر الأئمة ﵃ أن الصبي ليس من أهل أن يؤتمن (١)، ويده لا تصلح لحفظ الودائع، ثم ذكر الأصحاب التفصيلَ في إتلافه الوديعة. وقد ساق العراقيون طريقةً جامعة في أحواله، فقالوا: إن ثبتت يد الصبي على مال إنسان، وجرى من مالك المال ما [يتضمّن تسليطَ] (٢) الصبي على إتلافه، فإذا حصل بهذا الطريق مالٌ في يد الصبي، وأتلفه، فلا ضمان عليه، وهذا كما لو باع شيئاً من صبي، وسلّمه إليه، فالبيع فاسد، ولو أتلف الصبي ما قبضه، لم [يضمنه] (٣)؛ فإن مالك ذلك المتاع [سلّط] (٤) الصبي على ذلك، ولا نظر إلى قول من يقول: إنما سلطه بعوض؛ فإن ذلك العوض ساقط، والتسليط على الإتلاف كائن، والساعي في تضييع المال هو المالك، ثم إذا لم يضمن في صباه، لم يلزمه الضمان بعد بلوغه، والضمان منفي عنه في الحال والمآل، ظاهراً وباطناً. ومن أحوال الصبي في الإتلاف أن يتلف مالاً ابتداءً من غير صدور سبب من المالك، فإذا جرى ذلك على هذا الوجه، وجب الضمان في مال الصبي، يخرج [منه] (٥) في صباه، ولا ينتظر بلوغه. وإن اتفق استئخار الطلب إلى ما بعد البلوغ، طولب بعد استقلاله. ومن أحواله في الإتلاف أن يُثبت المالك له يداً مقصِّراً مغرِّراً بمال نفسه، من غير أن يسلطه على التصرف فيه، وهذا بمثابة ما لو أودع مالَه عند صبي، ففي الإيداع إثبات يدٍ له، ولكن ليس فيه تسليطهُ على التصرف، فإذا أتلف الصبي الوديعةَ، ففي وجوب الضمان وجهان: أحدهما - يجب الضمان في مال الطفل، كما لو أتلف مالاً ابتداء.

стр. 5907

والثاني - لا يجب؛ فإن مالك المال هو المغرِّر المقصر. والأول يقول: المالك لم يسلِّطه على الإتلاف، وإنما استحفظه في المال. وهذه الأحوال الثلاث تجري في حق العبد، فإن باع المالك منه شيئاً، فالبيع مردود على المذهب، فلو أتلفه العبد، لم يتعلق الضمان برقبته، ولكنه يطالب بالقيمة إذا عتق. ولو أودع عند عبدٍ من غير إذن المولى، فأتلف العبد الوديعة، ففي تعلق الضمان برقبته وجهان، والعبد يفارق الصبي من حيث إن ما لا يضمنه الصبي (١) من مال في صباه لا [يضمنه] (٢) قط، وإذا أسقطنا (٣) تعلق الأرش برقبة العبد وفاقاً، ثم عَتَق، طولب بقيمة المتلَف بعد زوال الرق، والسبب فيه أن المرعي في نفي الضمان عن الصبي حقه، وحقُّه مرعيٌّ في الحال والمآل، والمرعي في نفي تعلق الأرش بالرقبة حقُّ المالك، وحقه يزول بالعتق. فلو جرى ما وصفناه من مملوك صغير، فإن كان ذلك لو صدر من صبي حر، لما وجب الضمان في الحال والمآل، فكذلك لا يتعلق الضمان بالصبي المملوك؛ فإنه كالصبي الحر، غيرَ أن الصبي الحر لم يتعلق به استحقاقٌ لغيره، بخلاف المملوك. وحيث قلنا: يجب الضمان في مال الصبي الحر، فإذا صدر ذلك السبب من الصبي المملوك، تعلق الأرش برقبته. وقد نجز تمام [المراد] (٤) في ذلك ونجز بنجازه مسائل الوديعة، والله الموفق بالصواب. ...

стр. 5908

كتاب قسم الفيء والغنيمة (١) قال الشافعي ﵁: "أصل ما يقوم به الولاة من المال ثلاثة وجوه ... إلى آخره" (٢). ٧٧٠٤ - نقل المزني عن الشافعي ﵁ حصراً في أقسام الأموال التي [يأخذها] (٣) الولاة ويرعَوْنها، وجعلها ثلاثة أقسام: الصدقات، والفيء، والغنيمة،

стр. 5909

فقال الأئمة: الأموال العامة التي يقوم الوالي بجمعها وجبايتها تنقسم إلى الأقسام التي ذكرها، [وللإمام التصرف في أموال الملاك المتعينين] (١) وتلك الجهات زائدة على الأقسام التي نقل المزني حصرها عن الشافعي، [وتصرف] (٢) الوالي في المال الذي له مالك متعين يقع على ثلاثة أوجه: أحدها - التصرف بالولاية، وهو تصرفه في مال الصبيان والمجانين، والذين لم يُؤنس رشدُهم، فإذا لم يكن لهؤلاء أولياء، فالإمام وليهم، أو من يقوم مقامه من ولاة الإمام. والوجه الثاني - من تصرفه أنه يأخذ الأموال من الممتنعين ويوفرها على مستحقها. والوجه الثالث - تصرفه في أموال الغُيّب، وعلى الناظر توقفٌ في هذا القسم، فالمالك المطلق يفعل بماله ما يشاء على وفق الشرع، ولا يلزمه عمارة أملاكه، وحفظ أمواله، وله تعريضها للضياع، وإنما [يحجر] (٣) الشرع عليه في ذوات الأرواح [لحرمتها] (٤) لا لحق المالية منها، والوالي يتصرف بالولاية في مال الموْليّ عليه، على حكم النظر والغبطة، كما تفصل ذلك في الكتب، والسلطان لا يتصرف في أموال الغيّب بالغبطة المحضة، وإنما يتسلط على التصرف فيها بشيئين: أحدهما - إذا أشرفت على الضَّياع، والثاني - إذا مست الحاجة إليها في استيداء (٥) حقوق ثبتت على الغائب، وهذا وإن ذكره أصحاب الإيالة، فهو ملتحق باستيفاء الحقوق من الممتنعين، ثم هذا مندرج تحت الولاية، [فإن] (٦) الغرض الأظهر منها درءُ الضرار، وكف الأذى والانتصاف للمظلومين، ثم في الضياع على المتأمل تفصيلٌ، فإن ظهر وامتدت الغيبة وعسرت [المراجعة] (٧) قبل وقوع الضياع، فيسوغ التصرف، كما سنفصله.

стр. 5910

وإن (١) أمكنت المراجعة، ولم ينقطع [الخبر] (٢) انقطاعاً [يغلِّب] (٣) على الظن اليأسَ من العَوْد قبل المستدرك، فلا يسوغ التصرف مطلقاً. أما التصرف عند ظهور الضياع واليأس من قرب العوْد، [فيحوج] (٤) إلى بيان الضَّياع، وذكرِ تفصيل التصرف. ٧٧٠٥ - فأما الضياع فيقسّم إلى الهلاك بالكلية وإلى الاختلال. [فأما الهلاك إذا خيف، فهو الضياع، وأما الاختلال] (٥) فإن كان لا يتراقى (٦) إلى تلف المعظم، ولم يكن سارياً، فلم يعدّه معظم العلماء ضَياعاً؛ فإنه لو بيع مال الغائب لخيفة الاختلال، لالْتحق ذلك بابتناء البيع في مال الغائب على النظر المحض والمصلحة، وهذا ما لا يسوغ المصير إليه. وإن كان يتلف معظم المال، فقد أُحلّ المعظم في هذا محل الكل. وما ذكرناه في غير الحيوان، فأما الحيوان؛ فإنه يباع بتطرّق الاختلال إليه لحرمة الروح، وأيضاً؛ فإن ذلك يتداعى إلى الهلاك والحيوان يباع على مالكه في حضرته إذا كان لا يستقل بالإنفاق عليه. هذا قولنا في الضياع. ٧٧٠٦ - فأما التصرف، فإن أمكن تدارك الضَّياع بالإجارة، اكتفى القاضي بها، ولم يبع، وإن كان لا ينسدّ الضياع بالإجارة، فله أن يبيع على الشرائط التي قدمناها، فإن قيل: لِمَ يتسلط الوالي على بيع مال الغائب عند إشرافه على الضياع والغائب ليس موليّاً عليه، ولا حق عليه [فيتأدّى] (٧) من ماله الحاضر؟ قلنا: لا محمل لهذا من

стр. 5911

طريق المعنى إلا حملُ [الأمر] (١) على العرف فيه، فإن الغُيَّب بقرائن أحوالهم لا يأبَوْن أن يَرعى حقوقَهم من [يلي] (٢) المسلمين، وينتصب وزَراً (٣) لهم، حتى لو فرض من المرء عند الغيبة نهيٌ عن البيع، [وانتهى] (٤) الأمر إلى الضَّياع، فلسنا نرى البيع جائزاً والحالة هذه. وبالجملة ليس يخلو بيع الوالي من غير استحقاق حق على الغائب فيما لا يجوز بيعه عليه بحضرته عن خلاف العلماء الناظرين في الإيالات، ولم أر للفقهاء اعتناء بتفصيل ذلك، والمسألة على الاحتمال، والظاهر جواز البيع على الشرط الذي ذكرناه، وإجارة القاضي لأملاك الغُيّب في معنى بيع الأعيان المشرفة على الضّياع؛ فإن المنافع متعرضة للضياع على ممر الزمان، ولم يجترىء على إطلاق [إجازة] (٥) الإجارة في حق من لم تبعد غيبته أحد من العلماء فيما بلغنا. ومما يتعلق بهذا القسم ملكٌ لا يتعين مالكه ويدُ الوالي تمتد إليه حفظاً، ولو أراد صرفه إلى جهة المصلحة، وقد تحقق وظهر اليأس من الاطلاع على مالكه، فهذا مما أطلق العلماء القولَ بجوازه، من غير اشتراط إشراف المال على الضياع، ونحن نجد نظير ذلك في اللقطة، وإن كان التعريف مشروطاً في تملكها، وذلك أنه لا يظهر اليأس من العثور على مالكها إلا بالتعريف، والذي ذكرناه في مالٍ ظهر اليأس من الاطلاع على مالكه. فهذه جملٌ انتهت إليها تقاسيم الكلام في الأموال التي يتصرف الولاة فيها. ٧٧٠٧ - وعاد بنا الكلام إلى مقصود الكتاب، وهو القول في قسمة الفيء والغنيمة فنقول أولاً: اسم الفيء ينطلق في اللغة ووضع اللسان على الغنيمة انطلاقه على ما نظفر به من

стр. 5912

أموال الكفار من غير قتالٍ، غيرَ أن الفقهاء اصطلحوا على تمييز ما نصيب من أموالهم بالقتال عما نصيبه منها من غير قتال، فسمَّوْا ما نصيبه بالقتال غنيمة، وما نصيبه من غير قتال فيئاً. وهذا الباب مضمونه ذكر تراجم في مصارف الغنيمة والفيء على الجملة، ثم القول في تفاصيلها، وأوصاف المستحقين، وأقدار ما يستحقون، يأتي مفصلاً في أبوابٍ. فأما الغنيمة، فأربعة أخماسها للغانمين إذا أرادوها وطلبوها، ولم يُعرضوا عنها، والخمس منها يقسّم على خمسة أسهم بالسوية: سهم للمصالح العامة، وسهم لذوي القربى من رسول الله ﷺ ، وسهم للمساكين، وسهمٌ لليتامى، وسهم لأبناء السبيل. ٧٧٠٨ - فأما الفيء، فليقع الكلام أولاً في صفته التي يتميز بها عن الغنيمة، قال جماهير الأصحاب: كل مالٍ أصبناه من كافر من غير قتال وإيجاف خيل وركاب فهو فيء، ويدخل تحت ذلك ما يتخلى الكفار عنه مرعوبين لاستشعارهم الخوف من غير أن نقيم عليهم قتالاً. ومن جملة الفيء، ما يخلِّفه ذمّي وليس له وارث خاص. ومنه الجزية، والخراج المضروب على حكم الجزية، [ومنه] (١) مال المرتد إذا مات أو قتل مرتداً. هذا هو المذهب المشهور. وذكر الشيخ أبو علي تفصيلاً نأتي به على وجهه، فقال: إذا همّ المسلمون بجرّ جيشٍ إلى بلاد الكفار، فتقاذف الخبر إليهم، فانجلَوْا وخلّوا أموالهم، فعثرنا عليها من غير قتال، قال: إن انجلوا قبل (٢) تجهيز الجيش وبروزه في صوب بلدتهم، فالذي [تركوه] (٣) وانكشفوا عنه فيء.

стр. 5913

وإن تجهز الخيل وضربوا [معسكرهم] (١) وبرزوا في تلقاء أولئك الكفار، فانجلَوْا بعد ذلك، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن ذلك المال مغنوم، وهو كما لو التقى الصفان، [فولَّوْنا] (٢) ظهورهم، ومنحونا أكتافهم من غير شهر سلاح، فما خلفوه إذا ولَّوْا منهزمين مغنوم، (٣ كذلك ما انجَلَوْا عنه بعد تجهيز الجيش، كما وصفناه مغنوم ٣). وهذا وجه بعيد لا يوافق قاعدةَ المذهب، فالأصح إذاً أن الذي انجلَوْا عنه فيء، لأنا لم ننصب قتالاً، وقصْدُ القتال ليس بقتال، ولو فتحنا الباب الذي أشرنا إليه، لزمنا منه موافقة أبي حنيفة في أصولٍ اتفق الأصحاب على مخالفته فيها: أحدها أنه لو نفق فرسُ الغازي قبل أن يلقى قتالاً عليه، فمذهب أبي حنيفة (٤) أنه إن كان وطىء بلادَ الحرب، فله سهم فرسه وإن نفق. ونحن لا نرى ذلك أصلاً، ثم ما حكاه من الوجه البعيد لم يعتبر فيه أن ينجلي الكفار بعد دخول جند الإسلام دارَ الحرب، ولكن اكتفى [بالتأهب] (٥) والتجهيز والحصول في المعسكر المضروب في تلقاء الكفار، وحمل هذا على ما يلقاه الظاهرون من المؤن في تجهزهم، وهذا الوجه [في] (٦) نهاية الضعف. وإن قيل به، فالاقتصار على مجرد الظهور فيه بعدٌ أيضاً، ثم لا ضبط بعد ذلك، ولا وجه إلا إبطال هذا الوجه. وقد ذكر صاحب التقريب هذا الخلاف أيضاً. [فهذا] (٧) تصوير الفيء.

стр. 5914

٧٧٠٩ - ثم اختلف الأقوال في أربعة أخماس الفيء، فقال الشافعي في قول: إنها للمرتزقة خاصة، وهم الجنود المرتّبون للذب عن حَوْزة الدين، وهم أصحاب الديوان، كما سيأتي وصْفُهم، إن شاء الله تعالى. وهذا القائل يقول: كانت أربعة أخماس الفيء لرسول الله ﷺ في حياته، فلما استأثر الله به -وكان ﷺ وَزَراً للمسلمين- خَلَفَه شوكةُ الإسلام وجندُه. هذا قولٌ ظاهر. والقول الثاني - أن أربعة أخماس الفيء مصروف إلى المصالح العامة، ولكن الإمام يبدأ بالأصلح فالأصلح، والأهم فالأهم، [وأهمُّ] (١) المصالح إقامة [أمور] (٢) المرتزقة وكفاية مؤنهم، وتفريغ قلوبهم، وهذا موضع التوطئة، والشرحُ بين أيدينا، إن شاء الله تعالى. والقول الثالث للشافعي، نص عليه في القديم أنا نجعل (٣) الفيء خمسةَ أسهم: سهم منها للمصالح، والبداية بالأهم، كما وصفناه، وأربعة أسهم لذي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل، فتحصّل إذاً [ثلاثة] (٤) أقوال كما سردناها. ثم المذهب الظاهر أن الفيء يخمّس، ومصروف خُمسه ما أشرنا إليه، وفي أربعة الأخماس قولان: أحدهما - أنها ملك المرتزقة. والثاني - أنها للمصالح، والقول القديم مهجور مرجوع عنه. ثم إذا صححنا تخميس الفيء، طردنا هذا في كل ما يستفاد من كافرٍ من غير قتال، ويدخل تحته ما خلّفه الذِّمي الذي ليس له قريب خاص، ومال المرتد، والجزية، والخراج المأخوذ من أهل الجزية. وذكر صاحب التقريب قولاً آخر: أن ما أخذناه من الفيء بإرعاب الكفار من غير

стр. 5915

لُقْيان قتال، فهو الفيء المخمّس، وما أصبناه من كافر من غير قتال ولا إرعاب، فلا يخمس أصلاً، ثم ظاهر ما ذكره (١) أنا لا نخرِّج فيه تمليك المرتزقة على القول الظاهر؛ فإنهم أهل الإرعاب، فيكون الحاصل من غير إرعاب على هذا القول مصروفاً إلى ما يصرف إليه خمس الفيء الحاصل بالإرعاب. هذا ظاهر كلام صاحب التقريب في تفريع هذا القول البعيد. وذكر الشيخ أبو علي هذا القولَ، وذكره العراقيون أيضاً. ثم إذا فرعنا على ذلك، ففي الطرق تردد في الجزية؛ من جهة [أن] (٢) الكفار، وإن كانوا يبذلونها على طوعٍ، فسبب بذلهم لها استيلاءُ يد الإسلام عليهم، واستعلاء كلمة الله، فكانت الجزية حريةً أن تلتحق بالفيء الحاصل بالرعب. هذا بيان الجمل التي أردنا تصدير الكتاب بها، لتحل محل التوطئة، والتراجم، مع العلم بأن التفاصيل محالةٌ على الأبواب الآتية، إن شاء الله . ٧٧١٠ - ومما يذكر أيضاً أن الله تعالى قال في محكم كتابه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]. فقال فقهاؤنا: ما كان مضافاً إلى رسول الله ﷺ ، فهو في يومنا هذا سهم المصالح، ولا فرق [بين] (٣) سهم الله وسهم رسول الله ﷺ ، وهما يرجعان إلى سهم واحدٍ. هذا مذهب الشافعي. وذهب بعض العلماء إلى أن ما كان لرسول الله ﷺ في حياته، فهو مصروف إلى الإمام الأعظم؛ فإنه خليفة رسول الله ﷺ ؛ فيخلفه فيما كان يأخذه ﷺ . والشافعي حكى هذا المذهب عن بعض السلف، وردّ عليه، ولم يصح أن الخلفاء الراشدين كانوا يأخذون سهمَ رسول الله ﷺ .

стр. 5916

ومما يتعلق بالقرآن أن ظاهره يدل في الفيء على القول البعيد المنصوص عليه في القديم، وهو أن جملة الفيء مخمّس، ولكن هذا الظاهر [مزالٌ] (١) باتفاق المعتبرين من العلماء، كما أن ظاهر القرآن أن الغانمين لا يختصون بالمغانم؛ فإنه عز من قائل قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، ولكن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ يدل على أن أربعة أخماس الغنيم للغانمين، فإنه ما استثنى من الغنيمة إلا الخمس، وأضاف الباقي إلى الغانمين، إذْ قال : ﴿غَنِمْتُمْ﴾. ...

стр. 5917

باب الأنفال ٧٧١١ - أراد الشافعي ﵁ بالأنفال الغنائم، وهي ما أصبناه بالقتال، وقاعدة الباب أن أربعة أخماسها للغانمين. ثم صدّر الشافعيُّ الباب بأسلاب [القتلى] (١)، فمذهب الشافعي أن المسلم إذا قتل كافراً في القتال، مقبلاً غيرَ مدبر؛ فإنه يستحق سلبَه، والأصل في ذلك الأخبار الصحيحة (٢)، والنصوص الصريحة، كما ذكرناها في مسائل الخلاف. ثم الكلام يقع في هذا الفصل على وجوهٍ: منها - القول في السبب الذي يستحق به السلب، فنقول: سببُ استحقاق السلب قتلُ كافر مقبل على القتال إلى أن قُتل غيرَ منهزم ولا مدبر، فلو [ولى] (٣) الكفارُ وركب المسلمون أقفيتهم، فمن قتَل منهم منهزماً، لم يستحق سلبه، ولو ناوش مسلمٌ قِرناً من الكفار، وطفقا يقتتلان، ثم ولى الكافر بسبب بأس المسلم وبطشه، فاتّبعه وقتله، فظاهر المذهب أن ذلك [سببٌ] (٤) لاستحقاق السلب. هكذا ذكره الشيخ أبو علي. وإنما المنهزم الذي لا يستحق قاتلُه سلبَه هو الذي لم يخض في القتال [وولّى] (٥)، فأما

стр. 5918

الخائض في القتال إذا كانت [هزيمته] (١) بسبب تحامل قِرنه عليه فالذي هزمه إذا قتله استحق سلبَه. وفي هذا تفصيل لا بد منه، وهو أنه إن ولّى من قِرنه، فاتّبعه رجل غيرُ من كان يبارزه وقتله، فالظاهر أن هذا القاتل لا يستحق سلبه، وكذلك من هزمه لا يستحق سلبه الآن؛ إذْ قتله غيره. والهزيمة هي مفارقة المعترك مع الاستمرار على الفرار، [وأما التردد بين الميمنة والميسرة] (٢) والقلب، فليس ذلك من الهزيمة، (٣ وسنصف الهزيمة ٣) وحكمَها في حق المسلمين، و [كذلك نصوّر الهزيمة وحقيقتَها] (٤) إذا فرضت من الكفار، إن شاء الله تعالى. ٧٧١٢ - [ومن] (٥) أسباب استحقاق السلب أن يثخن المسلمُ الكافرَ، ويُذهبَ بطشَه ومنعَتَه، فإذا فعل ذلك المسلمُ، استحق سلبَ ذلك الكافِر المثخن، فلو قتله قاتلٌ [وقد] (٦) أثخنه أولاً مثخنٌ، فالسلب للمثخِن، لم [يختلف فيه] (٧) علماؤنا؛ فإن المقصود إثخانه وإبطال بطشه، [وقد] (٨) حصل بالأول. فإن قيل: أليس روي أن النبي ﷺ قال: "من قتل قتيلاً فله سلبه" فعلق استحقاق السلب بالقتل؟ قلنا: هذا ينزل على غالب العرف، والغالب أن القاتل هو الجارح أو المذفِّف (٩) ابتداء، فاتجه تنزيل الخطاب عليه.

стр. 5919

والدليل الخاص في ذلك ما روي أن شابَّين من الأنصار أثخنا أبا جهل يوم بدرٍ وقَطَراه (١) من فرسه، ثم صادفه ابنُ مسعود مثخناً فجثم على صدره، فناطقه أبو جهل، وأجاب ابنُ مسعود، وطال تحاورهما، ثم احتزَّ (٢) ابنُ مسعود رأسه، فأعطى رسول الله ﷺ سلبه الشابين، ولم يعط ابنَ مسعود منه شيئاً (٣)، فصار ذلك نصّاً، وحسن معه حمل كلام رسول الله ﷺ على المعتاد، كما تقدم ذكره. ولو قطع المسلم يدي قِرنه، وترك رجليه، أو قطع رجليه وترك يديه، فقد [ذكر] (٤) العراقيون اختلاف نصٍّ أن هذا هل يكون إثخاناً، وأن ذلك لو صدر من مسلم، ثم جاء مسلم آخر [وأجهزه] (٥)، فالسلب لمن؟ وأجْرَوْا القولين في ذلك: أحدهما - أن السلب للأول؛ فإنه أزمنه وأبطل قوّته ومُنَّته. والثاني - أن السلب للمجهِز، فإنه قد يبقى (٦) فيه بعد قطع اليدين قتالٌ بسبب رجليه، وقد يعْدُو، فيجلب الكفار على المسلمين. وإن بقيت يداه، فقد يبطش بهما.

стр. 5920

وقد ذكر الشيخ أبو علي هذين القولين في الصورة التي ذكروها كما ذكروها، وزاد طريقةً أخرى، فقال: من أصحابنا من قال: ليست المسألة على قولين، بل هي على حالين، فحيث قال: السلب للثاني أراد بذلك إذا لم يسقط [قتاله] (١) لقطع يديه أو رجليه، وحيث قال: السلب للأول أراد به إذا أزمنه بحيث لم يبق فيه قتال. وهذه الطريقة هي الصحيحة التي لا يجوز غيرُها؛ فإن الإزمان [يختلف] (٢) باختلاف الأشخاص، فرب رجل ليس بالأيِّد البالغ في القوة وإذا قطعت منه يد واحدة ينزف دمه بذلك، ويصير مثخناً، لا حراك [به] (٣)، وسقوطُ القوّة على قدر بنية القلب وقوته وضعفه، ورب رجل ذي مِرّة لا تسقط قوته بقطع يديه. ولا يتضح المقصود من هذا الفصل إلا بمزيدٍ، فنقول: الكافر إذا أصابته ضربة، فسقط، ولم يبق فيه بقية يدافع بها، ولكن لو ترك، لثابت إليه نفسُه وآبت إليه مُنّته، ولكنه في الحال لا يبطش، ولا يُغنى غناءً، فالذي أراه أن هذا ليس بإثخان؛ فإنه لو ترك، لعاد كما كان حَنِقاً متغيظاً. ولو جرح الكافر جرحاً لم يمنعه من القتال في الحال، ولكنا علمنا أنه لو ترك لأهلكته الجراحات بعد أيام، فهو في الحال ليس بمثخن. ٧٧١٣ - ومما يتعلق بهذا الفصل أن المسلم إذا أسَر واحداً من الكفار وجاء به مأسوراً، فالظاهر أن ما عليه مِن سلبٍ لآسره؛ فإن إثبات اليد القاهرة عليه تحل محل الإثخان، فإن حكم يد الإسلام على الأسرى يُبتنى على استمرار الأسر. هذا قولنا فيما كان معه، فلو [أرقّه] (٤) صاحبُ الأمر، ففي ملك رقبته كلامٌ سأذكره في الفصل الثاني. ٧٧١٤ - [وهذا] (٥) تفصيل القول في السلب، فأقول: كل ما يتصل بالكافر القتيل
следующие страницы →