← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

ومما يتعلق بالقرآن أن ظاهره يدل في الفيء على القول البعيد المنصوص عليه في القديم، وهو أن جملة الفيء مخمّس، ولكن هذا الظاهر [مزالٌ] (١) باتفاق المعتبرين من العلماء، كما أن ظاهر القرآن أن الغانمين لا يختصون بالمغانم؛ فإنه عز من قائل قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، ولكن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ يدل على أن أربعة أخماس الغنيم للغانمين، فإنه ما استثنى من الغنيمة إلا الخمس، وأضاف الباقي إلى الغانمين، إذْ قال : ﴿غَنِمْتُمْ﴾. ...

стр. 5917

باب الأنفال ٧٧١١ - أراد الشافعي ﵁ بالأنفال الغنائم، وهي ما أصبناه بالقتال، وقاعدة الباب أن أربعة أخماسها للغانمين. ثم صدّر الشافعيُّ الباب بأسلاب [القتلى] (١)، فمذهب الشافعي أن المسلم إذا قتل كافراً في القتال، مقبلاً غيرَ مدبر؛ فإنه يستحق سلبَه، والأصل في ذلك الأخبار الصحيحة (٢)، والنصوص الصريحة، كما ذكرناها في مسائل الخلاف. ثم الكلام يقع في هذا الفصل على وجوهٍ: منها - القول في السبب الذي يستحق به السلب، فنقول: سببُ استحقاق السلب قتلُ كافر مقبل على القتال إلى أن قُتل غيرَ منهزم ولا مدبر، فلو [ولى] (٣) الكفارُ وركب المسلمون أقفيتهم، فمن قتَل منهم منهزماً، لم يستحق سلبه، ولو ناوش مسلمٌ قِرناً من الكفار، وطفقا يقتتلان، ثم ولى الكافر بسبب بأس المسلم وبطشه، فاتّبعه وقتله، فظاهر المذهب أن ذلك [سببٌ] (٤) لاستحقاق السلب. هكذا ذكره الشيخ أبو علي. وإنما المنهزم الذي لا يستحق قاتلُه سلبَه هو الذي لم يخض في القتال [وولّى] (٥)، فأما

стр. 5918

الخائض في القتال إذا كانت [هزيمته] (١) بسبب تحامل قِرنه عليه فالذي هزمه إذا قتله استحق سلبَه. وفي هذا تفصيل لا بد منه، وهو أنه إن ولّى من قِرنه، فاتّبعه رجل غيرُ من كان يبارزه وقتله، فالظاهر أن هذا القاتل لا يستحق سلبه، وكذلك من هزمه لا يستحق سلبه الآن؛ إذْ قتله غيره. والهزيمة هي مفارقة المعترك مع الاستمرار على الفرار، [وأما التردد بين الميمنة والميسرة] (٢) والقلب، فليس ذلك من الهزيمة، (٣ وسنصف الهزيمة ٣) وحكمَها في حق المسلمين، و [كذلك نصوّر الهزيمة وحقيقتَها] (٤) إذا فرضت من الكفار، إن شاء الله تعالى. ٧٧١٢ - [ومن] (٥) أسباب استحقاق السلب أن يثخن المسلمُ الكافرَ، ويُذهبَ بطشَه ومنعَتَه، فإذا فعل ذلك المسلمُ، استحق سلبَ ذلك الكافِر المثخن، فلو قتله قاتلٌ [وقد] (٦) أثخنه أولاً مثخنٌ، فالسلب للمثخِن، لم [يختلف فيه] (٧) علماؤنا؛ فإن المقصود إثخانه وإبطال بطشه، [وقد] (٨) حصل بالأول. فإن قيل: أليس روي أن النبي ﷺ قال: "من قتل قتيلاً فله سلبه" فعلق استحقاق السلب بالقتل؟ قلنا: هذا ينزل على غالب العرف، والغالب أن القاتل هو الجارح أو المذفِّف (٩) ابتداء، فاتجه تنزيل الخطاب عليه.

стр. 5919

والدليل الخاص في ذلك ما روي أن شابَّين من الأنصار أثخنا أبا جهل يوم بدرٍ وقَطَراه (١) من فرسه، ثم صادفه ابنُ مسعود مثخناً فجثم على صدره، فناطقه أبو جهل، وأجاب ابنُ مسعود، وطال تحاورهما، ثم احتزَّ (٢) ابنُ مسعود رأسه، فأعطى رسول الله ﷺ سلبه الشابين، ولم يعط ابنَ مسعود منه شيئاً (٣)، فصار ذلك نصّاً، وحسن معه حمل كلام رسول الله ﷺ على المعتاد، كما تقدم ذكره. ولو قطع المسلم يدي قِرنه، وترك رجليه، أو قطع رجليه وترك يديه، فقد [ذكر] (٤) العراقيون اختلاف نصٍّ أن هذا هل يكون إثخاناً، وأن ذلك لو صدر من مسلم، ثم جاء مسلم آخر [وأجهزه] (٥)، فالسلب لمن؟ وأجْرَوْا القولين في ذلك: أحدهما - أن السلب للأول؛ فإنه أزمنه وأبطل قوّته ومُنَّته. والثاني - أن السلب للمجهِز، فإنه قد يبقى (٦) فيه بعد قطع اليدين قتالٌ بسبب رجليه، وقد يعْدُو، فيجلب الكفار على المسلمين. وإن بقيت يداه، فقد يبطش بهما.

стр. 5920

وقد ذكر الشيخ أبو علي هذين القولين في الصورة التي ذكروها كما ذكروها، وزاد طريقةً أخرى، فقال: من أصحابنا من قال: ليست المسألة على قولين، بل هي على حالين، فحيث قال: السلب للثاني أراد بذلك إذا لم يسقط [قتاله] (١) لقطع يديه أو رجليه، وحيث قال: السلب للأول أراد به إذا أزمنه بحيث لم يبق فيه قتال. وهذه الطريقة هي الصحيحة التي لا يجوز غيرُها؛ فإن الإزمان [يختلف] (٢) باختلاف الأشخاص، فرب رجل ليس بالأيِّد البالغ في القوة وإذا قطعت منه يد واحدة ينزف دمه بذلك، ويصير مثخناً، لا حراك [به] (٣)، وسقوطُ القوّة على قدر بنية القلب وقوته وضعفه، ورب رجل ذي مِرّة لا تسقط قوته بقطع يديه. ولا يتضح المقصود من هذا الفصل إلا بمزيدٍ، فنقول: الكافر إذا أصابته ضربة، فسقط، ولم يبق فيه بقية يدافع بها، ولكن لو ترك، لثابت إليه نفسُه وآبت إليه مُنّته، ولكنه في الحال لا يبطش، ولا يُغنى غناءً، فالذي أراه أن هذا ليس بإثخان؛ فإنه لو ترك، لعاد كما كان حَنِقاً متغيظاً. ولو جرح الكافر جرحاً لم يمنعه من القتال في الحال، ولكنا علمنا أنه لو ترك لأهلكته الجراحات بعد أيام، فهو في الحال ليس بمثخن. ٧٧١٣ - ومما يتعلق بهذا الفصل أن المسلم إذا أسَر واحداً من الكفار وجاء به مأسوراً، فالظاهر أن ما عليه مِن سلبٍ لآسره؛ فإن إثبات اليد القاهرة عليه تحل محل الإثخان، فإن حكم يد الإسلام على الأسرى يُبتنى على استمرار الأسر. هذا قولنا فيما كان معه، فلو [أرقّه] (٤) صاحبُ الأمر، ففي ملك رقبته كلامٌ سأذكره في الفصل الثاني. ٧٧١٤ - [وهذا] (٥) تفصيل القول في السلب، فأقول: كل ما يتصل بالكافر القتيل

стр. 5921

من سلاح أو جُنّة يُدرأ بها السلاح، فهو من سَلَبه، يُصرَف إلى قاتله، وسيفُه [ورُمحه] (١)، وما تبعه من أسلحته ودابّته التي هي عتادُه الاكبر، كل ذلك سلَبُه، وثيابُ بدنه التي هو لابسها من سلبه؛ فإنها متصلة به، وهو حاملها، ويمكن إلحاقها بالجُنن؛ [فإن لكل] (٢) ملبوس وإن رقّ وخفَّ أثراً في الدفع، وإن لم نُحسّ أثره في الدفع، فالثياب الخشنة الدافعة لو باشرت [البشرة] (٣)، أضرّت به، والقُمُص تحتها تهوّن محملها، فالقول الضابط في ذلك: أن [كل] (٤) ما اجتمع فيه الحمل، وكونه سلاحاً أو [جُنة، فكونه] (٥) سلباً لا شك فيه. والسلاح الذي يحمله الفرس كالسلاح الذي يحمله الفارس، [فالسيف] (٦) تحت الركاب، كالسيف الذي يتقلده الفارس، والرمح الذي يعتقله ويتأبطه كالرمح المنصوب على الفرس. ٧٧١٥ - وإن كان على وسط الكافر [هميان] (٧) فيه شيء، ففي المسألة وجهان مشهوران: أحدهما - أنه من السلَب؛ لأن الكافرَ حامله. والثاني - أنه ليس من السلب، بل هو مغنم مشترك، لأنه ليس سلاحاً ولا جُنّة، وليس آلةً للقتال، ولا عُدّة للدفع، وليس من الملبوسات أيضاً. واختلف أئمتنا في أن الكافر لو كان على فرسٍ، وكان يُجنب آخر كالجنيبة (٨) هل تعد من السلب؟ فيه وجهان: أحدهما - أنها ليست من السَّلَب؛ لأنها ليست متصلة

стр. 5922

بالكافر اتصالاً يتأتى الاستعمالُ به، فكانت [الجنيبة] (١) بمثابة الصبي والرَّحْل الذي يكون مع الكافر. والثاني أنها من السلب؛ فإن الجنيبة مع الفرس المركوب بمثابة سيفٍ تحت الركاب، وآخرَ متقلدٍ، والعادة جارية بالاستظهار بالجنايب، وأجرى الأصحاب الوجهين في الهميان والجَنيبة مجرى واحداً؛ فإن في الهميان صورة الاتصال والحمل، وإن لم يكن من الجُنَن والأسلحة، وفي الجنيبة حكم الأعتاد (٢) على الاعتياد، وإن لم يكن متصلاً بالفارس في الحال، فاعتدلا من هذا الوجه. ٧٧١٦ - وظهر خلاف أصحابنا في الخاتم؛ لأنه ليس جُنّة، ولا آلة دفع، لكنه ملبوس محمول، فكان من وجهٍ كالهميان لاتصاله، وكان من وجه أخص بالكافر لأنه ملبوس يعتاد لبسه، واحتمال الهميان مما يندر جريانه، وقد يفرضُ الهميان دافعاً إذا كان فيه شيء، فإنه يدفع الأسلحة ويقي الموضع المستورَ به. ولو كان على الكافر طوْقٌ من ذهب أو فضة، فإن كان قد يستعمل مثله وقاية للرقبة، فهو من الأسلحة، ولا نظر إلى الجنس، فإن المِغفر من الحديد من السلب، فلو كان من أحد التبرين، فهو من السلب أيضاً، وإن كان ذلك الطوق [لا يستعمل] (٣) إلا زينةً، فقد ذكر العراقيون فيه وجهين وقربوهما من الخلاف في [الخاتم] (٤) وهذا ليس على وجهه؛ فإن الطوق لا بد وأن يكون واقياً لما يستره، وأثره في الوقاية بيِّنٌ، لا حاجة إلى تقريره. ٧٧١٧ - ولو كان الكافر يقاتل راجلاً، وهو مستمسك بفرسه، فالفرس من سلبه. هكذا قال الأصحاب، ولا يمتنع عندنا إذا تُصوّر ذلك أن نجعل ذلك الفرسَ كالجنيبة، ويظهر الفرق من جهة أن الفارس في حكم [المستغني] (٥) في حاله عن

стр. 5923

الجنيبة (١) بالفرس الذي هو مركوبه [والمترجل] (٢) المستمسك بالفرس ليس [مستغنياً] (٣) بشيء من جنس الفرس. ولو كان معه غلامٌ، فليس من السلب، ولو كان الغلام حاملاً سلاحه يناوله متى شاء، فيجوز أن [يقال] (٤) ذلك السلاح بمثابة الفرس المجنوب، ويجوز أن يقال: لا يكون ذلك السلاح من السلب، وإذا جعلنا الجنيبة سلباً، ففي السلاح الذي على الجنيبة ترددٌ ظاهر. ٧٧١٨ - والفرس الذي هو راكبه [مع ما] (٥) عليه من سرج ومركب [كله] (٦) من السلب فيما قطع به الأئمة المراوزة. وكان شيخي يقطع [بأن] (٧) المِنْطقة (٨) من السلب وجهاً واحداً، وذكر العراقيون في المِنطقة خلافاً، وهذا بعيد، ثم يليق بهم أن يلحقوا مركب (٩) الفرس بالمنطقة، ويجوز أن يفصِّلوا ويقولوا: [لا] (١٠) يتأتى استعمال الفرس دون المركب؛ فهو مما لا بد منه، بخلاف المِنطقة [ويتجه] (١١) على قياسهم أن يلحقوا ما لا يُحتاج إليه من

стр. 5924

المركب بالمِنطقة، كالغُّرة (١) من اللجام، وأحذ [اللببين] (٢)، والكفاية حاصلة بواحدة، وكذلك ما يتعلق [بالزينة] (٣) كالأطراف [المفضّضة] (٤) من المعاليق (٥) ونحوها. وكل هذا خروج عن الأصل المعتبر، والوجه أن تعد جملة ملابس الفارس وملابس فرسه كيف فرض الأمر فيها من السلَب. ٧٧١٩ - ولو قيل: هلا قلتم: السلبُ كلّ ما يسلب من الكافر، مما لا يتأتى سلبه إلا بقتله أو إثخانه؛ فإن السّلَب من السَّلْب؟ قلنا: لا يطرد هذا مع قطع الأصحاب بأن الكافر لو كان على فرسه عَيْبةٌ فيها ثياب ونفقة، أو على الجنيبة عيبة، فالعيبة بما فيها مغنم مشترك، وليس من السلب؛ فإنه ليس سلاحاً، ولا ملبوساً، فإذا كان هذا قولنا في العيبة فمخيَّمه وما فيه من رحله مغنمٌ لا شك فيه. ٧٧٢٠ - ولو كان معه فرسان يجنبهما، فالخلاف في واحد منهما؛ [فإنا] (٦) لو جعلنا الفرسين المجنوبين سلَباً، [التزمنا] (٧) ذلك في الثلاثة والأربعة فصاعداً، وإن كان يُسند الأمر في هذا إلى العادة، فليس وراء الجنيبة الواحدة عادة بها اعتبار، وإذا كان كذلك ووقع التفريع على أن السلب إحدى الجنيبين، فكيف سبيل التعيين؟ وما الوجه؟ هذا مشكلٌ محتمل، والغرض قد يتفاوت [بتفاوت] (٨) الفرسين. هذا

стр. 5925

[مقامٌ قد] (١) يخطر للفقيه فيه القرعة؛ فإن الفرس الذي تخرج القرعة عليه وإن شرف قدرُه لو صور وحده، لأخذه سلباً، فلا يظهر مع هذا تفاوت القيم. ويجوز أن يقال: هذا إلى الوالي، وصاحب [الرأي] (٢) أَخْذاً من مِلْكه التنفيل، كما سنذكره بعد هذا، ثم لا يقع تنفيل الإمام على حسب الوفاق، ولكنه ينظر إلى الحال والشخص، والغَنَاء، وكذلك يرى رأيه في تعيين الفرس، ويبني الأمر على مقتضى الاجتهاد. وهذا [أوْجه] (٣) من القرعة. وقد يخطر للفقيه تخيير القاتل؛ فإن مبنى استحقاقه السلبَ على الاختصاص [لما] (٤) أبلاه من البلاء وأبداه من الغَناء، فلا يبعد أن يستحق السلبَ المتعيَّنَ وتعيينَ السلب. وما ذكرناه من تخصيص الخلاف [بالجنيبة] (٥) الواحدة، وقد (٦) يتحامل المصور (٧)، فيفرض جنيبين، وهذا يعتضد تصويره باعتياد [جُندٍ] (٨) من الكفار ذلك، والدورانُ على العادة في محل الوفاق والخلاف. ثم لا بدّ -وإن قدَّرنا خلافاً في الجنيبين- من الرجوع [إلى] (٩) العادة، ثم يُفضي الأمر إلى الإشكال الذي ذكرناه. وإذا زاد العدد على العادة، والفارس إن احتمل من السلاح أكثر من العادة، فالزائد على العادة محمول وليس سلاحاً مستعملاً، وهو [يقرب] (١٠) من الهميان، كما تقدم،

стр. 5926

ثم يؤول الكلام إن جعلنا البعض سلباً إلى [التعيين] (١) وفيه التفصيل المقدم. ٧٧٢١ - ومما يتعلق بهذا الفصل أن من أسر كافراً، فأرقّه الإمام، ففي رقبته وجهان مشهوران: أوجههما - أنها لآسره؛ فإن رقبته أخص من سلاحه وثيابه. ومن أصحابنا من قال: رقبتُه مغنمٌ؛ فإن الرق جرى فيه بعد الأسر. ومما يتعلق بهذا أن الإمام لو رأى قتلَ الأسير، فلا معترض عليه، وليس للآسر أن يحتكم على صاحب الأمر بالإرقاق، ولا يغرم الإمام شيئاً للآسر، وإن قلنا: لو أرقه، لكان الملك في الرقبة للآسر (٢)؛ لأن قتل الإمام على حكم الاستصواب نازلٌ منزلة قتل الواحد من المسلمين قِرنه، فإنّ قتله [واقع] (٣) بحق، فليفهم الناظر ذلك. وكذلك لو منَّ عليه، فلا معترض، ولا غرم. ولو فاداه، فله المفاداة، ثم المال المأخوذ من مفاداته فيه احتمال على الخلاف المذكور في رقبته إذا أرقّه الإمام، والأظهر أنه ليس للآسر مالُ المفاداة؛ فإنه ليس سلباً، ولا هو عين المأسور. والله أعلم. هذا تمام القول فيما يُعدّ (٤) من السلب، ويلتحق به، وفيما يخرج منه. ٧٧٢٢ - ومما يتعلق بالسلب القولُ في صفة السالب القاتل: اختلف أئمتنا في أن من ليس (٥) من أهل السهم وكان من أهل الرضخ، كالصبيان والنسوان والعبيد إذا جرى منهم قتلٌ، فهل يتعلق به استحقاق السلب؟ فمنهم من قال: يتعلق به استحقاق السلب؛ تعلقاً بظاهر قوله ﵇: "من قتل قتيلاً، فله سلبه". ومنهم من قال: لا يستحق السلب إلا مَن هو من أهل استحقاق السهم في المغنم؛

стр. 5927

فإن السلب واستحقاقه يتعلقان بكمالٍ في حال من هو من أهل القتال، فإذا قصر الشخص عن استحقاق السهم، كان بأن يقصر عن استحقاق السلب أولى. وقد يعترض ها هنا احتمال في الطرف الآخر، وهو أن المسلم لو قتل صبياً من الكفار مراهقاً كان يقاتل، أو امرأة كانت تقاتل، ففي استحقاق سلبه احتمال؛ فإنه ليس من أهل القتال. ولو قتل عبداً منهم، استحق (١) سلبه بلا خلاف؛ فإن ما يَلْقى من قتل عبد مثل ما يَلْقى من قتل حر، فإن عورضنا في هذا بأن قتال العبد منا كقتال الحر، قلنا: هو كذلك، ولكن الشرع لم يعلق به السهم، فترددنا في السلب. ٧٧٢٣ - ومما يتعلق بالسلب، وهو تمامه وختامه، القول في أن السلب هل يخمس [ومن أين يؤخذ؟ وقد اختلف أصحابنا في ذلك، فقال قائلون: لا يخمس] (٢) السلب، بل تُنحَّى أسلاب القتلى، ويُقضى بفوز القاتلين [بها. هذا] (٣) ظاهر الأخبار الدالة على [اختصاص] (٤) القاتلين بأسلاب القتلى، وأيضاً إذا كان يختص القاتل بالسلب عن الغانمين، جاز أن يختص به عن أصحاب الخمس. والوجه الثاني - أن السلب يخمّس؛ فإن اختصاص القاتل بسلب القتيل كاختصاص الغانمين بالمغنم، [فالقاتل] (٥) في السلب كأنه الجُنْد كله فيه، ثم الخمس زاحم حقوقَ الغانمين، وكان يليق بطريق الرأي ألا يثبت الخمس إلا في الفيء، فلما لم يكن كذلك، دلّ على أن الخمس يتعلق بكل مغنوم.

стр. 5928

فصل قال: "والنفل من وجهٍ آخر، نفَّل رسول الله ﷺ من غنيمةٍ ... إلى آخره" (١). ٧٧٢٤ - معنى الفصل أن الإمام لو رأى أن يحرّض سرية من السرايا على اقتحام مخاوف، نفّلهم مقداراً مما يأخذون على خلاف ما يقتضيه اعتدال القسمة، مثل أن يقول لسريةٍ رأى اقتطاعَها عن كُثْر (٢) الجند: نفّلتكم الربعَ، بحيث لا يخمس عليكم، هذا جائز للإمام. ذكر الشافعي البدْأةَ والرجعة، والمراد بالتنفل في البدأة أن يخصص سريةً تَقْدُم الجندَ وتُوغِل في العدو مبتدئة، هذا هو البدأة. والرجعة [أن] (٣) تنجرّ الراية وكُثْرُ الجُند متوجهةً إلى بلاد الإسلام، فيقتطع الإمام سريةً ويكلفُهم أن يرجعوا على أدراجهم، ويغتالوا طائفةً من الكفار، أو يهجموا على قلعة، أو يرجعوا لغرضٍ سوى ما ذكرناه، وهذا يشتدُّ عليهم، وهو الرجعة، ثم [التنفيل] (٤) في البدأة من وجهٍ قد يكون أقلّ؛ فإن السرية لم تلق بعدُ [قتالاً] (٥)، والجند من ورائهم، وهم فئتُهم ووزرُهم. (٦ وإذا كُلِّفوا الرجعة ٦) وقد عضّهم السلاح وفشا فيهم الجراح، والجند مشرِّقٌ، وهم مغرّبون، فهذا يكون أشقَّ عليهم. وقد يكون الأمر على العكس، بأن نقدّر الكفار على أُهَبهم في الابتداء، فيعظم مصادمتُهم، ويقدّرون [مفلولين] (٧) في الانتهاء، فتسهل الكرة عليهم.

стр. 5929

والنظر في ذلك إلى الإمام، والأحوالُ على التباسٍ، فإن رأى التسوية بين التنفيل في البدأة والتنفيل في الرجعة، سوى بينهما، وإن رأى أن يجعلهما متفاوتين، فلا معترض عليه، ثم له أن يجعل ما في البدأة أكثر مما في الرجعة، وله عكس ذلك، والسبب فيه أنه لم يَرد في ذلك توقيف شرعي، نقف عنده؛ فكان الأمر مفوضاً إلى الرأي والاجتهاد. ولو صح في بعض الآثار أن رسول الله ﷺ نفَّل على قدرٍ [في] (١) البدأة والرجعة، فليس ذلك -إن صح- تقديراً، وإنما هو حكم الوفاق. ثم لا يحتكم صاحب الأمر بهذا؛ فإنّ التحكم بالتفضيل في المال، والحرمان [منه] (٢) غيرُ سائغ، والمال إذا تعلق الأمر فيه بالزيادة والنقصان، والأثرة والحرمان خطر في الاجتهاد. ٧٧٢٥ - ثم إذا تبين جواز التفضيل في [التنفيل] (٣)، فقد اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: إذا خصص الإمام قوماً بشيء، فنجبر ذلك النقصانَ للجند، ويكون جبران النقصان من خمس الخمس المرصد المصالح، وهؤلاء يرون هذا الجبران حتماً، وحكماً متبعاً لا يُتعدى، ثم يردّون الأمر إلى اختيار الإمام من وجهٍ، ويقولون: إن شاء الإمام -وقد نفّلَهم الربعَ، أو ما رأى- جاء بهذا القدر من سهم المصالح (٤)، ولم يخصص المتنفِّلين المفضلين بأعيان ما أَتوْا به، وإن أحب، فضّلهم بذلك القدر من أعيان ما أصابوه، ثم غرم لباقي الجند مقدارَ التفضيل من سهم المصالح، وهذا القدر لا معترض فيه. هذا قولنا. ومن أصحابنا من ذكر قولاً آخر: إن التفضيل في التنفيل جائزٌ للإمام، من غير أن

стр. 5930

يجبر ذلك النقصان [لكُثْر] (١) الجند، فيخصص على حسب النظر في التنفيل، ثم لا يحتسب ذلك عليهم، بل يفوزون به فوْز القاتلين بأسلاب [قتلاهم] (٢) من غير جبران. وهذا القائل يقول: لا يخفى مسيس الحاجة إلى مثل ذلك في سياسة الحروب، وقد ورد فيه التفضيل في التنفيل، ولم يرد جبران النقصان، فإذا وجدنا التنفيل من رسول الله ﷺ وألفيناه موافقاً لوجه الرأي، [اتخذناه] (٣) إمامَنا. هذا قولنا في تنفيل السرية في البدأة والرجعة. ٧٧٢٦ - ومن [أسرار] (٤) المذهب في هذا أن الإمام لو لم يتعرض لهذا عند انبعاث السرية، ولكنهم لما أصابوا ما أصابوا أراد أن يخصصهم تفضيلاً وتنفيلاً ببعض ما أصابوه، فظاهر كلام الأصحاب أن هذا ممتنع بعد الإصابة والإحراز، وإنما يسوغ التفضيل والتنفيل قبل إصابة المغنم. وسبب هذا أنهم إنما [يُفضَّلون] (٥) ليحرصوا على الامتداد في الصوب الذي يراه الإمام. ثم القول في ذلك معتضدٌ بالخبر (٦)، وهو وارد في اشتراط التفضيل عند ابتداء البعث.

стр. 5931

فهذا ما وجدناه، ويتأيد ما ذكرناه بطرفٍ من المعنى؛ فإنهم إذا أحرزوا والجندُ وزرُهم ومرجعُهم، والغوث قريب منهم، فقد تعلق حق الجميع بما [حصّلوه] (١)، فالتخصيص بعد تعلق حق الكافة مخالف (٢) للتفضيل والتنفيل قبل (٣) التحصيل. ٧٧٢٧ - ومما اختلف الأصحاب فيه أن الإمام لو رأى في مصلحة القتال أن يقول للأبطال، أو الجند عامة: من أخذ مالاً، فهو له لا يزاحَم فيه، فهل يجوز ذلك؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - لا يجوز؛ فإن هذا تخصيص مخالفٌ لوضع الشرع [في] (٤) تعديل القسمة، ولم يرد فيه ثَبَت. ومِنْ أصحابنا من جوز هذا؛ بناء على التفضيل في (٥) التنفيل في البدأة والرجعة، وهو متَّجِه في طريق الإيالة (٦)، وله نظير في مورد الشرع، وهو اختصاص القاتلين بالأسلاب. ومن قال بالأول، انفصل عن هذا [بأن] (٧) قال: التخصيص (٨) بالسلب سببه بيّن؛ فإن نهاية البلاء الحسن والغَناء قتلُ الكفار، فأما الاشتغال بأخذ الأموال في حال قيام القتال، فمن الأسباب الحائدة عن وجه الرأي، ومن أعظم المكائد في الحروب أن يخلِّي الكفارُ الأموالَ (٩) على رجالنا حتى ينكبّوا على التنافس فيها، ثم إنهم يعكرُون عكْرةً (١٠)، ويرون ذلك خداعاً وغِرّة، هذا بيّن ظاهر في غالب الأمر. ثم إن لم نجوّز ما ذكرناه، فلا كلام، وإن جوزناه، فهو بمثابة التنفيل

стр. 5932

[الذي] (١) سبق شرحه، ويؤول الخلاف في وجوب الجبران من خمس الخمس، كما تقدم في ابتداء الفصل. وإذا حيزت الغنائم، فمقتضى كلام الأصحاب أن التفضيل بعد حيازة المغانم غيرُ سائغ، وإنما هذا التردد قبل الحيازة. والله أعلم. هذا منتهى القول في ذلك. ٧٧٢٨ - ولو مست الحاجة إلى [ترجّل] (٢) الفرسان، وكان يشتد القتال على الرّجّالة، ويهون على الفرسان، فأراد الإمام -والحالة هذه- أن يسوّي بين الرجّالة والفرسان، أو أراد تفضيل الرّجالة على حسب الرأي، [فهذا لا مساغ] (٣) له؛ فإنه هجوم على مخالفة الوضع (٤) في القسمة من غير تعلّقٍ بمستند من توقيفِ الشارع، وقد أجمع علماؤنا على أن تفضيل الفرسان على الرجّالة من التوقيفات المتبعة، وليست محمولةً على وجه الاستصواب، وهو بمثابة ما لو خصص الإمام بمزيد في المغنم الذين يباشرون القتال، وهذا لا يجوز، وما ذكرناه من تخصيصه كلَّ من يأخذ بما يأخذ على بُعده [مشبه] (٥) بالسلب، فإذا لم نجد معتصماً شرعياً، فلا سبيل إلى تسليط وجوه [التأتي] (٦) على [تغيير] (٧) وضع الشرع في تعديل القسمة. ٧٧٢٩ - ومما يتعلق بالفصل أنه لو جعل للسرية المبعوثة كلَّ ما غنمت وأصابت، فهذا مما تردد الأصحاب فيه، من جهة مخالفته للأثر والتوقيف، وإفضائه إلى الميل بالكلية عن تعديل القسمة.

стр. 5933

وما ذكرناه حقه أن يُرتب على ما لو قال: من أخذ شيئاً، فهو له؛ فإن التنفيل في البدأة والرجعة في جميع ما أصابه المبعوثون أمثل من إطلاق القول بأن (١) كل من أصاب شيئاً، فهو له. وقد تمهد في مسلك المذهب أنا لا نحكِّم وجهَ الرأي في جميع المسائل، ولكن إن وجدنا في التنفيل أصلاً في التوقيف، اتبعناه، ثم تصرّفنا قليلاً في المقدار، فإن لم نجد أصلاً في التوقيف، ولم يستدّ (٢) لنا قياس شبهي، وجب اتباع القواعد في تعديل القسمة، وامتنع التفضيلُ وإن وافق الرأيَ. وإن وجدنا قياساً شبهياً [كما (٣) ذكرناه في تشبيه] ما يصيب كل رجل بالسلب، فهو على التردد، والزيادة على الربع والثلث مأخوذة من مسألة إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه لكونه في معناه، كإلحاقنا الأمة بالعبد في قوله ﷺ : "من أعتق شركاً له في عبدٍ قُوِّم عليه" وإذا وقع التنفيل في مقدار النصف، فهو مقطوع به جوازاً، وإن وقع في معظم ما يصيبه المبعوثون، فيحتمل تخريجه على الخلاف، وتنزيله منزلة ما لو [خصصهم] (٤) بجميع ما يصيبونه، ثم حيث جوزنا التفضيل، ففي وجوب الجبران من سهم المصالح ما قد تمهد من الخلاف. هذا منتهى القول في ذلك. ...

стр. 5934

باب تفريق القسم قال الشافعي ﵁: "كل ما حصل ممّا غُنم من أهل دار الحرب، من شيء قلّ أوكثر ... الفصل" (١). ٧٧٣٠ - مسائل هذا الكتاب كثيرة الوقوع في مسائل السير، والأصحاب يخلطون الأبواب بالأبواب، وهذا يجرّ إلى التكرار، وإلى التعطيل، فالذي نراه أن نتخذ منصوصات المختصر إمامَنا، وما يقع وراءها، ولا يتصل بها، فهو محالٌ على أبواب السير، وبالجملة القدر اللائق بهذا الكتاب الكلامُ في كيفية القسمة، وأقدارها، والكلام في صفات المستحقين، فأما ما عدا ذلك، فحقه أن نذكره في كتاب السِّير. ٧٧٣١ - فنبتدىء، ونقول: كل ما أصابه الغانمون من منقولٍ أو عقارٍ تحقق الاستيلاء عليه، أو وقع في أيديهم من الذراري والنسوان [فسبيل ذلك التخميس، والقسمةُ بين الغانمين. والذراري والنسوانُ] (٢) يَرِقّون بنفس الوقوع في القبضة، وينزلون منزلة الأموال المغنومة، ولا يخفى أن ما ذكرناه فيه إذا تمت الحيازة، وولّى الكفار، فأما ما دامت الحرب قائمة، وكنا نصيب منهم ويصيبون منا، وقد يستردّون ما نُصيبه، فلو اتفق وقوع شيء في أيدينا، ثم استردوه قبل انكشاف القتال (٣)، فلا نقول: ملكنا ما أخذنا ثم أخذوه من أملاكنا قهراً، حتى يكون سبيله كسبيل ما يأخذون من أموالنا، بل إذا استردوا، وانفصل الأمر، وانجلى القتال بعد ذلك، فلا ملك لنا فيما استردوه، وكذلك القول فيما يستردون من الذراري والنسوان، لا نجعلهم مقرّين ...

стр. 5935

على حكم الرق بمثابة عبيد المسلمين، والغرض [أنا] (١) لا نثبت الملك عليهم حتى ينفصل القتال. وما نصيبه من مجانينهم، فهو بمثابة نسائهم وذراريهم. هذا قولنا في هؤلاء. فأما رجال القتال من الكفار الأحرار إذا أسروا، وثبت الاستيلاء، فهؤلاء لا يَرِقون بنفس الأسر وفاقاً، ولكن الإمام يتخير فيهم بين أربع خلال، لا معترض عليه في شيء منها: فإن أراد أن يضرب رقابهم، فعل ذلك [على حسب الرأي، ولا خيرة على حكم الإمام] (٢) وإن أراد أن يمنّ عليهم، ويطلقهم، فله ذلك، و [إن] (٣) أراد أن يفاديهم، فله ذلك، وإن أراد أن يضرب الرق عليهم، فعل ذلك، ولا معترض عليه، وهو مأمور بينه وبين الله تعالى بأن لا يبني ما يختاره على [الإرادة] (٤) المحضة، بل حقٌّ عليه أن يتبع وجهَ الرأي في تعيين قسم من هذه الأقسام، وله أن يقضي الأمر فيهم بهذه الأحكام المذكورة في هذه الأقسام. ٧٧٣٢ - ثم إن أرقهم، نُظر فإن كان انفرد بأسرهم آحادُ الرجال، ففي اختصاصهم تملك الرقاب الخلافُ [المشهور] (٥) الذي ذكرته في فصل السلَب. وإن اتفق الأسر من جميع الجند، فرقابهم مغنومة مردودة إلى المغنم. وإن قال قائل: إذا رأينا [ضربَ الرق على المأسور] (٦)، وقد أُرقَّ إلى

стр. 5936

الآسر (١)، ثم رأينا أن لا يخمس السلب، فإذا أسرهم الجند يرقون، ثم لا تخمس رقابهم، لم يكن ذلك بعيداً، والظاهر التخميس؛ فإن التخصيص إنما صادفناه عند اختصاص بعض رجال القتال بوجهٍ من الغناء، فإذا لم يكن كذلك، فالظاهر وجوب التخميس، (٢ والإجراء على مناظم المغانم ٢). ٧٧٣٣ - وإذا فادى الأسرى، فما يأخذه من أموال المفاداة ملحق بالمغانم، لا خلاف (٣) فيه، هكذا فعل رسول الله ﷺ فيما فادى به أسرى بدر، والسبب فيه أن التوصل إلى الأموال المأخوذة منهم، كان بسبب احتواء الجند على المأسورين. ٧٧٣٤ - ثم إن اختار الإمام القتل، فوضع السيف فيهم، فإنما يفعل ذلك بالرجال المقاتلة الأحرار، دون الذراري والنساء والعبيد، فإن أشكل عليه بلوغُ واحدٍ، فله أن يأمر بالكشف عن مؤتزره، فإن لم يكن أنبت، ألحقه بالذراري، ومن أنبت، فله (٤) ضرب رقبته. وهكذا فعل رسول الله ﷺ ، لما أسر رجالَ بني قريظة، ونزّلهم على حكم سعد (٥). ثم القول في الإنبات وأنه (٦) عين البلوغ أو علامته ليس مما نذكره الآن، وقد أجرينا فيه كلاماً [مُشْبعاً] (٧) في كتاب الحجر، والقول في ادّعاء استعجال الإنبات مما ذكرناه ثَمَّ، وسنعود إليه في كتاب السير، إن شاء الله .

стр. 5937

٧٧٣٥ - ومما يذكره الأصحاب في الكتابين أن واحداً من الأسرى لو أسلم بعد الإسار، فلا شك أنه يمتنع قتلُه، وقد قال الشافعي: "لو أسلموا بعد الإسار رُقوا"، وظهر اختلاف الأصحاب في هذا، فالذي صار إليه جماهير الأصحاب أنه لا يمتنع بإسلامهم بعد الإسار إلا القتل، ويتردّد الإمام فيهم على حسب الرأي بين المنّ، والفداء، والرق، فأما المن، فإذا كان يجوز في حق الأسير المصرّ على الكفر، فهو فيمن أسم أولى وأجوز، وإذا جوزنا الإرقاق، فالمفاداة أجوز. ثم هؤلاء [يفتنّون] (١) في تأويل قول الشافعي ﵁، حيث قال: "وإذا أسلموا بعد الإسار، رُقّوا" والغاية [المقبولة] (٢) في التأويل أنهم قربوا من الرق، وهذا يناظر قول المصطفى ﵇ من وقف بعرفة، فقد تم حجه، والمراد قرب من التمام، وأمن الفوات. ويمكن أن يقال: المن مما يقلّ في تصرف الإمام، فلم يعتدّ به الشافعي، وكذلك المفاداة، [والغالبُ] (٣) الإرقاقُ والقتلُ، فبنى الشافعيُّ ﵁ على الغالب، وردّ النظر إلى القتل والإرقاق، ثم صادف القتلَ ممتنعاً، فقال: رُقُّوا. هذا هو الممكن في التأويل. ومن أئمتنا من جرى على [ظاهر النص، وقال: من أسلم من الأسارى، رُقّ. وهذا وإن كان يوافق] (٤) ظاهر النص، ففي توجيهه عُسرٌ، [والممكن] (٥) فيه أنه إذا أسلم، فالمن يتعلق بأهل الحرب الذين لم يلتزموا حكمنا، والمفاداة ينبغي أن تفرض من [أموال أهل الحرب] (٦) أيضاً؛ فإن ابتداء ضرب مال على مسلم بمثابة ابتداء ضرب

стр. 5938

جزية على مسلم، [والرق] (١) وإن كان أشد من ذلك، فقد نراه يجري ابتداء على أولاد المسلمين. وإذا انحسم القتل، وبعُد المن والفداء، صار المأسور، وإن كان رجلاً كالصبي والمرأة، فهذا هو الممكن في ذلك. ٧٧٣٦ - ومما يتعلق بما نحن فيه أن الأسارى لو قالوا: قبلنا الجزية، وكانوا ممن يجب تقريرهم على الجزية في جيشهم إذا لم يكونوا مأسورين، فالذي عليه الجريان أن اختيار الإمام في المن والفداء والإرقاق على ما كان، وإنما التردّد في أنه لو أراد أن يقتلهم، هل له أن يقتلهم؟ هذا مما اختلف فيه الأصحاب، فمنهم من قال: له قتلهم، ولا حكم لقبولهم الجزية وهم في قبضة الإسلام، وهذا ظاهرُ القياس (٢). ومن أصحابنا من قال: يحرم القتل؛ فإن قبول الجزية من العواصم في الجملة كالإسلام، [فالإقدام] (٣) على القتل مع قيام عاصم محرمٌ، كما لو أسلم الأسير. وكأن [القتل] (٤) بين هذين الوجهين في جواز القتل [يبنى] (٥) على ما لو حاصرنا قلعة ليس فيها إلا النساء، فقبلن الجزية، فهل يحرم سبيهن لقبول الجزية؟ فعلى وجهين (٦) سيأتي شرحهما في كتاب السِّير إن شاء الله تعالى.

стр. 5939

ووجه البناء أن النسوة [لسن] (١) من أهل التزام الجزية، ولكن صورة التزامها هل تعصمهن عن الرق؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه، كذلك الأسير ساقط الاختيار، فإذا وجد منه التزامُ الجزية، فهو بمثابة التزام الجزية ممن ليس من أهلها، غير أن التأثير في الأسير يظهر في سقوط القتل، وفي النسوة في سقوط السبي. وقد ذكر صاحب التقريب في كتاب السير وجهاً بعيداً حكاه وزيّفه، فقال: من أصحابنا من ذهب إلى أن الأسير إذا (٢) قبل الجزية، يجب إطلاقه، وإجابته إلى عقد الذمة، وتنزيله منزلة المختار من الكفار إذا طلب الذمة، وهذا في نهاية البعد؛ فإن الأسير إذا اسلم، لم يُطلَق وجوباً، وكان الإمام على وجهٍ مخيراً بين المن والفداء والإرقاق تخير نظرٍ واجتهادٍ. وفي وجهٍ يرِق بنفس الإسلام، فلو أطلقنا الأسير القابل للذمّة، لكان أثر الأسر ساقطاً بالكلية، [فإن المختار مجالب إلى عقد الذمة إذا طلبه] (٣) ويستحيل أن يبقى أثر الأسر مع الإسلام ويسقط أثره مع طلب الذمة. ولكن وجه هذا الوجه على بعده أن الجزية من آثار الكفر، فإن عقدنا له الذمة، لم نُخله عن صَغار الكفر، ولو خلّينا المسلم حتماً واجباً، لكان الإسلام مُحبطا لآثار الإسار بالكلية، وهذا لا سبيل إليه. ٧٧٣٧ - ومما يتعلق بأحكام الأسرى أن الإمام لو أراد أن يضرب الرق على الأسير وهو من عبدة الأوثان، فالمذهب المبتوت (٤) الذي ذكره الأئمة أن ذلك جائز، ثم يصير اطّراد الرق عليه [عاصماً له] (٥) ولا يجب قتله، بل لا يجوز؛ لحق الرق الثابت في رقبته للملاّك المحترمين، وليس كالمرتد؛ فإن الرق لا يعصمه.

стр. 5940

والكفار على أقسام: منهم من يقرّر على كفره بالذمة، وهم أهل الكتاب، والمجوس يسنّ بهم سنّة أهل الكتاب. ومنهم من لا تعصمه الذمة، ولكن يُنظَرون مدّةَ التسييح (١)، وهي أربعة أشهر، على ما سيأتي تفصيلها في السِّير، إن شاء الله ، وهؤلاء إذا رُقوا، دامت عصمتهم بالرق. ومنهم (٢) أهل الردة، ولا عاصم لهم من حكم الله بوجهٍ من الوجوه. وقال أبو سعيد الإصطخري: "لا يجوز (٣) إرقاق عبدة الأوثان، بل يتخيّر الإمام بين المن، والفداء والقتل فيهم". وإحلالُ هذا الكفر المغلّظ محل الردة نوعٌ من القياس، فإذا كان يجوّز المن والفداء، فقد خرم القياس (٤) الذي اعتمده، فلا اعتداد بما ذكره أصلاً. ٧٧٣٨ - ومما يليق بتمام البيان في ذلك أنا إذا قلنا: الأسير إذا بذل الجزيةَ لا يجوز قتله، وجرينا على الأصح، وهو أنه لا يجب قبول الجزية منه وإطلاقُه، ولكن يحرم قتله، فلو أراد الإمام المنَّ عليه، فعل، وإن أراد إرقاقه، [نفذ] (٥) ذلك منه، وإن أراد مفاداته ورأى المصلحة (٦)، وهو لا يبغيها ويأبى إلا الجزية وقبولها، فلا سبيل إلى إجباره على المفاداة؛ فإن الكلام لا ينتظم؛ إذ (٧) لا يجبر عليها إلا بالقتل،

стр. 5941

وهذا عوْد إلى القتل الذي حكمنا بسقوطه، ولا يجوز أن يقال أيضاً: إذا لم يمتثل أمرنا في المفاداة، أحبطنا عصمته، وعاد الإمام إلى رأيه في قتله إذا رأى القتل؛ فإن التفريع على أن قبول الجزية عصمةٌ، فيتعين في الصورة التي انتهى الكلام إليها قبولُ الجزية منه. فإن قيل: هذا الوجهُ (١) الذي حكاه صاحب التقريب (٢)، فإنه ألزم إطلاقَه وعقْدَ الذمة له، وتوظيفَ الجزية عليه. قلنا: الفرق بين مذهبه وبين التفريع الذي انتهينا إليه أنه يرى إسعاف قابل الجزية، وإن كان الصلاح في إرقاقه، ونحن نقول: إذا كان الصلاح في إرقاقه أرقه، ونفذ الرق عليه قهراً، وإن لم يكن في إرقاقه مصلحة، ولو أرقّه، لصار كلاً [ووبالاً] (٣) على المسلمين، [ولو أدى الجزية التي قبلها، ورأى الإمامُ قَتْلَه] (٤)، فإذا امتنع قتلُه بالجزية ولم [ير] (٥) الإمام إرقاقَه، لم يتجه إلا إطلاقُه، وقبولُ الجزية منه. ٧٧٣٩ - ومما نذكره من أحكام الأسارى أن الأسير قبل أن يجري الرقُّ عليه، وقبل أن ينفذ الإمام رأيه فيه، لو [ابتدره] (٦) واحدٌ من المسلمين، وقتله (٧)، فقد أساء وتعرض لتعزير الإمام، ولكن يجب ألا نُضمِّنه؛ فإنه كافر غيرُ معصوم. فإن قيل: لو كان الإمام يرى إرقاقهم، فمن قتل واحداً منهم، فقد فوّت الإرقاق، فهلا كان ذلك بمثابة تفويت الرق بالغرور، والمغرور يلتزم القيمة لمنعه الرق من الجريان؟ قلنا: ذلك الرق كان يجري لا محالة لولا الغرور، فالغرور دفع الرق الذي لا حاجة إلى تحصيله، والرق لا يجري على الأسير من غير ضرب، وأشبه

стр. 5942

الأشياء بما نحن فيه إتلاف الجلد القابل للدباغ قبل الدباغ؛ فإنه لا يوجب الضمان مع تهيُّؤ الجلد للدباغ ابتداءً [فإنشاء] (١) الدباغ كإنشاء الإرقاق، وليس ما نحن فيه كالخمرة المحترمة؛ فإن من أصحابنا من أوجب على متلفها الضمان، وهذا على بعده موجّهٌ بأن الخمرة لو تركت، فإلى التخلل مصيرها. وقد نجز غرضنا من الكلام في الأسارى، فإن كان فيهم بقايا سنستدركها في [كتاب] (٢) السير، إن شاء الله . فصل قال: "وينبغي للإمام أن يعزل خمسَ ما حصل ... إلى قوله يرضخ لهم من الجميع" (٣). ٧٧٤٠ - نصدّر هذا الفصلَ بالرضخ وأهلِه وبيان محله، فنقول أولاً: مستحق السهم المسلمُ الحر البالغ الذي [بلغ عدّه] (٤) من أهل القتال، وإن كان يضعف غناؤه ويقلّ أثره، ويشترط مع ذلك كله ألا يكون مخذِّلاً، على ما سنصف المخذلَ وحكمَه. ٧٧٤١ - والنسوةُ والصبيان وأهل الذمة والعبيد أصحاب الرضخ. ثم إن كانت النسوة [يُتصور] (٥) منهن إعانة الجند في خدمةٍ، أو حفظ رَحل أو تهيئة طعام، أو غيره من وجوه المنفعة، فهم من أهل الرضخ، وكذلك الصبيان إذا كان ينتفع الجند بهم، فالجواب على ما ذكرناه. وإن لم يكن في النسوة منفعة، وما كان بلغ الصبية (٦) مبلغ النفع، فقد ظهر في

стр. 5943

كلام الأصحاب تردد في أنا هل نرضخ لهم؟ فمنهم من قال: لا رضخَ إلا لمن ينتفع الجند بحضوره، وهذا ظاهر القياس. ومنهم من قال: [يرضخ] (١) لهم، حتى لا نكون حرمنا مسلماً شهد الوقعة، وشاهد المغنم، وإذ ندب الله تعالى إلى ذلك في قسمة بين ملاك متعينين في أملاك لازمةٍ لهم فقال : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] فلا يمتنع إذاً تحتم ذلك في المغانم التي لا تثبت الأملاك [فيها] (٢) إلا بالقسمة. وقد أشار الأئمة إلى التيمُّن بحضور أطفال المسلمين ونسائهم، فلا يبعد أن يكون حضورهم مدْرأةً لظفر الكفار وأهل الذمة، وإذا حضروا، فهم أهل الرضخ، ثم إن حضروا (٣ بإذن صاحب الراية، استحقوا الرضخ، وإن حضروا ٣) ولا أمر ولا نهي، استحقوا الرضخ، فإنهم في منصب الذب عنا؛ إذ هم من سكان ديارنا. وإن نهاهم الإمام [عن الحضور] (٤)، فلم ينتهوا، وحضروا، ففي المسألة تردد. ويجوز أن يقال: لا يستحقون الرضخ لمخالفتهم. ويجوز أن يقال: يستحقونه؛ فإن [الحضور] (٥) في المغانم لا يختلف بالموافقة والمخالفة. وأما نسوان أهل الذمة وأطفالهم، فقد ظهر [فيهم] (٦) اختلاف الأصحاب. والذي [نرى] (٧) ذكره أوجه: أحدها -[أنا لا نرضخ] (٨) لهم أصلاً. والثاني - أنا نُجريهم مجرى أطفال المسلمين ونسائهم.

стр. 5944

والثالث - أنا نرضخ لهم إن كان فيهم منفعة وغَناء، وإن لم يكن فنقطع بأن لا يرضخ لهم، وإن رضخنا لأمثالهم من أطفال المسلمين؛ والفرق أنا نستدفع بأطفال المسلمين كرّةَ الكفار وظفرتهم، ولا يتحقق هذا المعنى في أطفال الكفار. ٧٧٤٢ - وأما المخذّل، فهو الذي يكسر قلوب الجند، ويسعى في تفريق كلمتهم، ويستحثهم على الهزيمة، ويُرعب قلوبَهم بالأراجيف، ويفتّر أعضاءهم، فإذا شهد الوقعة، وشعر الإمام به، صرفه قهراً، فإن [انغل] (١) في الجند، فلا سهم له، ولا رضخَ له، اتفق علماؤنا عليه، فلو اتفق منه قتلُ كافرٍ، وهو متمادٍ على تخذيله، وقد يتفق منه القتل في دفع أو إرهاقٍ إلى مضيق، فقد قطع أصحابنا بأنه لا يستحق سلَب القتيل، [والسبب] (٢) في ذلك أنه ضرٌّ كله، وأثره عظيم، وضرره بيّن، ونحن إنما نُسهم أو نرضح لمن ينفع أوْ لا يضر. فإن فرض فارض ضرراً من استصحاب الأطفال، فليس الضرر منهم، وإنما هو من ضرورة الحال، والمخذّل [مزجور بالحرمان] (٣) عن وجوه الاستفادة. ٧٧٤٣ - ومما نذكره في ذلك أن المريض الزَّمن الذي لا حراك به من أهل الرضخ، كما سنصف المرضى وأحوالَهم. فهذا بيان من يستحق الرضخ. ٧٧٤٤ - فأما القول في محل الرضخ، فحاصل ما ذكره الأئمة في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها - أن الرضخ يخرج من المغنم قبل التخميس، ثم يقع التخميس بعد إخراج الرضخ، ووجه هذا تنزيل الإرضاخ منزلة المؤن، كمؤنة نقل المغانم إلى الموضع الذي تتهيأ القسمة فيه [فالإرضاخ] (٤) ينزل هذه المنزلة.

стр. 5945

والوجه الثاني - أن المغانم تخمّس أولاً، ثم يؤخذ الرضخ من أربعة أخماس الغنيمة. ويحط قدر الرضخ عن قدر السهم كما سنصفه، فالرضخ إذاً عند هذا القائل من حصص الغانمين، ولكنه محطوط من السهم، كما يحط حق الراجل عن حق الفارس. والوجه الثالث - أن الإرضاخ يخرج من السهم المرصد للمصالح، وقد ذكرنا فيما تقدم التنفيل في البدأة والرجعة، وذكرنا محل [التنفيل] (١)، والخلافَ فيه، وقد ظهر عندنا أن من أصحابنا من ينزل النفل منزلة الرضخ، وقد تفصل القول في محله. ٧٧٤٥ - ومما نذكره متصلاً بذلك أنه لو شهد الوقعة أهل الرضخ، ولم يشهد من أهل السهم أحد، فإذا استفادوا غنائم، فلأصحابنا ثلاثة أوجه: أحدها - أن المغانم تخمس، فيصرف الخمس إلى مصرفه، ويصرف أربعة الأخماس إليهم. ومن أصحابنا من قال: [يفرز] (٢) الخمس، ويصرف إلى أهله، ويصرف إليهم الرضخ على ما يراه الإمام، ويصرف الفاضل إلى تمام أربعة الأخماس إلى بيت المال، ويلقى في سهم المصالح. وهذا ضعيف غيرُ معقول؛ فإنا لا ندري كم ينصرف إليهم، وكم يقدر معهم من أصحاب السهام، فلا ضبط لهذا، ولا وجه له. ومن أصحابنا من قال: ما أحرزوه لا يثبت له حكم الغنيمة أصلاً، وسبيله كسبيل ما يأخذه المسلمون سرقة، وما كان كذلك لا يخمّس، بل يصرف بجملته إلى السرّاق، على ما سيأتي شرح ذلك في [كتاب] (٣) السّير إن شاء الله . ووجه ذلك أنهم ليسوا من أهل القتال، وإن قاتلوا، فهم أتباع، فإذا لم يكن معهم أصحاب السهام، فلا حكم لقتالهم. ٧٧٤٦ - ثم إذا أضفنا مقداراً من الرضخ إلى العبد (٤ فهو لمالك رقبته اعتباراً بجميع أكساب العبد ٤). ولو جرى الإحراز، وهم على الرق، ثم عَتَقوا قبل القسمة،

стр. 5946

فالحقوق للسادة، كما ذكرنا؛ فإن [الإحراز] (١) جرى في اطراد الملك على رقابهم، ولو عتقوا قبل انجلاء القتال، فهذا فيه احتمال، وسنذكره في الفصل الذي يعقب هذا الفصل، عند ذكرنا التغايير الطارئة على الجند في أثناء القتال، كنفوق الدوابّ واعتراض الأمراض وغيرها. ٧٧٤٧ - ثم ذكر الشافعي ﵁ أن الإمام يخرج الخمس، ويقرع بينه [وبين] (٢) أربعة الأخماس، ولا يكاد يخفى كيفية الإقراع في ذلك، وهو محتوم لما في أعيان الأموال من الأغراض. فصل قال: "ثم يعرف عددَ الفرسان والرجّالة ... إلى آخره" (٣). ٧٧٤٨ - إذا أفرز الإمام الخمسَ، وأراد قَسْم أربعة الأخماس بين الغانمين، فينبغي أن يعلم أولا الفضل الذي بين الفارس والراجل: مذهب الشافعي ﵁ أن للراجل سهماً، وللفارس ثلاثة أسهم: سهمٌ في مقابلته وسهمان في مقابلة فرسه، وهذا إنما صرنا إليه من جهة توقيف الشارع، [وقد صحَّ الخبر] (٤) على (٥) حسب هذا. ومن شهد الوقعةَ بفرسين، فالمذهب الظاهر أنه لا يسهم إلا لفرس واحد، وحكى شيخي عن بعض أصحابنا وجهاً أنه يسهم لفرسين، وهذا يقرب بعض القرب من مذهب من جعل الجنيبة من سلب الكافر القتيل بمثابة مركوبه، ثم لا مزيد على فرسين

стр. 5947

في الموضعين، والوجه المحكي في أن الجنيبة سلبٌ معروف، وسببه بيّن، وإثبات السهم لفرسين مع اتحاد الفارس لم أره في مذهبنا إلا من جهة شيخنا (١). وقد نقل الفقهاء هذا مذهباً عن الأوزاعي. ٧٧٤٩ - ثم لا سهم إلا بسبب الخيل، وراكب البغل لا يستحق إلا ما يستحق الراجل، وكذلك القول في [راكب الحُمر] (٢). والإبلُ والفيلةُ، وإن كان فيها بعض الغناء، فالسهم الزائد للخيل. والذي يعترض (٣) في قلب الفقيه أن المسابقة جائزة على الخف والحافر، والمسابقة إنما جوّزت مع اشتمالها على الغرر المضاهي للقمار استحثاثاً على ركوب الخيل والإبل. ولا اغترار (٤) بهذا، فليس كل عُدّة تجوز هذه المعاملة عليها يزداد السهم بسببها، كالمناضلة (٥)، وهي الأصل دون سائر الأسلحة، فالغرض من المسابقة الاستعداد بالأهب، والسهام تؤخذ من (٦) الدّواب التي تصلح للهرب والطلب والكرّ والفرّ، والإجماع يغنينا عن هذا. ٧٧٥٠ - ولو أحضر الغازي فرساً رازِحاً (٧) لا يكاد ينهض لضعفه، وهُزاله، فحق الإمام أو صاحب الراية أن يمنع من مثل هذا، إذا كان في الخيل الصالحة [والأهب] (٨) العتيدة [ممتنَع] (٩)، كما يمنع من مصادمة القتال من غير سلاح، فلو اتفق إحضار مثل

стр. 5948

هذا الفرس الذي لا غناء فيه، ففي تعلق السهم بإحضاره قولان: أحدهما - أنه لا يتعلق به استحقاق سهم؛ من جهة أنه لا غَناء فيه، فكان كالجنس الذي لا يتهيأ لمقاصد القتال من البغال والحمر وغيرها. والقول الثاني - أنه يتعلق به استحقاق السهم؛ نظراً إلى الجنس؛ فإن اتباع آحاد الأفراس في الجند العظيم عسر، فالوجه الاكتفاء بالجنس، وحسم باب النظر في التفاصيل، وهذا بمثابة إيجاب الزكاة في الجَرْبى المراض من الماشية، مع علمنا بأن الشرع (١ لم يعلق الزكاة ١) إلا بالجنس المُرْفق (٢) والمقدار التام. ثم من أوجب السهم نظراً إلى الجنس، اشترط أن يكون الفرس بحيث يتأتى ركوبه، حتى (٣ لو أحضر مهراً لا يركب أو فرساً لا يتأتى ركوبه ٣)، فلا يجوز أن يكون في مثل هذا خلاف؛ فإن متعلّق إثبات السهم [أن] (٤) استحقاق السهم لا يتوقف على مصادمة الكفار، بل الوقوف في الصف كافٍ في الاستحقاق؛ من جهة أن المصطفّين وزرُ المقاتلين كرّاً وفرَّاً، فمن كان على فرسٍ في الصف أرعب بموقفه، ولا يطّلع العدو على صفة فرسه، وشرْطُ هذا أن يكون مركوباً (٥). ٧٧٥١ - ولو نفق الفرس قبل القتال، لم يستحق صاحبه إلَاّ سهمَ راجل؛ فإنه لم يلق القتال إلا راجلاً، ولا فرق بين أن يكون نَفَقُ (٦) الفرس بعد دخول دار الحرب، أو قبل دخولها، خلافاً لأبي حنيفة (٧)، فإنه قال: إذا دخل بفرسه دار الحرب ونفق،

стр. 5949

استحق سهم الفرس، وإن لم يلق عليه قتالاً، وإن قامت الحرب، [والفرس] (١) مركوب قائم، ثم نفق قبل انجلاء الحرب، فالحاصل ثلاثة أقوال: أحدها - أنه لا يستحق سهم الفرس، حتى ينجلي القتالُ والفرسُ قائم، فإنّ الاستحقاق يستقر بانكشاف الحرب وانجلائها، فإذا تقدّر (٢) نفوق الفرس قبل تحقق سبب الاستحقاق، لم يُستحق بسبب الفرس شيء. والقول الثاني - أن صاحب الفرس يستحق سهم الفرس؛ لأنه لقي القتال عليه، وحصل الإرعاب منه في انتصاب الحرب. والقول الثالث - أنه إن نفق قبل حيازة المغنم، فلا سهم بسبب الفرس، وإن نفق بعد حيازة المغنم، وقبل انجلاء الحرب، استحق صاحبه سهم الفرس، وسنوضح هذا الأصل، إن شاء الله عند ذكرنا المددَ إذا لحقوا بهم متى يشاركون في المغنم، ومتى لا يشاركون فيه. ولم يفصل أصحابنا بين أن يكون سبب الهلاك (٣) جراحة أصابتها في الحرب [وبين] (٤) أن يكون نفوقها لا بسبب القتال. ولو مات الغازي في أثناء الحرب قبل انكشافها، فقد قطع الأئمة أقوالهم، بأنه لا يثبت له استحقاق في المغنم؛ حتى يقال: يخلفه الورثة فيه. وهذا يعضد أحد الأقوال في نفوق الدابة. والمقدار الذي ذكر الأصحاب في الفرق أن الغازي إذا مات قبل انكشاف الحرب، فلا مستحق يُعزى إليه حقُّ المغنم، وإذا مات الفرس وقد أحضره صاحبه وأرعب به، [فلئن] (٥) نفق الفرس، فمن يستحق بسببه قائم، وهذا الفرق فيه غموض [وبُعد] (٦).

стр. 5950

٧٧٥٢ - ومما يتعلق بذلك أن الغازي لو مرض في أثناء القتال، قال الأصحاب: إن كان ذلك المرض بحيث لا يمنعه من القثال، فلا كلام، وهو من أهل القتال، واستحقاق المغنم. وإن كان ذلك المرض يمنعه من القتال، نُظر: فإن كان [ممّا] (١) يرجى زواله، فلا مبالاة به، وإن كان ذلك المرض مزمناً لازماً، بحيث لا يرجى زواله، ففي استحقاق السهم قولان: أحدهما - أنه لا يستحقه، لخروجه عن وصف المستحقين قبل انكشاف القتال، فصار كما لو مات في أثناء القتال. والقول الثاني - أنه يستحق لبقائه، ويتصور إضافة استحقاقٍ إليه. وهذان القولان -قبل أن ننعطف على هذه التفاصيل بالتتبع- يضاهيان القولين في نفوق الدابة؛ فإن نفوقها مع بقاء [صاحبها] (٢) وإمكان إضافة الاستحقاق إليه (٣ بمثابة سقوط قوّته مع إمكان إضافة الملك والاستحقاق إليه ٣) فلا فرق، ومأخذ الخلاف في المسألتين متقارب. وذكر بعض أئمتنا في سبب ثبوت السهم للمريض الذي زَمِنَ أن رأيه منتفع به، بأن يراجَع ويستشار، فلم يسقط الانتفاع به بالكلية، وهؤلاء ربما يترددون فيه إذا جُنّ، فمنهم من يجعل الجنون كالموت في إسقاط السهم قولاً واحداً. ومنهم من أجرى القولين في طريان الجنون؛ لأن المجنون لا يمتنع إضافة الملك إليه، وهذا المسلك أفقه؛ فإن الرأي المجرد لو كان معتمداً في الباب، لوجب إثبات السهم للذي شهد القتال مريضاً، وبقي كذلك إلى الانجلاء، وليس الأمر كذلك. فهذا ما ذكره الأصحاب. ٧٧٥٣ - وفي بعض هذه الفصول تأمل على الناظر. أما ما ذكره الأصحاب من أن المرض إذا كان يرجى زواله، فما المراد بهذا؟ ليعلم المسترشد أن المراد برجاء الزوال توقُّع زواله في أثناء القتال، قبل انكشافه،

стр. 5951

وتقدير الكلام أن نفرض زوال ما اعترض، حتى يقدّرَ كأنه لم يكن، وما أراد الأصحاب توقعَ الزوال بعد انقضاء القتال، حتى لو كان ذلك المرض بحيث لا يتوقع زواله إلا بعد أيامٍ مثلاً، فهو في حكم المرض المزمن. ومما يجب الاعتناء به أن من حضر الوقعة وبه (١) مرض يمنعه من القتال، فزَمِن مثلاً، فلا سهم له، ولكنه يستحق الرضخ، ولو كان به مرض لا يمتنع عليه معه ركوب الفرس، والوقوفُ في الصف، ولكن لا يتأتى منه مباشرة القتال، فلا سهم له، وذلك أنا وإن كنا نسهم لمن يقف في الصف ولا يقاتل، فيشترط أن يكون بحيث يتأتى منه القتال لو مست الحاجة إليه، وإنما يكتفى بالوقوف في الصف؛ لأن ترتيب القتال يقتضي ذلك؛ فإن جملة الجند لا يتأتى منهم بأجمعهم الاشتغال بالقتال دفعة واحدة، ولكنا نشترط ما ذكرناه من إمكان القتال عند مسيس الحاجة، فلو دام -من أول القتال إلى آخره- المرضُ الذي وصفناه، فلا سهم، والواجب الرضخ. ولو كان من أهل القتال، فطرأ المرض الذي يرجى زواله -على ما فسرنا ذلك- فإن اتفق زوال ذلك المرض فذاك، وإن اتفق دوامه إلى انجلاء القتال، ففي هذا تردد ظاهر، يجوز أن يقال: إنه بمثابة المرض المزمن، ويجوز أن يقال: ليس هو بمثابته، وهو كالطارىء الزائل. وهذا يلتفت على تردد الأصحاب في أن من مرض مرضاً مرجو الزوال، وامتنع عليه الاستواء على الدابة، فليس له أن يستأجر من يحج عنه، وإنما يستأجر [ذو العَضب] (٢) الذي لا يرجى زواله، فلو استأجر المريض مرضاً مرجو الزوال من يحج، فحج عنه الأجير، ثم تمادى المرض وأفضى إلى الموت، ففي وقوع الحج عن المستأجِر قولان. هذا ضبط القول في الأمراض [التي تعرض] (٣) وتزول أو لا تزول. فرع: ٧٧٥٤ - إذا كان مع الرجل فرسه، ولكنه نزل ليقاتل راجلاً عند مسيس الحاجة إليه، والفرس مقود موجود بالقرب من صاحبه، ومهما مست حاجته إليه

стр. 5952

ركبه، فإذا كان كذلك، استحق سهم الفرس، لأنه مُرصَد معتد معه، فصار كما لو كان راكبه، هذا إذا كان الفرس بحضرته. فأما إذا نزل الفرسان ليقاتلوا مترجلين في مضيق ثم درجوا فيه موغلين في القتال، وبعدوا عن الخيل، فهل يستحقون سهام الأفراس؟ حكى شيخي ﵁ في ذلك وجهين: أحدهما - أنهم لا يستحقون؛ فإنهم [دخلوا] (١) القتال من غير خيل، ولم يكن الخيل بالقرب منهم، حتى يفرض منهم ركوبها إذا مست الحاجة إلى الركوب. والوجه الثاني - أنهم يستحقون سهام الأفراس؛ فإنهم أحضروها الوقعة، والتزموا مؤنها، وهي موجودة، وما بعّدوها عن أنفسهم إلا لتولّجهم في المضيق الذي لا تنسلك الخيل فيه، وقد يرجعون على أدراجهم، فالخيل على هذه الصفة تعد عدة في المعترك (٢). هذا منتهى القول في الخيل وما يلحقها من التغايير. ٧٧٥٥ - فإذا تبين الغرض في ذلك، فإنا نذكر بعد هذا تفصيل القول في كيفية القسمة، فنقول: الغرض قسمة أربعة أخماس الغنيمة، فإن رأينا أخذ الرضخ من رأس الغنيمة، فليؤخذ المقدار الذي يفي بالأرضاخ، ثم الإمام لا يسوي بين مستحقي الإرضاخ مع التفاوت في الغَناء والأقدار، ولكنه يفاوت بينهم باجتهاده، وهي قريبة الشبه من الحكومات في أروش الجراحات، وهي مفوضة إلى اجتهاد الولاة، فالأمر في الرضخ على هذا الوجه يجري، ولا يظهر أثر الخلاف في أن الغنيمة (٣) هل تخمس [أم] (٤) لا؟ في أقدار الأرضاخ؛ فإنها سواء أخذت قبل التخميس أو بعدها، فالقاضي يقلّل ويكثِّر باجتهاده. وإنما يظهر الأثر في الخمس، فإن أفرزنا الخمس أوّلاً، كثر

стр. 5953

قدره، ووفر مبلغه، وإن أخذنا الرضخ أولاً، انتقص الخمس. وإن فرعنا على الأصح، وهو أن الأرضاخ تؤخذ من أربعة أخماس الغنيمة، (١ فهذا ممّا نقصده الآن، فنقول أولاً: إن لم يكن في المعسكر أحد ممن يستحق الإرضاخ، فإنا نقسم أربعة أخماس الغنيمة ١) بعد إخراج أسلاب القتلى على الغانمين، وننظر إلى الغانمين، فإن كانوا رجّالة، قسم المغنم عليهم بالسوية، وكذلك إن كانوا فرساناً لا يشوبهم راجل، قسمت الغنيمة عليهم بالسوية، ولا يظهر التفاوت، ولا فرق بين الوقوف في الصفوف وبين الذين يصلون (٢) بنار القتال. ولو كان الغانمون رجالة وفرساناً، فنقول: للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم، والسبيل أن نضبط عدد الرجالة والفرسان، ونعتمد عدد الرجالة، ونضعّف (٣) عدد الفرسان، فنعد كل فارس ثلاثة من الرجالة، ونقسم أربعة أخماس الغنيمة على منتهى العدد الخارج، ثم نصرف إلى كل راجل سهماً من السهام [المعدّة] (٤) عنده، وإلى كل فارس ثلاثة أسهم، فإذا كان الجندُ ألفَ راجل، وألفَ فارس، فأربعة أخماس الغنيمة تقسم على أربعة آلاف سهم، على القاعدة التي ذكرناها. هذا إذا لم يكن ثمَّ أصحابُ رضخ، فإن كان مع أصحاب السهام أصحاب رضخ، وقلنا: أرضاخهم تقع بعد التخميس من أربعة أخماس الغنيمة، فالوجه أن يضبط القاسم مبلغَ أربعة الأخماس، ويتأمل عدد [أصحاب] (٥) السهام، ثم يرى رأيه في أصحاب الرضخ، وينهي اجتهاده نهايته في أقصى ما يراه لبعضهم، وفي أدنى ما يراه لبعضهم وأوسطهم، ويحط الرضخ الأعلى عن سهمٍ، ويثبت مقداره بالاجتهاد، ويثبت الأدنى والأوسط وينسبهما إلى الرضخ الأعلى، [ثم ينظر إلى كم ينتهي مبلغ الأرضاخ التي تعدّ للقسمة] (٦) على عدد أصحاب السّهْمانِ، فيزيد ذلك المبلغ على

стр. 5954

العدد الذي كان يبتنى عليه القسمة بين أصحاب السهام لو انفردوا، فتعتدل القسمة على هذا النسق، وذلك بأن يكون أصحاب السهام ألفاً من الرجالة، وألفاً من الفرسان، فأعداد السهام أربعة آلاف، ثم لما نظر في أصحاب الرضخ اجتهاداً كانوا ثلاثمائة مثلاً، وكان المبلغ الذي أخرجه لهم بالاجتهاد مائة وخمسين، فيضم هذا العدد إلى أربعة آلاف، ويقسم أربعة أخماس الغنيمة من هذا المبلغ كله، ويحط منه ما يحتاج إليه الرضخ، ويقسمه على اجتهاده بينهم، ثم يقسم السهام الباقية على أصحاب السهام. ولو كان في أصحاب الرضخ فارس، فكيف الوجه في اعتبار حصته (١)؟ أنحطها من سهم راجل؟ أم نحطها من ثلاثة أسهم لفارسٍ هو من أهل السهام؟ (٢ الرأي أن نعتبره بفارس من أهل السهام ٢)، ونجعل كأنه ثلاثة من أصحاب الرضخ، ونقدر له ثلاثة مبالغ، ونحط كل مبلغ عن سهم من السهام المعدَّلة عندنا. هذا هو الوجه لا غير، وقد وضح ما أردناه من كيفية تعديل القسمة. فصل قال: "ولو كان لرجل أجير يريد الجهاد ... إلى آخره" (٣). ٧٧٥٦ - الوجه أن نذكر المسائل في هذا النوع مرسلةً، ونوضّح في كل مسألة ما قيل فيها، ثم نذكر عند نجازها ضابطاً لها. فالمسألة الأولى في الأجير: فإذا استأجر الغازي من يخدمه أو يسوس دابتَه، أو يضرب أخبيته، ويقوم بما تمس إليه حاجته استئجاراً صحيحاً، فالظاهر الذي أجراه الأصحاب أنه [إن] (٤) لم يقاتل كما (٥) حضر الوقعة، لم يستحق السهم. وإن قاتل،

стр. 5955

ففي المسألة ثلاثة أقوال: أحدها - أنه يستحق السهم مع الأجرة، أما الأجرة، فلعمله لمستأجِره، وأما السهم فلقتاله، وهو من أهل استحقاق السهم، ثم إنما يستحق الأجرة إذا لم يعطل من العمل الموظف عليه شيئاً، وذلك بأن يقع القتال في فترة من أعماله كان لا يحتاج إلى العمل فيها. وإن عطّل عملَه في مقدارٍ من الزمان، يستحق السهمَ لقتاله، وسقطت الأجرةُ على مقابلة تعطيله الأعمال المستحقة عليه، إذا كانت الإجارة تعتمد المدّة. وهكذا ينتظم تصويرها. والقول الثاني - أن الأجير لا يستحق السهم؛ لأنه لم يقصد الجهاد في خروجه وحضوره، وأيضاً فإنه [مستحَقُّ] (١) المنافع بالإجارة، فكان كالعبد، والعبد لا يستحق السهم، ولا يستحقه مولاه بسببه. والقول الثالث - أن الأجير يخير بين الأجرة وبين السهم؛ لأنه متردّدٌ بين حالة المجاهدين وحالة الأجراء، [إن أترك] (٢) الأجرة، تحقق أنه مجاهد فليستحق السهم، وإن استمسك بالأجرة، فلا سهم له، وتوجيه ذلك بيّن. ٧٧٥٧ - ثم إذا شرطنا في استحقاق السهم إسقاط الأجرة، فحاصل ما ذكره الأصحاب في إسقاط (٣) مقدار الأجرة ثلاثة أوجه: أحدها - أنه يكفيه [أن يسقط] (٤) ساعة القتال، فإذا فعل ذلك، استحق السهم. والثاني - أنه لا يستحق السهم [ما] (٥) لم يسقط أصل الأجرة من يوم خروجه إلى منتهى القتال؛ فإنه بذلك يصرف خرجته إلى جهة الجهاد، ولا يكفي حط أجرة ساعة القتال. والوجه الثالث - أنه يحط أجرته من وقت دخول دار الحرب. وهذا بعيد عن
следующие страницы →