والسَّرف هو الخروج عن المعتاد، فيما لا يُكسب أجراً، ولا [يُسْمي] (١) شرفاً [و] (٢) ليس محرّماً (٣).
ويشترط لقضاء دين الخاصة من الصدقة ألا يكون في يده ما يقضي به الدين، فأما [من] (٤) تحمَّل ديةً في تسكين فتنة لولا تحملها، لثارت، فإذا طلب قضاء ذلك عنه، لزمت إجابته؛ وإن كان غنياً بعقاره ومنقولاته، متمكناً من قضاء تلك الحَمالة من غير عسر يلحقه.
وإن كان غنياً بالنقدين أو بأحدهما، ففيه قولان: أحدهما - يؤدى عنه دينه، كما لو كان غنياً بعقاره وعروضه تحريضاً [لسادات] (٥) القبائل على تطفئة ثائرة الفتن؛ فإنه تكثر منهم، فلذلك لا يكلّفون بقضائها من أموالهم.
والقول الثاني - لا يقضى من الصدقة إذا كان له وفاء من نقد؛ لأن صرفه في هذا الوجه لا يثقل على المقتعِدين (٦) للرياسة بخلاف بيع العقار والمنقولات، فإنها تصدّ المتحمل؛ فإنه يعد قريباً من الخروج من منصب المروءة في العرف، وهذا وإن لم نرضه في القياس، فهو لائق بالمعاني الكلية.
ولو تحمّل الغرامة في إتلاف مال جرَّ فتنةً، ففيه طريقان: أحدهما - أنه كمتحمل الدية. وقيل: إن كان معه وفاء من النقد، لم يعط من الصدقة قولاً واحداً، وإن كان له غير النقد، فقولان على عكس الترتيب المقدّم.
стр. 6022
٧٨٢٤ - ولو ضمن عن رجل ديناً في معاملة من غير خوف فتنة؛ فإن كان المضمون عنه موسراً والرجوع عليه ممكناً، لم يعط من الصدقة؛ لأنه ليس بدين؛ فإنه يجد به مرجعاً.
وإن كان المضمون عنه معسراً، ولا يجد الضامن مالاً يقضي به الدين، [فله] (١) قضاؤه من الصدقة.
وإن كان موسراً بالنقد أو بغيره، فقد قيل: هو كتحمل الدية، وقيل: كتحمل بدل متلف لخوف الفتنة. ومنهم من قطع بأن ضمان دين المعاملات كالاقتراض لخاصة نفسه، فالذي يلتزمه الإنسان لخاصة نفسه قطع المراوزة باشتراط الفقر في قضائه من الصدقة، وقيل: يجوز أداؤه مع الغنى، وهو ضعيف.
قال: وفي هذا المقام نظر، فإن كان الغارم لا مال له، لم تتجه مطالبة غريمه له، والصدقة تصرف لسد خَلة، أو كفاية أذى مستَحِقِّ الدين (٢)، وإنما شرطنا الإعسار؛ لأنه لا يمتنع أن يكون للإنسان مستنض (٣)، فيصرفه إلى قضاء دينه، فيصير مفتقراً إلى الصدقة، فإن كان ينتهي بأدائه إلى المسكنة، فله أخذه من الصدقة، وهذا نوع غنى يكفي في دفع المفسدة، فإن زاد الغنى عن الكفاية، لم يقض دينه. ويجوز أن يقال: لا نهجم على قضاء دينه وهو ذو كفاف، فيرتدّ الفرض إلى مسكين عليه دين، فلا يؤدى من الصدقة إلا دين مسكين.
ويجوز أن يقال: إذا لم يملك ما يقضي به دينه فلا يتهنَّى بعيشه، وهو مكتسب قدر الكفاف، فينازع في قدره وينحو إلى المحاكمة، ولأنه إذا قضيت الديون من الصدقات استرسل الناس في إقراض المعسرين واثقين بالصدقات؛ فإنها أثبت من الأغنياء المعتدّين (٤).
стр. 6023
علم أن [للشرع] (١) على الحَمالات حث ظاهر، لصلتها بالمصالح العامة، حتى [كأن] (٢) المتحمل مستناب من جهة الشرع في الاقتراض على الصدقة.
٧٨٢٥ - وفي قضاء الدين المؤجل من الصدقة ثلاثة أوجه: أحدها - لا يقضى؛ لأنه لا مطالبة به. والثاني - أنه يقضى الذي سيطالب به، [فيليق بالشرع أن يكفي المطالَب توقع المطالبة] (٣). والثالث - إن كان الأجل ينقضي في وسط السنة المستقبلة قُضي دينه؛ فإنه سيؤدَّى قبل محل الصدقة الأخرى، وإن كان الأجل سنة فصاعداً، فيؤخر قضاء هذا الدين إلى صدقة السنة القابلة.
والغارم على أي وجه كان يستحق الأخذ من الصدقة بسبب الغرم، فلو أخذ الصدقة ثم أبرأه غريمه، فحكمه في رد ما أخذه إن كان تلف، حكم المكاتب إذا قبض حصته، ثم أُعتق أو أبرىء.
واحتج الشافعي في فصل الحَمالة بما روي أن قَبيصة بن مخارق الهلالي قال: "تحملت حَمالة، فأتيت النبي ﷺ ، فقال: نؤديها عنك، أو نخرجها عنك إذا قدم إبل الصدقة، ثم قال: يا قَبِيصة: المسألة حرمت إلا في ثلاث: رجل تحمل بحَمَالة، فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابه فاقة أو حاجة -شك الراوي- حتى يشهد أو يتكلم -وهذا أيضاً من الراوي- ثلاثة من ذوي الحجا أن أصابته فاقة، أو حاجة، حتى يصيب سِداداً، من عيش أو قَواماً من عيش -وهذا من الراوي أيضاً- ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة. الحديث" (٤).
يعرض في الأول لحلال السؤال مع الفقر، ومعنى آخره أن من كان على كفاية برأس مال يتعفف عن التكفف، فإن [حُطّ] (٥) بجائحة عنه، فله السؤال إلى عود الكفاف.
стр. 6024
وفي أحاديث من الوعيد الذي يلحق الملحف في السؤال، قال ﵇: "الملحف في السؤال يحشر يوم القيامة وليس على وجهه مُزعة لحم" (١) ويروى "يحشر وفي وجهه خدوش".
ومتى انتهى السؤال إلى الإيذاء (٢) فهو ممنوع. ولو آثر المرء الصمت في الضرورت مع قيام الدواعي، فهو ممنوع، قال ﵇: "من صمت وقد حقّ عليه النطق، فهو شيطان أخرس" (٣).
وإذا مست الحاجة، فالسؤال مسوّغ، والتعفف حسن، وإن لم يكن حاجة [و] (٤) لم ينته السؤال إلى الإيذاء، فهو مكروه، إلا أن يُباسط صديق صديقاً، فلا كراهة في هذا، وقد يدخل المسرة.
فصل
٧٨٢٦ - والمعني بقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] سهم من الصدقة يصرف إلى الغُزاة المطّوعة، ولا يشترط فيه كونُه محتاجاً، بل لو كان من أغنى الناس إذا طلب، يُسعف بكفايته في مركبه وسلاحه ونفقته: فالمركب ما يبلِّغه إلى محل القتال، فارساً كان يقاتل أو راجلاً، كما لا تجب حجة الإسلام على من لا يجد راحلة
стр. 6025
أو نحوها، فإن كان (١) حصّل له فرساً يقاتل عليه، إما أن يشتريه ويسبّله، فإذا اتفقت الحرب كان عتيداً للغزاة. وإما أن يستأجره، وإما أن يستعيره، وإن رأى أن يملّكه الفرس لعلمه ببلائه، فعل، ويعطيه نفقة الذهاب ومدة [الإقامة] (٢) على القتال والحصار، ونفقة الإياب؛ لأن استشهاده ليس ضربة لازم، فهذا لأن الغرض من الدفع إليهم تحريضهم على الجهاد، فاعتبر ذلك مع كونهم أغنياء، كالمرتزقة من مال الفيء.
ولو عدم الفيء في بيت المال، وجاء وقت عطاء المرتزقة، ففي الصرف إليهم من الصدقة وجهان: أحدهما - لا يجوز؛ لأن حقهم في الفيء لا يسَاهمون فيه، فيبغي أن يختص [المطوعة] (٣) بسهم الصدقة، وعليه تدلّ سيرةُ السلف من الأئمة والخلفاء الراشدين، فإنهم ما كانوا يمزجون الفيء بالمطوعة. والثاني - يجوز أن يصرف إليهم؛ لأنه مرصد للغزاة، وهم منهم وأولى من المطوعة.
وإذا نحونا بالفيء نحو مال المصالح ورأى الإمام أن يصرف ما فضل من كفاية المرتزقة إلى المطّوعة، جاز، وإن قلنا أربعة أخماس الفيء ملك المرتزقة، لم يجز أن يصرف منه شيء إلى المطوّعة. نعم، [يجوز] (٤) أن يصرف إليهم من خمس الخمس المرصد للمصالح، وقال الصيدلاني: يجوز أن يصرف إلى المرتزقة من سهم سبيل الله إذا احتاجوا إلى قتال مانعي الزكاة، قال: فيعطَوْن مما يأخذون من الممتنعين، قال (٥): ولا تحقيق فيه؛ لأن ما يؤخذ من الممتنعين ومن المطيعين سواء، فلا تختلف مصارفها وهم مترصدون لأمر الإمام في كل قتال، فأي أثر لتخصيص قتال مانعي الزكاة؟ وإذا قلنا يجوز أن يصرف سهم المرتزقة إلى المطوّعة، جاز أن يصرف
стр. 6026
إليهم جميع ما يحتاجون إليه من أصل النفقة، وما يزيد بسبب السفر على أحد الوجهين، كالمقارض إذا سافر.
فصل
٧٨٢٧ - قال الله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهو مريد السفر، ولا يجد ما يبلغ به إلى مقصده، فيُدفع إليه من سهم الزكاة، إذا كان سفره طاعة. وإن كان سفر معصية، لم يُدفع إليه، وكذلك الهائم على وجهه، ومن يهمّ بالعود إلى وطنه يستحق باتفاق، وطالب التجارة غرضه صحيح وسفره مباح، وهل يصرف إليه منه إذا كان ماله غائباً، وهو يبغيه ليتجر فيه؟ قطع شيخه (١) بجواز الصرف إليه. وقال الصيدلاني: من سافر إلى بلدةٍ (٢)، فقصده صحيح. قال: وفيه نظر ظاهر، فيجوز أن يقال: هذا ليس من الأغراض المعتبرة، وأكثر الأئمة على أن السفر [من] (٣) غير غرض مكروه؛ لأنه إتعاب النفس بغير فائدة.
وإذا أجزنا نقل الصدقة، أجزنا صرف هذا السهم إلى الطارقين، وإلى المنشئين من وطن المال، وإن لم نُجز النقل، فيجوز صرفه إلى المنشئين، فأمّا الطارقون، فظاهر النص لا نجيز الدفع إليهم؛ لأنهم ليسوا من أهل هذه البلدة.
وقيل: إن أبناء السبيل الملازمون للأسفار، وهو بالطارقين ألْيق، فيجوز صرفه إليهم. وقال أبو حنيفة (٤): ابن السبيل هو الطارق دون المنشىء.
وإذا منعنا نقل الصدقة وفي البلد غرباء من الفقراء والمساكين والغارمين وغيرهم، لم يجز الصرف إلى الغرباء؛ لأن تحريم النقل يقتضي أن يختص كل فريق بما عنده، وإذا علم الغرباء أن الصدقة تصرف إليهم، أمّوا البلد، وضيقوا على القاطنين في
стр. 6027
البلد، فيفسد به [الغرض الذي قدمناه] (١) في أول الكتاب من [بسط] (٢) الصدقات على جميع الجهات، وقد ذكرنا أن [لحوم] (٣) الهدايا تفرّق في الحرم، فلو حضره الغرباء قُسّطت عليهم جميعاً، بخلاف الزكاة إذا منعنا النقل، والفرق أن الغرض من تفريق [لحوم] (٤) الهدايا في الحرم تشريف مكانه (٥) لشرفه. والغالب المرعي في الزكوات تعميم جميع أهل البلاد؛ ولأنها كثيرة تفضل [عمّن هم أهل الحرم] (٦)؛ فهي بالغرباء الواردين أليق، وقد تضيق عليهم أطعمة الحرم لضيق خِطته.
فأما صدقات أهل الحرم، فإنها كصدقات سائر البلاد.
وإذا فارق وطنَ المال بعضُ أصناف أهل الزكاة، فنقل من عليه الزكاة نصيبَهم إليهم حيث كانوا، جاز؛ تعويلاً على الآخذ دون المكان، وهو جارٍ على القياس الذي ذكرناه، ويتضح به (٧) إذا انتقل جملة المستحقين مثلاً، أما إذا كان في المقيمين في وطن [المال] (٨) كفاية، وإنما انتقل طائفة منهم، فالقياس جواز الإخراج إلى الخارجين، وجَبُن بعضُ الاْصحاب في هذه الصورة على الخصوص؛ فلم يجيزوا النقل، فقد قيل: يجوز إخراج حصصهم إليهم؛ لأنهم من أهل النفقة، وقيل: لا يجوز حتى يحضروا وطنَ المال في سنة الزكاة، فلو حضروا بعضَ السنة، وغابوا قبل انقضائها، فهو مرتب على الصورة الأوّلة (٩)، وهذه أولى بجواز الإخراج.
ولو غابوا معظم السنة، ثم أتَوْا وقت وجوب الصدقة، جاز صرفها إليهم باتفاق، ولا حكم للغيبة السابقة، ولو غابوا بعد انقضاء السنة، صرفت صدقة تلك السنة إليهم، وتعليله بيّن.
стр. 6028
ولو خرجوا على قصد قبل وجوب الصدقة، لم يجز نقل الصدقة إليهم إذا فرعنا على منع النقل، وإن انتقلوا بعد وجوب الصدقة، فإن اتسعت الخِطة، ولم ينحصر أهلها، فالأصح جواز الإخراج، وإن كانوا محصورين وقد غابوا بعد الاستحقاق، فلهم حصصهم.
ويشترط في استحقاق ابن السبيل الحاجةُ الناجزة: ألا يكون معه ما يبلغه مقصده وإن كان له مال غائب، فلو قصد بلدة بعيدة، وله في منتصف طريقها مال، لم يأخذ إلا ما يبلغه إلى ماله، بخلاف سهم سبيل الله، فإنا نصرفه إلى الموسرين؛ لأن الغرض استحثاثهم على الغزو، وهذا يقتضي أن يُكفَوْا من الصدقة؛ حتى لا يتخاذلوا؛ ضِنةً بأموالهم، وابن السبيل [يعطى للحاجة] (١)؛ فاعتبر وجودها.
فصل
٧٨٢٨ - من ادعى الغرم لم يصدق إلا ببيّنة؛ لأنه دعوى باطنٍ، لا يعسر إثباته.
وكذا إذا ادعى العبد أنه مكاتب. ومن ادعى الفقر، أو المسكنة، لم يكلّف بيّنة على ذلك؛ لأنه يعسر ذلك على آحاد المساكين، ويتضح ذلك بسيرة الأولين؛ ولما جاء الرجلان يطلبان الصدقة، فلم يردهما رسول الله ﷺ على (٢) أن قال: "لا حظ فيها لغني ولا لذي مرة سوي". وأُلحق به عدمُ الكسب، وإن أشعر ظاهر البِنْية بقوةٍ وتمكّنٍ من اكتساب بجهةٍ (٣)؛ لأنا نرى كثيراً من أصحاب [القوة] (٤) يعرون عن عمل [مع قوتهم] (٥) فلا يطالب بالبينة. نعم، إن كذبه شاهد الحال، كذبناه.
وكذلك [إن] (٦) اشترطنا الزمانة في سهم الفقراء.
стр. 6029
وإذا ادعى أن عليه ألفاً لزيد، فصدقه على ذلك، ففيه وجهان: أحدهما - يقبل تصديقه؛ ويُعطى من سهم الغارمين؛ لأنه ثبت بالإقرار. والثاني - لا يقبل؛ لأنه لا تؤمن المواطأة بينهما، وكذلك إذا صدق السيد أنه (١) عبده على الكتابة، وهذا أقوى من تصديق المدين.
ولو أقرّ بدين لغائب، [وقبلنا] (٢) إقراره للحاضر، ففيه وجهان.
ولو قال: أنا عازم على سفر، أو أريد الغزو، لم يطالب بحجة على عزمه، وجاز الدفع إليه من السهم الذي طلبه.
وحيث لا يطالب بالبينة، ففي تحليفه إذا اتهمه المطلوب وجهان، وهل هي (٣) مستحقة أو مستحبة؟ وجهان: فإن قلنا: هي استحباب استظهاراً، فنكل، فلا حكم لنكوله. وإن قلنا هي مستحقة، فإن نكل عن اليمين، لم يستحق شيئاً.
وقيل: إن طلب من سهم المساكين، فذكر أنه غير مكتسب، فإن شهد له ضَعفُه (٤)، لم يحلّف، و [إن] (٥) بعُد بشاهد الحال صدقُه، ففي تحليفه وجهان.
فإن قيل: فقد قضيتم بالنكول، [إذا] (٦) رأيتم التحليف مستحقاً كل، قلنا: لا بد [من شرط] (٧) قيام حجة لائقةٍ بالحال، وهي اليمين، فإذا عدمت، صار كأن لم تكن بينة على الغرم والكتابة، ونحن تشترط قيامها.
ومن طلب من الغزاة أو ابن السبيل لم نحلفه، بل إن انتهض غازياً أو مسافراً (٨).
وحلفه، ولا نجد مرجعاً لفقره، وهل هي استحقاق أو استظهار، على ما تقدّم.
стр. 6030
وقيل: من ادّعى حَمالة، [وأشكل] (١) علينا حاله، طولب بالبينة، على قياسٍ بيِّن. فإن استفاض أمرها (٢)، اكتُفي بالاستفاضة فيها، وقيل: هذا إذا انتهت إلى حدٍّ يفيد العلم [كأخبار التواتر] (٣)؛ لأنها أقوى من البينة، وإذا لم تُفد إلاّ غلبة ظن، فلا أثر لها (٤)، وعليه البينة، وفيما ذكره [فقه] (٥).
وإذا انتهت الاستفاضة إلى إفادة العلم، فإنها تفيد القاضي علماً في الخصومات.
فإن قلنا: يجوز أن يحكم بعلمه، قضى بها، وإن منعنا القضاء بالعلم، فقد منع بعضهم القضاء بها؛ بناء على الأصل، ومنهم من أجازه؛ لأن المحذور من القضاء بعلمه تعرضه للتهمة، وقد زالت بالاستفاضة. والاكتفاء بها إذا أفادت ظناً فيما نحن فيه أفقه؛ لأن الأحكام فيه مبنية على الظن، بخلاف مفاصل الخصومات؛ فإنها منوطة بالعدد والتعبدات، ولا أظن بمن لم يكتف (٦) اشتراطه إقامة بينة في مجلس القضاء، فإن طرد قياسه، فهو بعيد من وضع الباب، مخالف لسيرة السلف؛ فإنهم ما أخرجوا مستحقي الصدقة إلى مجلس الحكم. وإن اكتفى بقولٍ في غير مجلس القضاء، فالاستفاضة أقوى. ولعل المعتبر أن يشيع التحمل إشاعة يكتفى بمثلها في إثبات النسب، وتنبني الشهادة عليها.
...
стр. 6031
باب كيف تفريق قسم الصّدقات
٧٨٢٩ - تجب قسمة الصدقة على الأصناف بالتسوية، ويجب تعديل السهام اتفاقاً، إلا سهم العامل، فقد سبق تفصيله، فإن تولّى قسمة صدقته بنفسه، سقط سهم العامل، ويخرج المؤلفة على الرأي الظاهر، فيبقى الفقراء، والمساكين، والرقاب، والغارمون، وأبناء السبيل، وسبيل الله: فيقسم على ستة، فيصرف كل سهم إلى ثلاثة فصاعداً، ولا تجب التسوية بينهم (١)؛ لأنه ضبط للعدد (٢)، فيجوز التفضيل وفاقاً.
ولا يجوز النقصان من الثلاثة.
وإذا تولى [الإمام] (٣) تفرقة الزكاة، لم يؤاخذ في صدقة كل شخص بهذا التعديل، لكن يجمعها كلها، ويتعاطى فيها بتعاطي الواحد في تفرقة زكاة نفسه؛ لأن يد الإمام يد المستحقين، وهي محل الصدقة، وعلى الإمام مزيد نظر أن يوصل الصدقة إلى محاويج الخِطة.
فصل
٧٨٣٠ - إذا فرّق زكاة نفسه، ثم ظهر أن بعض من أخذ لم يكن مستحقاً، فقولان: أصحهما - أنها لم تقع موقعها؛ لأنها من ضمانه إلى أن يوصلها إلى مستحقها، وإلى
стр. 6032
هذا مَيْلُ النص في الجديد. والقديمُ: لا يلزمه تثنية (١) الزكاة؛ لأن فيه عسراً، ولا يتمكن الآحاد من نهاية البحث، وفي تثنيتها ثقل على أرباب الأموال.
هذا إذا خرج من قدَّرهُ فقيراً غنياً. فأما إذا خرج كافراً، أو رقيقاً، فقد قيل: هي على قولين كالتي قبلها. وقيل: يجب قطعاً تثنيتها؛ لأن الكافر والرقيق لا يخفيان غالباً، فظهورهما يدل على تقصير المعطي، بخلاف الفقير والغني، فأمرهما مشكل.
وإذا أدى سهم الغارم إلى من أقام بينة على غرمه، ثم بان كذبهم، ففيه قولان، كمن ادعى المسكنة، ثم بان غنياً. ولو لم يكلِّف مدعي الغرم البينة، وأعطاه بقوله، ثم بان كذبه، لم يقع المخرج موقعه، ورمز بعضهم [فيه] (٢) إلى تردد، فإن قلنا: لا نسلّم إليه بقوله، لم يبق شك في أنه لا يقع ما أخرجه موقعه. وإن قلنا: يجوز له التعويل على قوله، فالظاهر أنه لا يعتد به؛ لأن الاستظهار بالبينة ممكن. وإذا اكتُفي بظاهر قول المخبر، كان مشروطاً بالسلامة.
ولا وجه لتحليف من يدعي المسكنة إذا لم تظهر تهمة، وإن ظهرت، فإن كان المفرِّق الإمام، فيليق بمنصبه تحليفه، وإن كان ربَّ المال، فيبعد منه التحليف، ويعضّده ترك السلف التحليف. ويجوز أن يقال: له أن يحلّف، كما يسمع قول الثقات في المغارم (٣)، وإن اختص سماع [البينة] (٤) بمجالس الحكام، وإذا رأينا التحليف على دعوى المسكنة، لم نوجبه على من يفرق الصدقة، إذا لم يكن تهمة، بخلاف سهم الغارمين، ولا يبعد في القياس اشتراط اليمين إذا قلنا: اليمين مستحقة، وتخصيص التحليف على المسكنة بمحل التهمة، وغالب العادة
стр. 6033
اجتناب (١) التهمة في مصارف الزكوات. ولو تصور استواء النفي والإثبات في دعوى المسكنة، فعلى الوجهين.
أما إذا تولى الوالي تفرِقة الزكاة، فبان مَنْ ظنَّهُ مسكيناً غنياً، فالمشهور أن الوالي لا يغرم؛ لأن تغريمه يجر عسراً؛ لأنه يتعذّر عنه، ووقعت الزكاة موقعها، وبرىء [مَنْ أداها] (٢)، ويسترد الوالي ما بذله إن تمكن منه، ويصرفه إلى مستحقه. ولا يقف الحكم ببراءة ذمة رب المال على أن يفعل الوالي ذلك.
وإن كان (٣) الآخذ كافراً، أو رقيقاً، فهل يغرم الوالي؟ فيه قولان، فإنه ينسب إلى تقصير. وقيل في الصورة الأولى أيضاً قولان.
وحيث نوجب على الإمام الاستظهار، فلم يفعل، فالوجه القطع بتغريمه؛ لأنه متصرف بالولاية في حقّ الغير، وحيث لا يغرم الإمام، فلا نشك بوقوع الزكاة موقعها، وإن رأينا تغريمه، فهو بمثابة ما لو أكلها، ولم يصرفها إلى مستحقها، ولو فرض ذلك، فلم نحكم بانعزال الوالي، فظاهر القياس أنه يبرأ مَن عليه الزكاة؛ فإن يد الإمام يد المستحقين، والواقع في يده كالواقع في يد المستحقين. وقيل: لا تبرأ ذمة من عليه الزكاة؛ لأنها لم تبلغ محلها، وهذا يجري حيث يغرم الإمام جرياناً ظاهراً.
وإن لم يغرم الإمام، أثبتنا له حق الاسترداد إذا تمكن منه، بخلاف الصدقة المعجلة إذا لم تقع موقعها، ففي بعض الصور نقول: لا تسترد؛ لإمكان صرفها إلى جهة التطوع، بخلاف ما نحن فيه؛ فإنّ أَخْذ الصدقة ظلماً مستحيل أن يقدَّر جهة ثبوت الملك.
وأما إذا تولى تفرقتها من وجبت عليه، فالوجه أن نقول: إن أمكن الاسترداد، وجب ذلك، ويُقطع بأنّ الزكاة لم تقع موقعها.
стр. 6034
[ .... ] (١) على أن نقول: يسترده للمساكين؛ فإن هذا لو قيل به، فهو أولى [به بعد تقدير بُرئه] (٢) عن الزكاة، ولا سبيل إليه.
وإن عسر الاسترداد وأيس منه، حكمنا بوقوع الزكاة موقعها، وبرىء من كانت عليه، وهو بمثابة ما لو تلف المال قبل الإمكان، إذا قلنا: تجب بانقضاء الحول.
وما أخذه ذلك الإنسان هل يكون ديناً للمؤدي أم للمسلمين؟ قال: وهذا خَبْط لا يهتدى إليه، ونتبين منه تزييف القول بأن الزكاة سقطت عمن عليه. وبهذا يتضح الفرق بين الوالي ورب المال؛ فإن الوالي يتصرف للمستحقين وأرباب الأموال، ويده صالحة للنيابة للمساكين.
...
стр. 6035
باب ميسم الصّدقة
وسمُ الدواب جائزٌ، وقد صح أن رسول الله ﷺ وسم الدواب والنَّعَم في الصدقة والجزية (١).
ووسمُ الأغنام في آذانها (٢) وليخفَّ على قدر احتمالها. ووسمُ الإبل والبقر في أفخاذها، وكذلك وسم الخيل.
ونهى النبي ﵇ عن وسم الوجه، ورأى حماراً في وجهه وسم فقال: "ألم يبلغكم أني لعنت من يسم الدواب في وجوهها" (٣). والذي ذكره الأصحاب الكراهية، وهذا الحديث يتضمن التحريم.
ثم قال الشافعي (٤) ﵁: علامة الصدقة: لله، وعلامة الجزية: الصَّغَار.
ثم ذكر الشافعي ﵁ باباً (٥).
عز الفقه وشرفه في الاقتصار على مسالكه، مع التزام الجواب عن كل واقعة.
الإمام
في نهاية المطلب
стр. 6038
كتاب النكاح (١)
باب ما جاء في أمر رسول الله ﷺ وأزواجه في النكاح
٧٨٣١ - والأصل في النكاح قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ [النساء: ٣].
وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقوله ﷺ : "تناكحوا تكثروا" (٢).
قال (٣): واتفق المسلمون على أن النكاح شرع لإحلال النساء للرجال.
قلت (٤): الآيتان، والخبر لا يخص ما ترجم الباب (٥)، بل هي عامة.
وقوله: "النكاح شرع لإحلال النساء للرجال" فيه نقد، بل لتحليل كل واحد من القبيلين للآخر.
قال: وصدّر الشافعي ﵁ الكتاب بهذا الباب، وأضاف الأصحاب إليه خصائصه في غير النكاح.
стр. 6039
٧٨٣٢ - ويحصر خصائصه ﷺ ضربان: تغليظٌ، وتخفيف، وينقسم التغليظ إلى التحريم والإيجاب: أما الإيجاب فمنه:
صلاة الليل، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] والنافلة في اللغة: الزيادة. وهي في حق الأمة جائزة لنقصان فرائضهم، وفرائضه ﷺ [منزّهة] (١) من النقص؛ فكان تهجده زيادة على مفروضاته.
ومنه وجوب الأضحى (٢)، والضُّحى، والوتر.
وفي وجوب السواك خلاف.
وكان يقضي دين من مات معسراً، لما اتسع عليه المال وجوباً عند الجمهور، أشعر به قوله ﷺ : "من ترك كَلاًّ فإليَّ، أو ديناً فعليَّ" (٣). وقيل: كان تكرّماً منه، وهو غير سديد؛ لأن قوله حقٌ، فلا يجوز تقدير خلافه، ولا يمكن حمله على الضمان عند من أجاز ضمان المجهول لما يتضاعف فيه من جهالة الجنس، والقدر، والصفة، ومن له، وعليه.
وذُكر في إيجاب ذلك على الإمام من سهم المصالح وجهان.
قال (٤): وفيه تفصيل: فإن [من] (٥) لم يقدر على القضاء، ولم يمطُل، يلقى الله تعالى ولا مظلمة عليه، قالت عائشة ﵂: "لأن أموت وعلي مائة ألف
стр. 6040
لا أملك قضاءها أحب إليّ من أن أموت وأخلف مثلها" (١). ولا معنى لصرف مال المصالح في دينه (٢). وإن ظلم بالمطل، ومات معسراً، فالأوجه ألا يصرف مال المصالح إليه، فإن قيل بجوازه، فيقضى أيضاً دين من لم يظلم؛ ترغيباً لأرباب الأموال في إسعاف المحتاجين وشرطه -عاماً وخاصاً- أن يفضل المال عن مصالح الأحياء.
ومن الإيجاب مشاورة [ذوي الأحلام] (٣) عند قومٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقيل: نُدِب إليها استعطافاً للقلوب.
وسر تخصيصه بالإيجاب تعظيم ثوابه؛ فإن ثواب الفرض أعظم؛ قال ﷺ حاكياً عن ربه : "ما تقرّب المتقربون إليَّ بمثل أداء ما افترضت عليهم" (٤). وقال ﷺ : "يقول الله تعالى: عبدي، أدِّ ما افترضت عليك، تكن أعبد الناس، وانته عما نهيتك عنه، تكن أورع الناس، وارض بما قسمت لك، تكن أغنى الناس، وتوكّل على الله، تكن أكفى الناس" (٥). وقيل: يزيد ثواب الفرض على النفل سبعين درجة؛ لما روى سلمان الفارسي ﵁ أن النبي ﷺ قال في شهر رمضان: "من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه، كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه" (٦).
стр. 6041
فقابل النفل فيه بالفرض في غيره، وقابل الفرض فيه بسبعين فريضة في غيره، فأشعر أن الفرض يزيد على النفل سبعين درجة، بل دلّ أن كل نفل شهر رمضان كفرض غيره، وأن فرضه بسبعين فريضة في غيره.
٧٨٣٣ - فأما ما وجب في النكاح:
فمنه تخييره نساءه، لقوله سبحانه: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]. وقيل: إن سبب التخيير أنهن طالبنه بشيء من الدنيا، ولم يكن في يديه وفاء به (١).
وروي أن إحداهن طلبت منه خاتماً من ذهب، فجاءها بخاتم من فضة، لطخه بالزعفران، فردته. وقد روي في سبب التخيير وجوه، ويظهر أن [نفرة] (٢) زحفت إلى قلبه ﷺ لمطالبتهن له بما لايجده، فآلى ﷺ أن لا يدخل عليهن شهراً.
وروي عن عمر ﵁ أنه قال: كنّا معاشر المهاجرين متسلطين على نسائنا بمكة، وكانت نساء الأنصار مسلّطات على رجالهن، فلما قدمنا المدينة اختلطت نساؤنا بنسائهم، فطفقن يتخلقن بأخلاقهن، فكلمت امرأتي ذات يوم في شيء، فراجعتني، فرفعت يدي لأضربها، وقلت: لا تراجعيني يا لكعاء، فقالت: إن نساء رسول الله ﷺ يراجعنه، وهو خير منك، فقلت: خابت حفصة وخسرت إذاً. فجمعت ثيابي وقمت، فأتيت حفصة، فقلت لها: أتراجعين رسول الله ﷺ . فقالت: نعم. إن رسول الله ﷺ يظلّ على
стр. 6042
بعض نسائه طول نهاره مغضباً، فقلت لها: لا تفعلي ذلك ولا تغترّي بابنة أبي قحافة، فإنها حِبّ النبي ﷺ ، يحتمل منها ما لا يحتمل منك، وكنت قد ناوبت رجلاً من الأنصار حضور مجلس النبي ﷺ ، فكنت أحضر يوماً، ويغيب في حاجته، فأخبره بما يجري، ويحضر يوماً وأغيب في حاجتي، فيحدثني بما جرى، فكنت في البيت إذْ قرع الأنصاري الباب عليّ، وقال: أَثمَّ عمر، فقلت: نعم. أحدث أمر؟ فقال: نعم، قلت: أجاءتنا غسان؟ - وكنا نحدث بأن [غسانَ] (١) تنعل خيولها لتغزونا فقال: أمر أفظع من ذلك: طلّق رسول الله ﷺ نساءه، فخرجت من البيت، ودخلت المسجد، ورأيت أصحاب رسول الله ﷺ حول المنبر جلوساً يبكون، ورسول الله ﷺ على [مَشْرُبة] (٢)، وكان أسامة (٣) على الباب، فتقدمت إليه فقلت: استأذن لي، فاستأذن، فلم يُجَب، فرجعت. فلما بلغت بعض حجر المدينة، نازعتني نفسي؛ فانصرفت فقلت: استأذن لي، فاستأذن؛ فلم يجب؛ فرجعت، فلما بلغت بعض حجر المدينة نازعتني نفسي، فانصرفت فقلت: استأذن لي، فسمع رسول الله ﷺ صوتي، فقال: اصعد، فكان ﷺ نائماً على حصير من الليف، فاستوى جالساً، وإذا الليف قد أثّر في جنبه، فقلت: إن كسرى وقيصر يفترشان الديباج والحرير وأنت على مثل هذا، فقال ﷺ : "في شك أنت يا بن الخطاب؟ أما علمت أنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة"، ثم قصصت عليه القصة، فلما بلغت إلى قولي لحفصة لا تغتري ببنت ابن أبي قحافة بَسِمَ رسول الله ﷺ ، فقلت: أطلقت نساءك؟ فقال: "ل". فقلت: الله أكبر" (٤).
стр. 6043
وروي أنه آلى عن نسائه شهراً، فمكث في غرفته شهراً، فنزلت آية التخيير، فلما نزلت بدأ رسول الله ﷺ بعائشة ﵂، فدخل عليها وقال: "إني ملق إليك أمراً، فلا تبادريني فيه بالجواب حتى تؤامري فيه أبويك"، وتلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] الآيات. فقالت: أفي مثل هذا أؤامر أبوي؟ اخترت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم قالت: لا تخبر زوجاتك بذلك، وطلبت أن يخترن الدنيا، فيفارقهن ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ ودخل على نسائه، وأخبرهن بما جرى مع عائشة، وكان يتلو عليهن آية التخيير، فاخترن بأجمعهن الله ورسوله والدار الآخرة (١). فثبت بذلك وجوب التخيير عليه ﷺ .
وذهب بعض الأصحاب إلى أن واحدة منهن لو اختارت الدنيا، لكانت تبين بنفس الاختيار، كما لو خيّر أحدنا زوجته، ونوى تفويض الطلاق إليها، فقالت: اخترت نفسي، ونوت الطلاق؛ فإنها تبين بنفس الاختيار. قال (٢): وهذا غير مرضي؛ فإن الآية اقتضت التخيير بين الدنيا وزهرتها وبين الآخرة، ولا يماثل ما يجري بين الزوجين منا.
قال: والأولى في التوجيه أن اختيار إحداهن الدنيا يضاد صحبة رسول الله ﷺ ، والدليل عليه أن هذا القائل يقول: لو اختارت الدنيا، كان يجب على المصطفى ﷺ أن يفارقها، والفرقة إذا وجبت، وقعت عندنا، ولهذا
стр. 6044
استدللنا بوجوب الفراق في اللعان على وقوعه.
قلت: وفيما ذكره نظر؛ فإنه لو كان اختيار الدنيا يضاد صحبة رسولى الله ﷺ ، لتعجلت الفرقة، ولو وقعت الفرقة، لم يكن لقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] معنى؛ فإن المفارِقة كيف تفارَق؟ وقوله: إن الفرقة إذا وجبت وقعت - لا يصح، وليس ذلك مذهباً، ولهذا إذا أمتنع المُولي من الفيئة، وجب عليه أن يطلق، ولا يقع الطلاق قبل تطليقه. وكذا إذا رأى الحكمان في باب النشوز الطلاق، كان التطليق واجباً، ولا تطلق بنفس وجوب التطليق. وأما في باب اللعان، فلا نقول بأن الفرقة وقعت بوجوبها، بل تقع بكمال ألفاظ اللعان.
قالى: ومن أصحابنا من قال: إن قلنا: إن الفرقة لا تقع، لكن كان يجب على النبي ﷺ أن يفارقها تلقياً من قوله سبحانه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨]. وظاهرهُ وجوبُ الفرقة، وقد تحقق أن ذلك من خصائصه ﷺ ، فلا يناط بالأقيسة التي تناط بها أحكام العامة، وإنما يتبع فيها موارد الشرع من غير زيادة.
وذكر الخلاف في خصائصه خبطٌ، لا فائدة فيه؛ لأنه لا يتعلق بها حكم ناجز تمس الحاجة إليه، وإنما نجتهد فيما لا نجد بداً من إثباته أو نفيه، وما خلا منه تهجّم على الغيب من غير ثمرة.
وانبنى على هذا أنه هل كان يلزمهن الجواب على الفور؟ فقيل: إن قلنا: إن الفرقة تقع بنفس الاختيار، اقتضى أن يكون الجواب على الفور، على قولٍ، كما لو خير أحدنا زوجته، ففي وجوب الاختيار على الفور قولان. قالى: وهذا في نهاية الضعف؛ فإنه ﷺ قال لعائشة: "ولا تبادريني بالجواب حتى تستأمري أبويك". فإن قيل: ما كان لها ذلك تخييراً ناجزاً، قلنا: فلم اكتفى به ﷺ في جواب التخيير؟ فلا حاصل لذكر الخلاف فيه.
وإن قلنا: لا تحصل الفرقة بنفس الاختيار، فلا يلزمهن الجواب على الفور، وهو الصحيح.
ولما اخترن الله سبحانه ورسوله والدار الآخرة جازاهنّ الله سبحانه، فحرم عليه
стр. 6045
التبدل بهن، والتزوج عليهن، فقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] والذي صح عند الشافعي ﵁ أنه ﷺ لم يمت حتى أُبيح له ما حرّم من ذلك (١). وقال أبو حنيفة: مات ولم يبح له.
لنا ما روت عائشة ﵂: "ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء اللائي حرمن عليه" (٢).
وفي تحريم طلاقهن وجهان: أحدهما - كان حراماً عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] والتبدّل إنما يكون بمفارقتهن وإقامة غيرهن مقامهن. والثاني - لم يحرم طلاقهن، وهو الظاهر؛ لأن الخصائص يجب أن يقتصر فيها على المنقول.
وقال بعضهم: إنه في صورة خاصة، وهو أنه لو وجد التطليق باختيارهن الدنيا، فأما منعه من إنشاء طلاق بعد انقضاء التخيير، وأثره، فلا وجه له.
قال: وهذا التفصيل لا حاجة إليه، والوجه القطع بأنّ له اختيار الطلاق متى شاء.
ولما أباح الله سبحانه لرسوله ﷺ التبدّل بهن، لم يتبدّل، وهو السر في إباحته إظهاراً لمنته ﷺ عليهن.
٧٨٣٤ - أما المحرمات من خصائصه ﷺ ، فمما حرم عليه من دون أمته إلا ذوي القربى، فالصدقة (٣) المفروضة، وكذا صدقة التطوع على المذهب
стр. 6046
المعروف، وفي تحريمها على ذوي القربى خلاف تقدم. وقيل: بأنها لم تحرم عليه، لكنه كان يأنف منها تعففاً. وهو بعيد غريب.
ومنه خائنة الأعين (١)، فكان لا يجوز له أن يظهر شيئاً ويسر خلافه وهو يسمى الإيماض بالعين. وقيل: كان يحرم عليه الإيهام، والختل بجميع وجوه الأفعال، حتى الخُدعة في الحرب. وهذا مزيف. فقد صح "أنه ﷺ كان إذا أرِاد سفراً وزَى بغيره" (٢). وقد روي أنه ﷺ قال: "الحرب خُدعة" (٣). قال: لا أدري أخبرٌ هو عنه، أم أثر عن علي كرم الله وجهه لما قتل عمرو بنَ عبد ود؛ ولأن الإيماض والتلويح بالترامز يحط من قدر المتكلم، ويسقط من أبّهته؛ فأما الإيهام في الأمور العظام، فمعدود من الإيالات والسياسات. ومكائد الحروب لا تزري بأصحابها.
стр. 6047
وكان يحرم عليه إذا لبس لأَمَة حربه، حرم عليه نزعها حتى يلقى العدو (١)، وقيل: هو مكروه. وهو بعيد.
وقال ﷺ : "أنا لا آكل متكئاً" (٢)، فقيل: إنه حرام. والظاهر أنه لا يحرم؛ لأنه لم يثبت فيه ما يدل على التحريم، واجتنابه عنه واختياره غيره لا يدل على التحريم. ومن هذا اجتنابه أكل الثوم، وما له رائحة كريهة، ففيه هذا الخلاف.
٧٨٣٥ - أما محرمات النكاح، فقد صح أنه حرم عليه التبدل بأزواجه، وقد بيّناه.
وكان يحرم عليه استدامة نكاح امرأة تكره صحبته، لما روي أنه ﷺ نكح امرأة ذات جمال فلُقِّنَتْ أن تقول له ﷺ : "أعوذ بالله منك". وقيل لها: إن هذا الكلام يعجبه. فلما قالت له ذلك، قال ﷺ : "لقد استعذت بمعاذ، الحقي بأهلك" (٣).
стр. 6048
وقيل: إن نكاحه الحرة الكتابية كان لا يحرم عليه؛ فإن حل النكاح كان أوسع عليه من أمته. وقيل: كان يحرم عليه؛ لأن الغالب أنها كانت تكره صحبته ديناً، وقد قال ﷺ : "زوجاتي في الدنيا، زوجاتي في الآخرة" (١). ولا يحكم بهذا في الكافرة، ولأن قدره العلي لا يقتضي أن يضع ماءه في كافرة.
وكان يحرم عليه نكاح الأمة الكتابية كما يحرم على غيره.
قلت: فلا ينبغي أن تعد من خصائصه.
قال: ويحل للواحد من الأُمّة أن يتزوج الأمة المسلمة إذا عَدِم طَوْلَ حرّة، وخاف العنت، وفي تحريمها عليه ﷺ وجهان: أحدهما - يحرم: لأن شرط إباحته خوف العنت، وهو الزنا، وقد عُصم ﷺ . والثاني - يحل له، والشرط يعتبر في حق الأُمّة خاصة. وفي اشتراط عدم الطول وجهان؛ لأن حله أوسع باباً، ولهذا ينكح من غير عدد، فإن لم يعتبر فقدان الطول، جاز أن يتزوج الإماء بغير عدد، وإن اعتبرناه، لم يزد على واحدة، وقد صح أنه ﷺ
стр. 6049
تسرّى بمارية القبطية: أم ولده إبراهيم ﵇.
واختلفوا في جواز نكاح الأمة الكتابية، ويقرب من اختلافهم في جواز نكاحه الحرّة الكتابية. ومن نكح من الأُمّة أمة كتابية، فولده منها رقيق، فلو نكح ﷺ أمة كتابية، فولده منها حرّ؛ إذ يستحيل أن يُسترق جزء منه. وقيل: إن جوزنا استرقاق العرب، ففي ولده ﷺ وجهان، وهذا لا يحل اعتقاده، فلو تُصُوِّر أن غُرَّ بنكاح أمة، فولده منها حرّ، ولا قيمة (١) عليه؛ لأنه لا يَعْلق رقيقاً مع العلم، فظن الحرية يكون دافعاً للرق.
وسر ما حرم عليه دون أمته تكثير ثوابه في اجتنابه، لأن اجتناب المحرمات كفعل الواجبات، ووقعه أعظم من وقع اجتناب المكروه. قال ﷺ : "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل كان في البيت وقلبه متعلق بالمساجد، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، بحيث لم تعلم يساره ما أنفقت يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين" (٢).
٧٨٣٦ - أما التخفيف، فهو ما أبيح له دون غيره، فمنه: الصفيُّ (٣) من المغنم، وخمس الخمس، والوصال في الصوم.
وأما في باب النكاح، فإنه كان له أن يزيد على أربع، وقيل: كان يباح له أن يجمع بين تسع نسوة من غير زيادة. وقيل: منكوحاته كالسراري في حق أمته.
стр. 6050
وفي انحصار طلاقه [في] (١) الثلاث الخلافُ في انحصار زوجاته.
وكان ينعقد نكاحه بلفظ الهبة. وفي اشتراط لفظ النكاح في حقه خلاف سيأتي.
٧٨٣٧ - وقيل: كان يفتقر نكاحه إلى الولي كغيره، والصحيح أنه لا يفتقر؛ لأنه شرط لحفظ الكفاءة، وطلب الحظ، وذلك مستغنى عنه؛ فإنه سيد ولد آدم ﷺ وعلى أبيه (٢). ولما خطب ﷺ أم سلمة اعتذرت بمعاذير، وقالت: إني امرأة مُصْبية، غيرَى، وأوليائي غُيّب. فقال ﷺ : "أما الصبية فسنكفيكهم، وأما الغَيْرة، فأسال الله أن يذهبها، وأما الأولياء، فلم يكن أحد منهم يكرهني إذا حضر" (٣).
والأصح أن نكاحه ينعقد بغير شهود؛ لأن الغرض دفع ما يتوقع من الجحود، وذلك مستحيل منه ﷺ ، ولو فُرض من جانبها، لكان تكذيباً له، ومن كذب رسول الله ﷺ ، فقد كفر.
وقيل: هذه المسائل تندرج تحت الخلاف في أن نكاحه كالتسرّي في حقنا، فإن جعلناه كذلك، لم يفتقر إلى الولي والشهود، ولم ينحصر العدد، وصح بلفظ الهبة من الجانبين، وفي حالة إحرامه. وإن قلنا: ليس كالتسري، فحكم هذه المسائل على العكس.
وقيل: إن القَسْمَ كان واجباً عليه، ويحمل قوله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] على إباحة التبدل. وكان يأمر في مرض موته أن يُطاف به على نسائه في بيوتهن (٤)، وكان يستبطىء نوبة عائشة ويقول: أين أنا اليوم، أين أنا غداً؛ ففطِن
стр. 6051
لمراده ﷺ فحلّلنه، فكان يمرّض في بيت عائشة ﵂ إلى أن قبضه الله، فقالت عائشة: مات رسول الله ﷺ في بيتي وفي يومي، ورأسه بين سَحْري ونحري، وجمع الله بين ريقي وريقه (١).
وقيل: ما كان يجب عليه القسم، وإنما فعله تكرّماً. وهذا يخرج على تشبيه زوجاته بالسراري.
ومن خصائصه أنه ﷺ كان إذا رمق امرأة، ووقعت منه موقعاً، وجب على زوجها أن يطلقها، وقصة زينب مشهورة تشهد بذلك، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] فقيل: إنه لم يباشر عليها عقد نكاح، وإنما حلّت له بهذه الكلمة الإلهية. وقيل: إنه عقد عليها. ومعنى قوله سبحانه ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ أبحنا لك أن تتزوجها (٢).
ومنها أنه أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها (١)، ووقع الاتفاق على أنه كان له في ذلك خاصية، فقيل: هي أنه لزمها الوفاء بالتزوج به، وغيره لو أعتق أمته على أن تتزوج به، لم يلزمها الوفاء وتلزمها قيمتها. وقيل: الخاصية أنه جعل عتقها صداقها مع الجهل بقيمتها، وفي جواز ذلك في حق الأمة خلاف.
ومنها أنه جاز له دخول مكة من غير إحرام، وفي جوازه للأُمّة خلاف.
стр. 6054
ومنها أنه لا يورث. قال ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" (١)، فكان ما خلفه على ما كان عليه في حياته وكان الصدّيق ﵁ ينفق منه على أهله وخدمه، ويراه باقياً على ملك رسول الله ﷺ ؛ لأنّ الأنبياء أحياء، وهذا هو الصحيح الموافق لسيرة الصديق.
وقيل: كان سبيله سبيل الصدقة، قال ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة".
وقيل: كان إذا أمَّن كافراً لا يلزمه الوفاء بأمانه، وكان يجوز له قتله. وهذا مما أُجمع على تخطئة صاحب التلخيص (٢) فيه. وكيف يليق بمنصب رسول الله ﷺ أن يخالف قولَه، ويخفر ذمته، ولو جاز، لكان فيه حط مرتبته، وتتبير (٣) أمره، وعدم حصول الثقة به، ومن حرمت عليه خائنة الأعين كيف يجوز له أن يخفر ذمته؟
ومنها أنه كان يجوز له أن يلعن من شاء من غير سبب يوجبه؛ لأنه كانت لعنته رحمة. وهو غلط باتفاق الأئمة.
ومن هذا القبيل أنه كان يجوز له أن يدخل المسجد جنباً. وهذا هَوَسٌ لا مستند له.
ومن خصائصه شهادة خزيمة له، وإجازتها، وإقامتها مقام شهادة شاهدين عدلين، وفي هذا اضطراب؛ فإنه لم يصح ردّ شهادته في حقّ غير رسول الله ﷺ ، وكان ﷺ يحتاج إلى شهادته؛ لأنه معصوم عن الحلف، ومن كذّبه كفر.
стр. 6055
ومنها أنه أبيح له الوصال في الصوم، وكان حراماً على غيره، وقيل مكروهاً.
فصل
في أحكام نسائه
٧٨٣٨ - فنقول: مات رسول الله ﷺ عن تسع، وكان يقسم لثمان، وهنّ: عائشة بنة الصديق، وحفصة بنة الفاروق، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية، وميمونة بنت الحارث خالة ابن عباس، وصفية بنت حيي بن أخطب، وجويرية بنت الحارث، وسودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش، وهي التي كانت امرأة زيد. فهنّ اللواتي مات عنهن ﷺ ، وهنّ أمهات المؤمنين، محرمات على الأبد على غيره.
ولو فارق امرأة في حياته هل كان يحل لغيره نكاحها؟ قيل: لا يحل كالتي مات عنها، وقيل: كانت تحل؛ لأن النكاح لم ينته نهايته، وقيل: إن كان ﷺ دخل بها، لم تحل لغيره، وإن لم يكن دخل بها حلّت لغيره. ولهذا روي أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمن عمر ﵁، فرفعت قصته إليه، فحبسه وهمّ برجمه، فذكر له أن رسول الله ﷺ ما كان دخل بها، فكفّ عنه وتركها في حِباله (١).
ولا خلاف أن اللاتي خيرهن رسول الله ﷺ لو اختارت واحدة منهن الدنيا، لحلّ لها أن تتزوج؛ لأنها لو منعت ما تمكنت من غرضها من الدنيا.
стр. 6056
وليس المراد بكونهن أمهات المؤمنين أنه يجوز لهنّ التكشف لهم، كتكشف الأم لأولادها، بل المراد به التشبه بالأمهات في التحريم.
٧٨٣٩ - وبنات رسول الله ﷺ لا يشبهن أخوات المؤمنين؛ لأنه لو كان كذلك، لحرمن كما حرم زوجاته، لكن يقال: هن بنات أمهات المؤمنين. ومن ذلك لا يقال: معاوية خال المؤمنين، بل نقتصر على ما جاء التوقيف به ولا نتعداه.
قال المزني ﵀: "إنّ الله تعالى لما خص به رسوله ﷺ ، وميز بينه وبين خلقه لما فرض عليهم من طاعته، افترض عليه أشياء خففها عن خلقه ليزيده بها إن شاء الله قربة إليه" (١).
والقراءة المشهورة (لِمَا) مخففة مكسورة اللام؛ ليكون بمعنى التعليل.
وفي الكلام خلل من وجوه، ينقدح في بعضها الذب (٢) والتأويل، ولا يتجه في بعضها جواب، فمن وجوه الخلل أنه قال: "إنّ الله تعالى لما خصّ به رسوله من وحيه، وأبان (٣) بينه وبين خلقه بما فرض عليهم من طاعته، افترض عليه أشياء" (٤)، فجعل تخصيصه بما افترض عليه معللاً بما خُص به من الوحي، وفُرِض على الخلق من طاعته، فهذا [كلام] (٥) مضطرب، نبيّن ما فيه من الخلل. قلنا: لفظ الشافعي على ما نقل المعتمدون عنه، قال ﵁: "إن الله تعالى لما خصّ به رسوله فأبان من فضله بالمباينة بينه وبين خلقه، افترض عليهم طاعته" (٦) فجعل افتراض طاعته منوطاً
стр. 6057
برسالته. ثم استأنف فقال: "وافترض عليه أشياء خففها عن خلقه". فإن تكلّف متكلّف وعلّل ما خص به بعلو منصبه [بما] (١) خص به من الوحي وافتراض الطاعة، أمكن تقريب القول فيه، لكن الأوجه ما ذكره الشافعي.
وقوله (٢): "وأبان بينه وبين خلقه" غلط في اللغة والعربية لا يخفى دركه على الشادي (٣)؛ فإن العرب لا تقول: أبنت بين فلان وبين فلان، بل تقول: أبنت الشيء عن الشيء، بمعنى القطع. وأبنت الشيء إذا أظهرته، وباينت بين فلان وفلان. ولفظ الشافعي "وأبان من فضله بالمباينة بينه وبين خلقه". وقوله "ليزيده بها قربة إن شاء الله" لا يرجع الاستثناء (٤) فيه إلى نفس القربة، بل إلى جهتها؛ لأنه لا شك في حصول القربة له لما خصه به.
...
стр. 6058
باب ما جاء من الترغيب في النكاح
٧٨٤٠ - والنكاح على الجملة مرغوب فيه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فوعد به الغنى، وكان الحسن بن علي منكاحاً مطلاقاً، فقيل له في ذلك، فقال: إنّ الله وعد الغِنى عليهما، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] فأنا أطلب الغنى بهما (١).
والأخبار في الترغيب فيه كثيرة، قال ﷺ : "تناكحوا، تكثروا". وقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء" (٢) و"من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه، فليتق الله في الثلث الباقي" (٣) فقيل: المراد به أكل الحلال. وقال ﷺ لعَكاف بن وَدَاعَة الهلالي: "أتزوجت؟ " فقال: لا، فقال: "إنك إذاً من إخوان الشياطين، أو من
стр. 6059
رهبان النصارى، فإن كنت من رهبان النصارى، فالحق بهم، وإن كنت منا، فمن سنتنا النكاح" (١).
وقال عمر لأبي الزوائد: "أتزوجت؟ فقال: لا، فقال: لا يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور" (٢).
ولما احتضر معاذ قال: "زوجوني، زوجوني؛ لا ألقى الله عزباً" (٣).
وفي القرآن الثناء على المتعفف القاعد عن النكاح، قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠] وقال في صفة يحيى بن زكريا: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] فسّره بعض أهل اللغة بالذي لا يقدر على إتيان النساء، وفسره الشافعي بالذي لا يأتي النساء مع القدرة؛ لأنه ذكر في سياق المدح والإطراء، ولا يستحق المدح عاجزٌ.
ونظر الشافعي في الأخبار المرغّبة في النكاح، وما يعارضها من الحث على التخلي لعبادة الله تعالى، فسلك طريقاً وسطاً، فقال: من تاقت نفسه إليه، ووجد أهبته، فالمستحب له أن ينكح، ومن لم تتق نفسه إليه، فالأولى أن يتخلى للعبادة. ومن تاقت نفسه إليه ولم يقدر على أهبته، فالأولى له أن لا يتزوج؛ لأنه لو تزوج، لوقع
стр. 6060
في شغل شاغل عن العبادة. ثم يشتغل بما يكسر توقان نفسه وهو الصوم، فقد قال ﷺ : "فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء".
والمعنى فيه أن النكاح ليس من القربات، وتحصيل النسل به مظنون، وفي الحال يشتغل بالمُلهي عن عبادة الله تعالى بتوقع أمر لا يتحقق وجوده، ولو وُجد، فلا يدري أصالح أم طالح؟ والمعتبر ليس [إلا] (١) توقان النفس والحذار من الوقوع في المخازي الموبقات، فإن أمكن ذلك، فليأخذ المرء حذره (٢)، وإن لم يمكن، فالوجه الاعتصام بالله، وكسر قوى النفس بما أمر به رسول الله ﷺ ، فلا معصوم إلا من عصمه الله، وكم من ناكح يفجُر، ومن عَزْبٍ يتقي.
فإن تزوج ولا أهبة له، فقد يجر ذلك خللاً في فى ينه.
٧٨٤١ - وينبغي أن يقصد ذات الدين، فقد قال ﷺ : "عليك بذات الدين تربت يداك" (٣).
ويطلب الحسيبة، لقوله ﷺ : "إياكم وخضراء الدِّمن، قيل: وما خضراء الدمن، قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء" (٤) وقال ﷺ : "تخيروا لنطفكم، لا تضعوها في غير الأكفاء" (٥).