وليس المراد بكونهن أمهات المؤمنين أنه يجوز لهنّ التكشف لهم، كتكشف الأم لأولادها، بل المراد به التشبه بالأمهات في التحريم.
٧٨٣٩ - وبنات رسول الله ﷺ لا يشبهن أخوات المؤمنين؛ لأنه لو كان كذلك، لحرمن كما حرم زوجاته، لكن يقال: هن بنات أمهات المؤمنين. ومن ذلك لا يقال: معاوية خال المؤمنين، بل نقتصر على ما جاء التوقيف به ولا نتعداه.
قال المزني ﵀: "إنّ الله تعالى لما خص به رسوله ﷺ ، وميز بينه وبين خلقه لما فرض عليهم من طاعته، افترض عليه أشياء خففها عن خلقه ليزيده بها إن شاء الله قربة إليه" (١).
والقراءة المشهورة (لِمَا) مخففة مكسورة اللام؛ ليكون بمعنى التعليل.
وفي الكلام خلل من وجوه، ينقدح في بعضها الذب (٢) والتأويل، ولا يتجه في بعضها جواب، فمن وجوه الخلل أنه قال: "إنّ الله تعالى لما خصّ به رسوله من وحيه، وأبان (٣) بينه وبين خلقه بما فرض عليهم من طاعته، افترض عليه أشياء" (٤)، فجعل تخصيصه بما افترض عليه معللاً بما خُص به من الوحي، وفُرِض على الخلق من طاعته، فهذا [كلام] (٥) مضطرب، نبيّن ما فيه من الخلل. قلنا: لفظ الشافعي على ما نقل المعتمدون عنه، قال ﵁: "إن الله تعالى لما خصّ به رسوله فأبان من فضله بالمباينة بينه وبين خلقه، افترض عليهم طاعته" (٦) فجعل افتراض طاعته منوطاً
стр. 6057
برسالته. ثم استأنف فقال: "وافترض عليه أشياء خففها عن خلقه". فإن تكلّف متكلّف وعلّل ما خص به بعلو منصبه [بما] (١) خص به من الوحي وافتراض الطاعة، أمكن تقريب القول فيه، لكن الأوجه ما ذكره الشافعي.
وقوله (٢): "وأبان بينه وبين خلقه" غلط في اللغة والعربية لا يخفى دركه على الشادي (٣)؛ فإن العرب لا تقول: أبنت بين فلان وبين فلان، بل تقول: أبنت الشيء عن الشيء، بمعنى القطع. وأبنت الشيء إذا أظهرته، وباينت بين فلان وفلان. ولفظ الشافعي "وأبان من فضله بالمباينة بينه وبين خلقه". وقوله "ليزيده بها قربة إن شاء الله" لا يرجع الاستثناء (٤) فيه إلى نفس القربة، بل إلى جهتها؛ لأنه لا شك في حصول القربة له لما خصه به.
...
стр. 6058
باب ما جاء من الترغيب في النكاح
٧٨٤٠ - والنكاح على الجملة مرغوب فيه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فوعد به الغنى، وكان الحسن بن علي منكاحاً مطلاقاً، فقيل له في ذلك، فقال: إنّ الله وعد الغِنى عليهما، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] فأنا أطلب الغنى بهما (١).
والأخبار في الترغيب فيه كثيرة، قال ﷺ : "تناكحوا، تكثروا". وقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء" (٢) و"من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه، فليتق الله في الثلث الباقي" (٣) فقيل: المراد به أكل الحلال. وقال ﷺ لعَكاف بن وَدَاعَة الهلالي: "أتزوجت؟ " فقال: لا، فقال: "إنك إذاً من إخوان الشياطين، أو من
стр. 6059
رهبان النصارى، فإن كنت من رهبان النصارى، فالحق بهم، وإن كنت منا، فمن سنتنا النكاح" (١).
وقال عمر لأبي الزوائد: "أتزوجت؟ فقال: لا، فقال: لا يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور" (٢).
ولما احتضر معاذ قال: "زوجوني، زوجوني؛ لا ألقى الله عزباً" (٣).
وفي القرآن الثناء على المتعفف القاعد عن النكاح، قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠] وقال في صفة يحيى بن زكريا: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] فسّره بعض أهل اللغة بالذي لا يقدر على إتيان النساء، وفسره الشافعي بالذي لا يأتي النساء مع القدرة؛ لأنه ذكر في سياق المدح والإطراء، ولا يستحق المدح عاجزٌ.
ونظر الشافعي في الأخبار المرغّبة في النكاح، وما يعارضها من الحث على التخلي لعبادة الله تعالى، فسلك طريقاً وسطاً، فقال: من تاقت نفسه إليه، ووجد أهبته، فالمستحب له أن ينكح، ومن لم تتق نفسه إليه، فالأولى أن يتخلى للعبادة. ومن تاقت نفسه إليه ولم يقدر على أهبته، فالأولى له أن لا يتزوج؛ لأنه لو تزوج، لوقع
стр. 6060
في شغل شاغل عن العبادة. ثم يشتغل بما يكسر توقان نفسه وهو الصوم، فقد قال ﷺ : "فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء".
والمعنى فيه أن النكاح ليس من القربات، وتحصيل النسل به مظنون، وفي الحال يشتغل بالمُلهي عن عبادة الله تعالى بتوقع أمر لا يتحقق وجوده، ولو وُجد، فلا يدري أصالح أم طالح؟ والمعتبر ليس [إلا] (١) توقان النفس والحذار من الوقوع في المخازي الموبقات، فإن أمكن ذلك، فليأخذ المرء حذره (٢)، وإن لم يمكن، فالوجه الاعتصام بالله، وكسر قوى النفس بما أمر به رسول الله ﷺ ، فلا معصوم إلا من عصمه الله، وكم من ناكح يفجُر، ومن عَزْبٍ يتقي.
فإن تزوج ولا أهبة له، فقد يجر ذلك خللاً في فى ينه.
٧٨٤١ - وينبغي أن يقصد ذات الدين، فقد قال ﷺ : "عليك بذات الدين تربت يداك" (٣).
ويطلب الحسيبة، لقوله ﷺ : "إياكم وخضراء الدِّمن، قيل: وما خضراء الدمن، قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء" (٤) وقال ﷺ : "تخيروا لنطفكم، لا تضعوها في غير الأكفاء" (٥).
стр. 6061
ويقصد البكر، لما روي أن جابراً تزوج، فقال له النبي ﷺ : " تزوجت"؟ فقال: نعم. فقال: بكراً أم ثيباً؟ فقال: ثيباً. فقال ﷺ : "فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك؟ "فقال: إنّ أبي قتل، وخلف بنات صغاراً، ولم أرد أن أدخل عليهن خرقاء مثلهن (١).
وصح الندب إلى نكاح الولود، لما روي عن معقل بن يسار أنه قال لرسول الله ﷺ : "إني وجدت امرأة ذات منصب وجمال غير أنها لا تلد، أفأنكحها؟ فقال ﷺ : لا تنكح إلا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم" (٢).
ويستحب ألا ينكح القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاوياً، يعني ضئيلاً محمَّقاً هزيلاً. قال ﷺ : "أغربوا ولا تضووا" (٣).
стр. 6062
فصل
٧٨٤٢ - لا يحل للرجل أن ينظر من الرجل إلى ما هو عورة، ولا يحل مسّ ذلك، ولا الإفضاء إليه من غير حائل.
ويحل أن ينظر إلى غير العورة إذا أمن منه الفتنة.
فأما الأمرد إذا خيف من ترديد النظر إليه الفتنة، فإن كان لشهوة، فهو حرام اتفاقاً، وإن لم يقصد قضاء وطر شهوة. وإن لم يمكن فتنة، فلا بأس، وإن أمكنت فتنة وظهر إمكانها، قال صاحب التقريب: لا يحرم. وقال طوائف: يحرم، لاجتناب الفتنة، ووجه نفيه (١) أن الأمرد الوضيء محل الفتنة، ولا يُمنع من الدخول بين الناس على أحسن بزّة وهيئة، والغالب من الشباب الافتتان، ثم لم يُضرب على المرد الحجاب، فالوجه نفي تحريم النظر، والأمر بالتقوى، وقد روي أن قوماً وفدوا على رسول الله ﷺ وفيهم غلام حسن الوجه، فأجلسه من ورائه، وقال: "إني أخشى على نفسي مثل ما أصاب أخي داود" (٢)، وهذه القصة تستحث على الورع، ولا تقتضي التحريم؛ لأن ذلك الصبي كان بمرأى من الحاضرين الناظرين، ولم ينههم عن النظر.
ويكره تضاجع الرجلين في ثوب واحد، قال ﷺ : "لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوبٍ واحد" (٣) والحديث صحيح أخرجه مسلم.
٧٨٤٣ - فأما نظر المرأة إلى المرأة، فقد ذكرنا أنه يجب على المرأة ستر جميع بدنها
стр. 6063
إلا الوجه والكفين لأجل الصلاة، فجملة بدنها إلا ما استثني لأجل الصلاة بمثابة ما بين سرّة الرجل وركبته. وقيل: لا تنظر المرأة من المرأة إلا ما ينظر الرجل من محارمه.
ولم يَصِر أحد من أصحابنا إلى قصر النظر من المرأة إلى المرأة على الوجه والكفين.
وذهب المحققون إلى أن المرأة من المرأة كالرجل من الرجل في كل قسم، إلا ما يجب ستره في الصلاة؛ فإن ما يجب على الرجل ستره في الصلاة يجب في غير الصلاة، حتى في الخلوة عند طائفة من الأئمة.
وما يجب على الحرة ستره في الصلاة لا يجب عليها ستره في غير الصلاة، إلا ما بين السرة والركبة.
والذّميّة فيما تنظر من المسلمة كالمسلمة، إلا أنه يستحب البعد منها، وقيل: إنها لا تنظر من المسلمة إلا ما ينظره الرجل الأجنبي منها، لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فخصّ نساء المسلمين بذلك.
٧٨٤٤ - أما نظر الرجل إلى المرأة التي تحل له، فجائز إلى جميع بدنها، وما وراء إزارها، وإلى الفرج على المذهب الصحيح، لأنه يباح له الاستمتاع به، وهو زائد على النظر، وأما الخبر (١)، ففيه ضعف، ويُحمل إن صحّ على الكراهية؛ لأن خبر الرسول ﷺ لا يوجد (٢) خلافه. وقيل: يباح النظر إلى ظاهره دون باطنه، ولا معنى فيه، وقد روي أن ابن عمر ﵄ قال لجاريته: "تجردي، وأقبلي وأدبري ولك ألف درهم" (٣).
ولا يحرم نظر الرجل إلى فرج نفسه، لكنه يكره من غير حاجة.
стр. 6064
٧٨٤٥ - وإن كانت المرأة لا تحل له، فإن كانت محرماً له بقرابة، أو رضاع، أو صهر، فله أن ينظر منها إلى ما يظهر عند المهنة، كالساق، والساعد، والعنق، والرأس، والوجه، ولا يحل له ما بين السرة والركبة. وفيما فوق السرة وتحت الركبة وجهان. وفي الثدي في زمن الرضاع طريقان، منهم من ألحقها (١) بمحل الوجهين، ومنهم من ألحقها بما يظهر عند المهنة في هذا الزمان، فما هو عورة من الرجل يجب أن يكون مستوراً [منها] (٢) أبداً، وعليها وراء ذلك رعاية [هيئة، وأخذ ريبة] (٣) وإذا لابست الصلاة، راعينا نهايته، ولا تكلف ذلك في تصرفاتها، فيشق عليها.
أما الأجنبية فلا يحل للأجنبي أن ينظر منها إلى غير الوجه والكفين من غير حاجة.
والنظر إلى الوجه والكفين يحرم عند خوف الفتنة إجماعاً، فإن لم يظهر خوف الفتنة، فالجمهور يردعون التحريم، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قال أكثر المفسرين: الوجه والكفان، لأن المعتبر الإفضاء في الصلاة، ولا يلزمهن ستره، فيلحق بما يظهر من الرجال.
وذهب العراقيون وغيرهم إلى تحريمه من غير حاجة. قال (٤): وهو قوي عندي، مع اتفاق المسلمين على منع النساء من التبرج والسفور وترك التنقب (٥)، ولو جاز النظر إلى وجوههنّ لكُنَّ كالمُرد (٦)، ولأنهنّ حبائل الشيطان، واللائق بمحاسن الشريعة حسم الباب وترك تفصيل الأحوال (٧)، كتحريم الخلوة تعمّ
стр. 6065
الأشخاص، والأحوال إذا لم تكن محرميّة. وهو حسن (١).
والمباح من الكف من البراجم إلى المعصم، ولا يختص بالراحة، وغلط من خصّ التحليل بالراحة دون ظهر الكف، وفي جواز ظهور أخمص قدمي المرأة الحرة وجهان في الصلاة، وقيل: هو في جواز كشفه والنظر إليه في غير الصلاة على الخلاف، والصحيح تحريم النظر إليه. ولا يجري ذلك الخلاف في ظهر القدم أصلاً، بخلاف ظهر الكف. وسئل أبو عبد الله [الخِضْري] (٢) عن الأجنبي ينظر إلى قلامة ظفر المرأة، فأطرق طويلاً، فقالت زوجته -وكانت ابنة أبي علي الشَّنوي (٣) -: لمَ تفكر؟ وقد
стр. 6066
سمعت أبي يقول في جوابها: إن كانت قلامة أظفار اليد، جاز، وإن كانت قلامة أظفار الرجل لم يجز؛ لأن كفها ليس بعورة، بخلاف ظهر القدم، ففرح الخضري، وقال: لو لم أستفد من اتصالي بأهل العلم إلا هذه المسألة، لكانت كافية (١).
وقد قطع الأصحاب بتحريم النظر إلى العضو المبان من الأجنبية، كتحريم النظر إليها ميتة.
ونصّ الشافعي على تحريم النظر إلى شعر الأجنبية إذا وصلته الزوجة بشعرها.
والنظر إلى شعر الأمة من رأسها متصلاً ومنفصلاً جائز، فلو اختلط شعر حرة بشعر أمة ولم يتميز، فلا يليق بدأب (٢) الفقه منع النظر إليه؛ لأن تحريم المناظر يبتني على تميز المنظور من غيره، وكذلك حكم جلده يسقط ويشكل. وهذا مقتضى الرأي
стр. 6067
الكلي، ولأن أئمة الورع كانوا لا يغضون الطرف عن الشعور الملقاة في الطرقات، مع جواز كونه شعر من لا تحل رؤية شعرها لما ذكرناه.
ومن أصحابنا من فرّق بين الحرة والأمة، وجوّز أن ينظر من مملوكة غيره ما ينظر الرجل من محارمه، لما روي أن عمر رأى أمة مقنعة، فعلاها بالدرة، وقال: "يا لكعاء تتشبهين بالحرائر" (١) وهذا قد يتجه بأن حكم العورة في الحرائر أضيق منه في الإماء، ولهذا [افترقا] (٢) فيما يجب ستره في الصلاة، فما لا يجب على الأمة ستره في الصلاة فهو منها بمثابة الوجه من الحرّة، لكنا بينا أن الظاهر أنه لا يحل النظر إلى وجوه الحرائر، وأولى الأعضاء بمنع النظر إليه الوجه، ومملوكته التي لا تحل له كأخته من الرضاع والنسب، والمجوسية والوثنية والمرتدة والمعتدة والمكاتبة والمزوجة كأمة غيره.
٧٨٤٦ - أما نظر المرأة إلى الرجل، فإن كان زوجها أو مالكها، فهو كنظر الزوج والمالك إلى زوجته ومملوكته، وفي فرجه ما قدمناه في فرجها.
وأما نظر الأجنبية إلى الأجنبي، فقيل: هو بمثابة نظر الرجل إلى المرأة، وقيل: لا يحل أن تنظر منه إلا الوجه والكفين، وقيل: إلى ما يظهر منه عند المهنة، وقيل: إلى ما فوق السرة وتحت الركبة، وهو القياس المحقق. وروي أن عبد الله بن أم مكتوم دخل على رسول الله ﷺ وعنده عائشة وحفصة، فقال: لمَ لمْ تحتجبا عنه، فقالتا: إنه أعمى. فقال ﷺ : "أفعمياوان أنتما" (٣).
стр. 6068
٧٨٤٧ - مسائل مفردة: إذا كان للمرأة عبد مملوك، فقد قيل هو محرم لها، لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، وقيل: لا؛ لأن النفوس تتقاضى أربابها بالكف عن المحارم، فصار الإطباق عليه مانعاً من التهم، ولسنا نرى ذلك بين السيدة وعبدها، والآية محمولة على الإماء، وفيه نوع استكراه، واحتماله أهون من خلوة العبد بسيدته، ولا يحمل قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَال﴾ [النور: ٣١] على المخانيث المتشبهين بالنساء، بل حكمهم حكم الرجال.
وحكم العنِّين حكم المقتدر على الوطء. والشيخ الهِمّ بمثابة الشباب.
[وأما] (١) الخصيُّ الممسوح، فالأكثرون [نزَّلوه] (٢) من الأجنبيات بمنزلة الرجل المَحْرَم، وقيل: هو كالفحل؛ لأنه يحل له نكاح التي ينظر إليها، ولو التحق بالمحارم، لسُدَّ عليه بابُ نكاحها. ولو كان [مسلولا] (٣) سليم الذكر أو مجبوباً سليم الأنثيين، فحكمه كالفحول.
وقد حمل بعض أصحابنا قوله تعالى: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١] على الخصي الممسوح، والإربة الحاجة. وقيل: المراد به الأطفال الذين لم يتشوفوا إلى الشهوة
стр. 6069
تشوف نزوان، ويحملون قوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ [النور: ٣١] على التأكيد. وهذا بعيد لا يوافق نظم القرآن.
واختلف في قوله سبحانه: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] فقيل: لم يبلغوا مبلغاً يحكون ما يرون، وتحملهم الدواعي على حكايته. وقيل معناه: لم يتشوفوا على ما فسرناه، والمعتبر هو التشوف في المناظر واعتماد حكاية ما يواريه الإزار، فإذا لم يبلغ هذا المبلغ، فحضوره كغيبته، واعتماد الحكاية تقع قبل سن التمييز، والقول في الصبي المتشوف كالقول في الرجل في وجوب الاحتجاب. وإن لم يبلغ التشوف، نزل منزلة المحارم.
وأما الخنثى، فقيل: هو في نظره إلى المرأة كالرجل، احتياطاً، كما ثبتت أحكامه، ولم يطلق القفال فتواه بالتحريم استدامة لحكمه وحال طفوليته.
قال الإمام: وجه هذا إذا لم تَدْعُ حاجة للنظر، فإن دعت حاجة، أبيح له النظر، فمن الحاجة المبيحة معالجة الطبيب، ويباح له بها المسّ، ومنها تحمّل الشهادة، فقد تفضي إلى النظر إلى ما وراء الإزار، ومطلق الحاجة لا تبيح النظر المحرم، والضرورة المهلكة لا تشترط، فالضابط فيها المرض الذي يبيح الانتقال من الماء إلى التيمم، وقد سبق بيانه.
٧٨٤٨ - وجواز النظر إلى الأجنبية عند خطبتها مقصور على الوجه والكفين واليدين، إذا لم يُخف الفتنة، لعموم الحاجة في بناء النكاح على تمييزه، وبيان عمومها أنه ليس في [الخلق] (١) من يستوي عنده الدمامة والحسن، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الحاقة، وعليه يبنى جواز النظر إلى وجه المرأة عند تحمّل الشهادة عليها دون غيره.
فأما ما يحرم النظر إليه لغير خوف الفتنة كالعورة، فهو حجاب شرعي متاصل، فإزالته في حكم رفع الحجاب بين الرجل والمرأة، فيراعى فيه الحاجة التي ضبطناها، ولا يبعد أن يشترط بعد الوجه والكف مزيد حاجة في عضو دون عضو، ولهذا أبحنا
стр. 6070
للمحارم النظر إلى ما يظهر في حالة المهنة، ولم نجوز للمحرمية النظر إلى ما تحت الإزار، وردّدنا القول فيما بينهما (١)، ولم تقتض المحرمية إباحة النظر إلى ما تحت الإزار لمزيد تغليظ من الشرع في ستره، ولذلك سوّي في منعه بين الذكر والأنثى. فما جاز الانتقال فيه إلى التراب (٢) قطعاً يكون مُسلِّطاً على الكشف، وما اختلف القول فيه في جواز الانتقال هناك يسلط على الكشف هاهنا قولاً واحداً؛ لأن الانتقال إلى التراب من الأحوال النادرة، والحاجة إلى الكشف مما يعم بسبب الأمراض، فلا يرتب ما تعم حاجته وإن خف على ما تندر حاجته.
والأصل في حل النظر إلى من يريد نكاحها قوله ﷺ "من أراد أن ينكح امرأة فلينظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينهما" (٣) وقال ﷺ : "إذا أراد أحدكم أن يتزوج بامرأة فلينظر إليها، فإن في أعين الأنصار سوءاً" وروي "شيئاً" (٤).
وهذا النظر مستحب لندب الرسول ﷺ إليه، وقيل: هو مباح، وصيغة الأمر قد تحمل على الإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، والنظر مباح وإن خيفت الفتنة، فاستحباب التعرض إلى الفتنة بعيد عن قاعدة الشريعة.
ولا يحل النظر إلى ما سوى الوجه والكفين؛ فإن قصد التزوج، لم يحرم عليه النظر -وإن خاف الفتنة- إلى الوجه والكفين للخبر.
стр. 6071
وينبغي أن يقدم النظر على الخطبة؛ لأنه إذا قدم الخطبة، ثم نظر، فقد لا تقع بغرضه، فَتَرْكُ الخطبة يؤدي إلى الإيحاش.
ولا يفتقر (١) إلى إذن المرأة، بل له أن يتغفّلها فينظرها، لأن استئذانها بمثابة تقديم الخطبة. ولو أمر امرأة تنظر إلى مجردها، فلا بأس، فقد روي أن رسول الله ﷺ أراد أن يتزوج امرأة، فبعث إليها أم عطية وقال لها: "شمي معاطفها، وانظري إلى عرقوبها" (٢).
...
стр. 6072
باب ما على الأولياء وإنكاح الأب البكرَ بغير إذنها
٧٨٤٩ - إذا دعت الحرة البالغة العاقلة وليّها إلى تزويجها من كفء، وجبت عليه إجابتها، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قال الشافعي: هذه [أبين آية] (١) في كتاب الله تعالى [دلالة] (٢) على أنه ليس للمرأة أن تتزوج دون الولي؛ لأنها لو تمكنت من تزويجها نفسها، لما كان لمنع الولي وعضله معنى.
ولا تصلح عبارتها بعقد النكاح مطلقاً، فلا تزوج نفسها، ولا غيرها بولاية، ولا ملك، ولا نيابة، لا موجبة، ولا قابلة.
وقال أبو حنيفة (٣): تلي عقد النكاح بنفسها، فإن تزوجت مَن لا يكافئها، اعترض الولي على عقدها.
وقال أبو يوسف ومحمد (٤): إذا زوجت نفسها، انعقد موقوفاً على إجازة الولي، وإن زوّجها الولي انعقد موقوفاً على إجازتها.
وقال داود (٥): الثيب تزوج نفسها، والبكر لا تزوج نفسها.
وقال مالك (٦): الوضيعة تزوج نفسها، والشريفة لا تزوج نفسها.
стр. 6073
٧٨٥٠ - وإذا أقرّت المرأة بالزوجية، فإن قالت: زوجت نفسي، فإقرارها مردود؛ لأنها لا يصح إنشاؤها له، ولو قالت: زوجني وليّي، قبل في الجديد، ويردّ في القديم، إلا أن تكون مع الزوج في بلد غربة، فيحكم به؛ لأنه يعسر استصحاب الولي في أسفارهما، فلو عادا إلى الوطن، لم يتبع ذلك الإقرار بالنقض. وقال شيخه (١): لا حكم له؛ تفريعاً على القديم، وزعم أن إقرارها في الغربة غير مقبول ولا يفرّق بينهما، للضرورة التي أشرنا إليها. قال (٢): وإن اتجه هذا في القياس، فهو بعيد من المذهب. ولا شك أنه لا ينقض القضاء المتصل به.
وإن فرعنا على الجديد، فأقرت بالنكاح مطلقاً، انبنى على سماع دعواها بمطلق النكاح، فإن لم تصح دعواها المطلقة، لم يصح إقرارها المطلق.
وإن قالت: زوجني وليي، فإن كان غائباً، لم نتوقف على حضوره، بل تسلم إلى المقرّ له، وإن كان الولي حاضراً، فالوجه مراجعته، فإن صدّقها، فهو المراد، وإن كذبها، لم يقبل القفال إقرارها؛ لأنها مقرة على الولي. وقيل: يقبل إقرارها؛ لأنها أثبتت حقاً عليها لزوجها، فهي كالمقرة بالرّق لغيرها.
وإن قلنا: تكذيب الولي يبطل إقرارها، فجرى في غيبته، سلمت إلى الزوج، فإذا عاد الولي، فكذبها، فيخرج إلى أنّا إذا قبلنا إقرارها في الغربة، ثم عادت إلى الوطن، هل يستدام ذلك القبول؟ وإن قلنا: نقبل إقرارها على الإطلاق، فقال الولي: "لا ولي لك غيري، وما زوّجتك"، فهو على الخلاف الذي ذكرناه، والأظهر أنه لا يؤثر تكذيبه.
٧٨٥١ - أما الولي إذا أقر بتزويجها، فإن لم يملك إجبارها، لم نقبل إقراره عليها؛ لأن رضاها شرط يجب اعتباره.
وإن كان مجبراً لها، فإن أقر في حالة يملك إنشاء العقد عليها، قُبل إقراره؛ لأن ملك الإقرار يتبع ملك الإنشاء نفياً وإثباتاً، وإن كان قد زال عنها الإجبار، فزعم أنه
стр. 6074
زوجها حال بكارتها، فإقراره مردود، وإن أضافه إلى حالة يملك إجبارها؛ لأن الاعتبار بحالة الإقرار.
فإن وكّل الولي المرأةَ أن توكّل رجلاً في تزويجها، فإن قال: وكّلي عن نفسك، لم يصح. وإن قال: وكّلي عنّي، فوجهان مبنيان على أن وكيل الوكيل وكيله، أو وكيل الموكِّل.
٧٨٥٢ - فإذا زوجت المرأة نفسها، ودخل بها الزوج، فهو وطء شبهة، يوجب المهر دون الحد، لقوله ﷺ : "فإن أصابها، فلها المهر بما استحل من فرجها" (١).
وقال الصَّيْرَفي (٢): يجب الحد، لقوله ﷺ : "الزانية من أنكحت نفسها" (٣). قلت (٤): الصيرفي شرط أن يكون الزوج شافعياً يعتقد تحريمه، ولا يحدّ الذي يعتقد حلّه. قال (٥): والمذهب الأول، والحديث يتأول على أنها إذا تزوجت
стр. 6075
واستقلّت به، فقد فعلت فعل الزانية، وقد جاء مثل هذا في قوله ﷺ : "العينان تزنيان".
ولو حكم بصحته حاكم، لم ينقض حكمه إذا وقع البناء؛ لأنه مجتهد فيه.
وقيل: ينقض، لمخالفته النص الذي لا يقبل التأويل. قلت: وذلك النص مفقود في هذه المسألة، والحديث الذي يرويه فيه عليه وجوه من التأويل كثيرة.
فرع:
٧٨٥٣ - ولا يملك الوصي التزويج؛ لأنه لا يلحقه عار الدناءة؛ فلم يفوّض إليه العقد الذي هو بسبب رعاية الكفاءة، ولا فرق بين أن يصرّح له الموصي بالتزويج، وبين أن يفوّض إليه القيام بمصالح الطفلة، وقصد [بذكره] (١) الرد على مالك، فإنه يجيز للوصي أن يزوجها (٢).
فصل
٧٨٥٤ - الولي الكامل الشفقة هو الأب والجد، ويملكان إجبار البكر على النكاح في الحالة التي تجبر فيها الأبكار، وشرطه البكارة، ومعتمده قوله ﵇: "الثيب أحق بنفسها من وليها" (٣) ومفهومه أن الولي أحق بالبكر من نفسها، وسواء في ذلك الصغيرة والبالغ. والثيب لا تجبر؛ فإن كانت بالغة عاقلة لا تزوج إلا بإذنها، ولو كانت صغيرة، لم تزوج حتى تبلغ وتأذن.
وإن كانت مجنونة صغيرة، فوجهان: أحدهما - لا تزوج حتى تبلغ، كالعاقلة، لعدم حاجتها. والثاني - تزوج، كالمجنونة البالغة، ولأن الجنون ليس له وقت معلوم يُرتقب زواله فيه، بخلاف الصغر؛ ولأنّ الجنون مع الصغر أبلغ في إبطال معنى الاستقلال من البكارة؛ فكان أولى بالتجويز.
стр. 6076
فاما المجنونة البالغة، فإن بلغت مجنونة، لم تزُل ولاية الإجبار عنها، ولأن مع البلوغ والشهوة تمس الحاجة إلى النكاح، وهو من أسباب زوال الجنون، كما، أنّ العُزْبة من أسباب الجنون.
وإن بلغت عاقلة، ثم جنّت، انبنى على ولاية مالها، وفيه قولان: أحدهما - للأب والجد، كما قبل البلوغ. والثاني - للسلطان؛ لأنها ببلوغها عاقلة رشيدة زالت ولاية الأب، فلا تعود بالجنون. فإن قلنا: ولي مالها الأب، فهو ولي نكاحها كالصغيرة. وإن قلنا: السلطان ينظر في مالها، فالقول في تزويجه مع وجود الأب كالقول في تزويج البالغ المجنونة مع الأخ.
٧٨٥٥ - وكما يزوج الأبُ البكرَ الصغيرة يزوج ابنه الصغير، ولا تعتبر البكارة والثيوبة هاهنا، وإن اعتبرت في باب الإحصان في الزنا في الذكور، والمعتبر في تزويج الابن بالصغر والجنون العقلُ والبلوغ، فيزوّج الأب ابنه الصغير العاقل، فإذا بلغ عاقلاً، لم يجبره، فإن كان رشيداً، استقل بالعقد، وإن كان مبذراً، فقد ذُكر في الحجر، وسنعيد منه شيئاً، إن شاء الله .
وإن كان الابن البالغ مجنوناً، نظر، فإن بلغ مجنوناً، زوجه الأب ناظراً (١)، وإن بلغ عاقلاً ثم جن، فعلى الخلاف في الثيب إذ بلغت عاقلة ثم جنت.
وإن كان المجنون صغيراً، فظاهر المذهب أن الأب لا يزوجه، بخلاف الثيب الصغيرة المجنونة؛ لأنه يستفيد به القيامَ بمؤنتها، والابن الصغير يكلّف المؤنة. وقيل في الابن والثيّب الصغيرين المجنونين أوجه: أحدها - يزوجان. والثاني - لا يزوجان. والثالث - تزوج البنت، دون الابن.
والبكارة عبارة عن جلدة العُذْرة، فإن زالت بجماع حلال أو حرام، أو وطء شبهة، صارت ثيباً، ولو زالت بقفزة أو وثبة، أو بأصبع، أو بطول التعنيس والتعزب، ففيها وجهان: أحدهما - أنها ثيب؛ لزوال البكارة. والثاني - أنها بكر؛ لأن البكارة عبارة عن عدم الممارسة واختبار الرجال، وذلك لم يحصل.
стр. 6077
وتردد الشيخ أبو محمد في دخولهن في وصية الأبكار والثُيَّب (١). وقال الشيخ أبو علي: لا يدخلن فيهما؛ لأنهن لم يجامَعْن، ولا معهن جلدة العذرة.
وقال صاحب التلخيص: يُقْسم (٢) لهنّ حق العقد قسمة الأبكار وجهاً واحداً؛ لأن الغرض إيناسهن عن نفار الأبكار (٣). وقال الشيخ أبو علي: هي على وجهين.
٧٨٥٦ - فأما الولي النسيب الذي لا يوصف بكمال الشفقة، وهم العصبة المدلون بالأب والجد، فليس لهم ولاية الإجبار؛ لعدم كمال الشفقة فيهم، فلا [يزوّجون] (٤) صغيرة ولا كبيرة -وإن كانت بكراً- بإجبار، لكن يزوجونها والثيبَ العاقلة البالغة برضاهما وإذنهما، وفي إذن هذه البكر وجهان: أحدهما - أن إذنها بالسكوت، لقوله ﷺ : "وإذنها صماتها". والثاني - يعتبر صريح نطقها. قال: وهو القياس البيّن، ويُحمل الحديث على البكر التي يجبرها أبوها أو جدها، فإنه يكتفى بصماتها إذا استؤمرت. قلت: وفي نفس المسألة نصّ، وهو قوله ﷺ : "لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن، فإن سكتن، فهو إذنهن" (٥) فلا يمكن
стр. 6078
تأويله بذلك، لأن اليتيمة لا تزوج حتى تبلغ.
٧٨٥٧ - وإذا أجبرها الأب على نكاح الكفء، كان له ذلك، وإن سخطته، ولو دعت الأب إلى تزويجها، فظاهر المذهب أنه تلزمه إجابتها إذا كان كفؤاً، واحتج به أصحاب أبي حنيفة (١) فقالوا: لو ملك الأب إجبارها، لما ملكت هي إجباره. والعذر عنه أنه أقيم لقضاء حاجتها، فإذا أعربت عنها، لزمه تحصيلها لها، كالطفل إذا طلب الطعام من وليه، يجب عليه إجابته، مع قصوره وعدم عبارته، فهذا أولى. وقيل بأن البكر مسلوبة العبارة في النكاح أصلاً. قال: وهذا غلط، نعم، لو عيّنت شخصاً، وأراد الأب تزويجها من غيره، قيل: لا يجوز، وقياس المذهب جوازه إذا كان كفؤاً؛ لأنه لا خِيَرة لها في العقد، فكذا في التعيين، والأول مزيّف.
٧٨٥٨ - وأما المزوِّج بغير القرابة، فهم ثلاثة: أحدهم - من له ولاء، فحكمه حكم القريب الناقص الشفقة، كالأخ والعم. والثاني - المالك يزوج أمته جبراً، ثيباً كانت أو بكراً، مميزة أو بالغة، مجنونة أو عاقلة. والثالث - السلطان ولا يزوج على مذهب الشافعي صغيرة؛ لأن ولايته متأخرة عن ولاية عصبات النسب، وهم لا يملكون تزويج الصغيرة.
والمواضع التي يزوج فيها السلطان خمسة: أحدها - إذا عضل الولي المناسب (٢)، أو من له ولاء إذا دعت إلى كفء فامتنعا، زوجها السلطان. والموضع الثاني - إذا غاب الأخ، وحضر العم، زوّجها السلطان. والثالث - ألا يكون لها ولي ولا مولى، فالسلطان ولي من لا ولي له. والرابع - أن يريد الولي أن يتزوج مولاته، وليس له مشارك في الولاية، فيزوجه السلطان. الخامس - تزويج المجنونة البالغة إذا كان النظر في تزويجها، ولا أب لها ولا جد، ففي أحد الوجهين تزويجها إلى السلطان؛ لأنه هو الناظر العام، وليس لها قريب كامل الشفقة، ولأن السلطان يلي مالها في هذه
стр. 6079
الحالة، فإذا مسّت حاجتها إليه (١)، زوّجها، بخلاف الصغيرة؛ فإنه لا حاجة بها، فتؤخر إلى حين بلوغها واستئذانها. والوجه الثاني - يزوج المجنونة البالغة عصباتها؛ لأن القريب النسيب أولى من السلطان؛ لأن مرتبة الولاية تقتضيه؛ فعلى هذا يراجِع السلطانَ، فإذا أذن له، زوّجها؛ فيقوم السلطان مقامها في الإذن عند عجزها عنه، ولأن عصبتها لا يستبد بتزويجها؛ لقصور شفقته، فإن امتنع العصبة، زوّجها السلطان، كما لو عضل.
وإن قلنا: يزوجها السلطان، استحب له مراجعة العصبة ذوي الآراء، وقيل: يجب؛ لأنهم أخبر [ببواطن] (٢) الأحوال، وهو ضعيف. فإن تستّر (٣) العصبة، استبد به السلطان.
ولا تقف معرفة حاجة المجنونة على قولها؛ لأنه لا حكم له، بل تُعرف حاجتها بمخايل لا تخفى، فإن لم تظهر مخيلة حاجتها، ورأى أهل الرأي تزويجها، زُوّجت.
وإن لم يرَ الأطباء تزويجها، ولا ظهرت مخيلة حاجتها، ورأى السلطان أو النسيب تزويجها لكفاية نفقتها ومؤونتها، فأصح الوجهين أنها لا تزوج؛ لأنه يكون إجباراً على النكاح، ولا يملكه غير الأب والجد. والسلطان قال: يثبت له حق الإجبار في المجنونة البالغة. قلت: ولا يصح تسمية تزويجها إجباراً؛ لأن الإجبار لمن يكون له اختيار.
قال: وإذا عُدِم الولي الخاص، زوج السلطان بحق الولاية، لقوله ﷺ "السلطان وليّ من لا وليَّ له" فأما إذا زوج عند عضل الولي، فهو نائب عنه، لا بحكم الولاية؛ لأنه لو كان بولاية، لوجب إذا عضلها الأخ ولها عم ألا يزوجها السلطان إلا بإذن العم، والأمر بخلافه؛ فإن الولاية تقتضي تقديم العم على السلطان. وقيل: يزوجها بحكم الولاية؛ لأنه لا يجوز لغيره التزويج هاهنا.
стр. 6080
والأولى أن يقال: تزويجه عند العضل نيابة قهرية أنتجتها الولاية [لاقتضاء] (١) الحق من الممتنع قهراً، لكن يبعد أن يقال: التزويج حق للمرأة على الولي، فيُشكل عند هذا تحقيق النيابة، وللولي معنى الولاية.
وقد أطلق الأصحاب معصية العاضل، قال: وليس كذلك؛ لأن تزويج السلطان إذا أمكن، فلا يتضح كون التزويج حقاً على الولي، إلا ألاّ يكون سلطان؛ فإنه يجب على الولي تزويجها، فإذا امتنع عصى. أما مع وجود السلطان، فلا. وعلى هذا التردد يخرج تزويج السلطان في غيبة الولي، وكذا تزويجه المرأة من وليها، وكذلك تزويجه المجنونة، وضابط محل التردد تزويجه مع قيام الولي الخاص، وعند عدمه تحقق (٢) الولاية المحضة.
٧٨٥٩ - والولايةُ الحقيقية تقتضي أحكاماً على المَوْلِيِّ عليه، واستبداداً بالتصرف للنظر، فإن لم يكن المتصرَّف له أهلاً (٣)، لصغر أو زوال عقل، فعليه نهاية الولاية، وإن كان أهلاً (٤)، وامتنع من عليه الحق، استقلّ السلطان باقتضاء الحق قهراً، وإن انقطع نظرُ الأهل لغيبة، فهذا محل تصرف السلطان.
والولي الخاص يتصرّف في المال والبدن، أما في المال، فلا يثبت إلا للأب، أو أبيه، عند فقد الأب - في مال الصغير، والمجنون، والسفيه، قهراً واستبداداً.
وإذا غاب المستقلّ بالتصرف في ماله، وخيف عليه، لم يتصرف في حفظه إلا السلطان، ولو خلت البلدة عن سلطان، فليس للأب أن يتصرف فيه، ولو خيف ضياعه (٥).
أما التصرف في البدن، فمنه الحضانة، ومنه التزويج، فما يَجْبرُ فيه الولي، فلا
стр. 6081
يثبت إلا لأب أو جد، ولا يثبت إلا مع البكارة، والثيابة مع جنون، ولا يثبت لغيرهما من العصبة تزويج قهري، وكذا المال، لا تثبت ولايته لعصبةٍ غيرهما؛ لأنها ولايةٌ قهرية، فلا تثبت إلا لمن كملت شفقته؛ لأن طلب النظر مع العدالة لا يحصل إلا بكمال الشفقة الباعثة عليه.
وهل يسمى الأخ ولياً لأخته الصغيرة؟ قيل: لا؛ لأنه لا يملك تزويجها، وقيل: نعم؛ لأنه يملكه عند بلوغها، والبلوغ لا يؤثر في إثبات الولاية. قال: ولا حقيقة لهذا الاختلاف؛ لأن تزويج من لا يَجْبُر ليس على قياس الولايات، لما قدمناه، والسلطان يلي المال حق الولاية عند عدم الأب والجد.
قلتُ: ويفتقر إلى ذكر عدم الولي أيضاً؛ لأنه قائم مقامه (١)، وكان القياس يقتضي أن يزوج الصغيرة، كما يلي مالها، كما في المجنونة، إلا أنّ [ولاية النكاح تباين] (٢) ولاية المال في قاعدتها، ولا تساويها نفياً وإثباتاً؛ فإن الأب يلي مال البنت الصغيرة، وإن كان لا يزوّجها، ويجبر البكر البالغة، ولا يلي مالها، وسرّه أنّ ولاية التزويج تخرج بعض الخروج عن قاعدة النظر؛ لأن مبناها على الإعفاف، وذلك يتعلق بالجبلات، ويقتضي ألا تزوج غيرُ بالغة، فلو زُوجت صغيرة ربما تبقى دهرها في رقّ النكاح، مع كراهتها لبعلها، فلا يدخل (٣) تحت الولاية، كالطلاق. والمالُ لا يمكن تأخيره؛ فيضيع، ولذلك الوصي يتصرف في المال، ولا يتصرف في البضع، والسلطان يلي مال الصغيرة، ولا يملك تزويجها.
فصل
٧٨٦٠ - روى الشافعي عن الحسن عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لانكاح إلا بولي وشاهدي عدل" لكنه مرسل، والشافعي يستحسن مراسيل الحسن، قال المزني: رواه غير الشافعي عن الحسن عن عمران بن الحصين مسنداً
стр. 6082
مرفوعاً (١). وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل" (٢).
قال الأئمة: خالف أبو حنيفة الخبر من أربعة أوجه: أنه جوز النكاح بلا ولي، ولم يشترط عدالة الولي (٣)، وقد اشترطها في الخبر؛ فإن المرشد بمعنى الرشيد، كالمسمع بمعنى السميع. وأجاز النكاح بحضور فاسقين (٤). وفي الخبر اشتراط حضور الذكور وأبو حنيفة يجيزه برجل وامرأتين (٥).
فنقول: كل صفة تسلب العبارة، وتسقط حكمها، فهي منافية للولاية، كالصبا والجنون، وكل محجور عليه لحقه، فليس بولي، والرق ينافي الولاية إجماعاً، أما المحجور عليه للفلس، فولايته ثابتة؛ لأن حجره ليس لحقه، بل لحق الغرماء مع صفات الكمال، وقد حجر رسول الله ﷺ على معاذ بن جبل وباع عليه ماله (٦).
وأما السفيه، فلا يلي؛ لأن الحجر عليه يطول لقصوره، ومن لا ينظر لنفسه كيف ينظر لغيره؟ قلت: وللعراقيين وجه في تولِّيه؛ لأن الحجر عليه في المال لخوف إضاعته، وقد أُمن ذلك في تزويج ابنته.
ولا يزوج مسلم كافرة بالولاية الخاصة، كما لا يزوج كافر مسلمة. والكافر
стр. 6083
يزوج ابنته الكافرة إذا كان عدلاً في دينه، قال الشافعي: "ولي الكافرة كافر".
وقيل: لا يزوجها. وقيل: هو كالفاسق.
ومن استولت عليه الغفلة والذهول، أو كان به ألم يلهيه عن النظر، فلا يلي.
وإذا دعت المرأة إلى التزويج مع قيام الصفات المانعة، تولى السلطان تزويجها، كما لو غاب أو عضل.
٧٨٦١ - وإذا اتصف الولي بالفسق، فظاهر نصوص الشافعي في القديم والجديد أن الفاسق يلي عقد النكاح. وقال أيضاًً: لا ولاية للسفيه، واختار القفال كونَه ولياً.
والمعنيّ بالسفيه المخبَّل المحجور عليه لعدم رشده، وقيل: فيه قولان.
وقيل: شارب الخمر لا يزوِّج؛ لأن السكر والنشوة تغلبه على رأيه، فلا تعويل على نظره، وإن كان فسقه بغير الشرب، فإنه يلي، وقيل: إن كان نسبه يقتضي له ولاية الإجبار على النكاح، لم ينافه الفسق، وإن كان لا يُثبت له ولاية الإجبار، نافاه الفسق؛ لأنه إذا قوي سبب الولاية بعُد زوالها، فالأبوّة والجدودة لهما قوة؛ لكمال الشفقة فيهما، فلا يغالبهما الفسق، وإذا ضعف السبب، قرب زوال أثره.
وقيل بعكس هذا: إن الفسق ينافي ولاية الإجبار، ولا ينافي ولاية الاستئذان؛ لأن الخوف من نظر الفاسق يُؤْمَن بمراجعتها.
ولو زوجها العدل بغير كُفْءٍ برضاها، لم تعترض على عقده، وقيل: إن الأب إذا فسق، لا يجبر البكر، وإذا استأمرها، فالقياس يقتضي أن ينعقد نكاحه، فالفسق يسلب الإجبار، لا أصل الولاية.
وقال شيخه: السفه الذي يقتضي اطّراد الحجر، أو ابتداءه ينافي الولايةَ، أما إذا بلغ رشيداً، وعاد سفيهاً، فقد قيل: يعود الحجر من غير حجر حاكمٍ عليه؛ فيخرج عن الولاية. ومن قال: لا يعود الحجر عليه، لا يراه ولياً ناظراً لغيره مع جهله. ومن بلغ فاسقاً لا ولاية له، أمّا الفسق الطارىء بعد البلوغ، فالمذهب أنه لا يعيد حجراً، فإذا لم يُعدّ صاحبه قاصر النظر مضطرب الرأي، فالوجه القطع بكونه ولياً، مجْبِراً كان أو غير مجْبِر؛ لقيام سبب الولاية، ووجود الشفقة، وتمام النظر، وفسقه جناية على
стр. 6084
نفسه، ولهذا كان ناظراً لنفسه، لكن يُلزَم (١) عليه الشهادة، فمن الفسقة من لا يكذب، وإن أشفى على الحتوف، ويؤثر الصدق تحت ظلال السيوف، وهو مردود الشهادة! ويجوز الانفصال (٢) عن هذا بأن العدالة شرط قبول الشهادة كالحريّة، فالعبد وإن كان صادق اللهجة - مردودُ الشهادة، والتعبد غالب على أحكام الشهادات، ولذلك اعتبر فيها عدد مخصوص، ومجلسُ القضاء، وتقدُّم الدعوى. ومطلوب الولاية الشفقةُ، وهي منه محققة، ويعضدها أن الأولين لم يعترضوا على أنكحة الفسقة، ولا يرون قبول شهادتهم.
قال المحققون: ولاية المال تنزل منزلة ولاية النكاح، وهذا هو الذي لا يتضح غيره.
وإن قلنا: الفاسق يلي تزويج موليته، تولَّى تزويج أمته، وإن قلنا: لا يزوج مَوْليِّته، ففي أمته وجهان: أصحهما - أنه يزوجها. وإذا قلنا: الفسق ينافي الولاية، فوكّل الولي فاسقاً في قبول النكاح، فالطريقة المعتمدة جوازه، كما يجوز أن يقبل النكاح لنفسه، فأما توكيله في التزويج، ففيه وجهان: أحدهما - أن الفسق ينافي التزويج بالوكالة كما ينافي بالولاية، والثاني - يجوز؛ لأن عبارته صحيحة، وهو غير مستقل، ونظر الولي يعضده، والأول يقول: الفسق يمنع تقليد القضاء وإن عضده نظر الإمام. قال: وهذا لا يشبه الوكالة، لأن نظر القاضي ينتشر وتعسر مراقبته في التفصيل، بخلاف الوكيل.
٧٨٦٢ - ويجوز للخاطب أن يوكّل عبد نفسه في قبول النكاح له وفاقاً، وكذا لو وكل عبد غيره بإذنه، ولو وكّله بغير إذن سيده، فالجمهور أن النكاح ينعقد؛ لأنه لا يفوت [بكلمة] (٣) القبول على مولاه شيء من منافعه، ولا عهدة عليه فيها كتسبيحةٍ منه، وقيل: لا يصح، وهو ساقط لا يعتد به.
стр. 6085
ولو وكل الولي عبداً يزوج عنه، فوجهان مرتبان على الوجهين في توكيل الفاسق، والعبد أولى ألا يكون وكيلاً؛ لأنه مُجْمَعٌ على أنه لا يكون ولياً، وفي الفاسق الخلاف.
وفي كون الأعمى ولياً وجهان، وجهُ المنع قصور نظره. قال شيخه: لا خلاف في أنه يتزوج (١)، وفي شرائه قولان، وسببه أنّ في الرؤية أثراً في شراء الأعيان يمنع الصحة على قول، ويمنع اللزوم على قول، ولا أثر لها في النكاح بحال.
وفي فسق الوالي العام خلاف يترتب على أنه هل ينعزل بالفسق؟ فإن قلنا: ينعزل، فإذا فسق، انقطع تصرفه، وإن قلنا: لا ينعزل، فقد قيل: ينفذ تصرفه، وهو طرد القياس، وقيل: لا ينفذ إذا كان يتوقع إضراراً، وتكون حاله في الفسق كحاله لو أحرم بحج أو عمرة، فلا يخرج عن كونه ولياً، وإن امتنع عليه التزويج.
فصل
٧٨٦٣ - لا ينعقد النكاح إلا بحضور شاهدين، لقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، ولأنه عقد خطير يترتب عليه مقاصد يحتاط لها؛ فوجب صيانته عن التجاحد.
ولا ينعقد بحضور عبدين، وإن كانا من أهل الشهادة، لأنه لا ينعقد بشهادتهما.
قلت: قوله "وإن كانا من أهل الشهادة" بعيد من أصلنا؛ فإن العبد عندنا ليس أهلاً للشهادة، ولهذا قال: لأنه لا يثبت بشهادتهما.
وكذا حكم المراهقين.
ولا ينعقد بحضور فاسقَيْن خلافاً لأبي حنيفة. وظاهر النص أنه ينعقد بحضور مستورين في أمر العدالة، ويتسلّط به الزوج على استباحتها، فلو بان أنهما فاسقان حالة العقد، ففيه قولان يبتنيان على ما إذا حكم بشهادة اثنين ظاهرهما العدالة، ثم بان
стр. 6086
أنهما كانا فاسقين حالة الحكم، ففي نقض الحكم قولان. ولم يسمح المراوزة بذكر خلاف في انعقاد النكاح بمستورَيْن وتسلط الزوج به.
قال: والقياس الجلي أن ما يؤثِّر الفسق في إبطاله، فالجهل بالعدالة يوجب التوقف فيه، ومساق هذا ألاّ يتسلط به، حتى يتبين أمرهما، والممكن في تعليل التسليط أن الاكتفاء بهما يليق بحال العقد؛ لأنه يقع غالباً في مواضع يقل فيها المعروف العدالة، والبحث عنها يؤدي إلى طول الأمر، وترك الخِطبة، ولا حاجة ترهق إلى البينة في الحال، بخلاف حالة الحكم.
وكان شيخه يردد القول في مستوري الحال في الحريّة، فيجتمع من هذا ثلاثة أوجه: أحدها - أنه لا يتسلط ما لم تظهر الحرية والعدالة. والثاني - يتسلط. والثالث - الفرق بين العدالة والحرية.
٧٨٦٤ - ولا ينعقد عندنا نكاح مسلم على كافرة بحضور ذميين، خلافاً لأبي حنيفة (١).
وفي انعقاد النكاح بحضور أعميين وجهان: أحدهما - ينعقد، لعموم قوله ﷺ : "وشاهدي عدل" وهما شاهدا عدل. والثاني - لا ينعقد؛ لأنه لا يمكن إثباته بشهادتهما. قال: وأرى القطع بهذا؛ لأن الاكتفاء بهما يبطل مقصود شرط الشهادة في النكاح.
ولو حضر ابنا الزوجين، أو ابن له وابن لها (٢)، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها - أنه ينعقد بهما. قال: وهذا يضاهي انعقاده بحضور أعميين. قلت: إن هذا الوجه يضاهي حضور الأعميين، فكيف يضاهي القولُ الجزمُ ما فيه خلاف؟ وإن أراد أنّ أصل الصورة تضاهيه، فحضور الأعميين على ثلاثة أوجه، فلا تتحقق المضاهاة.
ثم زيّف الوجه وقال: هو في نهاية الركاكة. قلت: وليس لفظ الركاكة مما
стр. 6087
يستعمل في الجواز والمنع والصحة والإبطال، وعلة التزييف أنهما إن كانا ابنيهما، لم ينفكا أن يشهدا لأحد أبويهما (١) وإن كان ابن له وابن لها، لم يمكن إثبات النكاح بشهادتهما بحال (٢).
قال: ولا مساغ لهذا الوجه إلا أن يسلك به مسلك أبي حنيفة وأصحابه في حمل شرط الشهادة على طرفٍ من التعبد، وله وجه؛ لأن النكاح هو المحتاط له، ولا يشترط له الإشهاد على رضا المرأة وإذنها، ولو جحدت، لم يثبت إلا بالشهادة على إذنها، فيشكل حمل الشهادة على الاحتياط، وإنما لم نكتف بحضور فاسقين؛ لأن ما لا يُعقل يتبع فيه مورد النص، وقد قال ﷺ : "وشاهدي عدل" والفاسق ليس بشاهد، وإن سمي به مجازاً، فليس بعدل.
ولا يُكْتفى بحضور الأصم؛ لأن حضوره كغيبته.
والوجه الثاني - أنه لا ينعقد بحضور ابنيهما وابن له وابن لها، لما ذكره في تزييف الوجه الأول.
والثالث - أنه [لا] (٣) ينعقد بحضور ابنيهما، أو ابن له وابن لها؛ لأنه لا يتوقع إثباته بشهادتهما (٤)، وينعقد بشهادة ابني أحدهما؛ لأنه يتعلق به إثباته إذا جحده [أحدهما] (٥) فشهدا عليه (٦).
стр. 6088
ولو حضر ابنان له، وابنان لها، انعقد النكاح قولاً واحداً؛ لأنه يمكن إثباته من الجانبين.
وهكذا لو حضره عدوّان لهما، أو عدو له وعدو لها، أو عدوان لأحدهما على أقسام البنين (١).
ولا ينعقد ولا يثبت برجل وامرأتين.
فرع:
٧٨٦٥ - إذا قال الشاهدان بعد العقد: كنّا فاسقَيْن حالة العقد، أو تعمدنا الكذب، لم يُنْقَض القضاء، وإنما القولان إذا قامت به البينة.
ولم يذكر في حكم الستر شيئاً. وعندي [أنه] (٢) إن لم يعلم الزوجان بفسقهما حالة العقد، لم يزُل حكم الستر، فأما إذا تصادق الزوجان على أن الحاضرَيْن كانا فاسقَيْن حالة العقد، وعلما بذلك، فالوجه القطع بتبين فساد العقد؛ لأنهما لم يكونا مستورين عنهما، وعليهما التعويل في التحليل والتحريم، بخلاف ما لو ثبت بالبينة؛ فإن الستر قارن العقد [فجُرحا بالتبيّن] (٣) على القولين. ولو قال الزوجان: لم نعرف أعيانهما، وقد تذكرنا أنهما كانا فاسقين حالة العقد، فيحتمل أن يخرج على القولين، كما في قيام البينة.
ولو أن الزوج سمع ممن يثق به أن فلاناً فاسق، ثم عقد النكاح بحضور المجروح، فهل يزول الستر وينحى به نحو الأخبار، فلا يشترط فيه العدد ولا الحرية؟ فيه تردد، والظاهر أن الستر يزول بأخبار من تقبل روايته وإن لم يثبت به الجرح في مجلس القضاء. ويجوز أن يقال: من لا يجرح في مجلس القضاء، فهو مستور، ومن استيقن الزوج فسقه، فعلمه في حقه كافٍ في زوال الستر.
وكان الشيخ أبو محمد يسْتَتِيب شهود النكاح إذا حضروا، ويعتاد ذلك في حق المستورين استظهاراً، وكان يتردد في المعلنين بالفسق إذا أظهروا التوبة في مجلس
стр. 6089
العقد: هل يلحقون بالمستورين؟ فلو قلنا: يلحقون، فعاود الفجور على الفور، فالظاهر سقوط أثر توبتهم.
وإذا أقرّ الزوجان بالعلم بفسق الشاهدين حالة العقد، حكمنا بأنه لا نكاح بينهما، ولا ينتقص بذلك الطلاق، ولا يجب به المسمى؛ للحكم بأنه لا نكاح بينهما، لكن إذا كان قد وطئها، لزمه مهر المثل. وإذا تزوجها بعد ذلك، ملك عليها ثلاث طلقات.
ولو اعترف الزوج بذلك، وأنكرت المرأة، فيحكم بارتفاع النكاح، قال الصيدلاني: سبيله سبيل طلقة بائنة: فإن جرى ذلك قبل الدخول، لزمه نصف المسمى، وإن جرى بعده، فجميعه. ولو نكحها بعده عادت إليه بطلقتين؛ لأنها لم تصدقه فيه، ولا وُجد سبب يستحق به الفسخ، فهو في حكم الطلاق.
وحكي عن الشافعي أنّ الحرّ إذا تزوج أَمَة وقال عقيبه: كنت واجداً طَوْلَ حرة، بانت منه بطلقة، وهو مشكل، لكنه ينزل الفراق المحكوم به منزلة الطلاق في تنصيف المسمى قبل الدخول، وتكميله بعده، ولو عادت إليه، عادت بطلقتين.
قال (١): هذا لا وجه له؛ لأنه لم ينشىء طلاقاً، ولا في موجب إقراره ما يقتضي الطلاق.
فصل
٧٨٦٦ - من بلغ سفيهاً اطّرد الحجر عليه، ولم نُجز له أن يتزوج بانفراده؛ لأنه محجور عليه لنفسه، وذلك ينافي استبداده، ولا يملك الولي تزويجه من غير طلبه؛ لأنه يملك تطليق زوجته؛ فلا يصح إلا بإذن الولي، وطلبه (٢). وقد نص الشافعي في موضع: "للولي تزويجه". وفي موضع "لا يزوجه". وليست على قولين، بل على اختلاف حالين، فحيث قال: "يزوجه"، يريد إذا كان أباً، أو جداً، أو قيّماً أذن له الحاكم في تزويجه. وحيث قال: "لا يزوجه"، يريد به القيّم الذي لم يؤذن له
стр. 6090
في تزويجه. فإن تولى الولي تزويجه عند طلبه بإذنه، جاز، وإن فوضه إليه -عند وجود شرائطه- جاز؛ لأن عبارته صالحة للعقد.
ولوليه أن ينفرد بالتصرف المصلح لماله من غير مراجعته، كالطفل، ولو فوض إليه عقداً معيناً في المال، فالمذهب صحتُه، وقيل: لا يصح، وهو بعيد؛ لأنه مكلَّف، صحيح العبارة، وبه فارق الصبيَّ والمجنونَ، ويستثنى من ذلك المرأة؛ فإن عبارتها مسلوبة في النكاح خاصة، مع أنها مكلفة تستأذن وتراجع فيه، ولا يستند ذلك إلى معنى محقق.
ومتى أبدى السفيه حاجته إلى النكاح، صُدِّق ولا ينظر إلى بِنْيته (١)، ولا يرجع إلى قول الأطباء فيه؛ لأنه لا سبيل إلى الوقوف على حقيقة الداعي إليه؛ فلا يعرف إلا من جهته، فإذا أخبر عن حاجته إلى النكاح، وجبت إجابته، وقضاء حاجته.
فلو لم نجبه فللعراقيين وجهان: أحدهما - لا يتزوج، لقصوره، وعدم تفويض الولي إليه. والثاني - يستقلّ به، كما لو طلب الطعام. وهذا بعيد عن القياس.
ويتجه أن يقال: يرفع المحجورُ عليه أمره إلى الحاكم، كما لو عضل المرأةَ، وسَلْبُ عبارتها بمثابة منع السفيه من الاستقلال.
وجملةُ حاله إن احتاج إلى المطاعم، ولم ينته إلى الضرورة؛ فاشترى بنفسه، فقد تردد العراقيون فيه. وإن انتهى إلى حد الضرورة، قال: فالوجه عندي القطع بتجويز تصرفه لضرورته؛ لأنه من أهل العبارة، ونَصْبُ الناظر لمصلحته، فعند الضرورة منعُه لا مصلحة له فيه، لكن لا تُتصور الضرورة في النكاح وإن تناهت الحاجة فيه.
والمرضيُّ أنه إن أمكن رفع الأمر إلى الوالي، لم يجز أن يستقِلّ بنفسه، وإن تعذر الرجوع إلى الوالي، ترتب على ما ذكرنا في تحقق الحاجة إلى المطاعم والكسوة وما في معناه، والنكاح أولى بالمنع؛ لأنه لا تتحقق فيه الحاجة تحققها في الطعام ونحوه؛ ولذلك يجب على الأب نفقةُ ولده، ولا يجب إعفافه، وظاهر مذهب العراقيين إجراء الوجهين في استبداده من غير مراجعة السلطان عند امتناع الولي الحاضر.
стр. 6091
وللأب تزويج ابنه الطفل [لمصلحة] (١) ظنية، مع العلم بعدم حاجته إلى النكاح.
وولي المحجور عليه يرعى في مصلحته هذا المعنى، لكن لا يجبره عليه، والخلاف في استقلاله إذا ذكر حاجة جلية داعية، فأما لمصلحة جلية من غير طلب، فلا خلاف فيه.
٧٨٦٧ - والأولى لولي السفيه أن يعيّن له امرأة، ويقدر مهرها، ويأذنَ له في العقد عليها، فإن عيّنها ولم يقدّر مهرها، صح الإذن، وعقد السفيه بمهر مثلها أو بأقلَّ منه، فإن زاد على مهر المثل، صح النكاح ولزم مهر المثل، وسقط [الزيادة] (٢). ولو قدّر مهراً، فتخيّر به السفيه امرأة، جاز، إذا كان مهرَ مثلها، وإن كان أكثر منه، لزم مهر المثل، ورُد الزائد؛ لأنه تبرع، وتبرعه مردود.
ولو أذن فيه من غير تعيين امرأة ولا تقدير مهر (٣)، صح الإذن على وجهٍ، فإن زاد على مهر المثل، رُدّت الزيادة، وقيل: لا يصح؛ لأنه قد يتزوج من يستغرق مهرُ مثلها مالَه، فالوجه أنه لا يصح نكاحها إذا لم يقع موافقاً لمصلحته، وإن أفسدنا الإذن، فالنكاح باطل، وإن وافق المصلحة، فكأنه لم يأذن.
٧٨٦٨ - وأما العبد، فإنه لا ينكح بغير إذن سيده، كالسفيه بغير إذن وليه، فلو قال له المولى: انكح من شئت بما شئت، صح الإذن، وينكح هذا، ويتعلق المهر بكسبه، بخلاف السفيه (٤)، فلو لم يجد السفيه إلا من لا ترضى بمهر مثلها، وأخبر بحاجته إليها، ففيه احتمال.
ولو أذن السيد لعبده أن يتزوج بمهر المثل (٥)، فزاد عليه، قال الشافعي: لا تثبت
стр. 6092
الزيادة في حق السيد، ولا تتعلق بكسبه، بل بذمة العبد، يُتْبع بها إذا عَتَق، فيصح المسمى، ويتبعض متعلقه.
ولو عين ولي السفيه له امرأة، فنكحها على أكثر من مهر مثلها، رُدَّت الزيادة، ولم يطالب السفيه بها ولو فك الحجر عنه لرشده؛ لأنا نرعى فيما لا يتعلق بكسب العبد حقَّ السيد، وفي حق السفيه حق نفسه، ولو طولب بها إذا رشد، لطولب بها في الحال، كما لو أتلف مالاً، أو جنى جناية توجب المال.
قال: وفي النفس مما حكيته متفقاً عليه (١) أثر؛ فإنّ السيد إذا قال لعبده: انكح هذه، فلو نكح غيرها، لم يصح، لمخالفة الإذن، وكذا لو علق إذنه بوقت أو صفة، وجب اتباع ما عيّنه، فإذا قال: انكح هذه بألف، فنكحها بألفين، فليس هذا النكاح المأذونَ فيه، فمثله في ولي السفيه.
ووجه الجواب عنه، أن النكاح قائم بنفسه دون العوض، فإذا أذن فيه، استقل الإذن، ومخالفتُه في مقدار المهر مخالفة في الإذن في المهر؛ ولأن الأمر في المهر مردود إلى مهر المثل، بخلاف ما لو عين امرأة، فنكح غيرها؛ لأنه ترك مقتضى الإذن بالكلية.
ويلزم إذا وكل في قبول نكاح امرأة بألف، فقبل الوكيل بألفين، قال: فالمذهب الصحيح أن النكاح لا ينعقد؛ لأنه لا مستند لنكاح الوكيل إلا الإذن، فإذا خالفه، لم يتبق له مستند، وقيل: بأن الوكيل إذا خالف في مقدار المهر، يصح نكاحه؛ لأنه غير مقصود في النكاح، فلا يؤثر الخلاف فيه. قال: وهو بعيد ومنقول (٢).
ولو قيل: بأن نكاح العبد والسفيه إذا خالفا في المهر لا يصح، لكان أوجه في المعنى مما ذكره في الوكيل.
ولو قال السيد لعبده: انكح هذه بألف، فإن زدتَ ولو درهماً، فلا إذن فيه،
стр. 6093
فكما (١) أذنت لك فيه بألف [نهيتك] (٢) عنه بالزيادة، فالذي يقتضيه الرأي أنه إذا زاد، لا يصح نكاحه مع تصريحه بنفي الإذن فيه، والنكاح وإن كان حقَّ العبد، فلا بد من رعاية إذن المولى فيه، لتعلّق حقه به.
وقد نصّ الشافعي ﵁ أن العبد إذا زاد على ما قدره السيد، تصح تسميتُه وتلزم ذمتَه، يُتبع بها إذا أعتق، وفيه [غوص] (٣)؛ فنُقدِّم أن الجمهور على أن العبد إذا ضمن ديناً بغير إذن سيده، لم يصح، ولا يثبت في ذمته المال، وقيل: يصح، ويتبع به إذا أعتق، وهو منقاس، فتعلّق بما نصّ عليه؛ فإن الزيادة وما ضمن لم يأذن السيد فيهما، وعدم تضرر السيد بالضمان لا يوجب صحته؛ [بخلاف الزيادة] (٤) لأن للسيد تعلقاً بها، ولهذا لو ضمن لسيده شيئاًً عن أجنبي، لم يصح، وإن أمكن مطالبته إذا عتق، فكذلك (٥) [القيمة] (٦) الصحيحُ أنها تتعلق بذمته إذا عتق، وقيل: لا يطالب بها بعد العتق، والفرق أن الإتلاف لا يمكن ردُّه، ولا إحباطُ حق المتلف عليه (٧)، والضمان عقد نسيئة، وتصحيحه وإبطاله إلى الشرع.
ولو اشترى العبد شيئاً بغير إذن سيده، فالمذهب أنه لا يصح، وفي صحته قول غريب حكيناه، والفرق بينه وبين الضمان، أن الضمان التزام مجرد، والبيع عقد عهدة، وثبوت الملك فيه للسيد من غير عهدة محال؛ فإن وارث المشتري يملك المبيع إرثاً، مع التزام العهدة (٨)، وإلزام السيد العهدة بعقد انفرد به العبد محال،
стр. 6094
ولا يتحقق هذا في الضمان لو صح، بخلاف الزيادة (١)؛ فإنها وإن التزمها العبد بغير إذن سيده إلا أنها جارية في سياق عقد مأذون فيه، فكانت أقرب من الضمان؛ ولأن أصحابنا وإن اختلفوا في العبد إذا قبل هبة أو وصية بغير إذن السيد هل تصح؟ وإذا صح فهل يملك السيد؟ لم يختلفوا في أن العبد إذا خالع زوجته على مال أن المال يدخل في ملك السيد قهراً، لأنه جرى في سياق الطلاق، وهو خارج عن الحجر، ويجمُل في القياس ألا تلزم الزيادة في المهر أصلاً، كالضمان، والفرق بينهما عسر، ولا يكتفى فيه بالجهالات، كاكتفاء أصحاب الرأي، [ويؤيده] (٢) أن الظن إذا كان أغلب في الاجتماع من الافتراق، وجب الحكم بالاجتماع، ولا عبرة بفرق بعيد.
ولو اشترى السفيه شيئاً بغير إذن وليه، فشراؤه فاسد، فلو قبضه وأتلفه، لم يضمنه؛ لأن بائعه هو الذي سلّطه على إتلافه، وما لا يضمنه محجوراً عليه، لا يضمنه إذا فك حجره؛ لأن المرعيّ في الحالين حقه؛ ولأن تسليطه على إتلافه واضح، وشرط ضمانه محتمل؛ فثبت حكم تسليطه، ولم يلزمه الضمان.
ولو باع سفيه من سفيه شيئاًً، فقبضه وأتلفه، قطعنا بوجوب ضمانه عليه؛ لأن البائع ليس من أهل التسليط، وقد وجد من المشتري الإتلاف، فهو كما لو أتلفه من غير بيع.
٧٨٦٩ - ولو تزوج السفيه امرأة بغير إذن، وحكمنا بفساد نكاحه، ووطئها، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها - أنه يلزمه مهر مثلها؛ لأنه عوض منفعة البضع؛ فلا يسقط بالتسليط، بخلاف ما لو أتلف المبيع في البيع الفاسد، لما قدمناه. والوجه الثاني - لا يجب المهر، كما لا تجب قيمة المبيع في البيع الفاسد، والوجهان مبنيان على القولين في المرتهن إذا وطىء الجارية المرهونة بإذن الراهن ظاناً جوازه، ففي وجوب المهر قولان.
стр. 6095
والوجه الثالث - أنه يلزمه أقل ما يتمول ولا يلزمه كمال المهر، حتى لا يعرى الوطء عن بدل، وهذا لا وجه له؛ فإن زوج المفوضة إذا وطئها، لزمه كمال مهر المثل، فلا يكتفى بأقل المال، وكذلك المرتهن إذا وطىء بإذن الراهن لا مهر عليه في قول، وفي الثاني يجب تمام مهر المثل.
٧٨٧٠ - والمحجور عليه للفلس يصح نكاحه، والسفيهة المحجور عليها المبذرة، في النكاح كالمُطْلَقة التصرف الرشيدة، فلو تولى مالها قيّم من قِبل الحاكم، فزوّجها أخوها، صح، وسرُّه أن الرشيدة لا تستبد بالنكاح، ولو كانت ثيباً بالغاً، وإذا طلبت التزويج، وجب إجابتها، فالحجر وعدمه في حقها سواء.
قلت: ولأن الحجر عليها في المال خوف إضاعته، وفي تزويجها تكثيره، وتوفيره بالمهر والنفقة، بخلاف الرجل السفيه؛ فإن نكاحه سببٌ في إضاعة المال، ونظيره أن السفيه يجوز أن يخالع زوجته بغير إذن وليه، لما فيه من تكثير ماله، وتوفيره بسقوط النفقة عنه.
فصل
٧٨٧١ - لا يملك السيد إجبار عبده البالغ العاقل على النكاح في قوله الجديد؛ لأنه يملك حلّه بالطلاق، فلا يجبره على عقد يملك حله؛ ولأنه يُلزمه به مالاً، فلم يجبره عليه، كالكتابة، ونصَّ في القديم أنه يجبره، وهو مذهب أبي حنيفة (١)؛ لأنه استصلاح لملكه، فهو [كالفَصْد] (٢) ونحوه.
فأما العبد الصغير، فإن قلنا: إنه يُجبَر البالغُ، فالصغير أولى، وإن قلنا: لا يجبر البالغ، ففي إجبار الصغير قولان: إن شئنا، بنيناهما على المعنيين في