← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

بقي النظر في إجازة الوارث وردّه، فإن رد الوارث العتق الزائد على الثلث، عَتَقَ ثلثها. وتبين فساد النكاح على الشبهة، ثم لا يخفى تفصيل ذلك. وإن أجاز الوارث، خرجت الإجازة على قولين؛ في أن الإجازة من الورثة ابتداء تبرع منهم أم تنفيذ للوصية؟ فإن حكمنا بأنه ابتداءُ تبرع، فالنكاح مجرىً على الفساد؛ فإن العتق كان متبعضاً حالة النكاح. وإنما أنشأ الوارث الإتمامَ من بعدُ، وإن حكمنا بأن الإجازة تنفيذ، فيبين صحة النكاح. وهذا القائل يجب أن يقول: إذا ثبت نفوذ العتق؛ بأن يصح المعتِق، فالحكم في النكاح على الصحة تنجيزاً وتبيّناً؛ فإنا تبينا الحكم صحة النكاح ظاهراً حال حياته، فإذا صح من مرضه، فقد اطرد ما بنينا صحةَ العقد عليه. فأما إذا كان نفوذ العتق بسبب استفادة مال زائد، ثم تمادى المرض إلى الموت، أو كان سبب النفوذ إجازة الوارث، وقد جرى أمر جديدٌ سوى ما بنينا عليه نفوذ النكاح؛ فيحتمل أن يلتحق هذا بما لو زوج الإنسانُ جارية أبيه في غيبة أبيه، ثم تبين أن الأب كان ميتاً حالة التزويج، ويحتمل أن نحكم بالصحة في مسألة المريض في صورة استفادة المال [و] (١) في التفريع على أن إجازة الوارث تنفيذ؛ فإن ما يتجدد فهو موافق لما تقتضيه الحياة من تنفيذ التصرفات. وهذا بيّن. وفيما مهدناه من تصوير وجوه الوقف في كتاب البيع ما يقرر هذا. وإن فرعنا على مذهب ابن الحداد؛ فلو أعتق المريض الجارية، وفي يده مال يفي ثلثُه بقيمة المعتَقة حالة الإعتاق، وجرى تزويج الأخ على هذه الحال، ثم طرأت آفةٌ قللت ماله، وردّت ثلثه إلى مبلغٍ ما يفي بقيمة الجارية؛ ففي قياس ابن الحداد تردّدٌ في هذه الصورة: يجوز أن يقال: النكاح محمول على الصحة في الحال بناءً على كثرة المال، ويجوز أن يقال: لا يحمل النكاح على الصحة لنقصان تصرف المريض، والأموال عرضة الآفات. فهذا مجموع القول فيما فزعه ابن الحداد. ٧٨٩٦ - وقد ذكر الشيخ أبو علي في أثناء الشرح تفريعاً على وجه ابن الحداد - شيئاً،

стр. 6127

فقال: فحوى كلام ابن الحدّاد يدل على أن السيد لو أعتقها -كما صورنا، فزوجها بنفسه- نفذ ذلك منه؛ فإنها إن [رقّت] (١)، فهو سيدها، وإن عَتَقَتْ، فله ولاؤها. كذا قال الشيخ. وهذا مشكل؛ فإنا لو قدرنا نفوذ العتق، فالمعتِق لا يملك التزويج بالولاء إذا كان للمعتَقة أخ من أهل الولاية؛ فإن الأخ أولى بتزويج الحرة من المولى. ولعل الشيخ أبا علي إنما قال ما قال؛ من جهة أن التصرف الذي يصدر من المريض فهو محمول على النفوذ في نفسه، وإنما التوقف في تصرف غيره إذا بني على تصرفه. وهذا ليس بشيء؛ فإنا إذا حكمنا بنفوذ عتقه [على] (٢) ألاّ تنكح مع الأب (٣)، فهذا التفريع إذاً مردود. وقد انتهى الكلام في ترتيب الولاة وتزويجهم بحكم الولاية، وسيأتي تفصيل القول في تزويج الملاّك لإمائهم. فصل قال: "فإن زوّجها أحدهم دون أسنّهم وأفضلهم كفئاً، جاز ... إلى آخره" (٤). ٧٨٩٧ - لما ذكر الشافعي ترتيب الولاة والمنازل التي يترتبون فيها، صوّر بعدها اجتماع الولاة في درجة واحدة. فإن كان للمرأة إخوةٌ أولياء لا ترتب فيهم، فطلبت المرأة التزويج؛ فإن امتنع الأولياء عن التزويج وعضلوا، فالسلطان يزوجها. ويتفرع في هذه الحالة أنهم لو تطابقوا على العضل، انتسبوا إلى المعصية، كما أوضحنا ذلك في صدر الكتاب.

стр. 6128

وإن دعت واحداً من أوليائها إلى التزويج، وكان من الممكن أن يزوجها غيرُ هذا المدعو؛ فهل لهذا المدعوّ أن يمتنع، ويكل التزويج إلى أصحابه؟ فيه اختلاف؛ ينبني على أن الجماعة إذا تحملوا شهادة، فدعا صاحب الحق اثنين منهم إلى إقامة الشهادة، فهل يتعين عليهما أن يقيما ما تحملاه؟ فيه اختلاف مشهور، وسيأتي ذكره في كتاب الشهادة، إن شاء الله . هذا إذا امتنعوا. ٧٨٩٨ - فأما إذا تنازعوا في التزويج، فكان يطلب كل واحد منهم أن يكون هو المزوج، نظر: فإن خصصت المرأة واحداً منهم بالإذن والتفويض، فهو المزوج لا غير؛ فإن الأولياء في حقها بمثابة الأجانب في حق من يريد أن يوكل واحداً منهم بالتصرف، وستزداد [المسألة] (١) وضوحاً في فصول الوكالة من بعدُ، إن شاء الله . وإن أذنت لجميع الأولياء، ولم تخصص بإذنها واحداً منهم، فإذا تنازعوا -كما صورنا- فإن كان فيهم من هو أسن وأفضل؛ فالأولى للأولياء أن يسلموا ذلك إلى أسنهم وأفضلهم. وهذا استحباب لا تنتهي مخالفته إلى حد الكراهة؛ من جهة أن تعاطي [التزويج] (٢) حق لكل واحد من الأولياء، ولا ينتهي نَدْبُنا الإنسانَ إلى ترك حظه إلى حدّ الكراهة. فإن استمروا على النزاع، فالأولى أن يقرع بينهم، ويفوض التزويج إلى من خرجت له القرعة. فلو خرجت القرعة لواحدٍ، فابتدر [غيرُه] (٣) وزوج، نفذ التزويج، إذا كانت المرأة مستمرة على الإذن للجميع، كما صورنا. والذي أراه الآن أيضاًً أن تزويج المبتدِر لا ينتهي إلى حد الكراهية؛ لما حقَّقتُه، إلا

стр. 6129

أن يكون الإقراع من سلطان، فيتجه أن نقول حينئذ: [استباق] (١) السلطان مكروه. والقول في ذلك محتمل. وفي بعض التصانيف أنه إذا زوّج من لم تخرج له القرعة، لم ينفذ تزويجه (٢). وهذا بعيد غير معتد به. ولست أدري أن هذا القائل يخصص هذا الوجه البعيدَ بقُرعة ينشئها السلطان، أو يطرده في القرعة التي ينشئها الأولياء من غير ارتفاع إلى مجلس الحكم؟ ٧٨٩٩ - ثم إنما ينفذ التزويج ممن يزوج إذا كان زوّجها من كفئها. فأما إن زوجها بإذنها بمن لا يكافئها، ولم يرض سائر الأولياء؛ فللذين لم يرضَوْا حقُّ الاعتراض على عقده. ثم اختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من قطع بأن النكاح لا ينعقد إذا لم يكن صدَرُه (٣) عن إذن كافة الأولياء؛ فإنا لو حكمنا بانعقاده، لكان مخالفاً لموجب الشرع؛ فإن التزويج من غير الكفء يُلحق عاراً بالنسب وأهله، وهذا لو صح، لكان متضمناً تنجيزَ ضرارٍ لا يزول، بأن نثبت للباقين حق الفسخ؛ فإن العار اللاحق لا ينغسل بتقدير الفسخ؛ إذ في تقدير نفوذ النكاح تسليط الزوج عليها. وهذا مما نقمناه من مذهب أبي حنيفة لمّا قال: إذا زوجت المرأة نفسها من لا يكافئها، فالنكاح ينعقد، والزوج يتسلط، وللأولياء حق الاعتراض. هذه طريقة. ومن أصحابنا من قال: في انعقاد النكاح قولان: أحدهما - الانعقاد؛ فإن العاقد من أهل العقد، وقد أذنت المرأة، فينزل هذا منزلة ما لو اشترى الرجل شقصاً مشفوعاً وقبضه، ثم باعه، فبيعه نافذ، وإن كان للشفيع أن ينقضه.

стр. 6130

والثاني - أنه لا ينعقد. وقد سبق توجيهه. وقطع الشيخ أبو حامد بالانعقاد. فاجتمعت ثلاث طرق. وسبب التردد -أخذاً من النص- أن الشافعي قال: إذا زوجها أحدهم ممن لا يكافئها، فالنكاح مفسوخ، ففهم الأصحاب من الفسخ رفع نكاح منعقد. فصل قال: "وليس نكاح غير الكفء بمحرّم فأردّه ... إلى آخره" (١). ٧٩٠٠ - منع تزويج غير الكفء من حق المرأة والأولياء، فإذا رضيت المرأة بمن لا يكافئها، وأبى الأولياء، امتنع حصول مرادها؛ فإنّ رضاها بمن لا يكافئها يعيّر النسب، وإذا تعيّر ضرر أهل النسب بما يلحق النسب من عار [وشنار] (٢). فكان لهم حق دفع العار. وقد قال الشافعي: "إن للولي في بضع المرأة شركاً" وأراد بذلك ما ذكرناه، ولم يرد أنهم يستحقون منها أمراً، فإذا رضي الأولياء ورضيت المرأة وهي من أهل الرضا بأن تزوَّج ممن ليس كفئاً لها، نفذ التزويج. والحق لا يعدوهم. ولا تعبّد في الشرع بعد رضاهم بإسقاط حقوقهم. وقد خالف في هذا الشيعة. وتزويج رسول الله ﷺ بناته من عثمان وعلي وأبي العاص بن الربيع -وما كان أحد كفئاً لرسول الله ﷺ دليلٌ عليهم. قال الشافعي: كيف يكافىء علي فاطمةَ وأبوه كافر وأبوها سيد البشر. فإن أشاروا أن أبا طالب كفءٌ لعبد الله، والد رسول الله ﷺ ؛ قلنا: إن ارتقيتم إلى هذه المرتبة؛ فالناس أولاد آدم. وأمرَ رسول الله ﷺ فاطمة بنت قيس -وهي قرشية- بأن تنكح أسامة بن زيد. وزيد كان مولى رسول الله ﷺ ، وهمّ عمرُ بأن يزوج ابنته من سلمان الفارسي، فشق ذلك على ابنه عبد الله،

стр. 6131

وشكا إلى عمرو بن العاص. فقال عمرو: أنا أكفيك [ذلك] (١). فلما لقي سلمانَ، قال: هنيئاً لك، قد تواضع لك أمير المؤمنين! فقال سلمان: ألمثلي يقال هذا؟ والله لا أنكحها أبداً. ومما يتعلق بهذا الفصل؛ أن المرأة إذا لم يكن لها ولي خاص وكان يزوجها السلطان أو من يأمره السلطان؛ فإذا دعت المرأة إلى تزويجها ممن لا يكافئها؛ فالذي نقله الصيدلاني أن السلطان لا يُجيبها إلى ذلك؛ [فإنه] (٢) يزوج ناظراً لعامّة المسلمين فلا يدعُ النظر لهم. وكان شيخي أبو محمد يقطع بأنه يزوّجها؛ [فإنه لا يرجع إلى عامة المسلمين عارٌ من تزويجها] (٣)، والحق (٤) لا يعدوها. فإن قيل: فلتزوج نفسها إذا لم يكن لها وليّ خاص، قلنا: هي مسلوبة العبارة ووليها السلطان، والدليل على بطلان هذا التعلق، أن وليها الخاص لو رضي بأن تزوج المرأة نفسها، لم يصح. والتحقيق في ذلك، أن سلب العبارة تعبُّدٌ [بالشرع] (٥) وليس يستقيم فيه معنى ورعاية الكفاءة تتعلق بحقوقٍ تسقط بالإسقاط. ٧٩٠١ - ثم قال الشافعي: "وليس نقص المهر نقصاً في النسب"، والمراد بذلك أن الحق في المهر للمرأة. فلو رضيت بأن تزوج ممن يكافئها بأقلَّ من مهر مثلها،

стр. 6132

فعلى الولي أن يسعفها إذا كانت من أهل الطلب. وأبو حنيفة أثبت للولي الاعتراض لأجل نقصان المهر. وكان يليق بهذا المنتهى الكلام في [الكفاءة] (١) ومعناها، ولكن المزني نقله بعد هذا، فلنلتزم الجريان على ترتيب (السواد) (٢). فصل قال: "ولا ولاية لأحد وثَمَّ أولى منه ... إلى آخره" (٣). ٧٩٠٢ - هذا الأصل يجمع بيانَ ما يُخرج الولي عن الولاية وذكْرَ ما لا يخرجه عنها، ولكن يقطع نظره، وينوب عنه السلطان، وذكْرَ ما لا يؤثّر أصلاً في قطع الولاية، ولا في إثبات نيابة السلطان. فأما ما يخرجه عن الولاية، فكالصغر، والجنون المطبِق، والسفه، ويلتحق به سقوط الرأي؛ إما [لغَميزةٍ] (٤) في غريزة العقل يَحْمُق بها صاحبه، وإن كان ذا ضبطٍ في المال وصلاحٍ بالبدن، أو إذا بُلي الرجل بأسقام مزمنة وآلام، فقد يضعف رأيه بها ويتبلّد من العجز والضجر، ولا يتحمل فكراً في أمر. ومثل هذا لا يكون وليّاً. نص عليه الشافعي. ومما يُخرج عن الولاية اختلاف الدين إسلاماً وكفراً. وقطع أصحابنا بأن اليهودي مع النصرانية بمثابة المجتمعين في [كفر] (٥) واحد، ولا يؤثر اختلاف أديان الكفار في الولايات، كما لا يؤثر في قطع الميراث. وهذه أصول متفق عليها.

стр. 6133

ونذكر على معارضتها السَّفر. ثم نُردِّد النظرَ في خصالٍ لا بد من النظر فيها. فنقول: ٧٩٠٣ - إذا سافر الولي القريب، فالسفروإن طال، لا يخرجه عن الولاية، وآية ذلك أن البعيد لا يلي التزويج في غيبة القريب، ولو كانت الغيبة تُخرج الغائب عن الولاية، لانتقلت الولاية إلى البعيد. ولو غاب الأب وزوّج في الغيبة (١) ابنته البكر، نفذ تزويجها، لأنه وليها. ويتصل بذلك أمر؛ وهو أن البكر إذا كانت بالغة، وقد غاب الأب -كما صورنا- وكان لا يبعد من الأب الغائب تزويجها، فإذا جاءت إلى السلطان تطلب التزويج، ولم [يُبعد] (٢) السلطان أن يزوّجها، وهي مزوَّجة الأب، فكيف السبيل (٣)؟ نبنيه على نص الشافعي وتردُّدِ الأصحاب فيه. قال الشافعي: "إذا جاءت المرأة إلى السلطان تبغي منه أن يزوجها، لم يزوجها السلطان، حتى يشهد شاهدان أنه ليس لها وليٌّ حاضر، وليست في زوجية ولا عدة" فاختلف أصحابنا في ذلك. فمنهم من قال: هذا احتياط من جهته على طريق الرأي والاستصواب، ولا يتحتم مراعاة ذلك، ومن أصحابنا من قال: يتحتم (٤) مراعاة هذا. التوجيهُ: من أوجب ما ذكره الشافعي من الاحتياط، احتج بما تبتني [أحكام] (٥) الأبضاع عليه من نظر الشرع واحتياطه، ومن أصدق الشواهد فيه توقف انعقاد النكاح على حضور شاهدين عدلين. والذي يعضد هذا من قاعدة الإيالة أن أمور السلطان

стр. 6134

يجب أن تكون مرتبطة بالنظر، ولا يليق بمنصبه أن يبتدر إلى تزويج امرأة لا يدريها، ولا يحيط بحقيقة حالها. وأحق تصرف بالنظر تصرف السلطان. ومن قال: يجوز التعويل على قولها، بنى ذلك على رجوعنا في العقود إلى قول أصحابها. فإذا صادفنا شيئاً في يد [أمين] (١) ثم إنه باعه، لم يتعرض القاضي للبحث عن حقيقة ملكه. وهذا قد ينفصل عنه بما يختص البضع [به] (٢) من الاحتياط، ويرد عليه تزويج صاحب اليد على الجارية. ومما يغمض وقعه في هذا المنتهى أنا إن أوجبنا على السلطان البحث، فالقول فيه يقرب مأخذه من احتياط السلطان في الإحاطة بأن لا وارث للميت سوى هذا الحاضر، ومن هذا القبيل حكمه بالإعسار. ثم يتعلق بهذا الفن أنه لا يشهد للمرأة الطالبة للتزويج إلا من يطلع على بواطن أمرها، كما ذكرناه في الشهادة على الإعسار، والشهادةِ على ألا وارث سوى من حضر، وفيه تفصيل ذلك. وإذا أحلنا حكماً على حكمٍ ولم نستبن فرقاً بينهما، فليُعتقد مساواة التفريع للتفريع، كما استوى الأصلان. وإن حكمنا بأن النظر [مستحبٌّ] (٣)، فلو ابتدر السلطان، نفذ تزويجه، وكان مسيئاً. ويتجه على هذا (٤) أن المرأة لو ألحّت وطلبت التزويج ناجزاً، وقالت: إجابتي ممكنة، والإجابةُ الممكنة واجبة، والتأخير احتياط يجوز تركه، ولا يجوز تأخير واجبٍ لاحتياطٍ يجوز تركه. وهذا لا ينتهي إليه كلام الفقهاء وهو من محض أحكام الإيالة.

стр. 6135

وقد اختلف أرباب الأصول فيه، فذهب قدوتنا (١) في الأصول إلى أنها لو ألحّت كذلك أجيبت، وأقصى ما يتمكن منه السلطان أن [يستمهلها] (٢)، فإن أبت أجابها. وذكر القاضي أبو بكر أن القاضي لا يجيبها إن رأى ذلك رأياً، ويقول: لا [يجب] (٣) عليّ إجابتك ما لم [أحتط] (٤). وهذا لا يتضح بهذا المقدار، ولعلنا نجمع كلاماً شافياً في أحكام الأئمّة والولاة، إن شاء الله .

стр. 6136

٧٩٠٤ - عدنا إلى مقصودنا: إذا غاب الأب وخلّف ابنته البكر البالغة، ولم يبعد أنه في غيبته قد زوّجها، فهذا يخرّج على التردد الذي ذكرناه في [حكم احتياط السلطان واستشهاده على نفي الزوجية قبل تزويجه نائباً عن الوكيل الغائب] (١). وكل ذلك ينبني على اختلاف القول في أن الدعوى هل تسمع مطلقةً على النكاح، أم لا بد من تقييدها بذكر شرائط الصحة؟ وهذا سيأتي مشروحاً في كتاب الدعاوى، إن شاء الله . فإن قيل: أليس للسلطان أن يبيع مال الغائب إذا أشرف على الضياع مع جواز أنه (٢) باعه بنفسه؟ قلنا: نحن وإن جوّزنا ذلك، فلا [أينخرم] (٣) نظرُ القاضي، ويتصرف (٤) على حكم المصلحة على كل مالكٍ يُفرض. فيجري هذا في ملك من نقدِّره مالكاً، وفي ملك من نقدِّره مشترياً منه. وهذا المعنى لا يتحقق في النكاح. ومما يتصل بتمام القول في ذلك أن الولي إذا غاب، وانقطعت الغيبة، وعسر البحث بأسباب توجب تفسيرها، فالظاهر أن المرأة تجاب والحالة هذه. ثم إن بان أمرٌ يتضمن فساد النكاح، جرينا على موجبه، ولم يخف طريق (٥) التدارك. وهذا الذي ذكرناه إنما يظهر إذا كان الولي الغائب مُجبِراً (٦)، فإن لم يكن مجبراً، فلا يتأتى تصوير انفراده بتزويجها (٧). وإذا قالت: لم آذن له في تزويجي في الغيبة، صُدّقت. وإن أراد السلطان أن يحلّفها، فعل. وكلُّ تحليفٍ لا يتعلق بدعوى مدَّعٍ بل يرتبط باحتياط -يتعرض (٨) له خلافٌ: أنه استحبابٌ أم استحقاقٌ؟ وقد تقدم لهذا

стр. 6137

نظائر، وتمام البيان في هذا يظهر في أثناء الفصل. وكل ما ذكرناه في الغيبة البعيدة، وهي عند أصحابنا الغيبة إلى مسافة القصر فصاعداً (١). ٧٩٠٥ - ولو طلق الرجل امرأته ثلاثاً، فعادت وزعمت أن عدتها قد انقضت، وأنها نكحت وأصيبت، وطُلّقت واعتدت، وكان صدقُها ممكناً؛ فللرجل أن يعوّل على قولها. ولم يصر أحد من أصحابنا إلى إيجاب الاحتياط، وإنما ذلك التردد فيما يتعلق بالولي؛ فإن عماد أمره النظر، وسنذكر هذا الفصل الأخير مستقصىً في فروع النكاح إن شاء الله . ٧٩٠٦ - وإن غاب الولي الأقرب غيبة تقصر عن مسافة القصر، فإن كانت على مسافة العَدْوى (٢) -وهي مسافة يبتدىء الإنسان قطعها في [صبيحة] (٣) يوم ويؤوب إلى منزله، فيرجع قبل أن يَجُنَّ الليل- فإن كانت المسافة على هذا الحد، لم يزوّجها السلطان، بل يراجعُ الوليَّ (٤). وإن كانت المسافة فوق ذلك، ودون مسافة القصر، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يراجع الولي، فإن السفر قصير (٥). والثاني - لا يراجعه؛ فإنا نُدبنا في الشرع إلى الابتدار إلى تزويج النساء من الأكفاء، وحقها واجب، وليس من حق الواجب أن يؤخر مع الطالب المستحِق. وعلى هذا الوجه اختلف أصحابنا في مثل هذا في سماع شهادة الفروع مع غيبة الأصول إلى ما فوق المسافة التي وصفناها دون مسافة القصر. وكذلك اختلفوا في الاستعداء على الخصم على مثل هذه المسافة، ولا مطمع في كشف أحكام الشهادة

стр. 6138

والاستعداء هاهنا؛ فإن الكلام فيهما منتشرٌ، وسيأتي تفصيلهما في أدب القضاء والشهادات، إن شاء الله . فهذا بيان ما أردناه في السفر. ٧٩٠٧ - وقد قدمنا ذكر المعاني التي تنافي أصلَ الولاية وفاقاً. فإذا اتصف بها الأقربون، وخرجوا عن منصب الولاية، فحكم خروجهم أن تثبت الولاية للبعيد، وكل ما لا ينافي أصل الولاية، ولكن يؤخر النظر، فهو معتبر بالسفر، ثم طول السفر يُثبت [للسلطان] (١) حقَّ النيابة في التزويج، وإن أردنا سمينا نيابته ولاية؛ من حيث إنها تثبت قهرية، كما تقدم شرح ذلك عند ذكرنا قواعد الولايات، ولا تنتقل الولاية إلى البعيد، فإنها ثابتة للغائب، والسلطان نائب عنه. وما لا يضاهي السفر الطويل ولا ينتهض مانعاً من النظر التام، فقد يكون كالسفر القصير، وفيه الخلاف والتفصيل الذي ذكرناه. وهذه الجملة توضحها مسائل، نذكرها ونخرجها عليها. ٧٩٠٨ - منها: أن الولي القريب إذا أغمي عليه، فإن كان غشيته من هَيْج المِرّة الصفراء، وكانت مدتها لا تدوم، فلا مبالاة بها، وستنجلي على قرب، ومن جملة ذلك الصَّرَع. وإن كان الإغماء بحيث يدوم يوماً ويومين، فقد اختلف أئمتنا؛ فذهب المحققون منهم إلى أنه لا ينافي أصل الولاية (٢)؛ فإنه إلى زوال، أو إلى الإفضاء إلى الموت، وليس له أمدٌ يتمادى، بخلاف الجنون. وذهب بعض الأصحاب إلى أن هذا ينزل منزلة الجنون، وهذا بعيد لا وجه له إلا ما سنشير إليه -إن شاء الله تعالى- عند ذكر تقطع الجنون والإفاقة. فإن حكمنا بأن هذا الضرب من الإغماء ينافي الولاية، انتقلت الولاية إلى البعيد المستجمع للشرائط المرعية في الولاية.

стр. 6139

وإن قلنا: إنه لا يزيل الولاية، فينبغي أن يُعتبر بطويل السفر وقصيره، فإن كانت مدته تبلغ مدة خروج من يخرج إلى الولي، لو قدّر غائباً في مسافة القصر ويعود على اعتياد واقتصاد في النهوض والعَوْد، فهذا على حد السفر الطويل، فلا يزوِّج البعيدُ، ويزوِّج القاضي، وإن كانت مدة الإغماء دون المدة التي ذكرناها في قطع مسافة القصر ذهاباً وإياباً، فالمعتبر فيه مسافة العدْوَى وما فوقها، ولا يخفى مع هذا التنبيه دَرْكُ محل الوفاق والخلاف (١). وقد يعترض في هذا النظرِ أن الرجوع في مدة الإغماء إلى من؟ وهذا الاعتبار قبل انقضاء المدة، فلا وجه إلا الرجوع إلى قول أهل الخبرة، وذلك يختلف عندهم بنوع الإغماء والشخص المُغْمى عليه، وإنما تطول المدد في إغماء المُبَرْسم؛ فإن سبب اختلال العقل ورمٌ في الدماغ، والعقلُ يبقى على خبله ما بقي الورم، وقد يتمادى اليومين والثلاثة، هذا حُكم الإغماء. ٧٩٠٩ - ومما يتصل بذلك الجنون إذا تقطّع، فكان الشخص يجن يوماً ويُفيق يوماً، أو كانت النوب أكثر من ذلك أو أقل، فشرح هذا يأتي في كتاب الجزية، إن شاء الله ، وفيه نجمع جملة ما ذكره الأصحاب في الطرق، ولكنا نذكر هاهنا ما فيه مقنع. اختلف أصحابنا في نوبة الجنون: فذهب ذاهبون إلى أن الولاية تزول فيها، وتنتقل إلى البعيد (٢)، ومنهم من قال: إنها لا تؤثر في إزالة [الولاية] (٣)؛ فإن الجنون الحقيقي هو الذي [يُطبق] (٤) حتى لا يرجى زواله إلا على بُعد، فأما ما يطرأ ويزول على قرب أو على نُوَبٍ مضبوطة، فهو من فنّ الإغماء، وقد يُفضي الإغماء بالمغمى عليه إلى سقوط النطق والانتهاء إلى الهذيان. وذلك الذي وعدناه في الإغماء هذا

стр. 6140

أوان بيانه، فمن لم ير الجنون مزيلاً لأصل الولاية شبهه بالإغماء على ظاهر المذهب، ومن رأى الإغماء مزيلاً لأصل الولاية شبهه بالجنون المتقطع على ظاهر المذهب، فكل واحد من النوعين [يحمل] (١) على الثاني. وينتظم من جمعها أوجه: أحدها - أنهما يزيلان الولاية. والثاني - أنهما لا يزيلانها. والثالث - أن الجنون يزيل والإغماء لا يزيل، وهذا هو الصحيح. ثم إن قلنا: الجنون لا يزيل الولاية، فهو كالغيبة، فلنقس مدته بمدّتها وفاقاً بوفاق وخلافاً بخلاف. ويتفرع على [هذا] (٢) المنتهى أن زمان الإفاقة زمانُ الولاية، وهو بمثابة إياب المسافر، وزوال الغيبة. وإن قلنا الجنون في غيبته مزيل الولاية، نظرنا في زمان الإفاقة، فإن لم يكن فيها شائبة من خبل، ومن ضرورة البقاء الذي وصفناه طول المدة، فتعود الولاية، وتنقطع عن البعيد بعد الانتقال إليه. وإن كان في زمان الإفاقة آثار من الخبل يحتمل مثلها فيمن لا يعتريه الجنون، ويحمل على حدّةٍ وسوءِ خلق، فهل تعود الولاية والحالة هذه؟ أم تلتحق هذه المدة بالجنون؟ فيه اختلافٌ بين الأصحاب. وحقيقة التردد أنّ من الأصحاب من لم يجعل ما سميناه (٣) جنوناً على الحقيقة، ومنهم من أثبته جنوناً، [وأتبعه] (٤) زمن الإفاقة في الصورة التي ذكرناها، ومنهم من أثبت الجنون في نوبته، وأثبت الإفاقة في نوبتها. وإن قلّت مدة الإفاقة، بحيث قد يتماسك في مثلها من يسمى مجنوناً مطبقاً مطلقاً، فذلك جنون، وإن قل زمان الهَيْج بحيث قد يطرأ مثله على اللبيب إذا تلظَّى غضباً، فذاك ليس بجنون، وهذه مرامز.

стр. 6141

وسيأتي استقصاؤها في كتاب الجزية، إن شاء الله تعالى. ٧٩١٠ - فإن قيل: إذا لم تجعلوا الإغماء مزيلاً للولاية، وألحقتموه بالسفر، أوْ وَقَع الفرضُ في السفر وقصرت مدته؛ بحيث تزعمون أن الولي يراجَع، فلو ألحّت المرأة وقالت: التزويج [حقِّي] (١)، فلا أرضى بتأخيره ساعةً من نهار، ونظرك أيها القاضي قائم مقام النظر المنقطع، فلا تؤخر تزويجي، فهل يجيبها إلى مرادها؟ قلنا: لا يجيبها إلى مرادها؛ فإن القاضي يقول: ليس لك إرهاقي إلى هذا الحد، لو لم يكن لك ولي أصلاً، إلى أن أفهم ما تقولين وأنظر فيما تطلبين. والمدة التي قطع الأصحاب فيها بالتأخير [لمراجعة] (٢) الولي لو أخر في مثلها القاضي حيث لا ولي لها - لم يبعد؛ لنظرٍ وترديد رأي، فقد ذكرنا وجوهاً من الاحتياط غيرَ هذا، فإذا كانت لا تملك الإرهاق، حُملت على الصبر إلى المراجعة في التفصيل الذي ذكرناه. فإن قيل: حيث يزوّج القاضي في غيبة القريب، فهلا قلتم: لو زوج القريب لم ينفذ منه، لاختلال نظره بسبب الغيبة؟ ولو قيل بهذا، لكان آمناً من ازدحام نكاحين! قلنا: هذا (٣) يفرض في الأب المُجْبر إذا غاب، وقوة شفقته مع غيبته تعادل نظرَ القاضي إن لم تزد عليه، فليس المصير إلى أن الولي لا يزوج لينفذ تزويج القاضي ما ولي من عكس ذلك، فليجر كلُّ شيء على أصله. ثم إن فرض نكاحان لم يخف أمرهما، وقد تمهد طريق الاحتياط في صدر الفصل، فإنه إذا وكّل الأب من يزوج ابنته ولم يعيّن كفئاً، [وصححنا] (٤) التوكيل على هذا الوجه على ما سيأتي شرحه -إن شاء الله تعالى- من بعدُ، فلو غاب الوكيل غيبة بعيدة، فالمذهب أنه على الوكالة، وإن لم يكن ذا قرابة تثير شفقة؛ فإذاً الأصول لا تخرم ولا تصدم بالخيالات البعيدة.

стр. 6142

٧٩١١ - ومما يتعلق بمسائل الفصل؛ إحرام الولي، وسنذكر أن المحرم لا يَنكِح ولا يُنكِح، فإذا أحرم الولي بالحج أو العمرة، امتنع عليه الأنكاح والتزويج. ثم ظهر اختلاف أصحابنا في أن الإحرام هل يُخرج الولي عن الولاية أصلاً؟ فمنهم من قال: يخرج بالإحرام عن كونه ولياً، كما لو جن؛ فإن الإحرام يمنع شرعاً من تعاطي التزويج مع كمال المحرم في عقله واستجماعه شرائط الاستقلال، ولفظ النكاح يتفق صدَرُه عنه، ولو فرض ذلك، لم يتعلق به حكم، فدل أن الشرع في زمن الإحرام أخرجه عن رتبة المزوِّجين بالكلية، فاقتضى ذلك انتقالَ الولاية إلى البعيد. وإذا قيل لهذا الإنسان: إن كان الإحرام بالحج قد يتطاول زمانه، فالإحرام بالعمرة ينتجز في لحظة، وهو إلى اختيار المحرم، فكيف يتجه خروجه عن كونه ولياً؟ فإذا ثبت كون الإحرام منافياً للتزويج بالكلية، وثبت أن المحرم مسلوب العبارة كالصبي، فلا نظر إلى قصر الزمان وطوله. والدليل عليه أن الصبي المميِّز لو بقي إلى أمد بلوغه ساعة، فليس هو وليّاً، وإن كان الباقي من أمد صباه لحظة، هذا وجه. والوجه الثاني (١) - أن الإحرام لا يخرجه عن أصل الولاية؛ لأنه لم يسلبه عقله ورشده ونظره، غير أنه لا يتأتى منه إنشاء العقد، وهذا القائل يجعل الإحرام بمثابة الغيبة، وقد تمهد تفصيلها، فنجعل طول الزمان في الإحرام كطول المسافة، ثم نطبّق الخلاف على الخلاف والوفاق على الوفاق. ٧٩١٢ - ومما يتعلق بتمام القول في ذلك أنا وإن حكمنا بأن المحرم ولي، ولا يصحّ منه التزويج، كما لا يزوّج بنفسه لا يوكّل وكيلاً، فلو وكل وكيلاً بالتزويج، لم يصحّ، ولم ينفذ إنكاح وكيله. فإنا ذكرنا أن المحرم مسلوب العبارة في عقد لم يتأت منه الاستنابة فيه. ولو كان وكَّل وكيلاً بالتزويج، ثم أحرم الموكّل؛ فقد قال الأئمة: ينعزل وكيله بالإحرام، حتى إذا تحلل من إحرامه، لم يصح من الوكيل التزويج بحكم التوكيل

стр. 6143

المتقدم على الإحرام، وإذا أحرم الوكيل، لم يزوِّج في حالة إحرامه ويُقضَى بانعزاله، فإذا تحلل، فليس وكيلاً. ونحن إذا جعلنا الإحرام غير منافٍ لأصل الولاية، فكأنا ألحقنا الإحرام بالإغماء، وقد ذكرنا في كتاب الوكالة تردد الأصحاب في أن الإغماء إذا طرأ على الموكِّل أو على الوكيل، فهل يضمن انقطاعَ الوكالة وانعزالَ الوكيل؟ فلا يبعد خروج الإحرام على ذلك الخلاف في جانب الموكّل والوكيل جميعاً. وقد ذكر الصيدلاني في مجموعه وجهين محكيين عن الأصحاب؛ في أن طريان الإحرام في الموكل والوكيل، هل يوجب الانعزال؟ ثم قال: إذا أحرم الموكِّل، وقلنا: لا ينعزل الوكيل، فإنه لا يزوج ما دام موكِّله محرماً؛ فإنه يستحيل أن يتصرف الوكيل عن موكله، ولكن إذا حلَّ الموكل، فيزوِّج الوكيل حينئذ. ٧٩١٣ - ومما نذكره في مقاصد الفصل السكر إذا طرأ. فإن قلنا: الفاسق ليس وليّاً، فإذا فسق بالشرب، خرج عن كونه وليّاً. وإن قلنا: الفاسقُ وليّ، رجع النظر إلى تصرفات السكران في حالة سكره؛ قال الأصحاب: إن قلنا: السكران كالصاحي والفسق لا ينافي، فقد أطلق الأصحاب أنه يصح منه التزويج. وذكر شيخي فيه مستدرَكاً حسناً، فقال: السُّكر إن لم ينافِ التصرفَ، فهو ينافي الرأي والنظر، وتصرف الولي مربوط بالنظر، فيستحيل أن ينفذ تصرفه على حكم النظر ولا نظر (١) له. وهذا يضاهي مذهباً لبعض الأصحاب في أن المرتد إذا سكر، فلا يُقبل عوْده إلى الإسلام في حالة سكره؛ فإنه لا يعقِل ما يقول. وهذا فيه نظر على حال، كما سيأتي شرحه في موضعه، إن شاء الله تعالى. فأما نظره وهو في سكره الطافح غير (٢) متصور، وهذا إذا قلنا: تصرف السكران نافذ. فأما إذا قلنا: لا ينفذ تصرفه، فالسكر إغماء، وقد مضى تفصيل القول في الإغماء بما فيه مقنع وبلاغ.

стр. 6144

فقد بانت المسائل، واتضح خروجها على الأصول التي مهّدناها، وتميّز ما يقطع الولايةَ عما يقطع النظر، وبان أن ما يقطع الولاية ينقلها إلى البعيد، وما يقطع النظر ينقسم القول فيه إلى ما يطول، وإلى ما يقصر، وقد انتهى الغرض من الفصل تأصيلاً وتفصيلاً. فصل قال: "ووكيل الولي يقوم مقامه ... إلى آخره" (١). ٧٩١٤ - مضمون الفصل: القول في توكيل الولي، وما يصح من ذلك، وما يفسد منه، [و] (٢) القول في صفة إذن المرأة، وبيان صحيحه وفاسده، وذكر مقتضاه. فأما التوكيل، فالولي لا يخلو إما أن يكون مجبِراً، وإما أن يكون غير مجبِر، فأما الولي المجبر، فهو الأب والجد، فلا خلاف أنه يصحّ أن يوكِّل [غيره] (٣) بالتزويج، فإنه ذو ولاية على التحقيق، يثبت له الاستقلال، فصار كالمالك المتصرف في حق نفسه، وقد تقدم القول فيمن يصلح للوكالة وفيمن لا يصلح لها، في الأصل المشتمل على أن الفسق هل ينافي الولاية؟ ثم هل يجوز للولي أن يطلق الوكالة ويفوّضها إلى الوكيل من غير أن يعيّن زوجاً، أم لا بد وأن يختار الوليُّ الزوجَ، فيعيّنه للوكيل؟ في المسألة قولان: أحدهما - وهو الذي نص عليه في تحريم الجمع (٤) أن التوكيل يصح مع الإطلاق، قياساً على التوكيل في المعاملات. فإنه لا يفتقر إلى ذكر مقدار الثمن، ولا إلى تعيين من يعامله الوكيل، ولكن تصرف الوكيل ينفذ بالغبطة ورعاية النظر، فليكن الأمر كذلك في التوكيل بالنكاح (٥). والقول الثاني - أنه لا يصح التوكيل من غير تعيين الخاطب، نصّ عليه في الإملاء.

стр. 6145

ووجهه؛ أن الغرض الأظهر في تعيين الخاطب، وهذا مفوض شرعاً إلى الولي المتصف بكمال الشفقة. فلا يجوز أن يُحِلّ فيه أجنبياً محل نفسه، ويفوض إليه ما هو منوط بشفقة الولاة، بل حقه أن ينظر ويعيّن الخاطب، وينيب الوكيلَ مناب نفسه في العبارة عن العقد فحسب، وليس ذلك كالتوكيل بالبيع؛ فإن الغرض المطلوب منه البيع بثمن المثل، وليس يخفى درْك مقداره، ولهذا يستفاد التصرف في المال بالوصاية، ولا يستفاد بها التصرف في البضع. هذا إذا كان الولي مجبِراً على النكاح. ٧٩١٥ - فأما إذا لم يكن مجبِراً، وكان يفتقر إنكاحُه المرأةَ إلى استئذانها؛ فنقول: إذا أذنت المرأة وعيّنت كفئاً، صحّ إذنها. وإن أطلقت الإذن، وفوّضت طلبَ الكفء إلى الولي؛ ففي صحة الإذن على هذا الوجه، وجهان مرتبان على القولين في توكيل الولي المجبِر. فإن قلنا: يصح (١) التوكيل مع الإطلاق، فلأن يصح الإذن مع الإطلاق أولى، والفرق أن المرأة وإن أطلقت الإذن، [فهي] (٢) مفوِّضة أمرها إلى وليها، وهو على حظٍّ صالح من القرابة ذابٌّ عن نفسه في طلب تبرئة النسب والحسب عما يَشينه، وليس كذلك التفويض إلى الأجنبي. ثم إذا جوّزنا الإذن المطلق؛ فإذا قالت لوليها: "زوّجني"، تقيّد ذلك بالتزويج من الكفء، كما إذا وكل مالكُ المتاع إنساناً، فالتوكيل المطلق يتقيّد برعاية المصلحة في البيع بثمن المثل نقداً. وإن قالت المرأة لوليها: زوّجني ممن شئت، كفئاً كان أو غير كفء؛ فيتخيّر الوليّ حينئذ؛ فإن التزويج من غير كفء جائزٌ شرعاً، والحق في ذلك لا يعدو المرأةَ والوليَّ. وهذا فيه إذا كان الولي واحداً. فإن كان الأولياء جمعاً، وقد استجيزوا، فقد سبق التفصيل فيه. ولو قالت: "زوّجني من شئت" ولم تتعرض لذكر الكفاءة ونقيضها، هل يجوز

стр. 6146

للولي -والحالة هذه- أن يزوّجها من غير كفء؟ فعلى وجهين: أظهرهما - أنه يجوز؛ فإن ظاهر قولها "ممن شئت" مشعر بهذا. وهو كما لو قال للوكيل بالبيع: "بع متاعي هذا بما شئت"، فللوكيل -إذا جرى التوكيل كذلك- أن يبيع بما عزّ وهان. والوجه الثاني - أن الولي لا يضعها في غير كفء، إذا لم تقيد إذنها بتزويج ترك الكفاءة؛ فإن قولها "ممن شئت" يحتمل التفويض المطلق ويحتمل التفويض مع رعاية الكفاءة، فقولها "ممن شئت" نحمله على تفويض تخيّر (١) الزوج. وهذا من أهم ما يراعى في باب النكاح، وقول الرجل لوكيله "بما شئت" لا يحتمل إلا تفويضه مقدارَ الثمن فحسب، وقد يدخل تحته البيع بالعُروض. وإذا وجدنا في الإذن في النكاح محملاً يحمل عليه التفويض رعاية الكفاءة، فيتعين الحمل عليه رعايةً للاحتياط في الأبضاع. ومن لطيف القول في ذلك أنها لو عيّنت زوجاً، ولم يكن كفئاً، ورضي الولي بالحطيطة؛ فقد ذكرنا أن النكاح يصح، وإذا فوضت إلى الولي، وتعرضت لتجويز ترك الكفاءة صريحاً، فلو حملنا قولها "ممن شئت" على ذلك، فهاهنا نظر على المتأمل، وذلك أنا ذكرنا وجهين في أنه هل يشترط في الإذن تعيين الخاطب؟ فليت شعري! ماذا نقول إذا فوّضت تفويضاً يقتضي إسقاط الكفاءة؟ ظاهر ما نقله الأصحاب؛ طرد الخلاف في اشتراط تعيين الخاطب، كما تقدم، وإن رضيت المرأة بترك الكفاءة. والقياسُ عندنا أن الخلاف إنما يجري حيث يجب رعاية الكفاءة، فأما إذا رضيت بمن يكون، وأسقطت اعتبار الكفاءة؛ فالوجه -والحالة هذه- أن يسقط اعتبار التعيين أيضاًً؛ فإنها بإذنها رفعت طلب [الحظ] (٢)، وإنما يليق التعيين والقول به بالمحل الذي يجب فيه طلب الحظ في الآجل. ثم يقع الكلام وراءه في تعيين الكفء، وما ذكرناه وإن كان يظهر بعض الظهور،

стр. 6147

فإجراء الخلاف في اشتراط [الحظ] (١) محتمل، والعلم عند الله تعالى. هذا كله تفصيل القول في إذنها المطلق والمقيد. ٧٩١٦ - والكلام بعده في التوكيل، فإذا أذنت لوليها في التزويج، وأذنت له في أن يوكّل، فيصح من الولي التوكيل، فإن الاستنابة جائزة في هذه القاعدة. وقد اجتمع عليها المرأة والولي، وهو بمثابة ما لو وكّل الرجل وكيلاً بالبيع، وأذن له أن يوكل إن أراد التوكيل، فيسوغ التوكيل وفاقاً. ولو أذنت المرأة لوليها في التزويج، ولم تتعرض للتوكيل أمراً أو نهياً، وإثباتاً أو نفياً، ففي جواز التوكيل -والأمر كذلك- وجهان مشهوران، أحدهما - أنه لا يجوز، كما لو وكل من يبيع متاعه، فإن ذلك الوكيل لو أراد أن يوكل من غير إذنٍ من الموكل، لم يجز له ذلك، إذا تعين التصرف. والولي إذا كان يحتاج إلى إذن المرأة، ولا يستقل بالتصرف، نازلٌ منزلة الوكيل، فإذا لم يجز للوكيل أن يوكل في التصرف المعيّن، فليكن الولي بمثابته. والوجه الثاني - أنه يجوز للولي أن يوكل (٢)، بخلاف الوكيل، فإن الوكيل يتصرف بالإذن المجرد والأمر المحض، لا معتمد لتصرفه غيرُه. فإذا تعلق الإذن على الاختصاص، لم يكن له أن يقيم غيره مقام نفسه. والوليّ وإن كان يفتقر إلى إذن المرأة، فمعتمد تصرفه كونه وليّاً، وله في تعاطي العقد حظٌّ، فساغ له التوكيل، كما يسوغ للمالك التوكيل، فينبغي أن يصير عند الإذن بمثابة الولي المجبِر، وقد تقدم أن الولي المجبر يوكِّل. ولا خلاف أن المرأة لو أذنت بالتزويج لوليها، وصرحت بالنهي عن التوكيل، لم يكن له أن يوكل. والسبب فيه: أنا كما نرعى إذنَها في أصل التزويج، نرعى إطلاقها وتقييدها، فإذا نهت عن التوكيل، فإذنها [مختص] (٣) بتعاطي الولي، فيثبت على هذا الوجه لا غير.

стр. 6148

ولو قالت للولي: أذنت لك أن توكل بتزويجي، وليس لك في نفسك أن تتعاطى التزويج؛ فالذي ذهب إليه الأئمة أن الإذن على هذا الوجه لا يصح، فإنها منعت الوليّ من التزويج، وردّت التزويج إلى الوكيل الأجنبي، فكان ذلك بمثابة ما لو [فوضت] (١) تزويجها ابتداء إلى أجنبي، [فوكَّله] (٢). وهذا لا مساغ له. ثم إذا وكّل الولي بأذن المرأة وبغير إذنها، فهل يشترط تعيين الخاطب؟ هذا ينبني على الإذن للولي؛ فإن شرطنا فيه [التقيّد] (٣)، بتعيين الزوج، [فالتوكيل] (٤) مطلقاً لا يصح، وكذلك إن لم نشترط تقييد الإذن، ولكن اتفق منها التقييد بالتعيين، فيتعين ذكرُ ذلك المعيَّن للوكيل؛ فإن التوكيل لو وقع مطلقاً، [فلا يهتدي الوكيل] (٥) إلى الشخص المطلوب المعين. ولو جرى التوكيل مطلقاً، وقد عيّنت المرأة الزوج، فإن زوّج الوكيل غير ذلك المعيّن، لم يصحّ. وإن اتفق منه التزويج منه؛ فالأظهر عندنا: أن تزويج الوكيل لا يصحّ على هذا الوجه؛ فإنه وإن صادف المعيَّن وفاقاً، فصيغة التفويض فاسدة في وضعها؛ فإن التفويض المطلق والمطلوب [معين] (٦) فاسد، وإذا فسد التفويض، لم يترتب عليه صحة التصرف. وهذا بمثابة ما لو قال وليّ الطفل للوكيل: بع هذا العبد من مال الطفل بما عزّ وهان، فالتوكيل باطل على هذا الوجه. ولكن لو اتفق منه البيع على وفق الغبطة؛ فالظاهر عندنا أن البيع لا يصح، لما أشرنا إليه من فساد صيغة التوكيل. والله أعلم. ٧٩١٧ - ثم إن الأصحاب تكلموا بعد بيان ما ذكرناه في أحكامٍ تتعلق بالوكالة في

стр. 6149

النكاح، فقالوا: إذا كان الوكيل من جانب القابل الخاطب، فهو جائز، كما يجوز التوكيل في جانب الولي المزوِّج. ثم إذا أراد الولي التزويج والقابل وكيلٌ، فلا مخاطبة بينه وبين الوكيل أصلاً. وسبيله أن يقول: زوجت فلانة من فلان بكذا، فيذكر الخاطبَ الحاضرَ أو الغائبَ، ولا يقول للوكيل: زوّجت فلانة منك؛ فإنه لو قال ذلك كان مزوجاً هذا القابل، ولو قبل المخاطب -والأمر على ما وصفناه- انعقد النكاح له. ولو قال: نويت بالعقد الذي قبلتُه موكِّلي؛ فلا تعويل على النية في الباب، وليس كما لو وكّل الرجل وكيلاً حتى يشتري له شيئاً، فإن صاحب المتاع يخاطب الوكيل، ويقول: بعت منك. والوكيل يقول: اشتريتُ، وينوي موكِّله، فينصرف الشراء إليه بالنية، والفرق بين البابين في ذلك أن المشتَرَى قابلٌ للنقل بعد تقدير حصول الملك فيه؛ فإن من ملك شيئاً أمكنه أن يقيم غيره مقام نفسه بجهة من الجهات، ومن تزوج امرأة لم يتصور منه أن يُحِلَّ غيرَه محل نفسه، فإذا كان الملك في المشترَى -على الجملة- قابلاً للنقل، وقول الوكيل: اشتريت، صالحٌ ليحمل على إضافة صورة العقد إلى النفس، وصرف مقصوده إلى الموكِّل، والعقد عقد عهدة، وموجب تعليق العهدة بمن يتعاطى القبول، وشرط ذلك أن يكون للعقد إضافة إلى الملتزم، فينتظم من مجموع ذلك جواز إضافة العقد إلى الوكيل، وامتناعُ ذلك في النكاح. وقد ذكرنا في كتاب الوكالة أن البيع لو عقد مضافاً إلى الموكِّل بالشراء على [صيغته] (١)، وعلى النحو الذي شرطناه في النكاح، فكيف السبيل فيه؛ فلا حاجة إلى إعادته الآن. ٧٩١٨ - ومما يليق بغرضنا في النكاح؛ أن المزوّج إذا أضاف نكاح المرأة إلى الخاطب الموكِّل كما يجب، فقال وكيل الخاطب: "قبلت"، ولم يُضف قبولَه إلى موكِّله، ولم يزد على قوله "قبلت"؛ فهذا يترتب على أصلٍ سنذكره في ألفاظ عقد النكاح، إن شاء الله .

стр. 6150

[وهو] (١) أن الرجل إذا خاطب الخاطب بالتزويج، فقال: زوّجتك ابنتي فلانة، فقال الخاطب: "قبلتُ"، ولم يقل: "قبلتُها" ولا "قبلت نكاحها"، فقد نقول: لا ينعقد النكاح، ما لم يتعرض القابل لذكر النكاح، وذكر المنكوحة. وقد نقول يصح النكاح. والتعويل في توجيه ذلك على ابتناء القول على الإيجاب، من حيث إنه جواب له. ومن رتّب جوابه على خطاب من خاطبه، كان الخطاب في حكم المعاد في الجواب. وسيأتي شرح ذلك، إن شاء الله . فنقول في الوكيل: إذا قال: "قبلت"، وقد قال الموجِب: "زوجت فلانةً فلاناً"، وذكر الخاطبَ؛ إن قلنا: لو جرى العقد بين الزوج والخاطب، لم ينعقد النكاح بقول الخاطب "قبلت"، فلا شك أنه لا ينعقد بقول الوكيل على هذا الوجه أيضاًً. وإن قلنا: إذا قال الخاطب: "قبلت"، كفى، فلو قال الوكيل: "قبلت"؛ ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن النكاح يصح للموكل، تمسكاً بتنزيل الجواب على حسب الخطاب، وقد أضاف المزوِّج إلى الموكِّل، فكفت إضافته، وابتنى قبول الوكيل عليه، وتُرك على موجب الإضافة. والوجه الثاني - أن النكاح لا يصحّ؛ فإن القابل ليس مخاطَباً حتى يكون قبوله مبنياً على حسبه، وإنما المسمَّى في النكاح الموكِّل، فليكن كلامُ الوكيل مستقلاً على ما تقتضيه سفارة النكاح. فإذا لم يكن مستقلاً، لم يصح العقد. وبهذا ينفصل قبول [الخاطِب] (٢) بنفسه عن (٣) المزوِّج (٤)، فإنهما متخاطبان، ولا يمتنع أن يبتني جواب المجيب منهما على خطاب المخاطب.

стр. 6151

٧٩١٩ - وبنى أئمتنا على ما ذكرناه من وجوب إضافة النكاح إلى الموكِّل الخاطب مسألةً في الأيمان، لم يقصدوها بعينها، وإنما راموا بإيرادها ما يثبت الغرض الحُكمي فيما نحن فيه، فقالوا: إذا حلف الرجل لا يزوج ابنته فلاناً، وسمى الوكيل من جهة الخاطب، ثم جرى العقد على صيغة السفارة، كما تقتضيه قضية النكاح، فلا يحنث المزوِّج؛ فإنه حلف لا يزوج الوكيل، ولم يزوجه، ولا خاطبه، وإنما تعرض لموكِّله وسماه في إضافة النكاح إليه. وبمثله لو قال: والله لا أبيع عبدي من زيد، ثم إن زيداً توكل عن عمرو في ذلك البيع، على صيغة التخاطب من غير إضافة إلى الموكِّل، فيحنث الحالف؛ لأنه كان حلف لا يبيع من زيد، فقد باع منه؛ إذ قال: "بعت منك". وقال زيد: "اشتريت" أو "قبلت". والوكيل بالتزويج يقول: "زوجت فلانة منك"، إن كان يخاطب الخاطب، ولا حاجة به إلى إضافة التزويج إلى استفادته من الموكل، بل يصحّ أن يقول: "زوجت فلانة منك"؛ فإنّ ذكر الجهات التي منها استفادة التصرف [لا حاجة] (١) إليه؛ إذ لو احتاج الوكيل إلى إضافة تزويجه إلى جهة الوكالة، لاحتاج الولي إلى إضافته إلى جهة الولاية، ولاحتاج المالك إلى إضافته إلى جهة الملك، ولا حاجة إلى شيء من هذا. ولو قال الوكيل بالتزويج: زوّجَ موكلي فلانٌ ابنته منك؛ كان ذلك خَلْفاً (٢) من الكلام غيرَ منتظم. فالوكيل في جانب التزويج سفير (٣)، مضيف إلى الموكل، فلا جَرَم نقول: لو حلف الرجل لا يزوِّج امرأة ثم زوّجها وكيلاً، حنث. ولو قال الخاطب: والله لا أتزوج من فلان، فتزوج وفلان وكيل بالتزويج، فإنه يحنث؛ فإن الوكيل في جانب التزويج مزوِّجٌ لى الحقيقة، والوكيل في جانب [التزوج] (٤) ليس متزوجاً على التحقيق، ولكنه معرب عن الغير، مضيف إليه، سفير

стр. 6152

عنه. ولو قال: والله لا أتزوج، فانتهض وكيلاً في التزوج لغيره، لم يحنث، ولو قال: والله لا أتزوج لفلان، فتزوج له وكيلاً عنه، حنث. فإن هذا معنى التزوج له. فصل قال: "وولي الكافرة كافر ... إلى آخره" (١). ٧٩٢٠ - الكافر يلي الكافرة بالقرابة والولاء، هذا هو المذهب المبتوت، والنص مصرِّحٌ به. وذهب بعض أئمة الخلاف إلى أن الكافر لا يزوج الكافرة، وإنما ارتكب (٢) هؤلاء ذلك من عسر الفرق عليهم بين الشهادة والولاية، وهذا ليس معدوداً من المذهب، ولم يصر إليه أحد من المعتبرين في المذهب، إلا الحليمي (٣). وهو رجل عظيم القدر، لا يحيط بكنه علمه إلا غوّاص. والنص عنده محمول على ترك التعرّض للكفار إذا زوّجوا بناتهم بين أظهرهم. ثم يقول الحليمي: إذا أراد المسلم التزوج بيهودية أو نصرانية؛ فلا سبيل له إلى

стр. 6153

قبول النكاح من أبيها، وإنما [يقبل] (١) نكاحها من السلطان؛ فإن الولاية العامة تشمل المسلمين والكفار، كما سنصفه، إن شاء الله تعالى. ويلزمه أن يقول: إذا زوّج الكافر ابنته من كافر، ثم ارتفع الزوجان إلينا متنازعَيْن في نفقة أو مهر، فإنا لا نقضي بموجب النكاح بينهما، كما لا نقضي لمن يتلف خمراً منهم على صاحبه بقيمتها، ولا بمثلها، وإن كنا [لا] (٢) نتعرض لهم إذا تعاملوا عليها، وهذا خرمٌ عظيم يقرِّب صاحبه من التهجم على الإجماع، وتضطرب [به] (٣) أصول نكاح المشركات. فلا وجه إذن إلا القطع بأن الكافر يزوج الكافرة. والمشكل فيه أنا إذا قلنا: الفاسق يلي التزويج، فينتظم الغرض في الكافر. وإذا قلنا لا يلي الفاسق التزويج؛ فلو كان الكافر فاسقاً [في] (٤) دينه، لم [يزوِّج] (٥) ولا يتبين أنه عدلٌ [في] (٦) دينه -مع أنا لا نطّلع على شرائعهم- إلا من جهتهم. ونحن لا نثق بإخبارهم عن قواعد شرائعهم، فيغمض مُدرَك هذا، ويعسر بسببه تزويج الكافر، إلا أن يكون فينا مطلعٌ على شرعهم، أو كان قد أسلم منهم من هو عدل رضاً فينا، وهو خبير بشرع الكفار. فإن لم نجد شيئاًً من ذلك، ومنعنا تزويج الفاسق، لم يخرّج تزويج الكافر المشكل الحال إلا على قاعدة؛ وهي: أن المستور يجوز أن يكون وليّاً، وتصرفاته تنفذ من غير بحث عن عدالته. وهذا متفق عليه بين الأصحاب، ويشهد له إطباق الخلق قاطبة على معاملة أولياء الأطفال، وإن لم تظهر عدالتهم في مقام التزكية، وإن كان ادعاء الوفاق في تزويج الفاسق يُحوج مدّعيه إلى تقريب، فما ذكرناه في المستور لا يأباه إلا

стр. 6154

جحود. [فينبني] (١) نكاح الكافر على أنه مستور في دينه، ويخرج منه أنه لا يتبين فسقه في دينه إلا بقوله وإقراره على نفسه. ٧٩٢١ - والكافر لا يزوج ابنته المسلمة؛ فإن اختلاف الدين يقطع العصمة والموالاة، وكذلك المسلم لا يزوج ابنته الكافرة، والسلطان يزوج الكوافر والمسلمات في منازل تزويج السلاطين. ولو أراد المسلم أن يتزوج كافرة، ولم يكن لها ولي خاص، ولم يكن بذلك القطر والٍ من المسلمين، فهل يجوز قبول نكاحها من حاكم الكفار وقاضيهم؟ ما كان يقطع به شيخي: أنه لا يَقبل نكاحها من قاضيهم (٢)؛ فإن قاضيهم لا ينفذُ شيء من أحكامه لنا ولا علينا، ولا نقبل كتابه في الحكومات قبولَنا كتُب القضاة. وفي كلام صاحب التقريب إشارة إلى أنا نقبل النكاح من قاضيهم. وهذا كلام مضطرب لا تعويل عليه. وسيأتي شرح القول في أحكامهم في أدب القضاء، إن شاء الله . ٧٩٢٢ - والمسلم لو أراد أن يزوج أمته الكافرة؛ [فالقول] (٣) في ذلك يبتني على أن الكافر هل يستبيح نكاح الأمة الكافرة، حتى نقضي له باستباحتها؟ والعبد المسلم هل يحل له نكاح الأمة الكتابية؟ فيه خلاف، سيأتي مشروحاً من بعد (٤)، إن شاء الله تعالى. ولكنا نكتفي الآن بحكاية تبين الغرض. ظاهر النص أن الأمة الكتابية لا يحل نكاحها لأحدٍ، وحُكي عن أبي الحسن الماسَرْجِسي (٥) أنه قال: كنت عند أبي علي بن أبي هريرة، فقال: الأمة الكافرة يحل

стр. 6155

[للمسلم] (١) إنكاحها، وذكر هذا الفصل من المختصر. فقلت: كيف يزوّجها، وهي لا تحل لمسلم؟ ومن لا تحل للمسلمين لكفرها، لم تحل للكافر، كالمرتدة والوثنية، فقال: أتستدرك على المختصر ما لم يستدركه أحد قبلك؟ فقلت: إني أرى من يفعل ذلك: أُعرِّض به، فسكتَ. ثم خرج من الغد، فقال: وجدت للشافعي أنها تحل للكافر، فقلت: كيف الوجه؟ قال: نجعل في [المسألة] (٢) قولين (٣)، في أنها هل تحل للكافر؟ وألحق أصحابنا العبدَ المسلم بالحر الكافر، وأجرَوْا الخلاف في أنها هل تحل للعبد المسلم؟ وسأذكر أصل القولين والوجهين، إذا انتهينا إلى نكاح الإماء، ومقدار غرضنا الآن ذكر الخلاف. فإن قلنا: الأمة الكافرة لا تحل لكافر ولا لعبد مسلم، فلا يتصور من سيدها المسلم تزويجها. وإن قلنا: إنها تحل للحر الكافر والعبد المسلم، فالسيد هل يزوج أمته الكافرة على ذلك؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يزوجها لاختلاف الدين، كما لا يزوج الأب المسلم ابنته الكافرة. والثاني - أنه يزوج الأمة الكافرة، لأن تزويجه مستفاد من ملكه، وحق الملك يسلِّط المالك على التصرف في المملوك. والقائل الأول يتلقى منعَ التزويج من تشبيه

стр. 6156

تزويج أمته بتزويج الأولياء، وعلى هذا يخرج اختلاف الأصحاب في أن السيد الفاسق، هل يزوج أمته؟ إذا فرّعنا على أن الفاسق لا يلي التزويج، فهذا التردد مأخوذ [من أصلٍ] (١) سيأتي، إن شاء الله وهو أن الأمَة هل يثبت لها حقٌّ في التزويج؟ وقد أشرنا إلى طرف من هذا المنتهى؛ إذ حكينا الخلاف في أنها هل تجبر مولاها على التزويج؟ وسنذكر حقيقة ذلك في نكاح الأمَة، إن شاء الله تعالى. ٧٩٢٣ - ولو ملك الرجل أمَة مجوسية، فلا شك أنه لا يستبيح وطأها بملك اليمين، فإذا جوزنا تزويجها من حر مجوسي، فهل للمسلم تزويجها منه؟ فعلى وجهين مترتبين على الوجهين المقدّمين في تزويج الأمة الكتابية؟ وهذه الصورة الأخيرة رآها الأصحاب أولى بالمنع، واعتلّوا بأن السيد لا يستحل وطأها، فقد اجتمع فيها مخالفة دين السيد، وكونُها محرمة عليه. وهذا الترجيح لا فقه فيه؛ فإنا إنما نجوز للسيد تزويج أمته بحق الملك، وهو مالك لبضع الأمة المجوسية، ولا حاصل [للتعلّق] (٢) بتحريمها عليه؛ فإن جواز الإنكاح لا يتلقى من إحلال المنْكِح غيرَه محل نفسه في الحِلّ؛ إذ الأصل على مناقضة هذا. والزوج المستحل لزوجته لا يُحلها لغيره بعقد نكاح، كما يكري الدار المكتراة. وكان شيخي يقول: من ملك أخته من الرضاع [أو] (٣) النسب، ملك تزويجها، وجهاً واحداً. وإن كان لا يستحل وطأها. وهذا حسن متجه. وقد رأيت لبعض الأصحاب تشبيباً (٤) بمنع ذلك. وهذا لا يعتد به. ٧٩٢٤ - والكافر إذا ملك أمةً مسلمة، حيث يتصور ذلك؛ فلو أراد تزويجها، كان تزويج الكافر المسلمة بمثابة تزويج المسلم الأمة المجوسية إذا جوّزنا نكاحها للمجوسي؛ فإن [المسلمة] (٥) لا تحل للكافر، كما لا تحل المجوسية للمسلم.

стр. 6157

٧٩٢٥ - وإذا ملك المسلم عبداً كافراً، ورأينا للسيد أن يجبر عبده على النكاح، فهل يُجبر المسلم [عبده] (١) الكافر؟ فعلى الوجهين المتقدمين في أن اختلاف الدين هل يمنع التزويج بملك اليمين؟ وإن لم نر الإجبار، فليس للعبد أن ينفرد بنفسه في التزويج. وهل يتزوج بإذن المولى؟ والتفريع على أن اختلاف الدين يمنع حق التزويج بملك اليمين، الذي يقتضيه الرأي عندنا أنه يتزوج بإذنه، ويحمل ذلك على أنه بإذنه أسقط حق نفسه، فاستقل العبد ناكحاً. فليتأمل الناظر ذلك. وهذا يعضده استشهاد مقصود في نفسه، وهو شاهد صدق فيما نحن فيه، وذلك أن المرأة لو ملكت عبداً، فله أن يتزوّج بإذنها، وإن لم تكن من أهل ولاية التزويج. ولا نقول: عليه أن يستأذن وليها، وإن كنا نرى أن تزويج إمائها مفوّض إلى أوليائها، فدل ذلك على أن تزوج العبد بإذنٍ مبني على أن النكاح حق العبد على التمحض، وإذن السيد تصرف في محض الملك، فليُفهم ذلك؛ فإنه لطيف. فصل قال: "ولو قالت: أذنتُ في فلان، فأيّ وُلاتي زوّجني ... إلى آخره" (٢). ٧٩٢٦ - فهذه مسألة منعوتة في المذهب، تواصفها (٣) نقلتها، وما رأوه مشكلاً منها لا إشكال فيه؛ وإنما الغموض فيما أغفلوه لوضوحه عندهم، أو لإعراضهم. ونحن نسرد مقالات الأصحاب في أركان المسألة، ونعقب كل ركن بما يحل مشكله، ويبين معضلَه؛ فنصور المسألة فيه. ٧٩٢٧ - إذا كان للمرأة مثلاً وليّان في درجة واحدة، وكانت المرأة مستأذَنة؛ فإنه

стр. 6158

لا يتصوّر اجتماع مجبِرَيْن، إذ لا مجبر إلا [الأب والجد، وإذا اجتمعا] (١)؛ فالولي منهما أقربهما، وليقع التفريع على أنه يصح من المرأة الإذن في التزويج من غير أن تعيق زوجاً، فإذا قالت لوليَّيْها: يزوجني من شاء منكما كفئاً أو [غير كفءٍ] (٢) فإذا ثبت الإذن في حق كل واحد منهما، فاتفق أنهما زوّجاها من زوجين، ولم يشعر أحدهما بصنيع الآخر؛ فالركن الأول في المسألة -بعد تصويرها- في بيان الحكم في التقاسيم، وذلك ينقسم إلى ما يشكل، وإلى ما لا يشكل. فأما إذا لم تشكل الواقعة، فلا يخلو؛ إما أن يقع العقدان معاً، أو يتقدم أحدهما، فإن وقعا معاً، لم ينعقد واحد منهما؛ إذ لا سبيل إلى اجتماع العقدين، وليس أحدهما أولى بالصحة أو الفساد، فالوجه أن يتدافعا. وهذه بمثابة قبول نكاح أختين في عُقدةٍ. فأما إذا تقدم أحد العقدين والكلام مفروض فيه إذا تعيّن ولم يشكل، فالصحيح العقد المتقدم. فلو اتفق من الزوج الثاني دخولٌ، وكان على ظن أنه المتقدم، أو لا عقد إلا عقده، فالوطء الجاري وطء شبهة. والصحيح العقد المتقدم. وقد قصد الشافعي بذكر ذلك -على وضوحه- الردّ على مالك (٣)؛ فإنه يقول: إذا جرى الوطء في النكاح الثاني، على نحو ما صورناه، فهو الصحيح. هذا قولنا فيه إذا جرى العقدان، ولم يلتبس الحال. ٧٩٢٨ - فأما إذا أشكل الأمر؛ فالإشكال يقع من وجهين؛ أحدهما - أن لا يعهد الإشكال إلا قائماً من أول الأمر. والثاني - أن يكون الأمر بيّناً أولاً، ثم يطرأ الأشكال من بعدُ. فأما إذا اقترن الأشكال؛ فإنه يقع من وجهين: أحدهما - ألاّ ندري أن العقدين وقعا معاً، أو تقدم أحدهما على الثاني؟ فإن كان الإشكال على هذا الوجه، قال الشيخ القفال -فيما حكاه الصيدلاني-: النكاحان مفسوخان. قال الصيدلاني: الوجه

стр. 6159

عندي أن يقال: لا ينفسخ حتى يفسخ القاضي، لاحتمال أن أحدهما صحيح سابق، وإنما نعلم ارتفاع النكاح إذا فسخ القاضي. وحقيقة هذا الفصل يستدعي أمرين، أحدهما - التأنق في التصوير، فليقع هذا الإشكال حيث يوءس من البيان فيه، فإذا تحقق اليأس من التبيين، ففيه ما ذكره الأصحاب. وإن كان التبيين مأمولاً، فيجب البحث، وهذه المسألة تنتفي عن الشارع، فإن الغرض في هذا الركن بيان الحكم مع الاعتراف بحقيقة الحال، فهذا وجه التصوير. أما الحكم؛ فقد اختلف أصحابنا في المسألة. فقال بعضهم: إذا تحقق الإشكال، ارتفع العقد، والأمر مفوض إلى علم الله تعالى. فإن وقع في علمه وقوعُ العقدين معاً، [فلا] (١) عقد، حتى يحتاج إلى فرض قطعه. وإن ترتبا في علم الله تعالى، واطرد الإشكال في حقنا، [بين] (٢) وقوعهما معاً وبين ترتبهما (٣)، فالعقد الأول يرتفع إذا تحقق اليأس من التبيّن فيه، ولا حاجة إلى إنشاء فسخ، وهذا يوجّه بأن إمضاء العقد غير ممكن. وإنما تمس الحاجة إلى إنشاء فسخ إذا كان تعذر إمضاؤه، وكان يمكن تيسّره بوجه من الوجوه؛ فإذ ذاك يُفرض إنشاء فسخ فيه، على ما يوجبه الشرع ويقتضيه. وذهب آخرون إلى أنه لا بد من إنشاء الفسخ؛ فإن العقد يجوز أن يكون منعقداً إذا فرض الترتيب، فلا خلاص على [التحقيق] (٤) إلا بإنشاء الفسخ. وهذا التردد يضاهي من وجه تحالفَ المتبايعين، فإن أئمتنا بعد التحالف، اختلفوا؛ فمنهم من قال: ينفسخ العقد. ثم القول فيمن [يفسخ] (٥) العقد، قد استقصيناه في موضعه من كتاب البيع.

стр. 6160

فإن قلنا: في مسألتنا يرتفع العقد من غير حاجة إلى رفع، فلا كلام. وإن قلنا: لابد من إنشاء الفسخ؛ فمن ينشئه؟ هذا فيه فضل نظر. فإن رفعوا الأمر إلى السلطان، وفوضوا إلى رأيه، ففسخ، نَفَذ، ولا كلام. وإن طلق الزوجان، انبتَّ ما كنا نقدره من عقد إن كان، ولكن يُعقب هذا إشكالاً في المهر، سنذكره، إن شاء الله تعالى. وإن لم يطلقها، وأراد كل واحد منهما أن يفسخ من غير رفع إلى مجلس الحكم، وإنما يؤثران الفسخ حتى يسقط المهر إذ ثبت، فكيف السبيل فيه؟ والمرأة بنفسها لو أرادت الفسخ، فإنها المطلوبة بالعقد المسترقة به، فكيف السبيل؟ من أصحابنا من قال: لا ينشىء الفسخ إلا الحاكم أو محكّم إن رأينا التحكيم؛ فإن هذا تعيين لمكان إشكال في مظنة لَبْس، والواقعة حَرِيَّةٌ بالاحتياج إلى مجتهد ناظر، ولأمثالها انتصب القضاة فياصلَ في الخصومات، هذا وجه. وإليه ميل الصيدلاني في مجموعه (١). ومن أصحابنا من قال: للمرأة أن تفسخ من غير حاجةٍ إلى الرفع إلى السلطان؛ فإنها تفسخ النكاح بتعذر الاستمتاع بالجَبّ. وإن كان يبقى نوع من التمتع في المجبوب، فلأن نُثبت لها الفسخ بالإشكال الذي لا رفع له أولى. ومن أصحابنا من قال: لها الفسخ كما ذكرنا. وللزوجين أن يفسخا أيضاًً، كما يفسخان برقها؛ فإن الإشكال شمل جماعة، فانتظم من هذا خلاف: من الأصحاب من قال: الفسخ إلى القاضي لا غير. ومنهم من قال: للمرأة أن تفسخ، وليس للزوجين الفسخ. ومنهم من أثبت لها وللزوجين الفسخ، ولم يشترط أحد اجتماعهم، فيكون فسخَ تراضٍ. هذا منتهى القول في صورة واحدةٍ من القسم الذي نحن فيه، وهو إذا اقترن الإشكال ولم يطرأ (٢) على بيان.

стр. 6161

٧٩٢٩ - فأما الصورة الثانية؛ فهي: أن نعلم أن أحد العقدين تقدّم، ولكن لم يتعين لنا المتقدم منهما قط، وتحقق اليأس من البيان؛ ففي المسألة قولان: أحدهما - إن هذا بمثابة الصورة الأولى، وهي: إذا أشكل الأمر، فلم ندر أوقع العقدان معاً، أو ترتب أحدهما على الثاني. وقد سبق التفصيل فيه. والقول الثاني - أنا نتوقف، ويقف العقد بينهما أبداً حتى يطلقاها. توجيه القولين: من ألحق هذه الصورة بالأولى، احتج بوقوع الإشكال وتعذّر إمضاء العقد، واستيقان التقدم لا يغني شيئاً مع اللبس في المتقدم. وإذا كنا نتسبَّب إلى رفع [العقدين مع] (١) إمكان وقوع أحدهما، فينبغي أن نفعل ذلك مع تحقق التقدم. ومن نصر القول الثاني، فصل بين الصورتين، وقال: إذا تحققنا صحة عقد في الصورة الثانية، فالهجوم على رفعه أو الحكم بارتفاعه لا معنى له، إلا [بطريقٍ] (٢) شرعي، وحكمُ الشرع أن نثبت [ما] (٣) نتبيّنه، ونتوقف فيما يُشكل، فإن ترتب على صورة الإشكال ضرر، فكم من ضرر يحتمل إذا لم يوجد في الشرع له رافع، وإذا كنا لا نستبعد على الرأي الأصح أنه تحبس المعتدة التي تباعدت حيضتها إلى سن اليأس، مع أداء هذا إلى [أن] (٤) يبطل (٥) شبابها من مراهقتها وإعصارها (٦) إلى انتهائها إلى أقصى أسنان الياس في بنات أعصارها، وهذا هو العذاب الحاقّ، ولكن لم نجد له دافعاً شرعياً؛ فألزمناه، وليس هذا كالصورة الأولى؛ فإنا لم نتحقق فيها وقوع عقد، فتسامحنا في الحكم بالارتفاع لو وقع، وهذا الفرق يتجه على طريقة القفال؛ فإنه يحكم بارتفاع العقد لو وقع في الصورة الأولى من غير حاجة إلى إنشاء رفع. فلو قال قائل: لِم قال القفال في الصورة الأولى بتقدير ارتفاع العقد؟ وهلا قال:

стр. 6162

الأصل عدمه؟ قلنا: ليس ما قاله القفال قولاً جازماً، ولكنه قال: لو قدرنا وقوعه، ارتفع. ومن قال: ننشىء الرفع، قد يتوجه عليه السؤال الذي ذكرناه؛ فإنه أوجب رفعاً -على ما فصلناه- فيقال له: هلا أخذت بعدم العقد؟ وجوابه: إن العقد واقع، فإنا إن أشرنا إلى هذا، فقد جرى معه صورة العقد، وكذلك إن نظرنا إلى الآخر، وعدم الانعقاد أمر محال على تقدير وقوع العقدين معاً، وقد يتجه استبعاد تصور هذا، فلا يمكن البناء على أن لا عقد، وليس كما لو أشكل على المرأة أنها هل نكحت أم لا؛ فإن الأصل في هذا المقام أن لا عقد، فلا يجب التسبب إلى رفعٍ في هذه الصورة على تقدير وقوع العقد. وكل ما ذكرناه فيه إذا اقترن الإشكال، ولم يطرأ على بيان. ٧٩٣٠ - فأما إذا تقدم أحد العقدين، وتعيّن، ثم أشكل ما تعيّن وأيس من التبيّن فيه؛ فالذي قطع به الأئمة أنا نقف العقد، ولا نوجب التسبب إلى رفعه، بخلاف ما إذا اقترن الإشكال، وليس يخفى الفرق على من يحاوله. وسمعت شيخي -في آخر العهد به- يحكي عن بعض الأصحاب إجراء القولين في هذه الصورة -وإن طرأ الإشكال- إذا تحقق اليأس من الخلاص منه. وهذا غريب! وذكر الأئمة نظير هذه الصور في الجمعتين إذا عقدتا في بلدة لا تحتمل إلا جمعة واحدة. وقد ذكرت تلك التقاسيم في مواضعها، ولا أذكر منها هاهنا إلا ما ينبه على فائدة. قال المحققون: إذا تيقنا تقدم جمعة ولم تتعين لنا، فهذه الصورة الأوْلى بأن يؤخذ فيها بصحة جمعة، وحكم الأخذ بذلك أن نوجب على أهل البلدة إقامة الظهر، ونمنعهم عن إقامة جمعة أخرى. فإذا تقدم أحد النكاحين، وأشكل، يتجه رفع النكاحين، والفرق أن الجمعة بعد ما صحت لا تفسخ، والنكاح بعد انعقاده يتصور فسخه بأسباب. فإذا اعتقد المعتقد كون الإشكال من أسباب الفسخ، لم يكن مبعداً. وهذا في الجمعة بعيد، فينتظم من ذلك أن الوجه القطع بأن إحدى الجمعتين إذا

стр. 6163

تقدمت، فلا سبيل إلى عقد جمعة أخرى، وعلى الناس إقامة الظهر، فإن أحداً منهم ليس عالماً بأنه أقام الفرض الذي عليه. هذا وجه القياس، وإن كان طريق القولين في الجمعة مشهورة. وقد انتجز ركن واحد من أركان المسألة، وهو بيان حكم الإشكال، عند تقدير الاعتراف به، من غير فرض نزاع. ٧٩٣١ - ولم يبق في هذا الركن إلا الكلام في النفقة، وإذا انتهى التصوير إلى حالة لا يُحكم فيها بالانفساخ ولا يثبت فيها حق الفسخ إنشاءً، فتبقى المرأة محتسبة (١) في نكاح، ولسنا ندري أن الصحيح نكاحُ هذا، أم نكاحُ ذاك؟ وقد اعترفوا بالإشكال، وإذا رفعت الواقعة على هذه الصورة إلى الحاكم، وقع الاعتراف في موضعه بالإشكال، فعلى من يقع القضاء بالنفقة؟ قال الأئمة: إذا طلق الرجل إحدى امرأتيه، وأشكل عليه المطلقة منهما، فيلزمه أن ينفق عليهما جميعاً، فإن كل واحدة محتسبة عليه، وإن أخذ آخذٌ حكمَ النفقة من هذه المسألة، قيل له: كانت كل واحدة منهما مستحِقة للنفقة، ولم يتحقق في حق كل واحدة انقطاع النكاح، وزوال السبب الموجِب للنفقة، فلكل واحدة أن تطلب نفقتها. وينضم إلى هذا أن الزوج هو الذىِ طلق، فكان هو السبب في جرّ هذا الإبهام. وقد يعترض للفقيه الالتفات إلى النشوز؛ فإنه إذا تعذر الاستمتاع [بها] (٢)، سقطت النفقة، والاستمتاع متعذر على الزوج في المسألة. وإن طلب طالب الفرق، وقال: الناشز عاصية بنشوزها، عورض بجنون المرأة إذا كان يمتنع بسببه الاستمتاع بها، فإن النفقة تسقط، وإن لم تنتسب المرأة إلى معصية. فهذا الذي ذكرناه وجوه التنبيه على الطلب، والممكنُ بعد ذلك وجهان: أحدهما - أن النفقة واجبة عليهما؛ إذ جرى في حق كل واحد منهما صورةُ عقد، ولم يوجد من

стр. 6164

جهتها امتناع ولا صفة ذاتية يعزى إليها الامتناع، ويستحيل أن نوجب نفقتين، وليس أحدهما أولى بالالتزام من الثاني، فلا وجه إلا فضُّ (١) النفقة عليهما. هذا وجه. ويجوز أن يقال: لا نفقة أصلاً؛ فإن كل [واحدٍ] (٢) منهما يقول: إن نكحت وألزمتموني حكم نكاحي فمكّنوني من مستمتَع، ثم أَلْزموني النفقة، فإذا تعذر المستمتَع من كل وجه، فلا معنى لإيجاب النفقةَ. والظاهرُ بعد هذه المباحثات الحكمُ بسقوط النفقة عن كل واحد منهما؛ فإن المرأة لا تستيقن استحقاق النفقة على واحد منهما، وكل واحد منهما ليس يستيقن وجوب النفقة عليه، والأصل براءة الذمة. فإن قيل: قد جرى في حق كل واحد منهما صورة عقد، وهي موجبة النفقة على الجملة، فهذا ثابت في حقه، وطريان الشك من جهة عقد جرى مع آخر، ينبغي ألا يسقط حق النكاح عنه؟ فالجواب عن ذلك: أنه ليس من الإنصاف النظر إلى صورة العقد في كل واحد منهما، ولكن ينبغي أن يشمل النظر الواقعة بكمالها، ولا يكون العقد ملزماً مع عقد في مقابلته، هذه صورة الواقعة. وهذا يناظر أصلاً سبق تمهيده؛ وهو أنا إذا فرّعنا على أن النجاسة وإن غلبت على الظن، فلا حكم لها ما لم تستيقن، فلو كان مع الرجل إناءان، أحدهما فيه ماء طاهر، والثاني فيه ماء نجس، وأشكل الطاهر منهما؛ فلو أفردنا استعمال إناء أخْذاً بأن هذا في نفسه غيرُ مستيقن النجاسة، لم يجز، ولكن يثبت الحكم من تقابل الإنائين، فصورة الواقعة إناء في مقابلة إناء، ويجوز أن يقال: إذا كان يثبت حكم النجاسة بسبب مقابلة نجس طاهراً، فينبغي أن يثبت حكم اللزوم بسبب مقابلة عقد صحيح عقداً فاسداً، ولكن هذا -على ما فيه من التخييل- فيه تلبيس؛ فإن المحكوم عليه شخص واحد، والإناءان محل الحكم، وهاهنا المحكوم عليه شخصان، كل واحد منهما متميز عن الثاني، فالوجه: إسقاط النفقة، ويترتب عليه أمر المهر، فالمرأة لا تعلم يقيناً استحقاق المهر على واحد منهما بعينه، وكل واحد منهما لا يعلم

стр. 6165

أن المهر يلزمه، والواقعة مشكلة، والاعتراف بالإشكال واقع، ولا سبيل إلى التزام مهرين، ولا إلى قسمة مهر، والنشوز لا مدخل له في المسألة، فالوجه: أن واحداً منهما لا يطالَب بشيء، مع القطع بأن مهراً واحداً وجب على أحدهما. فهذا ما لا ينقدح على قياس الأصول غيره. ولا حاجة مع هذا إلى الاستشهاد بمسألة الطائر إذا طار، فقال زيد: إن كان هذا الطائر غراباً فامرأتي طالق، وقال عمرو: إن لم يكن غراباً فامرأتي طالق، فلا نحكم بوقوع الطلاق، مع العلم بوقوعه في علم الله تعالى على زوجة أحدهما. وإنما لم نؤثر الاستشهاد بهذه المسألة مع موافقة الحكم؛ لأن قول كل واحد منهما على صورة، لو استقلت وانفردت، لأوجبت المهر والنفقة، فهذا الفرق يقع بين المسألتين، والفقه المعتمد في نفي المهر والنفقة وراء ذلك، والأولى اعتماده والاكتفاء به. وقد تم ركن واحد. ٧٩٣٢ - فأمّا الركن الثاني: وهو حريٌ بالاعتناء به - وهو القول في التداعي والتنازع، والذي قدمناه فيه إذا اعترف الجميع بالإشكال؛ فإذا كان يدّعي كل واحد من المتزوجَيْن أنه السابق؛ فأول ما تساهل الأصحاب فيه تحقيق القول فيمن توجه الدعوى عليه، وهذا سر الفصل ومنشأ الإشكال، وفيه اختبطت الطرق، ونحن نجري على طريقتنا في نقل ما ذكره الأصحاب، وذكر ما فهمناه من فحوى كلامهم، حتى إذا نجز، أتبعناه البحثَ وطلبَ التحقيق. قال الشيخ أبو بكر الصيدلاني: إذا ادعى المتزوجان السبق، وكان كل واحد منهما يدعيه، ودار هذا التفاوض بينهما، ولم يعلّقا دعوييهما بالمرأة؛ فالقاضي يحلّفهما على ما سنصف كيفية التحليف. صرح بهذا في مجموعه وفرّع عليه. وقال غيره (١): إذا تفاوض المتزوجان ولم يعلّقا دعوييهما بمحل. فلا يلتفت إليهما، ولا تسمع دعواهما؛ فإن وضع الدعوى في الشريعة يقتضي ارتباطاً
следующие страницы →