← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

وللأب تزويج ابنه الطفل [لمصلحة] (١) ظنية، مع العلم بعدم حاجته إلى النكاح. وولي المحجور عليه يرعى في مصلحته هذا المعنى، لكن لا يجبره عليه، والخلاف في استقلاله إذا ذكر حاجة جلية داعية، فأما لمصلحة جلية من غير طلب، فلا خلاف فيه. ٧٨٦٧ - والأولى لولي السفيه أن يعيّن له امرأة، ويقدر مهرها، ويأذنَ له في العقد عليها، فإن عيّنها ولم يقدّر مهرها، صح الإذن، وعقد السفيه بمهر مثلها أو بأقلَّ منه، فإن زاد على مهر المثل، صح النكاح ولزم مهر المثل، وسقط [الزيادة] (٢). ولو قدّر مهراً، فتخيّر به السفيه امرأة، جاز، إذا كان مهرَ مثلها، وإن كان أكثر منه، لزم مهر المثل، ورُد الزائد؛ لأنه تبرع، وتبرعه مردود. ولو أذن فيه من غير تعيين امرأة ولا تقدير مهر (٣)، صح الإذن على وجهٍ، فإن زاد على مهر المثل، رُدّت الزيادة، وقيل: لا يصح؛ لأنه قد يتزوج من يستغرق مهرُ مثلها مالَه، فالوجه أنه لا يصح نكاحها إذا لم يقع موافقاً لمصلحته، وإن أفسدنا الإذن، فالنكاح باطل، وإن وافق المصلحة، فكأنه لم يأذن. ٧٨٦٨ - وأما العبد، فإنه لا ينكح بغير إذن سيده، كالسفيه بغير إذن وليه، فلو قال له المولى: انكح من شئت بما شئت، صح الإذن، وينكح هذا، ويتعلق المهر بكسبه، بخلاف السفيه (٤)، فلو لم يجد السفيه إلا من لا ترضى بمهر مثلها، وأخبر بحاجته إليها، ففيه احتمال. ولو أذن السيد لعبده أن يتزوج بمهر المثل (٥)، فزاد عليه، قال الشافعي: لا تثبت

стр. 6092

الزيادة في حق السيد، ولا تتعلق بكسبه، بل بذمة العبد، يُتْبع بها إذا عَتَق، فيصح المسمى، ويتبعض متعلقه. ولو عين ولي السفيه له امرأة، فنكحها على أكثر من مهر مثلها، رُدَّت الزيادة، ولم يطالب السفيه بها ولو فك الحجر عنه لرشده؛ لأنا نرعى فيما لا يتعلق بكسب العبد حقَّ السيد، وفي حق السفيه حق نفسه، ولو طولب بها إذا رشد، لطولب بها في الحال، كما لو أتلف مالاً، أو جنى جناية توجب المال. قال: وفي النفس مما حكيته متفقاً عليه (١) أثر؛ فإنّ السيد إذا قال لعبده: انكح هذه، فلو نكح غيرها، لم يصح، لمخالفة الإذن، وكذا لو علق إذنه بوقت أو صفة، وجب اتباع ما عيّنه، فإذا قال: انكح هذه بألف، فنكحها بألفين، فليس هذا النكاح المأذونَ فيه، فمثله في ولي السفيه. ووجه الجواب عنه، أن النكاح قائم بنفسه دون العوض، فإذا أذن فيه، استقل الإذن، ومخالفتُه في مقدار المهر مخالفة في الإذن في المهر؛ ولأن الأمر في المهر مردود إلى مهر المثل، بخلاف ما لو عين امرأة، فنكح غيرها؛ لأنه ترك مقتضى الإذن بالكلية. ويلزم إذا وكل في قبول نكاح امرأة بألف، فقبل الوكيل بألفين، قال: فالمذهب الصحيح أن النكاح لا ينعقد؛ لأنه لا مستند لنكاح الوكيل إلا الإذن، فإذا خالفه، لم يتبق له مستند، وقيل: بأن الوكيل إذا خالف في مقدار المهر، يصح نكاحه؛ لأنه غير مقصود في النكاح، فلا يؤثر الخلاف فيه. قال: وهو بعيد ومنقول (٢). ولو قيل: بأن نكاح العبد والسفيه إذا خالفا في المهر لا يصح، لكان أوجه في المعنى مما ذكره في الوكيل. ولو قال السيد لعبده: انكح هذه بألف، فإن زدتَ ولو درهماً، فلا إذن فيه،

стр. 6093

فكما (١) أذنت لك فيه بألف [نهيتك] (٢) عنه بالزيادة، فالذي يقتضيه الرأي أنه إذا زاد، لا يصح نكاحه مع تصريحه بنفي الإذن فيه، والنكاح وإن كان حقَّ العبد، فلا بد من رعاية إذن المولى فيه، لتعلّق حقه به. وقد نصّ الشافعي ﵁ أن العبد إذا زاد على ما قدره السيد، تصح تسميتُه وتلزم ذمتَه، يُتبع بها إذا أعتق، وفيه [غوص] (٣)؛ فنُقدِّم أن الجمهور على أن العبد إذا ضمن ديناً بغير إذن سيده، لم يصح، ولا يثبت في ذمته المال، وقيل: يصح، ويتبع به إذا أعتق، وهو منقاس، فتعلّق بما نصّ عليه؛ فإن الزيادة وما ضمن لم يأذن السيد فيهما، وعدم تضرر السيد بالضمان لا يوجب صحته؛ [بخلاف الزيادة] (٤) لأن للسيد تعلقاً بها، ولهذا لو ضمن لسيده شيئاًً عن أجنبي، لم يصح، وإن أمكن مطالبته إذا عتق، فكذلك (٥) [القيمة] (٦) الصحيحُ أنها تتعلق بذمته إذا عتق، وقيل: لا يطالب بها بعد العتق، والفرق أن الإتلاف لا يمكن ردُّه، ولا إحباطُ حق المتلف عليه (٧)، والضمان عقد نسيئة، وتصحيحه وإبطاله إلى الشرع. ولو اشترى العبد شيئاً بغير إذن سيده، فالمذهب أنه لا يصح، وفي صحته قول غريب حكيناه، والفرق بينه وبين الضمان، أن الضمان التزام مجرد، والبيع عقد عهدة، وثبوت الملك فيه للسيد من غير عهدة محال؛ فإن وارث المشتري يملك المبيع إرثاً، مع التزام العهدة (٨)، وإلزام السيد العهدة بعقد انفرد به العبد محال،

стр. 6094

ولا يتحقق هذا في الضمان لو صح، بخلاف الزيادة (١)؛ فإنها وإن التزمها العبد بغير إذن سيده إلا أنها جارية في سياق عقد مأذون فيه، فكانت أقرب من الضمان؛ ولأن أصحابنا وإن اختلفوا في العبد إذا قبل هبة أو وصية بغير إذن السيد هل تصح؟ وإذا صح فهل يملك السيد؟ لم يختلفوا في أن العبد إذا خالع زوجته على مال أن المال يدخل في ملك السيد قهراً، لأنه جرى في سياق الطلاق، وهو خارج عن الحجر، ويجمُل في القياس ألا تلزم الزيادة في المهر أصلاً، كالضمان، والفرق بينهما عسر، ولا يكتفى فيه بالجهالات، كاكتفاء أصحاب الرأي، [ويؤيده] (٢) أن الظن إذا كان أغلب في الاجتماع من الافتراق، وجب الحكم بالاجتماع، ولا عبرة بفرق بعيد. ولو اشترى السفيه شيئاً بغير إذن وليه، فشراؤه فاسد، فلو قبضه وأتلفه، لم يضمنه؛ لأن بائعه هو الذي سلّطه على إتلافه، وما لا يضمنه محجوراً عليه، لا يضمنه إذا فك حجره؛ لأن المرعيّ في الحالين حقه؛ ولأن تسليطه على إتلافه واضح، وشرط ضمانه محتمل؛ فثبت حكم تسليطه، ولم يلزمه الضمان. ولو باع سفيه من سفيه شيئاًً، فقبضه وأتلفه، قطعنا بوجوب ضمانه عليه؛ لأن البائع ليس من أهل التسليط، وقد وجد من المشتري الإتلاف، فهو كما لو أتلفه من غير بيع. ٧٨٦٩ - ولو تزوج السفيه امرأة بغير إذن، وحكمنا بفساد نكاحه، ووطئها، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها - أنه يلزمه مهر مثلها؛ لأنه عوض منفعة البضع؛ فلا يسقط بالتسليط، بخلاف ما لو أتلف المبيع في البيع الفاسد، لما قدمناه. والوجه الثاني - لا يجب المهر، كما لا تجب قيمة المبيع في البيع الفاسد، والوجهان مبنيان على القولين في المرتهن إذا وطىء الجارية المرهونة بإذن الراهن ظاناً جوازه، ففي وجوب المهر قولان.

стр. 6095

والوجه الثالث - أنه يلزمه أقل ما يتمول ولا يلزمه كمال المهر، حتى لا يعرى الوطء عن بدل، وهذا لا وجه له؛ فإن زوج المفوضة إذا وطئها، لزمه كمال مهر المثل، فلا يكتفى بأقل المال، وكذلك المرتهن إذا وطىء بإذن الراهن لا مهر عليه في قول، وفي الثاني يجب تمام مهر المثل. ٧٨٧٠ - والمحجور عليه للفلس يصح نكاحه، والسفيهة المحجور عليها المبذرة، في النكاح كالمُطْلَقة التصرف الرشيدة، فلو تولى مالها قيّم من قِبل الحاكم، فزوّجها أخوها، صح، وسرُّه أن الرشيدة لا تستبد بالنكاح، ولو كانت ثيباً بالغاً، وإذا طلبت التزويج، وجب إجابتها، فالحجر وعدمه في حقها سواء. قلت: ولأن الحجر عليها في المال خوف إضاعته، وفي تزويجها تكثيره، وتوفيره بالمهر والنفقة، بخلاف الرجل السفيه؛ فإن نكاحه سببٌ في إضاعة المال، ونظيره أن السفيه يجوز أن يخالع زوجته بغير إذن وليه، لما فيه من تكثير ماله، وتوفيره بسقوط النفقة عنه. فصل ٧٨٧١ - لا يملك السيد إجبار عبده البالغ العاقل على النكاح في قوله الجديد؛ لأنه يملك حلّه بالطلاق، فلا يجبره على عقد يملك حله؛ ولأنه يُلزمه به مالاً، فلم يجبره عليه، كالكتابة، ونصَّ في القديم أنه يجبره، وهو مذهب أبي حنيفة (١)؛ لأنه استصلاح لملكه، فهو [كالفَصْد] (٢) ونحوه. فأما العبد الصغير، فإن قلنا: إنه يُجبَر البالغُ، فالصغير أولى، وإن قلنا: لا يجبر البالغ، ففي إجبار الصغير قولان: إن شئنا، بنيناهما على المعنيين في

стр. 6096

البالغ، فإن قلنا: لا يجبره؛ لأنه يملك الطلاق، فالصغير لا يملك الطلاق، وإن قلنا: يُلزم ذمته مالاً، فكذا الصغير؛ فإنه لا يملك إجباره على الكتابة، والأوْلى توجيه القولين في [الصغير بالصغر] (١): فإن قلنا: يجبره، اعتبرناه بالصغير الموْلي عليه، والسيد بالأب والجد، وإن قلنا: لا يجبره؛ فلأن السيد لا ينظر لعبده، وإنما ينظر لملكه، والنكاح لا يرد على محل ملكه، وكذا الحاكم في المجنون. قال العراقيون: إن قلنا: السيد يجبر عبده على النكاح، فالعبد لا يجبر سيده على الإنكاح. وإن قلنا: السيد لا يجبر عبده على النكاح، فهل يجبر العبد سيده على الإنكاح؟ قولان. وتعليله أن الطباع مجبولة على التشوف إلى النكاح، والرق لا نهاية له، فلو منع هذا الجنس من النكاح لجر ضرراً عظيماً. وإن قلنا: لا يُجبَر عليه السيد، فهو منعٌ لا ينتهي إلى الضرورة؛ ولذلك لا يجب على الأب أن يُعفَّ ابنَه. فإن أجرينا القولين، فرعناهما على أن السيد لا يجبر عبده، وإن قلنا: يجبره، بَعُد إجراء الإجبار من الجانبين، ويجوز أن نجريهما على القول بأنه يجبره، ويكون للعبد أن يحمله على التزويج، كما أن الأب يجبر البكر البالغة على النكاح، وهي تحمله على أن يزوجها، فالإجبار جائز من الطرفين. فإذا قلنا: العبد يجبر سيده، فمعناه أنه يطلب منه التزويج، فإن أجابه، فذاك، وإن أبى، فعلى وجهين: أحدهما - أن العبد يتزوج بنفسه، والثاني - لا يتزوج، لكن يأثم السيد بالامتناع. ومن نصفه حر، لا يملك مالكُ رقه إجباره اتفاقاً؛ لما فيه من الحرية، وهل يملك هو إجبار مالك رقه على إنكاحه؟ على القولين؛ لأن حريته تؤكد استحقاقه إجبار مالك رقه، وتمنع من إجبار السيد له؛ لأن التزويج يتناول جملته؛ فلا يَجبُر موصوفاً بالحرية من غير سبب. ٧٨٧٢ - ويملك السيد إجبارَ أمته على النكاح؛ لأنه يعقد على منافعَ مملوكةٍ له، وهي منافع بضعها، بخلاف العبد، فإن كانت تحل للسيد، لم يُجبَر على تزويجها؛ لأنه يُعطِّل حقه من الاستمتاع بها، ولا حجر عليه فيه، ولا تملك مطالبته به؛ فإن

стр. 6097

الزوجة لا تملك مطالبة زوجها بالجماع، فكيف الأمة؟ وإن كانت لا تحل لسيدها، ففي إجبارها إياه على تزويجها قولان، تقدم توجيههما من مسيس الحاجة. ٧٨٧٣ - إذا أذن السيد لعبده في النكاح، فإن المهر، والنفقة، والمؤن الراتبة تتعلق بأكْساب العبد، فالإذن له في التزويج إذنٌ له في ذلك، وأقرب شيء إلى العبد كسبه، فقد أذن في صرفه إلى مؤونته. والقول الجديد: إذا تزوج بإذنه، لا يصير ضامناً للمهر والنفقة، والقول القديم: يصير ضامناً، وإن لم يصرح بالضمان، فوجه الأول - أنه لم يضمن تصريحاً ولا تعريضاً، ووجه الثاني - أن العبد يؤدي ذلك من كسبه، وهو ملك السيد؛ فلا فرق بينه وبين سائر أمواله، ولم يتعرض لتعلق ذلك بالكسب في إذنه، وينبني القولان على القولين في المأذون له (١) إذا قلنا: تتعلق ديونه بما في يده، ففي تعلقها بالسيد قولان، ووجه البناية في قولٍ كأنه ضامن عهدة تصرفاته فيما سلمه إليه، وفي قول تتعلق بسائر مال الإذن، كذلك السيد إذا أذن في النكاح، وهل يتعداه حتى يطالب السيد به؟ على القولين: قال العراقيون: إن قلنا: يطالب السيد، فلا كلام. وإن قلنا: لا يطالب، فلا يلزمه الضمان. فلو كان العبد عاجزاً عن الكسب، وذلك ظاهرٌ لسيده، ففي مصيرِه ضامناً على هذا القول قولان؛ لأنه إذا كان مكتسباً أمكن أن يقال: أحال السيد الغرم عليه، وإذا لم يكن كسوباً، لم يتحقق هذا المعنى، وظهر التزام السيد له، ولو كان له كسب لا يفي، فإلزامه [ما زاد] (٢) على الكسب بمثابة الجميع، ولا يشترط علم السيد بعدم كسبه في جريان القول الثالث (٣)، حتى لو لم يعلم لكنه كان قادراً على البحث، فتركه، فهو كما لو علم. ولو كان العبد كسوباً حالة العقد، وطرأت عليه زمانةٌ، فهو على أصل القولين،

стр. 6098

ولا يجري فيه القول الثالث؛ لأنا إذا وجدنا بدلاً نُحيل الضمان عليه حالة العقد، [فلا يغيره] (١) ما طرأ. إذا أذن السيد لعبده أن يتمتع بالعمرة إلى الحج ففي لزوم دم التمتع للسيد قولان مرتبان على القولين في ضمان مؤن النكاح ومهره، ولزوم دم التمتع أولى بألا يطالَب به المولى؛ لأنّ له بدلاً، فعليه عوّل السيد، وهو الصيام، وليس ذلك في مؤن النكاح. فلو قلنا: لا يضمن السيد بمجرد الإذن، فلو قيد الإذن به، لم يصر ضامناً؛ لأنه ضمان ما لم يجب. [فإذا] (٢) ضمن السيد المهر بعد العقد، صح ضمانه، وإن ضمن النفقة في المستقبل، لم يصح؛ لأنه ضمان مجهول، فإن ضمن منها [مقداراً] (٣)، ففيه قولان؛ لأنه ضمان ما وجد سبب وجوبه، وعلى القديم يصير السيد ضامناً للمهر والنفقة جميعاً مع الجهالة، ومأخذُه تعلق العهدة والطَّلِبة (٤) بسائر ماله من غير اختصاص بكسبه، وعلى الجديد لا يتوجه الضمان على السيد في جميع ماله، بل ينحصر في الكسب فيخلِّي بين العبد وكسبه، فإن اكتسب مقدار نفقته، فذلك مصروف إليها، ويبقى المهر على العبد، فإن فضل عنها، صرف الفاضل إلى المهر، حتى يؤديه منها. ٧٨٧٤ - وإن كان مأذوناً في التجارة، وفي يده مال لسيده يتجر فيه، تعلق ما يلزمه بالنكاح بالأرباح اتفاقاً؛ لأنها من كسبه، ونسبتها إلى رأس المال كنسبة الكسب إلى رقبة العبد. وفي تعلق لوازمه بنفس رأس المال وجهان مشهوران: أحدهما - لا يتعلق به، لأنه ليس من كسبه، فهي كرقبته، والثاني يتعلق به؛ لأنه معتمد في تعامله، ولهذا تعلقت ديون التجارة برأس المال.

стр. 6099

٧٨٧٥ - فلو أراد السيد أن يستخدم العبد في حضره، أو يسافر به، قال العراقيون: ليس له أن يشغله عن الكسب ما بقي عليه واجبٌ في النكاح؛ لأن ذلك يشغله عن الكسب الذي تعلقت الحقوق به، وهو حسن متجه. والمراوزة أجازوا استخدامه والسفر به، وألزموه ضماناً. والله أعلم أن أقوى مراتب تعلق الحقوق تعلّقُ الدين بالرهن، وهو مانع للراهن من التصرف في المرهون ما بقي عليه شيء من الدين، ويليه تعلق الأرش برقبة العبد الجاني، وهو دون الأوّلة (١)؛ لأنه لم يتعلق بقصد المالك، فلذلك اختُلف في بيع العبد الجاني قبل فدائه، ويليه في التعلّق ما نحن فيه؛ لأن الأكساب متوقعة غير حاضرة، والوثائق تتعلق بشيء كائن؛ فإذا بعد رهن الدين، فالكسب المتوقع أولى. قال العراقيون: إذا ضمن السيد لوازم النكاح، لم يُمنع من استخدامه والسفر به، قال: وفيه نظر؛ فإنه وإن ضمن [فما لم] (٢) يؤد، ينبغي أن لا ينفك التعلق بالكسب. فإذا جوزنا له أن يستخدم أو يسافر، ففعل، أو منعناه، فاستخدمه يوماً أو أياماً، لزمه حقوق النكاح، كما يلزمه فداء العبد الجاني إذا باعه، وهو ما [يتجه] (٣). وما الذي يلزمه؛ قيل: يلزمه المهرُ بالغاً ما بلغ، والنفقةُ؛ لأنه قد كان يكسب هذه المدة مبلغاً كثيراً يفي بذلك. والثاني - يلزمه أقل الأمرين: من أجرة مثل العبد لمدة الخدمة، أو ما لزم من مؤنة النكاح، وهذان القولان يقربان من القولين فيما

стр. 6100

يفدي به جناية العبد (١)، فلو قتل السيدُ العبد (٢)، لم يلزمه إلا الأقل؛ لأن المتلف لا يلزمه إلا قيمة ما أتلفه (٣)، وقيل: يُبنى على القولين، وهو بعيد (٤)، واستخدام السيد العبد بمثابة قتله؛ لأنه أتلف متعلق حقوق النكاح، وهو منفعته (٥). ويتجه فيه أن السيد أحال بحقوق النكاح على الكسب، فإذا أفسده، فسائر أمواله ككسبه عنده، بخلاف جناية العبد؛ فإنها تجب من غير سبب صدر من جهته. ولو استخدم العبدَ أجنبي يوماً أو أياماً، لزمه أجرة المثل بلا شك من غير مزيد، لأنه أتلف منافعه، ولم يورط العبد فيما ورطه المولى (٦) من التزام حقوق النكاح. ونظير استخدام السيد هذا العبد ما إذا استخدم مكاتَبه مدة، ففي قولٍ يلزمه أجرة مثل المدة، ويناظر إلزامنا السيد أقل الأمرين، وفي قول يمهله مثل المدة زيادةً على نجومه، فيناظر إلزامنا السيد أكثر الأمرين. فإن قلنا: يلزم السيد أقل الأمرين، فلا إشكال فيه، وإن قلنا: يلزمه الأكثر، لزمه المهر ونفقة الأيام التي استخدمه فيها، وفي إلزامه النفقة لمستقبل الأيام وجهان: أحدهما - تلزمه؛ لجواز أن يكتسب في تلك المدة ما يكفيه لبقية حياته، والثاني - لا يلزمه إلا الواجبات في أيام الاستخدام، أما الحادث الذي لا يحصر، فلا.

стр. 6101

قال العراقيون: إذا اشتغل العبد بالكسب نهاراً، لم يكن لسيده أن يستخدمه ليلاً؛ لأنه وقت راحته، وتجب التخلية بينه وبين زوجته؛ لأنه لا يجوز استخدامه طول زمانه، ولا منعه من الاستمتاع. أما الأمة إذا زوجها مولاها، فلا يلزمه تسليمها إلا ليلاً، وله أن يسافر بها، ولا يمنعه الزوج اتفاقاً. ٧٨٧٦ - هذا كله إذا كان النكاح صحيحاً بإذن السيد، أما إذا نكح العبد نكاحاً فاسداً بغير إذن، فإن لم يطأ، لم يلزمه شيء. وإن وطِىء على شبهة (١)، ففي المهر قولان: أحدهما - يتعلق بذمة العبد؛ يطالَب به إذا عتق؛ لأنه لم يأذن له في العقد؛ فلم يتعلق بكسبه، ولزمه برضا مَنْ له الحق (٢)، فلم يتعلق برقبته، ويخالف السفيه إذا نكح بغير إذنٍ ووطىء؛ حيث لا يلزمه المهر على ظاهر المذهب (٣)، والفرق أن المرعي في السفيه حقُّه، وفي العبد حق المولى، ولا خلاف أن من باع من السفيه شيئاًً بغير إذن وليه، وأتلفه السفيه أنه لا يلزمه شيء أصلاً (٤)، ولو كان ذلك مع العبد، تعلقت القيمة بذمته. ونص الشافعي في العبد على قول آخر: أنه يتعلق المهر برقبته، كأرش الجناية (٥)؛ (لأنه يدخله الإباحة) (٦)، وقيل: إنه ليس مذهباً للشافعي إنما حكاه عن

стр. 6102

غيره ومن أنكر هذا في العبد؛ فإنه ينكر وجوب المهر على السفيه. ٧٨٧٧ - ولو أذن له السيد إذناً مطلقاً، فنكح نكاحاً فاسداً، ووطىء فيه، ففي تعلق المهر بكسبه قولان: الأصح أن لا يتعلق به؛ لأن الفاسد غير مأذون له فيه. والقول الثاني - يتعلق المهر بكسبه لوقوع اسم النكاح على الفاسد، فيندرج الفاسد تحت الإذن، وينشأ من هذا أن من حلف لا يبيع، فباع بيعاً فاسداً، فالمذهب أنه لا يحنث، ويخرج من هذا القول أنه يحنث، وهو مذهب أبي حنيفة (١). فإن قلنا: يتعلق المهر بالكسب، فلا كلام، وإن قلنا: لا يتعلق بالكسب، ففيه القولان، أحدهما - يتعلق بذمته، والثاني - برقبته. إذا أذن له في النكاح، فنكح نكاحاً صحيحاً، وفسدت تسمية الصداق، تعلق مهر المثل بالكسب قولاً واحداً؛ لأنه وجب في نكاح مأذون فيه.

стр. 6103

فصل ٧٨٧٨ - إذا زوج الرجل أمته، لم يلزمه تسليمها إلا في الليل وحده، لكنه يستخدمها في النهار، فلو أراد عكس ذلك، لم يكن له؛ لأنه خلاف المعتاد، والليل وقت الاستراحة، وهو عماد القَسْم (١)، ويلزم الحرةَ تسليمُ نفسها إلى زوجها ليلاً ونهاراً، وإن ملكت منافع بدنها، كما ملك السيد منافع الأمة، لكن نكاح الأمة مقتطع عن نكاح الحرائر، ولهذا يملك الزوج أن يسافر بالحرة حيث شاء، ولا يملك زوج الأمة أن يسافر بها، ويملك سيّدها أن يسافر بها، وإن فوت حق الاستمتاع على زوجها. ولو قال السيد لزوج الأمة: أتخذ لك بيتاً في داري؛ تكون معك فيه، فقولان: أحدهما - لا يلزمه قبوله؛ لأنه قد يتعذر عليه دخول دار السيد، ويمنعه من ذلك الحياء والمروءة. والثاني - يلزمه؛ لأنه لا يلزم السيد رفع يده عنها، وفي إخراجها من بيته رفع يده عنها. فإن سلمها إلى الزوج ليلاً ونهاراً، وجبت عليه نفقتها، وإن سلمها في الليل دون اللهار، فوجهان: أحدهما - لا تستحق نفقة؛ لأنها مشروطة بتمام التمكين، ولم يوجد. والثاني - تستحق نصفها؛ لأنها مكنت في أحد الزمانين. وكان شيخه يقول: "تستحق جميع النفقة؛ لأن التمكين المستحق عليها هو هذا؛ لأنه زمانه المتعارف. ولو كان تسلمها في النهار مستحقاً، لزم الوفاء به كالليل". أما الحرة إذا سلمت نفسها في الليل دون النهار، ففيها وجهان كالأمة. [قيل] (٢): وفي الأمة إذا كانت تحسن صنعة تعملها في بيت الزوج (٣)، وجب

стр. 6104

تسليمها ليلاً ونهاراً، وهو ضعيف؛ لأنه (١) قد يحتاج إلى خدمتها في غير الصنعة (٢). وإذا سافر السيد بالأمة المزوجة، سقط جميع نفقتها، وإن كان السفر جائزاً. ولو أراد الزوج أن يسافر معها جاز. فصل ٧٨٧٩ - إذا زُوِّج العبد حرة، وضمن سيده مهرها، أو قلنا: يصير ضامناً له شرعاً، فلو اشترت الحرة زوجها [بالصداق] (٣)، انفسخ النكاح، لأنه لا يتصور أن يكون زوجها مملوكها؛ لأن الزوجية والملك يتنافيان. وهل تكون الفرقة من جهة سيد الزوج، أو من الزوجة؟ فيه قولان: أحدهما - من جهة السيد؛ لأنه هو الموجب (٤) والقبول يبتني عليه، والثاني - يضاف إليها؛ لأنها هي المالكة، وكذلك لو وهبه منها. وفائدة القولين أنا إذا أضفنا سبب الفراق إلى البائع، فلو وجد ذلك قبل الدخول، فنصف الصداق (٥)، كما في الطلاق، وإن وجد بعد الدخول، لم يسقط منه شيء. ولو قلنا: يضاف إليها، وكان قبل الدخول، سقط جميع المهر (٦)، كما لو

стр. 6105

ارتدت، أو فسخت النكاح بعيب ونحوه. وكذلك إذا اشترت الحرة زوجها بثمنٍ غير الصداق قبل الدخول (١). وإذا تزوج العبد بإذن سيده، وضمن السيد المهر المسمى، فإن تزوج أمة، فاشترى مولاها زوجَها، فالنكاح دائم، كما لو زوج أمته من عبده، فلو اشتراه بالمهر، سقط المهر؛ لوقوعه عوضاً وملكاً لمن كان له رقبة العبد، ولو اشتراه بألف في الذمة، وكان المهر ألفاً في الذمة، فلكل واحد من السيدين ألف في ذمة الآخر، ويجري فيهما أقوال التقاصّ. وإن كانت زوجة العبد حرة، فاشترته بغير الصداق، صح الشراء، وملكت العبد وانفسخ النكاح، وسقوط المهر أو تنصيفه على ما فصلناه. فإن رأينا سقوط مهرها بنسبة التملك إليها، لزمها ثمن العبد بكماله، وإن قلنا بالتشطر، فاشترته بألف، وكان المهر ألفين، سقط ألف بالفرقة، وكان الألف الثاني في مقابلة الثمن، إن جرى التقاص. [من مسائل الدور الحكمي] (٢) ٧٨٨٠ - إذا اشترت الحرة زوجها بالصداق، وكانت مفوِّضة قبل الدخول، وفرعنا على الأصح في سقوط جميع المهر، فلو ملكته بهبة أو اشترته بغير الصداق، فقد قال الشافعي: لا يصح الشراء؛ لأن في تصحيحه إفسادَه؛ لأنه لو صح الشراء، ترتب عليه الملك، وانفساخ النكاح، وإذا انفسخ النكاح، سقط المهر بكماله، وهو الثمن، وإذا عري البيع عن الثمن يفسد، وهذا هو الدور الحكمي. وإن قلنا: إن الفسخ مضاف إلى البائع، سقط نصف المهر، ولم يتجرد البيع عن

стр. 6106

جميع الثمن، بل عن نصفه، ونصفُه بمثابة إذا زوج الرجل أمته عبد غيره، فقبض جميع مهرها، ثم أعتق الأمة مالكها في مرض موته قبل الدخول بها، وقيمتها مقدار الثلث عَتَقت، ولا خيار لها برق زوجها؛ لأنها لو فسخت، ارتد المهر وصار ديناً على السيد، وينقص الثلث، لتقديم الدين على الوصية والميراث، ولأنه يُردّ العتق في بعضها؛ فلا يثبت الخيار لها، ففي إثبات الخيار إبطال الخيار. وكذا لو لم يقبض المهر، وكان محسوباً من التركة، فإنما يكون ثلث التركة مع المهر، وكذلك لو قبض المهر، ولم تستهلكه، فلو ثبت الخيار في هذه الصورة، واسترد المهر، لنقص الثلث لا محالة؛ وبطل العتق في بعضها؛ فيبطل الخيار. * إذا مات رجل وخلف عبدين وأخاً في ظاهر الأمر، فأعتق الأخ العبدين، وعُدِّلا، فشهدا أن فلانة كانت زوجة الميت، وأتت منه بولد لمدة الإمكان، فإن كان الولد ذكراً، لم يرث، وثبتت الزوجية والإرث لها، ويثبت نسب الابن ولا يرث؛ لأن توريثه يحجب الأخ، ويُبطل العتق، وإذا بطل، لم تثبت الشهادة (١)، ولا الزوجية، ولا النسب. ولو كان الولد (٢) أنثى وقلنا: إن عتق النصف يسري عاجلاً، وكان الأخ المعتق موسراً، ترتب على هذا أن البنت ترث؛ لأنها لا تحجب الأخ، وبقي بعضُ العبدين ملكاً له، فإذا نفذ العتق في بعضهما سرى (٣). وإن كان الأخ معسراً، لم ترث البنت لأن في توريثها ردّ بعض العتق، وكذلك الزوجة لا ترث في هذه الصورة، ويعايا (٤) بها فيقال: ولدٌ للميت لو كان ذكراً، لم يرث، وإن كان أنثى، ورثت.

стр. 6107

* إذا أوصى لرجلٍ بابنه (١)، ثم مات الموصي، ومات الموصى له قبل القبول، وخلَّف أخاه، فقبل الأخ الوصية، صح قبوله وعتق الابن (٢)، ولا يرثه، لأنه لو ورثه

стр. 6108

لحجب الأخ، وإذا خرج الأخ عن كونه وارثاً، لم يصح قبوله، فلا يصح العتق. ولو خلف الموصى له ابناً، وقبل الوصية، ففي ميراث الابن قولان ذُكرا في الوصية، من قال: لا يرث، قال: لأن القابل ليس جميع الورثة، ومن قال: يرث، قال: لأن القابل كان عند القبول مستغرقاً، ولم يخرج عن الورثة، وهو ضعيف والصحيح أنه لا يرث، ومن ورّثه فرّع على [أن] (١) الملك يحصل بموت الموصي، أو بناءً على الوقف (٢)، لما قدمناه. فإن قلنا: إنما يحصل الملك وقت القبول، لم يرث أصلاً؛ لأنه لم يعتق في حياة الموصى له، وإنما يرث من كان حراً حالة موت الموروث. * من اشترى أباه، أو ابنه في مرض موته، فإن وفى به الثلث، عتق عليه، ولا يرث من عتق عليه؛ لأن عتقه وقع وصية (٣)، ولا تصح الوصية لوارث (٤)، فسقط الإرث. وإذا وُهب للمريض من يعتق عليه، فقبل الهبة، فلو نفذنا العتق، ففيه وجهان: فإن قلنا: العتق من الثلث، فلا ميراث، وإن قلنا: من رأس المال، ورث؛ لأنه لا يجمع بين الإرث والوصية. ٧٨٨١ - ومن كان له دين على عبد غيره، أو أرش جناية، فملك رقبة العبد، ففي سقوط دينه وجهان: أحدهما - يسقط، كما يمنع الملك ابتداءه (٥)، والمهر ثابت في ذمة العبد (٦)، وهو في مرتبة الأصيل، وإذا برىء الأصيل، برىء الكفيل (٧)، لأنه فرعه.

стр. 6109

والحرة إذا اشترت زوجها بغير المهر، أو ملكته بسبب غيره (١)، فهل يسقط المهر عنه، فإن قلنا: لا يسقط الدين عنه، فإذا اشترت الحرة زوجها بعد المسيس بمهرها، صح الشراء ولا دور، وإن قلنا: يسقط الدين، قال الفقهاء: تدور المسألة على هذا، ولا يصح الشراء؛ لأنه لو صح، أسقط المهر بملكه؛ لأنه يُسقط الثمن، فيسقط الملك، فيُفضي إلى الدور، وقال القفال: كنت أفتي وأحكي أن البيع يصح بناء على أن المهر لا يسقط، فرأيت في المنام أني سئلت عنها، فأجبت بأن البيع يفسد لسقوط الثمن بطريان الملك، والسيد البائع ضامن، وإذا برىء الأصيل برىء الكفيل، ثم انتبهت، فوجدت في المسألة وجهين مبنيين على العلتين (٢). فصل ٧٨٨٢ - إذا قال لأمته أنت حرة على زق خمر، فلا تعتِق ما لم تقبل الخمر، فإن قبلتها، عَتَقت بالقبول، ويرجع إلى قيمة الرقبة؛ لأنه لا سبيل إلى الوفاء بما التزمته. ولا تلتزم العقود في الذمة، وإذا التزمت، لم يجب الوفاء بها.

стр. 6110

وإذا قال السيد لأمته: أعتقتك على أن تنكحيني، لم تعتِق بمجرد هذا القول، فإذا قبلت ما أراده، عَتَقَت، ولا يلزمها الوفاء به لما قدمته. ولا يصلح ما التزمته عوضاً، فهو عوض فاسد؛ فرجع إلى القيمة، فإن تزوجت به، فهو عقد مبتدأ، لا يقع عوضاً عن العتق، فإن أصدقها غير ما عليها من القيمة، ثبت الصداق، وله عليها قيمة رقبتها، وقد يقع فيه التقاصّ، ولو أصدقها القيمة التي عليها عالمين بقدرها، صح الصداق وبرئت عما عليها، وإن كانا جاهلين بها، أو أحدهما، ففي صحة الصداق وجهان: أصحهما - أنه لا يصح؛ للجهالة، والثاني - يصح؛ لأنه أضاف القيمة إلى رقبتها، والقصد براءتها منها، لا استيفاؤها، فكأنه أصدقها رقبتها، أو عبداً يجهلان قيمته، وهذا لا يصح (١)؛ لأن القصد القيمة وهي مجهولة، بخلاف رقبتها والعبد، فإنهما معلومان. ولو أتلفت امرأة عبداً على رجل، فتزوّجها على قيمة العبد الذي أتلفته، فالصداق فاسد، ومهر المثل واجب، وتسمية العبد في إضافة القيمة إليه مع جهالتها لا تُغني. ولو طُرد فيها الوجهان، فهو قياس، لكن الصحيح ما قدمناه. ولو قالت الأمة: أعتقني على أن أتزوجك، فقال: أعتقتك، عَتَقَت، ولزمتها القيمة، كما تقدم، قال صاحب التقريب: إذا خاف ألا تفي، فقال: إن قدر الله بيننا نكاحاً، فأنت حرة قبله بيوم، فمضى يوم أو أكثر، فرضيت وتزوجها، صح النكاح، وتعتن وقوع العتق مقدماً عليه، وإن أبت، بقيت رقيقة. وقيل: لا تصح هذه الحيلة؛ فإنه إثبات نكاح على الوقف، والنكاح لا يوقف على الصحيح، وقيل: يخرج على أن من تزوج جارية أبيه، ثم تبين أن أباه كان قد مات قبل تزوجه، وكانت مملوكة له، ولم يشعر، ففيها هذان القولان، وهذا نوع من الوقف، واختار شيخه صحة النكاح؛ لتبين وقوعه في حال الحرية، بخلاف من تزوج جارية أبيه؛ فإنه نكحها على غير بصيرة؛ فإن الأصل بقاء أبيه. ولو قالت حرة لعبدها: أعتقتك على أن تتزوج بي، أو على أن أنكحك،

стр. 6111

فالجمهور على أن العتق ينفذ بمجرد قولها، ولا يتوقف على قبول العبد؛ لأنها لم تشترط عليه شيئاًً يقوم به، بل وعدته خيراً، فهو كما لو قالت: أعتقتك على أن أُعطيك ألفاً، بخلاف قول السيد: أعتقتك على أن تتزوجي بي؛ فإنه قول يقصد به المال، بخلاف نكاحه؛ فإنه وإن كان مقصوداً لها، إلا أنه ليس مما يُقوّم لها، وقيل: لا ينفذ العتق فيما لم يقبل العبد، فإن قبل، لزمه قيمة رقبته؛ فإن المرأة تقصد الرجل، وقد تبذل خزائنها في الوصول إليه، وإن كان ذلك لا يتقوّم شرعاً، فهو مقصود بالمال عرفاً. ولا حاصل له؛ فإن الرجل لو قال لامرأته: طلقتك على ألا تحتجبي عني أبداً، فإنّ هذا لا يعدّ عوضاً، وإن كان مقصوداً لبعض الناس. ***

стр. 6112

باب (١) اجتماع الولاة وتفرقهم ٧٨٨٣ - قال الشافعي: "ولا ولاية مع الأب ... إلى آخره" (٢). الغرض من هذا [الباب] (٣) ترتيب الأولياء، وبيان منازلهم، وتقديم الأَوْلى منهم. والوجهُ أن نذكر المراتب الكلية، ثم نذكر ترتيب الأشخاص في كل مرتبة، فنستثني الملك والتزويجَ به، ونقول بعده: الوِلاية تناط بالنسب، والوَلاء، والوِلايةِ العامة. وأهلُ النسب مقدمون على أهل الولاء، والولاية. ثم مستحقو الولاء، ثم بعدهم الوالي. فأمّا أهل النسب، فلا شك أنهم لا يلي منهم أحد [إلا] (٤) العصبات، ثم ترتيب الأولياء في التزويج، كترتيب عصبات النسب في الميراث، إلا في ثلاثة أشياء: أحدها - أن أوْلى العصبات الابن، ولا يتصور أن يكون مع الابن عصبة، ولا ولاية للابن في التزويج عندنا أصلاً، ولا يملك أحدٌ التزويج بسبب آخر؛ فإن القاضي يزوّج أمَّهُ بولاية القضاء، وللابن أن يزوّج [أمَّه] (٥) بالولاء، إذا كان يستحق ولاءها. والجملة أنّ البنوة لا تفيد الولاية، ولا تنافي الولاية بسبب آخر من الأسباب.

стр. 6113

والمعنى الذي نضبط به المذهب حدّاً أن الابن ليس منتسباً إليها، ولا هي منتسبة إليه، فانتسابها إلى أبيها، وانتساب ابنها إلى أبيه، وليس الابن أيضاً منتسباً إلى [أصل] (١) نسبها. فهذا مما فارق ترتيبُ الأولياء فيه ترتيبَ عصبات النسب [في الميراث] (٢). والثاني - أن الأخ من الأب والأم، أو من الأب يزاحم الجدَّ في الميراث، كما تقدم البابُ المشهور فيه. والجد مقدّمٌ في التزويج على الأخ؛ فإنه عند (٣) عدم الأب يُنزّل منزلة الأب، وتثبت له الولاية الحقيقية؛ وهي الإجبار، ولا يثبت ذلك للإخوة. والثالث - أنّ الأخ من الأب [والأم يقدّم على الأخ لأبٍ في الميراث] (٤). واختلف قول الشافعي في أن المرأة إذا كان لها أخ من أب وأم، وأخ من أب، كيف سبيلها في الولاية؟ [الأول] (٥) - لا يتقدم الذي هو مُدلٍ بقرابة [الأب] (٦) والأم على الذي هو مُدْلٍ بقرابة الأب على التمحُّض. والقول الثاني - أن الأخ من الأب والأم أولى (٧). توجيه القولين: من رأى تقديمَ الأخ من الأب والأم، قاس الولاية على الميراث، ومن قال: إنهما يستويان، احتج بأنهما استويا في الإدلاء [بمن استفادة] (٨) الولاية

стр. 6114

منه؛ فإنّ قرابة الأم لا تفيد الولاية، وهما مستويان في قرابة الأب، وقرابة الأم تفيد الميراث على الجملة. ومن نَصر القول الأول؛ أجاب بأن قرابة الأم لا تفيد العصوبة، والأخُ من الأب والأم إنما يحجبُ الأخ من الأب بطريق العصوبة. وقد ينقدح في هذا جواب، وما ذكرناه الآن كافٍ. ٧٨٨٤ - ثم يتصل ببيان ما نحن فيه أمور: منها - أنه لو اجتمع في المسألة ابنا عم، أحدهما أخٌ لأم، فلا يتقدم ابنُ العم الذي هو أخ من الأم على الذي ليس أخاً، ولكن للذي هو أخ من الأم السدس بالأخوّة، والباقي بينهما بالعصوبة. هذا حكم الميراث. فأما حكم الوِلاية؛ فإذا رأينا تقديم الأخ من الأب [والأم] (١) فلو اجتمع ابنا عم، أحدهما أخ لأم، فالذي ذكره شيخي -وهو مذكور في بعض التصانيف- أن الذي هو أخ لأم مقدَّم (٢)؛ فإن الأخوَّة من الأم لا تناسب الولاية أصلاً، وليس فيها إلا أنه مزيد قرابة، وهذا المعنى متحقق في أخوة الأم في ابن العم، وإن كانت لا تناسب قرابة العمومة. وكان يقول: إذا كان للمرأة ابنا ابن عم: أحدهما ابنُها، فيخرّجُ هذا الخلافُ أيضاًً، وإنْ كانت البنوة لا تفيد الولاية أيضاً (٣). وقال ابن الحداد: إنْ كان للمرأة ابنا معتِق، وأحدهما ابنُها، فهو أولى بتزويجها، فرجَّح بالبنوّة في مرتبة الولاء، ولم أر هذا (٤) لغير شيخي. وفيما ذكره ابن الحداد ما يوافقه. وذكر بعضر المصنفين هذا على هذا الوجه. ولست أرى الأمرَ كذلك؛ فإن من يقدِّم الأخ من الأبِ والأم؛ فمعتمده تقدُّمُه

стр. 6115

[على] (١) الأخ من الأب بالعصُوبة وإن كان أُخوّة الأم لا تؤثّر في العصوبة؛ فالوجه (٢) أن نخصص هذا بما يؤثّر في العصوبة لا غير، وأخوّة الأم في ابن العم لا تفيده قوةً في العصوبة أصلاً. [وأبعدُ] (٣) من ذلك البنوّة؛ فإنه لا وقع لها أصلاً. والذي ذكره ابن الحداد مأخوذٌ عليه عندي؛ فإن الولاء جنسٌ آخر مخالف النسب؛ فترجيح من يزوّج بالولاء بالبنوة في نهاية البعد، فالوجه إجراء [القولين] (٤) في أخوين أحدهما من الأب، والثاني من الأب والأم. ثم نجري هذا في ابنيهما، كما ذكرناه في بني الإخوة. ٧٨٨٥ - ومما يتعلق بما نحن فيه أن المزني اختار أن الأخ للأب والأم أولى بالصلاة على أخيه من الأخ للأب، واحتج في ذلك بالميراث، وبالصلاة على الميت؛ فإن الأخ من الأب والأم أولى بالصلاة على أخيه من الأخ من الأب. وقد ذكر الأئمة في عصبات المعتِق أنه إذا كان للمرأة أخو المعتق من الأب والأم وأخوه من الأب، فكيف السبيل فيه؟ قالوا: في الميراث بينهما خلافٌ: من أئمتنا من سوى بينهما؛ فإن الميراث بالولاء يتعلق بمحض العصوبة، والأصح تقديم الأخ من الأب والأم في المواريث بالولاء أيضاًً. ثم أمرُ التزويج يترتب على هذا، فمن أئمتنا من قطع باستوائهما في ولاية التزويج، ومنهم من أجرى القولين، وسبب هذا الاختلاف، التردد الذي ذكرناه في الميراث. وما احتج به المزني من الصلاة على الميت؛ فالمذهب القطع فيه بالسَمليم،

стр. 6116

والفرق أن مزيد القرب يورث مزيد رقّة وتحنّن وشفقة، وذلك قد يؤثّر في صدق النية في الدعاء. وكذلك الوصية للأقرب يظهر فيها اعتبار قوة القرابة. وقد ذكر بعض أئمّة المذهب أن من أصحابنا من أجرى في الصلاة والوصية أيضاًً قولين، كما ذكرناه في ولاية التزويج، ولولا أني رأيت هذا لمعتمَدِين، لما أوردته مع ظهور الفرق بين الصلاة والوصيَّة، وبين الولاية. فهذا مجموع ما أردنا أن نذكره فيما تفارق فيه عصباتُ النسب في الميراث عصباتِ الولاية. ٧٨٨٦ - وإذا أردنا تجديد العهد بترتيبهم؛ قلنا: الأبُ أولى في الولاية. ثم الجد أبو الأب أولى من غيره. ثم الأخ، وقد قدّمنا القولين في أخوين؛ أحدهما من أب وأم، والثاني من أب، وأجرينا ذلك في ابني الأخوين. ثم الأعمام، والترتيب فيهم كالترتيب في الإخوة. ثم كذلك بنو الأعمام، ثم أعمام الأب، ثم بنوهم. وهذا على الترتيب المذكور في العصبات. هذا بيان ترتيب الأشخاص في مرتبة أهل النسب. ٧٨٨٧ - فإذا لم تكن للمرأة عصبةُ نسب من الذين ذكرناهم واعتبرناهم؛ فالنظر بعد ذلك في الولاء. ونحن نذكر مستحقي الولاء أولاً، وحُكمَهم في التزويج، ثم نذكر عصباتِ أصحاب الولاء. فأما مستحقو الولاء، فالمعتِق يلي تزويج معتَقته إذا لم تكن لها عصبةُ نسب من الذين ذكرناهم. ولو أعتقت المرأةُ جاريةً -ولا شك أن المعتِقة لا تزوج نفسها- ولكن قال الأصحاب: يُزوِّج مُعتَقَتَها من يزوجها. معناه: أن أولياءَ المعتِقة أولياءُ المعتَقة. وهذا سديد؛ فإنهم عصبات المعتِق، وسنصفهم. ثم قالوا: يزوج وليُّ المعتِقةِ المعتَقةَ ولا حاجة إلى إذن المعتِقة؛ فإنه لا احتكام

стр. 6117

لها على [معتَقتها] (١)، ولا حاجة إلى إذنها، وهي ليست وليّة في العقد. هذا ما ذهب إليه الجمهور (٢). وليس ذلك كتزويج مملوكة المرأة، فإن وليَّ المالكة يزوجها بإذن المالكة، ولا حاجة إلى إذن المملوكة؛ فإن الحكم في المملوكة للمالكة. ورأيت لبعض الأصحاب في المجموع الكبير للشيخ أبي علي، وهو في بعض التصانيفِ أيضاًً: أنه لا بد من مراجعة المعتِقة أيضاًً؛ فإنها مستحِقةٌ للولاء، وعصباتها إنما يزوّجون المعتَقَة لإدلائهم بالمعتِقة. وهذا متَجِهٌ لا بأس به. ثم إن روجعت المعتِقة، فأذنت، فلا كلام، وإن أبت، كانت عاضلةً حينئذٍ، وقياس هذا الوجه يقتضي أن تراجِع السلطان. ثم التزويج إلى السلطان، أم إلى عصبة المعتِقة، والسلطانُ يأذن؟ الوجه القطع بأن السلطان يأذن، والعصبات يزوّجون. فليتأمل الناظر ذلك. ومما يتعلق بما نحن فيه أنه إذا أعتق الأمةَ طائفةٌ من الشركاء؛ فلا سبيل لأحدهم للانفراد بالتزويج؛ فإنهم - وإن [تعدّدوا] (٣) بمثابة معتِقٍ واحد. فهذا ما اتفق عليه علماؤنا، وليسوا كإخوةِ امرأةٍ؛ فإن كل واحد منهم أخ على الكمال، وحالُه ومعه أمثالُه كحاله لو انفرد، وليس كذلك المشتركون في الإعتاق؛ فإن الولاء حقٌّ يثبت لهم على قدر أملاكهم. ثم إن رضوا وكلوا وكيلاً، أوْ (٤) وكلوا واحداً منهم. فإن عضَلوا، زوّجها السلطان، وإن امتنع بعضهم، فهو كما لو امتنع جميعهم، فالسلطان يزوّج المعتَقة. ولو أعتق الجاريةَ رجلٌ واحد، ومات، وخلّف ابنين، ثبت لكل واحد منهم حقُّ التزويج، ولا يكون الولاء مشتركاً بينهما؛ فإن الولاء لا يورث، [ولكن يورث به، ولسنا لتفصيل ذلك الآن، بل إلى كتاب الولاء، إن شاء الله، ولكن إن عرضت

стр. 6118

مسألة] (١) أوضحناها. ونكتفي الآن بمسألةٍ واحدة، وهي حكمنا بأن الولاء للكبير (٢). وبيان ذلك؛ أن من أعتق مملوكاً ومات، ثم خلّف ابنين، ثم مات أحد ابنيه، وخلّف ابناً، ثم مات المعتَق وخلّف ميراثاً، فهو لابن المعتِق، وليس لابن ابنه منه شيء. ولو كان الولاء موروثاً، لكان لما مات أحد ابني المعتِق، رجعت (٣) حصته إلى ابنه، ثم كان يقتضي ذلك أن يُصرف قِسطٌ من الميراث إليه، فوضح أن الولاء لا يورث؛ وموجَبُ ذلك أن ابني المعتِق بمثابة أخوين؛ فيتصور أن ينفرد كل واحد منهما بالتزويج. وهذا واضح [لا يحتاج] (٤) إلى مزيد كشفٍ فيه. ولو أعتق الجارية شريكان، ثم ماتا، وخلف كلُّ واحد منهما ابناً، فهما بمثابة المعتِقَين في الحياة. ولو خلف أحدهما ابنين، والثاني ابناً واحداً؛ فكل واحد من ابني أحدهما ينزّل منزلة المعتِق للنصف، لما ذكرناه من أنهما لا يرثان الولاء، بل يرثان به، وهذا بيّن. وقد نجز ما أردناه في المعتِق، وما اتصل الكلام به في الأطراف. ٧٨٨٨ - ونحن نبتدىء الآن الكلامَ في عصبات المعتِق، ونستعين بالله تعالى، فنقول: ترتيب عصبات المعتِق كترتيب عصبات النسب، إلا في مسائلَ نستثنيها: أحدها - أن ابن المرأة لا يليها، وابن المعتِقة يلي تزويج المعتَقة؛ وذلك لأن ابنَ المرأة لا ينتسب إليها، وابنُ المعتِقة [تنتسب] (٥) إليه.

стр. 6119

والثاني - أن جدّ المرأة أولى من أخيها، فإذا اجتمع جدُّ المعتِق، وأخوه من الأب والأم، أو الأب؛ ففي المسألة قولان: أحدهما: أنهما يستويان، لاستوائهما في الدرجة والقرب، هذا يقول أنا أبو أب المعتِق، وهذا يقول أنا ابن أب المعتِق. والقول الثاني - أن الأخ أولى (١)؛ فإنه يُدلي إلى أب المعتق بطريق البنوة، والجد يدلي إلى أب المعتِق بطريق الأبوة، والبنوة أقوى في العصوبة من الأبوة، وليس جدّ المعتِق أصلاً للمعتَقَة التي تُزوَّج، حتى يجعل أولى بالقيام بولاية الفرع ممن يقع فرعاً في نسبها، وإذا كان كذلك؛ فالوجه تقديم من هو أقوى في جهة العصوبة. ولو اجتمع جدّ المعتِق وابن أخيه؛ فيجري قولان فيهما على وجه واحد، وهما مأخوذان من المعنَيين اللذَيْن جرى القولان عليهما في الجد والأخ: فمن راعى الدرجةَ في الجد والأخ، وقضى باستوائهما، يقدّم الجدّ على ابن الأخ، [ومن يقدم الأخ، يقدم ابنه] (٢)، فإنه [ينظر] (٣) للقوة، ولا يلتفت إلى قرب الدرجة وبُعدها. ومما يتعلق ببيان ذلك؛ أن من أعتق جارية، وكان للمعْتِق أبٌ وابنٌ، فلا شك أن واحداً منهما لا يلي تزويج المعتَقة في حياة المعتِق؛ فإن المعتِق هو الوليّ، وليس لأبيه ولا لابنه ولاء في حياته، وإذا مات، وخلف المعتَقَةَ وخلّف أباه وابنه، فالابن [هو] (٤) الذي يزوّج المعتَقَة دون الأب؛ لأن الابن هو العصبة، والأب مع الابن صاحب فرض، وليسَ لأصحاب الفرض استحقاقٌ بالولاء، ولو ماتت المعتَقة، لم يرثها [إلا ابن] (٥) المعتِق. ٧٨٨٩ - ولو أعتقت امرأةٌ جاريةً، ولها أبٌ وابن؛ فالذي ذكره شيخي وجماعةٌ [من] (٦) الأئمة أن الأب يزوج المعتَقة في حياة المعتِقة، [أما بعد موتها] (٧) فقد ظهر

стр. 6120

اختلاف أصحابنا، فذهب المحققون إلى أن تزويج العتيقة يثبت بعد موت المعتِقة لابن المعتِقة؛ فإنه الوارث بالولاء؛ فيجب أن يثبت حق التصرف بالولاء له، وليس للأب حق في الولاء مع الابن، وليس هذا كحالة الحياة؛ فإن الأب والابن استويا في أنهما لا حق لهما في الولاء ما دامت المعتِقة حية، ولكن الأب لما كان وليَّ المعتِقة، ملك تزويج عتيقها، وقد انقطعت ولاية الأب عن المعتِقَة بموتها، ولم يتجدد له حق في الولاء (١). ومن أصحابنا من قال: ولاية تزويج العتيقة كانت ثابتة للأب في حياة المعتِقة؛ فتدوم تلك الولاية على ما كانت، وتبقى مستصحَبةَّ. وهذا الوجه على اشتهاره ضعيف، ووجهه على ضعفه؛ أن الابن لو زوج لم يكن تزويجه باستحقاقه الولاء؛ فإنا ذكرنا أن الولاء لا يورَث، وإنما يورث به، من جهة العصبات، والعصبات ينتمون إلى مستحِق الولاء، وإذا كان الابن يزوّج عتيقة أمه لو انفرد، بسبب أنه ابن صاحبة الولاء، فاستصحاب الولاية التي كانت في حياتها أقربُ من إثبات الولاية بالانتساب إلى مستحقةِ الولاء. فهذا ما ذكره الأصحاب. وذكر الشيخ أبو علي أن المعتِقة لو كانت حيّة، ولها أب وابن فمن يزوّج العتيقة؟ فعلى وجهين؛ أحدهما - أنه يزوجها أب المعتِقة؛ فإنه وليها، فكان إليه تزويج عتيقها. والوجه الثاني - أنه إنما يزوج العتيقة في حياة المعتقة ابنها. وهذا غريب جداً؛ فإنه لا استحقاق له في حياة المعتِقة، وليس إليه تزويج المعتِقة، حتى يزوج العتيق تبعاً لتزويج المعتِقة. وهذا واضح. ولكن وجهه -على بعده- أنا إذا كنا نذكر وجهاً في أن [الأب] (٢) هو المزوِّج بعد موت المعتِقة، مع العلم بأنه لا استحقاق له في الولاء بعد موت المعتِقة؛ فلا يبعد أن يقال: الابن يزوج العتيقة في حياة المعتِقة، وإن لم يكن له استحقاق في الولاء.

стр. 6121

والطريقة ضعيفة في وضعها لما قدّمنا ذكره. والمذهب المعتد به ما ذكره الأصحاب. هذا ما أردناه، وقد بان به القول في عصبات المعتِق (١). ٧٨٩٠ - فإن مات المعتِق، ولم يكن له عصبةُ نسب، وكان لمعتِقه معتِقٌ؛ فولاية التزويج إلى معتِق المعتِق، [ثم إلى عصبة معتِق المعتِق] (٢)، فإن كان قد مات معتِق المعتِق، فإن لم يخلف معتق المعتِق عصبة، لا من جهة النسب ولا من جهة الولاء؛ فلا شك أن ميراث المعتَقة لبيت المال. فقال (٣): [فالولاء و] (٤) حق التزويج للمسلمين، والنائب عنهم الوالي، وهذا مستغنىً عنه، مع أن السلطان ولي من لا ولي له. ولو قيل: تزويج السلطان معلل بعلتين: إحداهما - أنه نائب المسلمين، فحق الولاء راجع إليهم، والسلطان نائبهم، والعلة الثانية: الولاية العامة. [فللقول في هذا مجال] (٥)، وهو قليل الفائدة. وهو غرض الفصل. وقد انتجز القول في ترتيب الأولياء في جهة الولاء. وقد رسمنا في مبتدأ الفصل ثلاث مراتب، وأوضحنا أن مرتبة النسب مقدمة، وتليها مرتبة الولاء، ثم في كل مرتبة ترتيبٌ لأشخاص تلك الجهة، وقد تقدم بيان ذلك. فإن لم نجد نسيباً ولا منتمياً إلى ولاء، فولاية التزويج إلى السلطان. وقد مضى تفصيل القول فيه. فرع: ٧٨٩١ - إذا كان بين رجلين جاريةٌ مشتركة، فأعتق أحدهما نصيبه، وكان معسراً، فلم يسْر عتقُه، وبقي نصفُها رقيقاً، فمن يزوجها؟ وما التفصيل؟

стр. 6122

نُقدم على ذلك تجديدَ العهد بالقول في الميراث، ومذهبُنا أن من نصفُه حر لا يرث. وهل يُورَث؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه يورَث ويُستَحق بالإرث ما خلص له على مقابلة الحرية. والثاني - لا يرثه قرابته. فإن قلنا: يرثه قرابته، فلا كلام. وإن قلنا: لا ترثه؛ ففي مصرف ما خلفه وجهان: أحدهما - أنه يُصرف إلى [مالك] (١) الرق في نصفه؛ فانه أقرب الناس إليه. والثاني - أنه يُصرف إلى بيت المال. وقد فصّلنا هذا في كتاب الفرائض. فإذا تجدد ذكر هذا، عُدنا بعده إلى المقصود. ٧٨٩٢ - فإذا أردنا تزويج جارية نصفُها رقيق ونصفها حر، فلا يخلو: إما أن تكون لها عصبة من القرابة تصلح لولاية النكاح، أو لا يكون لها عصبة، فإن كان لها عصبة، فالمذهب أنه يزوجها عصبتها مع مالك [الباقي] (٢)، وتزويجهم أولى من تزويج مالك الولاء (٣)؛ فإن النسب متقدم على مستحق الولاء. ومن أصحابنا من قال: ليس [للنّسيب] (٤) ولايةٌ أصْلاً؛ فإن النسب لا يتبعض، فإذا لم يسلط على التزويج بالنصف (٥) الرقيق، فقد بطل أثره؛ فعلى هذا يكون التزويج إلى صاحب الولاء [ومالك الرق] (٦)؛ فإنه كما لا يمتنع التبعيض في الملك لا يمتنع التبعيض في حق الولاء، وإنما المستبعد التبعيض في حكم النسب. وهذا ساقط لا أصل له، مع مصيرنا إلى [أن] (٧) أهل النسب يرثونه في نصفه الحر

стр. 6123

بسبب النسب، فإذا لم يبعد إفادة النسب الإرث، لم يبعد إفادته الولاية. وما ذكرناه تفريع على أن ما خلَّفه يستحقه أهل نسبه. فأما إذا فرّعنا على أن أهل النسب لا يرثونه، فلا يثبت لهم ولاية التزويج؛ قال الشيخ أبو علي: يزوجها في ظاهر المذهب مالك الرق ومستحق الولاء، ولا ينظر إلى الميراث. قال: وقد ذكر بعض أصحابنا في أصل المسألة وجهاً آخر: أن هذه الجارية لا تُزوَّج أصلاً لعسر الأمر فيها. وهذا قولٌ سيأتي في موضعه في "المستولدة لا تزوّج". وهذا الوجه بعيد. ٧٨٩٣ - وفي المسألة بقية نظر: وسبيل الكشف أنا إن أثبتنا الميراثَ لأهل النسب؛ فظاهر المذهب أنه يزوّجها عصبة النسب والمالك، وفيه وجهٌ بعيد؛ أن عصبة النسب لا تزوِّج. فعلى هذا؛ هل يزوِّج المولى (١) مع المالك؟ الظاهر أنهما يزوجانها، وإن كان صاحب الولاء [لا] (٢) يرث مع عصبات النسب. ومن أصحابنا من قال: يزوجها المالك والسلطان، ويُخرج المعتِقَ كما أخرج أهلَ النسب، من جهة أن صاحب الولاء محجوب في الميراث بأهل النسب. فيبعد أن يزوِّج. نعم، يجوز أن يقال: إذا تعذر التزويج من المتعلقين بالأسباب الخاصة، فالسلطان يزوج. وذكر بعض الأصحاب أنها لا تزوج. وهذا إذا ورّثنا أهل النسب. فإن لم نُورّث أهلَ النسب، لم نورث صاحب الولاء أيضاًً؛ فينقدح في هذا المقام ثلاثة أوجه: [الأول] (٣) - أن القاضي والمالك يزوِّجان، وهذا متجه في هذا المقام.

стр. 6124

والثاني - أن التزويج إلى المالك وصاحب الولاء، وكأن صاحب الولاء مالك؛ فإن الولاء تبعُ الملكِ والحالّ محله إذا زال الملك، غير أنه لا إجبارَ به. وهذا ضعيف. والوجه الثالث - أنها لا تزوج أصلاً. والصحيح (١) من جميع ما ذكرناه أنا إن ورثنا، فالتزويج للمالك [ولعصبة] (٢) النسب، وإن لم نورّث، فالتزويج للمالك والقاضي. هذا تحرير ما قيل في هذه المسألة. فرع: ٧٨٩٤ - إذا أعتق المريض أمةً في مرض موته، لا مال له سواها؛ قال ابن الحداد: ليس لأوليائها الأحرار تزويجُها. فإذا كان للمعتَقة أخ حر، فزوجها الأخ [الحر] (٣) على الوجه الذي ذكرناه، لم نحكم بصحة النكاح. واعتل بأن أمرها في عتقها موقوف، فربما لا تَعتِق كلها -وهذا هو ظاهر الحال- وربما تَعتِق كلها؛ بأن [يصح من مرضه] (٤)، أو يستفيدَ من المال ما يُخرج هذه عن ثُلثه. وإذا كان الأمر على التردد؛ فالنكاح على الوقف مردود عند الشافعي. هذا كلام ابن الحداد. واختلف أصحابنا في المسألة: فذهب بعضهم إلى أنا لا نحكم بصحة النكاح، كما قاله ابن الحداد. ومنهم من قال: نحكم بالصحة في الحال، ونقضي بتسليط الزوج عليها؛ فإنا نراعي في تصرفات المريض الحال، ولا ننظر إلى ما يكون في المآل، والدليل عليه أنه لو وهب جميع ماله لإنسان، فالذي قبضه الموهوب له، نقضي فيه بملكه، ولو تصرف فيه تصرف الملاّك، لحكمنا بنفوذه في الحال، ولم نمنعه من الإقدام على تصرفه، وإن كنا قد نُتبع بعضَ التصرفات بالنقض في [المآل] (٥) إذا مات الواهب ولم

стр. 6125

يف ثلثه، وكذلك إذا مات المعتق في مسألة ابن الحداد، وأوجب [المآل] (١) فساد النكاح، بأن [بان] (٢) لنا فساده إسناداً. وهذا لا يمنع من الحكم بالتسليط في الحال على الظاهر. وهو كما لو عقد النكاح بشهادة مستورَيْن، فالزوج يتسلط في الحال على الاستمتاع، وإن كنا نقول: لو بان من بعدُ فسقُهما حالة العقد، لكنا نحكم بفساد النكاح تبيُّناً. قال الشيخ أبو علي: من وافق ابنَ الحداد فيما قاله: وهو أنا لا ننفذ النكاح في الحال لتردده - فيحتمل على [قياسه] (٣) طردُ ذلك في هبة المريض؛ حتى يقال: لو [وَهبَ] (٤) هذه الجارية التي فرضنا إعتاقها وسلَّمها، لا ينفذ التصرف من المتهب القابض، إذا كان التصرف لا يقبل الوقف، ولا يحل له الإقدام على وطئها لتردد الأمر، ولا يحتمل قياسه إلا هذا. يحققه: أن من جملة ما يفرض من تصرفاته؛ أن يزوجها إذا قبضها بحكم الملك، ولا فرق بين أن يزوجها المتّهب بحكم الملك، وبين أن يزوجها أخوها إذا أعتقت بحكم الولاية. هذا ما ذكره الشيخ على قياس ابن الحداد. ولم يُبعد أن يكون ذلك مذهباً له. ولو سلّم ابنُ الحداد الحكم بنفوذ تصرفات المتهب في الحال، لم يجد فرقاً بين ما يسلمه وبين النكاح الذي منعه. وإن طرد الخلاف في هذه المسائل -وهو الظن به- فلا شك أن مذهبه يقع مخالفاً لنص الشافعي. التفريع: ٧٨٩٥ - إن حكمنا بصحة النكاح في صورة ابن الحداد، فهو حكم على الظاهر، وحقيقة الأمر موقوفة على ما سيبين في ثاني الحال، فإن بان نفوذ العتق، بأن يصح هذا المريض، أو بأن يستفيد مالاً يفي ثُلثُه بقيمة الجارية، ويموت على هذه الحالة، فنتحقق نفوذَ النكاح على الصحة. وإن مات على ما عهدناه حالة الإعتاق،

стр. 6126

بقي النظر في إجازة الوارث وردّه، فإن رد الوارث العتق الزائد على الثلث، عَتَقَ ثلثها. وتبين فساد النكاح على الشبهة، ثم لا يخفى تفصيل ذلك. وإن أجاز الوارث، خرجت الإجازة على قولين؛ في أن الإجازة من الورثة ابتداء تبرع منهم أم تنفيذ للوصية؟ فإن حكمنا بأنه ابتداءُ تبرع، فالنكاح مجرىً على الفساد؛ فإن العتق كان متبعضاً حالة النكاح. وإنما أنشأ الوارث الإتمامَ من بعدُ، وإن حكمنا بأن الإجازة تنفيذ، فيبين صحة النكاح. وهذا القائل يجب أن يقول: إذا ثبت نفوذ العتق؛ بأن يصح المعتِق، فالحكم في النكاح على الصحة تنجيزاً وتبيّناً؛ فإنا تبينا الحكم صحة النكاح ظاهراً حال حياته، فإذا صح من مرضه، فقد اطرد ما بنينا صحةَ العقد عليه. فأما إذا كان نفوذ العتق بسبب استفادة مال زائد، ثم تمادى المرض إلى الموت، أو كان سبب النفوذ إجازة الوارث، وقد جرى أمر جديدٌ سوى ما بنينا عليه نفوذ النكاح؛ فيحتمل أن يلتحق هذا بما لو زوج الإنسانُ جارية أبيه في غيبة أبيه، ثم تبين أن الأب كان ميتاً حالة التزويج، ويحتمل أن نحكم بالصحة في مسألة المريض في صورة استفادة المال [و] (١) في التفريع على أن إجازة الوارث تنفيذ؛ فإن ما يتجدد فهو موافق لما تقتضيه الحياة من تنفيذ التصرفات. وهذا بيّن. وفيما مهدناه من تصوير وجوه الوقف في كتاب البيع ما يقرر هذا. وإن فرعنا على مذهب ابن الحداد؛ فلو أعتق المريض الجارية، وفي يده مال يفي ثلثُه بقيمة المعتَقة حالة الإعتاق، وجرى تزويج الأخ على هذه الحال، ثم طرأت آفةٌ قللت ماله، وردّت ثلثه إلى مبلغٍ ما يفي بقيمة الجارية؛ ففي قياس ابن الحداد تردّدٌ في هذه الصورة: يجوز أن يقال: النكاح محمول على الصحة في الحال بناءً على كثرة المال، ويجوز أن يقال: لا يحمل النكاح على الصحة لنقصان تصرف المريض، والأموال عرضة الآفات. فهذا مجموع القول فيما فزعه ابن الحداد. ٧٨٩٦ - وقد ذكر الشيخ أبو علي في أثناء الشرح تفريعاً على وجه ابن الحداد - شيئاً،

стр. 6127

فقال: فحوى كلام ابن الحدّاد يدل على أن السيد لو أعتقها -كما صورنا، فزوجها بنفسه- نفذ ذلك منه؛ فإنها إن [رقّت] (١)، فهو سيدها، وإن عَتَقَتْ، فله ولاؤها. كذا قال الشيخ. وهذا مشكل؛ فإنا لو قدرنا نفوذ العتق، فالمعتِق لا يملك التزويج بالولاء إذا كان للمعتَقة أخ من أهل الولاية؛ فإن الأخ أولى بتزويج الحرة من المولى. ولعل الشيخ أبا علي إنما قال ما قال؛ من جهة أن التصرف الذي يصدر من المريض فهو محمول على النفوذ في نفسه، وإنما التوقف في تصرف غيره إذا بني على تصرفه. وهذا ليس بشيء؛ فإنا إذا حكمنا بنفوذ عتقه [على] (٢) ألاّ تنكح مع الأب (٣)، فهذا التفريع إذاً مردود. وقد انتهى الكلام في ترتيب الولاة وتزويجهم بحكم الولاية، وسيأتي تفصيل القول في تزويج الملاّك لإمائهم. فصل قال: "فإن زوّجها أحدهم دون أسنّهم وأفضلهم كفئاً، جاز ... إلى آخره" (٤). ٧٨٩٧ - لما ذكر الشافعي ترتيب الولاة والمنازل التي يترتبون فيها، صوّر بعدها اجتماع الولاة في درجة واحدة. فإن كان للمرأة إخوةٌ أولياء لا ترتب فيهم، فطلبت المرأة التزويج؛ فإن امتنع الأولياء عن التزويج وعضلوا، فالسلطان يزوجها. ويتفرع في هذه الحالة أنهم لو تطابقوا على العضل، انتسبوا إلى المعصية، كما أوضحنا ذلك في صدر الكتاب.

стр. 6128

وإن دعت واحداً من أوليائها إلى التزويج، وكان من الممكن أن يزوجها غيرُ هذا المدعو؛ فهل لهذا المدعوّ أن يمتنع، ويكل التزويج إلى أصحابه؟ فيه اختلاف؛ ينبني على أن الجماعة إذا تحملوا شهادة، فدعا صاحب الحق اثنين منهم إلى إقامة الشهادة، فهل يتعين عليهما أن يقيما ما تحملاه؟ فيه اختلاف مشهور، وسيأتي ذكره في كتاب الشهادة، إن شاء الله . هذا إذا امتنعوا. ٧٨٩٨ - فأما إذا تنازعوا في التزويج، فكان يطلب كل واحد منهم أن يكون هو المزوج، نظر: فإن خصصت المرأة واحداً منهم بالإذن والتفويض، فهو المزوج لا غير؛ فإن الأولياء في حقها بمثابة الأجانب في حق من يريد أن يوكل واحداً منهم بالتصرف، وستزداد [المسألة] (١) وضوحاً في فصول الوكالة من بعدُ، إن شاء الله . وإن أذنت لجميع الأولياء، ولم تخصص بإذنها واحداً منهم، فإذا تنازعوا -كما صورنا- فإن كان فيهم من هو أسن وأفضل؛ فالأولى للأولياء أن يسلموا ذلك إلى أسنهم وأفضلهم. وهذا استحباب لا تنتهي مخالفته إلى حد الكراهة؛ من جهة أن تعاطي [التزويج] (٢) حق لكل واحد من الأولياء، ولا ينتهي نَدْبُنا الإنسانَ إلى ترك حظه إلى حدّ الكراهة. فإن استمروا على النزاع، فالأولى أن يقرع بينهم، ويفوض التزويج إلى من خرجت له القرعة. فلو خرجت القرعة لواحدٍ، فابتدر [غيرُه] (٣) وزوج، نفذ التزويج، إذا كانت المرأة مستمرة على الإذن للجميع، كما صورنا. والذي أراه الآن أيضاًً أن تزويج المبتدِر لا ينتهي إلى حد الكراهية؛ لما حقَّقتُه، إلا

стр. 6129

أن يكون الإقراع من سلطان، فيتجه أن نقول حينئذ: [استباق] (١) السلطان مكروه. والقول في ذلك محتمل. وفي بعض التصانيف أنه إذا زوّج من لم تخرج له القرعة، لم ينفذ تزويجه (٢). وهذا بعيد غير معتد به. ولست أدري أن هذا القائل يخصص هذا الوجه البعيدَ بقُرعة ينشئها السلطان، أو يطرده في القرعة التي ينشئها الأولياء من غير ارتفاع إلى مجلس الحكم؟ ٧٨٩٩ - ثم إنما ينفذ التزويج ممن يزوج إذا كان زوّجها من كفئها. فأما إن زوجها بإذنها بمن لا يكافئها، ولم يرض سائر الأولياء؛ فللذين لم يرضَوْا حقُّ الاعتراض على عقده. ثم اختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من قطع بأن النكاح لا ينعقد إذا لم يكن صدَرُه (٣) عن إذن كافة الأولياء؛ فإنا لو حكمنا بانعقاده، لكان مخالفاً لموجب الشرع؛ فإن التزويج من غير الكفء يُلحق عاراً بالنسب وأهله، وهذا لو صح، لكان متضمناً تنجيزَ ضرارٍ لا يزول، بأن نثبت للباقين حق الفسخ؛ فإن العار اللاحق لا ينغسل بتقدير الفسخ؛ إذ في تقدير نفوذ النكاح تسليط الزوج عليها. وهذا مما نقمناه من مذهب أبي حنيفة لمّا قال: إذا زوجت المرأة نفسها من لا يكافئها، فالنكاح ينعقد، والزوج يتسلط، وللأولياء حق الاعتراض. هذه طريقة. ومن أصحابنا من قال: في انعقاد النكاح قولان: أحدهما - الانعقاد؛ فإن العاقد من أهل العقد، وقد أذنت المرأة، فينزل هذا منزلة ما لو اشترى الرجل شقصاً مشفوعاً وقبضه، ثم باعه، فبيعه نافذ، وإن كان للشفيع أن ينقضه.

стр. 6130

والثاني - أنه لا ينعقد. وقد سبق توجيهه. وقطع الشيخ أبو حامد بالانعقاد. فاجتمعت ثلاث طرق. وسبب التردد -أخذاً من النص- أن الشافعي قال: إذا زوجها أحدهم ممن لا يكافئها، فالنكاح مفسوخ، ففهم الأصحاب من الفسخ رفع نكاح منعقد. فصل قال: "وليس نكاح غير الكفء بمحرّم فأردّه ... إلى آخره" (١). ٧٩٠٠ - منع تزويج غير الكفء من حق المرأة والأولياء، فإذا رضيت المرأة بمن لا يكافئها، وأبى الأولياء، امتنع حصول مرادها؛ فإنّ رضاها بمن لا يكافئها يعيّر النسب، وإذا تعيّر ضرر أهل النسب بما يلحق النسب من عار [وشنار] (٢). فكان لهم حق دفع العار. وقد قال الشافعي: "إن للولي في بضع المرأة شركاً" وأراد بذلك ما ذكرناه، ولم يرد أنهم يستحقون منها أمراً، فإذا رضي الأولياء ورضيت المرأة وهي من أهل الرضا بأن تزوَّج ممن ليس كفئاً لها، نفذ التزويج. والحق لا يعدوهم. ولا تعبّد في الشرع بعد رضاهم بإسقاط حقوقهم. وقد خالف في هذا الشيعة. وتزويج رسول الله ﷺ بناته من عثمان وعلي وأبي العاص بن الربيع -وما كان أحد كفئاً لرسول الله ﷺ دليلٌ عليهم. قال الشافعي: كيف يكافىء علي فاطمةَ وأبوه كافر وأبوها سيد البشر. فإن أشاروا أن أبا طالب كفءٌ لعبد الله، والد رسول الله ﷺ ؛ قلنا: إن ارتقيتم إلى هذه المرتبة؛ فالناس أولاد آدم. وأمرَ رسول الله ﷺ فاطمة بنت قيس -وهي قرشية- بأن تنكح أسامة بن زيد. وزيد كان مولى رسول الله ﷺ ، وهمّ عمرُ بأن يزوج ابنته من سلمان الفارسي، فشق ذلك على ابنه عبد الله،
следующие страницы →