← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

الذي ذكرناه مستقل كامل، غيرَ أنهم قالوا: لا يمتنع أن يُمنع الشخص من استدامة (١) ما يجوز له ابتداؤه، وهذا بمثابة ما لو اصطاد المحرِم صيداً، واستدام اليد عليه ثم تحلل ويده قائمة دائمة على الصيد، فعليه رفع يده، وإن كان يجوز له أن [يصطاده] (٢) ابتداء في حالة التحلل (٣)، ولكن لما استندت يده إلى اعتدائه السابق، قلنا: عليه إزالة هذه اليد. وإن كان لا يمتنع عليه إثبات مثلها. ولو غسل المتوضّىء إحدى رجليه، وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف (٤)؛ فإنه لا يمسح إذا أحدث؛ لأنه ابتدأ، فلبس الخف الأول قبل تمام الطهارة، فإن أراد التسبّب إلى المسح، فلينزع الرجل الأولى، وليُعدْها، كما تقرر في موضعه، وهذا مُغنٍ (٥) بوضوحه عن الإبعاد في الاستشهاد. وكل ما ذكرناه فيه إذا كان تحت العبد إماء منفردات. ٨١٤٩ - فلو كان تحته حرائر منفردات، فلا يخفى تفصيل المذهب؛ فإن الحرائر في حق العبد كالإماء، فيتخير منهن اثنتين إذا أسلم وأسلمن معه. ٨١٥٠ - ولو أسلم وأسلمت اثنتان ثم عتق، ثم أسلمت الأخريان، قال الأئمةُ [أجمعون] (٦): له أن يمسك اثنتين من غير مزيد، واعتلوا بأن قالوا: عِتْقُهُ وقع بعد استيفاء عدد العبودية. ولو أسلم وأسلمت واحدة، وعتق العبد، ثم أسلمت البواقي؛ فله أن يُمسك أربعاً، لأن عتقه وقع قبل استيفاء عدد العبيد. واستشهد الأصحاب على هذا فقالوا: العبد إذا طلق امرأته طلقةً، ثم عتق؛ فإنه يملك طلقتين أُخريين تتمة الثلاث. ولو طلق امرأته طلقتين، ثم عتق، لم يملك الثالثة؛ لأنه استوفى عدد

стр. 6372

العبودية في حالة العتق، ولم يؤثّر طريان الحرية من بعد. وكذلك الأمة إذا أعتقت في خلال العدة قبل استكمال قرأين؛ فإنها -على قولٍ - تكمل ثلاثة أقراء، ولو عتقت بعد استكمال القرأين، لم يلزمها القرء الثالث. والأمة إذا عتقت في أثناء ليلتها في القَسْم؛ فالزوج يكمل لها ليلتين فيلحقها بالحرة، ولو عتقت بعد مضي ليلتها، لم يزدها الزوج في هذه النوْبة على قَسْم الإماء، على ما سيأتي تفصيل ذلك في كتابه، إن شاء الله . ٨١٥١ - وفرّع (١) ابن الحداد مسألة على هذه القاعدة، فقال: الذمي إذا طلق امرأته طلقةً واحدةً، ثم نقض العهد، والتحق بدار الحرب، ووقع في الأسر، وضرب صاحبُ الأمر عليه رقاً، فأراد أن ينكح تلك التي طلقها في حالة الحرية قبل نقض العهد؛ فإذا نكحها، فهو على طلقة واحدة منها، فإنه الآن رقيق، والطلاق الأول محسوب، فألحقناه برقيقٍ استوفى طلقة، وبقيت له طلقة. وبمثله لو طلق الذمي زوجته طلقتين ثم طرأ ما وصفناه من النقض والالتحاق والوقوع في الأسر وجريان الرق، ثم أراد أن ينكح تلك المطلقة، فله أن ينكحها على طلقة ثالثة، والسبب فيه أنه لما طلق امرأته طلقتين في حال الحرية، لم نحكم بوقوع الحرمة الكبرى المُحْوِجة إلى التحليل، فإذا طرأ بعد ذلك الأحوالُ التي وصفناها، فلا نُحدث تحريماً لم يتقدم، ويجوز النكاح، ثم لا يخلو نكاح عن طلقة. وهذا الذي ذكره ابن الحداد على التحقيق ناشىء من الأصل الذي مهدناه، وليس يخالفه في المعنى. وذكر الأصحاب في ذلك عبارة ضابطة، فقالوا: الجامع للمسائل [أن نقول] (٢): إذا تغير الحال بعد جريان الحكم، وهناك أصل باق في [حق] (٣) المغيّر، فالمغير الطارىء يؤثر - إما بالزيادة وإما بالنقصان على ما يقتضيه الحال؛ لأن المغير يجد (٤)

стр. 6373

أصلاً يتشبث (١) به، و [يستند] (٢) إليه ويعمل فيه. فإذا طرأ الطارىء، وليس ثَمَّ أصلٌ باق، لم يؤثر المغيّر، ولم تظهر فائدة، وعلى هذا تخريج المسائل. فإذا عَتَقَ العبد بعد إسلامه وإسلام واحدة من الحرائر، ثم عتق البواقي، فإنه يختار أربعاً؛ لأن الحرية طرأت وهناك أصل باق. ولو عتق بعد إسلامه وإسلام حرتين، لم يمسك إلا اثنتين؛ لأن المغيّر الطارىء لم يصادف أصلاً يعمل فيه بعد تمام عدد العبد. وكذلك العبد إذا عتق بعد استيفاء طلقتين، لم يملك الثالثة، لأن العتق لم يطرأ على أصل باق له في الطلاق، وإن عتق بعد استيفاء طلقة، [ملك] (٣) بعدها طلقتين؛ لأن الحرية وردت مع بقاء أصل، وعلى هذا يخرّج أمر العدة. وكذلك القول في مسألة ابن الحداد في الذمِّي؛ لأنه إذا طلق طلقتين، ثم طرأ الرق، لم يبق في قياس العبيد عدد بعد الطلقتين حتى يؤثر طريان الرق؛ فسقط أثر الرق الطارىء، وإذا كان طلقها طلقةً واحدة وأثّر الرق الطارىء في الرد إلى طلقتين [فتحسب] (٤) منهما الأولى، فقد جرت هذه المسائل على الضبط الذي ذكرناه نفياً وإثباتاً، فهذا ما ذكره الأصحاب. ٨١٥٢ - ووراء ذلك مباحثة في المعنى، بها تمام البيان، فنقول: المسائل التي الاستشهاد بها -نظيرَ المسألة التي نحن فيها- قد تنفصل في نظر الفقيه عن هذه المسألة، وبيان ذلك: أنَّ العبد إذا طلق امرأته طلقتين، فقد وقع الحكم بالتحريم الذي يتوقف ارتفاعه على التحليل، فطريان العتق بعد ذلك لا يؤثر في رفع التحريم الواقع الممدود إلى حصول التحليل، وإذا انقضت عدة الأَمَة، وقع الحكم ببراءتها وخلوّها عن العدة، وأنها تحل للأزواج، فإذا عتقت، استحال ارتفاع الحل المحكوم به. وفي مسألتنا إذا أسلمت حرتان مع إسلام العبد، لم يصر العبد مستوفياً حقه،

стр. 6374

والمسلمتان ما تعيّنتا لزوجيته (١)، بدليل أنه لو لم يخترهما حتى أسلمت البواقي، فله أن يختار اثنتين من البواقي، فلم يوجد إذاً في حال رقه إلا التمكن من اختيار اثنتين، والتمكن من التي لا تحل محل [الثُّنيا] (٢). فهذا ما يخطر للفقيه في انفصال هذه المسألة عن نظائرها، وكان لا يبعد من طريق الاحتمال أن يقال: يتوقف إلى إسلام البواقي، ثم إن فرض عتقٌ في بقية العدة نلحقه بالأحرار، وهذا احتمال لا قائل به، ولا صائر إليه، والغرض بذكره التنبيه على طريق من طرق الاحتمال، وإلَاّ، فالحكم المبتوت به والمذهب المقطوع به ما ذكره الأصحاب (٣).

стр. 6375

فصل (١) قال الشافعي: "ولو أسلم، وأسلم معه أربع، فقال: فسخت نكاحهن، سئل؛ فإن أراد طلاقاً، فهو ما أراد ... إلى آخره" (٢). ٨١٥٣ - نجزت فصول العبد والإماء، وأحكام الرق، وطريان العتاقة، وأخذ الشافعي في ذكر أحكام باقية من نكاح المشركات تجري منه مجرى الأركان، وقد ذكرنا أن الرجل إذا أسلم وتحته نسوة، وليقع الفرض في الحر والحرائر [لئلا] (٣) نقع في مضايق أحكام الرق. فإذا أسلم وأسلمن وهن زائدات على الأربع، فالإسلام يدفع نكاح الزائدات على الإبهام، وتبقى في الزوجية أربعٌ مبهمات، والتعيين إلى الزوج، وهذا قد سبق تمهيده. فإن قيل: فما أصَّلتموه أنه لو اتصل بالإسلام مفسد، تضمن ذلك الحكمَ بفساد العقد، وعليه بنيتم بقاء بقية العدة وزمان الخيار، ومعلوم أن الجمع بقي إلى الإسلام، فهلا قضيتم بفساد العقود فيهن جُمع؛ من قِبل اتصال العقد بالإسلام؟ قلنا: هذا تلبيس؛ فانَّ العدة المقترنة بالنكاح تبقى مع الإسلام وبعده، فيقع الحكم على النحو الذي مهدناه، والجمع لا يجامع الإسلام؛ فإنَّ الرجل كما (٤) أسلم وتحته عشر أو أكثر، اندفع نكاح الزوائد بنفس الإسلام، فلم يجتمع مع الإسلام زائدٌ على العدد المحصور شرعاً. ولا نقول: يطرأ الإسلام ثم يفسخ العقد في الزوائد، بل يقع الإسلام مع الفسخ، ويضاد الإسلامُ نكاحَ الزوائد مضادةَ السواد البياضَ، فالضدان يتعاقبان، وليس بينهما تخلل زمان، كذلك القول في نكاح الزوائد مع الإسلام.

стр. 6376

ومما تقدم ذكره، أنه إذا أسلم على أكثر من أربع وأسلمن معه، أو في العدة، فيتعين اختيار أربع منهن، والزوجية ثابتة في أربع، ولا يحصل بالاختيار الزوجيةُ، وإنما يحصل به تعيين الزوجات المبهمات، ولو أراد الزوج أن يفارقهن من غير طلاق، لم يمكنه، جرياً على ما أوضحناه. ٨١٥٤ - ولو أسلم وأسلمت أربع، فقال: فسخت نكاحهن، لم نحكم بنفوذ الفسخ إذا أراد بذلك فراقاً من غير طلاق، فلو أصرَّت المتخلفات؛ فالذي عليه الجماهير: أن الفسخ الموجه على الأربع الأوائل لاغٍ مردود، ووجودُه كعدمه. وقد حكينا عن العراقيين وجهاً في وقف الفسخ (١) الموجه على الأوائل، وتفريع ذلك يقتضي أن نقول: إذا كُنَّ ثمانياً، فأسلم أربع، ثم بعدهن أربع، وقد فسخ نكاح الأوائل، فنتبين الآن أن نكاح الأوائل ارتفع بما تقدم من الفسخ، وتعينت الأواخر للزوجية. ولو أسلمت الأوائل وهن أربع - في الصورة التي ذكرناها؛ فاختارهن، صح، واندفع نكاح المتخلفات، فإنْ أصررن، فاندفاع نكاحهن بإسلام الزوج، وإن أسلمن في العدة، فقد تبين أيضاًً اندفاع نكاحهن باختلاف الدين، ولكنا تبيّنّا تعيّنهن من وقت تعيينه الأوائل للزوجية (٢). ولو طلّق الأربع الأوائل، نفذ، وكان توجيه الطلاق عليهن متضمناً اختيارهن؛ فإن الطلاق حَلٌّ، ومن ضرورته تقدير العقد في محلّه. ولو قال: الأوائلُ فسختُ نكاحهن، ثم زعم أنه أراد بذلك طلاقاً، قُبل قوله؛ فإنّ اللفظ يحتمله، والطلاق يقع بالصريح تارة وبالكناية أخرى. وإن زعم أنه أراد حلَّه [بلا طلاق] (٣)، فقد لاح أنَّ ذلك لا ينفذ في

стр. 6377

الحال (١)، وإنما الكلام في صحة الوقف. وقد ذكرت اختلافاً ذكره العراقيون. ٨١٥٥ - ولو أسلم وتحته ثمان، ثم قال: من أسلم منهن، فقد اخترت نكاحها؛ فمن أسلم منهن لم تتعين للزوجية، ولم يصح الاختيار فيها؛ فإنَّ الاختيار لا يقبل التعليق (٢)؛ فإنه إن كان بمثابة ابتداء عقد من طريق التشبيه لم يقبل التعليق، وإن نزلناه منزلة الاستدامة، فالاختيار على حالٍ لفظٌ معتبر في الاستدراك، فلا أقل أن ننزله منزلة الرجعة، وهي لا تقبل التعليق أيضاًً، والذي يغني عما ذكرناه أن الاختيار تعيين، وذكره على التعليق إيراده على صيغة الإبهام، وهذا يناقض التعيين المأمور به. ولو قال: من أسلمت فقد فسخت نكاحها، وأراد تعييناً للفراق وحلاً [بلا طلاق] (٣) فمن أسلمت، لم تتعين للفراق لمعنيين: أحدهما - أنَّ التعيين للفراق أحد موجبي الاختيار، فينافيه التعليق، كما ذكرناه في الإجازة. والمعنى الثاني - أن التعيين للفراق قبل العدد التام غير مسوغّ، كما قدمناه. ولو قال: من أسلمت، فهي طالق، فمن أسلمت تُطلّق، ويتضمن وقوعُ الطلاق اختيارَها للزوجية أولاً، كما تقدم، [و] (٤) اختيار الزوجية، وإن كان لا يقبل التعليق مقصوداً، فقد تحصل ضمناً لما يقبل التعليق. والدليل عليه أن السيد لو أبرأ المكاتب عن نجوم الكتابة يعتق، والإبراء لا يقبل التعليق، ولو قال لمكاتبه: إن دخلت الدار، فأنت حر؛ فإذا دخل؛ عتَقَ وبرىء، فتحصل البراءة ضمناً، وإن كانت لا تُعلّق وحدها صريحاً. ٨١٥٦ - ولو قال: من أسلمت، فقد فسخت نكاحها، وزعم أنه أراد بذلك الطلاق، فالذي ذهب إليه الأصحاب أن ذلك مقبول منه. ثم القول في الطلاق المصرح به ما ذكرناه.

стр. 6378

وحكى العراقيون وجهاً، أن تفسيره الفسخ بالطلاق مردود، وهذا لا وجه له. فإن تكلف متكلف وقال: الفسخ في نكاح المشركات صريح في الفراق الذي هو من خصائص الباب، وما كان صريحاً في موضوعه لا يجوز أن يُعدل به عن موضوعه [بالنية] (١)، وهذا كما أن الطلاق لا يصير بالنية ظهاراً، والظهار بالنية لا يصير طلاقاً (٢). وهذا بعيد؛ فإنَ الفسخ قبل الإسلام لا يقال له على صيغة التعليق، والطلاق ينفذ، فكان استعمال الفسخ في وقت لا يجد نفاذاً في موضوعه. ٨١٥٧ - ولو كُنَّ ثمانياً، فأسلمت واحدة، فقال: فسخت نكاحها، ثم هكذا: أسلمن بجملتهن واحدة واحدة، والتفريع على الأصح (٣) -وهو إلغاء الفسخ- ففسخه مردود في الأربع الأوائل، وهو نافذ في الأربع الأواخر، والسبب فيه أن فسخ الأربع الأواخر وقع وراء العدد الكامل، وهو الأربع، فكان نافذاً. وكذلك لو أسلمت أربع دفعة واحدة، ثم أسلمت أربع أخرى، فينفذ الفسخ في المتأخرات؛ فإنه وراء العدد الكامل - وهو الأربع؛ فينبني على هذا ما نريد الآن. فإذا أسلمن مترتبات واحدةً واحدةً، وهو كان يفسخ نكاح كل من تُسلم، فلا ينفذ الفسخ في الأولى والثانية والثالثة والرابعة، وينفذ في الخامسة إلى الأخيرة، ثم إذا نفذ الفسخ في المتأخرات، تعنيت الأوائل للزوجية، إذ لا بد من أربع. وإن فرّعنا على الوجه الضعيف الذي حكاه العراقيون، فنقف الفسخَ في الأربع الأوائل، وننظر إلى ما يكون، فإن أسلمت الخامسة فقال: فسخت نكاحها، فنقدم على ذلك فرضَ الكلام في إسلام أربع جميعاً، وإسلامِ أربع بعدهن، والنسوة ثمان، وقد قال لما أسلمت الأوائل: فسخت نكاحهن، وقال لما أسلمت الأواخر: فسخت نكاحهن، فإن فرعنا على ظاهر المذهب؛ ففسخه الأُول لاغٍ، ولما فسخ نكاح الأربع المتأخرات حالة إسلامهن، نفذ الفسخ فيهن، وتعينت الأوائل للزوجية، [وعلى قول

стр. 6379

الوقف] (١) لو فسخ نكاح الأوائل، وقفنا فسخه، وانتظرنا العاقبة، فلما أسلمت الأواخر معاً، ثبت نكاحهن كما (٢) أسلمن، وتبيّنّا نفوذ الفسخ في الأوائل. ولو فسخ نكاح الأواخر، لم ينفذ فسخه؛ فإنا نفذنا على وجه الوقف فسخَه في الأوائل، فاقتضى ذلك تعيين الأواخر للزوجية، وإذا تعيّنّ، بطل تقدير الفسخ فيهن إذا أسلمت أربع معاً، ثم أسلمت أربع. ٨١٥٨ - فأما إذا أسلمت أربع على الترتيب واحدة واحدة، وفرّعنا على الوقف، فالفسخ في الأربع المترتبات موقوف، فلما أسلمت الخامسة، فقد تمكّنّا من [التنفيذ] (٣) لفسخ نكاح واحدة من الأوائل، فإنَّ الإجازة والاختيار في الخمس لا وجه له، فننفذ فسخاً؛ ويتعين [للتنفيذ] (٤) الفسخُ في الأولى؛ فإنه أول فسخ صدر، فيتبين نفوذه بأول التمكن، ثم لما نفذنا الفسخ في الأولى يبطل الفسخ في الخامسة وتعيّنها للزوجية إذا كانت المسألة مفروضة في ثمان، ثم إذا أسلمت السادسة، نفذنا الفسخ في الثانية للقياس الذي ذكرناه في الخامسة والأولى، وإذا أسلمت السابعة، ففسخ نكاحها، نفذنا الفسخ في الثالثة، وأثبتنا زوجية [السابعة، وإذا أسلمت الثامنة، ففسخ نكاحها، نفذنا الفسخ في الرابعة، وأثبتنا زوجية] (٥) الثامنة، وصار إسلام الأربع الأواخر ترتيباً مع تقدير الفسخ فيهن مؤدياً إلى ما اقتضاه فسخ نكاح الأربع الأواخر جميعاً لو أسلمن معاً بعد تقدم الفسخ في الأوائل جميعاً لما أسلمن معاً. والمذهب إلغاء الفسخ في الأوائل، وإبطال مذهب الوقف، وليس يخفى التفريع عليه. ٨١٥٩ - ولو أسلمت أربع من الثمان، فآلى الزوج، لم يصر بالإيلاء مختاراً لهن، بخلاف ما لو طلقهن (٦)، والسبب فيه أن الإيلاء يمين على الامتناع عن الوطء،

стр. 6380

والحلف [على] (١) الامتناع عن الوطء يلائم الأجنبية المعينة للفراق، وليس كالطلاق؛ فإن من ضرورته حَلٌّ بعد تقدير عقد، وكذلك لو أسلمت أربع، فظاهَرَ عنهن، لم يجعل الأصحاب الظهار تعييناً للزوجية؛ فإن معنى الظهار المبالغة في وصف المرأة بالتحريم، من حيث تشبيهها بالمحرمات، وهذا يلائم حال الأجنبية بخلاف الطلاق. هذا ما وجدته للأصحاب. ٨١٦٠ - ومما ذكروه واتفقوا عليه؛ أنه لو أسلم من النساء خمس أو ست، فقال الزوج المسلم: أوقعت الأربع المختارات فيهن؛ فالاختيار ينحصر فيهن، وتندفع الباقيات لو قدر إسلامهن. وقد يتطرق إلى هذا سؤال، وذلك بأن يقال: الاختيار تعيين، وحصره الزوجات في جمع من النسوة زائداتٍ على العدد المعتبر شرعاً لا تعيين فيه؟ وسبيل الجواب عنه: إن التعيين على معنى الحصر في هذا الجمع محقق كائن، وفيه تعيين الباقيات تعييناً للفراق، فصح ذلك. ولو أبهم رجل طلقة بين أربع نسوة، ثم أشار إلى اثنتين، وقال: من أردته بالطلاق فيهما، كان ذلك ضرباً من التعيين، وترتب عليه تعيين الأخريين للزوجية، وانحصار الطلاق في اللتين ذكرهما للطلاق إبهاماً، ثم يتعين عليه تعيين المطلقة منهما، كذلك القول في اختيار الأربع من الست اللواتي حصر المختارات فيهن، فنقول: عيِّن أربعاً منهن وفارق اثنتين. هذا ما ذكره الأئمة. ٨١٦١ـ ولم يتصل بأطراف الكلام أن الزوج إذا أسلم وتخلفت الزوجة، وطلقها وهي متخلفة، فلا شك أن الطلاق لا ينتجز في تخلفها، مع جواز أن تصرّ على شركها حتى تنقضي العدة؛ إذ لو اتفق ذلك، تبيّنا ارتفاع النكاح بنفس اختلاف الدين، وذلك سابق على تنجيز الطلاق. ولكن لو طلقها، ثم أسلمت، فقد ظهر اختلاف الأصحاب في تنفيذ ذلك الطلاق

стр. 6381

تخريجاً على الوقف، وسبب ظهور الخلاف أن الطلاق أقبل [للغرر] (١) من غيره. ولو كان تحته نسوة زائدات على العدد المحصور، فأشار إلى أربع منهن في الشرك، فقال: أجزت نكاحهن، [فلا شك] (٢) في بطلان اختياره إذا أبطلنا قول الوقف، فأما إذا فرعنا على قول الوقف، فهذا الاختيار فاسد أيضاًً؟ فإنها على ثبوتها (٣) لا يصح اختيارها، ومن أجاز وقف العقود، لم يجوّز بيع الخمر على تقدير المصير إلى حموضة الخل. وفي القلب من هذا أدنى شيء؛ من قِبل أنَّ الخمر ليست مملوكة ويثبت الملك مع تخللها غير مستند إلى حالة الشدة، وإذا أسلمت الوثنية، تبينا أنها كانت زوجة وهي وثنية، وهذا الإسناد محكوم به شرعاً، فيتطرق إمكان القول بالوقف على بُعدٍ في الإجازة. والعلم عند الله تعالى. فرع: ٨١٦٢ - إذا أسلمت نسوة زائدات مع إسلام الزوج، فقد ذكرنا أنه يختار أربعاً منهن، فلو وطىء، فهل يكون وطؤه اختياراً للزوجة؟ فيه وجهان ذكرهما العراقيون، وهما كالوجهين في أن الرجل إذا أبهم طلقة بين امرأتين ثم [وطىء] (٤) إحداهما أو أبهم إعتاقاً بين أمتين ثم وطىء إحداهما، فهل يكون الوطء تعييناً للملك والزوجية؛ حتى تتعين الأخرى للعتق وللطلاق؟ فعلى اختلاف (٥) مشهور، سيأتي مشروحاً في كتاب الطلاق، إن شاء الله . فرع: ٨١٦٣ - ظاهر النصوص أن عدة المتعينات للفراق تحتسب من وقت تقدم الإسلام ممن تقدم به، وإن أحببنا قلنا: أول العدة يُحتسب من وقت اختلاف الدين، هذا مقتضى النصوص، وعليه أجرينا المسائل. وللشافعي نص في كتاب العدة "أن الرجل إذا نكح امرأة نكاحاً فاسداً، فكان

стр. 6382

يغشاها، فالعدة تحتسب من وقت التفريق بينهما، لا من آخر وطئه"، وفيه اختلاف وتفصيل سيأتي -إن شاء الله تعالى- في كتاب العدة، والغرض من ذلك أن معظم أئمتنا قالوا: ابتداء العدة محسوب من وقت اختلاف الدين، فإن فرّعنا على ابتداء عدة الشبهة من وقت التفريق بين الزوجين، والسبب فيه [أن] (١) الزوج في النكاح الفاسد يخامر زوجته ويخالطها مخالطة الأزواج، وإن كان لا يغشاها، فيجوز ألا يقع الاعتداد بذلك الزمان من العدة، فالزوج لا يغشى المتخلفات في مسألتنا ولا يخالطهن مخالطة من يتسلط على الغشيان، فكان ذلك فرقاً بين المسألتين. ومن أصحابنا من قال: إذا حسبنا ابتداء عدة الشبهة من افتراق، فنحسب ابتداء العدة في المتخلفات من وقت التعيين [للفراق] (٢)، وكذلك القول فيه إذا أسلمن وتخلف، وهذا القائل يعتل، فيقول: إذا كان ظن [الزوجية] (٣) على الفساد يمنع الاحتساب بالعدة في النكاح الفاسد، فتقع الزوجية في المتخلفات أو في المسلمات تحت الزوج المتخلف أولى بأن تمنع الاحتساب من العدة. وحقيقة هذا سيأتي في كتاب العدة، إن شاء الله . فصل قال: "ولو أسلمن معه، فقال: لا أختار، حُبِسَ حتى يختار ... إلى آخره" (٤). ٨١٦٤ - إذا أسلم وتحته أكثر من أربع أسلمن، فالزوج مأمور بأن يختار أربعاً منهن، والاختيار حتم عليه؛ فلا يجوز له أن يتركهن مبهمات؛ فإنه لو فعل ذلك، لكان حابسَهن على غير تعيين للفراق والزوجية. وكذلك القول فيه إذا أبهم طلاقاً من نسوة.

стр. 6383

ثم قال الشافعي: "إذا امتنع من التعيين، حبسته ليُعيّن، فإن امتنع مع الحبس يُعزر ويضرب حتى يختار" (١). هذا كلام الشافعي. وفي هذا أدنى تأمل على الناظر. والحبس في وجوه (٢) من ثبت عليه دين نوعٌ من العقوبة، ونحن لا نحبس في الدَّين إلا بعد ثبوته، ولا تعويل على قول القائل: لسنا نقطع بصدق الشهود؛ فإنَّ البينة إذا قامت، أرقنا الدماء بها، وهجمنا على العظائم، ثم حكمنا بالظاهر، ووكلنا الأسرار إلى الرب تعالى، وليس الحبس بأعظم من القتل والرجم، ولكن إنما اختار ولاة المسلمين وقضاةُ الدِّين من عهد رسول الله ﷺ الحبسَ لسرٍّ، وهو أنه عقوبة دائمة إلى الوفاء بالحق، ولا يتصور إدامةُ عقوبةٍ غيره. وفيه مع ما ذكرناه لطيفة أخرى، وهو الاستيثاق بمن عليه الحق؛ فاجتمع في الحبس هذان المطلبان. ثم ذكر الشافعي أن الرجل إذا امتنع من الاختيار، فرأى القاضي أن يعزره، عزّره، وهذا مضموم إلى الحبس، فلا اكتفاء بالتعزير، وإنما رأى الشافعي [ذلك] (٣)؛ لأنه ما [لم] (٤) يتطرق إلى الذي وجب عليه الاختيار إمكانُ عذر؛ فإن (٥) الأمر إلا إليه، فتركه للاختيار نكاح (٦). فقال الأئمة: لو فرض مثل هذا في الحقوق المتوجهة، ورأى القاضي التعزير [ضمّاً] (٧) إلى الحبس، فله ذلك، وإنما يتصور هذا إذا أقر بالحق واعترف بقدرته

стр. 6384

[على أدائه، وأخر مماطلةً، من غير أن يكون له وطر] (١)؛ فللقاضيَ أن يعزره، فأما إذا قامت البينة وهو [رادٌّ] (٢) ولكنا أوضحنا له: "أن القضاء نفذ عليه ولا يقبل منه تكذيبُ البينة"، فإن كان يدعي إعساراً، فلا سبيل إلى المزيد على الحبس، وإن اعترف باليسار؛ فالظاهر عندنا امتناع التعزير، وفي الحبس مقنع. وفي كلام الأصحاب ما يدل على أن للقاضي أن يعزره. ثم ما ذكرناه من التعزير ليس حتماً، بل هو إلى رأي الوالي، على ما سيأتي شرح ذلك في كتاب الحدود، إن شاء الله . ثم إن كرر السلطان التعزير حيث يراه، فلا بأس، ويخلَّلُ بين التعزيرين زمانٌ يبرأ فيه عن التعزير الأول؛ فإن الموالاة في العقوبة عظيم. فإن قيل: هلا قلتم: إذا امتنع الزوج من التعيين، فللقاضي أن يعيّن عليه، كما يطلّق زوجة المُولي بعد المدة إذا امتنع عن الفيئة، على أحد القولين؟ قلنا: المرأة مطالِبة بحقها وهي مضرورة من جهة الزوج، فإنْ قطع الحاكم نكاحاً لإزالة الضرر، لم يبعد، وفي مسألتنا واحدة من النساء لا تتعين لطلب حقها، فلا سبيل إلى تفويض ذلك إلى القاضي. ثم قال الأصحاب: إذا امتنع الزوج -وتحته ثمان، وأسلم وأسلمن- عن اختيار أربع منهن، وحبسناه، فلا نعزره على الفور، فلعل أ [له في التعيين فكراً] (٣)، وأقرب معتبر في ذلك مُدَّة الاستتابة (٤). ٨١٦٥ - ثم عليه أن ينفق على جميعهن ما دام ممتنعاً عن اختيار أربع، أجمع

стр. 6385

الأصحاب عليه، واعتلّوا بأنهن محبوسات بسببه، والزوج قادر على تخليصهن من الحبس، فإذا أدام حبسهن أُلزم نفقتهن. وهذا المقدار لا يستقل، والوجه أن نقول: إنما تجب النفقة لأن كل واحدة منهن تزعم أنها مستحِقة، والنفقة من حيث إنها كانت من قبلُ مستحقة، ولم يتحقق في حقها على الخصوص ما يوجب إسقاط النفقة؛ فهي على مطالبتها بحقها من النفقة إلى أن يتبين ما يسقطها. والذي يوضح ذلك: أنه لو لم تثبت لكل واحدة منهن نفقة، فلا سبيل إلى إسقاط نفقتهن بالكلية، ولو أوجبنا نفقة أربع نسوة، فلا يمكن تعيين المستحقة، ولا سبيل إلى وقف النفقة إلى البيان؛ فإنَّ النفقة أُثبتت شرعاً لحاجة ناجزة لا تقبل الوقف. ولو فُضّت (١) النفقة التي ذكرناها عليهن من غير وقفٍ، لما وصلت واحدة منهن إلى نفقة تسد مسداً، فإذا تعذر الوقف، وتعذر إسقاط أصل النفقة، ولم يتجه الفضُّ [والتعيين] (٢)، فالرجوع إلى اعتبار كل واحدة في نفسها؛ نظراً والتفاتاً إلى الاستحقاق القديم، حتى كأنه لا طَلِبة إلا منها ولا مستحقة غيرها - أولى (٣) معتبرٍ وأحقُّ مرجوع إليه. ومما يعضد ذلك أن الجاريات في العدة بسبب اختلاف الدين ينزلن عند معظم الأصحاب منزلة الرجعيات في عدة الرجعة، على ما سنقرر ذلك في آخر الباب، إن شاء الله . والرجعية تنزل منزلة الزوجة في استحقاق النفقة ما دامت في عدة الرجعة. فقد وضح ما ذكرناه من إيجاب النفقة على الزوج من كل وجه. ٨١٦٦ - ثم الكلام وراء ذلك يُفرض في موت الزوج قبل اتفاق التعيين والاختيار، فإذا اتفق ذلك، تعلق الكلام بفصلين: أحدهما - في العدة، والثاني - في الميراث. فأما القول في العدة، فليس يخفى أن الزوجة تعتد عدة الوفاة: أربعة أشهر

стр. 6386

وعشراً، التي مات عنها زوجها، والتي تبيّن أنها بانت عن زوجها تعتد بالأقراء، إن كانت من ذوات الأقراء، وتعتد بثلاثة أشهر إن كانت من ذوات الشهور. ونحن نعتبر في حق كل واحدة مسلك الاحتياط، ولا نحلّها للأزواج إلا على ثَبتٍ، وتعيُّنُ هذا المساق يقتضي لا محالة أن يُرعى في حق كل واحدة منهن أقصى الأجلين، فإن كانت العدة بالأشهر، لم يخف وجه الاحتياط، فإن الأربعة أشهر والعشر تشتمل على ثلاثة أشهر وتزيد، وإن كن حوامل؛ فإذا وضعت الحامل بعد الموت حملها، فقد حلت عن العدة، فإنها سواء فرضت زوجة، أو قدرت بائنة (١) عن زوجها، فوضع الحمل يبرئها إذا وضعت بعد الموت. وإن كانت من ذوات الأقراء، فينبغي أن تأتي بثلاثة أقراء فيها أربعة أشهر وعشر. وإن أحببتَ قلتَ: تعتد بأربعة أشهر وعشر، وإن أحْببت قلت: تعتد بأربعة أشهر فيها ثلاثة أقراء، فأي الأجلين انقضى انتظرت الأجل الآخر، وهذا معنى أقصى الأجلين، واليقين يحصل بهذه الطريقة. ثم عدة الوفاة يعتبر ابتداؤها من وقت موت الزوج لا محالة. والبينونة، من أي وقت يعتبر ابتداؤها؟ فعلى وجهين، مهدناهما قبلُ: أحدهما - أنا نعتبر ابتداءها من أول الإسلام، إن كان الإسلام على الترتيب، ويعتبر في حق كل واحدة إسلامها وإسلام زوجها، ولا يخفى درك هذا على الفقيه، ولا يضر التعرض للجليات في أثناء الخفيات. والوجه الثاني - أنا نعتبر ابتداء عدة البينونة في حقوقهن من وقت موت الزوج، فإنهن من قبل ذاك في حال الزوجية والتباس الحال، فشابهن المنكوحة نكاح الشبهة والزوج كافر. ومن أسرار القول في العدة -وإن كان متّضحاً- أن وجوب العدة قد يحال على اختلاف الدين، كما تقدم، وذلك يستدعي ترتيباً في الإسلام، وتقديرَ سبقٍ من أحد الزوجين إليه، فإذا أسلم الزوج وأسلمن معاً، فالعدة تحال على دفع الإسلام نكاح

стр. 6387

الزوائد، فإنا أوضحنا أن الإسلام يتضمن انتفاء أنكحة تزيد على حد الشرع. ثم المختارات في الزوجية والمندفعات بحكم الزيادة يبنين على الوجه الظاهر من وقت الإسلام الواقع؛ فالعدة إذاً تحال مرة على اختلاف الدين، ومرة على الدفع. ثم الدفع قبل البيان على لَبْسٍ، كما أن تبين الارتفاع باختلاف الدين موقوف على ما يُبيِّن، فهذا حاصل الكلام في العدة. ٨١٦٧ - فأما القول في الميراث؛ فإذا مات الزوج [وبقين] (١) [فنفرز] (٢) من تركته ميراثَ زوجة من غير مزيد، وهو ربعٌ أو ثمن، عائلٌ أو كامل. ثم الذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن هذا القدر يوقف بينهن، فلنفرض ثمانياً، ونقول: ميراث الزوجة الواحدة موقوف بينهن؛ فإن اصطلحن، فذاك، وإن لم يصطلحن، استمر الوقف. ثم قال الأصحاب: لو جاءت واحدة أو اثنتان أو ثلاث أو أربع يطلبن من الربع أو الثمن، فلا نجيبهن إلى شيء؛ من جهة أنا نجوّز أن تكون الزوجات من الباقيات اللاتي لم يطلبن شيئاًً من الموقوف، وقد صورنا تحته ثمانياً. ولو جاءت خمس يطلبن، فنسلم إليهن ربعَ الموقوف؛ فإنا نستيقن أن فيهن زوجة. فأقل ما يقدر لهن هذا. وقد قال الشافعي: لو كان فيهن طفلٌ (٣)، فليس لوليها أن يرضى لها -إذا طلبن [الاصطلاح] (٤) - بأقلَّ من ثُمن الموقوف، وعلل بأن قال: إذا وُقف بينهن وهن ثمان

стр. 6388

مقدارٌ، [فيدُ] (١) كل واحدة منهن ثابتة على ثُمن الموقوف، فلا يقع الرضا بأقلَّ من ثُمن الموقوف على موافقة ثبوت الأيدي. ومما ذكره الأئمة؛ أن الخَمس إذا جئن يطلبن، فقد ذكرنا أنا لا نسلم إليهن إلا رُبع الموقوف في الصورة التي صورناها، فهل يشترط عليهن الإبراء عن الباقي؟ فعلى وجهين: أحدهما - وهو القياس الذي لا جريان لغيره، أنا لا نشترط ذلك؛ فإنهن لم يطلبن فوق حقهن، بل اقتصرن على المقدار المستيقن [لهن] (٢)، فيبعد كل البعد أن نكلفهن إسقاط حق يتوقع لهن، بل يجب أن يُجَبن إلى القدر المستيقن فحسب. والوجه الثاني - أنا لا ندفع إليهن شيئاًً، بل نديم الوقف إلا أن يسقطن حقوقهن من الباقي؛ فإنَّ سبب إجابتهن في مقدار من الموقوف لهن قطعُ خصومة عاجلاً وآجلاً، وهذا لا يحصل إلا بالإبراء، وهذا وجه لا اتجاه له عندنا. ويتعلّق بتمام البيان في ذلك أنهن إن كن يطلبن أن يقتسمن الربع المسلّم إليهن، فذاك، وإن كن على أن يقفن ذلك الربع بينهن، فهذا خلي عن الفائدة؛ فإن الوقف كائن قبل ذلك، ولكن إذا أردن هذا، فغرضهن الاختصاص باليد. ويتفرع عليه أن الخَمس إذا أخذن رُبع الموقوف، فثلاثة أرباعه تبقى تحت أيدي ثلاث نسوة، فإن أسقطت الخَمسُ حقوقهن من الباقي، فتختص به الثلاث الباقيات، وهذا خيال في التفريع لا حاصل له، فإنا إذا اشترطنا في إجابتهن أن يسقطن حقوقهن من الزائد على الرُبع المسلم إليهن، وهن أيضاًً يقفن الربع ولا يقتسمنه، فما استفدن شيئاًً، إلا أن الربع موقوف بين خَمس - يدُ كل واحدة منهن ثابتة على خُمس الرُبع، وهو يقع سهماً من عشرين سهماً من جميع الحصة الموقوفة لهن، وقد كانت يد كل واحدة قبل هذا الاستدعاء ثابتة على سهم من ثمانية أسهم من جملة الحصة. وإذا وضح ذلك، فليس لاستدعائهن مقصود مطلوب إلا أنهن يملكن الاستبداد بأنفسهن من غير مراجعة الباقيات إذا تراضين بالاقتسام، فَتُبْنى إجابتهن إلى ما يطلبن

стр. 6389

على ملكهن الانفراد بأنفسهن من غير مراجعة إلى الباقيات. وإن قلنا: لا يشترط على الخَمس الطالبات من الثمان إسقاط حقوقهن من الباقي، فيظهر الغرض بأنهن ملكن الانفراد بالتصرف في الربع المسلم به، وحقوقهن بعد حط الربع لهن قائمة في الباقي الموقوف. ولو زدن على الثمان وكن تسعاً مثلاً، فجاءت خَمسٌ وطلبن أن نقدر لهن شيئاًً، لم نجبهن؛ فإنا نجوز أن يكن الأربع الباقيات هن الزوجات. ولو كنَّ ستاً، فجاءت أربع منهن يطلبن، فنسلم إليهن نصفَ الموقوف؛ فإنا نعلم أن في [الأربع] (١) زوجتان، ولو جاءت ثلاث يطلبن، فنسلم إليهن ربع الموقوف، فإنا نعلم أن في الثلاث زوجة، وإنما نأخذ هذا الاعتبار من عدد اللواتي لا يطلبن أن [يخصصن] (٢) بشيء، وليس يخفى مُدرك الغرض في ذلك على من له فكر. ٨١٦٨ - [ومما] (٣) ذكره الأصحاب في ذلك أن الزوج إذا كان تحته أربع وثنيات وأربع كتابيات، فأسلمت الوثنيات معه، واستقرت الكتابيات؛ فالنكاح متردد بينهن، من جهة أن المسلم يقرر على نكاح الكتابية، فإذا مات، ولم يختر منهن أربعاً، فلا نقف لهن شيئاًً؛ فإنا نقف المقدار المستيقن، ونحن نجوّز أن تكون الزوجاتُ الكتابيات؛ إذ لو اختارهن في حياته، لجاز له ذلك. ثم لا ميراث للكتابيات، فإذا أمكن تقرير هذا، فقد زال تحققُ الاستحقاق وثبوتُه على قطع، وهذا سديد على مذهب الشافعي في اعتبار اليقين في المواريث عند وقوع اللبس. وقد ألحق الأئمة بهذه الصورة، أن الرجل لو نكح مسلمة وكتابية ثم قال: "واحدة منكما طالقة ثلاثاً"، ومات قبل البيان، ولم نُقم بيانَ الورثة مقام بيانه، فلا نقف لهما شيئاًً، للعلة التي ذكرناها؛ فإنه كان يجوز أن يعيّن المسلمة للفراق، ثم لا ترث الكتابية لو فعل ذلك ومات.

стр. 6390

وذكر صاحب التقريب هذه المسألة، وأجاب فيها بجواب الأصحاب، وحكى وجهاً آخر، أنَّا نقف ميراث زوجة بين المسلمة والورثة إذا وقع بينهما الطلاق المبهم، وطلب أن يفصل بين هذه المسألة وبين المسألة التي ذكرناها في نكاح المشركات من فرض أربع وثنيات يسلمن وأربع كتابيات يصررن على الكفر، ولم يأت بما يقبل الحكاية، ولا يتوقع الفقيه في ذلك فرقاً ممكناً أصلاً. فهذا ما ذكره جماهير الأصحاب في الميراث طردناه على وجهه. ٨١٦٩ - وذكر صاحب التقريب طريقةً عن ابن سريج وعدَّها خارجة عن قياس الأصحاب. ولا يستقر على المسلك الحق عندنا غيرُها (١)، وذكر أنه حكي عنه أنه قال: إذا لم يختر المسلم الزوجات، ومات قبل اتفاق ذلك، واتفقت (٢) النسوة على صورة الحال، ولم يختلفن، ولم تدّع واحدةٌ منهن كونها مختارة، بل اعترفن بصورة الحال، فالربع أو الثمن مفضوض عليهن بالسوية؛ فإنَّ التوقع في البيان منقطع، وكل واحدة منهن في سبب الاستحقاق بمثابة صاحباتها، وليس ذلك لبساً يُنتظر زواله. والذي يكشف الغطاء في ذلك: أن محل اللبس ينتظم أن يقال فيه: ما هو مشكل علينا معلوم لله تعالى، فهذا التقدير لا يمكن إجراؤه في هذه المسألة؛ إذ لا وجه في البيان، فيفرض معلوماً لله تعالى. ولو قال: إن كان هذا الطائر غراباً، فأنت طالق، وقال لزوجته زينب: إن لم يكن غراباً، فأنت طالق، فتطلق إحداهما. فإن أشكل الطائر، وأشكل تسميةُ الطالق منهما، فهذا الإشكال يختص بنا، والرب تعالى عليم بالطالق، ومثل ذلك لا يتأتى تقديره في المسلمات الزائدات على العدد الشرعي إذا مات الزوج قبل اختيار الزوجات منهن، فلا وجه إلا التسوية بينهن قسمةً وتوزيعاً.

стр. 6391

وهذا حسن منقاس، وإن كان مخالفاً لما عليه جماهير الأصحاب، وهذا يخالف ميراث الخناثى، فإنا لا [نأيس] (١) بياناً فيهم، والبيان غير متوقع في المسألة التي ذكرناها، ولا بد من صرف الميراث إليهن، فلا معنى للتوقف إذاً والحالة هذه. وقد نجز الغرض من هذا الفصل. فصل قال: "وإن أسلم وعنده وثنية، ثم تزوج أختها ... إلى آخره" (٢). ٨١٧٠ - إذا كان نكح في الشرك وثنية، ثم أسلم وتخلفت الوثنية، وذلك بعد الدخول، فقد بان أنا ننتظر إسلامها في مدة العدة، فلو نكح بعد الإسلام أختها المسلمة، فلا شك أن المتخلفة لو أسلمت في العدة، فنكاح الأخت مردود، فإنا عرفنا أن المسلم بعد التزام الأحكام أدخل نكاح أخت على أخت. ولو نكح أختها كما فرضنا، ثم أصرت المتخلفة حتى انقضت العدة؛ فقد بان أن نكاح أختها وقع بعد بينونة المتخلفة. فالذي نقله المزني عن الشافعي أن النكاح مردود، واختار لنفسه صحة النكاح. وعلل الأصحاب فساد النكاح بما اقترن به مما يقتضي الوقف، والنكاح لا يقبل الوقف، وهذا أجراه الأصحاب على منع وقف العقود، وقد ذكرنا للشافعي قولاً في وقف العقود في كتاب البيع، وأوضحنا فيه مراتب الوقف، وطرق المذهب في كل مرتبة، فهذا نكاح جرى في وقتٍ كان لا يمكن أن نقطع فيه بانعقاد النكاح. فلم ير الشافعي -فيما نقله المزني- تصحيح النكاح. ٨١٧١ - وهذا الفصل فيه سر؛ فإن الوقف الذي اتفق الأصحاب على إجراء القولين فيه مصور فيما إذا زوّج الرجل جارية أبيه في غيبته مثلاً، بناء على تزويج ملكه بغير إذنه، ثم بان أن أباه كان قد مات في وقت التزويج، وأنها كانت مملوكة للمزوّج في

стр. 6392

الوقت، فهذا في انعقاده قولان عند كافة الأصحاب. فإذا وضح ذلك، رجع الكلام إلى نكاح الأخت وأختُها متخلفة، وقد اختلف الأصحاب في ذلك، فذهب جمهورهم إلى إفساد النكاح، وإن تخلفت الوثنية إلى انقضاء العدة. وأجرى بعضهم القولين كما ذكرناه في الصورة المتقدمة، فأما إجراء القولين؛ فقياسه أنا نتبين آخراً أن الأخت تزوجها المسلم، والوثنية بائنة (١) في تلك الحالة. ومن رأى القطع (٢) أظهر فرقاً بين هذه المسألة وبين مسألة الميراث، وقال: إذا زوّج جارية أبيه في غيبته، ثم بان أنها كانت ملكاً له بالميراث، وأن أباه كان قد مات؛ فالسبب المجوِّز للنكاح كائن في الحال، ولكنه لم يعلمه المزوّج، وأما إصرار المتخلفة إلى انقضاء العدة فليس أمراً واقعاً حالة العقد، ولكنه متعلق بما يكون في الاستقبال، وهو غيب لا مطّلع عليه، ولا يعلمه إلا الله ، فهذا وجه الفرق. ومما يتضح به الفرق عند الفارقين أن من الأئمة من جعل المتخلفة بمثابة الرجعية في العدة، ونكاح الأخت في عدة الأخت الرجعية غير سائغ، والمزني لما اختار صحة النكاح بناء على ما تبين في المآل استدلّ بالطلاق، وقال: إذا تخلفت الوثنية [وطلقها] (٣) زوجها المسلم، فلو أصرت حتى انقضت عدتها، فقد تبين أن الطلاق لم يصادفها؛ [فإنها] (٤) بانت بإسلام الزوج، ولو أسلمت في العدة، لحقها الطلاق، وهذا مما تردد الأئمة فيه، فذهب الأكثرون إلى وقوع الطلاق، وهو الذي لا يسوغ غيره؛ فإن الطلاق يقبل التعليق بالغرر، ومنتهى ما يحذر في الوقف [تقدير] (٥) التعليق، والنكاح وما في معناه من العقود لا يقبل التعليق، فلم ينعقد على تقديره، والطلاق إذا كان يقبل صريح التعليق، فيقبل تقديره على حكم الوقف، ومن أصحابنا من أجرى في الطلاق حيث ذكرنا قولَ الوقف.

стр. 6393

وعلى هذا النحو اختلف الأصحاب فيه إذا أعتق الرجل عبداً لأبيه، ثم بان أنه كان مِلْكَ الابن بالميراث؛ فالذي ذهب إليه المحققون: الحكم بنفوذ العتق قطعاً، ومنهم من رأى تخريج ذلك على قول الوقف، وقد أشرت إلى هذا الاختلاف من طلاق المتخلفة. والذي أراه إبطال مذهب من يصير إلى تخريج خلاف في الطلاق لما ذكرناه الآن. والفقيه من [يميز] (١) عثرات الأئمة عما يعد من أصل المذهب. ٨١٧٢ - ومما يتعلق بمضمون الفصل أن المرأة لو أسلمت وتخلف الزوج، ونكح أختها في الشرك، وكانوا يرون نكاح الأخت على الأخت، فلو جرى ذلك في الشرك وقد أسلمت الأخت التي كانت زوجته قديماً، ثم أسلم الزوج بعد ما تزوج الأخت، فقد قال الأئمة: نجعل ما جرى بمثابة ما لو نكح في الشرك أختين، ثم أسلم عليهما وأسلمتا، فإنا نخيره بينهما، وهذا مفروض إذا أسلمت الأخت [التي] (٢) تزوجها حديثاً، فالحكم أن يتخير. فإن اختار القديمة، تبين اندفاع الجديدة بعد الحكم بثبوت نكاحها، على الرأي الظاهر في ثبوت أنكحة الشرك، وإن اختار الجديدة، اندفع نكاح القديمة، هذا ما ذكره الأصحاب. وفي ذلك أدنى مراجعة؛ فإنه لو كان نكح في الشرك أختين ثم أسلم وأسلمتا، فاختار إحداهما، فقد استمر النكاح عليهما في الشرك، ثم اتصل النكاح فيهما بالإسلام، وفي هذه المسألة جرى نكاح إحداهما بعد إسلام الأخرى، ولكن لا يختلف الحكم بهذا الاختلاف؛ فإن اندفاع نكاح إحدى الأختين إنما يحصل ويتبين عند الاجتماع في الإسلام، فإذا أسلم في العدة وهما [مسلمتان] (٣)، جرى الأمر في اختيار إحداهما على القياس المعلوم. فإن اختار الجديدة، بان اندفاع نكاح القديمة من وقت إسلامها، فإن اختار القديمة، بان اندفاع نكاح الحديثة، إما من وقت إسلامهما إن أسلما معاً، أو من وقت إسلام من تقدم بالإسلام منهما إن ترتبا في

стр. 6394

الإسلام؛ وهذا خارج عن الأصول الممهدة؛ فإنهما إن أسلما معاً، فلا اختلاف بينهما، وسبيل اندفاع الجديدة بدفع الإسلام نكاحها عند اجتماع الأختين في الإسلام، فيتأرخ اندفاع نكاحها بوقت الاجتماع في الإسلام لا بوقت الاختيار؛ فإن الاختيار بيان وليس [بقطع] (١). وإن أسلم الزوج مثلاً أولاً ثم أسلمت الجديدة من بعد، [فاختار] (٢) القديمة، فهو كما لو نكح أختين في الشرك فأسلم الزوج وأسلمت واحدة فاختارهما، فنكاح المتخلفة يتأرخ زواله بوقت اختلاف الدين لا محالة. وقد نجز مقصود نكاح المشركات أصلاً وتفريعاً، ولم يبق منه إلا الكلام في المهر، وما يفرض من اختلافٍ بين الزوجين في التقدم والتأخر، وادعاء الاجتماع في الإسلام على ما تقتضيه أغراض المختلفين، ونحن نعقد في كل غرض من هذه الأغراض فصلاً. فصل قال: "ولو أسلمت قبله ثم أسلم في العدة ... إلى آخره" (٣). ٨١٧٣ - إذا أسلم أحد الزوجين بعد المسيس قبل الثاني، فلا يخلو إما أن تسلم هي أو يسلم هو، فإن أسلمت هي أولاً، وتخلف الزوج، نُظر: فإن جمعها الإسلام قبل انقضاء العدة، استحقت النفقة لما مضى من الزمان بعد إسلامها. وإن أصر الزوج على تخلفه حتى انقضت العدة، فقد تبيَّنا انبتات النكاح بينهما، وهل تستحق النفقة لما مضى، يعني لأمد العدة؟ قال الأئمة: الصحيح أنها تستحق، لأنها بالإسلام أدت فرضاً عليها، والنفقة لا تسقط بأداء فرض. وذكر بعض الأصحاب وجهاً آخر: أنها لا تستحق النفقة من وقت اختلاف الدين،

стр. 6395

وعلل بأن قال: هي التي (١) أحدثت سبباً منعت (٢) به الاستمتاع، ثم تمادى الأمر إلى تبين الانبتات. هذا ما ذكره المعتبرون. وذكر بعض الأصحاب فيه -إذا أسلمت أولاً ثم الزوج في العدة- وجهاً أنها لا تستحق النفقة لما مضى في زمان الاختلاف، وإن استقر النكاح بينهما في الاجتماع في الإسلام؛ لأنها بإسلامها -وإن أحسنت- تسببت إلى منع نفسها من الزوج وسد طريق الاستمتاع. فهذا نقل ما قيل. ٨١٧٤ - والذي أراه: أنها إذا أسلمت، وتخلف الزوج إلى انقضاء العدة، فإيجاب النفقة لمدة العدة بعيد عن القياس، وإن صحح الأصحاب إيجابها وعدّوا الوجه [الآخر] (٣) ضعيفاً (٤)؛ وذلك أنا نتبين أنها كانت بائنة، والبائنة لا تستحق النفقة إذا كانت حائلاً. وهذا لا ينقدح عنه جواب القاضي، [بأن] (٥) الخلاف في النفقة ينبني على تردد الأصحاب في أن سبيل الجارية في عدة اختلاف الدين سبيل الرجعيات أو سبيل البائنات، وهذا مما ظهر فيه اختلاف الأصحاب: فمنهم من قال: هي كالرجعيات؛ من جهة أن الزوج يتمكن من إثبات النكاح بنفسه بأن يسلم، وتمكُّنه من ذلك بمثابة تمكُّن الزوج من رجعة المطلقة الرجعية. ومن أصحابنا من قال: المرأة بمثابة البائنة. وهذا التردد غير صادر عن ثبت [وتحقُّقٍ؛ من] (٦) جهة أن الكلام مفروض فيه إذا انقضت العدة من غير اجتماع في الإسلام، وإذا جرى الأمر كذلك؛ فالتردد في البينونة

стр. 6396

غير معقول، والدليل عليه أنه لو طلقها الزوج وقد أسلم وهي المتخلفة، فالطلاق لا يلحقها إذا أصرت، والطلاق يلحق الرجعية، فلا متعلق لمن يقول: عدتها بمثابة عدة الرجعية، إلا ما أشرنا إليه من تمكن الزوج من إثبات النكاح بالإسلام، وهذا لا حاصل له؛ فإن الإسلام ليس تصرفاً في النكاح حتى يُستشهد به على صفة العدة، وإنما حالٌ يجري، ثم يُبتنى عليه حكمٌ في النكاح، وهذا بمثابة قول الفقهاء: المرأة لا تقدر على رفع النكاح من غير ضرار مخصوص تدفعه بالفسخ، ونتصور منها أن ترتد ولا يكون هذا تمكناً منها من فسخ النكاح. ثم الذي يقتضيه التوجيه الذي ذكره الأصحاب: الفرق بين أن تكون هي المتخلفة وبين أن يكون هو المتخلف، فإنَّ الزوج إذا تخلف وسبقت بالإسلام، فهو متمكن من إثبات النكاح بالإسلام، فهذا يضاهي الرجعة، والزوج المتخلف بمثابة المطلِّق المرتجع من حيث يتمكن من الإسلام تمكن الزوج من الرجعة، فإذا كانت هي المتخلفة والزوج مسلم؛ فليس يتعلق إثبات النكاح باختيار الزوج؛ فإن الأمر معلق بإسلامها وتخلفها، وهذا يوضح أن التعويل على الإسلام في المعنى الذي ذكرناه غير مستقيم؛ فإن البائنة والرجعية لا اختيار لهما في الاستبداد بالرجوع إلى النكاح، والمتخلفة متمكنة من الإسلام، وهو سبب ثبات النكاح. ولو جرى في مدة العدة، فالذي لا يتجه (١) عندنا غيره: أن العدة إذا انقضت في تخلف الزوج، فلا نفقة لها، وذكر الأئمة أن الأصح وجوب النفقة، وعليه تدل النصوص، وهذا إذا سبقت بالإسلام وتخلف الزوج ثم أسلم في العدة أو أصر. ٨١٧٥ - فأما إذا أسلم الزوج وتخلفت المرأة؛ فالذي ذكره الأئمة: أنا ننظر: فإن

стр. 6397

لم يجمعهما الإسلام قبل انقضاء العدة، فلا نفقة لها لما مضى؛ فإنها المتسببة في تخلفها، فكانت كالناشزة على زوجها، انضم إلى ذلك أنا تبيّنا حصول البينونة مستندة إلى وقت اختلاف الدين. وإن تخلفت وأسلم الزوج، ثم إنها أسلمت في العدة واستمر النكاح، فهل تستحق النفقة لمدة تخلفها؟ المنصوص عليه في الجديد: أنه لا نفقة لها لتلك المدة، لأنها بالتخلف ممتنعة عن زوجها متسببة بامتناعها فكانت كالناشزة، ونص في القديم على أن لها النفقة لما مضى من الزمان إذا أسلمت في العدة؛ لأن النكاح استقر آخراً، وهي لم تُحدث أمراً، وإنما الزوج هو الذي أحدث سبب امتناع الاستمتاع، وإذا هي أسلمت فلا، يبعد أن نحمل [تخلّفها] (١) على التفكر في قبول الدين. [ولا] (٢) خلاف أن الزوج إذا أسلم وتخلفت، وكان ذلك قبل المسيس يشطر المهر، وهذا دال على إحالة الفراق على إسلام الزوج، فلا يبعد إحالة امتناع الاستمتاع على إسلامه، وناصرُ القول الجديد ينفصل عن المهر، ويقول: المهر في مقابلة العقد، وقد مضى على الصحة، وتعلقت الفرقة بسبب صدر عن اختيار الزوج، واستقرار النفقة في مقابلة التمكين، وهي بتخلفها مانعة من التمكين، فكانت كما لو سافر الزوج، فامتنعت من الخروج معه. هذا تفصيل القول في النفقة. ٨١٧٦ - ثم الذي نراه أن نذكر ما يتعلق بالنفقة من اختلاف الزوجين، ثم نذكر على إثر فصل المهر ما يتعلق بالمهر من اختلافهما، فنقول - هاهنا تفريعاً على الجديد في الصورة الجديدة: إذا أسلم الزوج أولاً وتخلفت المرأة، ثم أسلمت في العدة، والتفريع على أنها لا تستحق نفقة زمان التخلف، فإذا قال الزوج: أسلمتِ بعد [إسلامي] (٣) بخمسين يوماً، وقالت المرأة: بل أسلمتُ بعدك بثلاثين يوماً، فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل بقاؤها على الكفر، ودوام سقوط النفقة، وكانت

стр. 6398

كما لو أقرت بالنشوز، ثم ادعت أنها عادت إلى الطاعة منذ شهر، وقال الزوج: بل منذ عشرة أيام، فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل بقاء النشوز. ولو اختلف الزوجان في أصل السبق، فقال الزوج: أسلمت أنا قبل إسلامك، فسقطت نفقتُكِ بالتخلف، وقالت المرأة: لا بل أنا أسلمت قبلك، فالقول قولها؛ لأن الأصل وجوب النفقة وكفر الزوج، فصار هذا كما لو اختلف الزوجان في أصل النشوز، فادعى الزوج نشوز [امرأته] (١)، وأنكرت المرأة، فالقول قولها. وحكى العراقيون وجهاً آخر وهو أنَّ القول قول الزوج؛ فإنه ادعى إصرارها على الشرك، والأصل بقاء الشرك، وهذا وجه بعيد، لم يعرفه المراوزة. وقد نجز الكلام في النفقة، وما ذكرناه منفصل عن النفقة التي تكلمنا فيها إذا أسلمن وأسلم -وعددهن زائد على العدد الشرعي- وامتنع الزوج من الاختيار، فتلك النفقة وجبت بسبب حبس الزوج إياهن مع قدرته على إزالة اللبس، فإذا ضممنا تلك النفقة إلى ما ذكرناه في هذا الفصل، انتظم من المجموع تمام القول في النفقة. فصل قال: "ولو أسلم قبل الدخول، فلها نصف المهر ... إلى آخره" (٢). ٨١٧٧ - إذا أسلم أحد الزوجين فلا يخلو: إما أن يكون قبل الدخول، وإما أن يكون بعده، فإن كان بعد الدخول، فلها المهر المسمى إنْ كانت التسمية صحيحة؛ فإن النكاح قد تأبد وتقرر بالمسيس، وكذلك لو ارتدت أو أرضعت رضاعاً يوجب فساد العقد بعد الدخول؛ فالمهر المسمى باقٍ مستقر، [وسنعقد] (٣) في باب الغرور -إن شاء الله وعيوب النكاح فصلاً جامعاً فيما يتضمن سقوط المسمى قبل

стр. 6399

المسيس أو يوجب تشطره، وفي الحكم بعد المسيس، والقدرُ الذي ننجزه هاهنا أن النكاح ارتفع باختلاف الدين والإصرار بعد المسيس، فالمسمى الصحيح ثابت بكماله. وإن كان اختلاف الدين قبل المسيس، نُظر: فإن أسلمت المرأة، سقط مهرها وإن أحسنت بإسلامها؛ لأن الفسخ ترتب على سبب من جهتها. ولو أسلم الزوج قبل المسيس، فيتشطر المهر؛ لأن الفراق متعلق باختيار الزوج، وليس هذا كما لو فسخ الزوج النكاح بعيب المرأة، فإن جميع المسمى يسقط وإن كان الفسخ صادراً من جهته. ولو صدر الفسخ من جهتها بعيب فيه، سقط المسمى أيضاًً، فلم نفرق بين أن تكون هي الفاسخة وبين أن يكون هو الفاسخ، وفي الإسلام [فرقنا] (١) بين إسلامها وإسلامه قبل المسيس، وكذلك نفرق بين ردته وردتها، فيسقط المهر إذا ارتدت قبل المسيس، ونوجب تشطره إذا ارتد الزوج قبل المسيس. فهذا ما أردناه الآن. والفرق على الجملة بين الفسخ بالعيب وبين ما نحن فيه، أن الزوج إذا فسخ، فسبب فسخه أنه استحق سلامتها عن [العيوب] (٢)، فإذا صادفها معيبة، انعكس استحقاق الفسخ على أصل العقد، واختلافُ الدين طارىء على العقد، لا استناد له إلى ما تقدم. وما ذكرناه من ثبوت المسمى فيه إذا كانت التسمية صحيحة، فلو ذكر في الشرك صداقاً فاسداً؛ فالرجوع إلى مهر المثل بكماله بعد المسيس، وإن كان قبل المسيس، فالرجوع إلى نصف مهر المثل، فهذا بيان حكم المهر. ٨١٧٨ - ثم نذكر الآن -وفاءً بالموعود- في اختلاف الزوجين، وإذا اختلفا في تاريخ الإسلام، فلا يخلو إما أن يكون ذلك قبل الدخول أو بعده، فإن كان قبل الدخول، ففيه أربع مسائل: إحداها - أن يقول الزوج للمرأة: أسلمتِ قبلي، ويسقط

стр. 6400

مهرك، وقالت المرأة: بل أنت أسلمت قبلي فلي نصف المهر، قال الأصحاب: القول قولها، وعليه نصف المهر؛ لأن الأصل بقاء مهرها، والزوج يدعي سقوطه. والمسألة الثانية - أن يقول الزوج: أسلمتِ قبلي وسقط مهرك، وتقول المرأة: لا أدري، أسلمتُ قبلك أو بعدك، فلا يقضى لها بشيء في الحال؛ لأنها ليست تدعي شيئاًً عليه. والمسألة الثالثة - أن يقول الزوج: أسلمنا معاً، وغرضه بهذا استمرار النكاح بينهما، وقالت المرأة: أسلم أحدنا قبل صاحبه، فلا نكاح بيننا، ففي المسألة قولان: أحدهما - إن القول قوله؛ لأن الأصل بقاء النكاح، والمرأة تدعي انقطاعه، والقول الثاني - إن القول قولها؛ فإن ما ادعاه الزوج من وقوع الإسلامَيْن معاً بعيد في الوقوع وفاقاً، فلم يُصدَّق في أمر يبعد وقوعه. وقد قال الأئمة: القولان في هذه المسألة خارجان على اختلاف الأصحاب في حد المدّعي والمدّعى عليه، وفيه خلاف سيأتي مبيناً في كتاب الدعاوى، إن شاء الله ، فمن أصحابنا من قال: المدعى عليه من ينكر أمراً ظاهراً جلياً، والمدعي من ينكر أمراً خفياً، فعلى هذا القول قولها؛ لأن الظاهر معها. ومن أصحابنا من قال: المدعى عليه من إذا سكت لم يُترك وسكوته، فعلى هذا، القول قول الزوج. والمسألة الرابعة - أن يقول الزوج: أسلمتِ قبل إسلامي، فلا مهر لك، وهي تقول: لا، بل أسلمنا معاً ومهري بحاله، فنقول: النكاح بقول الزوج مفسوخ لا محالة؛ فانه مؤاخذ بموجب نفسه فيما يتعلق بزوال النكاح؛ فإنه المستحق للاستمتاع، وفي وجوب المهر لها جوابان: أحدهما - إنها تستحق نصف المهر؛ لأن الأصل بقاء مهرها، والزوج يدعي سقوطه. والقول الثاني - إن القول قول الزوج؛ لأن المرأة ادعت أمراً بعيداً في العادة نادر الوقوع، وهو وقوع الإسلامين معاً. وقد ذكرنا أنها لو ادعت تقدم إسلامه لينتصف مهرها، والزوج ادعى تقدم إسلامها ليسقط مهرها، فالقول قولها، وإنما اختلف القول فيه إذا ادعت وقوع الإسلامين معاً بسبب

стр. 6401

ادعائها اجتماعَ الإسلامين، ووقوعَ هذه الحالة النادرة في العادة كما ذكرنا، وكل ذلك والنزاع بينهما قبل المسيس. ومما أجريناه في أثناء الكلام وقوع الإسلامين معاً، ولم نعن بذلك أن يبتديا كلمتي الإسلام معاً، وإنما عنينا وقوع انتهاء الكلمة منهما معاً، هذا هو الاجتماع. ولا يضر أن يتقدم أحدهما بصدر الكلمة إذا كان الفراغ من آخر حرف منهما معاً، وسنذكر أصل ذلك في مسائل الطلاق، إن شاء الله . ٨١٧٩ - فأما إذا كان الاختلاف بعد الدخول، فلا يظهر أثره في المهر، فإن المهر واجب بكماله بعد الدخول، وإنما يظهر أثر الاختلاف في النكاح وبقائه وارتفاعه: فإذا قال الزوج: أسلمتُ قبل انقضاء عدتك، فالنكاح قائم بيننا، وقالت المرأة: لا بل أسلمتَ بعد انقضاء العدة، فالنكاح منفسخ، فقد ذكر المراوزة: فيه مسائل: إحداها - أن يتفقا على وقت انقضاء العدة، ويختلفا في وقت الإسلام، والأخرى - نقيضها، والمسألة الثالثة - ألا يتعرضا لتاريخ الإسلام ولا لتاريخ انقضاء العدة، بل يُطلِقا، وهذا الاختلاف في هذه المسائل الثلاث يجري في دعوى الرجعة وانقضاء العدة جريانه هاهنا، وقد اضطربت الطرق في ذلك اضطراباً بيّناً، فرأيت تأخير ذلك إلى كتاب الرجعة، وسأستقصي -إن شاء الله فيه الطرق، وأبين المختار الحق ثَمَّ. وقد انتجز الباب والحمد لله رب العالمين. ثم عقد الشافعي باباً مشتملاً على مناظرة له مع محمد في إمساك الأواخر (١)، وليس من شرط هذا المجموع ذكره. ...

стр. 6402

باب ارتداد أحد الزوجين، أو هما إلى الشرك ٨١٨٠ - المرتد لا ينكح أبداً مسلمة ولا مرتدة ولا كتابية، والمرتدة لا ينكحها أحد: لا مسلم ولا كافر؛ لما فيها من حرمة الإسلام، ولا ينكحها مرتد، هذا هو القول في امتناع ابتداء النكاح مع الردة. ٨١٨١ - فأما إذا طرأت الردة على النكاح، فلا يخلو: إما أن يكون قبل الدخول أو بعده، فإن كان قبل الدخول، تنجزت الفرقة من غير توقف، ولا فرق بين أن ترتد، أو يرتد الزوج، أو يرتدا معاً، فعلى أي وجه فُرض طريان الردة، فالنكاح ينفسخ على الفور، ثم العود إلى الإسلام لا يرد النكاح، وليس كملك اليمين؛ فإنا وإن حكمنا بأن ملك المرتد يزول عن ماله، فإذا عاد إلى الإسلام عاد ملكه، وهذا لا يتصور في النكاح، وخالف أبو حنيفة (١) فيه، إذا ارتدا معاً (٢)، وحكم بأن النكاح لا ينفسخ إذا ارتدا معاً. فأما إذا طرأت الردة بعد الدخول، فلا فرق بين أن ترتد المرأة أو يرتد الرجل، وبين أن يرتدا جميعاً، فالحكم لا يختلف عندنا فيما يتعلق ببقاء النكاح وارتفاعه. فنقول في هذه الصور الثلاث: إذا جرت الردة، ثم فرض الاستمرار عليها إلى انقضاء العدة، فنتبين أن النكاح ارتفع وانفسخ من وقت الردة، وما جرى بعد الارتداد اعتداد محسوب؛ وإن فرض زوال الردة الطارئة قبل انقضاء مدة العدة، فالنكاح قائم بين الزوجين. هذا مذهب الشافعي، فلو ارتدت المرأة مثلاً والزوج مسلم وهي مدخول بها، فلو

стр. 6403

وطئها الزوج في أثناء العدة، فإن اتفق زوال الردة قبل انقضاء مدة العدة، فلا مهر على الزوج بسبب ما جرى؛ فإنا تبينا آخراً أن وطْأه صادف زوجته لا يُلزمه مهراً جديداً. ولو جرى الوطء، ثم أصرّت المرأة على الردة حتى انقضت العدة، وقد تبينا أن الوطء جرى مع بائنة، فعلى الزوج مهر المثل. هذا مقتضى النص في الردة. ونص الشافعي على أن الزوج المطلق إذا وطىء زوجته الرجعية في أثناء العدة، فإنه يلتزم مهرها وإن راجعها بعد الوطء، وهذا يخالف ما حكيناه عن النص فيه إذا وطىء الزوجُ المرتدةَ، ثم عادت إلى الإسلام قبل انقضاء العدة. والكلام في هذا الفصل يأتى مستقصى في كتاب الرجعة، وفيه نستقصي حكم ثبوت المهر في الرجعية -إن شاء الله إذا وطئها الزوج ثم راجعها أو لم يراجعها وتركها حتى انسرحت بانقضاء العدة، فإذا نحن ذكرنا ثَمّ حكمَ المهر في الرجعة، فنذكر بعد نجاز الغرض منه كلام الأصحاب فيه إذا ارتدت المرأة ووطئها الزوج ثم عادت إلى الإسلام، وإنما رأيت تأخير ذلك لشدة تعلقه بأحكام الرجعية. ٨١٨٢ - ونحن نذكر الآن حكمَ المهر المسمى في النكاح وأنه متى يسقط؟ وكيف السبيل فيه؟ إن شاء الله . فنقول: إذا ارتد أحد الزوجين أو ارتدا جميعاً، نُظر: فإن كان ذلك [بعد] (١) النكاح [والدخول] (٢)، فالمسمى ثابت بكماله، كما قدمنا ذكره في نكاح المشركات. وإن لم تكن المرأة مدخولاً بها، نظر: فإن كانت هي التي ارتدت، سقط المهر بكماله، [كما] (٣) إذا سبقت إلى الإسلام وكانت مشركة تحت مشرك، فالحكم بهذا أولى إذا ارتدت عن الإسلام. ٨١٨٣ - وإن ارتد الزوج قبل المسيس، تشطر الصداق، لم يختلف أصحابنا فيه، ونزل ذلك منزلة الطلاق قبل المسيس، وذلك القول فيه إذا أسلم الزوج المشرك

стр. 6404

وتخلفت المشركة الوثنية، وذلك قبل المسيس، فالحكم تشطر الصداق. ولو ارتد الزوجان معاً قبل المسيس -على ما أوضحنا تصوير الوقوع معاً-، فلا شك في ارتفاع النكاح، واختلف أئمتنا في المهر: فمنهم من قال: يجب لها نصف المهر، وقد وجد سبب الفرقة من جهة الزوج، فيحال الحكم عليه ويضاف وقوع الفراق إلى ما وجد منه، وإن أتت المرأة بمثله، كما لو خالعها، فإنه يجب لها نصف المهر، وإن كانت المرأة قد شاركت زوجها فيما وقعت به الفرقة. والوجه الثاني - لا يجب لها نصف المهر؛ لأن المرأة أحدثت ما يستقل باقتضاء الفرقة لو انفردت، فيسقط مهرها وإن [أتى] (١) الزوج بمثله، وليس كالاختلاع؛ فإن المرأة لا تستقل به والزوج في الحقيقة هو المطلق، ولم يوجد منها مشاركة في الطلاق، وإنما شاركت في قبول عوض الطلاق، [فظهر] (٢) الفرق. والاختلاف في ارتدادهما يقرب من الاختلاف الذي حكيناه فيه إذا اشترى الزوج زوجته، فهل نقول يسقط المهر إذا جرى ذلك قبل المسيس، أو يجب نصف المهر للمَوْلى؟ فيه تردد؛ لأن البيع يتعلق على نسق واحد بالبائع والمشتري جميعاً، وليس كالخلع، وكأن [البيع] (٣) شبيه بارتداد الزوجين؛ من حيث إن أحدهما لا يختص بكونه مفارقاً بخلاف الخلع؛ فإن المطلق هو الزوج. ٨١٨٤ - ومما يتعلق بقاعدة المذهب، أن النكاح مهما (٤) ارتفع قبل المسيس أو بعده بردة أحد الزوجين، أو بردتهما جميعاً، فسبيل ارتفاعه عندنا الانفساخ لا غير، وأبو حنيفة (٥)

стр. 6405

قد يجعل [ارتفاع] (١) النكاح بسبب ردة الزوج طلاقاً. ٨١٨٤/م- ومما يتعين إجراؤه في قاعدة المذهب سؤالاً وجواباً، أن المرأة إذا ارتدت فهي بردتها متسببة إلى فسخ النكاح وتفويته على الزوج، فلو قال قائل: هلا غرمتموها قيمة البضع لزوجها لانتسابها إلى تفويت البضع عليه، وهلا نزلتموها منزلة الأجنبية تفسد النكاح بالرضاع، أو منزلة الشهود إذا شهدوا على الطلاق، وبعد القضاء بشهادتهم رجعوا عن الشهادة؛ فإنه يجب الغرم على الشهود، وعلى الأجنبية المرضعة، على تفاصيلَ ستأتي مشروحة -إن شاء الله في مواضعها. قلنا: المرأة لا تغرم لزوجها شيئاًَ إذا هي ارتدت فانتسبت إلى فسخ النكاح؛ لأنها عاقدة، ولو غرمت، لغرمت بالعقد، وسبيل الغرامة بالعقد أن يسقط العوض المستحق، فإن أسقطنا جميع المهر -وقد جرى وطء- لأدى ذلك إلى تعرية الوطء عن العوض، وهذا لا سبيل إليه، وإن أسقطنا بعضاً، لم نجد إلى درك ما يصيب الوطاة الواحدة سبيلاً؛ فإن التوزيع إنما يمكن إذا كان ما عليه التوزيع مضبوطاً متناهياً، وهذا -على إشكاله- قد أوردنا الممكن فيه في مجموعاتنا في الخلاف (٢). ومما يتعلق بتحقيق القول في ذلك، أن الشافعي نص على أن النكاح إذا فسخ بعيب بعد المسيس فيسقط المسمى بكماله، وللمرأة مهر المثل؛ لأنها قد وطئت، وذكر الأصحاب قولاً آخر أن المسمى لا يسقط بعد تقرره بالدخول، وسيأتي شرح ذلك -إن شاء الله في باب العيوب والغرور. ٨١٨٥ - وأنا أقول: إن كانت الردة من الزوج فالمسمى بعد الدخول لا يسقط قولاً واحداً؛ من جهة أن ما يشطر المسمى لو جرى قبل المسيس، فإذا جرى بعده تقرر المسمى كالطلاق، فأما المرأة إذا ارتدت، فمعلوم أن ردتها قبل المسيس تسقط المهر

стр. 6406

بكماله، وإن ارتدت بعد المسيس، ففي كلام الأئمة تردد، وهو محل الاحتمال، فمنهم من يلحق الانفساخ الحاصل بردتها بما إذا فسخ النكاح بعيب؛ حتى يخرَّج قولٌ في سقوط المسمى والرجوع إلى مهر المثل، ومنهم من قطع بأنَّ المسمى لا يسقط قولاً واحداً، وهو ظاهر النص، وإليه ميل الجماهير؛ فإن ردته إذا لم تسقط المسمى وإن كان النكاح يرتفع بها انفساخاً؛ فيجب ألا يسقط أيضاًً بردتها، والفسخ بسبب العيب لما تضمن سقوط المسمى بعد الدخول -على القول المنصوص- استوى فيه الجانبان، وهذا - وإن كان ظاهر المذهب، فالقياس إجراء القول المنصوص إذا كانت الردة صادرة من جهتها، ولا يمتنع الفرق بين الجانبين كما فرقنا بينهما في الردة قبل المسيس. ٨١٨٦ - ثم ذكر الشافعي بعد ذلك التحول من ملة إلى ملة (١)، وقد قدمنا في ذلك قولاً بالغاً. وعقد باباً في طلاق الشرك (٢)، وقد استقصينا القول في أنكحتهم، وذكرنا أن المذهب الذي عليه التعويل ينفذ طلاقهم في الشرك، وحكينا في ذلك خلافاً بعيداً، وليس ذلك مما يعتد به من المذهب، ولم أجد في مضمون الباب مزيداً، فلم أعقده، واقتصرت على ما تقدم. ...

стр. 6407

باب عقد نكاح أهل الذمة ٨١٨٧ - قد ذكرنا في نكاح المشركات أن أنكحتهم التي عقدوها في الشرك على وفق اعتقادهم منفّذةٌ في الإسلام إذا لم يتصل بالإسلام مفسد، وقد تفصّل ذلك على أبلغ وجه في البيان، ومقصود الباب الكلام في مهورهم إذا اتصلت العقود بالإسلام، فنذكر ذلك، ونذكر معه حكم عقودهم في الأموال وتعاملهم على الخمور والخنازير، فنقول: إذا أصدق المشرك زوجته خمراً أو خنزيراً، ثم اتصل النكاح بالإسلام، فالمذهب الذي عليه الجريان: أن المرأة إن قبضت صداقها الفاسد في الشرك، ثم فرض الإسلام بعد ذلك، فليس لها طلب المهر، ويجعل كما لو كان أصدقها الزوج مهراً صحيحاً وقبضته. ولو أسلمت قبل قبض المهر، فلها طلب مهر مثلها في الإسلام؛ وذلك لأنها ما رضيت بالنكاح عارياً عن الصداق، ولما أسلمت وهي على استحقاق المهر ويستحيل أن تطلب الخمر، فلا مرجع إلَاّ إلى مهر المثل، وتنزل هذه الحالة منزلة ما لو نكح مسلم مسلمة على خمر، فالخمر لا تثبت، ولكن يثبت مهر المثل. ٨١٨٨ - وذكر شيخي مسألتين غريبتين بعد تمهيد أصل المذهب وكنت أستبعدهما حتى رأيتهما لصاحب التقريب. فقد حكاهما عن نصوص الشافعي في سير الواقدي، إحدى الطريقين - أنها [إن] (١) لم تقبض الصداق في الشرك، وأسلمت، طلبت مهر المثل، كما ذكره الأصحاب، وإن قبضت الصداق الفاسد؛ ففي المسألة قولان: أحدهما - أنها لا تطلب شيئاًً، وهو ما صار إليه جماهير الأصحاب؛ فإنها أسلمت (٢)

стр. 6408

بعد انفصال الأمر وانتهاء النكاح إلى حالة لا يبقى لها فيه طَلِبة على موجب عقدها، وقد ذكرنا أن عقدهم متبع في تفاصيل الأنكحة وأحكامها، فصار انتهاء النكاح إلى هذه الحالة قبل الإسلام بمثابة ما لو جرى في الشرك عقد تفويض، ومعتقدهم [أن التفويض] (١) يعرّي العقد عن المهر ولا يتضمن وجوبه وإن اتصل بالمسيس (٢). هذا أحد القولين، وهو الذي لم يعرف معظم الأصحاب غيره. والقول الثاني - أن لها طلب المهر إذا اتصل النكاح بالإسلام؛ فإن القبض الجاري في الشرك فاسد، فوجوده كعدمه، وهذا يعتضد باقتضاء دوام النكاح للمهر. هذه طريقة واحدة. والثانية - أنَّ القبض إذا جرى في الشرك، ثم اتصل النكاح بالإسلام فلا طلبة لها، وهذا هو الذي قطع به الجمهور. وإن لم تقبض المهر الفاسد حتى أسلمت؛ ففي المسألة قولان: أحدهما -وهو ظاهر المذهب- أنها تطلب مهر مثلها، وقدمنا توجيه ذلك، والقول الثاني - أنه لا شيء لها؛ فإنها رضيت في الشرك بالخمر، وحكم رضاها ثابت عليها في الإسلام، وقد عسر عليها قبض الخمر، فسقطت طلبتها. فهذا ما حكاه شيخي وأورده صاحب التقريب معزيّاً إلى النصوص، وليس للمتصرف في المذهب أن يلحق ما ذكرناه بالقانون، فالأصل الذي عليه التعويل ما سبق، وهو قطع القول بالفصل بين أن يجري قبض وبين ألا يجري، كما ذكرناه في صدر الفصل قبل حكاية المسألتين الغريبتين. ٨١٨٩ - ومما يتصل بذلك أنهم إذا [ترابوا] (٣) فباعوا درهماً بدرهمين، فإن تقابضوا

стр. 6409

ثم أسلموا، أو ترافعوا إلينا ورضوا بحكمنا؛ فالذي أجرَوْه لا نتبعه بالنقض. وإن أسلموا أو ترافعوا قبل القبض، فلا طلبة بينهما، والذي أجرياه من العقد يسقط، وتنقطع عهدته وآثاره. فإن قيل: ما حكيتموه من الطريقين هل تجرونه في تعاملهم على الربا وفي شرائهم [الخمر و] (١) أثمانها؟ قلنا: ليس من الرأي التفريع على الضعيف الشاذ، وإن أردناه، فلا ينبغي أن يكون للطريقين جريان في تعاملهم على الخمور والخنازير والربويات، وذلك أن النكاح يبقى بعد الإسلام مستمراً مقتضياً دوام أحكامه، والمهر من أحكامه وحقوقه، وقد يطرأ في الإسلام على النكاح ثبوت مهر لم يقترن بالعقد وجوبه، ولذلك نوجب المهر للمفوِّضة بالمسيس، وإن فرعنا على أنها تستحق بالعقد مهراً ونثبت للمفوضة أيضاًً المطالبة بالفرض على تفصيل سيأتي موضحاً في بابه من كتاب الصداق، إن شاء الله تعالى. فهذا سبب جريان الطريقين على بعدهما. فأما التعامل على الخمور والربويات إذا اتصل [بالقبض]، (٢) وانفصل الأمر، فيبعد تتبعه في الإسلام، ومن اجترأ على تتبع أثمان الخمور بعد ما قبضت في الشرك، كان هاجماً على خرق الإجماع، وقد قال أمير المؤمنين عمر: "ولّوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها" (٣). ٨١٩٠ - ولو أتلف كافر على كافر خمراً، ثم غرم للمتلَف [عليه] (٤) عوضها دراهم، ثم أسلم، لم يرجع بما بذله في الشرك عوضاً ولو أسلم قبل أن يغرم، فلا

стр. 6410

شك أن المتلَف عليه لا يطالبه بشيء، سواء كان مُصراً على شركه، أو أسلم. ولو أتلف الكافر على الكافر خمراً ثم ألزمه حاكمُهم قيمةَ الخمر، فبذلها محكوماً عليه قهراً، فلا يخلو إمَّا أن يبقيا على الشرك ويترافعا إلى حاكمنا، وإما أن يسلما، فإنْ ترافعا إلى حاكمنا وهما كافران؛ ففي المسألة قولان (١): أحدهما - أنا لا نتبع ما جرى من حكمهم [بالنقض] (٢)، ولا نُلزم قابض قيمة الخمر ردها؛ جرياً على ما مهدناه من أن معاملاتهم إذا اتصلت بالقبض، [انفصلت] (٣) عن تتبع [حاكم] (٤) الإسلام، [ولا خلاف] (٥) في أن المتلف لو بذل القيمة طوعاً، ثم أسلم [لا] (٦) يرجع، وكذلك إذا ارتفع إلى مجلسنا على كفره؛ فإنه لا يجد مرجعاً. ومن عقدهم نفوذ حكم حاكمهم، كما أن من عقدهم جريان حكم بذل الثمن طوعاً على الصحة والاستحقاق. والقول الثاني - إنا نكلف [المتلَف] (٧) عليه رد القيمة؛ لأنا إنما لا نتعرض لهم فيما تقابضوه بالتراضي، وهذه القيمة مأخوذة من المتلِف بغير رضاه قهراً، فلا حكم له. هذا قول ضعيف لا اتجاه له، ولكن حكاه الأئمة في الطرق، ولم يخل كتاب مبسوط عن حكايته عن أن بعض الأئمة ذكر قولين، وذكر صاحب التقريب وجهين (٨).
следующие страницы →