← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

بكماله، وإن ارتدت بعد المسيس، ففي كلام الأئمة تردد، وهو محل الاحتمال، فمنهم من يلحق الانفساخ الحاصل بردتها بما إذا فسخ النكاح بعيب؛ حتى يخرَّج قولٌ في سقوط المسمى والرجوع إلى مهر المثل، ومنهم من قطع بأنَّ المسمى لا يسقط قولاً واحداً، وهو ظاهر النص، وإليه ميل الجماهير؛ فإن ردته إذا لم تسقط المسمى وإن كان النكاح يرتفع بها انفساخاً؛ فيجب ألا يسقط أيضاًً بردتها، والفسخ بسبب العيب لما تضمن سقوط المسمى بعد الدخول -على القول المنصوص- استوى فيه الجانبان، وهذا - وإن كان ظاهر المذهب، فالقياس إجراء القول المنصوص إذا كانت الردة صادرة من جهتها، ولا يمتنع الفرق بين الجانبين كما فرقنا بينهما في الردة قبل المسيس. ٨١٨٦ - ثم ذكر الشافعي بعد ذلك التحول من ملة إلى ملة (١)، وقد قدمنا في ذلك قولاً بالغاً. وعقد باباً في طلاق الشرك (٢)، وقد استقصينا القول في أنكحتهم، وذكرنا أن المذهب الذي عليه التعويل ينفذ طلاقهم في الشرك، وحكينا في ذلك خلافاً بعيداً، وليس ذلك مما يعتد به من المذهب، ولم أجد في مضمون الباب مزيداً، فلم أعقده، واقتصرت على ما تقدم. ...

стр. 6407

باب عقد نكاح أهل الذمة ٨١٨٧ - قد ذكرنا في نكاح المشركات أن أنكحتهم التي عقدوها في الشرك على وفق اعتقادهم منفّذةٌ في الإسلام إذا لم يتصل بالإسلام مفسد، وقد تفصّل ذلك على أبلغ وجه في البيان، ومقصود الباب الكلام في مهورهم إذا اتصلت العقود بالإسلام، فنذكر ذلك، ونذكر معه حكم عقودهم في الأموال وتعاملهم على الخمور والخنازير، فنقول: إذا أصدق المشرك زوجته خمراً أو خنزيراً، ثم اتصل النكاح بالإسلام، فالمذهب الذي عليه الجريان: أن المرأة إن قبضت صداقها الفاسد في الشرك، ثم فرض الإسلام بعد ذلك، فليس لها طلب المهر، ويجعل كما لو كان أصدقها الزوج مهراً صحيحاً وقبضته. ولو أسلمت قبل قبض المهر، فلها طلب مهر مثلها في الإسلام؛ وذلك لأنها ما رضيت بالنكاح عارياً عن الصداق، ولما أسلمت وهي على استحقاق المهر ويستحيل أن تطلب الخمر، فلا مرجع إلَاّ إلى مهر المثل، وتنزل هذه الحالة منزلة ما لو نكح مسلم مسلمة على خمر، فالخمر لا تثبت، ولكن يثبت مهر المثل. ٨١٨٨ - وذكر شيخي مسألتين غريبتين بعد تمهيد أصل المذهب وكنت أستبعدهما حتى رأيتهما لصاحب التقريب. فقد حكاهما عن نصوص الشافعي في سير الواقدي، إحدى الطريقين - أنها [إن] (١) لم تقبض الصداق في الشرك، وأسلمت، طلبت مهر المثل، كما ذكره الأصحاب، وإن قبضت الصداق الفاسد؛ ففي المسألة قولان: أحدهما - أنها لا تطلب شيئاًً، وهو ما صار إليه جماهير الأصحاب؛ فإنها أسلمت (٢)

стр. 6408

بعد انفصال الأمر وانتهاء النكاح إلى حالة لا يبقى لها فيه طَلِبة على موجب عقدها، وقد ذكرنا أن عقدهم متبع في تفاصيل الأنكحة وأحكامها، فصار انتهاء النكاح إلى هذه الحالة قبل الإسلام بمثابة ما لو جرى في الشرك عقد تفويض، ومعتقدهم [أن التفويض] (١) يعرّي العقد عن المهر ولا يتضمن وجوبه وإن اتصل بالمسيس (٢). هذا أحد القولين، وهو الذي لم يعرف معظم الأصحاب غيره. والقول الثاني - أن لها طلب المهر إذا اتصل النكاح بالإسلام؛ فإن القبض الجاري في الشرك فاسد، فوجوده كعدمه، وهذا يعتضد باقتضاء دوام النكاح للمهر. هذه طريقة واحدة. والثانية - أنَّ القبض إذا جرى في الشرك، ثم اتصل النكاح بالإسلام فلا طلبة لها، وهذا هو الذي قطع به الجمهور. وإن لم تقبض المهر الفاسد حتى أسلمت؛ ففي المسألة قولان: أحدهما -وهو ظاهر المذهب- أنها تطلب مهر مثلها، وقدمنا توجيه ذلك، والقول الثاني - أنه لا شيء لها؛ فإنها رضيت في الشرك بالخمر، وحكم رضاها ثابت عليها في الإسلام، وقد عسر عليها قبض الخمر، فسقطت طلبتها. فهذا ما حكاه شيخي وأورده صاحب التقريب معزيّاً إلى النصوص، وليس للمتصرف في المذهب أن يلحق ما ذكرناه بالقانون، فالأصل الذي عليه التعويل ما سبق، وهو قطع القول بالفصل بين أن يجري قبض وبين ألا يجري، كما ذكرناه في صدر الفصل قبل حكاية المسألتين الغريبتين. ٨١٨٩ - ومما يتصل بذلك أنهم إذا [ترابوا] (٣) فباعوا درهماً بدرهمين، فإن تقابضوا

стр. 6409

ثم أسلموا، أو ترافعوا إلينا ورضوا بحكمنا؛ فالذي أجرَوْه لا نتبعه بالنقض. وإن أسلموا أو ترافعوا قبل القبض، فلا طلبة بينهما، والذي أجرياه من العقد يسقط، وتنقطع عهدته وآثاره. فإن قيل: ما حكيتموه من الطريقين هل تجرونه في تعاملهم على الربا وفي شرائهم [الخمر و] (١) أثمانها؟ قلنا: ليس من الرأي التفريع على الضعيف الشاذ، وإن أردناه، فلا ينبغي أن يكون للطريقين جريان في تعاملهم على الخمور والخنازير والربويات، وذلك أن النكاح يبقى بعد الإسلام مستمراً مقتضياً دوام أحكامه، والمهر من أحكامه وحقوقه، وقد يطرأ في الإسلام على النكاح ثبوت مهر لم يقترن بالعقد وجوبه، ولذلك نوجب المهر للمفوِّضة بالمسيس، وإن فرعنا على أنها تستحق بالعقد مهراً ونثبت للمفوضة أيضاًً المطالبة بالفرض على تفصيل سيأتي موضحاً في بابه من كتاب الصداق، إن شاء الله تعالى. فهذا سبب جريان الطريقين على بعدهما. فأما التعامل على الخمور والربويات إذا اتصل [بالقبض]، (٢) وانفصل الأمر، فيبعد تتبعه في الإسلام، ومن اجترأ على تتبع أثمان الخمور بعد ما قبضت في الشرك، كان هاجماً على خرق الإجماع، وقد قال أمير المؤمنين عمر: "ولّوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها" (٣). ٨١٩٠ - ولو أتلف كافر على كافر خمراً، ثم غرم للمتلَف [عليه] (٤) عوضها دراهم، ثم أسلم، لم يرجع بما بذله في الشرك عوضاً ولو أسلم قبل أن يغرم، فلا

стр. 6410

شك أن المتلَف عليه لا يطالبه بشيء، سواء كان مُصراً على شركه، أو أسلم. ولو أتلف الكافر على الكافر خمراً ثم ألزمه حاكمُهم قيمةَ الخمر، فبذلها محكوماً عليه قهراً، فلا يخلو إمَّا أن يبقيا على الشرك ويترافعا إلى حاكمنا، وإما أن يسلما، فإنْ ترافعا إلى حاكمنا وهما كافران؛ ففي المسألة قولان (١): أحدهما - أنا لا نتبع ما جرى من حكمهم [بالنقض] (٢)، ولا نُلزم قابض قيمة الخمر ردها؛ جرياً على ما مهدناه من أن معاملاتهم إذا اتصلت بالقبض، [انفصلت] (٣) عن تتبع [حاكم] (٤) الإسلام، [ولا خلاف] (٥) في أن المتلف لو بذل القيمة طوعاً، ثم أسلم [لا] (٦) يرجع، وكذلك إذا ارتفع إلى مجلسنا على كفره؛ فإنه لا يجد مرجعاً. ومن عقدهم نفوذ حكم حاكمهم، كما أن من عقدهم جريان حكم بذل الثمن طوعاً على الصحة والاستحقاق. والقول الثاني - إنا نكلف [المتلَف] (٧) عليه رد القيمة؛ لأنا إنما لا نتعرض لهم فيما تقابضوه بالتراضي، وهذه القيمة مأخوذة من المتلِف بغير رضاه قهراً، فلا حكم له. هذا قول ضعيف لا اتجاه له، ولكن حكاه الأئمة في الطرق، ولم يخل كتاب مبسوط عن حكايته عن أن بعض الأئمة ذكر قولين، وذكر صاحب التقريب وجهين (٨).

стр. 6411

ولو جرى الإتلافُ والحكمُ وتغريمُ حاكمهم المتلِفَ القيمة - كما سبق تصويره، ثم أسلم المتلَف عليه، قطع المحققون بأنا لا نغرِّم المتلَف عليه في الإسلام ولا نلزمه رد القيمة التي قبضها في الشرك، وإسلامه يقطع عنه هذه التبعة بخلاف الرافع. وطرد شيخي الخلاف في الإسلام والرافع جميعاً، وهذا منقاس؛ لأن التزامهم أحكامنا بالرفع أضعف من التزام الأحكام بالإسلام، فإذا كنا نلزمهم حكم الإسلام بسبب [الرفع] (١) والرضا بحكمنا، فلأنْ نُلزم المسلمَ حكمَ الإسلام أولى. فصل قال: "ولا تحل ذبيحة من وُلِدَ من وثني ونصرانية ... إلى آخره" (٢). ٨١٩١ - الولد المتولد من بين من تحل ذبيحته ومناكحته ومن لا تحل ذبيحته ومناكحته، تفصيل المذهب فيه: أن أباه [إن] (٣) كان مجوسياً أو وثنياً [فلا] (٤) تحل ذبيحته ومناكحته نظراً إلى أبيه قولاً واحداً.

стр. 6412

ولو كان أبوه ممن تحل ذبيحته ومناكحته وكانت أمه مجوسية أو وثنية، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن مناكحة الولد مباح ومذكاه مستباح، نظراً إلى أبيه؛ فإنه إليه ينتسب وبه يعرف. والقول الثاني -إن هذا الولد يلتحق بمن لا يناكح ومن لا تُستحل ذبيحته- تغليظاً عليه وتشديداً للحكم في حقه. وعبّر بعض الأئمة عن هذين القولين بعبارة مرسلة تؤدي هذا الغرض المفصّل، فقال: في الولد المتولد من بين من تحل ذبيحته ومن لا تحل ذبيحته قولان: أحدهما - أن الاعتبار بأبيه فيه، والثاني - أنا نأخذ بالتغليظ ونحكم بتحريم الذبيحة والمناكحة إذا كان أحد أبويه ممن لا يناكح ولا تستباح ذبيحته، سواء كان أباً أو أماً، وهذا بعينه ما ذكرناه مفصلاً قبل. ٨١٩٢ - وقد ذكر صاحب التلخيص جملاً من أحكام الأولاد رأيت معظمها مذكوراً مكرراً في الكتب، وأنا أذكر منها ما أراه مفيداً. أما الإسلام، فيلحق الولد من كل واحد من أبويه لقوته واستعلائه؛ فإنه يعلو ولا يعلى (١)، هكذا قاله المصطفى، وقال أيضاً ﷺ "الإسلام لا يشركه الشرك، والشرك يشركه الشرك" (٢).

стр. 6413

وأما الجزية فلا يخفى مأخذها من النكاح والسفاح وملك اليمين ووطء الشبهة، ولسنا لتفصيلها على وضوحها. واختلف أصحابنا في دية المتولد من اليهودي والمجوسية، فالذي ذهب إليه صاحب التلخيص أنا نوجب أعلى الديتين نظراً إلى أعلى الأبوين دية، وذلك لتغليظ الجناية وتشديد أثرها على الجاني. هذه طريقة اختارها صاحب التلخيص. ومن أصحابنا من قال: القول في دية المتولد يجري على القولين المذكورين في تحليل الذبيحة والمناكحة؛ فإنه إن كان يتجه التغليظ على الجاني فقد يتجه الالتفات (١) على أن الأصل براءة الذمة، فلا ينبغي أن تشغل إلا بثبت. وأما حكم الجزية، فالذي ذهب إليه المحققون أن المتولد من بين من يؤخذ منه، ومن لا يؤخذ منه الجزية -وهذا أصل مهدناه مراراً وسيأتي تمامه في كتاب الجزية إن شاء الله تعالى- فالميل إلى تغليب أخذ الجزية؛ [ولذلك] (٢) أُخِذت من المجوس مع تحريم المناكحة والذبيحة، وأخذت الجزية من الذي ترددنا في أن أول آبائه دان بالتهود قبل المبعث أو بعده. ومما أجراه القفال في الشرح أن المتولد من بين يهودي ومجوسية إذا بلغ، وأراد الاستمساك بالتمجس، فلا معترض عليه ولا نلزمه التمسك بالتهود، كما نقول في المسلم المتولد من بين المسلم واليهودية: إنه يلزمه التمسك بالإسلام، ولكن إذا أظهر التمجس، فله حكم المجوس، وإنما ترددنا فيه قبلُ. هذا مسلك القفال، وليس يمتنع أن نقول: إذا أثبتنا له حكم التهود في تحليل المناكحة والذبيحة، نمنعه من التمجس إذا منعنا الانتقال من ملة إلى ملة، وهذا سيأتي مستقصى في كتاب الجزية، إن شاء الله تعالى.

стр. 6414

والنسب إلى الآباء، وكل حكم يناط بالنسب [فالاعتبار] (١) فيه بجانب الأب، فإذا أعطينا بني هاشم وبني المطلب فالمولود بين هاشمي وتيمية يستحق السهم. والكفاءة بالأب؛ فإنه [معتمد] (٢) النسب في هذا المعنى ولا غموض فيه. فصل قال: "ولو تحاكموا إلينا، وجب أن نحكم بينهم ... إلى آخره" (٣). ٨١٩٣ - إذا ارتفع إلى مجلس حاكمنا ذمي راضٍ بحكمنا، والتمس أن نحكم له أو عليه، فهل يجب على حاكمنا أن يحكم بينهم بموجب دين الإسلام؟ تفصيل المذهب في ذلك أن الكلام يتعلق بأهل الذمة، ثم بالمعاهدين. فأما أهل الذمة إذا ارتفعوا إلى مجلس حاكمنا، فإن كان خصم المرتفع إلينا مسلماً، وجب على حاكمنا الحكم، سواء كان مدعياً أو مدعى عليه، أما إن كان مدعياً؛ فلا يجوز تعطيل حقه، وإن كان مدعىً عليه، فيجب الانتصاف منه للذمي، إن اقتضى الحكمُ عليه حقاً له، وإن لم يتبين ذلك، فعلينا أن ننظر، ونفصل الخصام، ونتبين مساق الأحكام، حتى نعلم أن المسلم ظالم أو بريء، هذا إذا كان خصم الكافر مسلماً. فأما إذا اختصم كافران ذميان، فلا يخلو: إما أن يكونا على ملة واحدة، وإما أن يكونا على ملتين، فإن كانا على ملة واحدة، فهل يجب على حاكمنا أن يحكم بينهما؟ فعلى قولين مشهورين: أحدهما - أنه لا يجب عليه أن يحكم، لقوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُم﴾ [المائدة: ٤٢]، والقول الثاني، وهو الأصح - أنه يجب علينا أن نحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا؛ فإنا أُلزمنا أن نكف عنهم عادية الظَّلمة، ويتعين علينا بحكم الذمة أن نذبّ (٤) عنهم ذبَّنا عن المسلمين، فكيف ينساغ أن نتركهم يختصمون

стр. 6415

ويتغالبون؟ أما الآية، فلم يتبين لنا ورودها في أهل الذمة، ولما رضي اليهوديان بحكمه ﷺ ورجمهما، لم يكونا ملتزمين الجزية، [ولذا] (١) كانت الآية مبهمة. هذا بيان القولين. ثم مما يتفرع عليهما أنا إن قلنا: يجب علينا أن نحكم لهم وعليهم حُكْمَنا على المسلمين، فإذا أتانا واحد [منهم] (٢) مستعدياً على خصمه الذمي، فيجب علينا أن نُعْديه ونستحضره المجلس، كما نفعل في المسلمين. وإن حكمنا بأنه لا يجب على حاكمنا أن يحكم بينهم، فإذا جاءنا واحد منهم يستعدي على خصمه، لم يجب علينا أن نُعديه، فإنا كما لا نوجب على الحاكم أن يحكم بينهم لا نُلزم من لم يرض بحكمنا حكمَ الإسلام، فوجوب الإعداء (٣) عند الاستعداء على الخصم المتخلف عن المجلس مبني على وجوب الحكم على حاكمنا. وإذا شهدا (٤) ورضيا بحكمنا، فمن لم يوجب الحكم على الحاكم، لم يمنعه منه. [و] (٥) لا شك أنه إذا أراد [الحكم] (٦) جرى على معالم الإسلام، واستتبعهم في حق الدين، ولم يتبعهم في عَقْدهم (٧)، إلا أن يترافعوا إلينا وقد انفصل الأمر فيهم بتقابضٍ، كما سبق؛ فإذ ذاك لا يخفى الحكم، كما أوضحناه من قبل، ثم إذا حكمنا عند رضاهم، نفذ [الحكم] (٨)، ولا خيرة لهم بعد نفوذ الحكم. وما ذكرناه فيه إذا كان الخصمان على ملة واحدة.

стр. 6416

٨١٩٤ - فأما إذا كانا على ملتين مختلفتين، فإذا ترافعوا إلينا؛ فالذي ذهب إليه معظم الأئمة: أنه يجب (١) على الحاكم الحكم عند اختلاف الملل، والسبب فيه أنا لو لم نوجب ذلك، لبقيت الخصومة [ناشبة] (٢) بينهم؛ فإن كل واحد من الخصمين المختلفين في الدين لا يرضى بحكم حاكم أهل دين خصمه، فيفضي ذلك إلى اشتجارٍ في ديار الإسلام، لا قاطع له، ولا فيصل فيه. وذكر العراقيون هذه الطريقة وارتضَوْها، وذكروا طريقة أخرى [هي] (٣) إجراء القولين في الخصمين المتعلقين بملتين: أحدهما - أنه لا يجب علينا الحكم كما لا يجب بين متفقي الملة. ومما يجب التنبه له أن من فرّق بين المتفقَيْن [والمختلفَيْن] (٤) عوّل في الفرق على أن المختلفَيْن قد لا يجتمعان على حاكم، فيؤدي ذلك إلى أن تبقى الخصومة فاشية (٥)، وهذا لا يتحقق بين المتفقَيْن. وفي ذلك فضل نظر، وهو أنه إذا لم يكن لأهل الذمة في بلدة الخصومة حاكم، فما قرره الأصحاب من دوام الخصام في المختلفَيْن يتحقق هاهنا، فيلزم على موجَب ذلك أن يجب على حاكمنا الحكم إذا لم يكن لهم حاكم، وكذلك إذا كان لهم حاكم وامتنع أحد الخصمين، فيجب أن يقال: يتعين على حاكمنا أن يحكم؛ إذ يبعد أن نلزمهم حكم الكفر [ونكون] (٦) وزير حاكمهم حتى يُعدي من جهته. ومن تأمل ما نبهنا عليه، استبان ضعف القول إنه لا يجب علينا الحكم بينهم.

стр. 6417

وكل ما ذكرناه فيه إذا كان المتحاكمان إلينا ذميين. ٨١٩٥ - فأما إذا كانا معاهدين فقد أجمع الأصحاب في الطرق على أنه لا يجب علينا أن نحكم بينهم؛ والسبب فيه أنا لم نلتزم الذب عنهم وأن نسوسهم برأينا سياسَتنا لرعايا الإسلام، وإنما فائدة العهد ألا نتعرض لهم، والسر فيه أن الذمة أوجبت الذبَّ لمكان الجزية التي يبذلونها، ولا جزية على معاهد. وإن بذلوا شيئاًً، فلا حكم لما يبذلونه إذا لم يكن عن استحقاق، وهذا إذا كان المعاهدان متفقي الملة. فأما إذا كانا مختلفي الملة، فقد قال طوائف من محققينا: يجب علينا أن نحكم بين المعاهدَين المختلفَي الملة، كما ذكرنا في الذمييَّن المختلفَين، وعولوا على ما ذكروه من دوام الخصام. وقد ذكر بعض الأصحاب في المعاهَدين المختلفَين في الدين خلافاً، ورتبوا فيه المذهب، فقالوا: في الذميين المتفقين قولان، وفي الذميين المختلفين قول واحد في وجوب الحكم، وفي المعاهدين المتفقين قول واحد إنه لا يجب، وفي المعاهدين المختلفين قولان. وهذا عندي ذهول عن حقيقة العهد ومقتضاه؛ فإنا قد أوضحنا أنا لم نثبت للمعاهدين إلأَ أن نؤمّنهم في دمائهم وأتباعهم وأموالهم، فأما أن نليَهم ونسوسَهم، فلا، فإذا اختصم مختلفان منهم، لم يلزمنا أن نفصل الخصومة؛ جرياً على ما نبهنا عليه من مقتضى العهد. ولكن اشتهر عن الأصحاب القول بوجوب الحكم بين المختلفَين منهم، وقطع بهذا معظم المحققين من الأصحاب، وهذا محمول عندنا على أصلٍ، وهو أن طائفة من أهل العهد إذا دخلوا ديارنا، ثم ثاروا وأخذوا يصطدمون وينتطحون ويتجالدون بالسيوف، فهل يجوز تركهم على هذه الحالة؟ ما ذهب إليه أهل الإيالة (١) أن ذلك لا يسوغ؛ فإن السيوف إذا شهرت، خرج الأمر عن الضبط، وأَحْكَمت السيوفُ على

стр. 6418

الطُّلَى (١)، وقد يجر ذلك خرماً للهيبة، وانتهاء إلى اهتتاك (٢) محارم الإسلام، ومَنْ [إلى وامل] (٣) عليه، تبين له أن الرجل المستكين تحت الطاعة إذا ثار وشهر السيف، استوى عنده الإمام الأعظم وآحاد الناس، فعلى هذا القانون يجوز أن يجب فصل الخصومات بينهم إذا اختلفوا في الدين، حتى لا يؤدي للمحذور الذي أشرنا إليه. فهذا منتهى الإمكان. والمذهب عندي القطع بأنه لا يجب الحكم بينهم، اتفقوا في الدين أو اختلفوا. ٨١٩٦ - وإذا كان أحد الخصمين مسلماً والثاني معاهداً، فلا خلاف أنه يجب علينا الحكمُ مدعياً كان المسلم أو مدعًى عليه، وتعليله بيّن لمن أحاط بما مهدناه. ٨١٩٧ - وإذا كان أحد الخصمين ذمياً والثاني معاهداً، فهذا مرتب عند نقلة المذهب على اختصام الذميين، فإن لم نوجب الحكم بينهما، فلأن لا نوجب وأحدهما معاهداً أولى. وهذا عندي من الترتيب الركيك؛ فإنا إذا أوجبنا الحكم على [الذمي] (٤) لم ننظر إلى خصمه كالمسلم، وإن لم نوجب الحكم على الذمي، فلا فرق بين أن يكون خصمه معاهداً أو ذمياً. هذا بيان معاقد المذهب في الحكم بين الكفار. ٨١٩٨ - ونحن نذكر الآن جملاً في أحكامنا عليهم إذا رفعوا إلينا عقودهم،

стр. 6419

فنقول: مبنى الحكم لهم وعليهم أن نقضي بموجب الإسلام، ولا ننشىء حكماً مخالفاً لقاعدة الإسلام، ولكن لا نتتبع ما مضى منهم وانفصل، وعليه خرّجنا انفصال معاملاتهم بالتقابض، ومن أراد تخريج أنكحتهم على هذا القياس، فقد طمع في غير مطمع؛ فإنا أوضحنا في أول نكاح المشركات ابتناء قواعد الباب على الأخبار، وبيّنّا خروج أحكامنا في كثير من مسائل الباب عن القياس، [ولسنا] (١) لإعادة تلك القواعد، والقدر الذي نجريه هاهنا على هذا المساق أنه إذا اتصل بالإسلام مفسد أفسدناه، وإن تحققنا مفسداً مقترناً بالعقد حالة الشرك وقد انقضى، فلا نلتفت إليه، كما مضى. ٨١٩٩ - ثم اتصل بهذا المنتهى أنهم إذا ارتفعوا إلينا والتمسوا منا أن نفرض نفقة مجوسية على يهودي، وكان تزوج يهودي مجوسية؛ فالذي قطع به المراوزة أنا لا نجيبهم إلى ذلك أبداً؛ فإنا لا نحل المجوسية والوثنية لأحد. وذكر العراقيون في ذلك وجهين: أحدهما - ما ذكرناه، والثاني - أنا لا نتعرض لهم إذا نكح اليهودي مجوسية، وإن ارتفعوا إلينا قررنا لهم، وفرضنا النفقة، وهؤلاء يقولون: إنما تحرم المجوسية على المسلم ولا تحرم على الكتابي، وهذا بعيد عن قياس المذهب. ولا خلاف أن المجوسي إذا نكح واحدة من المحارم، ورفع الحكم إلينا، ورضي بحكمنا في التقرير والبت على موجب الدين؛ فإنا نفرق بينهما؛ إذ لا مساغ في الإسلام لنكاح المحارم. ومما يجب البت فيه أن المجوسي إذا ارتفع إلينا، وطلب أن نفرض النفقة للتي يعتقدها زوجة، وكانت من محارمه - فلا شك أنا لا نجيبه إلى مُلْتَمسه، ولكن هل نفرق بينها وبين زوجها؟ الذي يقتضيه الرأي في ذلك أنهما إذا لم يرضيا بحكمنا في التفريق، لم نفرق بينهما؛ فإنا إنما نجري أحكامنا عليهم إذا رضوا بها، ولم يوجد في الصورة التي ذكرناها رضاً منهم بالتفريق. ورأيت في كلام الأئمة ميلاً إلى التفريق في هذا المقام -على بعده- وقد يتجه

стр. 6420

لسببين: أحدهما - أن موجب النفقة النكاح، فإذا كان ينفذ [حكمنا] (١) فيما وقع الرضا به، فلنملك قطع خيالهم في كون هذا النكاح موجباً للنفقة، وهذا تسلط على التفريق لا محالة، وأيضاًً فإنهم إذا ارتفعوا إلينا، فقد [أظهروا] (٢) لنا ما يخالف الملة، وربطوا بعض مقتضياته بحكمنا، فكان هذا بمثابة ما لو أظهروا خمورهم، ولو فعلوا ذلك، أريقت عليهم. وما ذكرته [احتمال] (٣). والوجه أنا لا نفرق ما لم يرضَوْا بحكمنا في التفريق. ٨٢٠٠ - ومما يتعلق بما نحن فيه أن الأيّم منهم إذا التمست من حاكمنا أن يزوجها، ملك تزويجها على شرط الشرع إذا كانت حرة كتابية - على ما تمهدت الأصول. وإن لم يكن لها ولي، فهل يجب على قاضينا أن يزوجها؟ خرّج الأئمة هذا على الخلاف في أنه هل يجب لنا أن نحكم لهم وعليهم؟ وهذا على نهاية البعد عندي، نعم إذا كان لها ولي [فعضل] (٤) فارتفعت إلى مجلس الحكم. فهذا يشبه صورة الاستعداء والخصام، وهو لعمري صورة القولين. والذي قدمناه فيه إذا كانوا لا يرون الانفراد بالتزويج وإن لم يكن للمرأة من يزوجها. فصل ٨٢٠١ - قد بنينا قاعدة المذهب على أن المُشْركة إذا قبضت صداقها الفاسد، ثم أسلمت، لم تملك مطالبة الزوج بشيء، وهذا الفصل معقود فيه إذا [قبضت] (٥) البعض -والبناء على قانون المذهب- فنقول: إن قبضت بالجزئية مقداراً من الخمر المصدَقة، سقطت طَلِبتها بذلك المقدار من مهر المثل؛ حتى إن كانت قبضت نصفاً وأسلمت، فإنها تطلب نصف مهر مثلها، وسقط بقبض النصف النصفُ.

стр. 6421

٨٢٠٢ - ولو جرت كتابةٌ على خمر في الشرك، وقبض السيد البعض، واتصل [العتقُ] (١) بالإسلام، فإذا قبض تمام الخمر في الإسلام، عتق العبد، ورجع السيد عليه بتمام قيمته، ولا حكم لما قبضه في الشرك، وإن كان قد قبض تمام الخمر في الشرك، وجرى الحكم بالعتق، ثم أسلم، لم يطالب العبد [بشيء] (٢) من قيمته؛ بناءً على ما مضى في الكفر، ولا أثر لقبض البعض في عوض الكتابة، هكذا قال الأصحاب ونص الشافعي. والفارق أن [حكم] (٣) العوض في الكتابة لا يتبعض، لأن الكتابة نازعة إلى التعليق بعض النزوع، ومن حكم التعليق أن وجود بعض الصفة لا أثر له، والعوض في المعاوضات المحضة يتوزع على المعوض، والصداق وإن كان لا يقابل البضع على حقيقة مقابلة الأعواض، فهو في نفسه منقسم، ووقوعه على مقتضى الانفراد أولى بتحقيق التبعيض فيه، والفرق يتضح بنفي حكم التعليق في الصداق. ٨٢٠٣ - ومما يتعلق بمضمون الفصل أنه لو أصدق امرأته أجناساً فاسدة، واشتمل كل جنس مثلاً على أعداد [مثل] (٤) أن [يُصدقها] (٥) في الشرك كلاباً وخنازير ومقداراً من الخمر، ثم أقبضها بعض الصداق، فقد اختلف أصحابنا في ذلك على أوجه: فذهب بعضهم إلى اعتبار عدد الأجناس، وذهب آخرون إلى اعتبار الأعداد في أنفسها، وصار صائرون إلى اعتبار القيمة عند من يرى لها قيمة، وإيضاح الخلاف بالتصوير: أنه إذا أصدقها ستة كلاب، [وثلاثة] (٦) خنازير، وزقَّ خمر، وأقبضها في الشرك الكلاب، فإن اعتبرنا الأجناس، فقد استوفت ثُلث المهر؛ لأنها ثلث

стр. 6422

الأجناس، وإن اعتبرنا الأعداد فقد استوفت ثلاثة أخماس المهر؛ فإن الأعداد عشرة، والكلاب منها ستة، ومن اعتبر القيمة، لم يخف المسلك عنده. ولو أصدق امرأته في الشرك أعداداً من جنس واحد كالكلاب وقبضت [بعضها] (١)، فينقدح في هذه الصورة وجهان: أحدهما - اعتبار القيمة عند من يرى لها قيمة، والآخر - اعتبار العدد. وذكر بعض أصحابنا عبارة حاصلها يرجع إلى القيمة، فقال: تعتبر منافع الكلاب، وما يقدّر لها من أجرة إذا جوّزنا استئجارها، ويقع التوزيع على هذه الستة، وهذا قريب من اعتبار القيمة؛ فإن قيمها عند من يرى لها قيماً على مقدار منافعها، ولكن هذا القائل أحب أن يذكر معتبراً سائغاً في الدين. ولو أصدقها زِقَّين من الخمر، فقبضَ أحدهما، فهذا محل النظر، يجوز أن يقال: يعتبر العدد، ولا ينظر إلى الكثرة والقلة، وقد صرح بهذا طائفة من الأصحاب. ويتجه اعتبار الوزن إن أمكن الوصول إليه، أو [الكيل] (٢)، فإن جرى القبض من غير كيل ولا وزن، [يخرّج] (٣) أيضاًً اعتبار القيمة، ولذلك مخرجان: أحدهما - الرد إلى المقدار إذا اتحد النوع، والآخر - النظر إلى اختلاف النوع؛ فإن [القيم] (٤) تتفاوت بتفاوت الأنواع. هذا منتهى ما أردناه في ذلك. [ومما] (٥) أجراه بعض من ينتسب إلى التحقيق تفريعاً على اعتبار القيمة أنا إذا صادفنا الصداق خنزيرين مثلاً وقد قبضت أحدهما [فنقدرهما] (٦) شاتين ونعتبر قيمتهما، وهذا كلام سخيف لا يصدر إلا عن زلل، وكيف ينتظم تقدير الخنزير شاة، فلا وجه إلا اعتبار قيمة الخنزير عند من يرى له قيمة. ...

стр. 6423

باب إتيان الحائض ٨٢٠٤ - مضمون هذا الباب قد سبق مستقصىً في كتاب الحيض، ولكنا نعيد ما يليق بهذا الباب إقامةً لرسم الترتيب، فالحائض يحرم وقاعها، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ثم الاستمتاعات على ثلاثة أقسام: أحدها - الاستمتاع بالفرج، وهو الوطء، فهو حرام بنص التنزيل والسنة وإجماع الأمة، ومن أقدم على وقاع حائض؛ فالمنصوص عليه في الجديد: أنه لا يغرَم شيئاًً، ويبوء بالمأثم إن تعمد، ونص في القديم على أنه يغرَم شيئاًً، ثم فيما يغرمه تردُّد للعلماء وأئمة الدين: فروي عن عمر أنه كان يأمر بإعتاق رقبة، وفي بعض الأحاديث: إن كان الدم عبيطاً، تصدق بدينار، وإن كان في أواخر الدم تصدق بنصف دينار، والحديث مروي عن ابن عباس (١). وقد ذهب بعض أصحابنا إلى إجراء مذهب عمر وابن عباس وجهين مفرعين على القول القديم، فهذا هو الاستمتاع بالفرج. وعن الأستاذ أبي إسحاق أنه حمل الدينار على مواقعتها في زمان الدم، وحمل نصف الدينار على مواقعتها بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال. وهذا رديء لا تعويل عليه. والنوع الثاني من الاستمتاع - التمتع بما فوق الإزار من جهة السرة وتحته من جهة الركبة وهو مسوغ. والثالث - الاستمتاع بما تحت السرة وفوق الركبة مع [تجنب] (٢) الوقاع، وفيه قولان أو وجهان، سبق ذكرهما في كتاب الحيض.

стр. 6424

ومما يجب التفطن له أنه لا يسوغ للفقيه أن [يجبن] (١) عن إطلاق تحريم وطء الحائض؛ مصيراً إلى أنَّ المحرم ملابسة أذاها؛ فإن التضمخ بذلك الأذى بعد الانفصال غير محرم، ويحرم وقاع الحائض وإن طهرت عن الأذى وغسلت المنفذ، فدل أن وطأها محرم. فصل قال: "وإن كان له إماء، فلا بأس أن يأتيهن معاً ... إلى آخره" (٢). ٨٢٠٥ - إذا كان تحت الرجل حرائر، فلا يتأتى منه الجمع بينهن في الوطء إلا أن يرضين، فإن حق القَسْم يوجب عليه ألا يطأ واحدة في نوبة الأخرى، ثم لو وطئهن، فلا ينبغي أن نقضي بتحريم الوطء، ولكنه من جهة الانتساب إلى [الانقضاض] (٣) على حق الغير يعصي. وسيأتي (٤) تحقيق القول فيه في كتاب القَسْم، إن شاء الله تعالى، فلو رضين، فلا بأس أن يدور عليهن بغسل واحد، ولكن الأولى أن يخلل بين الوطء والوطء غُسلاً، فإن لم يفعل، فوضوء، فإن لم يفعل، فيغسل فرجه، ولعل المرعي فيه ألا تتصوّن (٥) المأتيّة الثانية عيافة وتقذّراً، ومن ذكر الوضوء، فهو مع غسل الفرج، ولولا ورود أثر في الوضوء، وإلا فلا معنى له مع قيام الجنابة وحصول تنظيف الفرج بالغَسل. ...

стр. 6425

باب إتيان النساء في أدبارهن ٨٢٠٦ - هذا محرم عند الشافعي وأكثر العلماء، وحكي عن مالك إنه كان يبيح ذلك ثم رجع عنه، وقد راجعت في ذلك مشايخ من مذهب مالك يوثق بهم، فلم يرَوْا هذا مذهباً لمالك، وقال صاحب التقريب: من الناس من يضيف إلى الشافعي قولاً في القديم إنه لم يقطع بتحريم إتيان النساء في أدبارهن وتوقف فيه، وقال: ليس عندي دلالة في تحريمه. وقال محمد بن عبد الحكم: قال الشافعي: في تحريم ذلك حديث غير صحيح، والقياس عندي أنه حلال، وحكَى ذلك [عن] (١) الربيع، فقال: كذب والله الذي لا إله إلا هو. ولقد نص على تحريمه في ستة مواضع من كتبه. وقد سئل ﷺ عن ذلك وأبهم السائل السؤال، فقال ﷺ : "في أي الخُرْبتين أو الخَصَفَتين أو الخُرزتين؟ أمن دبرها في قبلها فنعم، أمّا من دبرها في دبرها فلا. إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن" (٢). وقيل: سبب

стр. 6426

نزول قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم﴾ [البقرة: ٢٢٣] أن اليهود كانت تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها خلق الولد أحول. فنزلت الآية ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم﴾ والتلذذ بالدبر من غير إيلاج جائز؛ [فإن] (١) جملة أجزاء [جسد المرأة] (٢) محل استمتاع الرجل إلا ما حرم الله تعالى من الإيلاج. ٨٢٠٧ - ثم ذكر الأئمة ما يتعلق بالإيلاج في هذا المأتى من الأحكام، فقالوا: ما فيه تغليظ (٣)، فهو متعلق به (٤)، فيجب الحد إذا لم يصادف ملكاً أو شبهة، وسيأتي القول [فيه] (٥) في اللواط، إن شاء الله ، ويتعلق به فساد العبادات، ووجوب الغسل، والكفارة. وإن جرى على وجه الشبهة، تعلق به المهر، وإذا أتى الزوج زوجته في هذا المأتى، تقرر المهر، هذا ما اتفق عليه المراوزة. وقال العراقيون: يتعلق بإتيان المرأة في دبرها مهر المثل، إذا جرى على وجه الشبهة على ما ذكره المراوزة، وهل يتعلق به تقرر المسمى من المهر في النكاح، فعلى. وجهين، وما ذكروه من الوجهين في التقرير حسن، ولكن ينقضه القطع بوجوب مهر المثل في النكاح الفاسد. [وقد] (٦) اضطرب الأئمة في أنه هل يتعلق به ثبوت النسب إذا جرى من السيد في

стр. 6427

أمته؟ فإن الوطء إنما يعتبر في ملك اليمين، ونفس إمكان الوطء في فراش النكاح يثبت النسب، فمنهم من قال: يتعلق به ثبوت النسب، فقد يسبق الماء منه إلى الرحم، ومنهم من قال: لا يتعلق به ثبوت النسب، أورده بعض المصنفين، وهو غير بعيد؛ فإن من أئمتنا من قال: إذا وطىء وعزل، لم يثبت النسب في ملك اليمين، والإتيان في هذا المأتى أبعد عن إمكان العلوق عن الوطء مع العزل؛ إذ [قد] (١) يسبق بادرة من الماء لا يشعر العازل بها، والمأتى المحرم لا يفضي إلى الرحم. وقال الأصحاب: يتعلق بالإتيان في هذا المأتى وجوب العدة والمصاهرة (٢). فهذا يندرج تحت ما يقتضي التغليظ. ولا يتعلق به التحليل للزوج الأول، ولا الإحصان، وقطع أئمة المذهب بأنه لا يثبت للمأتية حكم الثيب مع بقاء العُذْرة، وأبعد بعض الأصحاب. فزعم أنه يتعلق به حكم الثيابة، وهذا كان يحكيه شيخي، فلم أحكه -لبعده- في موضعه، ثم وجدته لطائفة من الأصحاب. فهذا بيان ما يتعلق بذلك، وما لا يتعلق به. ٨٢٠٧/م- ووراء ما نقلناه نظر على المتأمل في بعض الأحكام: كنت أود لو لم يتعلق تقرير المهر بما ذكرناه، حتى نقرر أن هذا النوع ليس مما [يُستحل] (٣)، وحتى يلتحق إتيان النساء في هذا المأتى بإتيان الرجال، ولكن الأصحاب اتفقوا على ما ذكرته من إيجاب المهر وتقريره، ولعل السبب فيه أنه على الجملة وطء في محل الاستمتاع، ولذلك لا يجوز أن يتعلق به الحد (٤)، ومن يأتي غلامه المملوك أُلزم الحد بإتيانه، وكأنّ إتيان المرأة في غير المأتى يشابه إتيانها في المأتي إذا كانت حائضاً، ولهذا قال الشافعي: إذا كان يحرم إتيان الحائض لما بها من الأذى، فيجب أن يحرم الإتيان في غير المأتى، لأن الأذى دائم، وما قال الشافعي هذا قياساً، وإنما قاله تلقياً من قوله

стр. 6428

سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] ففهم منه الشافعي التعرض لما ذكرناه، فجرى كلامه استنباطاً من القرآن لا قياساً. ٨٢٠٨ - فإن قيل: إذا جريتم على القول القديم في إيجاب الحد على من يطأ مملوكته المحرمة عليه بالرضاع، فهل يتجه إجراء هذا القول في إيجاب الحد على الذي يأتي زوجته في غير المأتى؟ قلنا: لم يشر إلى هذا أحد من الأصحاب، لا تعريضاً ولا تصريحاً، بل صرحوا بنفي الحد، ولمَّا فرعوا على القول القديم، قطعوا بأن وطء الزوجة في حالة الحيض لا يوجب الحد، والإتيان في غير المأتى بين وطء الحائض وبين وطء المملوكة المزوجة، وتشبيهه بوطء الحائض أقرب، والعلم عند الله تعالى. وهذا التردد في الاحتمال من طريق المعنى، والذي نقلناه قطعاً من قول الأصحاب نفيُ الحد، وإيجاب المهر. ولم يختلف علماؤنا في أنه تتعلق به العدة؛ فإنَّا نعلق وجوب [العدة] (١) بالتغييب من غير إنزال، وبإتيان الصبية التي لا تحبل. ومما يدور في الخلد قَطْع الأصحاب بأنه لا يتعلق به التحليل (٢) والإحصان. وسيأتي قول غريب -إن شاء الله تعالى- في أن التحليل يتعلق بالوطء في النكاح الفاسد، وكان لا يبعد أن يلحق الإتيان في هذا المأتى في النكاح الصحيح بالإتيان في المأتى المستقيم في النكاح الفاسد، ومن عادة الأئمة ترك التفريع - على الأقوال البعيدة في غير محالها. وقد انتجز المراد من مضمون الباب. ...

стр. 6429

باب مختصر الشغار ٨٢٠٩ - نكاح الشغار باطل، وهو أن يزوج الرجل ابنته من رجل على أن يزوجه ذلك الرجل ابنته، وبُضع كل واحدة منهما صداقُ الأخرى. هذه صيغة نكاح الشغار. وقد صح أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح الشغار، وراوي الحديث ابن عمر: روى أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح الشغار، وهو أن يقول الرجل: "زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ويكون بضع كل واحدة منهما صداقاً للأخرى" (١). فيجوز أن يكون هذا تفسيراً عن ابن عمر، ويجوز أن يكون هذا منقولاً عن رسول الله ﷺ (٢). والشغار من قولهم: شغر الإقليم عن الوالي، إذا خلا عنه، وقيل: هو من قولهم شغر الكلب، إذا رفع إحدى رجليه ليبول، فمن أخذه من المأخذ الأول سمى النكاح شغاراً لخلوه عن المهر، ومن أخذه من المأخذ الثاني، فمعنى الشغار عنده أن المزوج يقول: لا ترفع رجل ابنتي مستمتعاً بها إلا وأرفع رجل ابنتك. وهذا الضرب باب من أبواب أنكحة العرب، وهو من الأنحاء التي ذكرتها عائشة، وقالت: كان النكاح في الجاهلية (٣) على أربع أنحاء، والعرب لها أنفة وغيرة وحمية جاهلية، وهي التي حملتها على الوأد، وكانوا إذا زوّجوا لم يرضوا أن يزوجوا ما لم يتزوجوا. فإذا تبين الخبر، ومعناه التصوير على الجملة، فإنا نذكر بعد ذلك الترتيبَ

стр. 6430

المشهورَ في المذهب [و] (١) غيرَه، بذكر طريقة مأثورة عن القفال. ٨٢١٠ - فأما الطريقة المعروفة، فقد قال الأصحاب: إذا قال: زوّجتك ابنتي هذه على أن تزوّجني أختك -ولا اختصاص بصنف- والغرض مقابلة تزويج بتزويج، فإذا اجتمع شرطُ التزويج في التزويج، وتخليةُ العقد عن الصداق؛ [والتصريح] (٢) بجعل البضع صداقاً، فهذه صورة القطع بالفساد عند جماهير الأصحاب، ولا معتمد عندنا من طريق المعنى، والتعويل على الخبر مع الاتفاق على أن النواهي في هذه الأبواب محمولة على الفساد. ولو رددنا إلى المعنى، لما أدركنا فساد النكاح الذي صورناه. فإنا إن نظرنا إلى الخلو عن المهر، لم نجد ذلك مفسداً للنكاح، وإن نظرنا إلى شرط عقد في عقد، لم نجد ذلك مفسداً للنكاح أيضاًً؛ فإنه لو قال: زوجتك ابنتي هذه على أن تبيعني دارك؛ صح النكاح، وسنوضح أن أمثال هذه الشرائط لا تؤثر في إفساد النكاح، إن شاء الله تعالى. وأما قول المزوج: على أن يكون بضع كل واحدة صداقاً للأخرى، مع تمسك الأصحاب بأن هذا تشريك في البضع، فليس فيه ما يوجب إفساد النكاح؛ فإن التشريك على حكم الزوجية في البضع هو المستند، وليس المذكور في هذا النكاح تشريكاً في الزوجية، وإنما هو إضافة البضع من طريق العوضية والتمليك إلى شخص، فقد بطل هذا من طريق المعنى. وقد قال الأصحاب: إذا تزوجت الحرة عبداً، وشُرط في النكاح أن تكون رقبة الزوج صداقاً لها، فالنكاح يفسد لفساد الصداق في هذه الصورة؛ فإن مقتضى التسمية أن يكون الزوج مملوكاً لزوجته، وهذا محال. وإذا اشترت الحرةُ زوجَها أو ملكته بجهة أخرى، اقتضى ذلك انفساخ النكاح؛ فإذا شُرط جعل الزوج صداقاً، [فسد] (٣) النكاح، وهذه مسألة لم أسمع فيها خلافاً، وكان يمكن من طريق الاحتمال أن يقال:

стр. 6431

النكاح يصح والتسمية تفسد، ولكن لم يسمح بهذا أحد من الأصحاب في مبلغ بحثي، ولعلي أعود إلى هذه المسألة في بقية النكاح، أو كتاب الصداق. ٨٢١١ - فإذا تبين أن فساد نكاح الشغار ليس مأخوذاً من جهة المعنى، وإنما التعويل فيه على الخبر، فنعود بعد ذلك إلى ترتيب المذهب. فإذا قال: "زوجتك ابنتي هذه على أن تزوجني ابنتك"، فقد اختلف أصحابنا في هذه الصورة، فذهب الأكثرون إلى الصحة؛ من جهة أنه لم يقل: وبضع كل واحدة صداق الأخرى. ومن أصحابنا من حكم بالإفساد، غير معوِّل على المعنى، ولكن في بعض الروايات أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح الشغار، وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه صاحبُه ابنته، فَرُوي هذا القدر من غير مزيد. ولو قال: زوجتك ابنتي هذه بألف على أن تزوجني ابنتك، فالنكاح يصح في هذه الصورة، لا لجريان ذكر المهر، ولكن لم يرد تفسير الشغار بهذه الصورة على هذا النحو، واشتمال النكاح على المهر يخرجه عن معنى الشغار إذا أخذ من الخلوّ، فليكن التردد على اللفظ ومعناه، وما جاء في تفسيره، ولن يفلح من يتلقى تفاصيل هذه المسائل من طرق المعنى. ولو قال: زوجتك ابنتي هذه بألف على أن تزوجني ابنتك وبضع كل واحدة صداقُ الأخرى، ففي صحة النكاح على هذه الصيغة وجهان: أحدهما - الصحة لاشتمال النكاح على المهر وخروجه من معنى الشغار. والوجه الثاني - إنه لا يصح لما في اللفظ من الاشتراك في البضع، وهذا من هذا القائل مشعر [بالتحويم] (١) على معنى [الاشتراك] (٢)، وهو باطل لا يصلح للتعويل، كما قدمت ذكره. فالخارج إذن من هذه المسائل أن النكاح إذا خلا عن ذكر المهر، واشتمل على

стр. 6432

مقابلة النكاح بالنكاح، وجعل البضع صداقاً، فالقطع [بالفساد] (١)، وإن شُرط نكاح في نكاح وعَرِي عن المهر، فوجهان، وإن ذُكر مهرٌ وجعل البضع صداقاً، فوجهان. هذا هو الترتيب المعروف بين الأصحاب. ٨٢١٢ - وحكى أصحاب القفال عنه مسلكاً آخر في الباب، وهو أن نكاح الشغار إنما يبطل من جهة تعليق انعقاد النكاح الأول بعقد الثاني، فيقول المزوّج: زوجتك ابنتي هذه إن زوجتني ابنتك، فتعلق انعقاد النكاح الذي ينشئه بالعقد الذي يشترطه، وكانت العرب تفعل ذلك لما نبهنا عليه من أنفتها وغيرتها، وكانت لا تعقد على الجزم عقداً، بل كانت تعلّق، فجاء فساد النكاح من جهة التعليق؛ فإن جرى التعليق، فسد النكاح، وإن لم يجر، لم يفسد النكاح بالتخلية عن المهر، ولا بجعل البضع صداقاً. وهذه الطريقة منقاسة حسنة، وليست بعيدة عما نقله الأثبات من عاداتِ الجاهلية. ثم إن كانوا وضعوا لمعنى التعليق لفظاً يقيمون منه هذا الغرض، فاللغة لغتهم، ومن استعمل ذلك اللفظ ولم يفهم المراد منه، فالقول في إطلاق اللفظ من غير فهم معناه يأتي في مسائل الطلاق، إن شاء الله . وقد نجز غرض الباب. وأحسن الطرق في المعنى طريقة القفال، ولكن لم أرها لغيره من أئمة الأصحاب، ولم ينقلها عن القفال شيخنا. ...

стр. 6433

باب نكاح المتعة والمحلِّل ٨٢١٣ - ترجم المزني البابَ بالمتعة والمحلل (١)، ثم لم يجر ذكر المحلل. فنقول أولاً: نكاح المتعة فاسد، وذلك أن ينكح الرجل نكاحاً مؤقتاً إلى أمد معلوم، وإذا انتهت المدة، ارتفع النكاح. هذا معنى المتعة. واشتقاقها أن الغرض من النكاح المؤقت تمتع في أيام معدودة من غير طلب تواصل [وأمدٍ] (٢) يعتاد إدامته، فهذا فاسد، وقيل: كان مباحاً في ابتداء الإسلام، وكان لا يتعلق به طلاق، ولا ظهار، ولا إيلاء، ولا توارث، ثم نُسخ، وذهب إلى نسخه معظم العلماء. وعن ابن عباس وجماعة من أهل مكة -حرسها الله- أن نكاح المتعة ثابت بعدُ (٣)، وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عام خيبر عن نكاح المتعة وأكل لحوم الحمر الأهلية، وقال: هما حرام إلى يوم القيامة" (٤). فهذا بيان ما كان في نكاح المتعة، وذكر ما استقر عليه الشرع، فمن نكح الآن

стр. 6434

نكاحاً مؤقتاً ووطىء مع العلم بالتحريم، فظاهر المذهب أنه لا حد عليه، ولا تعويل على قول ابن عباس فيه، وسيأتي تأمل في ذلك في كتاب الحدود، إن شاء الله . فصل في المحلِّل ٨٢١٤ - إذا طُلقت المرأة ثلاثاً، حرمت على المطلق حتى تنكح زوجاً غيره، ويطؤها الزوج، ثم تبين وتخلو عن العدة؛ فإذ ذاك يحل للأول نكاحُها. والوطء في ملك اليمين لا يحلل إجماعاً. ولو جرى الوطء في نكاح شبهة، فظاهر المذهب أنه لا يفيد التحليل، وذكر بعض أصحابنا قولاً غريباً أنه يفيد التحليل. ثم قال أئمة العراق: هذا القول إنما يخرج إذا جرى نكاح وكان فاسداً، فيحسب صحيحاً على الشبهة، فأما إذا وطئها الرجل على ظن أنها زوجته، فلا يحصل التحليل بذلك. هكذا قالوه. ولا ذكر له فيما بلغني من طريق المراوزة، ولكن ما نقلته عنهم في ذلك صحيح عندي على مأخذ المراوزة؛ فإنه عز من قائل قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَه﴾ [البقرة: ٢٣٠] فلا بد من جريان نكاح، ثم قد يحمل لفظ النكاح على الفاسد على بعد. فأما المصير إلى [التحليل] (١) من غير نكاح، فبعيد. ...

стр. 6435

باب [فيما يفسد النكاح من الشروط] (١) ٨٢١٥ - ثم تكلم الأئمة في الشرائط التي لا تُفسد النكاح والتي تفسده. فنقول: إذا نكح الرجل امرأة، وشرط ألا يتزوج عليها ولا يتسرّى، وشرط ألا يسافر بها، أو ما جرى هذا المجرى، فشيء من هذه الشرائط لا يؤثر في صحة النكاح؛ والسبب فيه أن ما ذكرناه ليس مما يتعلق به مقصود النكاح، والشرط إنما يؤثر في العقد إذا كان قادحاً في مقصوده، وقول القائل: زوجتك على أن تهب من فلان شيئاًً، فلا تعلق للهبة بالتزويج، وهو بمثابة ما لو قال: بعتك هذا العبد على ألا [تكسوَه] (٢) إلا الخز، فالشرط فاسد والبيع صحيح. وشرْطُ عدم التزوج في النكاح بمثابة اشتراط ترك المسافرة فيما نحن فيه. والتأقيت في النكاح يفسده، لأنه في عين مقصوده؛ ففسد النكاح. ولو شرط في النكاح أن يطلّقها، فظاهر المذهب أن النكاح لا ينعقد، وذكر بعض أصحابنا قولاً غريباً، إن النكاح ينعقد والشرط يفسد. التوجيه: من قال بالقول الأول احتج بأن شرط الطلاق بمثابة التأقيت، وكأن الشارط يقول: زوجتك إلى أبد، ثم الطلاق حتم عليك، فهذا في التحقيق تأقيت، ووجه قول من قال: إن الشرط يفسد ويبقى النكاح أن النكاح عُقد على الأبد، ثم شرط شرط فاسد لا بد فيه من طريق التقدير من إنشاء الطلاق، وليس كذلك نكاح المتعة؛ فإن نكاح المتعة معقود إلى أمد، ثم لا عقد بعد انقضائه. ولو زوج الرجل ابنته أو أمته وشرط ألا يطأها، أو لا يطأها إلا مرة واحدة، فقد ظهر اختلاف أصحابنا في أن النكاح هل يفسد بهذا الشرط؟ فمنهم من قال:

стр. 6436

لا يفسد، ويفسد الشرط ويلغو، كما لا يفسد بالاقتراحات التي ذكرناها من نحو المنع عن التزوج والتسري والمسافرة وغيرها. ومن أصحابنا من قال: يفسد النكاح؛ لأن شرط المنع عن الوطء تعرّضٌ لمقصود العقد، وعقد النكاح قابل للفساد كعقد البيع وغيره، وإنما تنفصل العقود بالتفاوت في القصود، فالمرعي في البيع ما يؤثر في المالية أو يجر لبساً وجهالة في العوض، والنكاح لا يفسد بجهالة العوض وفساده؛ فإن العوض ليس من أركانه، فأما ما يتعرض للمقصود وهو الحل؛ فيجب أن يؤثر. ويجب أن يلتحق بهذا الخلاف ما لو قال: زوّجتك ابنتي على ألا تحل لك، فهذا في معنى شرط الامتناع عن الوطء. ثم كل شرط لم نره مؤثراً، فلا كلام فيه، وكل شرط رأيناه مؤثراً، فلو ذكر بين الإيجاب والقبول، فسد النكاح به، ولو ذكر متقدماً على إنشاء العقد، فالمذهب أنه لا يؤثر. وذكر بعض الأصحاب فيما نقله القاضي وجهاً بعيداً، أن التواطؤ قبل العقد بمثابة المذكور مع العقد بين الإيجاب والقبول، وهذا الوجه الضعيف مأخوذ من مسألة مهر السر والعلانية في الصداق، وسنذكر هذه الطرق على الاستقصاء ثَمَّ، إن شاء الله . ٨٢١٦ - ثم مما يتعلق بذلك ما روي أن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله المحلِّل والمحلَّل له" (١). فأراد بالمحلِّل الزوج الثاني، وأراد بالمحلَّل له الزوج الأول. واللعن محمول على فساد النكاح بشرط الطلاق، أو على تأقيته إلى أول

стр. 6437

وطأة؛ فإنه لو أقت كذلك، فسد النكاح من أصله وجهاً واحداً؛ فإنه نكاح متعة. وفي شرط الطلاق الخلاف المقدم، ولم يقع التعرض للمرأة الموطوءة؛ لأنه يغلب عليها الجهل بحكم الواقعة، وقال بعض أصحابنا: النكاح وإن صح، فإذا جرى عن استدعاء من المحلَّل له، فإنهما يتعرضان للعن، ولا يسوغ في مروءة الدين ذكر ذلك في معرض الالتماس والاستدعاء، وإن لم يتعلق باستدعاء من الزوج الأول، فلا يحصل التعرض للعن. وفي بعض الألفاظ في المحلِّل أنه التيس المستعار، وهذا يشير إلى ما ذكرناه من استدعاء الزوج الأول، وهذا القائل يستدل بظاهر الحديث، فإن فيه اللعن مع التحليل، فدل أن واقعة اللعن في صورة صحة النكاح. وكان شيخي أبو محمد يحمل اللعن على صورة فساد النكاح، ويقول: المحلِّل والمحلَّل له محمولان على الاعتقاد لا على التحقيق، وكان لا يُلحق استدعاء ذلك على وجه الصحة بالمحظورات، فإنه استدعاء أمر جائز في الدين. والأصح تحريم الاستدعاء كما ذكره الأولون، ولو لم يكن فيه إلَاّ خرق حجاب الهيبة والخروج عن سمت المروءة مع التماس الطلاق، لكان ذلك كافياً، وفيه أيضاًً صرف النكاح عن موضوعه؛ فإن النكاح ليس موضوعاً في الشرع للتحليل، بل هو موضوع لاستباحة المناكح على التأبد. ثم إذا فسد النكاح، فظاهر المذهب أن الوطء الجاري فيه لا يفيد التحليل. وفيه القول البعيد الذي ذكرناه. ثم لم يختلف المذهب في أن التحصين لا يحصل، والفرق أن التحصين إكمال واستجماع خصال في الفضائل، والتحليل في حكم الإرغام للزوج الأول، والإتيان بما تأنف منه النفوس ليكون ذلك كالمانع من استيفاء [الطلقات] (١). فرع: ٨٢١٧ - لا بد فيه من حقيقة الوطء، وهو إيلاج الحشفة، فلو استدخلت المرأة [العضوَ منتشراً] (٢)، حصل الغرض، ولو استدخلت ولا انتشار، فقد قال العراقيون: إن كان الانتشار في ذلك العضو، ولكن لم يكن منتشراً في ذلك الوقت

стр. 6438

الذي حصل فيه الاستدخال، ثبت حكم الوطء، ومن أحكامه فيما نحن فيه حصول التحليل. وإن كان العضو بحيث لا يتوقع انتشاره، فلا يحصل المقصود باستدخاله. وكان شيخي يقطع بحصول الوطء بالاستدخال كيف فرض الأمر؛ فإنَّ العضو ليس خارجاً عن كونه فرجاً، فليقع الحكم عند حصوله في باطن فرج المرأة. فرع: ٨٢١٨ - قد ذكرنا أن الاعتبار بتغييب الحشفة، فلو كانت الحشفة مقطوعة، فظاهر المذهب أن الجماع يحصل بتغييب قدر الحشفة من الباقي. وذكر العراقيون وجهاً آخر أنه لا بد من الإيعاب، فإن الباقي من العضو في مقابلة الحشفة لو كانت. التفريع: إن اكتفينا بمقدار الحشفة، اعتبرنا التي كانت لهذا العضو المخصوص، وإن اشترطنا الإيعاب، وكان الباقي من العضو قدر الحشفة، فلا ينبغي أن تكون به مبالاة. واتفق الأئمة في الطرق على أن وطء الصبي في إفادة التحليل كوطء البالغ، كما أن الصبية إذا طلقت، فوطؤها في صباها كوطئها بعد بلوغها في إفادة التحليل. ***

стр. 6439

باب نكاح المُحرِم ٨٢١٩ - مذهب الشافعي أن الإحرام ينافي عقد النكاح في المزوِّج والمتزوج والمزوَّجة، ولو كان الولي محرماً لم يزوِّج، وكذا لو كان وكيلاً، أو كان الوالي الأعظم، أو كان دونه. والإحرام يمنع [الزواج] (١)، ولا فرق بين أن يكون القابل ولياً أو وكيلاً أو زوجاً، وإن كان القابل عن الزوج في حكم السفير. وظهر اختلاف الأصحاب في أن الإحرام في الشهود هل يؤثر؟ فالأظهر أنه لا يؤثر. وذهب الإصطخري في طائفة من الأصحاب إلى أن النكاح لا ينعقد بحضور محرمين، وهذا لا ينقدح له وجه من طريق المعنى، ولكن في بعض الروايات: "لا ينكح المحرم ولا يُنكِح" (٢) ولا يشهد. وهذا رأيته في كتب الفقهاء، وما عندي أنه يبلغ مبلغ الصحة (٣). ٨٢٢٠ - ثم المذهب الصحيح أن الاحرام لا يمنع من الرجعة، فلو كان طلق ثم أحرم في عدة الرجعة، فله الارتجاع مع الإحرام؛ فإن الرجعة في حكم استدامة النكاح، والإحرام لا ينافي دوام النكاح.

стр. 6440

وذكر بعض أصحابنا وجهاً آخر في أن الإحرام يمنع الرجعة كما يمنع ابتداء النكاح، حكاه القاضي وغيره، وهو مذهب أحمد بن حنبل (١)، ويمكن بناء هذا الاختلاف على القولين في أن الرجعة هل تفتقر إلى الإشهاد؟ وسيأتي ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى. ثم إذا ظهر منافاة الإحرام للنكاح من الجهات الثلاث: المزوِّج والمتزوج والمزوَّجة - فإلى متى يدوم الامتناع؟ في المسألة قولان: أحدهما - إنه يدوم إلى تمام [التحلُّلَيْن] (٢) وسبيله سبيل حل الوطء. وفي المسألة قول آخر: إنه يزول بالتحلل الأول. وهذا يقرب عند هذا القائل من التطيّب، والقول في التحللين وأسبابهما مستقصى في كتاب المناسك. ٨٢٢١ - ومما يتعلق بأحكام الإحرام ما تفصَّل من قبل في أن الإحرام [هل يُخرج] (٣) الوليّ من الولاية (٤)، أو يتنزل منزلة الغَيْبة، وقد مضى في ذلك قول بالغٌ في أحكام الولاية. ...

стр. 6441

باب العيب في المنكوحة ٨٢٢٢ - النكاح يفسخ بالعيوب القادحة في مقصود العقد، وهي محصورة عند حملة المذهب. قالوا: ثلاثة من العيوب يشترك فيها الزوجان: الجنون، والجذام، والبرص، ويثبت اثنان في حق المرأة [وهما] (١): الرَّتَق، والقَرَن. ويثبت اثنان في حق الزوج وهما: الجَبّ، والعُنة. وإذا ثبت بأحد الزوجين عيب من هذه العيوب، ثبت للثاني حق الفسخ. ولا حاجة إلى الكشف في معظم العيوب. أما الجذام فَعِلَّة عظيمة تقطع الأعضاء، ويتصور في كل عضو، ويغلب ثبوته إذا ثبت في الوجه، والعياذ بالله تعالى، والعضو يحمرّ منه ثم يسودّ ثم ينتثر اللحم ويتقطع ويتقاذف إلى ما وراء، والبرص [بياضٌ] (٢) بيّن، وليس البهق منه. وكان شيخي يقول: أوائل الجذام والبرص قبل الاستحكام لا تثبت الخيار، وإنما يثبت الخيار إذا استحكمت. وكان يقول: لا يثبت استحكام الجذام إلاّ إذا أخذ العضو في التقطع، وهذا فيه بعض النظر، فيجوز أن يقال: إذا اسودّ العضو، وحكم أهل البصائر باستحكام العلة، كفى ذلك في إثبات الفسخ، وإن لم يتقطع بعد من العضو شيء. فأما ما عدا هذه العيوب من العمى والقرع والتقرح؛ فالذي ذهب إليه الأئمة: أنه لا أثر لشيء منها، والذي يجب التأمل فيه أن حق الفسخ لو اختص بما يمنع الوطء على الحقيقة كالجَبّ والعنة والرتَقِ والقَرَن، لكان ذلك وجهاً في الحصر والاقتصار، وتخصيص الفسخ بهذه الموانع، وليس الأمر كذلك؛ فإن حق الفسخ تعلّق بالجذام والبرص والجنون، ولم يستند الحصر إلى توقيف من جهة الشارع، فأورث ذلك

стр. 6442

اضطراباً في نفوس فقهاء المذهب، حتى حكى بعض الأصحاب خلافاً في البخراء (١) إذا تفاحش بخرها. والعِذْيَوْط (٢)، وكذلك الصنَّاء وهي التي بها صنان مفرط لا يقبل العلاج، وكنا نعد هذا الخلاف بعيداً، ثم لم ننقله إلا مخصوصاً بما ذكرناه. ورأيت القاضي استجرأ على فتح الباب، وخرم التخصيص؛ فإنه قال: كل عيب يؤثر في حق عامة الناس في المنع عن الاستمتاع والوقاع عيافة ونَفَراً (٣)؛ فإنه يثبت الخيار، وقد يتوقف حصول هذا المعنى على اجتماع عيوب، وإن كان لا يؤثر آحادها، فإذا اجتمعت فيثبت الخيار عند اجتماعها. وهذا الذي ذكره قياس لما مهدناه في البرص والجذام، ولكن لم يصر إليه أحد من الأصحاب على هذا الوجه غير القاضي، وكنا نحكي ما ذكرناه في البخر وغيره عن زاهر السرخسي (٤)، والساعة اتسع الخرق على الراقع فيما ذكره القاضي، والعلم عند الله تعالى. وعلى الإنسان أدنى نظر في الجنون؛ فإن الأصحاب أطلقوا كونه مثبتاً للخيار، ولم يراجعوا فيه أهل البصائر، حتى إذا قالوا: إنه مرجوّ الزوال، فلا يثبت الخيار، وإذا قضَوْا بأنه مستحكم يبعد توقع الزوال فيه، فيثبت الخيار إذ ذاك، وهذا لو قيل

стр. 6443

به، لكان قريباً؛ نظراً إلى مبادىء الجذام والبرص، والعلم عند الله تعالى. والعنة من [بين] (١) العيوب مخصوصة بمباحثة وضرب مدة، وفي ذلك باب معقود سيأتي، إن شاء الله . ٨٢٢٣ - ومما يتصل بذلك أن الزوج إذا خرج خنثى، فهل يثبت الخيار لها؟ أو إذا خرجت خنثى، فهل يثبت الخيار له؟ فمن أصحابنا من قال: إن تبين أن الزوج رجل قطعاً، فلا خيار ولا حكم لثُقبٍ زائد عليه، ثم يقع النظر في أنه هل يقدر على الجماع أم لا؟ فإن قدر، فذاك، وإن عجز فعنّين. فأما إذا وقع الحكم بالذكورة عن علامة -على ما أوضحنا الكلام في العلامات في كتاب الطهارة وميراث الخناثى- فللأصحاب اضطراب، وحاصل ما ذكروه أوجه: أحدها - إنه لا خيار إذا [ظهرت] (٢) علامة معتبرة في إثبات الذكورة. والثاني - يثبت الخيار؛ فإن الأمر مظنون، وقد يتبين بخلاف ما نظن. ومن أصحابنا من قال: إن كان التعويل على إقرار الخنثى بالذكورة وإقراره عن نفسه، فيثبت الفسخ، وإن ثبتت علامة عليها تعويل، فلا فسخ، هذه طريقة. وإن استيقنّا ذكورة الزوج، ففي ثبوت الخيار خلاف، حملاً على الشهوة والعيافة، وهذا يقرب من مأخذ القاضي. وقد ذكر صاحب التقريب والعراقيون جميع الطرق التي أشرنا إليها. ٨٢٢٤ - ومما يتصل بهذا المنتهى أن الرجل إذا اطلع على عيب بها، وكان به عيب أيضاًً، فهذا مما سبقت الإشارة إليه، فإن اختلف جنس العيب، ثبت الخيار لكل واحد منهما، وإن اتفق الجنس، ففي ثبوت الخيار وجهان: أحدهما - أنه يثبت؛ فإن الإنسان لا يعاف من نفسه ما يعاف من غيره. والذي أراه أن الجب في الزوج إذا عارضه الرتق من المرأة، فيظهر ذكر الخلاف فيه؛ فإن الرتق لا يخبث النفس ولا يشين، وإنما فيه الامتناع عن الوقاع، ولا يظهر

стр. 6444

أثر الامتناع عليه وهو مجبوب، وكذلك لا يظهر إحالة الامتناع على الجب وهي رتقاء، فلا أقل من إلحاق ذلك بالقول في الرضا تحت الأبرص. وقد انتجز القول فيما يؤثر من العيوب، وما لا يؤثر. وقد طمع الأصحاب على تردداتهم فيما ذكرناه أن يطَّرد لهم في اعتبار العيوب ما يؤثر في المقصود، وهذا لا [يستدّ] (١) إلا للقاضي ومن سلك مسلكه. ٨٢٢٥ - ثم نذكر بعد ذلك أن الخيار يثبت لها إذا اطلعت على عيب -مما ذكرناه- بالزوج، ويثبت له الخيار إذا بدا عيبٌ قديم مستند إلى حالة العقد، وإن كان الزوج قادراً على الطلاق. وخالف أبو حنيفة (٢) في إثبات الخيار له، وأثبت الخيار في الجب والعنة فحسب، وقد يثبت الخيار للأولياء، كما سنعقد فيه فصلاً في آخر الباب، إن شاء الله تعالى. وإذا ثبت الخيار، كان على الفور، بمثابة خيار الرد بالعيب في البيع، ولا يتوقف نفوذ الفسخ على قضاء القاضي وشهود مجلس الحكم، قياساً على العيوب في البيع، وتختص العنة من بينها بالافتقار إلى مجلس الحكم، كما سيأتي ذلك مشروحاً، إن شاء الله . ولا يتصور انتهاء الأمر في عيوب النكاح إلى الرجوع بالأرش؛ فإنَّ العوض غير معتبر فيه، وإنما يفضي الأمر إلى الأرش في البيع، [لأن] (٣) العيب يقتضي غضَّ شيء من الثمن المسمى لانحصار الغرض في البيع على الماليّة، ووضوح ذلك يغني عن بسط القول فيه. ٨٢٢٦ - ثم إنا نذكر بعد ذلك التفصيلَ فيما يفرض متصلاً من العيوب المقترنة بالنكاح، الموجودة عنده، ثم نذكر التفصيل فيما يطرأ من العيوب بعد انعقاد النكاح على الزوجين.

стр. 6445

فإذا كان العيب مقترناً بالنكاح لدى العقد، فلا يخلو: إمَّا أن يكون العيب بها أو به، فإذا كان العيب بها، وفسخ الزوج، فيتعلق الكلام بالمهر ونفقة العدة، والسكنى، والمتعة. فأمَّا المهر؛ فإن جرى الفسخ قبل المسيس؛ يسقط المهر بكماله، وإن كان الفسخ صادراً من جهة الزوج، وهو على تردده وخِيَرته، وذلك لأنه يفسخ العقد [لعيب] (١) فيها - كان بناء العقد على السلامة منه. وهذا متفق عليه بين الأصحاب، وليس كما لو ارتد الرجل قبل المسيس، فإنَّا نقضي بتشطر الصداق، والفرق بين البابين لائح. وإن كان الفسخ بعد المسيس، فالمنصوص عليه للشافعي: أنَّ المهر المسمى يسقط، ويثبت لها مهر مثلها؛ لمكان الوطء الذي جرى. وخرَّج أصحابنا قولاً آخر ظاهراً -رأوه قياساً- وهو؛ إن المهر لا يسقط إذا جرى الفسخ بعد [التقييد] (٢) بالمسيس. التوجيه: من قال بثبوت المسمى وتقرُّره احتج بأنه إذا لم يكن من إثباتِ مهر بُدٌّ، فالمسمى أولى به، ومن وجَّه النص استمسك بقياس الفسوخ؛ فإنه يقتضي رد الأعواض، فليرتدّ العوض المستحق بالعقد، ثم لا سبيل إلى إعراء الوطء عن المهر، وهذا فيه إشكال؛ من جهة أن الفسخ عندنا قطع للعقد في الحال، وليس رافعاً له من أصله؛ استناداً إلى ما تقدم، وإذا كان كذلك، فالوطء يكون جارياً في وقت الاستحقاق، فمقابلته بالمهر الذي يجب على الواطىء بالشبهة (٣) بعيد. وقد عبّر أصحابنا في توجيه القول المنصوص عليه بعبارتين نذكرهما لمسيس الحاجة إليهما في التفريع: قال قائلون: سبب سقوط المسمى، تعلق الفسخ بسبب كان موجوداً حالة العقد، فاستند إلى حالة العقد بالحكم، وإن لم يرتفع به العقد
следующие страницы →