المُدَّعَى عليه دون غيره، وانتفاء زوجية الأولى ليس مقصوداً [للمدّعية] (١)؛ فإنها لو قصدته، لم تصل إليه؛ إذ غرضها [زوجيةُ] (٢) نفسها، [وإذا] (٣) كانت تقصد ذلك، فلا يتصور ثبوت زوجيتها مع إنكار الزوج.
ثم إذا فرعنا على المذهب وهو أنَّ النكاح لا ينتفي في حق الأولى، ولا يقدر ثبوته في حق الثانية، فإذا حلفت الثانية يمين الرد، فالمذهب الذي يجب القطع به أنها تستحق من المهر ما يليق بتصديقها، وهذه فائدة اليمين.
وذكر الشيخ هاهنا قولاً غريباً: إنَّ المهر لا يثبت؛ فإنَّ المهر فرع النكاح، فإذا لم يثبت النكاح، لم يثبت المهر، وهذا كلام مضطرب، والذي حكاه في هذا الموضع هو القول الضعيف الذي ذكرناه في أول [الفرع] (٤) حيث قلنا: لا تُقبل دعواها؛ إذ لا فائدة فيها، ثم إذا أثبتنا المهر، فلها نصف المسمى؛ فإنَّ الزوج أنكر نكاحها، فحل ذلك محل الإبانة. وإذا بانت قبل المسيس، فلها نصف المسمى. وفي هذا تثبُّت على الناظر سنذكره في أول كتاب الخلع -إن شاء الله تعالى-. والتنبيه عليه أنَّ إنكار النكاح هل نجعله إيقاع فراق؟ ظاهر النص أنه إيقاع فراق، وهو مشكل. فإن لم نجعله إيقاع فراق، اتجه أن نقول: لها طلب جميع المهر إلا أن يطلقها تنجيزاً.
وسيأتي هذا حيث ذكرناه، إن شاء الله تعالى، وقد نجز الكلام في صورة واحدة.
٨٣٤٦ - الصورة الثانية أن يزوّج الأب إحدى بنتيه كما سبق، ثم قالت كل واحدة منهما لست بزوْجِهِ، وإنما الزوجة صاحبتي. فالأمر موقوف على قول الزوج، فنقول له: عيِّن زوجتَك منهما، فإن عيّن الزوجية على إحداهما، فقد انقطعت الطَّلِبةُ عن الثانية؛ إذ الزوجةُ إحداهما.
ثم القول قول التي يدعي الزوجية عليها مع يمينها، فإن حلفت على نفي الزوجية، انتفت الزوجيةُ في ظاهر الحكم عنهما جميعاً، فإن نكلت رُدَّ اليمينُ على الزوج، فإن
стр. 6547
حلف، ثبتت الزوجية في حقها لهذا الزوج، وإنْ نكل، كان نكوله عن اليمين بمنزلة حلفها.
قال الشيخ: قد رأيت بعض أصحابنا الشارحين يقول في هذه الصورة: إنَّ الزوجَ إذا عيَّن إحداهما، تعيّنت، فكان القول فيه قولَ الزوج، فإنه قد ثبت أنَّ إحداهما منكوحة، والزوج أعرفُ لمحل حقه.
وهذا ليس بشيء، ولو لم يحكه الشيخ، لما ذكرناه.
ثم إن ابن الحداد ذكر في تصوير المسألة شرطاً، وهو أنْ يزوّج إحدى بنتيه، ثم يموت الأب، وقصد بذلك ألَاّ يُرجَع بالبيان إليه، فقال الأصحاب: لو كان الأب باقياً، فبلغت البنتان واستقلتا، وقالت كل واحدة منهما: أنا الزوجة، فالإقرار مقبول وإن أنكر الأبُ.
وهذا فيه فضل نظر؛ من جهة أنَّ المسألة مفروضة في دوام النكاح، وقد تردد ذكرنا القول في قبول إقرار المرأة بالنكاح، فإن فرّعنا على القبول -وعليه بناء المسألة- فللأصحاب تردّدٌ؛ ظاهرٌ في قبول إقرار البكر، ومعها من يجبرها، ويظهر في وجه القياس ألَاّ نقبل إقرارها لكونها مجبرة، والشاهد فيه أنَّ إقرار الأب مقبول عليها؛ من جهة [ملكه] (١) إجبارها، ويبعد أن نقبل إقرار الأب عليها، ونقبل إقرارها على مضادة أبيها، فعلى هذا لا اعتبار بإقرارها، مع دوام البكارة في بقاء الأب.
ومن أصحابنا من قال: نقبل إقرارها إذا استقلت بالنكاح.
وفي تفريع هذا [إشكال] (٢) فإنها لو أقرَّت بأنها زوجة فلان، وأقرَّ الأب بأنه زوّجَهَا من غيره، فإذا فرّعنا على قبول إقرارها، فكيف نقول؟ وما الوجه؟ وقد جرى الإقراران على التنافي؟ يجوز أن يقال: الحكم للإقرار السابق، ويجوز أن نحكم ببطلان الإقرارين إذا اجتمعا. ولو رددنا إقرارها، لتخلصنا من هذا الخبط.
فأما إذا أنكرت كلُ واحدة منهما الزوجية والأب باق؛ فإقرار الأب بزوجية إحداهما
стр. 6548
مقبول، ولا حكم لإنكارها. وهذا بيِّن لا خفاء به.
فجرى تقييد ابن الحداد فَرْعيه بموت الأب، لما ذكرناه.
فرع:
٨٣٤٧ - إذا قبل الرجل نكاح أمةٍ من سيدها، ثم قال السيد: زوجتها وأنا محجور أو محصور، وقال الزوج: بل كان ذلك في حال نفوذ التصرفات، فالقول في هذه الصورة قول الزوج.
هكذا قال ابن الحداد. ثم يحلف، واعتل بأنَّ العقد قد جرى، والأصلُ صحة العقد.
قال الشيخ: هذا إذا لم يعهد من السيد جنون أو حجر ينافي صحة العقد، فأما إذا تمهد منه في ماضي الزمان ما ذكره، ووقع الاختلاف على ما وصفناه، ففي المسألة وجهان: ذكرهما الشيخ أبو زيد، أحدهما - أنَّ القول قول الزوج، وهو الذي اختاره أبو زيد. والثاني - أنَّ القول قول السيد المزوِّج. وهذا الاختلاف يترتب على قاعدة، وهي: أن المعترف به نكاحٌ على الإطلاق، فإذا فرض بعده ما ينافي صحته، نفرض حمل الإقرار بالعقد المطلق على الفاسد. وقاعدة المذهب أنَّ العقد المطلق محمول في الألفاظ على الصحيح، ولذلك جعلنا الحلف المتعلق بالعقد المطلق في البِرّ والحِنث محمولاً على الصحيح، فهذا هو الأصل المعتبر؛ فلزم منه الحكم بحمل العقد على الصحة، فإن ظهرت حالة تُصدّق السيد وتُغلِّب على الظن صدقه، فوجه بدوّ الخلاف أن [المانع] (١) السابق مانع من العقد صحةً وانعقاداً، وليس يمنع من إجراء صورة العقد، فقد يظن الظان أن من يدعي صحة العقد [عليه] (٢) إثبات سبب الصحة حالة العقد، وزوال المانع المقدّم معترف به، فهذا حقيقة القول.
وقد نصَّ الشافعي على أن الولي إذا وكَّل وكيلاً في تزويج وليته، ثم أحرم، واختلف الزوج والولي، وقد جرت صورة النكاح، فقال الوليُّ: "ما قبلتَ النكاح من الوكيل حتى أحرمتُ، فانعزل وكيلي. وقال الزوج: بل قبلتُ قبل إحرامك، قال الشافعي: القول قول الزوج". هذا نصه. ولم يحك الشيخ في هذه المسألة تردداً،
стр. 6549
والسبب فيه أنَّ الإحرام لاحق والأصل إسناد العقد إلى الحِلِّ المتقدم، فلينظر الناظر في ذلك.
فرع:
٨٣٤٨ - إذا علم الرجل أنَّ له في بلده أختاً محرّةً عليه برضاع أو نسب، وكان لا يعرف عينها، قال الأصحاب: إن كانت نسوةُ البلدِ بحيث لا يمكن ضبطهن لكثرتهن؛ فله أن ينكح من شاء منهن؛ فإنَّا لو لم نجوّز ذلك، لانحسم عليه باب النكاح في هذه البلدة، ثم لو ألزمناه المُسَافَرة إذا أراد النكاح، [فيجوز] (١) أن تكون تلك المرأة قد سافرت في جهة سفره وأنها التي اتفق نكاحه لها، فرفعنا هذا من البين، وعلى هذا قال الأصحاب: إذا أفلت صيدٌ مملوكٌ من مالكه، فاختلط بالصيود المباحة التي لا تحصر، فيحل الاصطياد، كما كان يحل قبل جريان الإفلات.
٨٣٤٩ - وما ذكره الأصحاب من نسوة البلد، فيه تأمل، فالوجه: الفرض حيث يعم اللبس، ويُفرض جريان الرضاع مثلاً، مع استبهام الأمر، فلو كان يمكنه أن ينكح امرأة لا يتمارى فيها من أهل البلدة، فنكح أخرى في محل [الريب] (٢) والمراء، [وكانت] (٣) اللواتي يلتبسن عليه غير منضبطات، ففحوى كلام الأصحاب أن ذلك جائزٌ، ولا حجر أصلاً، وقد يَظن من يتشوف إلى الاحتياط أنَّا إنما نجوِّز ذلك إذا كان يؤدي إلى حسم النكاح، ولا ينبغي أن يبالى بهذا، فالأصل ما ذكره الأصحاب والذي أشرنا إليه إيراد وجه احتمال على عادتنا في المباحثة.
ومما يجب التنبه له أن المعنيَّ بخروج النساء عن الضبط عُسر [عدّهن] (٤) لكثرتهن على آحاد الناس، وإلا فلو أرادوا أكبر بلدة أن يُعدّ سكانُها، لتمكن منه، فهذا ما يجب الإحاطة به.
ولو أشار إلى نسوةٍ معدودات وقال: واحدةٌ منهن محرَّمةٌ عليّ، ولست أعرف عينَها؛ فالمذهب: أنه لا ينكح منهن واحدة. وذكر الشيخُ وجهاً ضعيفاً أنه لو نكح
стр. 6550
واحدة منهن محرّمة، حلت له مع شدة الكراهية؛ فإنَّ التي نكحها لم يثبت فيها محرِّم، والأصل عدم المحرِّم.
وهذا الاختلاف هو الذي حكيناه في التباس إناء من الماء بإناء من البول.
ولكن يبين الغرض بالإشارة إلى ذكر ثلاث مراتب، المرتبة الأولى - فيه إذا فُرض لبسٌ، وأمكن الاجتهاد، والأصل في الباب الحل، وهذا كالتباس إناء من ماء نجس بإناء من ماء طاهر، فالاجتهاد سائغ؛ فإنَّ العلامة على الجملة ممكنة، وقد تمهد في الباب أنا رُدِدْنا إلى الأخذ بأصل الطهارة. هذا بيان مرتبة، وقد سبق استقصاء أطرافها في كتاب الطهارة، والعلامة في هذه المرتبة خفية، ولهذا يعتضد بالرجوع إلى الأصل.
المرتبة الثانية - فيه إذا أمكنت العلامة الخفية، ولم يثبت التمسك بأصل الحل والجواز، ومن ذلك الإناء من البول مع الإناء من الماء، [ففي] (١) جواز الاجتهاد وجهان، أصحهما المنع؛ لخفاء العلامة، وغلبة التحريم، ولم نُرَدّ إلى أصل الحل، [المرتبة الثالثة] (٢) وذلك كاشتباه المُذكَّى بالميتة، والأخت بالأجنبية. فالأصل التحريم عند الحصر الذي ذكرناه، ولا علامة يقدر التعلق بها، والتحريم غالب في الباب، فالوجه: القطع بالتحريم، ولكن حكى الشيخ الوجه الضعيف، ومن نظر إلى المراتب التي ذكرناها، بان له أن الوجه الذي حكاه الشيخ على نهاية الضعف.
فرع:
٨٣٥٠ - إذا زوَّج الذمي ابنته الصغيرة الذمية من ذمي، ثم أسلم هو، [أو] (٣) أسلمت أم الصغيرة، وحكمنا لها بالإسلام تبعاً، ولا دخول، انتجز الفراق. وفي الصداق وجهان؛ من جهة أنَّ الفراق لم يأت من جهة الزوج، ولم يصدر من جهتها مباشرةُ الإسلام، بل ثبت الإسلام لها من غير اختيارها، وقد ذكرنا أنَّ المرأة إذا أسلمت تحت زوجها الكافر قبل المسيس، انبتّ النكاح وسقط مهرها، كما يسقط مهر المسلمة بالردة.
стр. 6551
ومما [يلحق] (١) بهذا أنَّ الذمي لو زوّج امرأةً من ابنه الصغير الذمي، ثم أسلم أحد أبوي الزوج قبل المسيس، يرتفع النكاح، ثم قال الشيخ: في المهر وجهان مرتبان على الوجهين في الصورة المتقدمة، وهذه الصورة أولى بأن يتشطر الصداق فيها؛ من جهة أنَّ ارتفاع النكاح أتى من صفةٍ ثبتت للزوج، وارتفاع النكاح في الصورة الأولى جاء من صفة ثبتت للمرأة.
فرع:
٨٣٥١ - إذا ادعت المرأة نكاح رجل، وأنكر الزوج النكاح، فأقامت المرأة بيّنة عادلة أنه نكحها بألف درهم، وجرى الحكم بموجب الشهادة، ثم رجع الشهود عن الشهادة؛ فهل يغرَمون للزوج؟ وذكر الشيخ وجهين: أحدهما - أنهم لا يغرمون؛ فإنهم ما غَرَّمُوه شيئاً، بل شهدوا على ملك بضع بعوض، فلم تتضمن شهادتهم تغريمه الألف مجاناً، ولكنه لما أنكر النكاح، صار شطر المهر غرماً عليه. والوجه الثاني - أنهم يغرمون؛ فإنه أنكر النكاح وشهدوا مع إنكاره، وعلموا أنَّ النكاح لا يخلص له مع إنكاره، فإنا لو قدرنا نكاحاً، [لا ينتفي] (٢) بنفيه.
التفريع:
٨٣٥٢ - إن قلنا: لا يغرمون، فإنما ذاك فيه إذا شهدوا أنه أصدقها ألفاً، وكان مهر مثلها ألفاً أو أكثر، فأمَّا إذا كان مهر مثلها خمسمائة، فيلزمهم الغرم في الخمسمائة؛ فإنهم ألزموه ذلك، ولا مقابل له من البضع.
وإن قلنا: يغرمون - فلا يغرمون في هذه الصورة مهر المثل، ولكنهم يغرمون ما ألزموا الزوج، وإنما ألزموه نصف المسمى.
وما ذكرناه مقدمة لمسألة ابن الحداد، وصورة مسألته: أنَّ المرأة إذا ادعت نكاحاً بألف درهم على رجل فأنكره، وشهد شاهدان بأنه نكحها، وادعت الإصابة، فشهد شاهدان أنه أصابها، أو أقرَّ بإصابتها، ثم ادعت بعد ذلك كله طلاقاً، فشهد شاهدان أنه طلقها، ثم رجع الشهود كلهم فيه.
قال ابن الحداد: لا غرم على شهود النكاح ولا على شهود الإصابة، وإنما الغرم على شهود الطلاق، فيغرمون نصف مهر المثل. هذا جوابه.
стр. 6552
واختلف أصحابنا على طرق، فذهب بعضهم إلى تصويب ابن الحداد، وقال: فرّع على أن لا غرم على شهود النكاح، وتعليله ما قدمناه في صدر المسألة، ولا غرم على شهود الإصابة؛ فإنهم شهدوا على استمتاع في نكاح، فإذا لم يلزم بسبب النكاح غرم، فكذلك لا يلتزم بسبب الإصابة.
وأمَّا شهود الطلاق، فقد فوّتوا ملكاً بلا عوض، ثم رجعوا.
ومن أصحابنا من قال: ما ذكرناه من تغريم شهود الطلاق غلط من أوجه، منها أثهم ما شهدوا على مخالفة الزوج؛ فإنَّ حاصل شهادتهم انتفاء النكاح، وكان المدعى عليه منكراً للنكاح مقترناً بنفي الزوجية، فلا يتحقق تفويت عليه.
وهذا هو الذي لا يتجه غيره.
والوجه عندي: [أن] (١) ما ذكره ابن الحداد من عثراته.
ثم في شهود النكاح وشهود الإصابة نظر، أما وجه (٢) النظر في شهود النكاح، فعلى ما تقدم، وأما شهود الإصابة، فإن شهدوا على النكاح أيضاً ثم على الإصابة بعده، فالوجه تغريمهم، ثم يشتركون في الغرم الذي يتعلق بالنكاح، ويختصون بالغرم في النصف الآخر من المسمى؛ فإنَّ الزوج إنما غرم ذلك النصف الثاني بسبب شهادتهم. ومَن ذكر نفي الغرم عن شهود الإصابة فقد أبعد، ولكنه وجه حكاه الشيخ، وتوجيهه ضعيف؛ فإنَّ الذي تخيله من نفي الغرم في شهود النكاح أنهم شهدوا بحق في مقابلة عوض، والوطء إتلاف منافع البضع في كل حساب، ولصاحب ذلك الوجه الضعيف أن يقول: وطؤه انتفاعه، كما أنَّ النكاح حقه.
فأما إذا شهد شهود الإصابة على الإصابة مطلقاً من غير تعرض للنكاح، فينظر فيه؛ فإن تأرخ النكاح على وجه تأرخ الوطء بتاريخ متأخر عن النكاح، فعلى شهود الإصابة ما ذكرناه؛ فإنهم تسببوا إلى إثبات تقرير ذلك المسمى؛ وإن كانت الشهادتان مطلقتين، فشهود الإصابة لا يغرمون للمدعى عليه شيئاًً؛ فإن الإصابة قد تكون زنا، فإذا لم يغرِّموه، لم يغرموا إذا رجعوا.
стр. 6553
فرع:
٨٣٥٣ - إذا ادعى زيد على امرأة أنها زوجته، فانكرت، فأقام على ذلك بيِّنة، وادعت تلك المرأة أنها زوجة عمرو، فأنكر عمرو، وأقامت المرأة بيِّنة؛ قال ابن الحداد: بيِّنة زيد أولى، وتثبت زوجيتها في حقه. ومن كلامه في ذلك: أنَّ دعواه في الزوجية أقوى من دعوى المرأة؛ إذ حق الزوجية في جانب الزوج أثبت. قال الشيخ: هذه المسألة فيه إذا أنكر عمرو الزوجية، فأما إذا لم ينكر، ولكن سكت، فأقيمت عليه البينة؛ فيجوز أن يقال: تتقابل البيِّنتَان في ذلك، والكلام على تقابل البيِّنتَين يأتي إن شاء الله تعالى.
هذا منتهى كلام الشيخ، وفيه توقف على الناظر، قال ابن الحداد: [إن] (١) لم تتعرض في دعواها نكاح عمرو لذكر المهر، فالوجه أن نقول: إن أنكر عمرو النكاح، وما ذكرت المرأة صداقاً، فلا معنى [لإقامتها] (٢) البيّنة، إلَاّ على مسلك بعيد في أنَّ الإنكار لا يقطع النكاح، فيكون غرضها ثبوت النفقة في مستقبل الزمان، وثبوت غيرها من حقوق النكاح، وهذا -وإن كان منقاساً- بعيدٌ عن مذهب الشافعي، وسنشبع القول فيه في كتاب الخُلع، إن شاء الله .
فأما إذا سكت عمرو، وقد ادعت المرأة النكاح؛ فظاهر ما ذكره الأصحاب: قبول دعواها، وإن لم تذكر مهراً، فإنها ادعت سبباً في استحقاق حقوق، ولم يوجد من الزوج ما يتضمن قطعه.
ثم إذا سُمعت الدعوى والبينة، فالأظهر تقديم بينة زيد -كما قال ابن الحداد- لموافقة بيّنة زيد لدعواه، وحق النكاح لزيد، والمرأة لا يقوى حقها في نفس النكاح، وإنما تبغيه ذريعة إلى حقوقٍ في الاستقبال، ومن له الحق في النكاح ساكت.
فهذا وجه، وإليه ميل ابن الحداد ومعظم الشارحين، وقد ذكر الشيخ وجهاً من عند نفسه في مقابل البيِّنتين، ولم يختره، والله أعلم.
...
стр. 6554
إن غرضي الأظهر في هذا الكتاب التنبيه على قواعد الأحكام ومثاراتها؛ فإن صور الأحكام والمسائل منها غير معدومة في المصنفات، فهذا أصل الباب، ومنه تتشعب المسائل.
الإمام
في نهاية المطلب
стр. 6555
كتاب الصداق
الأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقال تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] وقال ﷺ : " أدوا العلائق، قيل: وما العلائق يا رسول الله، قال: ما تراضى به الأهلون " (١).
وانعقد الإجماع على أن ما يصح جعله صداقاً يثبت بالتسمية الصحيحة، ثم ورد في الشرع لما يسمى في عقد النكاح على معرض العوض أسماء: الصدقة، والمهر، والصداق، والأجر، قال الله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤]. وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]
ثم الذي يجب تصدير الكتاب به أنَّ الصداق لم يثبت على قياس الأعواض؛ فإنَّ حظها في الاستمتاع منه حظُّه في الاستمتاع منها، وهما مشتركان في الاستمتاع، ويصح أن يقال: حظها أوفى، لما صح من توفر شهوتها، وعدم تأثير الاستمتاع فيها، ولكن لما اقتضت الحكمة الشرعية استحقاق الرجال باستحقاق منفعتهن- كما تقدم ذلك مقرراً- اقتضى الترتيب بعد ذللك اختصاصهن باستحقاق ما يثبت في معرض العوض، وضعف مُنَّتهنَّ وعجزهن عن التكسب، وما طُلب منهن من التخدُّر، وعدم الانتشار، ولزوم الحِجال (٢)، يقتضي ذلك.
ثم الصداق الثابت لها ليس يثبت ركناً في النكاح/ ثبوت الثمن في البيع، والأُجرةِ ١١٤ ي
стр. 6556
في الإجارة، ولكنه -وإن قوبل باستحقاق المنفعة عليها- لا يتمحض مقابلاً على حقيقة العِوضية، ولذلك لا يفسد النكاح بفساد الصداق على المذهب الصحيح، ولا يفسد أيضاً [بترك] (١) ذكره وتعرية النكاح عنه، وإذا رَدَّت المرأة الصداق، لم يرتد النكاح كما يرتد المعوض برد العوض في المعاوضات، وقال مالك (٢): فساد التسمية في الصداق يفسد النكاح، وقيل: هذا هو قول الشافعي في القديم، فإنْ صح، فهو في حكم المرجوع عنه، ولا نعرف خلافاً أن ترك تسمية الصداق لا يفسد النكاح. وكذلك [لا خلاف أن النكاح] (٣) لا يرتد برد الصداق، والصداق لا يُنكر كونه عوضاً؛ فإنه يثبت على صيغة العوضية، وارتداده بالفسوخ الواردة على النكاح يُقيمه مقام الأعواض، وحبسُها نفسَها إلى توفر الصداق عليها يُلحق الصداق بالأعواض، فالوجه أن نقول: الصداق عوض في النكاح، ولكنه ليس ركناً؛ من جهة أن العوضية ليست مقصودة في النكاح، والمقصود الأظهر منه المستمتَع. ويشهد لما ذكرنا قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] فسمى الصدقات نحلة وعطية، ليُشعر بخروجه عن كونه مقصوداً.
ومن المحققين من أئمتنا من قال: ليس الصداق عوضاً حقيقياً، وارتدادُه لزوال النكاح في بعض الأحوال سبيله سبيل التبعية، فكما يثبت تبعاً غير مقصود، فكذلك يزول بزوال النكاح- على تفاصيلَ معروفة، فحصل مسلكان: أحدهما- أنه عوض حقيقي، ولكنه ليس رُكناً في النكاح.
والثاني- أنه ليس بعوض على الحقيقة وإن أقيم مقامه، ولا يكاد يظهر لهذا التردد مزيد أثر.
٨٣٥٤ - وإذا زوّج الوليّ وليّته إجباراً بدون مهر مثلها؛ فالمذهب الأصح: صحة
стр. 6557
النكاح، وثبوتُ مهر المثل؛ جرياناً على ما قدمناه من أن الخلل في الصداق لا يؤثّر في النكاح.
وذكر أئمتنا قولاً آخر، واختلفوا في كيفية نقله، فقال قائلون: القول الثاني- إن النكاح لا يصح- وإليه أشار القاضي- ووجهه- على بُعده-، أن النكاح بدون مهر المثل لا يكون معقوداً على حكم الغبطة، والعقود إذا لم تتصف بالغبطة مردودة من الولي المجبِر.
وقال قائلون: [الأول] (١) في صحة النكاح، والقول الثاني في صحة الصداق، وإن كان قاصراً؛ فإن الأب لا يتهم في حق طفله.
ومن وجوه الرأي: إذا كان الخاطب كفؤاً مرغوباً فيه، [احتمل] (٢) وَكْسُه في المهر. وهذا يخرج على قول الشافعي في أنَّ الذي بيدهِ عقدة النكاح هو الولي، وقد يجوز على هذا القول عفوه عن المهر وإسقاطه.
وإذا جمعنا وجوه تزويج الأب، قلنا: إذا زوّجها من كفئها بمهر مثلها، فقد نظر لها ولا معترض عليه، ولو كان يطلبها كفء بأكثر من مهر مثلها، فزوّجها الأب من كفء اَخر بمهر مثلها، فلا معترض عليه.
ولو طلبها كفء مماثل، ورجل نبيه شريف القدر، فزوّجها من مماثلها، جاز، ولا معترض، وليس هذا كالتصرف في المال؛ فإنه إذا طُلبت سلعةٌ للطفل بأكثر من قيمة المثل، لم يسُغ بيعُها إلا بالأكثر، والسبب في ذلك أن عقود المواصلات تنطوي
стр. 6558
على أسرارٍ خفية، وأمور جِبِلِّيّة، فالوجه إحالتها على الأب الشفيق، وقد يرى المماثل أجدى عليها من الشريف الذي يسطو، أو يستطيل بشرفه، والنكاح دِقُّ. (١)
النظر في مراشده يدِق، والأموال لا يُبغى منها إلَاّ المالية؛ وعن هذا ينشأ كلام العلماء في تزويج الأب ابنته ممن لا يكافئها؛ فالأصح أنَّ النكاح لا يصح إجباراً، لما فيه من ظهور إلحاق العار بها.
وفي المسألة قول غريب، حكيناه أن النكاح [يصح] (٢) ويلزم. وفي تزويجها بدون مهر المثل من التردد ما ذكرناه، فهذه مجامع القول في عقود الأب.
٨٣٥٥ - ثم إذا تمهّد ما قدمناه، فالصداق لا يتقدر شرعاً عند الشافعي، وكلُّ ما يجوز أن يكون ثمناً أو أجرة يجوز أن يكون صداقاً، والمعتبر في هذا أن [يكون] (٣) الصداق متمولاً.
وقد قدمت فيما يتموّل كلاما واضحاً، وظني أني كررته في مواضع.
وذهب أبو حنيفة (٤)، ومالك (٥)، وابن شُبرمة، وطوائفُ من العلماء إلى تقدير الصداق بنصاب السرقة، ثم مذاهب هؤلاء مختلفة في نصاب السرقة، وقد نظر هؤلاء إلى تشبيه البضع المستباح باليد المقطوعة في السرقة.
والشافعي رأى المهر ليتميّز النكاح عن البدل في السفاح، وهذا المعنى يحصل بإثبات ما يجوز أن يكون عوضاً. ثم نص الشافعي في مواضعَ من كتبه على استحباب العشرة وترْكِ النقص عنها، وذلك للخروج من الخلاف.
стр. 6559
ثم قال: السرف والمغالاة في المهر غير محبوب، والقصد هو المستحسن، ولو حصل التأسي برسول الله ﷺ في زوجاته وبناته، فنِعْم المتبع.
وقالت عائشة: " ما تزوج رسول الله ﷺ واحدة من نسائه، ولا زوّج واحدة من بناته بأكثر من اثنتي عشر أوقية ونَشٍّ، أتدرون ما النَّش؟ إنما هو
نصف أوقية " والأوقية أربعون درهماً، فمجموع ما ذكَرَت من الأواقي والنش خمسمائة " (١)، وقال عمر: " ألا لا تغالوا في مهور النساء؛ فإنه لو كان فيه مكرمة عند الله وعند الناس، لكان أحقكم بها رسول الله ﷺ ، فقامت امرأة سفعاء الخدين وقالت: الله يعطينا، ويمنعنا عمر، فقال: أين ذلك، فقالت: قال الله تعالى: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فقال: كلُ الناس أفقه من عمر رجل أخطأ وامرأة أصابت " (٢).
ويتعلق بمتنهن أمران: أحدهما- أنَّ المغالاة ليست مكروهة، وإنما ينهى عنها نهيَ استحباب، وقد بان أن مراتب النهي ثلاثة: تحريم وكراهة واستحباب. ومما نذكره أنَّ النزول إلى المبلغ الذي ذكرناه في مهور نساء رسول الله ﷺ إنما تخاطب به المرأة المالكة لأمر نفسها، والسيد في تزويج أمته. فأما الأب إذا كان يزوّج ابنته الصغيرة، فليس له أن ينزل عن مهر مثلها، وإن نزل، ففيه الترتيب القديم.
...
стр. 6560
باب الجُعل والإجارَة
٨٣٥٦ - مقصود هذا الباب مقصورٌ على الكلام في منافع يجوز إثباتها صداقاً، والقول الجامع فيها: إنَّ كل منفعة يجوز الاستئجار عليها، فيجوز فرضها على الجملة صداقاً.
ثم القول في المنافع التي يجوز الاستئجار عليها، مما أصلناه على (١) هذا الكتاب من كتاب الإجارة وغيره، والقول فيه منتشر، وضبط النفي والإثبات فيه عَسِرٌ، ولم يزد الأصحاب عن نقل مسائل مُرسلة، وما اعتنوا في ذلك بضابط، ولم يتشوف إلى الاهتمام به إلَاّ القاضي، فإنه حوّم على أطرافه ولم يستوعب، والقدر الذي ذكره: أنَّ كل عمل معلوم يلحقُ العاملَ فيه كلفةٌ ويتطوع به الغيرُ عن الغير؛ فالاستئجار عليه جائز، وإذا صح الاستئجار، صح إثباته صداقاً.
٨٣٥٧ - وليس ما ذكره شافياً للغليل، ونحن نرى أن نذكر مسائلَ مرسلةً، ثم ننبه فيها على الغرض المطلوب، وقد نذكر فنوناً وأقساماً.
فالعبادات البدنية المفتقرة إلى النية، إذا كانت النيابة لا تتطرق إليها، فلا يتصور الاستئجار عليها؛ فإنَّ مِنْ حُكْمِ الاستئجار وقوع فعل المستأجَر عن المستأجر، وامتناع النيابة ينافي هذا، والعبادة البدنية التي تجري النيابةُ فيها -وهي الحج لا غير- يجوز الاستئجار عليها؛ كما تفصَّل في كتاب الحج، وإذا قلنا: غسل الميت يفتقر إلى النية، فالاستئجار عليه جائز، [وإن] (٢) كان [قربة] (٣) بدنية، وذلك أنَّ النيابة
стр. 6561
جائزة فيه كما تجوز في الحج. فاعلموا ترشُدوا.
ووراء ذلك أمر سننبّه عليه في أثناء الكلام، إن شاء الله تعالى.
هذا قولنا في العبادات البدنية المفتقرة إلى النيات.
ومما نذكره في الأقسام التي نحاولها: أنَّ الأعمال التي لا تقع قربة، ولكنها تتعلق بأمور في المعايش، ومطرد العادات، فما لا يجوز منه فلا يجوز الاستئجار عليه، وما يجوز ولا ينهى عنه، فيجوز الاستئجار عليه، بحسب أن يكون معلوماً على ما يليق به، ويشترط أن يكون له وقع في النفع والدفع، حتى لو قل قدرُه، وكان لا يقع مثله في إثارة نفعٍ أو دفعٍ موقعاً؛ فلا يجوز الاستئجار عليه. وهو في [جنسه] (١) بمثابة الحبة من الحنطة في الأعيان.
ومما نشترطه أن يكون النفع من العمل راجعاً إلى المستأجِر، فلو كان يرجع النفع إلى الأجير، فالإجارة فاسدة، وذلك مثل أن يقول: استأجرت دابتك لتركبها أنت ولا تترجل، فهذا فاسد، فإذا كان العمل مباحاً معلوماً متقوماً عرفاً، وكان نفعه يرجع إلى المستأجِر فيصح الاستئجار، ومن جملة ذلك: الحمل والنقل وأعمال المحترفين، وما في معناها، وهذا بيان ما لا يقع قربة.
٨٣٥٨ - وأما ما يقع قربةً وإن لم نشترط فيه النية، فمنها ما يقع فرضاً على الكفاية، ومنها ما يكون شعاراً في الدين، ولا يقع فرضاً، فأما ما يقع فرضاً، فإنه ينقسم في نفسه، فمنه ما يخاطَب به المرءُ في ذاته إن اقتدر عليه، وإن عجز عنه، وجب على الغير كفايته، ومنه ما لا يخاطب به المرء على الخصوص في نفسه لغرضٍ يخصه.
فأمَّا القسم الأول، فمنه حفر القبور، ودفن الموتى، وحمل الجنائز، فهذه الأشياء مما يجوز الاستئجار عليها، والسبب فيه أنَّ من مات فتجهيزه من المؤن الواجبة المختصة بتركته، وهو مما يثبت في وضع الشرع على نعت الخصوص، فإن عجز من خصّه الشرع ابتداءً، فعلى الناس كفايته. وحَمْلُ الجنازة وما في معناه مما ذكرناه ينزل منزلة شراء الكفن، والتكفينُ من فرض الكفايات، وكذلك يجب على الإنسان أن ينفق
стр. 6562
على نفسه إن وَجَد، فإن فَقَد، لم يجز تضييعه، ثم لو اشترى في حالة الضرورة طعاماً، صح ذلك منه [تنزيلاً] (١) لهذا على كون ذلك [خاصاً به] (٢) في وضع الشرع، فهذا مسلك في فرائض الكفايات. ويلتحق بذلك تعليم القرآن؛ فإنَّ على الإنسان أن يتعلم من القرآن ما لا يخفى، فهذا مما يختص وجوبه، فلا جرم جاز الاستئجار عليه، وإن كان إشاعة القرآن ونشره وتعليمه فرضاً على الكفاية.
والقسم الثاني- ما يثبت في الأصل شائعاً، ولا يختص افتراضه بشخص، حتى يعد من مؤنه وواجباته الخاصة، ولكن يثبت إقامةً لشعار، أو ذباً عن البيضة، وذلك مثل الجهاد، فإنه أُثبت عاماً، والمقصود به حماية الحوزة وحفظ البيضة. فهذا القسم لا يجوز الاستئجار فيه إذا كان المستأجَر مندرجاً تحت الخطاب العام بالذب.
ويخرج مما ذكرناه أهل الذمة؛ فإنَّا لا نخاطبهم بالذب عن الملة، فلا جَرَم جوز الشافعي للإمام أن يستأجر طائفةً من أهل الذمة على قتال جماعة من الكفار، كما سيأتي شرح ذلك في كتاب السير، إن شاء الله .
وسبب منع الاستئجار أنَّ الخطاب إذا كان متعلقاً بالمسلمين على العموم، فيكون الأجير فيه قائماً بإقامة ما خُوطب به، ويستحيل أن يقع فعله عن غيره. فهذا ما يقع فرضاً.
٨٣٥٩ - وأمَّا ما يقع شعاراً غيرَ مفروض، فهو كالأذان في الرأي الأصح، فهل يجوز الاستئجار عليه؟
حاصل ما ذكره الأصحاب في الطرق ثلاثة أوجه:
أحدها- أنه لا يجوز الاستئجار على الأذان أصلاً؛ فإنه وإن كان لا يجب، فهو راجعٌ إلى تعميم الشعار، ولذلك لا يؤذن كل واحد ممن [حضر] (٣) الجماعة.
стр. 6563
والوجه الثاني- وهو الأصح، أنَّ الاستئجار على الأذان جائز من الإمام ومن آحاد المسلمين؛ فإنه ليس عبادة مفتقرة إلى النية، ولا فرضاً يلابسه المكلف، وإن كان يرجع نفعه إلى المسلمين، فنفع القرآن كذلك يرجع إلى المسلمين.
والوجه الثالث- أن الإمام ومن يتولى الأمر من جهته يجوز أن يستأجر المؤذن، وليس يسوغ ذلك لآحاد الناس، وكثيرٌ من العقود يختص جوازه بالوالي إذا كان متعلقاً بالمصالح العامة.
ثم إذا جوزنا الاستئجار على الأذان، فقد ذكر شيخي وغيره خلافاً في أنَّ المؤذن على ماذا يأخذ الأجرة؟ وحاصل المذكور ثلائة أوجه: أحدها- أنه يستحق الأجرة على رعاية المواقيت.
والثاني- أنه يستحقها على رفع الصوت.
والثالث- أنه يستحقها على الحيعلتين، فإنهما ليسا من الأذكار، وسبب هذا الاختلاف أنَّ الأذان أذكار لله تعالى [يردّدها] (١) المؤذن، فبعُد عند الأصحاب استحقاق الأجرة على أعيانها.
والصحيح عند المحققين أنَّا إذا جوزنا الاستئجار على الأذان، فالأُجرة مستحقة على جميع الأذان بما فيه، ولا بُعدَ في استحقاق الأُجرة على ذكر الله تعالى، كما لا بُعد في استحقاقها على تعليم القرآن، وإن كان التعليم من ضرورته قراءة القرآن.
٨٣٦٠ - ومما نذكره: الاستئجار على تعليم العلم، وقد ذكر شيخي وغيره مَنع الاستئجار على التدريس، وردد الشيخ أبو بكر الطوسي فيما نقله عنه أبو بكر المفيد (٢)
стр. 6564
جوابه في جواز الاستئجار على إعادة الدروس.
وهذا كلام ملتبس، والتحقيق فيه أنَّ من استأجر شخصاً ليعلمه مسألةً، أو مسائلَ من العلوم، فهو جائز، لا يجوز أن يكون فيه خلاف، وهو بمثابة الاستئجار على تعليم القرآن، وإن ظن أن ذلك يمتنع من قِبَل تفاوت الناس في الفهم والدرك، فهم متفاوتون في الحفظ أيضاً قطعاً، ثم لم يمنع الاستئجار في المحفوظات، والحفظُ في معنى الفهم.
والذي ذكره الأصحاب من مَنْع الاستئجار على التدريس محمولٌ على ما إذا استأجر [رجلٌ] (١) مدرساً حتى يتصدى للتدريس إقامةً لعلم الشريعة من غير أن يعيِّن له من يعلمه، فهذا إن امتنع، فسببه أنه تصدى للأمر العام المفروض على الكفاية، فكان بمثابة الجهاد.
ولو فرضنا استئجار مقرىء على هذه الصورة، لكان ممتنعاً، كما يمتنع استئجار المدرس.
ولكن جرى كلام الأصحاب في الدرس، ومن يعلّم القرآن على العادة الغالبة في كل نوع؛ فإنهم لم يصادفوا مستأجَراً على تعليم العلم في العادة، والاستئجار على تعليم القرآن [غالب] (٢).
وفي النفس من الاستئجار على التدريس والتصدي له شيء؛ من [جهة أنه] (٣) قد يشابه الأذان؛ فإنَّ الغرض من كل واحد منهما نفعٌ راجع إلى الناس عموماً من غير تخصيص أشخاص، وليس في امتياز الأذان عن التدريس -بالفرضية في أحدهما- فقه؛ فإنَّ المعتمد في منع الاستئجار على الجهاد أنه نزل على أهل الاستمكان نزولاً
стр. 6565
عاماً، ولا متعلق له إلَاّ الذب عن حريم الإسلام، والتدريس [و] (١) إن كان يعم من وجه، فهو في جهة [التعلّق] (٢) بمن يتعلم خاص؛ إذ على كل شخص أن يتعلم في نفسه، كما على كل شخص أن يعتني بحفظ المواقيت في الصلوات، والمؤذن يكفي الناس ذلك، فليفهم الناظر ما يمر به من لطائف الفقه.
ولكن إن صار صائر إلى تجويز الاستئجار على التدريس، فلا بد فيه من إعلام على التحقيق، فإن الأذان بيّن في نفسه، والعلم عند الله تعالى.
٨٣٦١ - ومما نذكره أنَّ القضاة إذا تراصدوا للقضاء، فلا معنى لاستئجارهم؛ فإنهم إذا انتصبوا للفصل بين المتحاكمين، تعلَّق أمر الخلق عموماً بهم، ولا يتصور أيضاً أن تنضبط أعمالهم بوجه من الوجوه. فهذا مجموع ما أردنا إيراده.
ثم جُوِّز استئجار القاضي على كتبة السجلّ وغيره مما يستدعيه الخصم، ولا يوجبه الشرع، مما يأتي موضحاً -إن شاء الله في كتاب أدب القضاء.
ومن تأمَّل ما ذكرناه، لم يخْف عليه ضوابط المذهب فيما يجوز الاستئجار عليه، وفيما يمتنع ذلك فيه.
٨٣٦٢ - ومما ذكره الأصحاب: الكلام على الاستئجار في الإمامة في الصلاة، فقالوا: لا يجوز ذلك في الصلوات المفروضة، وهل يجوز في النوافل كالاستئجار على الإمامة في صلاة التراويح؟ فعلى وجهين.
وهذا كلام ركيك؛ فإنَّ الإمامة لا معنى لها، ولا مزيّة على الإمام في قصد الإمامة، وإنما يكفيه أن يصلي ويقتدي به من يريد، وإن لم ينوِ الإمامة، فصحة القدوة على نيَّته. نعم، قد يتوقف على نية الإمامة إحراز فضيلة الجماعة، وهذا يخصه ولا يتعداه. وقد ذكرنا أنه لا يجوز الاستئجار على عمل لا يتعدى نفعُهُ العاملَ.
٨٣٦٣ - فإذا تمهد ما ذكرناه، فقد ذكر الشافعي في الباب أنَّ الزوج لو أصدق زوجته عملاً يعمله مما يجوز الاستئجار على مثله، فالصداق صحيح. ومنع أبو
стр. 6566
ْحنيفه (١) ذلك عموماً في جميع الأعمال التي يعملها الزوج. وكذلك منع أن يصدقها منفعة حر في جهة من الجهات، وإن جاز الاستئجار، وإن جوّز أن يصدقها منفعة عبد- في خبطٍ له طويل.
ثم ذكر الشافعي في الباب ثلاثة فصول بعد ذلك: أحدها - في تعليم القرآن، والثاني - في رد العبد الآبق، والثالث - في خياطة الثوب. فنذكر ما يتعلق بالاستئجار على تعليم القرآن.
٨٣٦٤ - ثم قد تمهد من قبلُ أنَّ ما يجوز الاستئجار عليه يجوز جعله صداقاً، فإذا أراد استئجار شخص ليعلّمه، أو يعلّم من يعينه، القرآنَ؛ فهو جائز، فأول مرعيّ فيه الإعلام، ثم إنه يحصل بوجهين: أحدهما- ذكر المقدار الذي يطلب تعليمه، والثاني - المدة، فلو قال: تعلِّمني سورة البقرة، ولم يذكر المدة، جاز، ووقع الاكتفاء بإعلام المقدار، ولو ذكر المدة، فقال: تشتغل بتعليمي شهراً، جاز. ثم إن ذكر المدة، كفى، وإن ذكر المقدار، كفى، ولو جمع. بينهما، فقال: تعلّمني سورة البقرة في شهر، ففيه وجهان مشهوران، ذكرهما في مواضع من كتاب الإجارة وغيرها، فمن قال بالجواز، قال: زيادة الإعلام غير ضائرة. ومن منع -وإليه ميل معظم المحققين- قال: المدة قد لا تفي وقد يفضل منها، وذكرها مع المقدار يزيد جهالة ويجر عسراً.
وكذلك لو استأجر من يَخيطُ ثوباً عيّنه في يوم، فالأمر على الخلاف الذي حكيناه.
ثم ذكر العراقيون خلافاً في أنه هل يجب تعيين القراءة التي يبغي التعليم بها، مثل قراءة أبي عمرو (٢) أو غيرِه؟ فذكروا في ذلك وجهين.
стр. 6567
والوجه عندنا: القطع بأنَّ ذلك لا يعتبر ولا ينتهي التضييق إلى هذا الحد.
وقد صح أن رسول الله ﷺ قال في قصة الواهبة لذلك الأعرابي: " زوجتكها بما معك من القرآن " (١). ولم يقع للحرف والقراءة تعرُّضٌ.
٨٣٦٥ - ومما يتعلق بذلك أنَّ الإجارة إذا أوردت على عين شخص، فوقع الشرط على أن يكون هو [المعلّم، فلا يقيم غيرَه مقامه، كما إذا] (٢) استأجر الرجل داراً معينة ليسكنها، فليس للمكري إقامةُ غير تلك الدار مقامها.
ثم لو كان المعيَّن يحسن ما وقعت الإجارة عليه، صح الاستئجار. وإن كان لا يحسن، ولكن كان يتأتى منه أن يتعلم ويعلِّم؛ فقد ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أن الإجازة صحيحة؛ فإنَّ تحصيل الغرض ممكن، والتعليم لا يقع دفعة واحدة في وقت واحد، فصار كما لو اشترى شيئاً بألف، وهو لا يملك درهماً، فالشراء صحيح، وإن لم يكن في الحال في ملكه شيء من الثمن.
والوجه الثاني - أنَّ الإجارة فاسدة؛ فإنها تضمنت استحقاق شيء، وهو في وقت الاستحقاق غير ممكن، وليس التعذر فيه إلى (٣) التسليم؛ بل سبب الفساد أنَّ المنفعة في المسألة معدومة الجنس. وهذا الاختلاف يشير عندنا إلى سرٍّ في الإجارة، وهو أنَّ
стр. 6568
الإجارة إذا أُوردت على عينٍ ومنافعها، فكأن منافعها مع تعلقها بالعين، فيها معنى الالتزام، وكأنَّ المستأجر التزم تحصيلها من العين المعيّنة، فلا يمنع في الملتزَم أن يقع الاعتماد على إمكان التحصيل. ومن أبى ذلك يعتمد التعيينَ ومنافاته [لحكم] (١) الذمة، والوجهان فيه إذا كان يُحسن مقداراً يشتغل بتعليمه في الحال، أو كانت الإجارة مع تعلقها بالعين واردة على مدة تَسَعُ التعلّم والتعليم، فأما إذا لم تكن مدة، وكان لا يحسن شيئاً ألبتةَ، والإجارة تقتضي استحقاق الاشتغال بالتعليم، وتسليم المستحق على الفور؛ فلا وجه إلَاّ القطع بإفساد الإجارة لتحقق العجز عن المستحَق في الحال.
٨٣٦٦ - وكل ما ذكرناه في الإجارة يجري حرفاً حرفاً في الصداق، ونحن نرد باقي الصور إلى الصداق فنقول: لو أصدق امرأته تعليم مقدار يقع التوافق عليه، فقالت: علِّم فلاناً أو فلانة ما التزمت تعليمي إياه، ففي المسألة وجهان مشهوران ذكرهما العراقيون وغيرهم، وأثبت أئمة العراق للمذهب حداً وضبطاً وقالوا: الإجارة الواردة على العين تتعلق بمن يستوفي المنفعة، وبما تستوفى المنفعة منه، وبما تستوفى المنفعة به. فأما المستوفي للمنفعة، فيجوز أن يتبدل مع رعاية النصفة، وبيانه: من استأجر دابةً ليركبها، فله أن يُرْكِبها غيرَه، إذا كان في مثل جثته وثقله. فهذا مثال تبدل المستوفي.
وأما ما تستوفى المنفعة منه، فهو العين التي وردت الإجارة على استحقاق منفعتها، فلا سبيل إلى تعديلها، وهذا [مثل] (٢) تعيين دابة للركوب، لا يجد المكتري سبيلاً إلى إبدالها، بحكم الإجارة المنعقدة، ولو أتلفت الدابة المعينة، انفسخت الإجارة، [وتعليل] (٣) ذلك بيِّن؛ فإنَ المنافع متعينة بتعيّن مورد العقد، فإبدالها كإبدال المبيع المعيّن، وتلفها قبل استيفاء المنفعة كتلف المبيع قبل القبض،
стр. 6569
وما ذكروه في تبدل المستوفي جارٍ على [القياس] (١)؛ فإنه استحق المنفعة وملكها، والشرع سلَّطَهُ على إحلال غيره محل نفسه بالإعارة والإجارة، ومن ضرورة ذلك تبدل المالك والمستوفي.
ثم قالوا: ما يقع به الاستيفاء بمثابة الثوب يعيَّن للخياطة، فيقول مالكه: استأجرتك لتخيط هذا الثوب، فاستيفاء المنفعة يقع بذلك الثوب. فلو أراد مالك الثوب أن يأتي بثوب مثلِه؛ فهل له ذلك؟ فعلى وجهين: أظهرهما - أنَّ له ذلك.
وتبديل الثوب كتبديل المستوفي؛ فإنَّ المستحَق خياطةٌ للأجير، ولا يختلف الغرض بتعدد الثياب مع تماثلها.
والوجه الثاني - أنَّ ذلك الثوب يتعيَّن؛ [فإن] (٢) العقد كما عيّن العاملَ- حتى لا يجوز له أن يقيم غيرَه مقام نفسه، وإن كان عملُ غيره بمثابة عمله أو أفضل من عمله، فكذلك اقتضت الإجارة إيقاع عملٍ في عين، فيجب تعيّنها حتى لا [يقع] (٣) إبدالها.
وهذا القائل يعسر عليه الفصل بين تبدل المستوفي -الممثَّل براكب الدابة- وبين تبدل الثوب: والممكن فيه أن منفعة الدابة لا تقع بالراكب، وإنما هو انتفاع من غير تأثر به، والثوب يتأثر بالخياطة ويقع فيه وتبقى ما يبقى، حتى اختلف قول الشافعي في أنها إجارة أو عين؟ كما ذكرنا القولين في كتاب التفليس.
وهذا المعنى يجري في المتعلم المستأجِر؛ فإنه يتأثر بالتعلم، وإن كان من وجه [مستوفياً] (٤) للمنفعة، فقد ساوى مكتري الدابة؛ من حيث إنه يستوفي المنفعة المستحقة، وهو في التحقيق كالثوب الذي تقع الخياطة به، من جهة تأثره بالتعلم.
ثم حاصل ذلك يرجع إلى تعلق الأثر بهذه العين، والأعيان لا يدخلها الإبدال في العقود الواردة على الأعيان، فهذا مبلغ الإمكان في التوجيه، والأصحُّ الأول.
стр. 6570
٨٣٦٧ - ثم اختلف مسلك أئمتنا في تنزيل الوجهين، فذهب العراقيون وطوائف من المراوزة إلى أنَّا [لو] (١) منعنا الإبدال، نمنعه مع التراضي أيضاً، إلَاّ أن يُفرض عقد صحيح في الاعتياض من منفعة بمنفعة، وهذا [كما] (٢) لو استأجر رجل داراً وقبضها، ثم استأجر المستأجر بمنفعة تلك الدار دابةً، فلا يمتنع هذا. وهؤلاء يقولون: لو تلف الثوب المعيّن، انفسخت الإجارة، كما تنفسخ بتلف الدابة المعينة، وصار صائرون إلى أن الثوب لو أبدل بمثله باتفاقٍ منهما وتراضٍ، جاز بلا خلاف.
وإنما الوجهان فيه إذا أراد مالك الثوب أن يُبدِل، فأبى الخيّاط، وهذه طريقة القاضي.
وبالجملة: التفريع على منع الإبدال ضعيف في الطريقين.
وكل ما ذكرناه، فيه إذا ورد الإصداق والإجارة على عين المعلّم.
فأما إذا كانت الإجارة واردة على الذمة، مثل أن يُصدقها الزوج تعليم سورة البقرة، ولا يتعرض لتعليم نفسه، فلا شك أنه لا يتعين عليه التعليم بنفسه، وله أن يقيم غيره في ذلك مقام نفسه. وهذا بيِّن في أحكام الإجارات.
ولا يمتنع -والحالة هذه- أن يكون المتلزم جاهلاً بما التزم التعليم فيه، لأنه إذا كان لا يتعين [للتعليم] (٣)، فلا معنى لاشتراط علمه.
٨٣٦٨ - ومما يدور في الخلد أنَّا هل نشترط تعيين السورة والجزء الذي يقع التوافق على التعليم فيه؟ هذا فيه تردُّدٌ: ظاهر كلام المشايخ: أنه لا بد من التعيين فيه؛ فإنَّ السور مختلفة، فمنها متشابهات، ومنها ما يصعب حفظها، والأمر في ذلك على تفاوت بيِّن.
وكنت أود في هذا المنتهى ألَاّ يصح الإصداق للاستئجار على التعليم قبل أن يَخْبُر حفظ المتعلم، كما لا يصح إجارة الدابة للركوب قبل أن يُعايَن الراكب.
стр. 6571
[ولأن] (١) تفاوت الحفظ والتوقف، يدنو من تفاوت الجثث أو يزيد عليها.
وظاهر كلام الأصحاب: أن هذا لا يشترط، وقد يتجه في عدم اشتراط هذا، التعلقُ بحديث الأعرابي والواهبة، فإنه ﷺ لم يأمره بأن يخبُرَ حفظَها، لمّا قال: " زوّجتكها بما معك من القرآن ".
وقد ينقدح أن يقال: فيما قد كان أصدقها تعليم خَمس أو عَشر من أول سورة البقرة (٢)، هكذا الحديث، ولعل الأمر كان يقرب في هذا المقدار ولا يتفاوت تفاوتاً محسوساً.
وليس يبعد أن يقال: يجوز اكتراء دابة تركب من الدار إلى السوق، من غير نظر إلى جثة الراكب، فإن التفاوت لا يحس في هذا المقدار، سيما إذا كانت الدابة [قويّة] (٣).
فرع:
٨٣٦٩ - إذا أسلمت امرأة، فتزوجها رجل، وتعين عليها تعلم الفاتحة، ولا معلم بالحضرة [غير] (٤) الزوج؛ فالمذهبُ الأصحُ أنه لو أصدقها تعلُّم الفاتحة، صح. وجبُن بعض أصحابنا، فمنع هذا في هذه الصورة، ومنع الاستئجار في مثلها أيضاً، وصار إلى أنَّ تعليم الفاتحة متعيَّن على الرجل، حقاً لله تعالى، فلا يجوز أن يأخذ على مقابلةِ تأدية المستحَق عليه عوضاً.
وهذا ليس بشيء، فإنَّ الأصل وجوب التعلم عليها، فإن تُصُوِّرت صورة تعين فيها تحصيل الغرض من شخص، فالقاعدة هي المرعيّة. وهذا بمثابة ما لو اضطر الرجل إلى تناول طعام غيره، فليس لمالك الطعام أن يمنعه مع استغنائه عنه، ثم تعيين بذل الطعام لا يمنعه بيعه منه. والعبارة الفقهية في هذا: أنَّا لا نطلق القول بتعيين بذل
стр. 6572
الطعام، بل نقول: يتعين على مالك الطعام بيع الطعام من المضطر، وكذلك يتعين على الرجل تعليمها بالعوض.
وقد يمتنع المضطر عن الابتياع، فيتعين إذ ذاك على مالك الطعام إنجاده بالعوض على الرأي الأصح.
وفيه وجه آخر، أنَّ العوض لا يلزم. وسنأتي بغوائل هذا في كتاب الأطعمة، إن شاء الله .
فرع:
٨٣٧٠ - المسلم إذا تزوج كافرةً على أن يعلِّمها شيئاً من القرآن، فقد قال الأئمة: إذا كان يرتجي بذلك أن تسلم إذا تعلمت، فيجوز الإصداق، وعليه يدل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] والاستماع والتعليم بمثابةٍ. ثم لا قطع بالقبول، فإنه تعالى قال: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]
وإن كان لا يرتجي لها الإسلام بتعليم القرآن، فقد قال الأصحاب: لا يجوز أن تُعلَّم والحالة هذه.
وكذلك إذا أراد الرجل أن يعلِّم جاريته الكافرة القرآن، وكان لا يأمل أن تسلم، وإنما يبغي أن يثبت لها صفةً تزداد قيمتُها بسببها، فلا يجوز ذلك؛ فإنها قد تستخفّ بما تتلقف، ونزَّل الأئمة هذا منزلة بيع المصحف من الكافر.
وهذا فيه نظر؛ فإنه يلزم منه منع الكفار من التحويم على حِلَق القرآن؛ فإنهم قد يتلقنون من تدارس القرّاء الآية والآيتين، ولم ينته الأئمة إلى هذا، ولا بد منه إذا طردنا قياسهم.
فرع:
٨٣٧١ - إذا أصدق المرأة تعليمَ القرآن، ثم علّمها الآية والآيات، فنسيت، فهل عليه إعادة ما نسيت [تعلمها] (١)؟ أم يخرج عن عهدة ذلك القدر، ويعلّمها البقية؟ وما التفصيل في ذلك؟ وكيف الضبط؟ وأين الموقف؟
قال العراقيون: اختلف أصحابنا، فمنهم من قال: الحدُّ الذي إليه الموقف
стр. 6573
[الآية] (١)، فإذا حفّظها آية، فقد خرج عن العهدة، فإن نسيت بعد ذلك، فليس عليه إعادة تلك الآية عليها، وأن يعلِّمها البقية، وإن علّمها دون آيةٍ، فنسيت، فيعيد عليها، إلى استكمال آية.
قالوا: ومن أصحابنا من قال: الحد المعتبر سورةٌ، على حسبا ما ذكرناه في الآية.
والوجهان عندي مدخولان: أمَّا السورة، فلا وجه للتقدير بها مع تفاوت السور، وقد يُصْدِقُها بعضَ السورة، وأمَّا التقدير بالآية، فلا وجه له أيضاً، ومن الآي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] وآية المداينة، فالوجه إذاً [تحكيم] (٢) العادة في هذا: والمتلقن المتلقف يحفظ الكلمات كما يسمعها، ثم [ينتشر] (٣) عليه الحفظ، فيعيد عليه الملقن، وقد يجري ذلك مراراً، فلا يكون ما جرى أولاً من إعادة الملقن لتلك الكلمات متقناً. فهذا [بيّنٌ] (٤) وفيه عُرفٌ يعرفه أهله.
وإذا تم التلقن، فيبقى وراء ذلك نظر، وهو أنَّ المتلقن مؤاخذ في العرف بأن يكرر ما تلقنه في نفسه، فإذا لم يفعل، عُدَّ ذلك تقصيراً منه، فليقع البناء على هذا الذي ذكرناه. ولا يقع التقدير بالمبالغ.
ولو قال قائل: التلقين يقع في مقدار يحويه مجلس، فإذا فرض القيام عنه، والعود إلى مجلس آخر، ثم ينسى المتلقن ما تقدم، فهذا يحمل على تقصيره، وقد يحتمل منه عثرات فيه.
والحكم المرجوع إليه العرف فيه، وينشأ منه أنَّ المتلقن إذا كان يلهو أو يسهو ولا يُكِبّ، لم يُحتمل هذا، وفي كل واحد من التلقين والتلقن عُرفٌ متبع بين طرفي الإغفال، ونهاية الإقبال.
стр. 6574
فرع:
٨٣٧٢ - إذا أصدق امرأته تعليم الفُحش من الأشعار، والخَنا في الحكايات، فهذا الإصداق فاسد، ولو أصدقها تعليم ما يجوز تعليمه جاز.
وإذا أصدق الذمي الذمية تعليم التوراة والإنجيل، فهذا عندنا كما إذا أصدقها الخمر والخنزير، فإنَّ تعليم التوراة وتعلّمَها غير سائغ، وإنْ ترجمت التوراة بلسان نعرفها، ولم يكن فيها ما ننكره، فهو كسائر أنواع الكلام.
وقد نجز القول في تعليمِ القرآن وأَصْدِقَتِه وما يتعلق به.
٨٣٧٣ - فأما القول في ردِّ الآبق؛ فإن كان مكانُه مجهولاً، فالاستئجار على رده باطل، وتصح معاملة الجِعالة في رد الإباق، والسبب في ذلك مسيس الحاجة، ثم احتملت الجهالةُ في الجِعالة جوازَها، وعورضت الجهالة بالتمكن من الفسخ متى شاء.
وإذا أثبت ردّ الآبق صداقاً، فيجب أن يكون موضع العبد معلوماً، بحيث يجوز الاستئجار على رده؛ فإن رد الآبق -لو أُثبت على الجهالة صداقاً-، لثبت لازماً؛ فإنَّ الصداق لا يثبت جائزاً، ولو ثبت على اللزوم بعُد عن قبول الجهالة، لما نبهنا عليه من أنَّ سبب احتمال الجهالة في الجعالة ما ثبتت المعاملة عليه من الجواز، فهذا هو الغرض من جعل رد الآبق صداقاً.
٨٣٧٤ - [فأما] (١) جعل خياطة الثوب صداقاً فبيّن، والوجه إثباتها بحيث يجوز الاستئجار عليها، كما تمهد.
٨٣٧٥ - ثم إنا نذكر بعد هذه الفصول الثلاثة في تعليم القرآن، ورد الآبق، وخياطة الثوب، نوعين من الكلام: أحدهما - في توفية هذه المسميات على الكمال، مع فرض الطلاق قبل المسيس.
والثاني - في طريان الطلاق قبل توفية هذه الحقوق، ويَعترض في أثناء الكلام تأكدُ المهر وتقرره بالمسيس قبل توفية المسميات. وإن أحببنا أفردناه بالذكر.
стр. 6575
فأمَّا إذا أوفر ما سمّى، فعلّم ما كان شَرَطَ، أو ردّ الآبق، أو خاط الثوب، ثم طلقها قبل المسيس، فسيأتي -إن شاء الله تعالى- في مسائل الصداق أنَّ الطلاق قبل المسيس مشطّرٌ.
فإن كانت العين المصْدَقةُ باقيةً، ارتد شَطْرها إلى الزوج، فإن كانت فائتةً نُظر، فإن كانت من ذوات الأمثال غرِمت للزوج مثلَ نصف ما قبضت، وإن كانت من ذوات القيم، غرِمت له نصف القيمة، على ما سيأتي شرح ذلك، إن شاء الله .
فنقول: [ليس] (١) التعليم، ولا الرد، ولا الخياطة مما يمكن فرض رجوع نصفه إلى الزوج، فنَجعلُ هذه المسميات كالعين المقبوضة الفائتة، وهي من ذوات القيم، وقِيَمُ المنافع أجرتُها، فيغرم الزوج -إذا طلق قبل المسيس في جميع هذه المسائل- نصف الأجرة. وقد انفصل الغرض.
[وأما] (٢) إذا طلقها قبل المسيس، وما كان وفَّى شيئاً مما سمّى في الفصول الثلاثة؛ فنقول أولاً: رد العبيد لا يتبعض؛ فإنَّ ردَّه إلى بعض الطريق ضائع.
وقال الأئمة: الخياطة لا يتبعض أيضاً، وألحقوا به التعليم، وقطعوا في الطرق بأنه لا يتبعض، وفائدة امتناع التبعض في هذه الأشياء أنَّا لا نُلزم الزوج توفيةَ الجميع على أن تغرم له نصفَ القيمة. هذا لا سبيل إليه، وقد اعتقدنا امتناع التبعيض.
فينتظم من ذلك كلِّه الحكمُ بتعذر توفية الصداق، فصار كما لو أصدق امرأته عبداً، وتلف في يده، ثم طلقها قبل المسيس، ولو جرى ذلك، لكان فيما يلزمه (٣) في مقابلة نصف الصداق لزوجته قولان: أحدهما - أنه يلزمه نصف القيمة، والثاني - أنه يلزمه نصف مهر المثل، وحقيقة هذين القولين سرُّ كتاب الصداق ومرجوعُ المسائل. وسنصدّر الباب المعقود إثر هذا ببيان ذلك، إن شاء الله تعالى.
٨٣٧٦ - والذي يبقى من المباحثة في الفصل، تقدير التعذر في التبعيض، فنقول:
стр. 6576
إذا كان أصدقها تعليم سورة، فالوصول إلى درك نصفها عسر، وإن تكلف متكلف عدَّ الحرفِ وتنزيلَ الشَّطر عليه، فماذا يصنع بنظم الكلام، وهو على تفاوت بيِّن؟ وفيه من اليسر والعُسر في التلقين والتلقن؛ فيتعذر ضبطُ هذا ودركُ نصفه.
وكذلك القول في خياطة بعض الثوب، وردِّ العبد إلى بعض الطريق.
فلو فَرَض فارضٌ خياطة لا [تعاريج] (١) فيها، في دروزٍ (٢) مستقيمة [ويقع الاكتفاء بشَطْرها، بأن يشبكها كضِفّتي ملاءة تؤلفان] (٣)، فالتنصيف في هذا مُدرَك.
وقد ينتفع صاحب العبد برده إلى نصف الطريق، وتسليمه إلى موثوق به من [أصحابها] (٤).
وإذا فرض الفارض ذلك، أو تعليمَ سورة سهلة المأخذ من المفصّل، كسورة
стр. 6577
الرحمن وغيرها مما يتخيره الإنسان بعد وضوح الغرض، فقد يقرب دَرْكُ التنصيف.
وإذا أُضيف ما ذكرناه إلى تفاوت الناس في جودة الحفظ والبلادة، كان هذا أقربَ محتملاً وأسهلَ مُدركاً مما ذكرناه.
ولم يتعرض الأصحاب لذلك كما تقدم، وأطلقوا القول بأنَّ هذه الأشياء لا تقبل التنصيف، والوجه عندنا حمل كلام الأصحاب [على] (١) الغالب؛ فإنَّ الخياطة يغلب فرضها في القمصان والجباب والأقبية (٢)، وما في معانيها، والتعليم يفرض في حزب من القرآن، فإن تكلف متكلف الفرض في الصور التي ذكرناها، لم يخف المصير إلى إمكان التشطير.
ثم القول في الرد بالخياطة -إن اعتقدنا إمكان التشطير- بيّن.
٨٣٧٧ - والقول في تعليم النصف مما سَمَّى صداقاً يتعلق بأصلٍ آخر، وهو أنَّ النكاح إذا تقيد بالمسيس وتقرر المسمى به، وما كان علَّمها شيئا، فإذا حَرُمَتْ عليه، وكان لا يتأتى التعليم إلا مع التعرض للفتنة؛ فهذا صداقٌ تعذر تسليمه، وإن أمكن التعليم [من] (٣) وراء حجاب من غير تعرض للفتنة، فالتسليم ممكن، فيقع القول في الشطر على هذا النحو.
وتمام البيان أنه إذا تعذَّر تعليمها، فجاءت بغلام، وأحلَّته محل نفسها، ورضيت بأن يعلمه، فهذا يتصل بما قدمناه من أنَّ ما به استيفاء المنفعة هل يُبْدَل؟ وقد مضى موضحاً مُفَصَّلاً.
...
стр. 6578
باب
صداق ما يزيد وينقص
قال الشافعي: " وكلّ ما أصدقها، فملكته بالعقد، وضمنته بالدفع؛ فلها زيادته وعليها نقصانه ... إلى آخره " (١).
٨٣٧٨ - مذهب الشافعي ومعظم العلماء أنَّ النكاح إذا انعقد مشتملاً على مسمًى صحيح، فإنه يتضمن إثبات ملك جميع الصداق لها، ولا يتوقف ملكُها الصداقَ على المسيس، كما لا يتوقف ملكُ الزوج كلَّ البضع.
ثم لو فرض الطلاق قبل الدخول، تشطَّر من وقت الطلاق الصداقُ، من غير إسناد (٢) ولا تبيُّن، كما سيأتي ذلك مشروحاً، إن شاء الله .
وقال مالك (٣): لا تملك المرأة بالنكاح إلَاّ نصف المهر، وتملك النصف الثاني بالدخول.
فإذا تمهد ما ذكرناه، وقد أصدق الزوج امرأته عيناً من الأعيان، ولم يُسلِّمها إليها، فالصداق مضمون على الزوج قبل التسليم.
٨٣٧٩ - وفي كيفية الضمان قولان منصوصان في مسائل (السواد) (٤): أحدهما - أنَّ الزوج يضمنه ضمان العقد؛ لأنه عوض في معاوضة، وكان مضموناً ضمان الأعواض، كالثمن في البيع.
والقول الثاني - أنَّ الزوج يضمنه ضمان اليد كالمستام والمستعير ونحوهما.
стр. 6579
توجيه القولين: من قال: إنه يَضمن الصداق ضمانَ الأعواض، احتج بأنَّ الصداق عِوضٌ، كما تقرر في صدر الكتاب، ولم يُثبت مقتضى الضمان سوى العقدِ؛ فيجب إثباتُ ضمان العقود.
ومن قال: إنه مضمون باليد، احتج بأن قال: الصداق إذا تلف في يد الزوج قبل تسليمه، فالنكاح لا ينفسخ بتلف الصداق، والبضع هو المعوَّض -إن كان الصداق عوضاً- ويبعد جريان الانفساخ في المعاوضات في أحد العوضين [دون الآخر] (١).
وحقيقة القولين ترجع إلى أنَّا إن قضينا بكون الصداق مضموناً ضمان العقود، فعقد الصداق على هذا ينفسخ، كما ينفسخ البيع بتلف المبيع قبل القبض.
ثم مِن حُكم انفساخِ البيعِ بهذه الجهة: أنَّ الثمن إن أمكن استرداده يُسترد، وإن كان فائتاً يُسترد بدلُه مثلاً إن كان من ذوات الأمثال، أو قيمتُه إن كان من ذوات القيمة.
كذلك إذا حكمنا بانفساخ عقد الصداق، فارتداد البضع غيرُ ممكن؛ للإجماع على بقاء النكاح، وإذا امتنع ارتداد البضع، ثبت بدلُه، وبدلُ البضع قيمته، وهي مهر المثل.
فهذا تحقيق هذا القول.
ومن قال: الصداق لا يُضمن ضمانَ العقود؛ فما يعضد جانبَه أنَّ الصداق والبضع لا يتقابلان تقابل الأعواض؛ ولذلك لم يكن الصداق ركناً في النكاح، ثم عقدُ الصداق لا ينفسخ عند هذا القائل كما ينفسخ النكاح، بل يقال: تسليم الصداق مستحَق على الزوج، فإذا فات تسليم العين، خَلَفتها القيمة، ويجب تسليمها.
ومما يتعلق به هذا القائل: أنَّ البضع مملوك للزوج [فيبعد] (٢) أن يتقوّم عليه البضع الذي هو حقه وملكه؛ فكان الرجوع إلى قيمة العوض أولى من الرجوع إلى قيمة الملك.
وإنما تردد القول فيما ذكرناه؛ من جهة أنَّ الصداق لا يخرُج عن الأعواض، وليس هو على حقائقها، ومست الحاجة عند فرض تلف الصداق إلى إثبات شيء على
стр. 6580
الزوج، فاقتضى أحد القولين التشبيهَ بضمان العقود التي تنفسخ من الجانبين، وإن كان النكاح لا ينفسخ. واقتضى القول الثاني التشبيهَ بضمان ما ليس عوضاً، وإن كان الصداق عوضاً، ورجع إلى إثبات الأَوْلى من قيمة البضع أو قيمة الصداق. وسنوضح هذا بأبلغ من ذلك في أثناء الفصل، إن شاء الله .
٨٣٨٠ - والذي نراه الآن تعجيل مقدار من التفريع على القولين يتمهد به فهمهما، فنقول: إن حكمنا بأنَّ الصداق مضمون ضمان العقد، فإذا تَلِف في يد الزوج، انقلب إلى ملكه قُبيل التلف، وقُضي بأنه باق على ملكه، وإن كان عبداً، فعليه مؤنة التجهيز، وهذا بمثابة المبيع يتلف في يد البائع، ونقضي بانفساخ البيع، [هذا، ومما [(١) يتفرع على هذا القول أنَّ المرأة لو أرادت أن تتصرف في الصداق قبل القبض بالبيع، لم يصح ذلك منها، كما لا يصح بيع المبيع قبل القبض؛ فإنَّ الصداق على هذا القول مضمون بالعقد ضمان الأعواض، فلو باعته، لضمنت، [ولأدّى إلى] (٢) أن تكون العين الواحدة [مضمونة] (٣) لها وعليها، وهذا يُفضي إلى توالي الضمانين، وعليه مُنع بيع المبيع قبل التسليم.
وإن فرعنا على القول الثاني، فإنَّ بيعها ينفذ في الصداق قبل التسليم، كما ينفذ بيع [المُعير] (٤) في العين المستعارة؛ فإنَّ ضمان اليد لا يجانس ضمان العقد، فلا يفضي تنفيذ بيعها إلى توالي ضماني عقدين.
وإذا تلف الصداق في يد الزوج، فإنَّه يتلف ملكاً لها، وإن كان عبداً، فعليها التجهيز (٥)، والقول في ذلك كالقول في العبد المستعار يتلف في يد المستعير.
٨٣٨١ - ثم إذا حكمنا بأنَّ الصداق مضمون ضمان اليد، وقد تلف، فإنْ كان من ذوات الأمثال، فعلى الزوج مِثلُه لزوجته، وإن كان من ذوات القيم فعليه قيمتُه.
стр. 6581
ثم اختلف قول الشافعي، فذكر في مسائل الباب قولين في كيفية اعتبار القيمة: أحدهما - أنَّ الزوج يضمنه ضمان الغصوب، فعليه أقصى القيمة من يوم الإصداق إلى يوم التلف، قياساً على الغصب.
والقول الثاني - إنه يضمن الصداق بقيمته يوم الإصداق. ووراء ذلك سرٌّ عظيم، هو مركز الفصل، فليكن هذا على ذُكْر الناظر حتى ينتهي إليه.
وقد اختلف قول الشافعي في أنَّ العين المضمونة على المستام على أي وجه تضمن؟ فقال في قول: تضمن ضمان الغصوب (١). وقال في قول: إنها تضمن بقيمة يوم القبض. ولا يُجري في المستام إلَاّ هذين القولين.
وفي المستعير هذان القولان أيضاً، وقولٌ ثالث- وهو أنَ الاعتبار بقيمة يوم التلف إذا (٢)؛ لم يجر فيه من المستعير عدوان. وهذا القول يجري في المستعير؛ من جهة أنَّا لو اعتبرنا قيمةَ يوم القبض، والمستعارُ ثوب مثلاً، فالأجزاء التي انسحقت بالبِلي إلى يوم التلف لا تكون مضمونة على الرأي الظاهر، فلو اعتبرنا قيمةَ يوم القبضَ، لأدخلنا تلك الأجزاء في الضمان. وإن قلنا نعتبر قيمة الثوب منسحقاً يوم القبض، عَسُر ذلك، فتعين وقتُ التلف، وقيمةُ الثوب على ما يصادَف عليه.
وهذا ليس بمَرضيّ؛ فإنَّا إن ألحقنا هذه الأيدي بيد الغاصب، فهو قياس متجه؛ من قِبل أنَّ العين موصوفة بالضمان في كل وقت؛ فلا معنى لتخصيص وقت بالاعتبار، وهذا يفضي إلى إلزام الأقصى، ولا فرق بين الغاصب والمشبه به إلَاّ في المأثم.
وتحقيق ذلك أن وجوب ضمان الرد يجمعهما، فهذا وجه.
وإن لم نعتبر الأقصى في القول الثاني، فلا وجه إلَاّ أن نقول: كما (٣) تثبت اليد يثبت الضمان، فنتمسك بأول معتبر، حتى كأن القبض إتلاف.
وإن قال قائل: هلَاّ وجهتم اعتبار يوم التلف في الأيدي كلِّها؛ لأنَّ رد العين بالتلف
стр. 6582
يفوت، والقيمة تلوُ العين وبدلُها؟ قلنا: هذا يوجب نفي الضمان قبل التلف، وقد أجمع المسلمون على أنَّ العين مضمونة قبل التلف على القابض، فيستحيل قصر الضمان على وقت التلف، ويستحيل تأخيرها عن أول وقت الحكم بالضمان، وقد ذكرت قولاً بالغاً في هذا في كتاب العاريّة، واستوعبت ما قاله الأصحاب، وأتبعته بالبحث، على العادة.
وغرضنا الآن في الصداق إجراء القولين في اعتبار القيمة، أحدهما - أنَّا نعتبر يوم الإصداق، وفي هذا مزيد [نظر] (١) يقتضي تعيين يوم الإصداق، كما سنذكر الآية، إن شاء الله .
٨٣٨٢ - ثم فرَّع الأصحاب على هذين القولين حكمَ الضمان في الزوائد التي تحدث في يد الزوج: المتصلة منها والمنفصلة. وقالوا: إن حكمنا بأنَّ الصداق مضمون ضمان الغصوب، فالزوائد بجملتها تدخل في ضمان الزوج -قياساً على الغاصب- مع ما يحدث في يده من الزوائد. وإن قلنا: لا يضمن الزوج ضمان الغصوب، فالزوائد لا تكون مضمونة عليه، وهي بمثابة الثوب تطيره الريح، فتلقيه في دار إنسان.
ومما فرّعه الأصحاب: أنَّ الزوج إذا انتفع بالصداق، فإن قلنا: إنه مضمون عليه ضمان اليد، فيلزمه أجر المثل. وعلى هذا القول، لو لم يستعمله وطال مكثه في يده، فالضمان يخرج على قولي الغصب ونفيه، فإن أثبتنا ضمان الغصوب ضَمَّنّا الزوجَ المنافعَ، كصنيعنا بالغاصب.
وإن قلنا: لا يضمن الزوج ضمان الغصوب، فالمنافع التي تفوت من غير تفويته، بمثابة الزوائد التي تحدث وتفوت.
وإن فرّعنا على أنَّ الصداق مضمون ضمان العقد، فالمنافع التي تفوت لا تكون مضمونة على الزوج، وكذلك ما يفوت من المنافع في يد البائع لا يكون مضموناً عليه. وإن انتفع الزوج بالصداق -على قولنا: إنه مضمون ضمان العقد- فهو كما لو انتفع البائع بالمبيع، وإن اتفق ذلك، ففي وجوب الأجر عليه جوابان مبنيان على أنَّ
стр. 6583
جناية البائع على المبيع، بمنزلة آفة سماوية، أو هي كجناية أجنبي؟ وفيه قولان: فإن جعلناها كالآفة، لم يجب الأجر، وإن جعلناها كالجناية (١)، وجب الأجر بسبب الاستعمال.
وهذا جوابنا في الزوج إذا قلنا: ضمان الصداق ضمان العقود. فهذا تأسيس القولين وبيانهما بالتفريع في عقد الباب.
٨٣٨٣ - ومما أذكره -وبه يحصل تمام البيان- أنَّ الرجل إذا أصدق امرأته عبداً عيّنه، فخرج مُسْتَحَقَّاً مغصوباً، ففيما يجب مهراً قولان: أحدهما - أنَّ الواجب مهر المثل.
والثاني - أنَّ الواجب قيمة ذلك العبد المُصْدَقِ.
وهذا الاختلاف متلقًى مما قدمناه من اختلاف القول في تلف الصداق.
وتحقيق القول فيه، أنَّ الصداق إذا تلف، وقلنا: الواجب قيمته، فقد أبقينا عقد الصداق، كما أوضحنا فيما سبق، وإن كانت العين فائتة، فإذا استقل عقد الصداق دواما والعين فائتة؛ نزولاً على قيمة العين وماليتها، انعقد العقد على المالية ابتداءً، وإن لم يعتمد عيناً مملوكة. وآية ذلك، وفيه السر الموعود في أنَّا نعتبر يوم الإصداق- أنَّا نقدر أن العين لم تكن، والإصداق ورد على القيمة، والقيمة المسلَّمة هي الصداق، على القول الذي نفرِّع عليه.
وإن حكمنا بأنَّ العقد ينفسخ بتلف الصداق، فلا بقاء إذاً للعقد من غير ارتباطٍ بعين، فلذلك يفسد الإصداقُ ابتداءً، ويجب الرجوع إلى مهر المثل.
وكنت أود لو [قصروا] (٢) التلف على القولين كما مضى، وقطعوا القول بأن الصداق إذا خرج مستحَقاً، فالرجوع إلى مهر المثل؛ فإنَّ صداق المغصوب فاسد؛ من جهة أنه لا متعلق له، وليس كما إذا ثبت الصداق، ثم تلف؛ فإنَّ التردد في الرجوع يُحمل على محاملَ ذكرناها.
стр. 6584
ولكن أطبق الأصحاب على ما ذكرته من إجراء القولين في الابتداء، والتصريح بأحدهما من التلف في الانتهاء.
٨٣٨٤ - وأنا أذكر الممكن وراء هذا، فأقول: النكاح لا يفسد بفساد الصداق، كما لا ينفسخ بتلف الصداق، فإذا فُرض في ابتداء النكاح [تسمية] (١) متعلقة بمغصوب، فقد اتفق العلماء على إثبات عوض، والعين لم تثبت، ولم يقصد المتعاقدان إثبات قيمة البضع، وإنما جرّدوا قصدَهما إلى إثبات هذا العوض المسمّى، فرجع حاصل الخلاف إلى أنَّ أحد القائلَيْن يقول: إثبات بدل المسمى أقرب؛ فإنهما رضيا به ماليةً، وقدراً، وعسر إثبات [عينه] (٢)، ولو أثبتنا مهر المثل، لكان إثباتَ ما لم يقصداه.
والقائل الثاني يقول: نأخذ من [تسميتهما] (٣) قصدَ العوض وعدمَ الرضا بالتفويض، ويفسد ما تعرضا له. ونقول: كأنَّ التسمية لم تكن، واضطررنا إلى إثبات عوض، وكان إثباتُ قيمة البضع أقربَ.
وهذان القولان يجريان في الخُلع، والمصالحة عن دم العمد، فإنهما لا يفسدان بفساد العوض، كالنكاح. فإذا جرى ذكر عوض فاسد، وامتنع إثباته، ففي قولٍ يثبت بدل ذلك العوض، ويُجعل ذكر العوض التزاماً، وفي قولٍ يُرجع إلى قيمة المقصود، إمَّا مهر المثل، وإما الدية في المصالحة عن الدم.
٨٣٨٥ - وكل ما ذكرناه فيه إذا عَيّنا عبداً، فخرج مغصوباً، فأما إذا خرج المعيّن حراً، فقد أجمع الأئمة على تنزيل ذلك بمنزلة ما لو خرج عبداً مغصوباً. وطردوا [القولين] (٤) فيما يجب: أحدهما - أنَّ الواجب مهر المثل. والثاني - أنَّ الواجب قيمة ذلك الشخص لو قُدّر رقيقاً.
стр. 6585
وهاهنا يجب أن يتثبّت الناظر.
قال الشيخ أبو بكر في مجموعه، والقاضي في [طريقته] (١): إنما نُجري القولين إذا لم تفسد العبارة، فأما إذا فسدت، فالرجوع إلى مهر المثل قولاً واحداً.
وبيان ذلك أنه لو قال: " أصدقتها هذا الحر ". فاللفظ فاسد، والعقد لا ينعقد باللفظ الفاسد، فالرجوع إلى مهر المثل. وإنما محل القولين فيه إذا قال: " أصدقتكِ هذا العبد "، وهذا يُضعف القولين فيه إذا قال: أصدقتكِ هذا العبد، فإذا تبيّنا بالأَخَرَة أنَّ اللفظ فاسد إذا بان ذلك الشخص حراً، ولا حكم للظنون بعد التبين، وتسمية الحر عبداً فاسد، ولم يَرِد العقد على عبد مرسل.
قال شيخي أبو محمد: هذا له التفات على مخالفة [اللفظ] (٢) الإشارةَ في مثل قول القائل: " بعتك هذه الرَّمَكَة "، فإذا المشار إليه بقرة، فإنَّ من أصحابنا من يغلِّب الإشارة ويُصحح البيع، ومنهم من يغلّب العبارة ويفسدها. فإذا قال: أصدقتكِ هذا العبد، فالعبارة صحيحة، والمشار إليه فاسد غير صالح للعوضية.
وهذا الذي ذكره لا يشفي الغليل. وذلك أنَّ المشار إليه إذا فسد، فيجب تنزيل العبارة على حكم الفساد، والخلاف الذي ذكره، فيه إذا اقتضت الإشارة تصحيحاً لو فرض الاقتصار عليها، والعبارة تخالف الإشارة، فمن الأصحاب من يُحبِط العبارة ويغلِّب الإشارة.
وحاصل ما ذكره الأصحاب -بعد ما ذكرناه من وجوه الإشكال- أنه لو قال: " أصدقتكِ هذا الحر "؛ فالرجوع إلى مهر المثل قولاً واحداً.
وإذا قال: " أصدقتكِ هذا العبدَ " -وهو حر- فقولان. هذا منتهى الإمكان.
٨٣٨٦ - ولو قال: " أصدقتك هذا العصير "، فتبين أنه خمر، أو قال: " أصدقتك هذه النعجة "، فإذا هي خنزير؛ فقد اضطرب طرق الأئمة. فالذي قطع به شيخي وطائفة من الأصحاب: أنَّا نحكم بالرجوع إلى مهر المثل قولاً واحداً من غير