ثم اختلف قول الشافعي، فذكر في مسائل الباب قولين في كيفية اعتبار القيمة: أحدهما - أنَّ الزوج يضمنه ضمان الغصوب، فعليه أقصى القيمة من يوم الإصداق إلى يوم التلف، قياساً على الغصب.
والقول الثاني - إنه يضمن الصداق بقيمته يوم الإصداق. ووراء ذلك سرٌّ عظيم، هو مركز الفصل، فليكن هذا على ذُكْر الناظر حتى ينتهي إليه.
وقد اختلف قول الشافعي في أنَّ العين المضمونة على المستام على أي وجه تضمن؟ فقال في قول: تضمن ضمان الغصوب (١). وقال في قول: إنها تضمن بقيمة يوم القبض. ولا يُجري في المستام إلَاّ هذين القولين.
وفي المستعير هذان القولان أيضاً، وقولٌ ثالث- وهو أنَ الاعتبار بقيمة يوم التلف إذا (٢)؛ لم يجر فيه من المستعير عدوان. وهذا القول يجري في المستعير؛ من جهة أنَّا لو اعتبرنا قيمةَ يوم القبض، والمستعارُ ثوب مثلاً، فالأجزاء التي انسحقت بالبِلي إلى يوم التلف لا تكون مضمونة على الرأي الظاهر، فلو اعتبرنا قيمةَ يوم القبضَ، لأدخلنا تلك الأجزاء في الضمان. وإن قلنا نعتبر قيمة الثوب منسحقاً يوم القبض، عَسُر ذلك، فتعين وقتُ التلف، وقيمةُ الثوب على ما يصادَف عليه.
وهذا ليس بمَرضيّ؛ فإنَّا إن ألحقنا هذه الأيدي بيد الغاصب، فهو قياس متجه؛ من قِبل أنَّ العين موصوفة بالضمان في كل وقت؛ فلا معنى لتخصيص وقت بالاعتبار، وهذا يفضي إلى إلزام الأقصى، ولا فرق بين الغاصب والمشبه به إلَاّ في المأثم.
وتحقيق ذلك أن وجوب ضمان الرد يجمعهما، فهذا وجه.
وإن لم نعتبر الأقصى في القول الثاني، فلا وجه إلَاّ أن نقول: كما (٣) تثبت اليد يثبت الضمان، فنتمسك بأول معتبر، حتى كأن القبض إتلاف.
وإن قال قائل: هلَاّ وجهتم اعتبار يوم التلف في الأيدي كلِّها؛ لأنَّ رد العين بالتلف
стр. 6582
يفوت، والقيمة تلوُ العين وبدلُها؟ قلنا: هذا يوجب نفي الضمان قبل التلف، وقد أجمع المسلمون على أنَّ العين مضمونة قبل التلف على القابض، فيستحيل قصر الضمان على وقت التلف، ويستحيل تأخيرها عن أول وقت الحكم بالضمان، وقد ذكرت قولاً بالغاً في هذا في كتاب العاريّة، واستوعبت ما قاله الأصحاب، وأتبعته بالبحث، على العادة.
وغرضنا الآن في الصداق إجراء القولين في اعتبار القيمة، أحدهما - أنَّا نعتبر يوم الإصداق، وفي هذا مزيد [نظر] (١) يقتضي تعيين يوم الإصداق، كما سنذكر الآية، إن شاء الله .
٨٣٨٢ - ثم فرَّع الأصحاب على هذين القولين حكمَ الضمان في الزوائد التي تحدث في يد الزوج: المتصلة منها والمنفصلة. وقالوا: إن حكمنا بأنَّ الصداق مضمون ضمان الغصوب، فالزوائد بجملتها تدخل في ضمان الزوج -قياساً على الغاصب- مع ما يحدث في يده من الزوائد. وإن قلنا: لا يضمن الزوج ضمان الغصوب، فالزوائد لا تكون مضمونة عليه، وهي بمثابة الثوب تطيره الريح، فتلقيه في دار إنسان.
ومما فرّعه الأصحاب: أنَّ الزوج إذا انتفع بالصداق، فإن قلنا: إنه مضمون عليه ضمان اليد، فيلزمه أجر المثل. وعلى هذا القول، لو لم يستعمله وطال مكثه في يده، فالضمان يخرج على قولي الغصب ونفيه، فإن أثبتنا ضمان الغصوب ضَمَّنّا الزوجَ المنافعَ، كصنيعنا بالغاصب.
وإن قلنا: لا يضمن الزوج ضمان الغصوب، فالمنافع التي تفوت من غير تفويته، بمثابة الزوائد التي تحدث وتفوت.
وإن فرّعنا على أنَّ الصداق مضمون ضمان العقد، فالمنافع التي تفوت لا تكون مضمونة على الزوج، وكذلك ما يفوت من المنافع في يد البائع لا يكون مضموناً عليه. وإن انتفع الزوج بالصداق -على قولنا: إنه مضمون ضمان العقد- فهو كما لو انتفع البائع بالمبيع، وإن اتفق ذلك، ففي وجوب الأجر عليه جوابان مبنيان على أنَّ
стр. 6583
جناية البائع على المبيع، بمنزلة آفة سماوية، أو هي كجناية أجنبي؟ وفيه قولان: فإن جعلناها كالآفة، لم يجب الأجر، وإن جعلناها كالجناية (١)، وجب الأجر بسبب الاستعمال.
وهذا جوابنا في الزوج إذا قلنا: ضمان الصداق ضمان العقود. فهذا تأسيس القولين وبيانهما بالتفريع في عقد الباب.
٨٣٨٣ - ومما أذكره -وبه يحصل تمام البيان- أنَّ الرجل إذا أصدق امرأته عبداً عيّنه، فخرج مُسْتَحَقَّاً مغصوباً، ففيما يجب مهراً قولان: أحدهما - أنَّ الواجب مهر المثل.
والثاني - أنَّ الواجب قيمة ذلك العبد المُصْدَقِ.
وهذا الاختلاف متلقًى مما قدمناه من اختلاف القول في تلف الصداق.
وتحقيق القول فيه، أنَّ الصداق إذا تلف، وقلنا: الواجب قيمته، فقد أبقينا عقد الصداق، كما أوضحنا فيما سبق، وإن كانت العين فائتة، فإذا استقل عقد الصداق دواما والعين فائتة؛ نزولاً على قيمة العين وماليتها، انعقد العقد على المالية ابتداءً، وإن لم يعتمد عيناً مملوكة. وآية ذلك، وفيه السر الموعود في أنَّا نعتبر يوم الإصداق- أنَّا نقدر أن العين لم تكن، والإصداق ورد على القيمة، والقيمة المسلَّمة هي الصداق، على القول الذي نفرِّع عليه.
وإن حكمنا بأنَّ العقد ينفسخ بتلف الصداق، فلا بقاء إذاً للعقد من غير ارتباطٍ بعين، فلذلك يفسد الإصداقُ ابتداءً، ويجب الرجوع إلى مهر المثل.
وكنت أود لو [قصروا] (٢) التلف على القولين كما مضى، وقطعوا القول بأن الصداق إذا خرج مستحَقاً، فالرجوع إلى مهر المثل؛ فإنَّ صداق المغصوب فاسد؛ من جهة أنه لا متعلق له، وليس كما إذا ثبت الصداق، ثم تلف؛ فإنَّ التردد في الرجوع يُحمل على محاملَ ذكرناها.
стр. 6584
ولكن أطبق الأصحاب على ما ذكرته من إجراء القولين في الابتداء، والتصريح بأحدهما من التلف في الانتهاء.
٨٣٨٤ - وأنا أذكر الممكن وراء هذا، فأقول: النكاح لا يفسد بفساد الصداق، كما لا ينفسخ بتلف الصداق، فإذا فُرض في ابتداء النكاح [تسمية] (١) متعلقة بمغصوب، فقد اتفق العلماء على إثبات عوض، والعين لم تثبت، ولم يقصد المتعاقدان إثبات قيمة البضع، وإنما جرّدوا قصدَهما إلى إثبات هذا العوض المسمّى، فرجع حاصل الخلاف إلى أنَّ أحد القائلَيْن يقول: إثبات بدل المسمى أقرب؛ فإنهما رضيا به ماليةً، وقدراً، وعسر إثبات [عينه] (٢)، ولو أثبتنا مهر المثل، لكان إثباتَ ما لم يقصداه.
والقائل الثاني يقول: نأخذ من [تسميتهما] (٣) قصدَ العوض وعدمَ الرضا بالتفويض، ويفسد ما تعرضا له. ونقول: كأنَّ التسمية لم تكن، واضطررنا إلى إثبات عوض، وكان إثباتُ قيمة البضع أقربَ.
وهذان القولان يجريان في الخُلع، والمصالحة عن دم العمد، فإنهما لا يفسدان بفساد العوض، كالنكاح. فإذا جرى ذكر عوض فاسد، وامتنع إثباته، ففي قولٍ يثبت بدل ذلك العوض، ويُجعل ذكر العوض التزاماً، وفي قولٍ يُرجع إلى قيمة المقصود، إمَّا مهر المثل، وإما الدية في المصالحة عن الدم.
٨٣٨٥ - وكل ما ذكرناه فيه إذا عَيّنا عبداً، فخرج مغصوباً، فأما إذا خرج المعيّن حراً، فقد أجمع الأئمة على تنزيل ذلك بمنزلة ما لو خرج عبداً مغصوباً. وطردوا [القولين] (٤) فيما يجب: أحدهما - أنَّ الواجب مهر المثل. والثاني - أنَّ الواجب قيمة ذلك الشخص لو قُدّر رقيقاً.
стр. 6585
وهاهنا يجب أن يتثبّت الناظر.
قال الشيخ أبو بكر في مجموعه، والقاضي في [طريقته] (١): إنما نُجري القولين إذا لم تفسد العبارة، فأما إذا فسدت، فالرجوع إلى مهر المثل قولاً واحداً.
وبيان ذلك أنه لو قال: " أصدقتها هذا الحر ". فاللفظ فاسد، والعقد لا ينعقد باللفظ الفاسد، فالرجوع إلى مهر المثل. وإنما محل القولين فيه إذا قال: " أصدقتكِ هذا العبد "، وهذا يُضعف القولين فيه إذا قال: أصدقتكِ هذا العبد، فإذا تبيّنا بالأَخَرَة أنَّ اللفظ فاسد إذا بان ذلك الشخص حراً، ولا حكم للظنون بعد التبين، وتسمية الحر عبداً فاسد، ولم يَرِد العقد على عبد مرسل.
قال شيخي أبو محمد: هذا له التفات على مخالفة [اللفظ] (٢) الإشارةَ في مثل قول القائل: " بعتك هذه الرَّمَكَة "، فإذا المشار إليه بقرة، فإنَّ من أصحابنا من يغلِّب الإشارة ويُصحح البيع، ومنهم من يغلّب العبارة ويفسدها. فإذا قال: أصدقتكِ هذا العبد، فالعبارة صحيحة، والمشار إليه فاسد غير صالح للعوضية.
وهذا الذي ذكره لا يشفي الغليل. وذلك أنَّ المشار إليه إذا فسد، فيجب تنزيل العبارة على حكم الفساد، والخلاف الذي ذكره، فيه إذا اقتضت الإشارة تصحيحاً لو فرض الاقتصار عليها، والعبارة تخالف الإشارة، فمن الأصحاب من يُحبِط العبارة ويغلِّب الإشارة.
وحاصل ما ذكره الأصحاب -بعد ما ذكرناه من وجوه الإشكال- أنه لو قال: " أصدقتكِ هذا الحر "؛ فالرجوع إلى مهر المثل قولاً واحداً.
وإذا قال: " أصدقتكِ هذا العبدَ " -وهو حر- فقولان. هذا منتهى الإمكان.
٨٣٨٦ - ولو قال: " أصدقتك هذا العصير "، فتبين أنه خمر، أو قال: " أصدقتك هذه النعجة "، فإذا هي خنزير؛ فقد اضطرب طرق الأئمة. فالذي قطع به شيخي وطائفة من الأصحاب: أنَّا نحكم بالرجوع إلى مهر المثل قولاً واحداً من غير
стр. 6586
تفصيل، ولا ننظر إلى العبارة ما اشتملت عليه، وذلك لأنَّ الخنزير لا يقبل التقويم، وكذلك الخمر، فلو قوّمناهما، لاستحال، ولو قدرناهما نعجة وعصيراً، كان هذا [تقريراً] (١) لتقدير الصفة الخِلْقية، وليس كالرق نقدره في الحر؛ فإنه حكم، والتقدير أن يحتمل تقدير الحكم، فأما أن يبنى على تغيير الخلق، فهذا لا سبيل إليه، فصار تعذر التقويم في الخمر والخنزير بمثابة [تعذر] (٢) التقويم في المجهول، ولا خلاف أنَّ من أصدق امرأته مجهولاً، فالرجوع إلى مهر المثل.
٨٣٨٧ - وذهب القاضي والصيدلاني إلى إجراء القولين في الخمر والخنزير، ثم بنى هؤلاء مسلكهم على العبارة؛ فقالوا: إذا قال: " أصدقتكِ العصير "، وهو من ذوات الأمثال، فخرج خمراً، ففي قولٍ نوجب مهر المثل، وفي قولٍ نوجب مثل العصير.
وإن قال: " أصدقتكِ هذه الخمر "، فاللفظ فاسد على رأيهم، والرجوع إلى مهر المثل. وعند ذلك تتفق الطرق.
ولست أدري ما يقوله هؤلاء فيه إذا قال: " أصدقتكِ هذا "، واللفظ لا فساد فيه، ولم يجر فيه ما نعتمده في تقويمِ أو اعتبارِ مِثْلٍ، والخمرة لا تتقوم، فيظهر هاهنا أن ذلك ينزّل منزلة قوله: " أصدقتكِ هذا الخمر "؛ فإنا لو لم نقل به، لم يمكننا أن نعتبر الخمر بالعصير، ولو فعلنا توجَّه أن نعتبرها خلاً، ولا ضبط.
ويبعد أن تُعتبر قيمتها عند من يرى لها قيمة- كما صار إليه بعض الأصحاب في أنكحة أهل الذمة إذا اتصلت بالإسلام، وقد جرى القبض في بعض الخمور المجعولة صداقاً.
وكل ذلك خبطٌ في هذا المقام، والوجهُ: القطع بالرجوع إلى مهر المثل في تسمية الخمر، وفي الإشارة المطلقة، وليس كالإشارة المطلقة إلى الحر؛ فإنّه قد يتجه تنزيلها منزلة قوله: " أصدقتكِ هذا العبد " فإنَّ تقويم الحر ممكن على حال.
стр. 6587
ومن لطيف ما يجب التعرض له: أنه إذا قال: " أصدقتكِ هذا العصير "، فإذا الخمرُ مشوبةٌ بالماء، فنعتبر عصيراً على قدرها. والجملة أنَّا نقدر تلك الشدة حلاوة، إذ لو لم نفعل هذا، فالعصير مجهول، نص على ما ذكرتُه الصيدلاني.
وعلى هذا قد لا يكون العصير من ذوات الأمثال، فالرجوع إلى القيمة.
٨٣٨٨ - ووراء هذا غائلة، وهي: أنه إن انقدح في الخمر والعصير ما ذكرناه، [فما] (١) وجهه في الشاة والخنزير، وأنه شاةٌ ترعى؟ وكيف التقريب بين الشاة والخنزير؟ فإن فُهِم إبدال الشدة بالحلاوة في الخمر، وتقدير العصير؛ فكيف السبيل في الشاة والخنزير؟ وهذا وضَّح أنَّ الوجه: القطع بأنَّ الرجَوع إلى مهر المثل.
فهذا منتهى ما أردنا أن نذكره في حقيقة القولين في أنَّ الصداق مضمون بالعقد [أو] (٢) باليد.
ورجع حاصل الكلام في الفوات الطارىء والفساد المقترن: أنَّ التقويم إن أمكن، فقولان: أحدهما - أنَّ الرجوع إلى مهر المثل.
والثاني - أنَّ الرجوع إلى القيمة. والحر مما يمكن تقدير تقويمه، والمجهول لا يمكن تقويمه، فإذا اضطررنا إلى إثبات عوض، فلا طريق إلَاّ الرجوع إلى مهر المثل.
وإن فرّعنا على أنَّ الصداق مضمون باليد [ففي] (٣) الخمر والخنزير التردد الذي حكيناه.
ولا خلاف أنَّ الشقص إذا أُثبت [صداقاً] (٤)، فالشفيع لا يأخذه بقيمته، وإن رجعنا في التفاصيل التي ذكرناها إلى قيمة الصداق؛ فإنَّ الشفيع أبداً يأخذ بعوض مقدر في مقابلة الشقص، فبابه ينفصل عما [نحن] (٥) فيه، وهو بيِّن عند التأمل.
стр. 6588
فصل
٨٣٨٩ - إذا تمهّد ما ذكرناه في تمهيد القولين، جاز بعده أن نذكر ما يلحق الصداقَ في يد الزوج من ضروب التغايير، فنذكر تقاسيمَ جامعةً، ونوضح في كل قسم ما يليق به، إن شاء الله ، فنقول:
الصداق لا يخلو: إما أن يبقى على صفته حتى يسلِّمه إليها، أو يطرأ مُغيِّرٌ، فإن بقي على هيئته حتى سلمه إليها، فقد تخلص عن العهدة، وإن تغير، لم يخل: إمَّا أن يتغير مع بقاء العين، أو يتغير بالتلف.
فإن تغيّر مع بقاء العين، لم يخل: إمَّا أن تغير بالزيادة أو تغير بالنقصان، فإن تغير بالزيادة، فالصداق مع الزيادة مسلمة إليها، سواء كانت متصلة أو منفصلة.
وإن كان التغير بالنقصان، فلا يخلو: إما أن يتغير بنقصان جزء أو نقصان صفة، فإن تغير بنقصان صفة، فلا يخلو: إمَّا أن ينتقص بآفة سماوية أو جناية، فإن انتقص بآفة سماوية فعمِيَ، أو عوِرَ، أو سقطت إحدى يديه، أو هُزِل وكان سميناً، فهذا يتفرع على القولين في أنَّ الصداق مضمون بالعقد أم باليد؟ فإن قلنا: إنه مضمون بالعقد، فلها الخيار بين الإجازة والفسخ، فإن فسخت، رجعت بمهر المثل، كالمبيع يتعيّب في يد البائع، فإنه يرده المشتري إن شاء ويسترد الثمن. وإن أجازت، رجعت بالصداق [معيباً] (١) ولم ترجع بشيء، كالمشتري يرضى بالعيب الحادث بالمبيع.
وإن قلنا: هو مضمون باليد، فيثبت الخيار للمرأة أيضا، فإن فسخت، رجعت بالقيمة، وإن اختارت [أَخْذ] (٢) الصداق، كان لها أن تغرّمه أرش العيب؛ فإنَّ التفريع على أنَّ الصداق مضمون باليد، وما كان مضموناً باليد، فعيبه مضمون على صاحب اليد.
٨٣٩٠ - ومما يتصل بهذا المنتهى أنَّ المرأة إذا اطلعت على عيب قديم، وقلنا:
стр. 6589
إنه مضمون باليد، فإن فسخت، رجعت إلى القيمة، والاعتبار بقيمة العين وهي سالمة؛ إذ هذا فائدة الفسخ.
فإن قيل: هلاّ قلتم: إنها إذا ردت الصداق بالعيب، كان الرجوع إلى مهر المثل؟ وإن فرعنا على ضمان اليد؛ فإنَّ التعويل في ضمان اليد على أنَّ عقد الصداق قائم لا يرتفع بتلف المهر، والرد يتضمن الفسخ على كل حال، فكان يجب أن يقال: إذا فسخت، [فرجوعها] (١) إلى مهر المثل؟
قلنا: هذا وهم وغلط؛ فإنا إذا أجرينا القولين في خروج المسمى مغصوباً وحراً، مع العلم بأن الحرية والاستحقاق يخلفان المعيّن عن الإصداق، فالرد آخراً لا يزيد على اقتران الاستحقاق والحرية بالعقد أوّلاً، هذا إذا فسخت بالعيب القديم.
فأمَّا إذا أجازت، فالمسألة محتملة في أنها هل ترجع بأرش العيب، والتفريع على قول القيمة، وقد تردد جواب القاضي فيه، حتى لم ينقل عنه جواب باتٌّ، وسبب الاحتمال أنا إذا جعلنا الإصداق مضموناً باليد، فَيَدُ الزوج لم تثبت إلا على معيب من وقت الإصداق، فتغريمه الأرش -وقد قنِعت المرأة بالعين- لا معنى له، والأوجه في العقد أن تملك تغريمه؛ فإنها رضيت بالعين أولاً على تقدير السلامة، فكأنها استحقتها بالعقد، فإن تخلفت، كان ذلك كتخلف الرق عند بُدوّ الحرية في الشخص المسمى.
وكل ما ذكرناه فيه إذا انتقص الصداق بآفة سماوية.
٨٣٩١ - فأما إذا انتقص بجناية جانٍ، فلا يخلو: إمَّا أن ينتقص بجنايتها، أو جناية غيرها.
فإن انتقص بجنايتها، يسلِّم الزوجُ العينَ ناقصةً إليها، وكانت بالجناية في تقدير القابضة لما نقص بالجناية.
وإن انتقص بجناية غيرها، فلا يخلو: إمَّا أن ينتقص بجناية أجنبي، أو بجناية الزوج.
فإن انتقص بجناية أجنبي، فلها الخيار على القولين، فإن أجازت، وقلنا:
стр. 6590
الصداق مضمون بالعقد، رجعت بالأرش على الأجنبي؛ فإنه جنى عليها، ولا طَلِبة لها على الزوج. وإن قلنا: الصداق مضمون باليد، وقد أجازت، فهي بالخيار يعد الإجازة بين أن ترجع بالأرش على الأجنبي، وبين أن ترجع به على الزوج؛ وذلك أنَّ الصداق مضمون على الزوج ضمانَ اليد، ثم إن غرمت [الأجنبي] (١)، فلا رجوع له على أحد، وإن غرمت الزوج، رجع بما يغرَمه على الجاني الأجنبي. هذا إذا اختارت المرأة الإجازة، وقدمنا الحكم على القولين فيه.
فأمَّا إذا فسخت؛ فإن قلنا: إنه مضمون بالعقد، رجعت بمهر المثل، فحسب، وردّت العبد، ثم الزوج يرجع على الأجنبي بأرش الجناية.
وإن قلنا: الصداق مضمون باليد، فإذا فسخت، رجعت على الزوج بالقيمة مع تقدير السلامة عن هذا العيب، ثم يَتْبع الزوجُ الجانيَ بالأرش.
٨٣٩٢ - وإن انتقص الصداق بجناية الزوج، فإن قلنا: الصداق مضمون باليد، فلها الخيار، فإن أجازت، أخذت العين ورجعت بالأرش، وإن فسخت، رجعت بالقيمة مع تقدير السلامة. وإن قلنا: الصداق مضمون بالعقد، وقد جنى الزوج، فهذا ينبني على أنَّ جناية البائع على المبيع يُنزَّل منزلة الآفة السماوية، أو يُنَزَّل منزلة جناية الأجنبي؟ وفيه قولان، فإن قلنا: حكمه حكم الانتقاص بالآفة السماوية، فقد ذكرنا حكم ذلك، وإن قلنا: حكمه حكم الانتقاص بجناية الأجنبي، فقد ذكرنا حكم ذلك أيضاً. وكل ذلك فيه إذا كان التغيير بنقصان الصفة.
٨٣٩٣ - فأما إذا نقص جزءٌ من الصداق، وذلك بأن يصدقها عبدين فيموت أحدهما، أو [قفيزين] (٢) فتلف أحدهما، فهذا يلتحق بفروع تفريق الصفقة، وتخريجه على قواعد التفريق هيِّن. وظاهر المذهب أنَّ العقد لا ينفسخ في القائم، وينفسخ في التالف. والظاهر أنها إن أجازت العقد في القائم، أجازته بحصته من الصداق، ولا يخفى التفريع على الآخر.
стр. 6591
فإن قلنا: إنه مضمون بالعقد، رجعت بحصة التالف من مهر المثل، وإن قلنا: مضمون باليد، رجعت بقيمة التالف.
٨٣٩٤ - وقد أفضت بنا التقاسيم بعد نجاز القول في التغايير إلى الكلام في تلف الصداق في يد الزوج، فنقول: إن تلف بآفة سماوية، فالقولان مشهوران، وهما أُمُّ الباب، وإن تلف الصداق بإتلاف مُتلِف، فلا يخلو: إمَّا أنْ يكون المتلِفُ هو المرأةُ، أو غيرُها.
فإن كانت هي المتلفة، جعلناها قابضة للصداق، وخرج الزوج عن العهدة.
وإن كان المتلف غيرَها، لم يخل؛ إمَّا أنْ يكون أجنبياً، أو يتلفه الزوج. فإن كان المتلف أجنبياَّ، وفرّعنا على أنَّ الصداق مضمون بالعقد، فالمرأة بالخيار، فإن فسخت، رجعت على الزوج بمهر المثل، ثم الزوج يَتْبع المتلفَ بالقيمة، وإن أجازت، اتّبعت المتلفَ بالقيمة، ولا طلبةَ لها على الزوج.
وإن قلنا: الصداق مضمون باليد، فإن فسخت، رجعت على الزوج بالقيمة، ثم الزوج يتبع المتلِف بها، وإن أجازت فلها الخيار بين أن ترجع على الأجنبي المتلف بالقيمة، وبين أن ترجع على الزوج، ثم يرجع على المتلف بما يغرم.
وإن كان المتلف هو الزوج، وقلنا: الصداق مضمون بالعقد، فهذا يبتني على القولين في إتلاف البائع، فإن جعلناه كالتلف بآفة سماوية، رجعت بمهر المثل، وإن قلنا: هو كإتلاف الأجنبي، فقد سبق حكمه، فإن فسخت، رجعت بمهر المثل، وإن أجازت رجعت بالقيمة.
وإن قلنا: الصداق مضمون باليد، فهذا يتفرع على أنه على أي وجه يضمن؟ فإن قلنا: إنه يضمن ضمان الغصوب، فلا فائدة لها في الفسخ، بل لا معنى للفسخ؛ فإنها كيف فرضت الأمر، تُغَرِّم زوجها أقصى القيم. وإن قلنا: إنه يضمن باعتبار يوم الإصداق، فإن كانت قيمة يوم الإصداق أكثر، فلا فائدة في الفسخ أيضاً، ولها قيمة ذلك اليوم إذا قلنا: إتلاف البائع كالتلف بآفة سماوية.
وإن قلنا: إتلافه كإتلاف الأجنبي، فلو لم تفسخ، فليس لها إلا قيمته عند
стр. 6592
الإتلاف، وإن فسخت غرّمت الزوجَ قيمةَ يوم الإصداق.
وإن كانت القيمةُ يومَ الإصداقِ أقل، وقلنا: جناية البائع كالتلف بالآفة السماوية، فلا فائدة في الفسخ؛ فإنه ليس لها إلَاّ قيمة يوم الإصداق، فإن جعلنا التلف بجناية البائع كالمتلَف بجناية الأجنبي، فلسنا نرى لها أيضاً فائدة في الفسخ؛ فإنها إن لم تفسخ، غرَّمته قيمةَ يوم الإتلاف، وهي أكثر، وإن فسخت رجعت إلى قيمة يوم الإصداق، وهي أقل. فلا ينبغي أن نُثبت لها الفسخ؛ إذ لا غرض فيه إلَاّ التنقيص والحط، وليس كما لو اطلع المشتري على عيب المبيع، وكانت قيمته أكثر من الثمن مع العيب، فإنَّا نثبت حق الرد لاختلاف جنس الثمن والمبيع المعيب، فقد يكون له غرض في رد المعيب. فهذا ما رأيناه في ذلك.
٨٣٩٥ - ومما يتعلق بتمام البيان في هذه الفصول، أنَّ المرأة إذا طلبت الصداق، فامتنع الزوج من تسليمه إليها حتى تلف، فالامتناع ظلم منه وعدوان، فإذا حصل التلف في يد عادية، فينبغي أن نجعل ذلك [كحصول] (١) التلف بإتلافه، ونقول: البائع لو منع المبيع، فتلف في يده بعد ما وجب عليه تسليمُ المبيع، فهو كما لو أتلفه، [فنذكر] (٢) حكم المهر إذا فرض بعد العدوان بالامتناع، ونفرّع هذا على القولين في أنَّ الصداق مضمون بالعقد أم باليد؟ فإن جعلناه مضموناً بالعقد، فلها الخيار، فإن فسخت رجعت بمهر المثل، وإن أجازت، فبالقيمة، إذا جعلنا إتلاف الزوج كإتلاف الأجنبي.
فإن جعلنا إتلافه كالتلَف بآفة سماوية، فلا حاجة إلى الفسخ؛ فإنَّ الصداق ينفسخ ولها مهر المثل.
وإن قلنا: الصداق مضمون باليد، وفرعنا على أنه يُضمن ضمان الغصوب، فلا فائدة لترديد النظر في الفسخ والإجازة، ولها طلب أقصى القيم.
وإن قلنا: الصداق مضمون بقيمة يوم الإصداق، وكانت قيمة يوم الإصداق أكثر،
стр. 6593
فلا فائدة أيضاً، ولها قيمة يوم الإصداق وإن كانت أقل، ضمن أيضاً أكثر الأمرين، من قيمة يوم الإصداق، ومن قيمته من يوم المنع إلى يوم التلف؛ لأنه متعدٍّ بالمنع، فيضمن ضمان الغصب بعد المنع.
٨٣٩٦ - وكل ما ذكرناه فيه إذا كان الصداق عيناً، فأما إذا كان الصداق دَيناً، فالذي يليق بهذا القسم الكلامُ في جواز الاستبدال، فإن فرّعنا على أنَّ الصداق مضمون باليد، كان [كالقرض] (١)، فإذا كان ديناً وقيمة المتلف (٢)، فيجوز الاستبدال عنه قولاً واحداً، فإنا إذا كنا نجعل العين المُصْدَقَة مضمونة باليد غير مضمونة بالعقد، فنجعل الدين بمثابة ما يثبت لا على سبيل العوض.
وإن حكمنا بأنَّ الصداق مضمون بالعقد ومنعنا بيعه قبل القبض عيناً، فإذا كان ديناً كان كالثمن، لا كالمسلَم فيه، وقد ذكرنا اختلاف قول الشافعي في جواز الاستبدال عن الأثمان.
وقد نجز الغرض من تقاسيم الفصل، ونحن الآية نعقد فصلاً فيه إذا طلَّق الزوجُ زوجته قبل المسيس وبعده، ونذكر حكم تشطر الصداق، وما يلحقه من التشاطير في يده أو يدها.
فصل
٨٣٩٧ - إذا طلّق زوجته قبل الدخول، فقد استقر لها ملك الصداق، فإن كانت قَبَضَتْهُ على ما استحقته، فلا كلام. وإن كان في يد الزوج، فعليه تسليمه، فإن لحقه في يده تغيّر، فقد تقدم القول فيه مستقصًى.
وإن طلّقها قبل المسيس، فلا يخلو الصداق إما أن يكون عيناً أو ديناً، فإن كان عيناً
стр. 6594
فالمذهب الأصح أن نفس الطلاق يُشطِّر الصداق، ويتضمن ارتداد نصفه إلى ملك الزوج سواء اختار ذلك أو لم يختره.
وفي المسألة وجه مشهور بأنه لا يرجع النصف إلى الزوج ما لم يختر تملكه، فإذا اختاره، رجع إليه إذ ذاك.
ووجه الوجه الأوّل ظاهرُ قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهذا حكم من الله تعالى، لا تعلُّقَ له بقصدِ الزوجِ واختيارهِ، وأيضاً فإنَّ موجِب رجوع ما يرجع انبتاتُ النكاح قبل استيفاء المقصود، حتى قيل: بقاء النصف عليها غير منقاس. وهذا المعنى يوجب حصول التشطر من غير قصد، كالفسوخ التي تتضمن ارتداد جميع الصداق.
ومن نصرَ الوجه الضعيف، احتج بأنَّ الطلاق ليس فسخاً للنكاح، ولكنه تصرفٌ فيه، غير أن الشرع أثبت له مستدركاً في مقدارٍ من الصداق. فليتعلق ذلك باختياره.
التفريع على الوجهين:
٨٣٩٨ - إن حكمنا بأنَّ الصداق يتشطر بنفس الطلاق من غير إحداث سبب آخر، فلو حدثت زيادة بعد الطلاق، فهي متشطرة بين الزوج والزوجة؛ لأنها حدثت على المِلكين. وإن قضينا بأنَّ رجوع الشطر يتوقف على اختيار التملك، فالزيادة الحادثة بعد الطلاق وقبل اختيار التملك خالصةٌ للزوجة، والمعنيّ بالزيادة ما ينفصل.
ولو حدث بين الطلاق وبين اختيار التملك نقصانٌ راجع إلى الصفة، نُظر: فإن كان الصداق في يده، فلا إشكال ولا تفريع، وإن كان في يدها، تفرع على الوجهين: فإن قلنا: الملك في الشطر لا يرجع إلى الزوج قبل اختيار التملك، فما حدث من عيب بعد الطلاق وقبل الاختيار، [فهو] (١) بمثابة ما يحدث من العيب قبل الطلاق، فإذا جرى ذلك في يدها، فللزوج التخيُّر بهذا السبب، كما سنصفه على الاتصال بهذا، إن شاء الله تعالى.
وإن حكمنا بأنَّ الملك بنفس الطلاق يتشطر، فإذا كان الصداق في يدها، فالذي
стр. 6595
ذهب إليه المحققون من أئمة المراوزة أن النصف الراجع إلى الزوج أمانة في يدها، ولا يلحقها بسبب ما يطرأ من العيب بعد الطلاق من غير عدوانها عهدة وضمان.
ولو تلف الصداق في يدها بعد الطلاق، ولم تنتسب إلى الاعتداء، لم تضمن [النصفَ] (١) الراجع إلى زوجها.
هذا ما ذكره القاضي والصيدلاني وجماعة المراوزة.
وقطع العراقيون قولهم بأنَّ النصف الراجع إلى الزوج مضمون عليها في يدها؛ فلو تلف ضمنته من غير تقصير.
وشبهوا هذا النصف في يدها بما لو باع عبداًً بجارية، ثم رُدت الجارية بالعيب ولزم رد العبد، فما لم يرده على صاحبه يكون مضموناً عليه، حتى لو تلف العبد في يده، ضمنه. فهذا مسلكهم، وهو مخالف لطريق المراوزة. وقد فرقوا بين النصف الراجع إلى الزوج، وبين المسألة التي استشهد بها العراقيون من بيع الجارية بالعبد، فقالوا: العبد عوض الجارية المردودة، فإذا رُدَّت، فمن حكم المعاوضة إثبات الضمان في العوض حتى يُردَّ، والنصف من الصداق لا يرتد في مقابلة عوض " فإنَّ النكاح لا ينفسخ بالطلاق، فالمسألة محتملة جداً؛ فإنَّ رجوع نصف الصداق في مقابلة انقلاب منفعة البضع إليها من غير استيفاء، ولولا هذا، لكان يجب ألَاّ [يرتد] (٢) من الصداق شيء.
٨٣٩٩ - ولو كانت قبضت الصداق، ثم فسخ الزوج النكاح بسببٍ يتضمن استرداد جميع الصداق، فالذي يقتضيه قياس الطرق كلها: أنَّ الصداق يكون مضموناً [عليها] (٣) حتى تردّه؛ فإنه في هذا المقام يرتد ارتداد الأعواض في الفسوخ.
وإذا ارتد الزوج قبل المسيس، وحكمنا بأنَّ ردته بمنزلة الطلاق في تشطير الصداق، فالعراقيون إذا ضمّنوها نصف الصداق عند الطلاق، فلا شك أنهم يطردون مذهبهم في هذه الصورة.
стр. 6596
والذي يقتضيه قياس المراوزة أنَّ نصف الصداق لا يكون مضموناً على المرأة قياساً [على] (١) نصفه وقد طُلِّقت قبل المسيس، ولا نظر إلى الانفساخ؛ فإنَّ الصداق في ذمة الزوج لا يرتد ارتداد الأعواض في الفسوخ؛ إذ لو [كان] (٢) يرتد ارتدادها، لارتد جميع الصداق.
ومما يتعلق ببيان الوجهين، أنَّا [إن] (٣) جعلنا الطلاق بنفسه مشطِّراً، فلا خِيَرة.
٨٤٠٠ - ولو قال الزوج: طلقتك على أنَّ جميع الصداق متروك عليكِ، فلا حكم للفظهِ، وإن أراد ترك الصداق، فليهب منها النصفَ المرتد إليه، وإن حكمنا بأنَّ الارتداد يتوقف على اختيار التملك، فسبيل اختيارِهِ كسبيل الرجوع في الهبة. وسيأتي شرح ما يكون رجوعاً فيها، إن شاء الله تعالى.
٨٤٠١ - والذي ترددت فيه مرامز كلام الأئمة: أنَّ المرأة بعد الطلاق هل تملك التصرف في النصف الذي يستحق الزوج تملكه قبل أن يختار التملك؟ يجوز أن يُقال: تملك التصرف فيه ملكَ المتهب، أو كما تملك قبل الطلاق التصرفَ في جميع الصداق، مع قدرة الزوج على أن يطلقها متى شاء. وهذا هو القياس.
ويجوز أن يُقال: لا تتصرف، بخلاف المتهب؛ فإنَّ الهبة معقودة للإفضاء إلى تمليك التصرف.
وكذلك القول فيما قبل الطلاق إذا طلقها الزوج، فالطلاق سبب متجدد يقتضي التسلط على [تشطير] (٤) الصداق، فينبغي أنْ نُلْحقها بالملك في زمان الخيار.
ثم على هذا يطول النظر في العتق والبيع، وما يقبل التعليق وما لا يقبله، وقد مضى تفصيل ذلك في أول كتاب البيع. والظاهر تنزيلها -على اشتراط اختيار التملك- منزلةَ المتهب، ومنزلةَ المرأة قبل الطلاق، حتى تتسلط على التصرف.
ولا حاصل لقول من يقول: المتهب إذا تصرف في العين بإزالة الملك عنها، لم
стр. 6597
يغرمْ للواهب شيئاً إذا رجع. والمرأة إذا أتلفت الصداق قبل اختيار التملك، ثم اختار الزوج الرجوع إلى نصف الصداق، فإنه يرجع عليها بشطر القيمة؛ وذلك أنَّ هذا المعنى يتحقق قبل الطلاق، ثم تصرفها نافذ، وإن كانت لو أخرجت العين، رجع الزوج عليها بنصف قيمتها إذا طلقها.
٨٤٠٢ - ومن تمام القول في ذلك أن الزوج إذا طلق قبل المسيس، ولم يصادف عين [الصداق] (١)، والتفريع على اختيار التمليك، فهذا فيه عُسر في هذه الحالة، ولكن وجهه أن يثبت له اختيار الرجوع إلى شطر الصداق، فإذا اختاره، رجع عليها بنصف القيمة. ولا عود بعد ذلك إلى هذا الوجه الضعيف، والتفريع على أنَّ الطلاق بنفسه يشطّر الصداق.
٨٤٠٣ - وقد ذكر الشافعي في فصول (السواد) لفظةً أشكلت على المراوزة، فنذكرها ونذكر ما قيل فيها.
قال: " وهذا كله ما لم يقضِ له القاضي بنصفه، فتكون ضامنةً لما أصابه في يدها ... إلخ " (٢)، فتقييد الشافعي الكلام بقضاء القاضي لا يليق بظاهر المذهب؛ فإنَّا أوضحنا أنَّ الظاهر تشطير الصداق بنفس الطلاق.
فقال الأئمة: معنى قوله: " هذا كله ما لم يقض له القاضي ". أي: لم يدخل وقت يقضي القاضي فيه بارتداد شطر الصداق إلى الزوج، وكأن المراد أنَّ ذلك إذا لم يطلق الزوج، فإذا طلق، فقد حان وقت القضاء للزوج بنصف الصداق إذا التمس ذلك من القاضي.
وقد ذكر شيخي في دروسه أنَّ من أصحابنا من قال: يتوقف تشطّر الصداق على قضاء القاضي، وكان لا يحكي اختيار التملك كما ذكره الأصحاب، بل كان يذكر المذهب الظاهر في التشطر، ثم يقول: مِن أصحابنا من قال: لا يتشطر حتى يقضي القاضي بالتماس الزوج.
стр. 6598
وهذا وإن كان يعتضد بظاهر النص، فهو وهمٌ وغلطٌ لا شك فيه، ولا يليقُ بمذهب الشافعي ألبتة.
ومما أشكل على المراوزة من هذا اللفظ أنَّ الشافعي قال: " فتكون حينئذ ضامنة ". وهذا تصريح بأنَّ النصف الراجع إلى الزوج مضمون عليها في يدها، وهذا يطابق مذهب العراقيين. وقد ذكر المراوزة فيه تأويلاً مستكرهاً، وقالوا: هذا مفروض فيه إذا امتنعت من رد الشطر مع طلب الزوج، فتصير متعدية.
وهذا التأويل فيه بعد، والممكن في التوجيه أنَّ الشافعي ذكر قضاء القاضي تحقيقاً للامتناع، وتصويراً لمسيس الحاجة إلى الرفع إلى الحكام، فإذ ذاك ذَكر الضمان، وهذا يَقْوَى مع مصير الأصحاب إلى أنَّ قضاء القاضي لا أثر له، فحصل بالحمل على ما ذكرناه من الامتناع صرفُ قضاء القاضي إلى الحاجة عند تقدير الحاجة.
٨٤٠٤ - فإذا تبين ذلك، عدنا بعده إلى التفريع على ظاهر المذهب، وهو أن الطلاق يُشطّر بنفسه، فنقول: الصداق لا يخلو، إما أن يكون عيناً، أو ديناً. فإن كان عيناً، فلا يخلو: إما أن يكون قد تغير أو لم يتغير، فإن لم يتغير، فلا إشكال أنَّ الشطر راجع إلى الزوج، وإن كان قد تغير، فلا يخلو: إمَّا أن تغير بالزيادة، أو بالنقصان، أو بما هو نقصان من وجه، وزيادة من وجه.
فإن تغير بالزيادة: فالزيادة لا تخلو: إمَّا أن تكون متصلة أو منفصلة، فإن كانت منفصلة؛ فهي خالصة لها إذا حصلت قبل الطلاق، ويرجع الزوج في نصف العين سواء حصلت في يده أو يدها.
وإن كانت الزيادة متصلة، فالمرأة بالخيار بين أن تسمح بالزيادة على الزوج، وإذا هي سمحت، رجع الزوج في نصف العين زائداً، وليس له أن يكلفها القيمة- ذاهباً إلى الامتناع من قبول [مِنّتهَا] (١)؛ فإنَّ الزيادة المتصلة ليست مما يُفرد بمنْحه، وهي تجري على أقضية التبعية.
ويتصل بهذا المكان أنها إذا رضيت، كفى رضاها، ولا حاجة إلى قبولٍ من جهة
стр. 6599
الزوج (١)، ولابد من تصريحها بالرضا، ولا حاجة إلى منحةٍ وهبة في تلك الزيادة (٢).
وإن لم ترضَ رَدَّ [نصفِ] (٣) العين زائداً، [استمسكت] (٤) بها، وللزوج نصفُ قيمة العين. وهاهنا نبحث عن وقت القيمة.
قال الأئمة: نعتبر أقل قيمة من يوم الإصداق إلى يوم التسليم إلى المرأة، ولا نعتبر زيادة -إن كانت- بين الإصداق وبين التسليم، ولا نعتبر زيادة بعد التسليم، واعتل الأصحاب بأنَّ قيمة وقت الإصداق إن كانت أقل، فما فرض من زيادة، فهو في ملكها وحقها، فلا تؤاخذ به. وإن فرض نقصان القيمة بعد الإصداق وقبل التسليم، فهذا من ضمان الزوج، فلا تؤاخذ المرأة به.
وكنت أود لو قيل: إذا لم يطرأ عيب، وإنما وجد تفاوت القيمة بارتفاع السعر، فالاعتبار بقيمة يوم الطلاق؛ فإنَّ الشطر إنما يرتد إلى الزوج يومئذ والعين قائمة، ولكنه لا تردها لمكان الزيادة، فالوجه أن نقول: ما قيمة هذه العين لو لم تكن زائدة، فنعتبرها. نعم، لو تلفت العين قبل الطلاق، فيتجه إذ ذاك اعتبار أقل قيمة من وقت الإصداق، إلى وقت التسليم، كما سنشرحها، إن شاء الله .
٨٤٠٥ - ولو ازداد المبيع زيادة متصلة، ففُلِّس المشتري قبل توفر الثمن، فالبائع يرجع في المبيع، وإن كان زائداً، ولا تصير الزيادة سبباً لإبطال حق الرجوع في العين.
ولأصحابنا مسألتان في محاولة الفرق بين الصداق وبين المبيع في حق المفلس.
فالذي حكاه العراقيون عن أبي إسحاق المروزي أنه قال في الفرق: لو أبطلنا حق
стр. 6600
الرجوع للبائع في المبيع، فهذا يُثبت للغرماء حق المضاربة، وليس في قطع حق الزوج [عن] (١) عين الصداق ما يُحبط حقه في المالية؛ فإنه إن لم يرجع في نصف العين، يرجع في نصف قيمة العين، حتى لو فرض الطلاق وهي مفلسة والحجر مطّرد، فللزوج الاستبداد بنصف الصداق وإن كان زائداً؛ فإنه لو لم يرجع بالعين (٢)، لضارب بالقيمة.
وهذه الطريقة غير مرضية، والوجه أن يقال في الفرق: البائع يرجع إلى المبيع بسبب فسخ البيع، وهذا يستند إلى استحقاق متعلق بالعقد، وإن كان الفسخ قطعاً للعقد في الحال، وذلك أنَّ العوضية تقضي ألا يُسلَّمَ عوضٌ من أحد الجانبين ما لم يسلَّمْ مقابله في الجانب الثاني، فلما كان حق فسخ البائع مستنداً إلى حالة العقد، والزيادة حدثت بعد العقد، يجوز أن يقال: لا اعتبار بها وتقع تابعة.
وأما رجوع نصف الصداق إلى الزوج بالطلاق، فليس يستند إلى أصل العقد استنادَ استحقاق يوجبه مقتضى العقد، وإنما هو أمر جديد لا ارتباط له بالاستحقاق السابق.
فعلى هذا إذا كانت المرأة محجوراً عليها، نظر، فإن تقدم الطلاق على الحجر، فنصف الصداق قد ارتد إلى الزوج، فطَرَيان الحجر لا يسقط ملك الزوج.
وإن جرى الحجر ثم طرأ الطلاق، فظاهر كلام الأصحاب أنَّ الزوج لا يكون أولى بنصف الصداق، [فإنَّ سبب استحقاقه تَجَدَّدَ بعد تعلّق حقوق الغرماء بعين الصداق] (٣). فهذا ما نقوله ولا زيادة.
فحاصل المذهب إذاً أنَّ البائع يرجع بالعين المبيعة وإن زادت زيادةً متصلةً.
والزوج هل يرجع [إذا جرى الطلاق] (٤) بعد الحجر؟ فيه ترددٌ ظاهر للأصحاب، منهم من قال: لا يرجع، وإن لم تزد العين. ومنهم من قال: يرجع.
стр. 6601
ثم الذين أثبتوا حق الرجوع اختلفوا في أن الصداق لو كان زائداً زيادة متصلة والمرأةُ محجور عليها، فهل يمتنع رجوعه بسبب الزيادة؟ فيه اختلاف بين الأصحاب، منهم من قال: يمتنع رجوعه إلا أن ترضى ويرضى الغرماء، ومنهم من قال: لا يمتنع رجوعه بسبب الزيادة، كما لا يمتنع رجوع البائع في البيع وإن كان زائداً.
٨٤٠٦ - ولو زاد الصداق في يد المرأة زيادة متصلة، ففسخ الزوج النكاح بعيب بها، فالزيادة في هذا المقام لا تمنع الرجوع إلى العين، ولا أثر لها، كما لا أثر لها في الرد بالعيب والرجوع بسبب الإفلاس إلى المبيع؛ والسبب فيه أن فسخ النكاح يستند إلى استحقاق السلامة، وهو مستند إلى أصل العقد.
ولو زاد الصداق في يدها، فارتد، فقد ذكرنا أن الارتداد يوجب تشطير الصداق كالطلاق، فإذا كان كذلك؛ فالزيادة المتصلة تُثبت للمرأة الخيار كما يثبت لها الخيار إذا كانت مطلقة.
وإذا ارتدت المرأة، فردتها قبل المسيس توجب سقوط جميع المهر بطريق الانفساخ، وفي كلام العراقيين تردد في أن الزيادة المتصلة في هذه الصورة هل تمنع الزوج من الرجوع إلى العين؟ والمسألة محتملة؛ من حيث إن النكاح ينفسخ [بالرّدّة] (١)، ولكن هذا الانفساخ لا استناد له إلى العقد، بخلاف الفسخ الذي يجري بتخلف [السلامة] (٢) المستحقة بالعقد، فيجوز أن يقال: الزيادة المتصلة تُثبت لها الخيار في الاستمساك بالعين، كما تقدم ذكره في ردة الزوج، ويجوز أن يقال: لا خِيَرة لها؛ فإنها منتسبة إلى ما يوجب قطع النكاح؛ فنَبتُّ حقَّها عن التعلق بالزيادة، كما [بتتناه] (٣) عن أصل الصداق، والمسألة محتملة مما يليق بأسرار الفقه.
٨٤٠٧ - ولا إيضاح لمقصود المسألة ما دام يختلج ما ذكرناه في الصدر؛ وذلك أنا
стр. 6602
إذا أثبتنا الخِيَرة للمرأة، فيمتنع ارتدادُ شطر الصداق ما دامت المرأة مستمرة على خِيَرَتها، وبمثل هذا المعنى يعسر من الزوج مطالبتها بنصف القيمة؛ فإن التخير من جانبها يوجب تفويض الأمر إلى رأيها، ورأيُها ليس على الفور، فكيف السبيل، وما الوجه؟ وبأي طريق ينفصل الفقه في هذه المسألة؟ فنقول:
إن أعرضا جميعاً عن الطلب والرد؛ فالأمر موقوف في حق الزوج، متردد بين القيمة وبين العين وإن وجّه الزوج الطَّلِبة، فحق عليها أن ترد نصف العين مع الزيادة أو تغرَمَ نصفَ القيمة، وليس لها التسويف والمدافعة، فإن دافعت رُفعت إلى القاضي، ثم لا يَجزم الزوج دعواه في القيمة ولا في العين؛ فإن إثبات الخِيَرةِ لها يمنع الجزم في كل واحد من الوجهين، والقاضي لا يقتضي منها على أن يحبسها لتبذل القيمة أو العين إذا كانت العين عتيدة (١)؛ فإنّ تعلُّق الزوج بالعين يزيد على تعلّق المرتهن بالرهن، وتعلق الغرماء بالتركة التي أحاطت الديون بها، فنقول لها: إن كان شطر القيمة أقلَّ من نصف العين، فيُصرف إلى الزوج نصف القيمة، ويُدفع الفاضل إليها، وإن كانت العين لا تزيد على القيمة؛ ففي هذا احتمال، يجوز أن يقال: لا يسلّم القاضي نصف العين إلى الزوج، بل يبيعُه رجاءَ أن يجد زَبوناً فيشتريه بما يساوي، ويتجه في هذا أن يقال: يسلم العين إليه إذا لم يكن فضل في القيمة؛ لأن حق الزوج متأكد في مالية العين، فالطلاق على المذهب الظاهر يملّكه شطر الصداق من غير اختيار.
هذا منتهى القول فيه.
٨٤٠٨ - ومن بدائع الأشياء اضطراب الأصحاب في معنى قول الشافعي: " وذلك كله ما لم يقض له القاضي "، وكلامه متصل بذكر زيادة الصداق، ويتعين عندي حملُ كلام الشافعي في أن القضاء على امتناعها عن [التسليم] (٢) قد يقضي القاضي بتسليم العين في الصورة التي ذكرناها، وظاهر كلام الشافعي دليل على أنه لا يسلم العين إلى
стр. 6603
الزوج مطلقاً؛ فإنه جعلها ضامنة إذا تلفت العين.
هذا كله تفصيل القول فيه إذا تغير الصداق بالزيادة.
٨٤٠٩ - فأما إذا تغير بالنقصان، فلا يخلو، إما أن يكون في يده، أو يدها، فإن اتفق تعيب الصداق في يده، ثم طلقها، فحق الزوج في نصف العين، فإن النقصان محسوب [عليه] (١) وقد حدث في ضمانه لها، والحق ردُّ العين، كما فصلناه في تغير الصداق في يد الزوج بالتعيب.
ومما يتصل بهذا أن الصداق لو تعيب في يد الزوج بسبب جناية أجنبي فغرّمت [الأجنبي] (٢) الأرشَ، ثم طلقها الزوج قبل المسيس، فلو كان هذا التعيب بآفة سماوية، لم يكن للزوج إلا نصف الصداق، وهو معيب، والآية العيب الكائن بالصداق على صورة العيب بالآفة السماوية ولكنها فازت بالأرش، وغرّمت الأجنبي، فهل يرجع إلى الزوج نصف ذلك الأرش؟
هذا مما روجع القاضي فيه، فلم يُحر جواباً جازماً، ووجه التردد في المسألة نبهنا عليه في أن هذا العيب جرى والصداق في ضمان الزوج، وهي أخذت الأرش بحق ملكها، كما تأخذ الزوائد، والرأي الظاهر أن الزوج يرجع بنصفٍ من ذلك الأرش؛ فإن النقصان استخلف الأرش، وقيمة الشيء في الماليات تنزل منزلته، فكأن العيب لم يقع، فهذا إذا حدث العيب في يد الزوج.
٨٤١٠ - وإن حدث النقصان في يدها ثم طلّقها الزوج، فهو بالخيار بين أن يرضى بنصف العين ناقصاً، ويرجع فيها مع النقصان ولا يغرّمها الأرش، وبين أن يترك عين الصداق عليها لمكان العيب، ويغرّمها نصف القيمة، وهذا بناه المراوزة على أن ما يرتدّ إلى الزوج أمانة في يدها، فلا تؤاخذ بأرش النقص.
ويجوز أن يقال: وإن حكمنا بأنها مؤاخذة بالتعيب والتلف بعد الطلاق في نصيب الزوج، فلا يلزمها أرشٌ أيضاً؛ فإن التعيب قد جرى والصداق مِلكها، وليس كما إذا
стр. 6604
قلنا الصداق مضمون باليد، ثم عاب في يد الزوج؛ فإنا نثبت للمرأة تغريم الزوج الأرشَ، والفرق أن الزوج ممسكٌ ملكَها بيدٍ ضامنةٍ، على القول الذي نفرع عليه، وموجب ذلك أن يغرَم لها أرش النقصان كما يغرَم المستعير والآخذُ على سبيل السوم، والمرأة ليست حافظة للزوج ملكاً قبل الطلاق.
فهذا ما ذكره الأئمة وفيه على حالٍ احتمال، من جهة أن الصداق لو تلف قبل الطلاق، لغرمت له نصفَ القيمة، ومن يغرم القيمة بجهةٍ، لا يبعد أن يغرَم أرشَ النقص بتلك الجهة.
وإذا اشترى الرجل عبداً بجاريةٍ وجرى التقابض، ثم وجد قابض العبد بالعبد عيباً، فرده، فإذا الجارية قد عابت عيباً حادثاً في يد قابضها، فقد جرى العيب في دوام ملك قابض الجارية، كما جرى العيب في الصداق في دوام ملك المرأة، ثم إذا رَدَّ قابضُ العبدِ العبدَ، فقد ظهر مصير الأصحاب إلى أنه يسترد الجارية مع أرش العيب الحادث؛ فإنها لو تلفت، لرد العبد واسترد قيمتها. وهذا قد ذكرته في أحكام العيوب في البيع، وذكرت مضطرب الأصحاب فيه.
ويجوز أن يقال: ليس الصداق كالمسألة التي استشهدنا بها؛ من قِبل أن من ردّ العبد إنما ردّه لتخلّف سلامةٍ استحقَّها بالعقد، [فعهدةُ] (١) التقابل في العوضين بيّنةٌ، وهذا لا يتحقق في الصداق.
فقد تحصل مما ذكرنا أن الذي ذكره الأصحاب في الطرق أن الزوج بالخيار إن شاء رضي بالنصف من غير أرش، وإن شاء طالب بنصف القيمة، وهذا بمثابة تعيّب المبيع في يد البائع من وجه. فإنا نقول: إن شاء المشتري ردّ المبيع بالعيب، وفسخ البيع، واسترد الثمن، وإن شاء رضي به معيباً.
فهذا ما رأيته للأصحاب ولم أر غيره، وقد أومأت إلى وجه الاحتمال، والظاهر ما ذكره الأصحاب في المعنى أيضاً، هذا منتهى القول في تغير الصداق بالزيادة، وتغيره بالنقصان.
стр. 6605
٨٤١١ - فأما إذا تغير بما يكون زيادة من وجه ونقصاناً من وجه، وذلك مثل أن يكون العبد المصدَقُ صغيراً فكبر، وازدادت قوته التي هي مادة العمل، وسببُ تكثير المنفعة، وانتقص من حيث القيمة لمجاوزته نضارةَ المراهقة. وقد يفرض في هذا القسم زيادةٌ محضة ليست في عينها نقصان مع عيب ليس فيه زيادة، مثل أن يتعلم العبد المصدَقُ صنعة، ولكن اعورّت عينه، فقد اجتمع فيه النقص والزيادة.
ومن صور هذا القسم أن يصدقها [أشجاراً] (١) فتصير [قِحاماً] (٢) وتُرقل (٣)، فكِبرُها زيادة، ولكن يقلّ ثمرها.
والحكم في هذا القسم أن الخيار يثبت من الجانبين جميعاً، فإن رضيت المرأة برد النصف، فللزوج أن يأبى لمكان النقصان، وإن طلب الزوج العين، فللمرأة أن تأبى لمكان الزيادة.
وليس لنا أن نقول: إذا لم ترد القيمة لمكان النقص، ولم تُنْتَقَص القيمة لمكان
стр. 6606
الزيادة، فيجعل كأن لا زيادة ولا نقصان، هذا لا سبيل إليه ولا قائل به؛ فإن الزيادة قد تُعنى لعينها، وإن فرض نقصان، فالنقصان قد يُجتنب، وإن كانت زيادة، فلا طريق إلا إثبات الخيار من الجانبين لوجود العلتين، فالنقص علّة خيار الزوج، والزيادة علةُ (١) خيار المرأة، فإن اتفقا على الرجوع في نصف العين، فذاك، وإن أبى أحدهما، فالرجوع إلى نصف القيمة، ثم لا تكفي الزيادة في صورتها؛ فإن الزيادة التي لا تُطلب ليست زيادة كالسِّلْعة (٢) تطلع واللحية تنبت.
٨٤١٢ - وكل ما ذكرناه فيه إذا كان الصداق عيناً، فإن كان ديناً؛ فإذا طلقها، فلا يخلو: إما أن كان سلم الصداق إليها [أو] (٣) لم يسلم، فإن لم يسلم الصداق إليها، وطلقها قبل المسيس، فتبرأ ذمته عن نصف الصداق، وهو مطالب من جهتها بالنصف الباقي، وإذا فرّعنا على الوجه الضعيف في أن رجوع الشطر إلى الزوج موقوف على اختياره، فيجب طرد هذا في الدين أيضاً، حتى يتوقف سقوط النصف عن ذمته على اختياره، والعلم عند الله تعالى.
ولو أصدقها ديناً -كما صورناه- وسلم إليها ما التزم لها على الصفة المذكورة، فإن طلقها قبل المسيس، فله الرجوع بالنصف، فإن كانت تلك الأعيان المقبوضة فائتة، غرِمت للزوج نصف البدل، وإن كانت تيك الأعيان باقية فهل يتعين حق الزوج في المقبوض، [أم] (٤) لها أن تغرم حقّ الزوج من مال آخر؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يتعين حقه، لأن العقد لم يتعلق بهذه العين ابتداءً وإنما اعتمد الوصف.
والثاني - أن حقّه يتعيّن؛ لأنه تعين بالقبض، وهذا يكون سبيل كل دين يوفَّى على مستحقه.
وكان شيخي يطرد هذين الوجهين في الثمن الواقع في الذمة إذا وُفِّر ووُفّي، ثم طرأ
стр. 6607
فسخ يوجب استرداد الثمن، ورأيته مرة يطلب الفرق بين ما ذكرناه في الصداق وبين ما أشرنا إليه في الفسوخ، ويقول: الفسخ وإن كان قطعاً في الحال، فهو مستأصل للعقد، بخلاف ما يقتضيه الطلاق من التشطير، وقد أجرينا في أجزاء الكلام ما يشير إلى قريب من هذا فيما نفيناه وأثبتناه.
فرع:
٨٤١٣ - إذا أصدق الرجل امرأته جارية، فبقيت في يد الزوج، وعلقت بولد حادث وولدته، ثم ماتت الجارية قبل القبض، وطلقها قبل المسيس، قال العراقيون: هذا يُخرّج على القولين في أن الصداق مضمون بالعقد أم باليد؟ وأنه بماذا يرجع؟ فإن قلنا: إنه يرجع بنصف القيمة فالولد بتمامه لها؛ فإنه حدث في ملكها، وجرى الطلاق بعد انفصاله واستقلاله، ونحن على قول القيمة لا نحكم بانفساخ الصداق بالتلف، بل نقضي ببقاء العقد، قالوا: وإن قلنا: الصداق مضمون بالعقد وهي ترجع عليه بنصف مهر المثل، نقلوا عن الشافعي أنه قال: الولد للزوج، ولا حظ لها فيه، فإنا إذا أوجبنا نصف مهر المثل، فقد أوجبناه قبل العقد ونقضْنا الملك استئصالاً.
وفي المسألة قول مخرّج على أن الولد يكون لها؛ فإن الفسخ والانفساخ لا يستند إلى زمان متقدم، بل يقطع الملك في الحال، وقد تقدم حصول المولود على سبب الانفساخ، وقد ذكرنا مثل هذا الاختلاف فيه إذا اشترى الرجل جارية، فولدت أولاداً في يد البائع، ثم ماتت في يده وحكمنا بانفساخ العقد، فالأولاد للبائع أو للمشتري؟ فيه خلاف قدمته، وقياس المذهب أن الأولاد للمشتري، لما نبهنا عليه.
فرع:
٨٤١٤ - قال العراقيون إذا أصدق الرجل جاريةً حبلى، ثم ولدت، وقلنا: إن الولد يثبت في حكم المعاوضة، ولو كان في البيع، لقوبل بقسط من الثمن، فإذا ولدت، وطلقها قبل المسيس، ورضيت برد عين الصداق، فهل للزوج حظُّ في الولد؟ وما حكمه؟ ذكروا فيه وجهين: أحدهما - له حظ فيه، ولكن زاد الولد بعد الولادة، فتغرم له قيمة نصف الولد يوم الولادة. ووجه هذا بيّن في القياس.
والوجه الثاني - أنه لا حظّ للزوج في الولد؛ فإنه كان حملاً يوم العقد، ولا يمكن معرفة قيمته وهو حمل، ولما انفصل، فهو زيادة في ملكها بعد الإصداق، ولا يمكننا
стр. 6608
أن نضبط ما بين الحمل والولادة، ولا طريق إلا أن يسقط حظ الزوج من الولد بالكلّية.
وإن فرّعنا على أنه مقابَلٌ بقسطٍ من العوض؛ فإن الصداق ليس يتمحض عوضاً.
وهذا الذي ذكروه، فيه اضطراب، وحاصله: أن الزيادة المتصلة لا حكم لها في البيع، فإذا قلنا: الولد يقابله قسط من الثمن، فانفصل، لم تُغير تلك الزيادة التي حصلت بالولادة حكمَه، والزيادة المتصلة لها حكم في الصداق، ثم عَسُر اعتبارها بين احتساب الحمل وبين انفصاله، فكان ترددهم لذلك.
وإذا قلنا: الحمل لا يقابله قسط من الثمن، فالوجه: القطع بأنه لا حظّ للزوج في الولد، وهو بمثابة ما لو حدث العلوق به بعد العقد.
فصل
قال الشافعي: " والنخل مُطْلِعة ... الفصل " (١).
٨٤١٥ - ذكر الشافعي تفصيل القول فيه إذا أصدق امرأته نخيلاً، فأطلعت، ثم طلقها قبل المسيس، وهذه المسألة كثيرة الأقسام منتشرة الأحكام، والرأيُ أن نمهد في أولها ما يدخل تحت التمهيد، ثم نرسل المسائل ونذكر في كل مسألة ما يليق بها، ونطلب الاستيعاب جهدنا، ثم نتُبع المسائل بما يضبطها، والله ولي التوفيق.
فنقول: أولاً الطلع قبل التأبير زيادةٌ محضة لا نقصان فيها، وحمل الجارية زيادة من وجه، نقصان من وجه، لما فيه من الإفضاء إلى الغرر، والحمل في البهائم، فيه وجهان ذكرهما العراقيون: أحدهما - زيادة من كل وجه؛ فإنه لا يفضي إلى الخطر في غالب الأمر.
والثاني - أنه زيادة ونقصان، كما ذكرنا في الحبالى، فإن كل حامل تلد، فلا بد من أن يدخلها نقص في البنية.
٨٤١٦ - فهذه مقدمة ذكرناها، ونعود بعدها إلى رسم المسائل على أقرب ترتيب،
стр. 6609
فنقول: إذا أصدقها نخيلاً، فأطلعت، وأُبّرت، ثمّ [طلقها] (١)، فالثمار بعد التأبير في حكم زيادة منفصلة، فلو أراد الزوج أن يكلّف المرأة قطع الثمار، لم يكن له ذلك، فإنها ظهرت، والملكُ ملكها، فلا سبيل إلى إجبارها على قطع ثمارها، ولو قال: أرجع في نصف النخيل ونصف الثمار، لم يكن له ذلك؛ فإن جميع الثمار لها؛ من أجل أنها ظهرت وملكُها كامل في الصداق.
ولو قال الزوج: أرجع في نصف النخيل وأترك ثمارك إلى الجداد، فلا ينفصل الأمر بهذا المقدار؛ فإنها تحتاج إلى تتمة ثمارها بالسقي، ثم فائدة السقي لا تنحصر على الثمار، بل يرجع الحظ الأوفر إلى النخيل؛ فلا سبيل إلى تكليفها السقي، وفائدته ترجع إلى ما يُقدّر راجعاً إلى الزوج بحكم التشطر.
ولو قالت المرأة للزوج المطلق: اصبر حتى آخذ ثماري، ثم ارجع، لم يكن لها أن تكلف الزوج ذلك؛ فإن فيه إلزامَه تأخير حقه وهذا لا سبيل إليه.
ولو [قالت] (٢): ارجع في نصف النخيل وبقِّ ثماري إلى الجِداد، واسق ما رجع إليك، لم يكن لها ذلك؛ فإن سقيه يرجع فائدته إلى ثمارها، فتكليف الرجل تنمية ثمارها لا وجه له.
فهذه مسائل اتفق الأصحاب عليها. وعلى الناظر في المسألة أن يفهمها ويودعها حفظه مفصلة.
ولو قالت: ارجِع في نصف النخيل، وقد تركتُ عليك نصف الثمار، نُظر، فإن كانت الثمار مؤبّرة؛ فهل يلزم الزوج ذلك؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - لا يلزمه قبول الثمار؛ فإنها زوائد في حكم المنفصلة؛ فإلزامه قبولها وتقلُّد مِنَّتِها بعيدٌ.
والثاني - يلزمه؛ فإن الثمار وإن كان لها حكم الانفصال؛ فهي كالمتصلة في هذه المسائل. لعسر الأمر، وتعذر إمضائه مع رعاية الجانبين، فصار تعذر الأمر بمثابة تعذر فصل الزوائد المتصلة.
стр. 6610
وإن كانت الثمار بعد طلعها غيرَ مؤبّرة، فالذي ذهب إليه جماهير الأصحاب: أنها قبل التأبير بمثابة السِّمن، وسائر الزوائد المتصلة، حتى لو تركت على زوجها نصف الطلع، لزمه قبوله.
وذكر العراقيون وصاحب التقريب طريقة أخرى من تنزيل الثمار قبل التأبير منزلتها إذا هي أُبِّرت، حتى تُخرَّجَ المسألةُ على وجهين في أن الزوج هل يُجبر على قبولها إذا سمحت بها؟ وسبب ذلك أن الثمار قبل التأبير تقبل الإفراد بالبيع على رأيٍ ظاهر، خلاف السِّمَنِ وغيرِه من الزوائد المتصلة.
٨٤١٧ - ومما يتعلق بذلك أن الزوج لو قال: أرجع في نصف النخيل وألتزم السقي، فهل يجاب إلى ذلك؟ فعلى وجهين: أحدهما - يجاب؛ [فإنه] (١) كفاها مؤونة السقي وهذا هو الذي كنا نحاذره في إلزامها بسقي نخيل الغير، والثاني - لا يلزمها إجابته؛ فإنه لا يجد بداً من مداخلة [البستان] (٢) في سقي النخيل وتعهدها، وقد لا ترضى المرأة به، فإن لم نوجب إجابته إلى ما يلتمس من ذلك، فلا كلام، وإن [أوجبنا] (٣) إجابته، فالتزامه السقي وعْدٌ منه، إن وفى به، استقر الأمر، وإن بدا له، فلا معترض، ولكن يبين أن رجوعه في نصف النخيل باطل.
فتبين مما ذكرناه أن هذا الرجوعَ في حكم الموقوف على ما يتبين من الوفاء بالسقي أو الإخلاف في الموعد.
وألحق الأئمة بهذه الصورة ما لو أصدقها جارية، فولدت في يدها ولداً مملوكاً، واقتضى الحكم أن يكون الولد لها، فقال الزوج: أرجع بالجارية، وأمنعها من إرضاع المولود، فليس له ذلك؛ فإن فيه إضراراً عَظيماً بالولد. و [لو] (٤) قال: أرجع في
стр. 6611
نصف الجارية وأرضى أن تُرضع الولد؛ فهل يجب إسعافه؟ فعلى الوجهين المذكورين في النخيل والتزام سقيها، ونصُّ الشافعي في مسألة الولد يدل على [أن] (١) الرجل لا يجاب [بما يعد] (٢)؛ فإنه لا يلزمه الوفاء بالموعود.
٨٤١٨ - ومما نذكره مرسلاً، أن الزوج والزوجة لو تراضيا في النخيل على أن يؤخر الزوج حقَّه ولا يتعرض له إلى أوان الجِداد، ثم إذ ذاك يطلب حقه من نصف النخيل، فإذا وقع التراضي على هذا الوجه، لم نعترض عليهما، ولم نتعرض لهما، ولكن ليس يلزمهما الوفاء بما تراضيا عليه، فإن الزوج رضي بتأخر حقه، وتأجيل ما لا يلزم فيه الأجل، فله الرجوع عما قال.
ولو أصر الرجل على موعده، فأرادت المرأة الرجوع، كان لها ذلك؛ لأنها تحتاج إلى السقي والتعهد، ثم يرجع النفع إلى النخيل، ومآل الأمر مصير نصف النخيل إلى الزوج، [فلها] (٣) أن ترجع عن رضاها بذلك، فإنهما لم يُذكر بينهما في الصورة التي ذكرناها إلا تواعداً على تأخير الحق غيرَ لازم، كما ذكرنا.
ولو تراضيا على أن يرجع الزوج إلى الملك في نصف النخيل عاجلاً، ويترك الثمار لها إلى وقت الجِداد، فإذا ثبت تراضيهما على هذا الوجه، لزم الوفاء به؛ فإن بدا للزوج، وقال: أحتاج إلى سقي النخيل، والنفعُ يرجع إلى ثمارها، قلنا: قد رضيت، فإن شئت فاترك السقي، ونحن حملنا رضاك على التزام الضرر، إن كان ضرر.
ولو قالت المرأة: رجعت عن رضاي، فإني أحتاج إلى السقي لأجل الثمار،
والنفع يرجع إلى النخيل، قلنا: اتركي السقي، فإن كان يلحقك ضرر، فقد رضيتِ به.
стр. 6612
ويخرج منه أن كل واحد منهما لا يرجع عما رضي به، ولا يجب على واحد منهما السقي، فمن أراده، لم يمنع منه.
فهذا بيان هذه المسائل المرسلة، ولم نذكر بعدُ عند تنازعهما ما نحملهما عليه؛ لأن ذلك يبين آخراً.
٨٤١٩ - ونحن نذكر نوعاً من الضبط، ثم نختم المسألة بما فيه تمام البيان، إن شاء الله .
فنقول: هذه المسائل تجرى على ثلاثة أصناف: أحدها- مفروض فيما يقوله الرجل، والمرأة تأباه.
والثاني - فيما تقوله المرأة، والرجل يأباه.
والثالث - فيما يتراضيان عليه.
فأما ما يقوله؛ فمنه أن يقول: اقطعي الثمار، فلا يجاب. ومنه أن يقول: أرجع إلى نصف النخيل مع نصف الثمار، فلا يجاب. ومنه أن يقول: أرجع إلى نصف النخيل، ولا ألتزم السقي والتعهد، ففي المسألة وجهان: أظهرهما - أنه لا يجاب إلى ذلك، ولا تكلف المرأة الرضا به، لما قدمنا ذكره من تضررها بمداخلته. فهذا بيان ما يذكره الزوج مبتدئاً.
فأما ما تذكره المرأة والزوج [يأباه] (١)، فمن ذلك أن تقول: أخِّر حقك إلى الجِداد، فلا تجاب؛ فإن حقَّ الزوج معجّل، ولو قالت: ارجِعْ في نصف [الشجر] (٢)، وثمرتي تبقى، فالرجل لا يجيبها إلى مرادها، فإن الثمار [تمتص] (٣) من رطوبات الأشجار، إن لم تُسق، فإن سُقيت، فالنفع يرجع بعضَ الرجوع إلى الثمار، ولو أنها ابتدرت وجدَّت الثمرة عاجلاً، فحق الزوج يثبت في نصف العين إذا لم تُنْتَقَص الأشجار بالثمار (٤) ولم تُكسر سَعفها وأغصانها.
стр. 6613
ولو قالت: خذ نصف النخيل ونصف الثمار، فهل يجبر الزوج على قبول ذلك؟ فيه وجهان: وذكر تفصيل في المؤبرة وغير المؤبرة، فهذا بيان قسمين.
القسم الثالث: فيما يتراضيان عليه، وفيه مسالتان: إحداهما- أن يتراضيا على أن يسقي الزوج حتى تُجدّ الثمرة، فهذا تواعد، ولا يجب على واحد منهما الوفاء بما وعد. والمسالة الثانية - أن يتراضيا على أن يختار الزوج نصف النخيل في الحال، وتبقى الثمرة [إلى] (١) الجداد، فعلى كل واحد منهما ضرار من وجه، وقد بيّنا ابتداء كل واحد منهما بذكر هذا القسم، وأوضحنا أنه لا يُجاب إلى مُلْتَمَسِه، فإذا وقع التراضي منهما، فقد رضي كل واحد بما يناله من الضرر في هذا القسم. وليس ما وقع التراضي به تواعداً على تأخير حق، ولكن مضمون ما تراضيا عليه تعجيل حق لزم.
فهذا بيان تزاحم الأقسام.
وليعلم الناظر أنا لم نغادر من البيان شيئاً ولكن طباع هذا الفصل تقتضي أن يكرره الناظر مراراً.
ثم وراء ذلك المقصودُ؛ فإنا ذكرنا ابتداء كل واحد منهما، وأوضحنا ما يُجاب إليه وما لا يُجاب، ثم ذكرنا تراضيهما.
٨٤٢٠ - والمقصود الأظهر أن نبيّن ما يجب تحصيله إذا ارتفعا إلى مجلس الحكم متنازِعَين، فلم تسمح تيك بالثمار، [وروجعنا] (٢) في حق الزوج، فنقول: حقه الناجز نصف القيمة؛ فإن في الرجوع إلى العين من العُسر ما نبّهنا عليه، ولا سبيل إلى تأخير حق الزوج، وإن عادت فرضيت ببدل المهر، ففيه الكلام السابق. وإن رضيت بمداخلته، ففيه اضطراب السقي. وإن قال الزوج: رضيت بتأخير حقي، ففيه اضطراب السقي، وإن تراضيا، وقعنا في قسم التراضي [والتزام] (٣) نصف القيمة، هذا هو اللائق بمحل التنازع لا غير.
стр. 6614
٨٤٢١ - ثم وراء نجاز هذا أمور مرسلة يجب التنبه لها، منها: أنا وإن كنا نفرّع على أن نفس الطلاق يشطر الصداق من غير احتياج إلى اختيار التملك، فذاك فيه إذا لم يعترض مانعٌ ما. أما إذا اعترض في الصداق أمثالُ ما ذكرناه من فرض لحوق الضرر بالجانبين، فجريان الملك في عين الصداق أو/الرجوع إلى القيمة يتوقف على ما سبق التواطؤ عليه، أو يُفرض الإرهاقُ إليه عند التنازع. وهذا وإن كان بيِّناً، فلا يضير التنبيه له.
٨٤٢٢ - ومما نرى ذكره أنا أجرينا ذكر الثمار، وهي طلعٌ حالة الطلاق، ولم تؤبّر، وأدرنا فيه التفاصيل والأقسام، وقد ذكرنا في كتاب التفليس أن النخيل إذا أطلعت في يد المشتري، ثم استمر الحجر -والثمار غير مؤبرة- فقد نرى رجوعها إلى البائع إذا آثر فسخ البيع، وقد يجرى مثل هذا في الحمل أيضاً إذا حدث، وكان الحمل قائماً وقت الرجوع.
وهذا لا يجري في الصداق؛ والسبب فيه أن الطلع والحمل لا ينحطان عن زيادة متصلة، وقد ذكرنا أن الزيادة المتصلة تُثبت للمرأة حق الاستسماك بعين الصداق، والزيادة المتصلة لا أثر لها في المبيع الذي يرجع فيه البائع، [فإنا] (١) جعلنا الطلع والحمل كزيادة متصلة، تعلق بهما رجوع البائع، ولا يتحقق مثل هذا في حق الزوج.
٨٤٢٣ - ومما نذكره في اختتام الفصل: أنه لو أصدق امراته نوعاً آخر من الأشجار سوى النخيل، فانعقد نَوْرُها في يدها، فظهور النَّوْر ينزل منزلة بدوّ الطلع، وانعقادُ الثمار مع تناثر النَّور ينزل منزلة التأبير.
وقد بان الغرضُ في كل واحد من الأصلين، وهذا نجاز الفصل.
стр. 6615
فصل
قال الشافعي: " وكذلك الأرض تزرعها أو تغرسها أو تحرثها ... إلى آخره " (١).
رأى المزني هذه الأمور مجتمعة في كلام الشافعي، ونقله على [إثر] (٢) مسألة الطلع، وظن أن الشافعي يُجري الغراس والزرع والحراثة مجرى الطلع في كل تفصيل، وأخذ يعترض ويبيّن أن الزراعة في الأرض نقصٌ من جميع الوجوه، في كلام طويل له، وكلامه في بيان تفاوت الزرع والغراس والحراثة صحيح، ولكن [ظنّه أن الشافعي] (٣) أجراها مجرى الطلع خطأ، وفي نظم كلام الشافعي تعقيدٌ لا يطلع عليه إلا من جمع إلى فهمه أوفر حظ من اللغة، والشافعي ذكر فيما تقدم من المسائل ما يكون نقصاً محضاً، وذكر ما يكون زيادةً من كل وجه، وأبان الحكم فيما يكون زيادة من وجهٍ ونقصاناً من وجه، ثم ذكر الزراعة والغراسة والحراثة عطفاً على الأقسام المختلفة، ولم يعطفها على الطلع خاصة، ونحن نذكر الآن التفصيل في المسائل التي جمعها المزني في الفصل.
٨٤٢٤ - أما الزرع فنقصانٌ في الأرض من كل وجه، فلا نكلف الزوج الرضا بنصف الأرض مزروعة، وله نصف القيمة والأرض بيضاء، فإن رضي بها مزروعة، لزم إجابته، وليس كما قدمناه في الثمار؛ من جهة أن الزوج إذا رضي بنصف النخيل وتَبْقِيَةِ الثمار للمرأة، فالسقي الذي يُنمِّي الثمار يزيد في الأشجار، والسقي الذي ينمي الزرع لا ينفع الأرض، فإذا رضي الزوج بنصف الأرض، وجبت إجابته؛ فإن الأرض لا تزداد بتعهد الزرع.
فعلى هذا لو تبرعت على الزوج بنصف الزرع -إذا كان لا يرضى بنصف الأرض لمكان الزرع- فقد ذكرنا وجهين في أنها لو تبرعت بنصف الثمار المؤبّرة في مسألة
стр. 6616
النخيل، فهل يُجبر الزوج على قبوله، والزرع في حكم الثمار المؤبرة؟ فتخرج المسألة على وجهين في إجبار الزوج على القبول.
وهذا الذي ذكره صاحب التقريب غلط مأخوذ عليه؛ من جهة أن الثمار زيادة لا تنقص النخيل، والزرعُ وإن كان زيادة، فالأرض منتقِصةٌ به، وقد ذكرنا أنه إذا اجتمعت زيادةٌ ونقصانٌ، لم يملك واحد منهما إجبار صاحبه.
ومما يتعلق بالزرع: أن الزوج إذا طلّقها، فابتدرت واقتلعت الزرع؛ فالغالب أن النقص يبقى في الأرض إلى مدة؛ فإن الأرض فيما ذكره الحرّاثون تضعف بالزراعة، ولذلك يعسُر [موالاة] (١) الزراعة في كل سنة، فإن فرض زرع لا يُعقب نقصاً في الأرض، فإذا ابتدرت وقلعت الزرع؛ فحق الزوج [انحَصَر] (٢) في نصف الأرض، فإن [أعقب] (٣) الزرعُ نقصاناً، فالزوج على خِيَرته، فإن رضي بقبول نصف الأرض مزروعة، فعليه أن يُبقي الزرع فيها بالأجرة؛ [لأنها] (٤) زرعت -لما زرعت- ملكَها الخالص. هذا قولنا في الزرع.
٨٤٢٥ - أما الغراس؛ فإنه بمثابة الزرع في جميع ما ذكرنا؛ فإن الأرض مفردةً ناقصةُ القيمة، والغرس لا يزيدها شيئاً، فإن بذلت نصف الغراس، فهو كما لو بذلت نصف الزرع، فلا معنى للإعادة، فهو كالزرع في كل وجه.
٨٤٢٦ - وأما الحرث فإن كانت الأرض معدّة للزراعة، فهو زيادة متصلة من كل وجه، ثم لا يخفى حكم الزيادة، وإن كانت مهيّأة للبناء، فهو نقصان، لأنه [لا يتأتى] (٥) البناء على الأرض المحروثة إلا ببذل مؤونة في تنضيدها، ولا معنى للإطناب بعد وضوح المقصد.
стр. 6617
فصل
قال: " ولو ولدت الأمة في يديه أو نُتجت الماشية ... إلى آخره " (١).
٨٤٢٧ - إذا أصدق الرجل امرأته جاريةً حاملاً، أو شاة ماخضاً، فهذا يبنى على أن الحمل هل يقابله قسط من العوض في البيع؟ وفيه اختلاف مذكور في موضعه. فإن قلنا: للحمل قسط، فهو كما لو أصدقها عَيْنَين، فإذا طلقها قبل الدخول يرجع في نصف الأم، ولا يخلص الولد لها.
ثم يتصل بذلك أن الولد إذا انفصل، فهذا في حكم زيادة متصلة، والجارية قد تُعيّبها الولادة، فيقع التفصيل في عيبٍ بأحد العينين، وزيادة العين الثانية. وقد تمهّد التفصيل في القاعدتين.
والذي نزيده الآية: أن من أصحابنا من جعل نفس انفصال الولد [زيادة] (٢)؛ فإنه كذلك؛ إذ التفاوت بين الجنين وبين الولد المنفصل أكثر من التفاوت بين العبد السمين والهزيل، وهذا في ظاهره إخالة وإشعار بالفقه، ولكنه يغمض بالتفريع؛ فإنا إذا جعلنا الولادة زيادة، فيثبت للمرأة حق الاستمساك بالولد، ثم بناؤنا على أن الزوج يرجع في قسط من الولد، فكيف يقدّر رجوعه في نصف قيمة الولد، وهو مجتنٌّ، والجنين لا يتقوَّمُ في البطن؟ فأول إمكان تقويمه، إذا انفصل. وإذا أثبتنا للزوج نصفَ قيمته منفصلاً، ففيه نَقْضُ المصير إلى أن الولد زيادة، وإذا جاز أن تغرَمَ له نصف قيمة المولود حالة الانفصال، فينبغي أن نُسلِّم إليه نصف المولود. وإن قال هذا القائل: تُقوم الجارية حاملاً، ونصرف إليه نصفَ قيمتها، وإذا فعلنا ذلك، فقد أشركناه في الحمل، فهذا محال؛ فإن التفريع على أن الحمل يقابله قسط من العوض، كما يقابل أحدَ العبدين قسط من الثمن إذا اشتمل العقد على عبدين.
والذي يوضح ذلك: أنا إذا ألزمنا المغرور بحرية زوجته قيمة الولد، اعتبرنا حالة
стр. 6618
الانفصال. وإن كان تفويت الرق مستنداً إلى حالة الاختيار؛ فالصحيح إذاً أن الولد إذا انفصل، وجرى الطلاق [بعد] (١) انفصاله -والتفريع على أنه يُقابَل بقسطٍ من العوض- فالزوج يرجع في نصف الولد. نعم، إذا مضت أيام من الانفصال، والصبيّ ينمو فيها، لا محالة، فيتصل الكلام بالزيادة (٢).
وكل ما ذكرناه فيه إذا قلنا: للولد قسط.
وإن قلنا [لا] (٣) قسط له من العوض، فإذا ولدت، ثم [طَلّق] (٤) الزوج، فحكمها [حكم] (٥) ما لو كانت [حائلاً] (٦) يوم الإصداق، فحبلت في يد الزوج وولدت، فلا حظ للزوج في الولد، ويقع النظر في الأم، وقد [انتقصت] (٧) بالولادة.
ثم الفرق بين أن يجري ذلك في يده أو يدها، [قد] (٨) مضى مستقصًى، ونحن بنينا كتابنا هذا على رفض المعادات جهدنا، سيّما إذا قرب العهد، ونعيد البسط لمواقع الإشكال.
٨٤٢٨ - وقد يتصل بما انتهينا إليه أن نقصان الولادة في يد الزوج مضمون عليه، كما بيّنا أثر ذلك، وما يحصل من النقص في يدها يُثبت للزوج حق الخيار في الرجوع من العين إلى القيمة.
فلو كانت حاملاً في يد الزوج، ثم ولدت في يد الزوجة، وانتقصت بالولادة، فهذا نقصان حدث في يدها، ولكنه مترتب على سبب كان في يد الزوج؛ فإن لكل جنين اتصال، ولكل حاملةٍ تمام، فيجب بناء هذا على المبيع إذا [جُرح] (٩) في يد
стр. 6619
البائع، ثم سرت الجراحة في يد المشتري، فقد ظهر الاختلاف في ذلك: من أصحابنا من جعل السراية من ضمان البائع؛ لأن سببها الجراحة، فعلى هذا نقصان الولادة من ضمان الزوج، وإن حدث في يدها؛ لأن الحمل كان موجوداً في يده.
ومن أصحابنا من قال: نقصان السراية من ضمان المشتري؛ لأنه حدث في يده، فعلى هذا نقصان الولادة من ضمانها.
وقد بان حكم ضمانه وضمانها وإبراءُ كل واحد من الضمانين.
٨٤٢٩ - ثم إن المزني اختار من القول في كيفية الضمان، أن الصداق مضمون بالعقد، واحتج بنصوص الشافعي في مسائلَ، وأخذ يُعدّدها، ونحن نتبع ما أورد، ونذكر في كل مسألة ما يليق بها، مع اجتناب التكرير جهدَنا.
فمما استشهد به: مسألة من مسائل الصداق، ذكرها الشافعي في كتاب الخلع - وهي: أن الزوج إذا أصدق امرأته داراً، فاحترقت، قال الشافعي [في] (١) جواب المسألة: المرأةُ بالخيار بين أن تفسخ وترجع بمهر المثل، وبين أن ترضى بالعَرْصَة [وتجيزَها] (٢) بحصتها من المهر.
وهذه المسألة لها مقدمة مذكورة في الكتب، ونحن نذكر منها قدر الحاجة، ثم نرمز إلى تخريج المسألة على الأصول وتنزيلها عليها، فنقول: إذا اشترى الرجل عبدين، فتلف أحدهما في يد البائع، فالقول الأصح: أن العقد لا ينفسخ في القائم، وينفسخ في التالف، والقاعدةُ أن العقد إذا ورد على ما يقبل العقد وعلى ما لا يقبله، وبطل فيما لا يقبله، ففي بطلانه فيما يقبله القولان المعروفان. ثم إن صححنا العقد، فالخيار معروف، فإن اختار المشتري الإجازة؛ فإنه يجيز العقد فيما قَبِل العقدُ بجميع الثمن أو بقسطه؟ فعلى قولين.
وإذا تلف أحد العبدين، فالأظهر أن الانفساخ في التالف لا يوجب الانفساخ في
стр. 6620
القائم؛ فإن العقد قد ورد عليهما، وكان سبب ارتفاعه في التالف تلفَه، ثم إذا فُرضت الإجازة، فالمذهب: أن العقد يجاز في الباقي بقسطٍ، بخلاف ما ذكرناه في أول العقد. والفرق أن الثمن في أول العقد لم يقابل أحدهما، وقد قابل الثمن [العبدين،] (١) ويستحيل إذا تلف أحدهما أن يقابل [بتمامه] (٢) الثاني، على مناقضة المقابلة التي جرت، وهذا مذكور في تفريق الصفقة، فهذا أصلٌ جدّدنا العهد به.
ومن الأصول أن أطراف العبد أوصافٌ، ولا يثبت لها حكم الانفراد في المقابلة بالعوض، وإذا اشترى الرجل داراً، فانهدمت، نظر: فإن كان النقضُ قائماً؛ فالذي فات، أوصافٌ لا تقابل بقسطٍ من العوض، وإن فات النقضُ باحتراق أو [جرف] (٣) سيل، وبقيت العَرْصَةُ بيضاءَ، فقد ظهر اختلاف أصحابنا في أعيان النقض، فمنهم من أجراها مجرى أطراف العبد، حتى تقدّر أوصافَ العبد، ومنهم من أجراها مجرى عبدٍ مع عبدٍ إذا فرض التلف. في أحدهما، وقد تقدم تمهيد ذلك في المعاملات.
ونحن نرجع بعد هذا إلى غرض المسألة، فإذا أصدق الرجل امرأته داراً فانهدمت، نُظر: فإن فات النظم والتآلف، والنقضُ قائم؛ فلها الخيار إذا جرى ذلك في يد الزوج. ثم القول في الفسخ والإجازة، وما يقع الرجوع به [من] (٤) مهر المثل والقيمة على ما تفصّل في نقصان الصداق بالآفة السماوية.
وإن فات عين النقض، خرج هذا على أن النقض صفةٌ أو عين مقصودة، فهو كما إذا أصدقها عبداً، فسقطت أطرافه.
ومحل تعلق المزني أنه نقل عن الشافعي رجوعها إلى مهر المثل، وطريق الجواب في مثل هذا بيّن.