النخيل، فهل يُجبر الزوج على قبوله، والزرع في حكم الثمار المؤبرة؟ فتخرج المسألة على وجهين في إجبار الزوج على القبول.
وهذا الذي ذكره صاحب التقريب غلط مأخوذ عليه؛ من جهة أن الثمار زيادة لا تنقص النخيل، والزرعُ وإن كان زيادة، فالأرض منتقِصةٌ به، وقد ذكرنا أنه إذا اجتمعت زيادةٌ ونقصانٌ، لم يملك واحد منهما إجبار صاحبه.
ومما يتعلق بالزرع: أن الزوج إذا طلّقها، فابتدرت واقتلعت الزرع؛ فالغالب أن النقص يبقى في الأرض إلى مدة؛ فإن الأرض فيما ذكره الحرّاثون تضعف بالزراعة، ولذلك يعسُر [موالاة] (١) الزراعة في كل سنة، فإن فرض زرع لا يُعقب نقصاً في الأرض، فإذا ابتدرت وقلعت الزرع؛ فحق الزوج [انحَصَر] (٢) في نصف الأرض، فإن [أعقب] (٣) الزرعُ نقصاناً، فالزوج على خِيَرته، فإن رضي بقبول نصف الأرض مزروعة، فعليه أن يُبقي الزرع فيها بالأجرة؛ [لأنها] (٤) زرعت -لما زرعت- ملكَها الخالص. هذا قولنا في الزرع.
٨٤٢٥ - أما الغراس؛ فإنه بمثابة الزرع في جميع ما ذكرنا؛ فإن الأرض مفردةً ناقصةُ القيمة، والغرس لا يزيدها شيئاً، فإن بذلت نصف الغراس، فهو كما لو بذلت نصف الزرع، فلا معنى للإعادة، فهو كالزرع في كل وجه.
٨٤٢٦ - وأما الحرث فإن كانت الأرض معدّة للزراعة، فهو زيادة متصلة من كل وجه، ثم لا يخفى حكم الزيادة، وإن كانت مهيّأة للبناء، فهو نقصان، لأنه [لا يتأتى] (٥) البناء على الأرض المحروثة إلا ببذل مؤونة في تنضيدها، ولا معنى للإطناب بعد وضوح المقصد.
стр. 6617
فصل
قال: " ولو ولدت الأمة في يديه أو نُتجت الماشية ... إلى آخره " (١).
٨٤٢٧ - إذا أصدق الرجل امرأته جاريةً حاملاً، أو شاة ماخضاً، فهذا يبنى على أن الحمل هل يقابله قسط من العوض في البيع؟ وفيه اختلاف مذكور في موضعه. فإن قلنا: للحمل قسط، فهو كما لو أصدقها عَيْنَين، فإذا طلقها قبل الدخول يرجع في نصف الأم، ولا يخلص الولد لها.
ثم يتصل بذلك أن الولد إذا انفصل، فهذا في حكم زيادة متصلة، والجارية قد تُعيّبها الولادة، فيقع التفصيل في عيبٍ بأحد العينين، وزيادة العين الثانية. وقد تمهّد التفصيل في القاعدتين.
والذي نزيده الآية: أن من أصحابنا من جعل نفس انفصال الولد [زيادة] (٢)؛ فإنه كذلك؛ إذ التفاوت بين الجنين وبين الولد المنفصل أكثر من التفاوت بين العبد السمين والهزيل، وهذا في ظاهره إخالة وإشعار بالفقه، ولكنه يغمض بالتفريع؛ فإنا إذا جعلنا الولادة زيادة، فيثبت للمرأة حق الاستمساك بالولد، ثم بناؤنا على أن الزوج يرجع في قسط من الولد، فكيف يقدّر رجوعه في نصف قيمة الولد، وهو مجتنٌّ، والجنين لا يتقوَّمُ في البطن؟ فأول إمكان تقويمه، إذا انفصل. وإذا أثبتنا للزوج نصفَ قيمته منفصلاً، ففيه نَقْضُ المصير إلى أن الولد زيادة، وإذا جاز أن تغرَمَ له نصف قيمة المولود حالة الانفصال، فينبغي أن نُسلِّم إليه نصف المولود. وإن قال هذا القائل: تُقوم الجارية حاملاً، ونصرف إليه نصفَ قيمتها، وإذا فعلنا ذلك، فقد أشركناه في الحمل، فهذا محال؛ فإن التفريع على أن الحمل يقابله قسط من العوض، كما يقابل أحدَ العبدين قسط من الثمن إذا اشتمل العقد على عبدين.
والذي يوضح ذلك: أنا إذا ألزمنا المغرور بحرية زوجته قيمة الولد، اعتبرنا حالة
стр. 6618
الانفصال. وإن كان تفويت الرق مستنداً إلى حالة الاختيار؛ فالصحيح إذاً أن الولد إذا انفصل، وجرى الطلاق [بعد] (١) انفصاله -والتفريع على أنه يُقابَل بقسطٍ من العوض- فالزوج يرجع في نصف الولد. نعم، إذا مضت أيام من الانفصال، والصبيّ ينمو فيها، لا محالة، فيتصل الكلام بالزيادة (٢).
وكل ما ذكرناه فيه إذا قلنا: للولد قسط.
وإن قلنا [لا] (٣) قسط له من العوض، فإذا ولدت، ثم [طَلّق] (٤) الزوج، فحكمها [حكم] (٥) ما لو كانت [حائلاً] (٦) يوم الإصداق، فحبلت في يد الزوج وولدت، فلا حظ للزوج في الولد، ويقع النظر في الأم، وقد [انتقصت] (٧) بالولادة.
ثم الفرق بين أن يجري ذلك في يده أو يدها، [قد] (٨) مضى مستقصًى، ونحن بنينا كتابنا هذا على رفض المعادات جهدنا، سيّما إذا قرب العهد، ونعيد البسط لمواقع الإشكال.
٨٤٢٨ - وقد يتصل بما انتهينا إليه أن نقصان الولادة في يد الزوج مضمون عليه، كما بيّنا أثر ذلك، وما يحصل من النقص في يدها يُثبت للزوج حق الخيار في الرجوع من العين إلى القيمة.
فلو كانت حاملاً في يد الزوج، ثم ولدت في يد الزوجة، وانتقصت بالولادة، فهذا نقصان حدث في يدها، ولكنه مترتب على سبب كان في يد الزوج؛ فإن لكل جنين اتصال، ولكل حاملةٍ تمام، فيجب بناء هذا على المبيع إذا [جُرح] (٩) في يد
стр. 6619
البائع، ثم سرت الجراحة في يد المشتري، فقد ظهر الاختلاف في ذلك: من أصحابنا من جعل السراية من ضمان البائع؛ لأن سببها الجراحة، فعلى هذا نقصان الولادة من ضمان الزوج، وإن حدث في يدها؛ لأن الحمل كان موجوداً في يده.
ومن أصحابنا من قال: نقصان السراية من ضمان المشتري؛ لأنه حدث في يده، فعلى هذا نقصان الولادة من ضمانها.
وقد بان حكم ضمانه وضمانها وإبراءُ كل واحد من الضمانين.
٨٤٢٩ - ثم إن المزني اختار من القول في كيفية الضمان، أن الصداق مضمون بالعقد، واحتج بنصوص الشافعي في مسائلَ، وأخذ يُعدّدها، ونحن نتبع ما أورد، ونذكر في كل مسألة ما يليق بها، مع اجتناب التكرير جهدَنا.
فمما استشهد به: مسألة من مسائل الصداق، ذكرها الشافعي في كتاب الخلع - وهي: أن الزوج إذا أصدق امرأته داراً، فاحترقت، قال الشافعي [في] (١) جواب المسألة: المرأةُ بالخيار بين أن تفسخ وترجع بمهر المثل، وبين أن ترضى بالعَرْصَة [وتجيزَها] (٢) بحصتها من المهر.
وهذه المسألة لها مقدمة مذكورة في الكتب، ونحن نذكر منها قدر الحاجة، ثم نرمز إلى تخريج المسألة على الأصول وتنزيلها عليها، فنقول: إذا اشترى الرجل عبدين، فتلف أحدهما في يد البائع، فالقول الأصح: أن العقد لا ينفسخ في القائم، وينفسخ في التالف، والقاعدةُ أن العقد إذا ورد على ما يقبل العقد وعلى ما لا يقبله، وبطل فيما لا يقبله، ففي بطلانه فيما يقبله القولان المعروفان. ثم إن صححنا العقد، فالخيار معروف، فإن اختار المشتري الإجازة؛ فإنه يجيز العقد فيما قَبِل العقدُ بجميع الثمن أو بقسطه؟ فعلى قولين.
وإذا تلف أحد العبدين، فالأظهر أن الانفساخ في التالف لا يوجب الانفساخ في
стр. 6620
القائم؛ فإن العقد قد ورد عليهما، وكان سبب ارتفاعه في التالف تلفَه، ثم إذا فُرضت الإجازة، فالمذهب: أن العقد يجاز في الباقي بقسطٍ، بخلاف ما ذكرناه في أول العقد. والفرق أن الثمن في أول العقد لم يقابل أحدهما، وقد قابل الثمن [العبدين،] (١) ويستحيل إذا تلف أحدهما أن يقابل [بتمامه] (٢) الثاني، على مناقضة المقابلة التي جرت، وهذا مذكور في تفريق الصفقة، فهذا أصلٌ جدّدنا العهد به.
ومن الأصول أن أطراف العبد أوصافٌ، ولا يثبت لها حكم الانفراد في المقابلة بالعوض، وإذا اشترى الرجل داراً، فانهدمت، نظر: فإن كان النقضُ قائماً؛ فالذي فات، أوصافٌ لا تقابل بقسطٍ من العوض، وإن فات النقضُ باحتراق أو [جرف] (٣) سيل، وبقيت العَرْصَةُ بيضاءَ، فقد ظهر اختلاف أصحابنا في أعيان النقض، فمنهم من أجراها مجرى أطراف العبد، حتى تقدّر أوصافَ العبد، ومنهم من أجراها مجرى عبدٍ مع عبدٍ إذا فرض التلف. في أحدهما، وقد تقدم تمهيد ذلك في المعاملات.
ونحن نرجع بعد هذا إلى غرض المسألة، فإذا أصدق الرجل امرأته داراً فانهدمت، نُظر: فإن فات النظم والتآلف، والنقضُ قائم؛ فلها الخيار إذا جرى ذلك في يد الزوج. ثم القول في الفسخ والإجازة، وما يقع الرجوع به [من] (٤) مهر المثل والقيمة على ما تفصّل في نقصان الصداق بالآفة السماوية.
وإن فات عين النقض، خرج هذا على أن النقض صفةٌ أو عين مقصودة، فهو كما إذا أصدقها عبداً، فسقطت أطرافه.
ومحل تعلق المزني أنه نقل عن الشافعي رجوعها إلى مهر المثل، وطريق الجواب في مثل هذا بيّن.
стр. 6621
فصل
قال: "ولو جعل ثمر النخل في قواريرَ وجعل عليها صَقَراً من صقَر نخلها ... إلى آخره " (١).
الصَّقَر (٢) قُطارة الرطب من غير أن يعرض على النار، فإن عُرض على النار، فهو دِبْس، وإنما صور الشافعي هذه المسألة على عادة الحجازيين، فإنهم يجتنون الرطب، ويتركونه في قوارير ويصبّون عليه من القَطْر استبقاءً لرطوبة الرطب، وقد يسمونه كذلك.
فصورة المسألة: أنه إذا أصدقها نخلة [فجعل] (٣) على رطبها صقراً، ويفضي الأمر إلى التفصيل في انتهاء التغير إلى التعيّب، وفي نقيض ذلك.
واختلف أصحابنا في وضع المسألة وتصويرها. فمنهم من قال: صورتها إذا كانت الثمرة صداقاً، وكانت كائنةً حالة الإصداق؛ فإن أصدقها نخلة عليها ثمرةٌ مؤبرة أو غير مؤبرة، ثم فعل بالثمرة وصقْرها ما وصفناه. وإنما حمل هؤلاء النصَّ على هذه الصورة؛ لأن الشافعي أثبت لها الخيارَ [لما] (٤) يلحق الثمرةَ وعصيرها من التغير.
وهذا يتضمن كونها صداقاً، فتفريع هذه المسألة عند هذا القائل أن يقول: إذا كانت الثمرة وصقرها موجودةً حالة العقد [ووقعت] (٥) صداقاً، فلا يخلو، إما ألا ينتقص الرطب والصقر، فإن كان ذلك، فلا خيار لها، والزوج كفاها شغل الاجتناء، وتحمل المؤنة. وإن انتقص، فلا يخلو إما أن يكون ذلك انتقاص صفةٍ أو انتقاص عَيْن. فإن كان نقصانَ صفةٍ، وذلك بأن كان العصير يساوي ثلاثة دراهم، فعاد إلى درهمين، والمكيلة بحالها لم تنتقص، فلها الخيار. فإن فسخت، لم يخفَ تفريعُها
стр. 6622
على اختلاف الأحوال، فالمسألة مفروضة في نقصٍ ثبت بسبب فعلٍ من الزوج، وهو بمثابة عيب لحق المبيع بجناية البائع، ولسنا لإعادة تلك الفصول. [فإن] (١) أجازت العقد، فتخريج أرش النقصان على قولي اليد والعقد كما مضى.
٨٤٣٠ - وإن كان النقصان نقصانَ عين- مثل أن كان أخذ من الصقر مكيلتين، فشربت الأرطاب مكيلةً، وبقي مكيلةٌ، فحكم ذلك حكمُ ما لو أصدقها عبدين، ثم أتلف الزوجُ أحدَهما. ولا يخفى تفريع ذلك.
ثم يتصل الكلام: إذا رأينا -على قول اليد- لها الرجوع إلى بدل الفائت، لا إلى بدل البضع، فالنظر في المِثْل والقيمة، والقول في أن الرطب هل هو من ذوات الأمثال، وكذلك الصقر إذا طبخ ومازجه ماء، أو كان صِرْفاً، كل ذلك مما تقدم.
وهذه المسألة وأمثالها يطولها المتكلّفون بإعادة الأصول، ثم لا يعتنون بالغوص على جليّات المسائل فضلاً عن [مُعوصاتها] (٢).
وقد يطرأ في أمثال هذه المسألة ما يجب التنبه له، فقد تزلّ عنه القريحة، وذلك أن الرطب إذا تشرب بعض الصقر، وصار مستهلكاً فيه وزناً، ولكن ازدادت قيمةُ الرطب، [فما] (٣) نقص من مكيلة الصقر مضمون، وإن ازدادت قيمة الرطب بسبب ما تشرب من الصقر، وهذا بمثابة ما لو أصدق امرأته قضيماً (٤) ودابة، ثم عُلفت الدابةُ القضيمَ، فانتفعت الدابّة وسمنت، فتلك الزيادة حق المرأة، والقضيم مضمون على الزوج.
٨٤٣١ - ومن أصحابنا من قال صورة المسألة فيه إذا لم تكن (٥) للمرأة صداقاً، وما كانت موجودة حالة العقد، بل كان أصدقها نخلة، ثم أثمرت في يده، فالثمرة
стр. 6623
تحدث ملكاً لها. وليست من جملة الصداق. ونص الشافعي مصرِّحٌ بهذا في الكبير.
فإذا كانت الصورة مفروضة على هذا الوجه، فليست المسألة من مسائل الصداق، ولكنها من مسائل [الغصوب] (١)، فهو كما لو غصب رجل رطباً وعصيراً، وصب العصير على الرطب، فالقول في ذلك ينقسم وينفصل، وقد يتعفن الرطب تعفناً سارياً غير متناهي العفن، وقد مضى ذلك مستقصًى في كتاب الغصوب. فلا معنى للخوض فيه.
وقد يقع الفرْضُ فيه إذا صب على التمر الذي ليس بصداق صقْراً من عند نفسه، فيكون كنظائره في الغصوب، مثل أن يغصب ثوباً فيصبغه بصبغ من عند نفسه، وهو من أصول الغصوب، ولست أوثر أن أذكر في هذه المسائل إلا مراسمها، ولا ينقطع ترتيب فصول [السواد] (٢)، وإلا فلا معنى لإعادة الأصول. وقد تمس الحاجة إلى إعادة أطرافٍ منها، والمقصودُ غيرُها، أما إعادتها بأعيانها، فلا يليق بغرضنا.
٨٤٣٢ - ومما ذكره الأصحاب أن الثمرة لو كانت صداقاً، فصب عليها الزوج من صقْر نفسه، وجعلها في قارورة، فإن لم تنتقص، فلا خيار لها، فالزوج ينزع صقره. وإن انتقص الثمرة، فهذه مسألة نقصان الصداق بجناية الزوج، وقد مضى تفصيله. وإن كانت الثمرة تنتقص لو نزع الصقْر منها، ولا نقص مع الصقر، أو كانت تنتقص لو أزيلت مع الصقر عن القوارير؛ فقال الزوج: تركت صقري والقوارير على الزوجة، فهذا بمثابة مسألة النَّعل (٣)، وفيها التفصيل المفرد في البيع، والظاهر أن المرأة تجبر على القبول، وكذلك القول في مسألة [النّعل] (٤)، ثم لو فُرّغت القارورة وزايل النعلُ، فهل يستردهما من كان مالكهما؟ فيه وجهان. والخلاف راجع إلى أن
стр. 6624
التَّرك تمليكٌ أو (١) ليس بتمليك. ويمكن أن يقال: إن لم نجعله تمليكاً، فلا يمتنع الإجبار عليه، وإن جعلناه تمليكاً؛ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نُجبرها عليه؛ لأنه تبعٌ، ولا مِنّةَ فيه؛ إذ للزوج غرض ظاهر سوى [الامتنان] (٢). والوجه الثاني - أنا لا [نجبرها] (٣)؛ لأن الإجبار على التمليك -وهي مطلقة- بعيد.
فصل
قال: " وكل ما أصيب في يده بفعله أو فعل غيره ... إلى آخره " (٤).
٨٤٣٣ - نصُّ الشافعي في هذا الفصل يدل على أن الصداق مضمون ضمان المغصوب؛ فإنه قال: " فهو كالغاصب ". ثم استثنى مسألة، وهي: إذا كان الصداق [أَمةً] (٥) فوطئها، وادعى الجهالة، وقال: كنت أظن أنها لا تَملِك قبل الدخول إلا النصف، فيُصدّق في دعوى الجهالة، وكيف لا وقد صار إلى ذلك مالك (٦)، ثم لا يخفى حكم ثبوت النسب، أو فرض علوق وحكم الحرية، ولا تثبت [أُميَّة] (٧) الولد في الحال، ولو ملكها يوماً من الدهر؛ ففي ثبوت أمومة الولد قولان مشهوران.
ومن غصب جارية، وأصابها، وادّعى الجهالة، لم يصدق. وقد سبق صدرٌ صالح في دعوى الجهالة حيث تُحتمل وحيث يبعد احتمالها، فلا حاجة إلى شيء مما ذكرناه.
стр. 6625
فصل
قال: " ولو أصدقها شقصاً من دارٍ ففيه الشفعة ... إلى آخره " (١).
٨٤٣٤ - هذا من أصول الشفعة، فالشقص المذكور صداقاً، أو بدلاً في الخلع، أو في المصالحة عن دم العمد مستحَقٌ بالشفعة، فيأخذه الشفيع بمهر المثل في النكاح والخلع، وببدل الدم من الصلح عن الدم.
وإذا ذُكر الشقص صداقاً، وفُرض الطلاق، ففي المسألة ثلاث صور: إحداها - أن يأخذ الشفيع، ثم يُفرض الطلاق؛ فهو كما لو باعت الشقص، ثم طلقها الزوج، فالرجوع بنصف القيمة.
وإن طلق الزوج واتصل به طلب الشفيع، فحضرا معاً؛ فهذه المسألة المعروفة بين المروزي وابن الحداد تعارضها مسألة الإفلاس، وتردد الشقص بين رجوع البائع وأخذ الشفيع، فلتطلب هذه المسألة في موضعها.
والمسألة الثالثة: أن يجرى الطلاق والشفيع غائب، ثم يحضر ويبتدىء الطلب، فإن قدمنا الزوج في المسألة الأولى على الشفيع، فلا شك في تقدمه في الأخيرة، وإن قدمنا الشفيع إذا جاء والزوج معاً، ووقع الطلاق، وطلب الشفعة على اجتماع، فإذا تقدم الطلاق على طلب الشفيع؛ ففي المسألة وجهان.
وفصَل بعض أصحابنا بين أن يأخذ الزوج، ثم يجيء الشفيع، وبين ألا يأخذ، وقال: إذا أخذه لم ينقض عليه.
فانتظم في المسألة الأخيرة ثلاثة أوجه بعد الترتيب على الثانية.
والفصلُ بين أن يأخذه قبل مجيء الشفيع وبين ألا يأخذ- التفاتٌ (٢) على أصلٍ في الشفعة، وهو أن الشفيع إذا لم يشعر بالشفعة حتى باع الشقص الذي هو شريك به؛ ففي بطلان حقه من الشفعة قولان، والفرق بين أن يأخذ وبين ألا يأخذ لا حاصل له،
стр. 6626
إذا كان التفريع على الظاهر في أن نفس الطلاق يشطّر الصداق، فإن كان وجه الفصل تفريعاً على أن ملك الزوج يتوقف على اختيار التملك، فقد يتجه ذلك.
فصل
قال المزني: " اختلف قوله في الرجل يتزوجها بعبد يساوي ألفاً على إن زادته ألفاً ... إلى آخره " (١).
٨٤٣٥ - إذا جمع بين النكاح والبيع مثل أن يقول: " زوجتك ابنتي هذه وبعت منك هذا العبد بألف درهم، وقيمة العبد ألف "، فقال: " تزوجتها واشتريت العبد على هذا ". أو قال (٢): " قبلت النكاح والعقدَ في العبد " والغرض ألا يُغفلا لفظ النكاح والتزويج. وقد يكون العبد من جانب الزوج، فيقول: " تزوجت ابنتك على هذا العبد، على أن تعطيني ألفاً "، ومهر المثل ألف، وقيمة العبد ألف، فنصف العبد المبيعُ والنصف صداق، فهذه صفقة جمعت عقدين مختلفي الحكم، وللشافعي قولان، أظهرهما - الصحة. والقول الثاني - أن الصفقة لا تصح.
وقد ذكرنا هذا في ترتيب تفريق الصفقة، فنذكر ما يليق من هذا الأصل بالنكاح والصداق.
فإن قلنا: الصفقة صحيحة، فلا يخلو، إما أن يكون العبد من جانبه وردُّ الألف من جانبها، أو يكون الألف من جانبه والعبد من جانبها. فإن كان العبد من جانبه، فالنصف منه صداق، والنصف مبيع بالألف، فلو اطلعت على عيب به، وفسخت، استردت الألف الذي كان ثمناً لنصف العبد، وترجع بسبب الصداق بمهر المثل في قول، وبنصف قيمة العبد في قول - كما سبق. ولو أرادت أن ترد النصف بالعبد -إما المبيع وإما الصداق- ففي المسألة قولان، كالقولين في العبدين إذا اشتراهما ووجد بأحدهما عيباً، فأراد ردَّه، وإمساكَ الآخر. ووجه الشبه أن العقد هناك وإن اتحد،
стр. 6627
فقد تعدد المعقود عليه، وهاهنا اتحد العبد وتعددت الجهة والعقد.
ولو جرى فسخ قبل المسيس يوجب رد الصداق، يرتد نصف العبد إلى الزوج، فإنه كل الصداق -والفرض في فسخٍ يوجب رد جميع الصداق- ويبقى النصف الآخر من العبد بحكم الشراء.
ولو طلقها قبل الدخول، رجع ربع العبد إلى الزوج، وبقي ثلاثة أرباعه- الربع منه بحكم الصداق، والنصف بحكم الشراء، ولو فرض التفريق على الوجه الآخر، لم يخف تفريع المسألة، وقصاراها التَّدْوارُ على التفريع وما ترجع المرأة به.
فصل
قال: " ولو أصدقها عبداً فدبّرته ... إلى آخره " (١).
٨٤٣٦ - إذا دبّرت المرأة عبد الصداق، وطلقها زوجها قبل المسيس؛ فالذي نقله المزني: أنه لا يرتد إلى الزوج نصف العبد، وأن رجوعه إلى نصف القيمة، فاقتضى النص كونَ التدبير مانعاً من الرجوع إلى الزوج، واختار المزني أن النصف من العبد يرتد إلى الزوج وينتقض الترتيب فيه.
وفي المسألة طرق للأصحاب، منهم من قال: القول في ذلك على قول الشافعي: إن التدبير وصية، أو تعليق عتق بصفة؟ فإن قلنا: التدبير وصية، يُشَطَّر الملك في العبد بالطلاق، كما لو أوصت بأن يعتق ذلك العبد عنها بعد الموت، ثم طلقها الزوج؛ فالوصية تنتقض في النصف، ويرتد إلى الزوج ملكاً. وإن قلنا: التدبير تعليق، فالتعليق لا يقبل الرجوع، بخلاف الوصية، فكان مانعاً من الارتداد إلى الزوج بلزومه.
وهذا غير سديد؛ من قبل أن التعليق بالصفة لا يمنع إزالة الملك، وللمعلِّق أن يبيع العبد الذي علق عتقه بالصفة، كما له أن يبيع العبد الموصى بعتقه، فافتراق التعليق والوصية في أنه يتصور الرجوع عن الوصية صريحاً، ولا يصح الرجوع عن
стр. 6628
التعليق صريحاً، لا يوجب فرقاً بينهما في جواز البيع والهبة وغيرهما من جهات التصرفات التي تستدعي الملك التام.
ومن أصحابنا من قال: التدبير في عبد الصداق يمنع الارتداد إلى الملك التام.
ومن أصحابنا من قال: التدبير في عبد الصداق يمنع الارتداد إلى الزوج قولاً واحداً، سواء حكمنا بأن التدبير وصية، أو قلنا: إنه تعليق عتق بصفة؛ وذلك لأنها إذا دبّرت وقد قصدت التصرف بعقد عتاقة، وعلّقت ذلك العقدَ بالعبد، فينبغي ألا ينتقض قصدها؟ فإنا إذا كنا نمنع الزوج من الرجوع إلى نصف الصداق إذا زاد أدنى زيادة، مع علمنا بأن الزيادة المتصلة لا أثر لها في الفسوخ والعقود والردود، فتعلُّقُ غرضها بعقد العَتاقة لا ينقص عن الزيادة المتصلة.
ثم من سلك هذه [الطريقة] (١)، إذا قيل لهم: لو لم تدبره، ولكنها صرحت بالوصية بعتقه، أو علقت عتق عبد الصداق بصفةٍ، فماذا تقولون؟ فقد اختلف جواب هؤلاء. فقال قائلون: التصريح بالوصية وتعليق العتق يمنعان مع التدبير. وقال آخرون: المنع يختص بالتدبير؛ فإنا وإن أحللناه محل الوصية أو محل التعليق، فلسنا [ننكر] (٢) أن التدبير عقدُ عتاقة في الشرع، وبه يتحقق تجرّد القصد إلى التقرّب.
وأما التعليق بالصفات؛ فإنه من أحكام المعاملات، والوصية لا يُقْدم عليها الموصي إلا وهو يثبت لنفسه مستدركَ الرجوع.
فإن قيل: فالتدبير مع ذلك [يقبل] (٣) الرجوعَ في قولٍ - والإبطالَ بإزالة الملك في قول؟ قلنا: إنما يَقْبله ممن أنشأه، [فأما إبطاله عليها لحق الزوج] (٤)، فهو بعيد.
ومن اشترى عبداً بثوب، وقبض العبد ودبّره، ثم ردّ صاحبه الثوب عليه بعيب قديم، فالمذهب الأصح: أن العبد يرتد، والتدبير ينتقض، قولاً واحداً، لقوة الفسخ واستيلاء سلطانه. ولذلك لا تؤثر الزيادة المتصلة في منع الارتداد بالفسخ،
стр. 6629
بخلاف الارتداد إلى الزوج بحكم الطلاق، أو بما يحل محل الطلاق مما يوجب التشطير قبل المسيس.
وأبعد بعض الأصحاب فجعل التدبير مانعاً من الارتداد بالفسخ، كما يكون مانعاً من التشطير بالطلاق، وهذا بعيد غير معتد به.
ومن أصحابنا من قطع بأن التدبير في عبد الصداق لا يمنع تشطيره، وهذا هو القياس الظاهر، ولكنه مخالف للنص، ويقبح ترك النص الصريح، والوجه: إثباته قطعا أو قولاً، وتوجيهه بما يمكن، والله أعلم.
٨٤٣٧ - والذي جرى في المسالة بعد طرق الأصحاب سببان: أحدهما - التردد في أن التصريح بالوصية والتعليق هل ينزل منزلة التدبير؟ والثاني - أن التدبير إذا رأيناه مانعاً من التشطير، فقد يمنع من الارتداد في الفسوخ، ومن الرجوع في الهبة، فيه الوجهان المذكوران. فمن أصحابنا من عمّم المنع في هذه الأبواب، وجعل التدبير بمثابة زوال الملك في جميعها. ومنهم من خصص المنع بالتشطير؛ لما ذكرناه من تنزيل التدبير منزلة الزيادة المتصلة فاختص بباب التشطر في الصداق. فهذا حاصل القول في المسألة.
٨٤٣٨ - ثم إن جعلنا التدبير مانعاً من التشطير؛ فلو دبرت عبد الصداق، ثم أبطلت التدبير بالرجوع في التدبير صريحاً، فهل يكون هذا بمثابة ما إذا زال ملكها عن عبد الصداق، ثم عاد إليها ملكاً، ثم طلقها الزوج قبل المسيس؟ فعلى وجهين. من أصحابنا من جعل طريان التدبير وزواله بمثابة طريان زوال الملك وعوده قبل الطلاق.
ومنهم من قال: ليس كزوال الملك، وإن جعلناه مانعاً من التشطير إذا كان ثابتاً عند الطلاق، قياساً على الزيادة المتصلة؛ فإنها وإن كانت مانعة في ثبوتها عند الطلاق، فلو طرأت وزالت، وعاد الصداق إلى ما كان عليه حالة العقد، فما تقدم من الطريان والزوال لا أثر له في منع التشطير.
وهذا نجاز المسألة. وسيأتي القول في حقيقة التدبير في كتابه، إن شاء الله تعالى.
стр. 6630
٨٤٣٩ - ثم تكلم الأصحاب في زوال ملك المرأة عن الصداق وعوده إلى ملكها، وهذا مما تكرر في كتاب التفليس، والرد بالعيب، والضابط للأبواب أن الملك الزائل فالعائد، بمثابة الملك الذي لم يعد، أم بمثابة الملك الذي لم يزُل؟ فيه قولان. ثم ينفصل كل باب على حسب ما يليق به.
والقدر الذي يتعلق بهذا الكتاب طرد الخلاف في الشطر من غير فرق بين جهةٍ في العود [وجهةٍ] (١)، وإنما تختلف [التفاصيل] (٢) في المبيع إذا خرج ثم عاد ببيع، ثم فرض الاطلاع على العيب، فهذا يضطرب الرأي فيه لإمكان الرد في البيع الجديد، [وتحمله] (٣) في البيع القديم، على ما مضى مستقصًى في موضعه.
أما في الصداق؛ فإذا تحقق الزوال والعود، فلا نظر إلى تفاصيل الجهات، وبالجملة: زوال الملك أظهرُ أثراً في منع التشطر منه في منع الفسوخ، لما مهدناه من ضعف التشطر، والشاهد فيه منع الزيادة المتصلة [له] (٤) وإثبات الخِيَرة لها، ثم حيث جعلنا زوال الملك مؤثراً في المنع، فهو فيه إذا زال زوالاً لازماً، فإن كان الزوال على نعت الجواز، مثل أن يبيع بشرط الخيار -والتفريع على زوال الملك- فإذا انتقض البيع وارتد الصداق إليها؛ ثم طلقت؛ ففي هذا النوع من الزوال وجهان. وطريان الرهن وزواله لا يؤثر.
وإذا كاتبت عبدَ الصداق، ثم عجَّز المكاتبُ نفسَه، وانقلب رقيقاً؛ فهذا أجراه القاضي مجرى زوال الملك على اللزوم، وطرد الخلاف على ما ذكرناه، وهو مرتب عندنا على زوال الملك؛ فإنّ المكاتب مِلْكُ المولى إلى العتاقة، وإن تضمنت الكتابة حيلولة، فالرهن يتضمنه أيضاً، ثم لا يؤثر طريان الرهن.
٨٤٤٠ - ثم قال الشافعي: " ولو تزوجها على عبد، فَوُجِد حراً، فعليه قيمته ...
стр. 6631
إلى آخره " (١). وهذا نص من الشافعي على الرجوع إلى القيمة في اقتران الفساد بالصداق، وقد فصلنا هذا في تمهيد القواعد على أحسن الوجوه، فلا حاجة إلى إعادتها.
فصل
قال: " إذا شاهد الزوجُ الوليَّ والمرأةَ أن المهر كذا ... إلى آخره " (٢).
٨٤٤١ - صورة المسألة: إذا تواطآ على مقدار من المهر سراً، واتفقا على أن يُظهرا أكثر، فإذا جرى العقد علانية بالمبلغ الكثير بعد تقدم التواطؤ، قال المزني: اختلف قوله في ذلك. فقال في موضعٍ: السرّ، وقال في موضع العلانية. ثم قال: هذا عندي أولى؛ لأنه إنما ينظر إلى العقود، وما قبلها وعدٌ، هذا نقل المزني واختياره.
وقد اختلف أصحابنا على طريقين، فمنهم من قطع بأن الاعتبار بمهر العلانية، وما جرى من التواطؤ في السرّ لا حكم له، فهو [وعدٌ] (٣) كما قاله المزني، والمعوّل على ما جرى العقد به لا غير، وهؤلاء يحملون نص الشافعي على فرض إجراء عقد في السر بالمبلغ الذي وقع التراضي عليه، ويشهد لذلك قوله " إذا شاهد الزوج الولي " فذكر الولي يشعر بجريان العقد، وهذا وإن كان قياساً، فهو مخالف للنص.
ومن أصحابنا من أجرى القولين، كما نقله المزني- ثم هؤلاء اختلفوا على طريقين، فمنهم من قال: القولان مفروضان فيه إذا قالا: المهر ألف، وقد تواضعنا بيننا على أن نجعل ذكر الألفين علانيةً عبارة عن الألف الذي وقع التراضي به، فإذا جرى ذلك كذلك، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن الاعتبار بمهر السرّ؛ فإنهما جعلا الألفين عبارة عن الألف، واللغات اصطلاحات، وليس يبعد عن القياس تحريفها؛ فإنها لا معنى لأعيانها، وإنما المقصود معانيها، وما يقع التفاهم به فيها.
стр. 6632
والقول الثاني - أن الواجب مهر العلانية؛ فإنهما أجريا لفظاً صريحاً في العقد، والصرائح لا تحال ولا تُزال عن حقائقها بما يفرض من تواطؤ وتواضع. وهؤلاء يقولون: لو وقع التراضي سراً على خلاف هذا الوجه، وقالا المهر مهر السر، ولم يتعرضا لتعيين اللغة، كما نصصنا عليه؛ فالذي تقدم وعد، والتعويل على المذكور في العقد، كما ذكره المزني.
ومن أصحابنا من طرد القولين، وإن لم يجر تعرض لتغيير اللغة بطريق المواضعة والاصطلاح، وذلك أنه وإن لم يقع لتغيير اللغة تعرض، فالمراد آيلٌ إلى ذلك.
ثم بنى الأئمة على هذه القاعدة جملةَ الأحكام المتلقاة من الألفاظ، فإذا قال الزوج لزجته: إذا دخلت أنت طالق ثلاثاً، لم أرد به الطلاق، وإنما غرضي أن تقومي أو تقعدي، أو غرضي بالثلاث الواحدة، فظاهر المذهب: أن ذلك لا يقبل منه.
وفي هذه المسألة الوجه البعيد الذي ذكرناه في مهر السر والعلانية، وسنبسط القول في هذا في مسائل الطلاق، عند اعتنائي بذكر الصرائح والكنايات، والأمور الظاهرة والباطنة ومسائل التدبير.
فصل
قال: " وإن عقد عليها النكاح بعشرين يوم الخميس ... إلى آخره " (١).
٨٤٤٢ - إذا ادعت المرأة أنه نكحها يوم الخميس بعشرين، ويوم الجمعة بثلاثين، وطلبت المهرين؛ فدعواها مسموعة. فإن ثبت العقدان بإقراره وبالبينة، أو نكل عن اليمين، فرُدّت اليمين عليها، فحلفت، ثبت المهران.
فإن ادعى الزوج بعد ثبوت النكاحين أنه لم يصب في النكاح الأول، فالقول في هذا قوله مع يمينه بناءً على الأصول التي مهدناها؛ إذ قلنا: إذا اجتمع النفي والإثبات في تداعي الزوجين في الإصابة، فالقول قول النافي إلا في المسائل التي استثناها.
ثم ما ذكره الأصحاب أن الزوج لو لم يتعرض لنفي الإصابة في النكاح الأول،
стр. 6633
فللمرأة طلب المهرين على الكمال، ولا حاجة بها إلى إثبات المسيس في النكاح الأول، وإن كان المهر لا يتقرر إلا به، ونفس النكاح الثاني يدل على ارتفاع النكاح الأول، فكأن النكاح الأول ثبت وارتفع، ولم يثبت فيه المسيس، وطلب جميع المهر من غير مسيس على استمرار النكاح ممكن، فأما إذا ارتفع النكاح، فلا يمكنها طلب المهر على قياس استمرار النكاح، والأصل عدم المسيس، ولكن يعارض هذا أن المهر ثبت بالنكاح على الكمال، فعلى من يدعي سقوط شطر منه أن يتعرض له، ولكن يتطرق إلى هذا أن الزوج لو ادعى نفي الإصابة صُدِّق مع يمين، ولم يطالَب بأمر آخر.
فليتأمل الناظر هذا، وليفهم لطفَ مأخذه، فالأصل ثبوت المهر، وهذا يستمر في سكوت من عليه المهر.
فإن ادعى عدمَ المسيس صُدِّق مع يمينه، وإن لم يدّع طولب بتمام المهر، بناء على ثبوته. فإذاً على الزوج إثبات مقتضى التشطر بيمينه.
وحجج الخصومات منقسمة، وهذا كما أن المودَع مطالَب بالوديعة، محبوس إذا سكت، فإن ادعى تلفاً أو رداً، صُدّق.
ولو قال الزوج: كان النكاح الثاني تجديداً للإشهاد (١) ولم يكن عقداً جديداً، فلا ينفعه هذا القول، بل إذا قال ذلك، استغنت المرأة عن إقامة البينة، وكان ما صدر منه إقراراً بالعقدين: أما الأول فقد اعترف به، وأما الثاني فقد اعترف بصورته، وادعى فيه الإعادة، وهذا يُشبه إذا ادعى رجل على رجل عيناً، وقال المدعى عليه للمدعي: بعها مني، فالاستباعة تتضمن إقراراً للمدعي بالملك، وليس للمدعى عليه أن يقول: طلبت منه صورة البيع ولم أعترف بصحة بيعه، فإنَّ طلبَ البيع محمول على البيع الصحيح، وكذلك كل من اعترف بعقد، فاعترافه المطلق محمول على الاعتراف بالعقد الصحيح.
стр. 6634
فصل
قال: " ولو أصدق أربع نسوة ألفاً ... إلى آخره " (١).
اختلفت نصوص الشافعي في مسائل متناظرة، ونحن ننقل أجوبته فيها، ثم نذكر طرق الأصحاب.
قال: إذا نكح نسوة في عقدة واحدة وأصدقهن مالاً واحداً سمّاه؛ فلا شك في صحة النكاح، وفي صحة الصداق قولان [نص] (٢) عليهما.
ونص أيضاً على مثل هذين القولين إذا خالع امرأته، أو نسوة بعوض واحد، فالخلع واقع، والبينونة حاصلة، وفي فساد العوض قولان.
ولو ملك أشخاصٌ عبيداً، فملك كل واحد عبداً أو أكثر، فباعوا عبيدهم بمال يقع [التراضي] (٣) عليه من رجل، فقد نص الشافعي على فساد البيع، وقطع قولَه به.
ولو كاتب عبيداً على عوض واحد نجَّمه عليهم، فقد نص على صحة الكتابة، وقطع قولَه بها.
فاختلف أصحابنا على طرق؛ فمنهم من ضرب بعض هذه النصوص ببعض، وجعل في المسائل كلِّها قولين: أحدهما - أن العقد باطل لجهالة العوض؛ فإن كل واحد ليس يدري ما ثبت له بالعقد، ولكل واحد حكمٌ في نفسه، وانضمام غيره إليه لا يغيّر من أمره شيئاً، فلا أثر لكون جملة المسمى معلومة إذا كان كل واحد منهم جاهلاً بما يطالب به، وهذا بمثابة ما لو قال الرجل: " بعتك داري هذه بما باع به فلان عبده "، فالبيع باطل، وإن كان الوصول إلى ما [باع] (٤) به فلان عبده ممكناً، وما نحن فيه أولى بالبطلان؛ فإن درك ثمن ذلك العبد ممكن على يقين، وسبيل درك
стр. 6635
العوض في حق كل واحد بالتقويم والفضِّ (١)، وهذا مظنون لا يتوصل إلى مسلك التعيين فيه. وما يجري في النكاح والخلع والبيع والكتابة على نسق واحد؛ فإن هذه العقود -وإن اختلفت أحكامها- فهي متساوية في اشتراط الإعلام في عوضها.
والقول الثاني - أن العقود بجملتها صحيحة؛ فإن المقدار المسمى معلوم وقد قوبل بمعلومات، فاشتملت الصفقة على مقابلة معلوم بمعلوم، ثم الاجتهاد وراء ذلك في القسمة، والنص يخصص القول الأول. هذه طريقة.
٨٤٤٣ - ومن أصحابنا من أقرّ النصوص قرارها، وطرد القولين في بدل الخلع والصداق، وقطع بالفساد في البيع، وبالصحة في الكتابة، وهؤلاء يحتاجون إلى فرقين: أحدهما - بين البيع والخلع وبين الكتابة، أما الفرق بين البيع وغيره؛ فهو أن العوض ركن في البيع، وحكم فساد الركن فساد العقد، ثم موجب فساد البيع إلغاؤه، والبدل ليس ركناً في الخلع والنكاح، وفقه ذلك أنا لا نفسد النكاح والخلع بفساد العوض، وإذا لم نفسدهما، فلا بد من إثبات عوض، وذلك العوض هو مهر المثل الذي نريد توزيع المسمى عليه، وإذا كنا لا نجد بداً لإثبات مهر المثل، فلا يمتنع توزيع المسمى عليه، ومثل هذا لا يتحقق في البيع.
وأما الكتابة، فهي أقل [احتمالاً] (٢) لأمثال هذه الأمور؛ فإن عوضها أُجمل على صيغة تَفْسُد عليها الأعواض في العقود؛ فإنها مقابلة الملك بالملك، ثم كان سبب احتماله تشوف الشرع إلى تحصيل العتاقة، فإذا أمكننا أن نقدر وجهاً في الصحة، لم يَلِقْ بوضع الكتابة أن تفسُد لتخيير السيد. ومن فهم ما ذكرناه، لم يفسد عليه الكلام العام في اشتراط الإعلام في أعواض هذه العقود.
ومن أصحابنا من ألحق البيع بالنكاح والخلع، وخصص الكتابة بقطع القول فيها بالصحة، والسبيل ما قدمناه، ولا يمتنع عكس هذه الطريقة على من يحاول؛ فإن الكتابة مضمونها العتق، وهو على النفوذ كالطلاق، والبيع يختص من بين هذه
стр. 6636
العقود بمزايا وتأكيدات في رعاية صفات الأعواض.
فأما القول في الصداق، فإن أفسدناه، رجعنا إلى مهور أمثال النسوة، فإن كل فساد يرجع إلى الجهالة فالرجوع إلى مهر المثل، وهذا مقطوع به.
٨٤٤٤ - ووراء ما ذكرناه غائلة؛ فإنا على قول القيمة وضمان اليد نقدر للخمر قيمة، ونقدر الخمر عصيراً، ومساق هذا يقتضي ألا نصير إلى مهر المثل إلا في المجهول الذي لا يمكن تقويمه. وإذا كان النص على مهر المثل ممكناً، فليس هذا بأبعدَ من تقدير قيمة الحر.
فإن وفّينا حق هذا الأصل، قلنا: إذا رأينا الرجوع إلى القيمة في قاعدة الصداق عند طريان التلف أو اقتران الفساد، فالوجه: تصحيح الصداق. وإن لم نر ذلك، جرى القولان، وهذا تكلّف منا، والأصحاب طردوا القولين على القولين.
وحق من يريد الاعتناء بالمذهب أن يفهم ما قيل ويتثبت في النقل، ثم يحيط بالمشكلات، ويستمسك بها في نصرة قول على قول.
وإن حكمنا بصحة الصداق، فلا وجه إلا فضّ المسمّى على أقدار مهور أمثال النسوة، فإن استوين في مهور الأمثال استوت حصصهن، وإن تفاوتن في المهور، تفاوتت الحصص.
وفي طريقة القاضي قول غريب أن المسمى [مفضوضٌ] (١) على رؤوسهن من غير نظر إلى تفاوت المهور، وهذا وهم غير معدود من المذهب، لا يُحتمل إلا من رجل له قدرٌ وقدمُ صدق في المذهب. وما ذكرناه من التفريع في النكاح يجري مثله في بدل الخلع، [حرفاً بحرف] (٢).
٨٤٤٥ - وأما [البيع] (٣) -إن أفسدناه- لم يخف حكم فساده، والسبب فيه جهالة العوض، كما قررناه في التوجيه، ثم نقول: لو كان بين أربعة أشخاص أربعة أعبد،
стр. 6637
لكل واحد منهم ربع الجميع، فإذا باعوا الأعبد من شخص بثمن واحد، صح بلا خلاف؛ فإن لكل واحد ربع الثمن، ولا جهالة، وإنما الحكم بالفساد، أو ترديد القول حيث ينفرد كل واحد بعبد أو عبيد، بحيث تمس الحاجة إلى فضّ المسمى على أقدار القيم.
ومما نفرعه أن الرجل لو قال: اشتريت عبدك بما يخص العبد من الألف لو وزع عليه وعلى عبد زيد، ولم يجر عقد مع زيد؛ فالبيع فاسد على هذا الوجه، وإن كان لو فرض عقد مشتمل على عبديهما بمقدار من المسمى، لخرجت المسألة على قولين؛ والسبب فيه أن معتمد الصحة النظر إلى صيغة الصفقة المشتملة على معلومين من الجانبين على الجملة، مع رد الجهالة إلى القسمة.
ومما يتفرع على البيع أيضاً أنا إذا صححناه، فلا وجه إلا فَضُّ المسمى على قيم العبيد، وذلك القول البعيد الذي حكيناه في النكاح والخلع وهو الفض على الرؤوس لا يتأتى في العبيد؛ فإنهم أموال قوبلوا بأموال في عقد يقصد منه المالية، وحقائق المالية لا تجري في الأبضاع، وهذا تكلفٌ منا؛ فإن ذلك القولَ فاسدٌ، حيث ذكروا ما للعبد في الكتابة، فلا بد من فض العوض عليهم بما ذكرناه في البيوع، نص الشافعي عليه في الكتابة، وأجمع عليه الأصحاب، وهذا نجاز الفصل.
فصل
قال: " ولو أصدق عن ابنه ودفع الصداق من ماله ... إلى آخره " (١).
٨٤٤٦ - قد ذكرنا في كتاب النكاح صيغة قبول النكاح للأطفال، وصيغة التزويج منهم، وغرضنا من عقد هذا الفصل أمور تتعلق بالمهر.
منها: أن الأب لو أصدق امرأة ابنه الطفل شيئاً من أعيان ملك نفسه عند قبول النكاح، فهذا جائز، والعين المذكورة تثبت صداقاً. والتقدير فيها أن يفرض دخولها تحت ملك الطفل، ثم ملك زوجته يترتب على ملكه، فتلحق العين بأموال الطفل،
стр. 6638
ويجب الإصداق من ملك الطفل، وهذا متفق عليه.
ثم إذا بلغ الغلام، وطلّق زوجته قبل الدخول، والعين باقية في يدها؛ تشطّرت، ورجع نصفها إلى الزوج -وهو الابن- فإنا قدّرنا دخول العين في ملكه، وأوضحنا ترتّب ملك المرأة على ملكه، فيرجع الشطر إلى الجهة التي منها الخروج.
ثم الأب إن قال: قصدت هبةً، فالأمر منزّل على قصده، وإن قال: قصدت إقراضاً، فالظاهر عندنا أن قصده متبع؛ لاحتمال الأمر. وفي كلام الأصحاب ما يدل على أن مطلق إصداقه يتضمن الهبة لا محالة، وصرحوا [أنه] (١) إذا قال: لم أنو شيئاً، كان محمولاً على الهبة، ثم إذا حملناه على الهبة، ثم فُرض رجوع شطر تلك العين إلى الابن، فهل يملك الأب الرجوع فيما رجع إلى الابن؟ فعلى الخلاف المعروف في أن ملك المتهب إذا زال وعاد، فهل يثبت للأب حق الرجوع فيه؟
ولو ارتدت المرأة، أو جرت حالةٌ غيرُ الردة، مقتضاها رجوع جميع الصداق إلى الزوج، فالجميع يرجع إلى الابن رجوعَ النصف عند فرض الطلاق قبل الدخول، ثم القول في رجوع الأب، على ما ذُكر.
٨٤٤٧ - وذكر الأصحاب مسألة عدّوها من اللغز والمغالطة، فنذكرها على صورتها، فقالوا: إذا قبل الأب النكاح لابنه الصغير، وأصدقها أمّ الصغير (٢)، فكانت في ملكه، ثم بلغ الغلام، وطلقها، فإلى من تعود الأم أو بعضها؟ وكيف الطريق بهذا [اللغز] (٣)؟ لأن الأم لو دخلت في ملك الابن، لعَتَقَتْ، فإذا عتقت، لم يصح الإصداق، وإذا لم يصح الإصداق، لم يحصل العتق، فيلتحق هذا بالمسائل الدائرة. فهذا ما ذكره الأئمة.
وينشأ من هذا سؤال، وهو: أن الأب لو قبل لابنه الصغير نكاح امرأة مهرُ مثلها
стр. 6639
مائة، فأصدقها من خالص ماله ألفاً، فكيف يكون الرأي؟ وهل يكون هذا كما لو أصدقها من مال الطفل ألفاً، مع العلم بأنه لو فعل ذلك من مال الطفل، لكان متبرعاً من ماله، والتبرع من مال الطفل مردود، وهذه المسألة في نهاية الحسن.
وأول ما يجب قطعه أن يظن ظان أن الملك يثبت للطفل، ويبطل الإصداق؛ فإن سبيل ثبوت الملك له الإصداق، وإذا كان بقصد الإصداق، كيف يصح التمليك؟ فوجه الكلام أن يقال: يحتمل أن يصح الإصداق: فإن كان مع تقرير ملك الطفل، فإن هذا تبرع حصل بتبرع الأب بمال نفسه، ولم يثبت للطفل ملك متأثل حتى يفرض منع [التبرع] (١) فيه.
ويجوز أن يقال: يفسد الصداق رأساً؛ لأن في تصحيحه تثبيتٌ لملك الطفل مع التبرع به. وما وجدناه منصوصاً للأصحاب من منع إصداق الأم يشهد لإفساد هذا الإصداق، فإن انقدح لفقيهٍ نظرٌ في الفرق، فلا حرج عليه، ولا يَطْمَعَن في تخريج في العتق؛ فلا وجه فيه غير ما ذكره الأصحاب.
فإن قيل: قد حكيتم عن أبي إسحاق أنه قال: من يشتري من يعتِق عليه، حصل الملك والعتق معاً، فقياسه أن يحصل ملك الطفل في الصداق وملك المرأة معاً، ثم حصول ملكها يمنع حصول العتق، فهل يخرّج على هذا جواز إصداق الأم؟ قلنا ليس ما قاله أبو إسحاق مما يحل التفريع عليه، سيما في هذه المضائق، وحق كل ناظر في مضيق أن [يقطع] (٢) فكره عن الأصول البعيدة.
فهذا منتهى ما ذكرناه في ذلك.
٨٤٤٨ - ومما يتصل بهذا: أن الرجل إذا نكح امرأة [و] (٣) أصدقها ألفاً، وجاء أجنبي وأدّى الألف من غير رضا الزوج، وطلقها قبل المسيس، فحكم الطلاق تشطير الصداق، ويبعد كل البعد أن نقدّر للزوج ملكاً فيما أدّاه الأجنبي؛ فإنه لا يملك
стр. 6640
الأجنبيُّ تمليكَ الزوج شيئا قهراً، وهو ما يليه (١)، أما التشطير، فلا شك فيه، وحكى شيخي وجهين فيمن ينقلب الشطر إليه، أحد الوجهين: أنه يرجع إلى الأجنبي؛ فإنه من ملكه خرج، ولا وجه عندنا غيره، وإن استبعد مستبعد رجوع نصف الصداق إلى غير الزوج، فسببه أداء الصداق من غير الزوج.
والوجه الثاني - أنه يرجع إلى الزوج، وهذا القائل يضطر إلى أن يقول: يدخل في ملك الزوج تقديراً أولاً، وقد يتفق مثل هذا.
وقد ذكرنا أن العبد إذا خالع زوجته على مال، فالعوض يدخل في ملك السيد، ولم يجر الخلع بإذنه، ولم يخرج البضع عن استحقاقه، والقياس يقتضي أن يكون عوض البضع عن استحقاقه، والقياس يقتضي أن يكون عوض البضع لمن يخرج البضع عن حقه، ومن الأصول الخفية أن [محض] (٢) القياس قد يضيق، فيدِق النظر، وهو يمشي مشي المُقَيَّد، ثم قد يقف، ويضطر الفقيه إلى حكم، فيصرفه إلى أقرب الوجوه إليه من غير قياس، إذا امتنع تعطيل الحكم، وهذا تكلف، وليس العبد كالأجنبي المتبرع، فإن ما يكتسبه العبد [إنما] (٣) يكتسبه للسيد.
وكل ما ذكرناه فيه إذا أصدق الأب زوجة ابنه من مال نفسه.
٨٤٤٩ - فأما إذا أصدقها من مال الابن، فإن كان قدر مهر مثل المرأة. أو أقل؛ صح النكاح، وثبتت التسمية، وإن كان أكثر من مهر المثل؛ ففي المسألة قولان: أحدهما - أن النكاح لا ينعقد.
والثاني - أنه ينعقد، ويُرد إلى [مهر المثل] (٤).
وأصل هذين القولين أن فساد المهر وإن كان في قاعدة المذهب لا يؤدي إلى إفساد النكاح- فالمهر ثبت في الصورة التي ذكرناها في حكم الشرط، وكأن المرأة لم ترض بالنكاح إلا به، فلا ينبغي أن يؤخذ هذا من فساد المهر مطلقاً؛ إذ لو قلنا: يلزمها
стр. 6641
النكاح بمهر المثل، لكان هذا تجنّياً ظاهراً واحتكاماً عليها وتغييراً لموجب إذنها، وليس كما لو كان الصداق خمراً؛ فإنه لا حكم لرضاها بالخمر، وطلبها أكثر من مهر المثل يسوغ في الشرع؛ فليفهم الناظر هذه الدقيقة، فإنا رأينا المتعمقين يرون قول فساد النكاح قولاً فاسداً في المذهب، لا يرون له اتجاهاً إلا على قول بعيد في أن فساد المهر يؤدي إلى فساد النكاح، وليس الأمر كذلك؛ فإن الشافعي في مساق نصوصه على أن النكاح لا يفسد بفساد الصداق، ينص على هذين القولين.
ولو زوّج ابنته بأقل من مهر المثل، ففي انعقاد النكاح قولان: أحدهما - لا ينعقد.
والثاني - ينعقد بمهر المثل، وتوجيه القول في الإفساد مأخوذ مما ذكرناه، وهو أن الرجل لم يرض بأن يُلزِمَ النكاح بأكثر مما ذُكر، ْ وقد سبق تقرير هذا.
وهذا الذي نبهنا عليه من شرائف الكلام، ولست أذكر أمثال هذا [تصلّفاً] (١) ولكني أقصد أن يكون للمنتهي إليه فضل تأمل.
٨٤٥٠ - ثم إذا أصدق الرجل امرأة ابنه لا من مال نفسه، فلا يخلو، إما أن يصدقها من عين مال الطفل، وإما أن يصدقها ديناً، فإن كان عيناً [مَلَكتها] (٢) والكلام في كونه على قدر مهر المثل أو أكثر منه، وقد سبق ذلك.
وإن ذكر في قبول النكاح لطفله دَيناً مطلقا، فالمنصوص عليه في الجديد: أن المهر لا يثبت في ذمة الأب، والمال على الابن، نعم، إن كان للابن مال، فالابن مطالب بتأديته من ماله. وقال في القديم: يكون الأب ضامناً للمهر شرعاً، وقد ذكرت القولين وتوجيهَهما.
وكذلك لو أذن المولى لعبده في النكاح، فالقول الجديد: أن ذمة السيد خلية عن المهر، والمهر والنفقة يتعلقان بكسب العبد، وقال في القديم: يصير السيد ضامناً،
стр. 6642
وذمة العبد مشغولة أيضاً، وهو في رتبة الأصيل والسيد في مقام الكفيل.
وإذا أذن لعبده في التمتع بالعمرة إلى الحج، فالقول الجديد- أن العبد يصوم لا غير، وليس على السيد بذلُ مال.
والقول الثاني - أن السيد يُريق دمَ المتعةِ عن عبده.
فإن قلنا: ذمة الأب عريّة عن المال، فإن كان للابن مال، فالمرأة تطالب الأب المتصرف بأداء المهر من مال الابن، ولو صرّح الأب بضمان المهر شرطاً -والتفريع على الجديد- فيصير حينئذ ضامناً، والمرأة بالخيار، فإن شاءت طالبت الابن إذا بلغ، أو طالبت الأب بالأداء من ماله، وإن شاءت طالبت الضامن، ويظهر أثر هذا مُتّضحاً فيه إذا لم يكن للابن مال ثم الأب إذا ضمن -حيث انتهى التفريع إليه- فإن غرم، فهل يرجع على الابن؟ قد [ذكرنا] (١) في كتاب الضمان أن من ضمن بالإذن، وشرط الرجوع وغرم كذلك؛ فإنه يرجع، فإذا لم يفرض الإذن، ففيه تفصيل.
وحظ هذه المسألة من ذلك الأصل الذي أشرنا إليه- أن الأب لا يحتاج إلى تصريحٍ بشرطٍ، حتى يرجع، ولكن يكفي قصده، فنضع قصدَه موضع الإذن وشرطِ الرجوع، ثم نطبق الخلاف على الخلاف والوفاق على الوفاق.
وإذا ضمن وأدى في هذا المنتهى، ثم طلق الزوج؛ فنصف المهر يرجع إليه، ثم الكلام بعد ذلك في أن الأب هل يرجع أم لا؟ فإن ما يصدر من الأب في مثل ذلك يتضمن تمليكاً؛ فإنه يَمْلِكُ تمليكَ الطفل- كما سبق تفصيله، وإذا كان تبرعه من مال نفسه يتضمن تمليكه، فما يؤديه بعد الضمان والالتزام يقتضي ذلك لا محالة، وفائدة ما ذكرناه أن تشطير الصداق إذا رجع -حيث يثبت للأب حق الرجوع- فلا نقول: ينحصر حق الأب فيما رجع، بل يلتحق ما رجع بسائر أملاك الطفل، ثم الأب يتصرف فيه فيما يرجع به تصرفه في سائر أملاكه.
وهذا كله تفريعٌ على القول الجديد في أن التبرع لا يُلزم الأب ضماناً بحكم العقد، ثم صورنا فيه إذا لم يصرح بالضمان أو صرح به.
стр. 6643
٨٤٥١ - فأما إذا فرعنا على القديم، وقضينا بأن التبرع يُلزم الأبَ الضمان، قال القاضي: إذا غرم الأب على القول القديم ما ضمّنه الشرع، فلا يجد به مرجعاً على مال الطفل، ويكون هذا كضمان العاقلة دية الخطأ؛ فإنهم إذا تحملوا [العقل] (١) وأدَّوْا ما حمّلهم الشرع، لم يرجعوا بما بذلوه على القاتل.
ثم قال: فلو شرط الأب، [صح] (٢) النكاح، فإن النكاح لا يفسد بأمثال ذلك، وقيل له: لو ضمن الصداق بشرط براءة الابن، فكيف الوجه؟ فقال: لو ضمن الضامن دَيْناً على شرط براءة الأصيل، فلابن سريج في ذلك وجهان ذكرناهما: أحدهما - يجوز. والثاني - لا يجوز. هذا معروف في غير ما نحن فيه.
فإذا فرضنا شرط الضمان على هذا الوجه -والتفريع على القول الجديد، وهو أن الضمان لا يلزم شرعاً- فيحتمل وجهين: أحدهما - أن الضمان لا يصح، ويفسد بالشرط، ثم يلتحق هذا بشرط ضمان فاسدٍ في العقد، وقد اختلف القول في أن شرط الضمان الفاسد والرهن الفاسد في العقد، هل يتضمن فساد العقد؟ وقد ذكرنا في ذلك قولين في كتاب الرهون، هذا وجهٌ.
وإن قلنا يصح الضمان [عن] (٣) دين مستقر بشرط براءة الأصيل، فشرْطُ هذا في صلب العقد يجب أن يكون فاسداً؛ فإن العقد يستدعي ثبوت العوض في ذمة [العاقد] (٤)، والخلاف الذي ذكرناه عن ابن سريج في ضمانٍ يرد على دين مستقر، لا يبعد سقوطه.
وإذا تبين أن الضمان لا يتضمن إبراء الذمة إذا وقع شرطاً في العقد، فالشرط إذاً فاسد، وإذا فسد الشرط، فهل يفسد الضمان؟ فيه وجهان ذكرناهما توجيهاً وتفريعاً في كتاب الضمان، هذا كله إذا فرعنا على القول الجديد -وهو أن الشرع لا يُلزم ذمةَ الأب ضماناً-.
стр. 6644
فأما إذا فرعنا على أن الشرع يُلزم ذمة الأب الضمان، فَذِكْرُه الضمان لا معنى له، وهو نطق منه لموجب العقد، فإن ذكر شرط البراءة - أعني براءة الابن، فهذا هو الشرط، وهو فاسد، فإذا اقترن بالصداق؛ يجوز أن يقال يفسد الصداق به، كما سيأتي تقرير ذلك في بابٍ بعد هذا -إن شاء الله تعالى- ويجوز أن يقال: يفسد الشرط ولا يفسد الصداق.
وفيما ذكرناه حكاية عن القاضي وَقْفةٌ عظيمة؛ فإنه [حكم] (١) بأن الأب لا يرجع على القول القديم بما يغرمه عن جهة الضمان الشرعي، وهذا مما لا سبيل إلى القول به؛ فإن الشرع أثبت للأب [نظراً] (٢) في طلب غبطة الابن لكمال شفقته، فإذا نظر له واستد نظره، فانتصاب ذلك سبباً لتضمينه وإلزامِه المغارم الثقيلة، محالٌ، ولا شك أن الابن مطالَبٌ بالمهر إذا بلغ، وكذلك هو مطالب بالنفقات وسائر مؤن النكاح، وليس كالقاتل خطأً؛ فإنه لا يطالَب بالعقل مع إمكان مطالبة العاقلة، وبالجملة لا يُشبِّه المغارمَ التي تتعلق بالمعاملات النظرية المنوطة بشفقة الأب بالجنايات وضرب أروشها
على العاقلة إلا غافلٌ عن القولين، وضرب العقل على العاقلة مُعْتَبَرُ الأحكام التي لا تعلل.
٨٤٥٢ - وينشأ من هذا المنتهى نظرٌ في فنٍّ، وهو: أن البنت إذا خطبها كفء، غلب على الظن أن تزويجها موافق لأقصى الغبطة المطلوبة، فهل يجب على الأب أن يزوّجها، أو لا يجب عليه، أو يجوز له، أو يُستحبّ؟ هذا محل النظر.
٨٤٥٣ - ونحن نرى تقديم أصل على ذلك، فنقول: تصرف الأب في مال الطفل ينقسم، فمنه محتوم، ولا يشك العاقل في رعايته، وهو حفظ ماله وصونه عن الضَّياع، ويتصل بذلك تنميتُه بما يقيمه حتى لا يأكل مؤنُ [الحفظ] (٣) المالَ، وعلى هذا يحتمل قول عائشة (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة) (٤) فأما التناهي
стр. 6645
في الاستنماء والنزوحُ في البر والبحر، والتطوّح في [النّجود] (١) لاستنماء مال الطفل؛ فهذا لا يجب، وضبط هذا القسم [ما] (٢) ينتهي إليه إلى [الإجهاد] (٣) والإكداد، والشغل عن المهمات التي تخص الولي، وبين مأمور فيها بإحسان النظر، وهل يجب ذلك؟ الظاهر أنه [يجب] (٤) [فلو] (٥) سنحت غبطة، كزبون يطلب شيئاً بأكثر من ثمنه، فيجب تحصيل ذلك للطفل، وكذلك إذا كان يُعرض شيء [مما يُريد] (٦) وكان يباع بأقلَّ من ثمنه، ولكن هذا فيه نظر؛ فإن الأب لو أراد أن يشتريه لنفسه جاز، ولا يلزمه أن يشتريه لطفله.
وأما بيع مال الطفل وهو -مطلوب على غبطة- فمحتوم. هذا نظرنا في المال.
ووراء ذلك مزيد، وهو أن الأب لو تبرم بالتصرف في مال طفله، وأراد دفع الأمر إلى القاضي لينصب فيه قيّماً بأجرٍ، فلست أرى هذا محظوراً على الأب، وكذلك لو نصب هو بنفسه ناظراً، ولو طلب من السلطان أن يُثبت له أجراً على عمله، فالسلطان يرى رأيه، فإن وجد متبرعاً بالعمل، فالأظهر أنه لا يجعل له جعلاً، وليس كما لو طلبت الأم أجرة على الإرضاع ووجد الأب متبرعة به؛ فإنا في قول قد نقول: الأم
стр. 6646
أولى بالإرضاع إذا اقتصرت على أجر المثل؛ والسبب فيه التفاوت اللائح بين إرضاعها وإرضاع الأجنبية. وإن لم يجد السلطان متبرعاً، فالظاهر أنه لا يُثبت للأب أجراً، ويجوز أن يقال: يثبته؛ إذ للأب أن يستأجر عاملاً في مال الطفل؛ فإذا لم يمتنع منه بَذْلُ الأجر على العمل، لم يمتنع أَخْذُ الأجر على العمل، فهذه أمور معترضة نبهنا عليها.
٨٤٥٤ - وتزويج الأب ابنته مع ظهور الغبطة، وغلبة الظن في اتجاهها لا يبعد أن يجب. وقد قال الرسول ﷺ لعلي (لا تؤخر أربعاً) وذكر من جملتها " البكر إذا وُجد لها كفء " ولا يبعد أن يرى الأب تأخير التزويج لتعلقه بالجبلة، وكون المقصد الأظهر فيه الإعفاف والإمتاع، ويعارض ذلك أن هذا الكلام لو وفّر عليه حقه، لكان مقتضاه منع التزويج، ووجوب التأخر.
فأما المجنونة إذا تشوفت، فيجب تزويجها إذا كانت بالغةً، لظهور الحاجة، فأما التزويج من الطفل، فأبعد من الوجوب، والأظهر أنه لا يجب لما يلزمه من المؤن، ولا حاجة في الحال، وإذا كان مجنونا؛ فالتزويج منه عند مسيس الحاجة حتمٌ.
هذا منتهى النظر في هذا الفن.
وإن كان القاضي يقول: الأب إذا زوّج من ابنه المجنون -حيث يلزمه التزويج منه - يضمن المهر على القديم، وإذا غرِم، لم يرجع، فهذا خروج عن الضبط، ومصيرٌ [إلى] (١) إيجاب إعفاف الابن على الأب، والمرجع (٢) الذي نفاه القاضي لا يفصل فيه بين اليسر والعسر من الطفل، وإن كان يفصل بين [التزويج] (٣) الواجب وبين التزويج الجائز، ويقول: إنما يفسد المرجع في التزويج الجائز، فهذا إثبات نظرٍ على غرر، والآباء لا يورطون أنفسهم في هذه المغارم بما لا يجب عليهم، والتزام الغرر إنما يليق بمن يطلب حقَّ نفسه، كالذي [يؤدب] (٤) زوجته، أو كالذي ينتسب إلى مجاوزة الحد
стр. 6647
لا محالة، كالذي يؤدب ولده؛ فإنه إذا أفضى إلى الهلاك، تبيّنّا مجاوزةَ الأب حدّ الأدب، وانتهاءه إلى مبلغ من الضرر لا يجوز الانتهاء إليه. فهذا تمام المراد في ذلك.
ثم ذكر الشافعي في آخر الباب تزوج المحجور المبذّر والإذنَ له، وهذا قد أجريناه مستقصًى في النكاح على أحسن وجه، وأبلغه في البيان.
***
стр. 6648
باب التفويض
٨٤٥٥ - نصدّر الباب بذكر التفويض الصحيح المتضمن تعريةَ النكاح عن المهر، وعلى الطالب أن يتأنّق في صدر الباب أولاً، فنقول: المالكة لأمر نفسها -وهي الحرة العاقلة البالغة الرشيدة- إذا أذنت لوليها في أن يزوّجها بلا مهر، وقالت: " زوّجني بلا صداق "، فزوّجها وليها، وصرّح بنفي المهر على حسب إذنها، فهذا النكاح هو الذي يسمى نكاح التفويض. والمرأةُ تسمى مفوِّضة ومفوَّضة، ومأخذ اللفظين بيّن، وتسمية تعرية النكاح عن المهر تفويضاً ليس على حقيقة اللسان؛ فإن التفويض معناه التخيير، والإحالة على رأى الغير في النفي والإثبات، فالذي ينطبق على هذا اللفظ أن تقول لوليها: " إن شئت زوّجني بلا مهر، وإن شئت زوِّجني بالمهر "، ولو صرحت بنفي المهر، فزوّجها الولي، ولم يتعرض لذكر المهر؛ فهذا بمثابة ما لو نفى المهر، اتفق الأصحاب عليه.
ولو زوّج السيد أمته من أجنبي، ولم يذكر مهراً، كان هذا تفويضاً منه. ولو أذنت المرأة في التزويج، وأطلقت إذنها، ولم تذكر المهر نافية ولا مثبتة، فإذنها المطلق محمول على طلب المهر، وفاقاً، وهو بمثابة إذن مالك المتاع في بيع متاعه.
ثم إذا أذنت في النكاح مطلقاً، أو طلبت المهر، فزوّجها الولي، فإنا نقدم على هذا فصولاً في الوكيل والولي المجبر، ثم نرجع إلى الولي المزوِّج بالإذن.
٨٤٥٦ - فإن سمّى الوكيل مقداراً من المهر، فخالف، نُظِر؛ فإن زاد، فقد زاد خيراً، وكان كما لو قال الوكيل لوكيله: " بع عبدي هذا بألف "، فباعه بألفين، فالبيع لازم، والعوض المسمى ثابت، وإن خالف الوكيل في النكاح فنقص عن المقدار الذي سُمي له؛ لم ينعقد العقد؛ لأن تزويج الوكيل مبناه على الإذن، فإذا خالف الإذن مزوِّجاً بغير إذنٍ، فالتزويج بغير الإذن مردود. وهو كما لو قالت: " زوّجني من زيد " فزوّجها من عمرو.
стр. 6649
ولو نَصب الوكيلَ في التزويج، ولم يَذكر له مقداراً من المهر، فلو زوّج بدون مهر المثل، [أو] (١) زوّج مع نفي المهر؛ فقد ذكر بعض الأصحاب قولين في انعقاد النكاح، وهذا بعيد، والوجه: القطع بأن النكاح لا يصح؛ فإن تصرّف الوكيل مما يتقيد بموجب الاذن، فكذلك يتقيد بالعرف المقترن بالإذن، ومقتضى العرف رعاية الغبطة، ولهذا قلنا: الوكيل بالبيع مطلقاً إذا باع بغبن، لم يصح بيعه.
ومما يتصل بهذا المقام: أنا إذا كنا لا نصحح من الوكيل المطلق التزويجَ بأقلَّ من مهر المثل، فلو زوج مطلقاً؛ فعلى ماذا يُحمل الإطلاق؟ هذا فيه تردد ظاهر، يجوز أن يقال: هو محمول على تعرية النكاح، حتى لا يصح من الوكيل العقد، ويظهر جداً أن يُحمل على ثبوت مهر المثل؛ فإن الشرع يقتضي إثبات المهر إذا لم يجرِ تصريح بالنفي، فيكون إطلاق النكاح بمثابة ذكر مهر المثل.
ويخرّج على هذا التردد أن الوكيل المطلق لو [زوج] (٢) بخمر، فالرجوع إلى مهر المثل في مثل ذلك، فكيف السبيل؟ والأظهر في هذه الصورة الفساد؛ فإنه أتى بصورة المخالفة، فهذا ما أردنا ذكره في الوكيل.
٨٤٥٧ - فأما الولي إذا زوّج وليته، فلا يخلو؛ إما أن يكون مجبِراً، فزوج بمهر المثل: صح. وإن زوج الصغيرة أو البالغةَ البكرَ بدون مهر المثل، أو نكاحَ تفويضٍ؛ ففي انعقاد النكاح قولان، قدمنا تحقيقهما. فإن قلنا: إنه ينعقد، فيثبت مهر المثل، أجمع الأصحاب عليه. ولم يَصر أحدٌ إلى انعقاد [النكاح بالمقدار] (٣) الذي سمّاه.
وقال أبو حنيفة (٤): ينعقد النكاح بذلك المقدار.
فأما إذا كان الولي مزوِّجاً بالإذن، فإن سمّت المرأة مقداراً، فزوّج الوليّ بدونه، فهو كالوكيل؛ فإن تزويجه؛ موقوف على الإذن، فإذا ظهرت المخالَفَةُ، كان كما لو زوّجها بغير إذن.
стр. 6650
وإن لم تسم مقداراً من المهر، فزوّجها الولي، بمهر المثل صح، وإن زوّجها بأقلَّ من مهر المثل، فللأصحاب طريقان: أقيسهما - القطع بأن النكاح لا يصح؛ فإنّ إذنها المطلق محمول على موجب العرف، فكأنها قيّدت إذنها بما يليق بالعرف من المهر، ولو كان كذلك، فخالفها، لم ينعقد النكاح، ومن أصحابنا من قال: في تزويج الولي بدون مهر المثل، أو على حكم التفويض -وإذنها مطلق- قولان: أحدهما - إن النكاح يبطل. والثاني - إنه يصح، وينعقد بمهر المثل، كما ذكرناه في الوليّ المجبِر. وهذا القائل يزعم أن الإذن المطلق يُلحِق الولي بمرتبة المجبِر، ويُخرجه عن مرتبة الوكلاء، الذين لا معتمد لهم إلا الإذن.
فهذا بيان تصوير التفويض.
٨٤٥٨ - فيعود بنا الكلام بعده إلى القول في حكم التفويض المحقَّق المتضمِّن تعريةَ النكاح عن المهر، فإذا جرى هذا، فالنكاح ينعقد، والمهر يجب عند الدخول، وهل يجب بنفس العقد المهرُ؟
ما قطع به العراقيون: أنه لا يجب المهر بالعقد، ولم يعرفوا غيرَ هذا، وإنما ذكروا القولين في محلٍّ سينتهي البيان إليه، إن شاء الله تعالى.
وقال المراوزة: في المسألة قولان: أظهرهما - أنه لا يجب بنفس العقد شيء من المهر، ويجب بالدخول. وقالوا: هذا (١) هو المنصوص. والقول الثاني - إنه يجب لها المهر بنفس العقد، وكان شيخي يحكيه حكايةَ من يعتقده منصوصاً، وقال القاضي: هو مخرّج، والصحيح ما قاله.
ثم إن حكمنا بأن المهر لا يجب بالعقد، فأول ما نفرّعه على هذا القول: أنها إذا وُطئت، فالمهر يجب عند الدخولِ والوطءِ لا محالة؛ فإن وجوب المهر في هذا المقام ليس خالياً عن تعبد الشرع، ولا يبعد إضافته إلى حق الله تعالى؛ حتى يمتاز النكاح عن السفاح وبدل البضع، وقيل: يجب أن يمتاز نكاحنا عن نكاح رسول الله ﷺ ، فإن الله جعل خلو النكاح عن المهر من خصائص النبي
стр. 6651
صلى الله عليه وسلم، إذ قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]
ولا يتصور أن يخلُوَ عن المهر وطء -في غير ملك اليمين، مع كونه محترماً- إذا أمكن تقدير المهر.
والذمية إذا نكحت في الشرك على التفويض، وكانوا يرَوْن سقوط المهر عند المسيس أيضاً، فقد ينزل النكاح على موجب عقدهم إذا اتصل الإسلام، كما سبق تقريره.
والسيد إذا زوّج أمته من عبده، فلا يثبت المهر أصلاً؛ فإن إثباته غير ممكن، وما حكيناه من مذهب بعض الأصحاب في أن المهر يثبت بأصل النكاح، ويسقط، لا تحصيل فيه ولا تحقيق وراءه.
فأما في غير هاتين المسألتين، فلا يتصوّر خلو مسيسٍ في نكاحٍ من مهر، هذا ما اتفق عليه الأصحاب قاطبة في طرقهم.
٨٤٥٩ - وقال القاضي إذا [قالت له زوجته] (١)، وهي مفوضة: " طأني ولا مهر عليك "، فلا يمتنع أن نقول: إذا وطئها في نكاح التفويض على الوجه الذي صورناه، إن المهر لا يجب؛ فإنها صاحبة الحق، وقد [سلّطته] (٢) مع الرضا بانتفاء المهر، وخرّج عن هذا قولَ الشافعي في كتاب الرهون: إذا قال الراهن للمرتهن: أذنت لك في جماع هذه الجارية المرهونة، فإذا واقعها ظانّاً أن الوطء يحلّ له بإذن الراهن، ففي وجوب المهر قولان للشافعي، ذكرناهما. في الرهون، قال: ووجه قوله " لا يجب المهر " أن مالك البضع، ومن يثبت له المهر -لو ثبت- رَضيَ بالوطء، فكان ذلك إسقاطَ حقه منه.
ومن الأقيسة الجلية الكليّة في قاعدة الشرع أن من يملك إسقاط العوض بعد ثبوته له، إذا سلّطه على إتلاف العوض، كان تسليطُه عليه متضمناً إسقاط العوض. ولذلك نقول: إذا قال مالك العبد لإنسان: " اقتله "، فقتله، لم يلتزم القاتل بالإذن للمالك
стр. 6652
الآذن عوضاً، وكذلك إذا قال [للجاني] (١): اقطع يدي، فإذا قطعها، لم يلتزم عوضاً، هذا وجه التخريج.
وما ذكره لَستُ أُعدّه من المذهب، وأظن أنه (٢) لم يذكره ليلحقه بأصل المذهب، وإنما ذكره ليوضح جهة الاحتمال وتطرقه إليه؛ فإن ما قاله مسبوق بالإجماع من نقلة المذهب في الطرق المختلفة.
ثم إنما كان ينتفع المناظِر بما خرّجه لو صحّ أنه كان يطلقه فيه إذا جرى التفويض في النكاح مطلقاً، وقضينا بعروّ العقد عن المهر، فكان يجب أن يقال: إذا وطىء الزوج -وقد صَحّ التفويض في أصل العقد- لا يجب المهر، بناء على ما تقدم؛ فإن الزوج بعد صحة التفويض، يتصرف في ملك نفسه، ومن انتفع بملك نفسه، وقد ثبت ملكه خلياً عن العوض، فيبعد أن يستوجب العوض بسبب تصرفه الجائز في ملكه الثابت العريّ عن العوض، [و] (٣) القاضي لا يسمح بتخريجه في هذه الصورة، بل نَقَل عنه من يُعْتَمَد أن سقوط المهر مع جريان المسيس إنما يُقدّر إذا جدّدت تسليطاً على الوطء من غير مهر، وصرّحت بنفي المهر.
والمهر في ذلك متردد عندي؛ فإني رأيت في بعض مجموعاته ما يدلّ على طرده التخريج فيه، إذا جرى تفويض تام على الصحة، من غير احتياج إلى تجديد إذن في الوطء، فإن لم يكن من هذا التخريج بد، فلا بد من طرده على هذا الوجه الذي ذكرناه؛ وذلك أن إذنها المتجدد لا يصادف حقها؛ من جهة أن الزوج هو المستحق للبضع، وقد ثبت استحقاقه الأول عرِيّاً عن العوض، فلا معنى لاشتراط تسليط من المرأة، [فيما] (٤) استقر فيه حق الزوج.
وقد يتجه مع هذا فرق ظاهر بين مسألة التفويض ومسألة إذن الراهن، وذلك أن إذن الراهن متعلقٌ بوطءٍ في غير نكاح، ولايبعد أن يخلو وطءٌ في غير نكاح عن
стр. 6653
المهر، والدليل على الفرق: أن مجرد إذن الراهن -على أحد القولين- يتضمن سقوط المهر من غير تعرض لإسقاط المهر، ولو عقد النكاح خالياً عن المهر ذاكراً، لثبت المهر إذا لم يتعرض لنفي المهر، كما قدمنا ذلك في تصوير التفويض، فقد اجتمع -مما حُكي عنه ومما رأيته- كلامٌ مختلط، وأنا أحصّله وآتي به مضبوطاً.
فأقول:
٨٤٦٠ - إذا جرى التفويض على الصحة -والتفريع على أنها لا تستحق بنفس العقد
مهراً- فالمذهب المشهور: أنها إذا وطئها زوجها، ثبت مهر مثلها بالمسيس، سواء
سَلَّطت بعد التفويض على الوطء من غير مهر، أو تمادت على ما سبق، ولم تُجدِّد تسليطاً، وذكر القاضي تخريجاً، وفيه وجهان: أحدهما - أن المهر لا يجب بالوطء وإن لم تجدد تسليطاً، بناء على ما تقدم من التفويض.
والوجه الثاني - أنها إن لم تجدد تسليطاً حتى مسّها الزوج، وجب لها مهر المثل، ولا تخريج. وإن جدّدت تسليطاً وقيّدته بنفي المهر، فإذ ذاك يخرّج وجهٌ في سقوط المهر.
ووجه الأول [في] (١) تنزيل التخريج بيّن، لا حاجة فيه إلى تكلف إيضاح. ووجه الوجه الثاني - أن النكاح له تميزٌ عن المسيس، ويتعلق بالمسيس تقرير المهر، فلا يبعد أن يحمل التفويض (٢) حالة العقد على الرضا بسقوط حق العقد، حتى لو طُلِّقت قبل المسيس، لم تستحق نصف مهر في مقابلة العقد، فكان اشتراط تجديد التسليط مع نفي المهر [كما] (٣) ذكرناه.
ثم إن جرينا على الوجه الثاني في تنزيل تخريجه، فلا شك أنها تملك المطالبة بالفرض قبل الدخول، كما سنذكره، إن شاء الله تعالى.
وإن جرينا في التخريج على أن المهر لا يجب وإن لم تجدد تسليطاً، ففي ملكها
стр. 6654
المطالبةَ بالفرض قبل المسيس احتمال ظاهر، يجوز أن يقال: إنها تملكه، ويجوز أن يقال: إذا لزم النكاح عارياً عن العوض، فلسنا نتوقع ثبوت المهر عند المسيس على هذا الوجه، فلا تملك المطالبة بالفرض. وهذا هو القياس لو أمكن طرده.
فهذا منتهى ما أردناه في ثبوت المهر وسقوطه عند جريان المسيس، تخريجاً على أن عقد التفويض خالٍ عن استحقاق المهر.
وإن فرعنا على القول الثاني -وهو أنها تستحق المهر بالعقد- فالذي قطع به الأئمة: أنه إذا طلقها زوجها قبل المسيس، سقط المهر، ولم تستحق شطره، وليس لها إلا المتعة.
٨٤٦١ - وكان شيخي أبو محمد يكرر في دروسه أن الطلاق قبل المسيس يشطر مهر المثل -على قولنا: تستحق المفوضة المهر بالنكاح- وكان يشبه هذا [بما] (١) لو ذُكر في النكاح مهر [وجُحد] (٢)، ووقع الحكم بالرجوع إلى مهر المثل، فإذا وقع الطلاق قبل المسيس في مثل هذا النكاح، فمذهب الشافعي أن مهر المثل يتشطر تشطّر الصداق المسمى على الصحة.
وهذا الذي ذكره قياسٌ جلي لا ندفعه، ولكنه خالف ما عليه كافة الأصحاب؛ فإنهم لم يختلفوا في سقوط جميع المهر إذا جرى التفويضُ والطلاقُ قبل المسيس، فكان ما ذكره غيرَ معتد به، [ولا] (٣) يلتحق بالوجوه الضعيفة المعدودة من المذهب، وإنما ذكرته لأنبّه على أنه كذلك، فإنه يُلفَى في كثير من التعاليق عن ذلك الشيخ، فليعلم الناظر ما ذكرناه فيه.
ومما ذكره: أنا إذا فرّعنا على أن المفوضة تستحق بالعقد المهر، فلا يثبت لها حق المطالبة بالفرض على هذا القول، كما لو جرى في النكاح تسميةُ خمرٍ أو خنزير أو مهرٍ مجهول؟ فإنا إذا قضينا بثبوت مهر المثل في هذه المسائل، فلا تملك المرأة المطالبةَ
стр. 6655
بالفرض، وإن طلبته وطالبت به قيل لها: حقك مهر مثلك، فاطلبيه، ولا تطلبي فرضه وهو ثابت مستحَق.
وقد أجمع الأصحاب على أنها تملك المطالبة بالفرض.
وإن فرّعنا على أنها تستحق بالعقد المهرَ فيما ذكره شيخي؛ بناءً على أن مهر المفوضة يتشطر بالطلاق، وما ذكره الأصحاب مبني على أنها لو طُلقت، سقط جميع مهرها، [فملّكوها] (١) طلبَ الفرض لتتوصّل به إلى تقرُّر شطر المهر.
٨٤٦٢ - فإن قيل: ما ذكرتموه في التفريع [لا يثمر] (٢) إلا الخبطَ والاضطراب، فعلى ماذا تقررون المهر؟
قلنا: سنذكر الغرض في ذلك بعد تقديم أصل آخر، وهو: أنه إذا جرى تفويضٌ صحيح، ولم يجر مسيس ولا طلاق، حتى مات أحد الزوجين، ففي ثبوت مهر المثل قولان للشافعي وتردّدٌ بيّنٌ، وذِكْره يستدعي تقديمَ خبر، وهو ما روي " أن عبد الله بن مسعود سئل عن المفوِّضة إذا مات عنها زوجها قبل الدخول؟ فكان يردد السائل ويعدُ حتى تردد شهراً، ثم قال: إن أصبتُ فمن الله، وإن أخطأتُ فمني ومن الشيطان، أرى لها مهر نسائها والميراثَ، فقام مَعْقِل بن سِنان وقال: أشهد أن رسول الله ﷺ قضى في بِرْوع (٣) بنت واشق الأشجعية بمثل قضائك هذا؛ فَسُرّ ابنُ مسعود سروراً لم يُسَرّ مثله، وحمد الله على ذلك " (٤).