← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

وحصرنا حق الزوج في نصف القيمة، فاتفق أنه لم يرجع في نصف القيمة حتى انفك الرهن، وزال التدبير؛ فلو قال الزوج: قد زالت الموانع، فلا أرضى إلَاّ بنصف [العبد] (١)، فهل له ذلك؟ فعلى وجهين، ذكرهما: أحدهما - حقه في نصف [العبد باقٍ؛ فإنّ] (٢) هذه الأسباب لو زالت قبل الطلاق، لثبت حق الزوج في العبد، فكذلك إذا زالت بعده وقبل انفصال الأمر. والوجه الثاني - أنه لا حظَ له في العبد؛ اعتباراً بحالة الطلاق. وهذا هو الصحيح. ثم إذا أثبتنا له حقَّ الرجوع إلى العين، فالظاهر عندنا أن الأمر في ذلك إليه حتى [لو] (٣) استقر على طلب نصف القيمة، كان له ذلك؛ فإن الأمر في التغايير التي تلحق الصداق تتعلق بالاختيار، وإنما يتشطر [الصداق] (٤) من غير اختيار -على الأصح- إذا لم [تُقْرن] (٥) حالة الطلاق بسبب من هذه الأسباب. ويجوز أن يقال: يتعين حقه على هذا الوجه في العين إذا لم يتفق قبضُ القيمة، ويكون هذا بمثابة ما لو لم يكن مانع حالة الطلاق. فإن استبعد مستبعدٌ ذلك [فيه] (٦)، فهو ميلٌ منه إلى أنه لا حق له في العين، وهو وجهٌ منقاس؛ لأنه ملك عليها نصف القيمة، وانفصل الأمر، وهذا منتهى الاعتبار في باب الصداق. ومن أتلف على رجل مثلياً، ولم يصادف [للمتلَف] (٧) مِثلاً، فهو مطالبٌ بالقيمة، فإن لم يتفق تغريمُه القيمةَ حتى وُجد المثلُ، فيتعين المثلُ، لا خلاف فيه. فهذه مسالك النظر.

стр. 6757

فرع: ٨٥٧٩ - ذكر الشيخ في أثناء كلامه فصولاً مستفادة يتعلق بعضها بالصداق ولا يتعلق بعضها به، ونحن نأتي بالفوائد منها. فإذا أعتق الرجلُ أَمَتَهُ في مرضه المخوف، ونكحها؛ فقد قال الأصحاب: لا ترثه العتيقةُ بالزوجية، فإنَّ إعتاقه إياها في المرض وصية، ولا يُجمع بين الوصية والميراث، والمسألة من دوائر الفقه. ٨٥٨٠ - ولو قال لأَمَته في مرض موته: " أعتقتكِ على أن تنكحيني "، فقبلت ذلك، عَتَقت ولزمتها القيمة، ثم إذا أعتقت بقوله وقبولها والتزمت القيمةَ، فلا يلزمها الوفاء. فلو نكحها، وجعل ما لزمها من القيمة صداقَها، وكانت القيمة معلومةً، فيصح النكاح، ثم لا يخلو إما أن تكون قيمةُ العتيقة مثلَ مهر مثلها، أو كانت قيمتُها أكثرَ من مهر مثلها، فإن كانت [قيمتُها] (١) مثلَ مهر مثلها أو أقلَّ، فيصح النكاح وترثه. وذلك أن العتق كما (٢) وقع في حقها مجاناً ألا يكون، (٣) وصية، فلا دَوْر، ثم قد صَرَفَ المعتِق قيمتها إلى مهرها، وليس فيه محاباة. فأما إذا كانت أكثرَ من مهر مثلها، وقد نكحها المعتِق على قيمتها، فقد حاباها؛ فإن مهر مثلها إذا كان خمسمائة، وقيمتها ألف، فإذا أصدقها قيمتَها، فقد حاباها، فهل ترث؟ ذكر وجهين: أحدهما - أنها لا ترثه؛ فإنه قد حاباها في قيمتها، فكأنَّ نصف العتق وقع مجاناً، فيعود الأمر إلى الوصية بالعتق. ومفهوم قول ابن الحداد يشير إلى هذا الوجه، وهو ضعيف. والوجه الثاني - أنها ترثه، وهو الصحيح الذي لا يجوز غيره؛ فإن أصل العتق وقع بعوض المثل، والمحاباة رجعت إلى القيمة، فهو كما لو نكح حرة بأكثر من مهر مثلها، فإنها ترث والمحاباة تُردّ.

стр. 6758

٨٥٨١ - ومما أجراه في أثناء الكلام أنه تعرض لاستبدال المرأة عن الصداق، وخرجه على القولين في أن الصداق مضمون باليد أم بالعقد؟ وهذا بيّن، ثم انتهى إلى الكلام في الاستبدال عن الثمن المتلزم في الذمة، فذكر فيه قولين، وهما مشهوران. ثم قال: لو كان الثمن دراهم معينة؛ فالأصح: أنه لا يجوز الاستبدال عنها؛ لأنها تتعين بالتعيين، ونزلت منزلة سائر الأعيان. وذكر وجهاً أنه يجوز الاستبدال عنها إذا جَوَّزنا الاستبدال عن الثمن الواقع في الذمة؛ لأن الدراهم لا تعنى لأعيانها، وإنما تعنى لنقودها وماليتها، والقصود مرعية في جواز الاستبدال ومنْعه، ولذلك منعنا الاستبدال عن المُسْلَمِ فيه وإن كان ديناً في الذمة؛ فإن جنسه مقصود في وضع العقد، كما أن الأعيان مقصودة، فإذا لم يمتنع التحاق الدين بالعين في منع الاستبدال، لم يبعد التحاق بعض الأعيان بالديون التي يجوز الاستبدال عنها. وهذا وجه بعيد؛ من قِبَل أن الدراهم إذا حكمنا بتعيينها، فالعقد ينفسخ بتلفها، وهذا يؤذن بضعف الملك فيها، فيبعد تصحيح الاستبدال عنها. فرع يتعلق بالصيد والإحرام: ٨٥٨٢ - لا بد فيه من تجديد العهد ببعض ما سبق في المناسك، فنقول: المُحْرِم ممنوع من ابتياع الصيد، فلو اشترى صيداً، فمن أصحابنا من أجرى في صحة شرائه قولين: أحدهما - إنه لا يصح الشراء ولا يملك الصيد. والثاني - يصح الشراء ويملك. وهذا يستند إلى القول في أن المُحرِم إذا كان في ملكه صيدٌ قبل الإحرام، فإذا أحرم، فهل يزول ملكه عنه؟ فعلى قولين: أحدهما - يزول ملكه بنفس إحرامه. والثاني - لا يزول أصلاً. ومن أصحابنا من قال: لا يزول الملك بالإحرام الطارىء قولاً واحداً. ولكن هل يلزم المحرمَ إرسالُ ذلك الصيد؟ فعلى قولين. ومما يتعلق بذلك أنَّا وإن قلنا: [يتصور] (١) من المحرم أن يتملك صيداً في الابتداء

стр. 6759

قصداً واختياراً، فالصيد يدخل في ملكه بالطرق التي لا اختيار فيها، كالإرث، ثم يلزمه إرساله، وهذا بمثابة قطعنا القول بأن الكافر يرث العبد [المسلم] (١). قال الشيخ: إذا قلنا: إن طروء الإحرام يزيل الملك عن الصيد، فلا يبعد على ذلك أن نقول: الإحرام يمنع حصول الملك بجهة الإرث؛ فإنه إذا قطع الملك المستدام، يجوز أن يمنع حصول الملك بجهة الإرث. فهذا شيء ذكره من تلقاء نفسه، والمذهب الذي صار إليه الأصحاب أن الإحرام لا يمنع حصول الملك القهري؛ فإنه يبعد أن يرث شيئاً ولا يرثَ شيئاً، ثم يدخل في ملكه فيزول إن فرعنا على أن الإحرام يقطع دوام الملك. ومما ذكره في مقدمة المسألة: التعرضُ للخلاف المشهور في أن رجوع نصف الصداق إلى الزوج هل يتوقف على اختياره؟ وهذا مما ذكرناه. ٨٥٨٣ - ثم قال: إذا ارتدت المرأة قبل المسيس، اقتضى ذلك ارتداد جميع الصداق إلى الزوج، ولا أثر للاختيار في ذلك وجهاً واحداً، وكذلك كل نكاح ينفسخ، ويجب من انفساخه ارتدادُ جميع الصداق، فلا أثر للاختيار. وهذا الذي ذكره حكايةٌ، وهو موثوق به فيما يحكيه. والفرق بين الطلاق وبين الفسخ، أن الفسخ بطباعه يقتضي ردَّ العوض، بخلاف الطلاق؛ فإنه تصرُّفٌ في العقد وليس فسخاً له. وإذا ارتد الزوج، فارتداده يوجب تشطّر الصداق، والذي أراه أن الوجه الضعيف في اشتراط اختيار التمليك، يجري في النصف الذي يرتد إلى الزوج بردته؛ فإن ردة الزوج قبل المسيس، تنزل منزلة الطلاق، فهذا ما أردناه في ذلك. ٨٥٨٤ - ثم نعود إلى فرع ابن الحداد، وقد ذكر صورتين: إحداهما - أن الرجل إذا أصدق امرأته صيداً، ثم أحرم الزوج، وارتدت المرأة قبل المسيس، فيرتد الصداق إلى ملك الزوج مع إحرامه؛ فإن هذا ملك ضروري، فكان بمثابة الإرث. وكذلك لو

стр. 6760

كان باع صيداً وهو مُحِلٌّ، ثم أحرم، فرُدّ عليه الصيدُ بالعيب؛ فإنه يدخل في ملكه، ثم يتعين عليه إرساله، فإن أرسله، فلا كلام. وإن بقي في يده حتى أحل، فهل يجب الإرسال في هذه الصورة؟ فعلى وجهين: أحدهما - يجب، وفاءً بما تقدم. والثاني - لا يجب، ويكون بمثابة الكافر إذا أسلم عبده وألزمناه بيعه، فلم يبعه حتى أسلم، فلا يلزمه الآن بيعه. ويترتب على هذا أنَّا إذا قضينا بأن الإحرام يقطع دوام ملك المحرم عن الصيد، فإذا اضطررنا إلى الحكم بارتداد الصيد إليه، فهل نقول: يرتد إليه ملكاً ويزول؛ تفريعاً على هذا الوجه، كما يرث الصيد ثم يزول ملكه؟ والظاهر: أنَّا نقول بهذا إذا فرعنا على زوال الملك، ولكن هذا القول ضعيفٌ. والتفريع على الضعيف يتخبط. فأما (١) إذا طلق الزوج المحرم زوجته قبل المسيس والصيد في يدها، فإن قلنا: النصف من الصداق لا يرتد إلى المطلق إلا [باختيار] (٢) التملك، فليس له اختيار التملك، فإذا امتنع الاختيار بسبب الإحرام، فله أن يغرِّمها نصفَ القيمة، وليس لها أن تقول: لا أغرم لك شيئاً، فإنك أُتيتَ من جهة نفسك هكذا. وفي المسألة أدنى احتمال. وإن قلنا: لا حاجة إلى الاختيار والطلاق مشطِّر بنفسه، فعلى هذا، إذا طلقها وهو محرم، فإن قلنا: لو اشترى صيداً ملكه، فإذا طلق، مَلَكَ نصفَ الصداق. وإن قلنا: لو اشترى لم يملك، فإذا طلق، فهل يملك نصف الصيد؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يملك؛ لأنه اختار الطلاق (٣)، فأشبه ما لو اختار الشراء. والثاني - يملك؛ لأنه ما اختار التملك.

стр. 6761

وقد مضى معظم ذلك في كتاب الحج. ٨٥٨٥ - ثم يتصل بذلك أنه إذا طلقها قبل المسيس وقلنا: يرتد إليه نصف الصيد، فموجب ذلك أن يتعين الإرسال عليه، ولكن إرساله عَسِرٌ؛ إذ ليس جميع الصيد عائداً إلى المُحرم، وإرسالُ البعض غيرُ ممكن. فإن لم يرسله حتى تلف في يده- والإحرام مستدام بعدُ؛ يضمن نصف الجزاء، وإن أرسله، فقد برىء عن الجزاء عند تقدير التلف، ولكنه يغرَم نصف القيمة للمالك (١)، وهو الذي ورّط نفسه في هذا التضييق. ويتعارض في هذه المسألة أمران متناقضان؛ فإنَّا لو قلنا: يجوز إرسال الصيد، كان ذلك تسليطاً على تفويت ملك الغير، وإن قلنا: ليس له إرساله، كان ذلك إذناً للمحرم في إمساك الصيد، والجمع بين الأمرين مستحيل. ولو قال قائل: أوجبوا الإرسال، وضمِّنوه قيمة نصيب الشريك، وقد يجوز إخراج مال الغير في مظان الضرورات ومسيس الحاجات. هذا خرَّجه بعض الحذاق على الاختلاف المعروف في أنه إذا اجتمع حقّ الله تعالى وحق الآدمي في أمرٍ مالي، فكيف الوجه فيه؟ فمن رأى تقديم حق الله تعالى، لم يُبعد أن يوجب الإرسالَ في هذه الصورة والتغريمَ. ومن رأى تقديم حق الآدمي لم يُبعد أن يحرِّم الإرسال ويُلزمه إدامةَ اليد إلى الرد فيكون هذا صيداً يجب على المُحْرِم إمساكه. ومن لم ير تقديمَ حق الله تعالى ولا تقديم حق الآدمي، فليس ينقدح على هذا إلَاّ أن يتخير في الإمساك والإرسال، فإن أرسل عُزِّر وغُرِّم، وإن أمسك عُزِّر، وإذا أتلف، لزمه الجزاء. ٨٥٨٦ - وقد تَعْرِض عند ذلك مسألة أجريناها في الأصول (٢)، وهي: أنه لو اتفق وقوع إنسان على صدرِ مريضٍ بين مرضى، وعلم أنه لو استقر على من وقع عليه،

стр. 6762

لمات ذلك المريض، ولو انتقل منه، لهلك من ينتقل إليه، فالذي اخترناه أن هذه واقعة لا نُثبت فيها حكماً بنفيٍ ولا إثبات، فإنا كيف نفرض الأمر نقع في تجويز قتلٍ محظور، وإهلاكِ ذي روح محترم. والمصيرُ إلى إخلاء واقعةٍ خطيرة عن حكم الله تعالى في الشرع ليس بالهيِّن. فليس يبعد عندنا أن يقال بنفي الحرج عنه فيما يفعل، وهذا حكمٌ. ولا يبعد أيضاًً أن يقال: انتقالك ابتداءً فعلٌ منك، واستقرارك في حكم استدامة ما وقع من سقوطك ضرورياً، وقد يتجه ذلك بأن الانتقال إنما يجب في مثل ذلك إذا كان ممكناً، ولو امتنع، فإيجابه محال، والممتنع شرعاً كالممتنع حِسَّاً وطبعاً، ولئن عظم وقع الكلام فيما يتعلق بالدماء، فالتخيير ليس بدعاً في الأموال، وما يتعلق بجزاء الصيد؛ فإنا قد نبيح الصيدَ للمحرم، وقد نبيح للإنسان مالَ غيره. ولو وقع بين أوانٍ فلابد من انكسار بعضها، أقام أو انتقل، فيتعين في هذه الصورة القول بالتخيير. فرع: ٨٥٨٧ - يتعلق بضمان الأب مهر زوجة الابن. وهذا قد أجريته فيما تمهد من الأصول، ولكن رأيت للشيخ تصرفاً فلم أجد بداً من الإعادة، وإن مست الحاجة إلى تكرير، فلا مبالاة به. المنصوص للشافعي في الجديد: أن الأب إذا قبل لابنه الصغير نكاح امرأة، فلا يصير ضامناً للمهر بنفس النكاح، فإن ضمنه، صار ضامناً، كما يضمن سائر الديون اللازمة، فيلتزمها، ثم إذا ضمن وغرم، فهل يرجع بما غرم؟ قال الشيخ: إنْ قَيَّد ضمانَه بشرط الرجوع، ولَفَظَ ذلك صريحاً، فيملك الرجوع إذا غرم. وإن لم يشترط الرجوع، لم يضمن. واكتفى بعض المحققين بقصد الرجوع منه والنيةِ من غير لفظ، وهذا المسلك أفقه وأليق؛ وقد ذهب كثير من أصحابنا إلى أنه يُكتفى بأحد شِقَّي البيع، فإذا كان يسقط التلفظ بأحد شِقَّي العقد، لم يبعد أن يسقط التلفظ بشرط الرجوع. ويمكن أن يُبنى ما ذكر الشيخ من اشتراط اللفظ وما اكتفى به غيره من النية والقصد؛ على الاختلاف الذي قدمناه في أنَّا هل نكتفي بأحد شِقَّي العقد أم لا؟ هذا تفريع على القول الجديد.

стр. 6763

وللشافعي قول في القديم أن الأب يصير ضامناً للمهر بنفس العقد، وإن لم يُصرح بالضمان، فإذا فرعنا على ذلك وغرم الأبُ ما ضمنه، قال الشيخ: لا يرجع به، وقد حكيت فيما تقدم مثل هذا من أجوبة القاضي، وقد شبهنا غرامته المهر بما تلتزمه العاقلة من أُروش الجنايات؛ فإنهم لا [يرجعون] (١) به على الجاني خطأً. وقد قدمت أن إثبات الرجوع متجه، والقياس على تحمل [العقل] (٢) بعيد. وقد قدمنا في ذلك أوجهاً، ونحن نضم إليها مزيدَ بيانٍ، فنقول: لم يختلف العلماء في أن الصبي إذا بلغ، طولب بالمهر، والقاتل خطأً لا يطالب بأرش الجناية مع العاقلة، وإذا أبرأ مستحق الأرش القاتلَ، لم يكن لهذا الإبراء معنى، والمرأة إذا أبرأت زوجها الصغير عن الصداق، صح إبراؤها، وفيما قدمته قبلُ مزيد كشف. ٨٥٨٨ - ثم من لطيف الكلام أن الأب إذا ضمن -على القول الجديد- ولم نُثبت له حق الرجوع، فإذا توجهت الطلبة عليه عن جهة ضمانه؛ فله أن يؤدي المهر من مال الطفل، فيكفيه ذلك غُرمَ الضمان. ولو قال المطالب: لست أوجه الطلب عليك من جهة الطفل، وإنما أطالبك بموجب التزامك وضمانك، فهذا لا حاصل له، فإن مقصوده الوصول إلى الدين. ولو قال: أجزتُ مالي على الطفل، لم يتأت منه مع ذلك توجيه الطلب على الضامن في هذا المقام؛ فإن الضامن يقول: إذا كنت تطالبني، فلي غرضٌ ظاهر في تأدية الدين من مال الطفل. ولو طالب الأبَ بحكم الضمان مع إبراء الابن، اعتباراً بالعاقلة التي وقع الاستشهاد بها، فهذا محالٌ عندنا، فإن الطفل في مرتبة الأصيل، والأب في مرتبة الكفيل، فيستحيل إخراج الأمر عن حقيقة الضمان. فرع: ٨٥٨٩ - مشتملٌ على مسألةٍ دائرة فقهية سبقت في النكاح، ولكنا نُعيدها لدقيقةٍ مستفادة. فنقول: إذا أذِن السيد لعبده حتى نكح حرةً بمهرٍ، والتزم السيد ذلك المهرَ، إمَّا بصريح الضمان على الجديد، وإمَّا بحكم الإذن في العقد- على القديم،

стр. 6764

ثم إنَّ الحرة اشترت زوجها من مولاه بالمهر، فالبيع مردود؛ فإنه لو صح، لانفسخ العقد، وإذا انفسخ قبل المسيس، ترتب عليه سقوطُ المهر، [وإذا سقط] (١) المهر -وهو الثمن- بطل البيع لعُروّه عن الثمن. ولو فرضت المسألة بعد المسيس، فهي مسألة الرؤيا، وفيها [تصرفٌ للقفال] (٢)، فلا حاجة إلى الإعادة. وقد ذكر الشيخ أبو علي في هذا المنتهى كلاماًً هو الذي حملنا على رسم الفرع وإعادة ما فيه، وذلك أنه قال: إنما ذكر القفال ما ذكره بعد المسيس؛ لأنها إذا ملكت زوجها، سقط ما على العبد لها؛ فإنها مالكة، والمالك لا يستحق على مملوكه ديناً. قال: وهذا فيه نظر، فإنَّ المهر جُعِلَ ثمناً، وملك رقبة العبد لا يحصل إلا بإزاء سقوط المهر لأجل الثمنية. ثم إذا سقط المهر بهذا السبب -وهو مقتضى المعاوضة- فكيف يقال بعد ذلك: إذا ملكته، سقط بالملك عنه؟ ثم يسقط عن السيد كما يسقط الدَّين عن الكفيل ببراءة الأصيل؟ هذا قول الشيخ واستدراكُه. ٨٥٩٠ - وفي المسألة نظرٌ دقيقٌ، فنقول: ما ذكره القفال وجلّى فيه رؤياه، ثم مراجعته المشايخ وتقريرهم إياه يُخرَّج على قاعدةٍ سنصفها، فنقول: اختلف أئمتنا في أنَّ من ملكَ دَيْناً على مملوك لغيره، ثم ملك ذلك المملوك، فهل يسقط الدين [سقوط] (٣) انبتات؛ حتى إذا عَتَق، لم يطالبه المولى، أم يبقى الدين في ذمته وتسقط الطلبة في الحال، لتحقق إعسار العبد في حق المولى؟ فإنَّ ما يؤدي العبد الديونَ [منه] (٤) في ديون المعاملات الكسبُ، وهو ملك المولى، وفائدة بقاء الدين في ذمته أنه إذا أعتق، طالبه إذ ذاك. فنعود ونقول: المهر لا يسقط بعد المسيس. هذا ما عليه التفريع، فإذا كان المهر لا يسقط بحكم النكاح، فالمرأة إذا ملكت زوجها، فهل تستحق عليه الدين أم يسقط؟ قال القفال: إن قلنا: لا يسقط، فالمسألة لا تدور والبيع يصح، ولئن

стр. 6765

تعذّرت مطالبة المملوك لإعساره، فلا تعذر في مطالبة الضامن. وإن قلنا: يسقط الدين عن المملوك بطريان ملكِ مستحِق الدين على رقبته، قال: فالمسألة تدور؛ فإن المهر يسقط بعلة طريان الملك وإن لم يسقط بعلةٍ في النكاح من فسخ أو انفساخ، فإذا كان الدين يسقط، فالمسألة تدور، وإن خالفت عِلَّةُ الإسقاط بعد المسيس عِلَّته قبل المسيس. وقد حكينا استدراكَ الشيخ أبي علي. وللمذهبين عندي وجهان إذا ذكرناهما، بان بهما حقيقةُ المسألة فنقول: إذا فرعنا على أن الدين يسقط بطريان الملك، فله مسلكان: أحدهما - أن يسقط الدين بملك الرقبة، كما ينسفخ النكاح بملك الزوج أو الزوجة، هذا وجه. والوجه الثاني - أن يملك الدينَ على العبد، ثم يسقط، كما يملك من يشتري أباه الأبَ، ثم يعتِق عليه، فإن جعلنا نفسَ ملك الرقبة مسقطاً للدين، فمعناه أنه لا [يضادّه] (١) بل يعاقبه معاقبةَ الضد، فعلى هذا تدور المسألة، كما قال القفال؛ فإنَّ الملك وسقوطَ الديْن بعِلَّتِه، ووقوعَ الثمن، يُفرض على اقترانٍ ليس [فيه] (٢) تقدم ولا [تأخّر] (٣)، فيلزم من هذا ما ذكره القفال. وإن قلنا: من طرأ ملكُه يملك الدين ويسقط- كما ذكرناه في شراء القريب، فيتجه على هذا ما قاله الشيخ؛ فإن الدين إنما يسقط بتقدير ملك الدين وتعقيب السقوط إياه، فإذا صار الدين مستغرقاً بالثمنية، لم يسقط بالملك؛ لأنه لا يدخل في الملك مع الرقبة، حتى إذا دخل سقط. فإن قيل: هل يتوجه تصرفُ الشيخ قبل المسيس؟ قلنا: لا، فإنَّ المهر يسقط قبل المسيس -على القول الأصح- بالفسخ الواقع قبل المسيس، ولا ينتظم فيه ما تكلفناه بعد المسيس للشيخ أبي علي من تقدير ملك الدين وترتُّبِ السقوط عليه. والذي يوضح ذلك أنَّ استيعاب المهر مع جريان الفسخ المسقط للمهر محال،

стр. 6766

ولهذا نص الشافعي على قول التفريق فيه إذا اختلعت المرأةُ نفسها بصداقها قبل المسيس؛ فإنَّ نفس الاختلاع يوجب التشطير، ولا يثبت العوض إلا على ما يقتضيه الخلع من التشطير، وهذا بَيِّنٌ. ٨٥٩١ - ثم ذكر الشيخُ مسألةً فرضها، وصور [الدَّوْرَ] (١) فيها، ونحن نذكرها على وجهها، فنقول: إذا سلَّمَ السيدُ ديناراً إلى عبده، وأذن له أن يتزوج به حرةً، فإذا تزوجها [بذلك الدينار] (٢)، وسلمه إليها، ثم إن السيد باع ذلك العبدَ من زوجته بذلك الدينار الذي قبضته صداقاً، وهي غيرُ ممسوسة، قال: لا يصح البيع للدَّوْر، وتدور المسألة، لمكان وقوع الفسخ قبل المسيس. وذكر هذه المسألة بعد المسيس، وأجرى فيها (٣) جوابَي القفال في مسألة الرؤيا. وهذا فيه نظر بيِّن، فإذا وقع البيع بعد المسيس، فيجب القطع بصحة البيع، فإنَّ ما قدمناه في دينٍ في ذمة العبد يسقط على تقديرٍ قدمتُه، وإذا كان المهر عيناً، وقد ملكتْه قطعاً، واستقر ملكها فيه، فطريان الملك على الرقبة كيف يؤثر!؟ وهذا أراه وهماً وغلطاً (٤)؛ فإنَّ القفال بنى كلامَه على سقوط الدين عن ذمة العبد، ثم على سقوطه عن ذمة السيد؛ من حيث كان العبدُ أصيلاً والسيدُ كفيلاً، وشيء من هذا لا يُتخيل في الصداق المعين. فرع: ٨٥٩٢ - يشتمل على مُعادٍ وزوائدَ مستفادة. إذا أذِن السيد لعبده في النكاح، فنكح نكاحاً فاسداً ووطىء، ففي متعلّق المهر اختلافٌ مشهور، ولو نكح بغير إذن سيده نكاح شبهة، فوطىء، ففي متعلق المهر اختلافُ أقوال أيضاً: أحدها- إنه يتعلق برقبة العبد. والثاني - يتعلق بذمته، فإن النكاح لم يجر بإذن السيد، فلم يتعلق المهر بكسبه، فرجع ظاهر ما ذكره الأصحاب إلى قولين وسيتبين قولٌ ثالث مفصِّل.

стр. 6767

قال ابن الحداد: وإن نكح حرةً بإذنها أو نكح أَمَةً بإذن سيدها، لم يتعلق المهر بالرقبة، وإن نكح امرأةً بغير إذن سيدها ووطئها، فيتعلق المهر بالرقبة في هذه الصورة. فمِنْ أصحابنا مَن وافقه على تفصيله. فيقول: إن نكح أمةً بغير إذن سيدها، فيجب القطع بأن المهر يتعلق بالرقبة إذا وطىء، وإن كان بإذن السيد أو كان ذلك مع حرة، فيتردد القول في متعلق المهر. ومن أصحابنا من قال: إذا نكح أمةً بغير إذن سيدها ووطئها؛ فلا نقطع بتعلق المهر بالرقبة، بل نخرِّج المسألةَ على الاختلاف؛ فإن لرضا الأمة تأثيراً في الجملة، وإن لم يأذن السيد، والدليل عليه: أن الأَمَةَ إذا طاوعت على الزنا، فلا مهر لها على أحد الوجهين. فينتظم في متعلق المهر أقوال: أحدها - إنه يتعلق بالرقبة من غير فصل. والثاني - إنه لا يتعلق بالرقبة من غير فصل. والثالث - إنه يفصل بين الحرة وبين الأمة تنكح من غير إذن سيدها. فرع: ٨٥٩٣ - إذا نكح الرجلُ أَمَةً نكاحاً فاسداً ووطئها، فعليه مهر مثلها، ثم يعتبر مهر مثلها بوقت الوطء دون العقد؛ فإنَّ العقد لم يُفد ملك البضع، بل لغا وفسد، فلا حكم له، وليس ذلك كنكاح المفوضة. [فإن] (١) لم نوجب بنفس العقد مهراً، ثم أوجبناه عند الوطء، فقد نعتبر في مقدار مهر المثل كمالَها يوم العقد، وذلك أن النكاحَ ملَّك البضع وأفضى إلى استيفائه، فكان اعتبارُ وقته محمولاً على كونه مملِّكاً للبضع، مفضياً إلى التسليط على الوطء، وهذا المعنى لا يتحقق في النكاح الفاسد. ثم إذا وطىء الرجل المرأة في نكاح فاسد مراراً مع اتحاد الشبهة، فلا يلتزم إلا مهراً واحداً إجماعاً، ولو وطئها مع اتحاد الشبهة، وهي هزيلة ومهر مثلها خمسمائة، ثم حسنت، فوطئها مرة أخرى -والشبهة واحدة- ومهر مثلها ألف، فيلتزم الواطىء أكثرَ المهرين؛ فإنَّا نُقَدّر كأنَّ الوطء الأول لم يكن.

стр. 6768

والذي يحقق ذلك أن الحدود على الاندراج والتداخل، وهي مبنية على الاندفاع، فلو زنا عبدٌ في رِقِّهِ، ولم نُقم عليه الحد، فَعَتَقَ، [وزنا] (١) في الحرية، فإنا نقيم عليه حدَّ الأحرار. فإن قيل: الأب إذا وطىء جاريةَ ابنهِ مراراً، فالشبهة واحدة، وهي حق الإعفاف، فيتحد المهر أم يتعدد؟ قلنا: ذكر الإمام (٢) وجهين في ذلك، والمسألة محتملة لترددها بين وطء الشبهة وبين إتلاف المتقومات المتعددة. ويجب القطع بأنَّ الغاصب إذا وطىء الجاريةَ المغصوبة قهراً مراراً، يلزمه بكل وطأة مهر جديد؛ فإنَّ ذلك إتلاف محض، وليس فيه تخيل شبهة شاملة تتصف بالاتحاد. فصل ٨٥٩٤ - إذا زَوَّجَ الرجلُ أَمَتَهُ بصداق معلوم، ثم باعها، أو أعتقها، فالمهر بكماله للسيد المزَوِّج؛ سواء اتفق الوطء في ملكه، أو اتفق بعد زوال ملكه، وهذا إجماع. ولو أَجَّرَ عبدَهُ سنةً، فمضى نصف المدة، فأعتقه؛ يجب الوفاء بالإجارة في بقية المدة، ثم هل يرجع بأجر مثل نفسه بعد العتق على سيده في بقية المدة؟ فعلى وجهين. ولا خلاف في النكاح أنَّ الأمة وإن بقيت في النكاح بعد العتق، فلا مرجع لها على سيدها، بل جميع المهر للسيد. ثم إذا باعها السيد، فليس للمشتري أن يحبسها حتى يتوفر الصداق على البائع. وهذا محال تخيله. وكذلك لو أعتقها، فليس لها أن تحبس نفسها، فلو زوّج أمة مفوِّضة، ثم باعها، فإن جرى فرض المهر وهي ملك الأول، فالمهر للأول، وإن جرى الفرض في ملك المشتري، فهذا يبتني على أن مهر المفوضة يجب بالعقد أم لا؟ وقد تمهد هذا فيما مضى.

стр. 6769

فرع: ٨٥٩٥ - إذا اختلف الزوجان في الصداق، فزعم الزوج أنه أصدقها هذا العبد، فأنكرته، وقالت: بل أصدقتني هذه الجارية؛ فالمذهب: أنهما يتحالفان؛ فإنهما اتفقا على مقابل المهر -وهو البضع- فكان اختلافهما في العوض موجباً للتحالف، وذكر الشيخ وجهاً ضعيفاً أنهما لا يتحالفان؛ فإن الصداق في حكم عقد مفرد عن النكاح، والنكاح على جانب منه، ولذلك لا يرتد برده ولا يفسد بفساده. ثم [إذا] (١) اختلفا في الصداق نفياً وإثباتاً، فلم تجتمع دعواهما على شيء، فكان كما لو قال: بعت منك هذا العبد بألف درهم، وقال المشتري: لا، بل اشتريت منك هذه الجارية بمائة دينار، فلا تحالف والحالة هذه، بل كل واحد منهما منفرد بدعوى لا تعلق لها بدعوى الثاني، فالوجه أن نفصل كل خصومة بطريقِ فَصْلها. والصحيح أنهما يتحالفان. وقد ذكرنا صور التحالف في كتاب البيع، ونحن نقتصر هاهنا على مقدار غرضنا في الصداق. ٨٥٩٦ - فإذا تبين أصلُ الاختلاف، وظهر أن المذهب التحالفُ، فنفرض مسألة ذكرها ابن الحداد، ونخرّجُها على القاعدة. فإذا كان في ملك الرجلِ أُمّ امرأة وأبوها، فنكحها وأصدقها أحدهما، ثم اختلفا، فقال الزوج: أصدقتُكِ أباكِ، وقالت هي: بل أصدقتني أُمي، فالمشهور أنهما يتحالفان، وفيه الوجه البعيد أنهما لا يتحالفان. فنفرع ونقول: إنْ قلنا: يتحالفان، فإن حلفا جميعاً، استحقت المرأة مهر المثل ورَقَّت أمُّها التي ادعت عتْقَها بالإصداق، وأما أبوها فقد عَتَق بإقرار الزوج، ولا نجد بقيمته مرجعاً عليها؛ فإنها مُنكرة، وولاء الأب موقوف؛ من جهة أنه لا يدعيه أحد، هذا إذا تحالفا. فأما إذا حلف الزوج على ما ادعاه وعرضنا اليمين على المرأة، فنكلت، فترق الأم

стр. 6770

كما ذكرنا، ويثبت أن الأب صداقٌ، ويعتِق بهذا الحكم، ولا مهر لها سواه، والولاء موقوف أيضاًً؛ لأنها منكرة. وبمثلها لو قال: أصدقتُكِ أباك ونصفَ أمك، وقالت هي: بل أصدقتني أبي وأمي جميعاً، فإن تحالفا، عَتَقَ الأب ونصفُ الأم، فإن كانت موسرة، فيعتق الأب وتمامُ الأم. وإن كانت معسرة، فيعتق الأبُ ونصفُ الأم، ولها مهر مثلها في الصورتين، وعليها قيمة أبويها إن كانت موسرةً، وإن كانت معسرة فقيمة الأب ونصف قيمة الأم، ثم يقع التقاصّ في أطراف المسألة، وكيفما دارت المسألة، فلها مهر مثلها عند التحالف؛ لانفساخ الصداق. وإن حلفت هي، ونكل الزوج عَتَق الأبوان، وإن كانت معسرة؛ فإنه ثبت الصداق على موجَب [قولها] (١)، ولم ينفسخ، وليس لها مهر المثل؛ فإنها استوفت حقها. وإن حلف هو ونكلت، عتق أبوها ونصفُ أمها إن كانت معسرة، وليس لها مهر المثل؛ إذا (٢) ثبتت بيمينه جملةُ المقصود. وإن كانت موسرة، عتقا، ولا مهر لها، ويرجع عليها بنصف قيمة الأم؛ لمكان السراية، وقد ثبت عليها دعوى الزوج، فيثبت موجبها. هذا كله تفريع على ظاهر المذهب، وهو أنهما يتحالفان. ٨٥٩٧ - وإن فرعنا على الوجه الضعيف الذي حكاه الشيخ في أنهما [لا] (٣) يتحالفان، فقد قال: إذا ادعت المرأة أن أمَّها صداقُها، وأنكر الزوج، فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف رقَّت، وأما الأب؛ فإنه حرٌ بإقراره، ثم قال: لا حلف عليها، ولها مهر مثلها في هذه الصورة. وعلَّل بأن الزوج إذا اعترف بعتق الأب، فلا يتجه منه أن يدعي (٤) على الزوجة،

стр. 6771

أي (١) أصدقتك هذا فاستحققتيه، ولسنا نفرع على قول التحالف حتى يتعرض كل واحد منهما للنفي والإثبات، بل نميز الدعوى عن الدعوى، ولا تكاد تصح صيغة في الدعوى للزوج؛ فإنه إذا كان ادعى أنك استحققتيه، [كان هذا] (٢) دعوى لها لا دعوى عليها، وإن ادعى عليها أنك لا تستحقين مهر المثل، كان هذا جواب من يدعي عليه، لا ابتداء دعوى؛ فإن المرأة إذا ادعت حقها؛ فالقول قوله في أنه لا حق لك، فإذا انحسم سبيل دعواه عليها -والنكاح ليس عارياً عن المهر بالاتفاق- فلا وجه إلا الرجوع إلى مهر المثل. وهذا الذي ذكره مشكل؛ فإن الصداق ليس ينفسخ إذا كانا لا يتحالفان، فيبعد أن نُثبت لها بطريق الدعوى عليه مهرَ المثل، فليقل الزوج: صداقكِ هذا لا مهرُ المثل. والمسألة محتملة جداً. فرع: ٨٥٩٨ - ذكر صاحب التقريب أنَّا إذا حكمنا بأنَّ الصداق مضمون باليد، وقلنا: إنه مضمون على الزوج ضمانَ غصب، فلو وجدت به عيباً، فالمذهب: أن لها الردُّ، وإن كان من حكم المضمون بالغصب ألا يُردَّ [بالعيب، فإن] (٣) من غَصب عبداً وتعيّب في يده، فالغاصب يرده معيباً، ويضمُّ إليه أرشَ العيب. قال صاحب التقريب: قد ذهب بعض أصحابنا إلى أنا إذا جعلناه بمنزلة المغصوب؛ فإذا حدث به عيب في يد الزوج، فليس للزوجة خيار الرد، قياساً على الغصب، ولكن لها أرش العيب بالغاً ما بلغ، قال: ويُحكى ذلك عن أبي حفص الوكيل (٤) من أصحابنا.

стр. 6772

وهذا وإن كان متجهاً في القياس، فهو بعيد في الحكاية. وإذا قال قائل بهذا الوجه، لزمه طردُه على قولنا: إنه يُضمن باليد، ولكن لا يُضمن ضمانَ الغصب، وإن صح هذا مذهباً يفرَّع على مثله، فما ذكرناه في العيب المتجدد في يد الزوج. فأما إذا فرض اطلاعٌ على عيب قديم كان قبل الإصداق، فتغريم الزوج أرشَ العيب بعيد، وإلزام المرأة الرضا بالظلامة بعيد أيضاً، فليتأمل الناظر ذلك. ولا اعتداد على الجملة بما ذكره، وأصلُ (١) المذهب ما قدمناه. وذكر الشيخ -والدي- أبو محمد في الرد بالعيب طريقةً غريبة، فقال: الرد بالعيب يجري لا محالة، ولكن إذا ردت المرأة الصداق؛ فمن أصحابنا من قال: الرجوع إلى مهر المثل قولاً واحداً؛ لأنَّ الصداق ينفسخ بالرد، ونحن إنما نُثبت قيمةَ الصداق إذا تلف في يد الزوج؛ بناءً على أن عقد الصداق قائم، فإذا فُسخ الصداق بالرد، لم يبق متعلَّق. وهذا لا بأس به، ولكن يُفسده اتفاقُ الأصحاب على إجراء القولين إذا كان الصداق حُرّاَ، أو تبين مستحَقاً، فردّ الصداق لا يزيد على اقتران المفسد، فالتعويل إذن على ما قدمناه. فرع: ٨٥٩٩ـ ذكر صاحب التقريب في التفريع على أن عفو الولي عن المهر نافذ، أنا نشترط أن يقع العفو بعد الطلاق. وهذا قد تقدم ذكره، فلو جعل الولي المهرَ بدل الخلع، قال: في المسألة وجهان: أحدهما - لا يجوز؛ لأن الشرط إنشاء العفو بعد الطلاق، كما قدمنا تعليله. والثاني - يجوز؛ فإنه وقع مقارناً للطلاق، فالواقع معه كالواقع بعده. فرع: ٨٥٩٩ م- ذكر بعض المصنفين أن من جمع بين نكاح وبيعٍ صفقة واحدة، ففي صحة النكاح قولان، وهذا مدخول. والوجه: القطع بصحة النكاح، والتردد

стр. 6773

في صحة الصداق وفساده، وإنما أخذ هذا من تردد الأصحاب فيه إذا جمع نكاحَ مستحَلَّة ومحرم في عُقدة، فإنّّ نقْلَ قولٍ في فساد نكاح المستحَلَّةِ مشهور على ضعفه، وجمع الصفقةِ مختلفين من تفريق الصفقة. وهذا غيرُ سديد والوجه ما قدمناه. ***

стр. 6774

كتاب القَسْمِ والنشوز قال الشافعي: " قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ... إلى آخره " (١). ٨٦٠٠ - للرجال حقوق على النساء، كالتمكين، والاستقرارِ في البيت، ويدخل تحت التمكين التنظُّف والاستعداد بالاستحداد وغيره. ولهن على الرجال المهرُ والنفقة والسكنى والكسوةُ، على ما ستأتي حقوقُها مفصلةً -إن شاء الله تعالى-. قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فاقتضى الظاهر تشبيه ما لهن بما عليهن، وهذا التشبيه في أصل الحق، والحقان متشابهان في التأكد ووجوب الوفاء به، وليسا متشابهين في الكيفية والصفة. ثم فَسَّر الشافعي: المعروف المذكور في قوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فقال: "وجماع المعروف بين الزوجين كفُّ المكروه، وإعفاءُ صاحب الحق من المؤنة في طلبه، لا بإظهار الكراهية في تأديته، فأيُّهما مطل [بتأخيره] (٢)، فمَطْلُ الغني ظلم " (٣). ومعناه: جملة المعروف بين الزوجين أن لا يؤذي أحدُهما صاحبه، وينكفُّ عن إلحاق مكروه به، فالمرأة لا تؤذي الزوجَ بلسانها أو شراستها، والرجل لا يؤذِيها بوجوه الأذى، ويعفي كلُّ واحد منهما صاحبَه عن مؤنةٍ في طلب حقه، فيوفر الزوج الصداقَ عليها، ولا يحوجها إلى رفعه إلى القاضي، فقد تحتاج إلى بذلِ مؤونة ومعاناةِ مشقةٍ.

стр. 6775

وكذلك القول في المرأة فيما عليها له، ولا يُظهر واحد منهما كراهيةً في تأدية حق صاحبه، فالرجل لا يعبس عند إيفاء حقوقها بل يؤديها كاملة على طلاقة، والمرأة لا تعبس إذا قَرِبَها الزوج. ثم قال: " فأيهما مطَلَ فمطل الغني ظلم "، والمطل: مدافعة الحق مع القدرة على التأدية، ولفظ " الغني " لا يختص باليسار والثروة، بل كل متمكن من تأدية حق مستقلٍّ به، فهو في حكم الغني. وللغني في أسماء الله تعالى معنيان أحدهما: المقتدر، والثاني: البريء عن الحاجة. ومن حقوق المرأة على الرجل القَسْم، وهذا الكتاب بأبوابه معقودٌ له لا غير، فإن تطرق إليه حكم آخر، لم يكن مقصوداً بالكتاب. ٨٦٠١ - فنبتدىء، ونقول: الرجل لا يخلو إما أن يكون ذا زوجة واحدة، وإما أن يجمع بين زوجتين فصاعداً، فإن كان ذا زوجة واحدة، فلا يلزمه أن يبيت عندها، ولو لم يدخل عليها قط، فلا طَلِبةَ عليه إذا كان يوفيها حقوقها، والذي يقتضيه أدب الدين ألا يعطّلَها، فقد يُفضي تعطيلُها -إذا هي تاقت- إلى الفجور، وفي تعطيلُها إضرارٌ بها، ولست أُبعد إطلَاق لفظ الكراهية في تعطيلها، فإنَّا نسمح بإطلاق هذا اللفظ دون هذه الأمور التي أشرنا إليها. وقد حُكي عن أبي حنيفة (١) أنه قال: ينبغي ألا يخليَ أربعَ ليالٍ عن ليلةٍ يقيم فيها عندها؛ فإنَّ أقصى ما يفرض من النسوة تحته أربع، ثم ينالُها من القَسْم ليلةً من أربع ليال. وهذا غير مرضي عند أصحابنا؛ فإنَّ اعتبار أقدار الليالي حيث لا قَسْمَ محال، ولو نظر ناظرٌ إلى الإضرار ومؤنة أربعة أشهر، كان بعيداً، فإن كان الضرار لا يدفعه إلَاّ الاستمتاع، فهذا (٢) غير مرعي في المبيت الذي نقرر القول فيه.

стр. 6776

٨٦٠٢ - وإن جمع بين نسوة [أو] (١) بين امرأتين، ثم أراد الإضراب عنهن؛ فلا معترض عليه، وهُنَّ بجملتهن -إذا أَعرض عنهن- كالزوجة الواحدة، فإن بات عند واحدة منهن، لم يكن له تخصيصها، بل عليه أن يَقسم بينهن ويسوي في المبيت، قال رسول الله ﷺ : " من كان له امرأتان، فمال إلى إحداهما، حُشر يوم القيامة وأحدُ شقيه مائل " (٢). والذي ذكرناه من الأمر بالتسوية إنما هو فيما يتعلق بالأفعال، وأما القلوب، فلا يملكها إلَاّ مقلبُ القلوب، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]. قال المفسرون: لن تستطيعوا أن تعدلوا بالقلوب، فلا تتبِعُوا أهواءكم أفعالكم؛ [فإن] (٣) من أتبع هواه فِعلَه، فقد مال كل الميل، فكان ميل رسول الله ﷺ إلى عائشة من نسائه بَيِّناً، وكان يحاول التسويةَ بينهن فعلاً، ويقول: " اللهم هذا قَسْمى فيما أملك وأنت أعلم بما لا أملك " (٤). وكان ذلك مشهوراً في الصحابة ﵃، حتى

стр. 6777

إن الناس كانوا يحسبون ليلةَ عائشةَ وينتظرون ليلتها، فمن أراد أن يهدي إلى رسول الله ﷺ هدية، كان يُهديها في ليلتها، فشق ذلك على صواحبها، فأتين فاطمة وشكون إليها وحَمَّلْنَها رسالةً، فبَلَّغنها، فقال رسول الله ﷺ : "ألا تحبين ما يحب أبوك، إنَّ جبريل لا يأتيني وأنا في فراشٍ سوى فراش عائشة " (١). وكان لرسول الله ﷺ تسعُ نسوة، وهو يقسم لثمان منهن؛ فإنَّ سودة طلقها رسول الله ﷺ فقالت: راجعني لأُحشر في جملة نسائك، وقد وهبتُ ليلتي لعائشة فراجَعَها (٢)، وقيل:

стр. 6778

أمره الله تعالى بها، فقال: "راجع سودة فإنها صوَّامةٌ قوَّامة " (١). ٨٦٠٣ - وكان ﷺ لا يُخلّ بالقسْم، ولا يألو جهداً في رعاية التسوية، حتى في مرض موته، قيل: كان يأمر حتى يطاف به على حُجَر نسائه (٢) وكان يستبطىء ليلة عائشة، ويقول: أين أنا اليوم؟ أين أنا غداً؟ ففطِنّ مراده، وكان يُمرَّض في بيتِ عائشة إلى أن توفاه الله . وعن عائشة أنها قالت: "توفي رسول الله ﷺ بين سَحْري ونحري في الليلة التي لم أظلم فيها أحداً " (٣). أرادت أنه اتفقت الوفاة في نوبتها الأصلية التي لم تكن من قِبَل سودة. وقد ظهر اختلافُ الأصحاب في أنَّ القَسْم هل كان واجباً على رسول الله ﷺ ؟ أو كان يفعله تكرماً، كما قدمناه في أول كتاب النكاح، فمن أحلّهن في حقه محل الإماء لم يوجب القَسْم، كما تقدم شرحه في ذكر خصائص رسول الله ﷺ . فصل قال: "وعماد القَسْم الليلُ ... إلى آخره " (٤). ٨٦٠٤ - المعتمد في زمان القسم الليل، لأنه سكنٌ، قال الله تعالى: ﴿يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص: ٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦].

стр. 6779

وقد سمى الله تعالى الأزواجَ سكناً، فقال : ﴿أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]. وقولنا: "الأصلُ " (١) لا يتبين أثره الآن، وإذا انتهينا إلى تفريع المسائل، أوضحنا ذلك، إن شاء الله . ثم إنما يكون التعويل على الليل في حق معظم الناس، وعامة الخليقة؛ فإنهم ينتشرون في مآربهم وأوطارهم نهاراً، فإذا جنَّ الليل، ارتادوا السكونَ في مساكنهم والدَّعَة. فلو فرض شخص يشتغل بالليل ويسكن بالنهار -كالحراس [ومن] (٢) في معناهم، فعماد القسم في حقوقهم النهار؛ فإن المتبع فيه أن الأصل في القَسْم وقتُ السكون والدَّعةِ، فإن من ينتشر نهاراً لم يمنع منه، ولم يُلزم أن يدخل على صاحبة النوبة النهار، فإنا لو فعلنا هذا، لانقطع الناس عن معايشهم، ولصار الكافل العائل معولاً مكفولاً. وهذا أحد الآثار في الفرق بين الليل والنهار، كما سنجمعها في فصل بعد هذا، إن شاء الله . فصل قال: "ولو كان عند الرجل حرائرُ مسلماتٌ ... إلى آخره " (٣). ٨٦٠٥ - غرض الفصل أن الكتابيةَ والمسلمةَ في القَسْم متساويتان؛ فإن حقوقهما متساوية، فإذا ساوى حقُّه على الكتابية حقَّه على المسلمة، فيجب أن يتساويا أيضاًً فيما تستحق كل واحدة على زوجها. وحقق الأئمة هذا فقالوا: استمتاع الرجل بالكتابية يتسع اتساع استمتاعه بالمسلمة، ولا ضِرار على ولده منها؛ فإن ولد المسلم من الكتابية مسلم. ٨٦٠٦ - فأما إذا اجتمعت الرقيقة والحرة تحت حر مثلاً بطريق اجتماعهما، فالقَسْم

стр. 6780

بين الحرة والأَمَة على [التفاضل] (١) عندنا وعند أبي حنيفة، خلافاً لمالك (٢)، فإنه قال: لا فرق في القسم بين الحرة والأَمَة، وهذا غير سديد. ومعتمدنا: أولاً: ما روى الحسن عن رسول الله ﷺ أنه قال: " للحرة ثُلثا القسم وللأمة ثُلثه " (٣). وفراشُ الأَمَة المنكوحة ناقص، وتمكُّنُ الزوجِ من الاستمتاع بها ناقصٌ، ويلحق الولدَ نقصُ الرق، فيليق بهذا ألا يسترسل الزوج في الاستمتاع بها توقياً من الولد، ولذلك لم يثبت نكاح الرقيقة في حق الحر إلا في محل الحاجة. فإذا ثبت ذلك؛ فإذا كان تحته حرة وأمة، فالحرة على ضعف الأَمَة في القسم، فيقسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة. ٨٦٠٧ - ثم إذا فرض طريان العتق على الأمة؛ فأصل المذهب لا غموض فيه، ولكن قد تلتبس الصور، فالأَولى الاعتناء بتفصيل الصور، [فنبدأ] (٤) بذكر التفصيل فيه إذا وقعت البدايةُ في نُوَب القَسْم بالحرة، ثم نذكر إذا ما وقعت البداية بالأَمة. فإن وقعت البداية بالحرة، فعتقت الأمة، فلا يخلو إما أن تعتق في نوبة الحرة، أو في نوبة نفسها، فإن في نوبة الحرة، وكان يقسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة، فالجواب المجمل إلى أن يُفصّل -أنها إذا عتقت في نوبة الحرة، صارت بمثابة الحرة الأصلية في القَسْم في مستقبل الزمان، وكأنَّ الرقَّ لم يكن، والتفصيل أنها إذا أعتقت في الليلة الأولى من ليلتي الحرة، فيكملُ الزوج الليلةَ الأولى للحرة، ثم هو بالخيار إن شاء اقتصر في حقها على هذه الليلة، وأقام عند العتيقة ليلة، ثم استدار عليهما ليلة ليلة،

стр. 6781

وإن أراد أن يقيم عند الحرة ليلتين [فإنه يقيم عند العتيقة ليلتين] (١) أيضاًً، فإنها التحقت بالحرة الأصلية، كما ذكرنا أولاً. ولو عتقت في الليلة الثانية من ليلتي الحرة، فإن أراد أن يتم تلك الليلة، ويقيم في بقيتها عند الحرة، فله ذلك، كما تقدم، ثم يقيم عند العتيقة ليلتين أيضاًًً، وإن كانت تلك الليلة قد تشطرت، فأراد أن يخرج في وسط الليل إلى العتيقة ويقيم عندها ليلة ونصفاً، فيجوز ذلك، ولو كان وَضْعُ القَسْم ابتداءً على أنصاف الليالي، لم يجز؛ فإنَّ تبعيض الليالي يُفسد غرضَ السكن وما فيه من مستمتَع. ولكن إذا طرأ العتق في أثناء الليلة الثانية من ليلتي الحرة، فربما يبغي الزوج أن يجعل القَسْم ليلة ليلة، ولو استتم نوبة الحرة ليلتين، لاحتاج إلى أن يقيم ليلتين عند العتيقة، فإذا لم يرد ذلك، فله أن يبعِّض هذه الليلة، ويرعى التسوية بينهما، وليس كما لو طرأ العتق في أثناء الليلة الأولى في نوبة الحرة؛ فإن نوبةَ القَسْم لا تنقُص عن ليلة في وضعه. ٨٦٠٨ - ومما ذكره الأئمة في ذلك أن العتق لو جرى في الليلة الثانية، فأراد الزوج أن يفارق الحرة في بقية تلك الليلة ويبيت عند صاحبٍ له، فإذا فعل ذلك، فأراد أن يبيت عند العتيقة ليلة ويدور إلى الحرة بليلة ويدير النوبتين كذلك؛ قال الصيدلاني: له هذا، وما مضى من الليلة غيرُ محسوبٍ عليه، وهو مختطفٌ من البَيْن؛ فإنَّ ما جرى من التبعيض أفسد تلك الليلة، حتى كأنه لم يُقم في شيء منها عند الحرة، وهذا يؤكده تمهيد (٢) عُذر الزوج؛ فإنه كان يتمادى على موجب الشرع في تفضيل الحرة، ثم كما (٣) بلغه أتلف. وهذا الذي ذكره خارج عن القياس في وجوب رعاية النَّصَفة، وتعيّن اعتبار التعديل، وتنزيل العتيقة إذا طرأ عتقها على نوبة الحرة منزلة الحرة الحقيقية،

стр. 6782

لا [تدرؤه] (١) التخاييل. فإذا كنا نقول: إذا أكمل للحرة ليلتين يبيت عند العتيقة ليلتين، فإذا بات عند الحرة ليلةً ونصفَ ليلة، ثم أراد أن يبيت عند العتيقة ليلة، فهذا قسْم على التفاضل، وسنذكر مناقشاتٍ (٢) للأصحاب في أنصاف الليالي في المسائل التي ستأتي -إن شاء الله ، فالوجه: القطع بأنه يُحسب عليه ما مضى من الليل. فترتب من مجموع ما ذكرناه أن العتق إذا جرى في أثناء الليلة الأولى، فلا بد من إكمالها، ثم للزوج الخيار بين أن يدور بعد انقضائها إلى العتيقة، ويبيت عندها ليلة، فيردّ النوبة إلى ليلةٍ ليلة، وبين أن يبيت عندها إلى تتمة الليلتين، ثم يقيم مثلها عند العتيقة. وإن جرى العتقُ في أثناء الليلة الثانية على الشطر مثلاً؛ فللزوج ثلاثة أحوال: إحداها - أن يتمها، ثم يمكث عند العتيقة ليلتين، والأخرى - أن يدخل على العتيقة في نصف الليل، ويقيم عندها ليلة ونصف، ثم يرتب من النوبة ما يريد، ويجتنب في وضع القَسْم تبعيضَ الليل في المستقبل، كما سنصفه، إن شاء الله . والحالة الثالثة - أن يخرجَ إلى صديق أو مسجد ويبيتَ (٣) فيهما، قال الصيدلاني: إن ما مضى من الليل لا يحسب عليه، وقد أرى الأمر بخلاف ذلك، وكل هذا فيه إذا كانت البداية بالحرة وقد عتقت الأمةُ في نوبة الحرة. ٨٦٠٩ - فأما إذا انقضت نوبة الحرة بكمالها ليلتين، وانتهت النوبة إلى الأمة، فعتقت في أثناء ليلتها؛ فالعتق الطارىء على نوبتها يثبت لها كمالَ نوبة الحرة، فيبيت عندها ليلتين، وحكم الطارىء إذا كان يقتضي كَمَلاً أن يقتضيَه إذا جرى قبل استيفاء حظ العبودية، ولذلك قلنا: إذا عتق العبد وقد طلق امرأته طلقة واحدة، فالعتق يُملّكه تتمة ثلاث طلقات. وهذه الصورة التي ذكرناها في القسم أبعد عن اقتضاء مساواة الحرة من الصورة الأولى، وذلك أن نوبتها دخلت وهي على الرق، ثم ألحقناها بالحرة للعتق الطارىء،

стр. 6783

وفي الصورة الأولى كملت الحرية فيها، وتقدمت على أول نوبتها، فوافاها أول النوبة وهي حرة فيها. وما ذكرناه لم نقصد به الفرقَ بينهما؛ فإن الحكم في الصورتين واحد، ولكن أردنا التنبيهَ على حقيقة الحال، وترجح إحدى الحالتين من طريق المعنى على الأخرى. ولو وفَّى الحرة نوبتها ليلتين، ثم وفَّى الأمة نوبتَها ليلة، ثم عاد إلى الحرة، فعتقت الأمة، فما مضى من النوبة في الرق لا التفات إليه، ولا يتوقع فيه مستدرك؛ فإنَّ العتقَ وقع بعد انقضاء تلك النوبة، وإنما يفيد العتقُ إلحاقَ الأمة بالحرة إذا طرأ في نوبة الحرة، أو في نوبة الأمة، فإذا انقضت نوبتان على رقها، ثم طرأ العتق في الثانية للحرة؛ فالنوبتان الماضيتان لا سبيل إلى تعقبهما بالتغيير، فإنا لو نقضناهما، لتعقبنا نُوَباً، وهذا يجرّ تغيير نُوَبَ الرق والحرية في سنين، ولا سبيل إلى التزام ذلك، نعم، إذا طرأ العتق في النوبة الثانية للحرة، فالعتيقة في هذه النوبة كالحرة. وشبّه الفقهاء النوبةَ الأولى الماضيةَ في الرق أنها لا تعتبر، بما إذا طلق العبد امرأته طلقتين، ثم عتق وتحته زوجةٌ لم يطلقها، فالتي بانت البينونة الكبرى قبل العتق باستيفاء عدد العبيد فيها لا تتغير، وهي محرَّمة حتى تنكح زوجاً غيره، والعتق يفيده في الزوجة التي لم يطلقها، أو طلقها طلقة واحدة- تمامَ العدد. ٨٦١٠ - وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت البداية بالحرة في أول النُّوَب. فأما إذا وقعت البداية بالأَمة، ووضْع القَسْم على أن يقسم لها ليلة وللحرة ليلتين، فإذا فرضنا عتق الأمة؛ فلا يخلو إما أن تعتِق في نوبة نفسها، وإما أن تعتق في نوبة الحرة، فإن عتقت في نوبة نفسها، التحقت بالحرائر، وللزوج الخيار إن شاء اقتصر على هذه الليلة، ثم يقسم للحرة الأصلية ليلة واحدة أيضاًًً، وإن أراد أن يبيت عند العتيقة ليلتين، فلا معترَضَ عليه ويبيت عند الحرة الأصلية ليلتين. والجملة في ذلك أن الأمة إذا أعتقت في نوبتها، قدَّرنا كأنَّ الرقَ لم يكن وصورناها كالحرة (١) الأصلية.

стр. 6784

فأمَّا إذا مضت نوبة الرقيقة على الرق، وانتهت النوبة إلى الحرة، فاُعتقت الأمة؛ قال الأئمة المحققون: يتعين على الزوج أن يوفيَ الحرةَ ضعفَ ما وفَّى الأمةَ، فإن قال: أوفّي الحرة ليلة، والعتيقة بعدها ليلة، وأردّ النوب إلى أفراد الليالي قلنا: لا، فإن شئت ذلك، فلا معترض عليك في الاستقبال، ولكن بعد توفية حق الحرة. وإذا استوفت الأمة ليلةً، وانقضت نوبتها، استقر في الذمة للحرة ضعفُ ما كان للأمة، والليلة الواحدة في حق الأمة كالليلتين في حق الحرة. فإذا وفَّى الحرة ليلتين، فلو أراد بعد ذلك أن يرد القسْم إلى ليلة ليلة، فليفعل، ولا معترض. ٨٦١١ - وتحقيق ذلك أنه لو كانت تحت الزوج حرتان، فكان يقسم ليلتين ليلتين، فلو قسم لإحداهما ليلتين، ثم لما انتهى إلى الثانية قال: بدا لي أن أرد النوبة إلى ليلة ليلة؛ قلنا له: وفّ الثانية ليلتين، فإذا انقضتا، فافعل ما شئت، فالليلة الماضية في حق الرقيقة كالليلتين في حق الحرة. هذا تمام البيان. وقد رأيت هذه الصور مستقلةً بإفادة المقصود على أحسن نظام. ٨٦١٢ - ومما نلحقه بما تمهد؛ أن العتق إذا جرى في يوم الأمة كما لو جرى في ليلتها، وكل امرأة لها ليلة أو ليال، فلها مع كل ليلة يوم، وذلك اليوم محسوب من نوبتها، فإذا جرى العتق فيه كان كما لو جرى في ليلتها؛ فإن اليوم من النوبة. ٨٦١٣ - والعتق في بعض الأمة لا حكم له ما لم يتم. وهذا كما أن العتق في بعض الأمة لا يثبت لها حق الفسخ إذا كان زوجها رقيقاً. ثم قال: "وللأمة أن تُحلّله من قَسْمها ... إلى آخره " (١). ٨٦١٤ - سنذكر على الاتصال فصلاً في هبة المرأة حقها من القَسْم، والذي يتصل بهذا المقام أن الأمة إذا أسقطت حقَّها من القَسْم؛ فلا معتَرَض عليها. وليس للسيد بعد إسقاطها أن يطلب حقها، فإنَّ ذلك من حقوقها الآيلة إلى جبلّتها، وما كان كذلك فسبيله التفويض إليها، [وكذلك نقول إذا آلى الزوج عن

стр. 6785

زوجته الأمة] (١)، فحق الطلب للأمة، وكذلك إذا عنَّ عنها، فالطلب على التفصيل المعلوم يثبت لها، لا مدخل للسيد فيه. فصل ٨٦١٥ - المرأة إذا وهبت نوبتَها، فذلك صحيحٌ منها على ما سنفصل القول فيه. والأصل في ذلك -مع اتفاق العلماء- حديث سودة إذ وهبت نوبتها لعائشة (٢). ثم قال الأئمة: إذا وهبت المرأة نوبتَها، فلهبتها ثلاثُ صيغ: إحداها - أن تُعيِّن لهبة نوبتها واحدةً من ضَرّاتها، والأخرى - أن تطلق الهبة ولا تعيِّن واحدةً، والثالثة - أن تقول: وهبت نوبتي لك أيها الزوج، فضعها حيث شئت، وإن أردت، فاقسمها على جميع ضراتي. ٨٦١٦ - فأما الصيغة الأولى - وهي إذا عينت واحدة من ضرائرها، فأقل ما نذكره: أن هذه الهبةَ شرطُها أن يساعِد الزوج عليها، فلو أراد الزوج أن يقيم عند الواهبة كما كان يقيم عندها قبل الهبة، فله ذلك؛ فإنها تملك إسقاط حق نفسها، فأما إسقاط حق مستمتَعٍ للزوج، فمحال. وإذا لاح هذا، هان أمر الهبة، ورجع إلى أنه لو لم يبت عندها برضاها، جاز. ولكن إذا عيَّنت واحدة من الضرات، تعيَّن صرف الهبة إليها، فلو قال الزوج: أنت قد أسقطت نوبتك، وأنا أصرفها إلى من أشاء، قلنا له: ليس هذا إليك. وهذا (٣) فيه إشكال [يحتاج] (٤) إلى أن يُجاب عنه. وذلك أن تركها نوبتَها ليس حقاً [يُبذل] (٥)، بل هو حق يترك، [وتعيين] (٦) الموهوبة يشعر بمضاهاة الهبةِ الهباتِ

стр. 6786

التي تتعلق بما يجوز بذله. والجواب: [إنها] (١) لم تعينها [بهذا] (٢)، ولكنَّ ترْكها حقَّها [هذا] (٣) مشروط بهذا، [فكأنها] (٤) رضيت بترك حقها على شرط أن يوضع في التي عَيَّنتها، والدليل عليه أنَّا لا نشترط قبولَ الموهوب [لها] (٥)، بل لو أبت، فالزوج يبيت عندها على الرغم منها (٦)، فهذا بيان هبتها من واحدة من ضراتها. ومما يتعلق بذلك أنها إذا وهبت؛ فالهبة لا تلزم، فمهما أرادت أن ترجع رجعت، وهذا متفق عليه؛ لأن هبتها لم تشتمل على عينٍ تحتوي عليها يد، وإنما تركت حقاً يتجدد لها شيئاً فشيئاً. ٨٦١٧ - ثم الذي أطبق عليه معظم المحققين أنها إذا رجعت؛ فالهبة مستمرة إلى أن يبلغ [خبرُ] (٧) رجوعِها الزوجَ، فلو مضت نُوبٌ [و] (٨) الزوج لم يشعر برجوعها، فتلك النوب لا مستدرك لها، ولذلك قالوا: لو أباح [رجلٌ] (٩) لإنسان [ثمار بستان] (١٠) أو غيرها مما يقبل الإباحة، فكان المستبيح يتمادى على تعاطي ما أُبيح له، فلو رجع المبيح، ولم يبلغ رجوعُه من أبيح له؛ فالإباحة دائمة قائمة في حقه. قال شيخي: إذا رجعت المرأة ولم يشعر الزوج، فالمسألة تخرج على القولين المعروفين في أن الموكِّل إذا عَزَلَ الوكيلَ ولم يبلغ العَزلُ الوكيلَ، فهل ينعزل؟ على قولين، وهذا الذي ذكره جار على ظاهر القياس، ولكن اشتراط بلوغ الخبر أغْوص

стр. 6787

وأفقه؛ فإنَّ حقيقة القَسْم لا تؤول إلى حقٍّ مستحق يوفّى ويستأدى (١)؛ ولهذا قُلنا: لو أعرض الزوج عن جميعهن، فلا طَلِبة عليه، لكنه إذا بات عند واحدة، لزمه أن يبيت عند الباقيات، فالغالب على القَسْم اجتناب ما يتداخلُهن من الغضاضة والأنفة بالتخصيص، فإذا سمحت واحدة بإسقاط حقها، فلا يتحقق من الزوج قصد التخصيص ما لم يبلغه خبرُ رجوعها، وكل ما ذكرناه فيه (٢) إذا وهبت [وعيّنت] (٣). ٨٦١٨ - فأما إذا أطلقت الهبة ولم تخصص بها ضرة، ولم تُضفها إلى مشيئة الزوج، فإذا رضي الزوج بهذا، كان حكم هبتها أن تخرج من حساب النُّوب، وتنزل -إذا وهبت- منزلتَها لو بانت (٤). فإذا كُنَّ أربعاً فوهبت واحدة نوبتها على الصيغة التي ذكرناها، وكان الزوج يقسم بينهن ليلة ليلة، أو كما يريد، فترجع فائدة هبتها إلى سقوط مزاحمتها وسرعة العود إلى كل واحدة. ٨٦١٩ - فأما الصيغة الثالثة في الهبة وهي: إذا [قالت] (٥) للزوج: وهبت نوبتي منك، فضعها حيث تشاء، وخَصِّصْ بها من تشاء، فهذا مما اختلف فيه جواب الأئمة. فالذي قطع به شيخي واشتمل عليه تعليقه: أنَّ الهبة تقع على هذا النسق، فالزوج بالخيار، فإن شاء فض (٦) نوبتها عليهن، كما لو أطلقت الهبة، وإن شاء خصص واحدة منهن. ووجه ذلك أن صاحبة الحق وهبت ذلك. وقطع الصيدلاني جوابه نقلاً عن القفال بأنَّ الزوج لا يخصص واحدة منهن، والهبة المنوطة بمشيئته بمثابة الهبة المطلقةِ أو المضافةِ إليهن. وهذا الذي ذكره فقيهٌ حَسن؛ وذلك لأنها إذا أسقطت حقها، فالزوج لا يستفيد

стр. 6788

منها حقاً، وإنما هي تركت ما لها، فصار كأنها لم تكن، والحق الحقيقي للزوج، وليس لآحاد النسوة، إلَاّ ما أشرنا إليه من حق التسوية. فإذا أخرجت نفسها من البَيْن، صار كأنها لم تكن، واستعمل الصيدلاني في ذلك عبارة حسنةً واقعة، وذلك أنه قال: ليس له أن يقول: أجعل هذه الليلة [لواحدة] (١)؛ فأبيت عندها ليلتين؛ إذ ليس للزوج أن يعد نفسه كإحداهن، فيثبت له ليلة من الهبة، وحقيقة هذا أنَّ الحق له، والتخصيص للنسوة. ووجه ما ذكره شيخي أنها لو قيَّدت هبتها بتعيين ضرتها، تقيدت على تأويل أن هبتها مقيدة بصيغة، فتثبت على مقتضاها، كذلك إذا وهبت على شرط تخير الزوج، فلتتقيَّد هبتُها بمقتضى لفظها. وللصيدلاني أن يقول: إذا ارتفع الحجر عن الزوج، فوَضْعُه النوبةَ فيمن يختارها ميل، وهذا هو المحذور في شَرعْ أصل (٢) القسم، وإذا خصصت الواهبة واحدةً، فلا ميل من الزوج. ٨٦٢٠ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن الواهبة لو خصصت واحدة من ضراتها واختصت، وكنا رتبنا نُوَبَهن بالقرعة، فإن كانت نوبة الواهبة إلى جنب نوبة الموهوبة، فالأمر قريب، فيجمع الزوج للموهوبةِ نوبتَها ونوبةَ الواهبة. وإن كانت نوبة الواهبة منفصلة عن نوبة الموهوبة بليلة أو ليلتين، فإذا وهبت، فقد ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنه يأتي في حق الموهوبة بالليلتين وِلاءً؛ فإنها إذا كانت تستحق ليلتين، فلا معنى لتفريقهما عليه. والوجه الثاني - أنه يأتي بالليلتين على ما يقتضيه ترتيب نوبة الواهبة والموهوبة، حتى إن كانت نوبة الموهوبة في أول النوب، فيوفيها نوبتها، ثم يوفي التي لم تهب، حتى ينتهي إلى نوبة التي وُهبت، فيعود ويبيت عند الموهوبة تلك الليلة. ٨٦٢٠١ - ومما ذكره الشافعي في آخر هذا الفصل: أن الاعتياض عن حق القسم غير

стр. 6789

جائز، والأمر على ما ذكره، ولا يجوز الاعتياض عن أمثال هذه الحقوق؛ فإنها في التحقيق تخصيصاتٌ تتعلق بالأَنَفةِ وطلبِ التسوية، ولا مسوِّغ للاعتياض عما هذا سبيله، وإذا منعنا الشفيع عن الاعتياض عن حقه من الشفعة، فلأن نمنع هاهنا من الاعتياض عن حق القَسْم أولى. فصل قال: "ولا يجامع المرأة في غير نوبتها ... إلى آخره " (١). ٨٦٢٢ - الفصل يشتمل على مقصودين: أحدهما - يتعلق بتحصيل قولنا: عماد القَسْم الليل. والثاني - يتعلق بذكر ما لو جامع في نوبة إحداهن الأخرى. فأما المقصود الأول فقد اشتهر من قول علمائنا أن عماد القسم الليل، وهو السكن، وعليه التعويل، والنهار التابع لليل يتعلق به حقُّ القَسْم أيضاًًً، ولكن لا يتأكد الحقُّ في النهار تأكده في الليل، ونحن نستعين بالله ونبين حقيقة ذلك. ٨٦٢٢/م- فأما الليل فليس للزوج أن يخرج من دار واحدة ويدخل على أخرى، فلو [مرضت] (٢) امرأةٌ ولم تثقل، فأراد أن يدخل عليها عائداً، فكيف السبيل، وما الوجه؟ أولاً: ليس [له] (٣) الدخول على واحدة منهن من غير سبب، فلو فعل، باء بالإثم، وكان ظالماً، ثم إن كان الزمان الذي خرج فيه بحيث [يُحَسّ] (٤) ويبين له قدرٌ من الليل، فعليه أن يقضيه لصاحبة النوبة. وفي كلام من نقل عن القاضي أنه [لو] (٥) بلغ ثلثاً من الليل، قضى، وهذا ليس

стр. 6790

بشيء. وإذا كنا نوبّخ خصومنا بالتحكم بالتقدير، فلا ينبغي أن نبوء بمثل ما ننكره، فالأصل عندي أن يكون مقدار المفارقة بحيث لو نسب إلى الليلة، لأمكن أن يقال: جُزءٌ منها. وإن كان في قفته بحيث لا يُدرك جزئيتهُ من الليل، فليس في هذا المقدار إلَاّ التأثيم. ويحتمل على بُعد أن يقال: يقضي لصاحبة الليلة مثلَ تلك الخرجة، وإن قل زمانُها، حتى إذا انتهت النوبة إلى التي كان دخل عليها، فيخرج من عندها، ويدخل على صاحبة النوبة الأولى. هذا بيان القول فيه إذا دخل في نوبة واحدة على ضرتها من غير عذر. ٨٦٢٣ - فإن مرضت له امرأةٌ وأشرفت على خوف الهلاك، فيجوز للزوج الانتقال إليها بالكلية للتمريض، حتى إذا بَرَأَت (١)، قضت من نوبتها بعد [الاستبلال] (٢) للواتي لم (٣) يدخل عليهن، كما سيأتي ذلك في فصل مفرد، إن شاء الله . ٨٦٢٤ - فأما إذا مرضت واحدة ولم يتحقق انتهاؤها إلى الخوف، فالذي ذكره القاضي وطوائف من المحققين أن له أن يخرج إليها عائداً. قال صاحب التقريب: المذهب أنه لا يخرج إليها عائداً إذا لم تَنته إلى الخوف والثقل. وذكر بعض الأصحاب قولاً أن له أن يخرج إليها عائداً، ثم قال: وهذا غلط والمذهب: أنه لا يجوز له الخروج. هكذا ذكر صاحب التقريب، والذي رآه صاحب التقريب غلطاً أفتى به طوائفُ من أئمتنا. ثم إن خرج عائداً ومكث زماناً [يُحسّ] (٤)، وجب القضاء فيه، وإن كان لا [يحسّ] (٥)، فعلى الترتيب المقدم.

стр. 6791

والذي عندي أن المرض الذي أطلقوه لا بد فيه من ضبط أيضاًًً، فلا يجوز الخروج بكل ما يسمى مرضاً، ولعل الضبط في ذلك أن يكون المرض بحيث يجوز أن يقدّر مخوفاً، ودخوله عليها ليتبين، حتى يكون مبيته على فراغ (١). وكل ما ذكرناه في الليل، وفيه بقية، ينعطف [عليها] (٢) كلامنا في النهار. ٨٦٢٥ - فنقول: لا يتحتم على الرجل أن يلازم زوجته في نوبتها نهاراً؛ فإنَّا لو ألزمناه ذلك، لانقطع عن مكاسبه، فله أن ينتشر في بياض نهاره كما أشعر نصُّ القرآن بذلك، فقال عز من قائل: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣]. فرجع قوله ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ إلى الليل، وقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى النهار. ٨٦٢٦ - ثم يتعلق بالنهار نوعان من الكلام: أحدهما - أن الزوج لو كان يخرج في نهارِ واحدةٍ وينتشر، وكان يلازم الأخرى في نهارها، فكيف الكلام فيه؟ فإن كان هذا عن اتفاق شغل، فلا مضايقة، وإن كان عن قصد، فهذا محتمل (٣): ما يدل عليه ظاهر كلام الأئمة أن ذلك غير ممتنع، وفيه احتمال ظاهر مأخوذ من كلامهم أيضاًًً، ووجه الاحتمال أن مدار القَسْم على ترك التخصيص واجتناب إظهار الميل، وهذا إذا تكرر في النهار ميلٌ ظاهر، إذا لم يكن شغلٌ محمول على الوفاق، ووجه الجواز حسم الباب عن الرجال، [إذا أرادوا الانتشار بها] (٤). وهذا فصل. والثاني - دخوله على التي ليست النوبة لها. أجمع الأصحاب على أنه لا يجوز له أن يدخل في نوبة واحدة على الأخرى ويجامعَها، هذا لا سبيل إليه؛ فإنه منتهى

стр. 6792

المقصود، وفيه الميل الأظهر وإبطالُ الاختصاص بحق النهار بالكلية. وهل له أن يدخل في نهار واحدة على الأخرى من غير جماع، أم هل يُرعى في ذلك عذرٌ؟ اضطربت طرق الأئمة، ففي كلام العراقيين ما يدل على جواز الدخول إذا لم يكن وقاع، وهذا مضطرب لا ضبط فيه، ويلزم منه أن يجوز له الكَوْن عند التي لا نوبة لها في معظم النهار، أو في جميع النهار، وهذا بعيد. وقال قائلون: لا يدخل عليها إلا لحاجةٍ ومهمٍّ، وبان من كلام هؤلاء أن الدخول ليلاً للمرض لا غير، والدخول نهاراً لا يجوز من غير حاجة، ويجوز عند ظهور حاجة، وإن لم يكن مرض، ولفظ الشافعي في [السواد] (١) يدل عليه، فإنه قال: " ولا بأس أن يدخل عليها بالنهار في حاجةٍ، ويعودَها في مرضها في ليلة غيرها " (٢)، وفي كلام صاحب التقريب ما يدل على تنزيل النهار منزلة الليل، والطرق محتملة وأبعدها رفع الحجر. والذي أراه مقطوعاً به: أنه كما يحرم الجماع في نهار الليل؛ يحرم الدخول فيه على وجهٍ يغلبُ فيه جريان الجماع؛ فإن الذي يداخل صاحبةَ النوبة من ظهور جريان الجماع يداني جريانَه، والكلام في مثل هذا ينتشر، وأقصى الإمكان في الضبط ما ذكرناه. ٨٦٢٧ - وقد بقي من الفصل المقصودُ الثاني، وهو الكلام فيه إذا جامع واحدة في ليلة غيرها، وقد ذكر العراقيون في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها - أنه إذا جامع في ليلةٍ غيرَ صاحبة النوبة، فقد أفسد الليلةَ، فعليه أن يقضيَ لها ليلة؛ فإنَّا وإن كنَّا لا نوجب

стр. 6793

التسويةَ بين النساء في الجماع، ونقول: هو موضع تلذذ لا إجبارَ عليه، فمن الأصول بناء الأمر على إمكان الوقاع، وتزجية (١) كل واحدة نوبتها بذلك، فإذا جرى جماعٌ -والغالب أن الليلة الواحدة لا تحتمل أكثرَ من وطأة واحدة- ففي هذا إفسادُ الليلة عليها؛ فعلى هذا، وإن عاد إليها وبات عندها، فلا حكم لهذه البيتوتة. والوجه الثاني - أنه عصى بما فعل، ولكن لا يلزمه قضاءُ الليلة إذا لم يتفق مكثٌ في زمان محسوس، كما تفصّل من قبل، وهذا متّجه إذا ثبت أنه غير مطالَبٌ بالوطء. والوجه الثالث - أنه إذا وطىء في ليلتها غيرَها من النساء، فيلزمه أن يصيب المظلومةَ في ليلة تلك التي وطئها في هذه النوبة، وهذا طريق استدراك هذا النوع من الظلم، وهذا القائل يُلزمه الوطءَ، وهو بعيد عن قاعدة المذهب، وكل ما ذكرناه فيه إذا جرى الوطء ليلاً. ٨٦٢٨ - فأما إذا وطىء واحدةً في نهار الأخرى، فقد ذكرنا أنه كان ممنوعاً عن ذلك، وإقدامه عليه مُحرم، فإن قلنا: الوطء في الليل لا أثر له، فلا أثر له في النهار أيضاًًً. وإن قلنا: الوطء في الليل يفسده، أو يجب تداركه بالوطء في نوبة الموطوءة، فماذا نقول في الوطء نهارً؟ هذا فيه احتمال ظاهر: يجوز أن يكون النهار كالليل، ويجوز أن نقطع في النهار بالاقتصار على التعصية. فصل قال: "وإن أراد أن يقسم ليلتين ليلتين، أو ثلاثاً ثلاثاً ... إلى آخره" (٢). ٨٦٢٩ - أقل نوب القسم ليلة، فلو أراد أن يقسمَ الليلةَ في وضع القسم، لم يكن [له] (٣) ذلك؛ فإنَّ الاستئناس المطلوب ينبتر (٤) ويفسد نظامه بتبعيض الليلة، ولو أراد

стр. 6794

أن يقسم ليلة ليلة، فله ذلك، وكذلك لو أراد أن يقسم ليلتين ليلتين، أو ثلاثاً ثلاثاً، فلا معترض عليه في اختيار مقدارٍ من هذه المقادير. وإن أراد أن يزيد النوبة على الثلاث؛ ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يجوز؛ إذ لا موقف بعد المجاوزة، والثلاث على حالٍ مدةٌ معتبرة في الشريعة في أصولٍ، ثم إذا لم نجد موقفاً وراء الثلاث، فربما نجعل النوبة ستة أو أكثر منها، وهذا يؤدي إلى مهاجَرةٍ في حق اللواتي تتأخر نُوبهن، ثم يترتب [عليها] (١) انتساج وحشة بين الزوج وبين المتخلفات، وإلى تأكد ألفة تنتهي إلى المِقَة، فيحصل من السرف في الازدياد مقتٌ ومِقَة (٢)، وقطعهما جميعاً عسر. فإن قلنا: لا تجوز الزيادة على الثلاث، فلا كلام، وإن جوزنا الزيادة، ففي المسألة وجهان، ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - أنا لا نقف في موقف، والثاني - أنا لا نتجاوز السبع؛ فإنه منتهى مدة روعيت في هذا الفن؛ لأن للبكر سبع ليال في حق العقد، فاتخذناه معتبراً. ٨٦٣٠ - وعندنا أنَّ رفعَ الضبط وتفويضَ الأمر في أقدار النُّوب إلى الزوج لا يجوز أن يكون معدوداً من المذهب إلَاّ على وجهٍ، وهو أن [تُرتّب] (٣) النوب بالقرعة على ما سنصفه، فيجوز أن نتخيل -على بُعدٍ- أن المدة وإن طالت إذا كان المحكَّمُ القرعةَ، فمن [تخرج لها] (٤) تقع البدايةُ بها، فلا ينتسب الزوج إلى التهمة في الميل والإيثار. وهذا أيضاًًً ليس بشيء؛ فإن المقدار الذي يتحتم [على] (٥) الزوج لا يضرُّ به الوفاء به، فلو بدا له أن يقلل أو يكثر بعد الوفاء بالتسوية، فلا معترض عليه، والتفريع على البعيد أبعدُ منه، فليخرج هذا الوجه من المذهب.

стр. 6795

ولفظ الشافعي في المختصر: [وأكره] (١) مجاوزة الثلاث، وهذا هو الذي حمل بعض الأصحاب على جواز المجاوزة، والشافعي كثيراً ما يطلق الكراهية والمراد به التحريم. ولم يتعرض أحد لذكر مدة الإيلاء، وإن كان زمانها معتبراً في الإضرار، ولو سبق إليه سابق، فشرْطُه ألا تزيد النوب على أربعة أشهر زيادة لا تنتهي النوبة إلى الواحدة بعد أكثر من أربعة أشهر. وهذه احتمالات مختلطة. فإن ثبت [أن] (٢) [تعيين] (٣) أقدار الزمان إلى الزوج على النسق الذي [ذكرناه] (٤)، فإذا كان يفتتح توظيف النُّوَبِ؛ فالمذهب أنه يحكِّم القرعةَ [أم] (٥) الابتداءُ بواحدة باختياره؟ [من] (٦) أصحابنا من قال: هذا إليه أيضاًًً، ثم تنتظم النوب. ٨٦٣١ - ومما يدور في الخلد أنَّا إذا منعنا الزوج من وطء زوجةٍ في نوبة زوجة، فهذا الوطء حرام، [أم] (٧) ماذا نقول فيه؟ فإذا حرّمناه وقد صادف محل الحِلّ، كان بعيداً، وإن أحللناه، فهو ممنوع من الجماع بعينه، وليس كالصلاة في الدار المغصوبة، ومما يزداد به الغموض أنَّ الوطء ليس مُستحَقاً عليه لواحدة منهن، فإنه لو لم يطأ واحدة منهن، أو وطىء بعضَهن وانكف عن وطء بعضهن، فلا معترض عليه. والذي أراه أن التحريم المضافَ إلى الوطء ينقسم: فمنه تحريم يرجع إلى عين
следующие страницы →