← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

والذي عندي أن المرض الذي أطلقوه لا بد فيه من ضبط أيضاًًً، فلا يجوز الخروج بكل ما يسمى مرضاً، ولعل الضبط في ذلك أن يكون المرض بحيث يجوز أن يقدّر مخوفاً، ودخوله عليها ليتبين، حتى يكون مبيته على فراغ (١). وكل ما ذكرناه في الليل، وفيه بقية، ينعطف [عليها] (٢) كلامنا في النهار. ٨٦٢٥ - فنقول: لا يتحتم على الرجل أن يلازم زوجته في نوبتها نهاراً؛ فإنَّا لو ألزمناه ذلك، لانقطع عن مكاسبه، فله أن ينتشر في بياض نهاره كما أشعر نصُّ القرآن بذلك، فقال عز من قائل: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣]. فرجع قوله ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ إلى الليل، وقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى النهار. ٨٦٢٦ - ثم يتعلق بالنهار نوعان من الكلام: أحدهما - أن الزوج لو كان يخرج في نهارِ واحدةٍ وينتشر، وكان يلازم الأخرى في نهارها، فكيف الكلام فيه؟ فإن كان هذا عن اتفاق شغل، فلا مضايقة، وإن كان عن قصد، فهذا محتمل (٣): ما يدل عليه ظاهر كلام الأئمة أن ذلك غير ممتنع، وفيه احتمال ظاهر مأخوذ من كلامهم أيضاًًً، ووجه الاحتمال أن مدار القَسْم على ترك التخصيص واجتناب إظهار الميل، وهذا إذا تكرر في النهار ميلٌ ظاهر، إذا لم يكن شغلٌ محمول على الوفاق، ووجه الجواز حسم الباب عن الرجال، [إذا أرادوا الانتشار بها] (٤). وهذا فصل. والثاني - دخوله على التي ليست النوبة لها. أجمع الأصحاب على أنه لا يجوز له أن يدخل في نوبة واحدة على الأخرى ويجامعَها، هذا لا سبيل إليه؛ فإنه منتهى

стр. 6792

المقصود، وفيه الميل الأظهر وإبطالُ الاختصاص بحق النهار بالكلية. وهل له أن يدخل في نهار واحدة على الأخرى من غير جماع، أم هل يُرعى في ذلك عذرٌ؟ اضطربت طرق الأئمة، ففي كلام العراقيين ما يدل على جواز الدخول إذا لم يكن وقاع، وهذا مضطرب لا ضبط فيه، ويلزم منه أن يجوز له الكَوْن عند التي لا نوبة لها في معظم النهار، أو في جميع النهار، وهذا بعيد. وقال قائلون: لا يدخل عليها إلا لحاجةٍ ومهمٍّ، وبان من كلام هؤلاء أن الدخول ليلاً للمرض لا غير، والدخول نهاراً لا يجوز من غير حاجة، ويجوز عند ظهور حاجة، وإن لم يكن مرض، ولفظ الشافعي في [السواد] (١) يدل عليه، فإنه قال: " ولا بأس أن يدخل عليها بالنهار في حاجةٍ، ويعودَها في مرضها في ليلة غيرها " (٢)، وفي كلام صاحب التقريب ما يدل على تنزيل النهار منزلة الليل، والطرق محتملة وأبعدها رفع الحجر. والذي أراه مقطوعاً به: أنه كما يحرم الجماع في نهار الليل؛ يحرم الدخول فيه على وجهٍ يغلبُ فيه جريان الجماع؛ فإن الذي يداخل صاحبةَ النوبة من ظهور جريان الجماع يداني جريانَه، والكلام في مثل هذا ينتشر، وأقصى الإمكان في الضبط ما ذكرناه. ٨٦٢٧ - وقد بقي من الفصل المقصودُ الثاني، وهو الكلام فيه إذا جامع واحدة في ليلة غيرها، وقد ذكر العراقيون في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها - أنه إذا جامع في ليلةٍ غيرَ صاحبة النوبة، فقد أفسد الليلةَ، فعليه أن يقضيَ لها ليلة؛ فإنَّا وإن كنَّا لا نوجب

стр. 6793

التسويةَ بين النساء في الجماع، ونقول: هو موضع تلذذ لا إجبارَ عليه، فمن الأصول بناء الأمر على إمكان الوقاع، وتزجية (١) كل واحدة نوبتها بذلك، فإذا جرى جماعٌ -والغالب أن الليلة الواحدة لا تحتمل أكثرَ من وطأة واحدة- ففي هذا إفسادُ الليلة عليها؛ فعلى هذا، وإن عاد إليها وبات عندها، فلا حكم لهذه البيتوتة. والوجه الثاني - أنه عصى بما فعل، ولكن لا يلزمه قضاءُ الليلة إذا لم يتفق مكثٌ في زمان محسوس، كما تفصّل من قبل، وهذا متّجه إذا ثبت أنه غير مطالَبٌ بالوطء. والوجه الثالث - أنه إذا وطىء في ليلتها غيرَها من النساء، فيلزمه أن يصيب المظلومةَ في ليلة تلك التي وطئها في هذه النوبة، وهذا طريق استدراك هذا النوع من الظلم، وهذا القائل يُلزمه الوطءَ، وهو بعيد عن قاعدة المذهب، وكل ما ذكرناه فيه إذا جرى الوطء ليلاً. ٨٦٢٨ - فأما إذا وطىء واحدةً في نهار الأخرى، فقد ذكرنا أنه كان ممنوعاً عن ذلك، وإقدامه عليه مُحرم، فإن قلنا: الوطء في الليل لا أثر له، فلا أثر له في النهار أيضاًًً. وإن قلنا: الوطء في الليل يفسده، أو يجب تداركه بالوطء في نوبة الموطوءة، فماذا نقول في الوطء نهارً؟ هذا فيه احتمال ظاهر: يجوز أن يكون النهار كالليل، ويجوز أن نقطع في النهار بالاقتصار على التعصية. فصل قال: "وإن أراد أن يقسم ليلتين ليلتين، أو ثلاثاً ثلاثاً ... إلى آخره" (٢). ٨٦٢٩ - أقل نوب القسم ليلة، فلو أراد أن يقسمَ الليلةَ في وضع القسم، لم يكن [له] (٣) ذلك؛ فإنَّ الاستئناس المطلوب ينبتر (٤) ويفسد نظامه بتبعيض الليلة، ولو أراد

стр. 6794

أن يقسم ليلة ليلة، فله ذلك، وكذلك لو أراد أن يقسم ليلتين ليلتين، أو ثلاثاً ثلاثاً، فلا معترض عليه في اختيار مقدارٍ من هذه المقادير. وإن أراد أن يزيد النوبة على الثلاث؛ ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يجوز؛ إذ لا موقف بعد المجاوزة، والثلاث على حالٍ مدةٌ معتبرة في الشريعة في أصولٍ، ثم إذا لم نجد موقفاً وراء الثلاث، فربما نجعل النوبة ستة أو أكثر منها، وهذا يؤدي إلى مهاجَرةٍ في حق اللواتي تتأخر نُوبهن، ثم يترتب [عليها] (١) انتساج وحشة بين الزوج وبين المتخلفات، وإلى تأكد ألفة تنتهي إلى المِقَة، فيحصل من السرف في الازدياد مقتٌ ومِقَة (٢)، وقطعهما جميعاً عسر. فإن قلنا: لا تجوز الزيادة على الثلاث، فلا كلام، وإن جوزنا الزيادة، ففي المسألة وجهان، ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - أنا لا نقف في موقف، والثاني - أنا لا نتجاوز السبع؛ فإنه منتهى مدة روعيت في هذا الفن؛ لأن للبكر سبع ليال في حق العقد، فاتخذناه معتبراً. ٨٦٣٠ - وعندنا أنَّ رفعَ الضبط وتفويضَ الأمر في أقدار النُّوب إلى الزوج لا يجوز أن يكون معدوداً من المذهب إلَاّ على وجهٍ، وهو أن [تُرتّب] (٣) النوب بالقرعة على ما سنصفه، فيجوز أن نتخيل -على بُعدٍ- أن المدة وإن طالت إذا كان المحكَّمُ القرعةَ، فمن [تخرج لها] (٤) تقع البدايةُ بها، فلا ينتسب الزوج إلى التهمة في الميل والإيثار. وهذا أيضاًًً ليس بشيء؛ فإن المقدار الذي يتحتم [على] (٥) الزوج لا يضرُّ به الوفاء به، فلو بدا له أن يقلل أو يكثر بعد الوفاء بالتسوية، فلا معترض عليه، والتفريع على البعيد أبعدُ منه، فليخرج هذا الوجه من المذهب.

стр. 6795

ولفظ الشافعي في المختصر: [وأكره] (١) مجاوزة الثلاث، وهذا هو الذي حمل بعض الأصحاب على جواز المجاوزة، والشافعي كثيراً ما يطلق الكراهية والمراد به التحريم. ولم يتعرض أحد لذكر مدة الإيلاء، وإن كان زمانها معتبراً في الإضرار، ولو سبق إليه سابق، فشرْطُه ألا تزيد النوب على أربعة أشهر زيادة لا تنتهي النوبة إلى الواحدة بعد أكثر من أربعة أشهر. وهذه احتمالات مختلطة. فإن ثبت [أن] (٢) [تعيين] (٣) أقدار الزمان إلى الزوج على النسق الذي [ذكرناه] (٤)، فإذا كان يفتتح توظيف النُّوَبِ؛ فالمذهب أنه يحكِّم القرعةَ [أم] (٥) الابتداءُ بواحدة باختياره؟ [من] (٦) أصحابنا من قال: هذا إليه أيضاًًً، ثم تنتظم النوب. ٨٦٣١ - ومما يدور في الخلد أنَّا إذا منعنا الزوج من وطء زوجةٍ في نوبة زوجة، فهذا الوطء حرام، [أم] (٧) ماذا نقول فيه؟ فإذا حرّمناه وقد صادف محل الحِلّ، كان بعيداً، وإن أحللناه، فهو ممنوع من الجماع بعينه، وليس كالصلاة في الدار المغصوبة، ومما يزداد به الغموض أنَّ الوطء ليس مُستحَقاً عليه لواحدة منهن، فإنه لو لم يطأ واحدة منهن، أو وطىء بعضَهن وانكف عن وطء بعضهن، فلا معترض عليه. والذي أراه أن التحريم المضافَ إلى الوطء ينقسم: فمنه تحريم يرجع إلى عين

стр. 6796

الوطء على التحقيق من غير تعلُّقٍ بحق الغير، هذا هو الذي نُطلق فيه التحريم من غير محاشاة كالوطء في غير محل [الحل] (١)، ثم ينقسم هذا أقساماً لسنا لها، وفي وطء الحائض ما قدمته في بابه. ومن الأقسام تحريمٌ يتعلق برعاية حق الغير إذا كان مُفضياً إلى إبطال حق له مستَحَق، وهذا كوطء الراهن المرهونة، حرمناه لإفضائه إلى هلاك المرهونة، أو إلى بطلان المالية الصالحة لوثيقة الرهن. والقسم الثالث - ما نحن فيه، وهو تحريم الوطء لأجل إفضائه إلى إدخال مَغِيظَةٍ على الغير، وإن لم يكن ثَمّ حق مستَحَقّ. فإذن لو (٢) قال قائل: الوطء من جهة مصادفته محلَّ الحل ليس بمحرم، ومن جهة تضمنه جرَّ مغيظة وضراراً من هذا الفن، فهو محرم. ثم اللائق بالتحقيق النظر إلى المحل والحل، والقطعُ بالإباحة وصرف التحريم إلى إيقاع المغيظة، لا إلى ما وقعت المغيظة به، والقول في هذا يغوص إلى مغاصات الأصول. ٨٦٣٢ - ثم نختم الفصل بذكر إجماع الأصحاب على أنه لا يجب على الزوج التسوية بينهن في الجماع، فإنَّ ذلك موضع تلذذ، لا يليق بمحاسن الشرع الإجبار عليه والتسوية. فصل معقود في ظلم الزوج بعضَ نسائه بالقَسْم وإقامته عند صواحباتها ٨٦٣٣ - فنقول: إذا ظلم واحدة، فبات عند ضراتها، ولم يبت عندها، يلزمه القضاء للمظلومة، وأول ما يتّضح القصد به أن نوبتها المستحقة وإن كانت ليلة من أربع ليال، فظُلْمها يقع على تفرق، فإذا ألزمنا الزوج القضاءَ، فإنه يوفيها حقها وِلاءً

стр. 6797

تباعاً، وليس له أن يفرِّق القضاء. وهذا بمثابة ما لو أتلف أموالاً في أزمنة متفرقة على إنسان، فإنه يغرَمُها له دفعة واحدة. وإذا ترك صلوات في مواقيتها عاصياً بتركها، قضاها وِلاءً وإن تركها مفرقة. ثم صورة الظلم والقضاء ما نَصِفه، فلو كانت تحته أربع نسوة، فبات عند ثلاث ستين ليلة، عند كل واحدة منهن عشرين، فإنه يقضي للمظلومة عشرين ليلة تباعاً. ولو بات عندهن ثلاثين ليلةً، قضى للمظلومة عشر ليال، ولو كنَّ ثلاثة (١)، فبات عند اثنتين عشرين قضى للمظلومة عشراً. ٨٦٣٤ - وإن تصورت المسألة بالصورة التي ذكرناها آخراً، فنكح جديدة، فالوجه أن يخص الجديدة بحكم الزفاف -كما سيأتي ذلك، إن شاء الله تعالى-، إن كانت بكراً، فسبع، وإن كانت ثيباً، فثلاث، وهذا لا يحسب في حساب. ثم هذه المظلومة تستحق عشر ليال، وإنما يقضي لها من حقوق [اللتين] (٢) ظلم الزوجُ هذه بهما، والجديدة لم يظلم الزوج بها. فقال الأئمة: الوجه أن نُدير الليالي بين المظلومة وبين الجديدة، فنقسم للجديدة ليلة، وللمظلومة ثلاثَ ليال، فتمضي ثلاث نوب، وقد وفّى المظلومة من العشر التي استحقتها تسعاً، فبقي ليلة واحدة، فلو وفاها، جرَّ ذلك عسراً على الجديدة في حقها؛ فإنَّ القضاء إذا انقضى يجب إعادة النوب، وربما لا تنتهي النوبة إلى الجديدة إلَاّ في الخامسة مع احتساب الليلة العاشرة، وحقها أن ترجع النوبةُ إليها في كل أربع ليال إن كانت النوبة ليلة، وهذا إذا وقع أفضى إلى ظلم الجديدة. وكان شيخي يرتبك في هذه المسألة وتختلف أجوبته، ثم كان يستقر على [أن] (٣) هذا تَحَيُّفٌ لازم لا بد منه؛ فإنه لا مستدرك فيه إلا بالتبعيض، وتبعيض الليل مفسد، ولو بعَّضنا، لأضررنا لأجل التبعيض بالأُوليين والمظلومة، وهذا يجر خبلاً، ونحن

стр. 6798

قد نعدل عن المنصوص عليه في الزكاة إلى القيمة حذاراً من التشقيص. وهذا الذي ذكره محمول على [مسلكٍ من] (١) إعمال النظر في صرف الكلام إلى تمهيد الوجه البعيد. والذي [قطع] (٢) به الأصحاب أن هذا التحيّف يجب استدراكه، ولا طريق في استدراكه إلَاّ التبعيض، ولا يقع ضرر التبعيض موقعاً إذا كان في معارضة إحباط حق. فإذا ثبت هذا، فالوجه: أن يقضي للجديدة ثُلثَ ليلة؛ فإنَّ الليلة العاشرة دارت بين ثلاثٍ: المظلومة والأُولَيَيْن، فانقسمت عليهن أثلاثاًً، فليثبت للجديدة مثلما ثبت لكل واحدة، وهذا لطيف في مجاري الحساب؛ فإنَّ الظلم وقع في ليلة، والقسمة وقعت من ليلة وثلث ليلة، فإنَّ الذي يقتضيه الإنصاف التسويةُ بينهما، ولا سبيل في طلب التسوية إلا هذا، فإذا قضى لها ثلث ليلة، فالوجه: أن يخرج ويبيت عند صديق في بقية الليل، فإنَّ تخلل الفُرَج في النّوَب ليس ظلماً، إنما الظلم في الإقامة عند بعضهن تخصيصاً وترك بعضهن. ولو كان يدير عليهن النُّوبَ ليلة ليلة، وكان يخلل في أثناء النوب فرجات، فلا بأس عليه. فإن قيل: في أصل المسألة سؤال؛ فإن المظلومة إذا كانت تستحق قضاء عشرٍ وأدرنا النوبَ بينها وبين الجديدة على أربع، فكما نُثبت للجديدة في كل أربع ليلةً متجددة، فنثبت للمظلومة أيضاًًً ليلة متجددة، فما لنا نحسب لياليها من محض الظلم، ولا نثبت لها مما يتجدد في الزمان مزيداً؟ قلنا: هذا خيال؛ فإن اللتين وقع الظلم بهما (٣) كانتا تستحقان من تلك الأيام شيئاً، فقد جرى [التدارك] (٤) على نحو الظلم، وهذا متجه لا خفاء به.

стр. 6799

٨٦٣٥ - ولو طلَّق المظلومة، فقد سقط حقُّها في الحال، ولكن بقيت مظلمتُها في القيامة وإن سقطت طَلِبتُها، ولو راجعها، فهي على حقها؛ فإن النكاح واحد، ولو أبانها ثم جدد النكاح عليها، قال القاضي: عليه قضاء ما ظلمها به في النكاح الثاني، وهذا متجه، وكأنَّا نقول: لم يسقط حقها، ولكن تَعذَّر إمكانُ إبقائه، فإذا عاد الإمكان، فالحق قائم كما كان. ويتجه جداً تخريج هذا على القولين في عَوْد الأحكام في النكاح الثاني. وأقربها شبهاً بما نحن فيه طَلِبة المُولَى عنها في النكاح الثاني. وقد ينقدح في ذلك فرق؛ فإنَّ عود [الحق] (١) في الطلاق فيه بُعدٌ، من جهة أنه [قطع] (٢) حِلَّ نكاح مضى، وإيلاء المولي في وضع اليمين باقٍ، [بدليل] (٣) أنه لو وطئها في النكاح الثاني، حنث. وليس قضاء الظلم من هذه المآخذ، وإنما هو من المأخذ الذي ذكره، وهو عُسر التوفية، فإذا زال العسر، فالطلبة قائمة. ٨٦٣٦ - ووراء ما ذكرناه غائلةٌ، وهي أن هذا إنما يتجه إذا جدد النكاح على المظلومة، واللواتي وقع الظلم بهن باقيات تحته، فإن استبدل بهن، فلا يقضي الظلم أصلاً؛ فإنه لو قضاه، لظلم الجديدات. ولو لم يُفرض بينونة، ولكن ظلم واحدةً بعشرين ليلة، ثم لم يُبنها، بل أبان اللواتي وقع الظلمُ بهن، واستبدل عنهن جديدات، فلا يتصور القضاء؛ فإنَّ القضاء لا معنى له إلَاّ أن ينقطع عن اللواتي وقع الظلمُ بهن، ويشتغل بتوفية حق المظلومة، وهذا بيّن لا إشكال فيه.

стр. 6800

فصل قال: "ويقسم للمريضة والرتقاء ... إلى آخره" (١). ٨٦٣٧ - حق القَسْم يثبت للنسوة، وإن كان بهن موانعُ طبيعيةٌ أو شرعيةٌ من الوقاع، فيقسم للمريضة، والرتقاء، والحائض، والنفساء، والتي ظاهر عنها -وإن كان لا يقربها حتى يُكَفِّر- وكذلك يقسم للصائمة، والمُحْرِمة؛ والسبب فيه أن المقصود الظاهر من القَسْم الإيناس، ولسنا ننكر أن المقصود الأقصى الوقاعُ، أو تزجيةُ الوقت على [رجائه] (٢)، ولكن عماد القَسْم الإيناسُ، واجتنابُ التخصيص، والحذرُ من الإضرار، بإظهار [الميل] (٣) وهذا يتضمن إشراكَ اللاتي ذكرناهن، والتي آلى عنها زوجُها إذا انقضت مدة الإيلاء، فلها المطالبة بالطلاق، والمطالبة بحق القَسْم على البدل، وإليها الخِيَرةُ. ٨٦٣٨ - ثم إن كان الزوج يسكن منزلاً، وكان يدعوهن في نُوَبهن، فعليهن أن يحضرنَه، ومن امتنع منهن، فهي ناشزةٌ، ويسقط حقها من القسم في نوبة امتناعها. وإن كان يدور عليهن في مساكنهن، فليفعل من ذلك ما يراه. وإن كان يُساكن واحدة منهن، وكان يدعو إلى دارها ضَرّاتِها، فلهن أن يمتنعن؛ فإنَّ مُساكنة الضَّرَّة لا تجب. والقول في تفصيل المساكنة، واشتمالِ دارٍ على حُجَر يأتي مستقصًى في كتاب العِدد، إن شاء الله ، ومحل غرضنا: منْزِلٌ مُتحد لا يجوز للزوج أن يُسكنه ضرتين (٤).

стр. 6801

ولو كان يدعو بعضَهن ويصير (١) إلى بعضهن في منزلها، فقد قال القاضي: ليس هذا من العدل والتسوية. ولست أرى [الأمرَ] (٢) في هذا بالغاً مبلغ [الحظر] (٣)، وإنما هو ممّا يُفرض من التفاوت في [التهلّلِ] (٤) والاستبشارِ والوقاعِ نفسِه- وإن استُثْني الوقاع بخروجه عن الاختيار، فالاستمتاعات الاختيارية كالقبل [واللثم والالتزام] (٥) لا تشترط [فيها] (٦) التسوية. وقد ينقدح في ذلك فرق، فإنَّ تخصيص البعض بالمسير إليها، وتخصيص البعض بالاستدعاء، قد يورث [ضغينةً] (٧) وإظهارَ تفاوت في الميل والتقديم والتأخير، ومع هذا يجب القطع بأنَّ هذا القدر من التفاوت محتمل؛ لأنَّ تفاوت الأقدار والمناصب قد يقتضي هذا القدر، فلا ينتهي الأمر فيه إلى التحريم. ٨٦٣٩ - ثم قال الشافعي: "وإن سافرت بإذنه ... إلى آخره " (٨). إذا سافرت المرأة، ففي سفرها ثلاث مسائل: إحداها - أن تسافر دون إذن الزوج، فهي ناشزة، لا قَسْمَ لها ولا نفقة. والمسألة الثانية - أن تسافر [الزوجة] (٩) بإذن الزوج، بأنْ كان أشخصها في شغل من أشغال نفسه فنفقتها دارّة، وحقها من القسم ثابت، فإذا عادت وكان أقام في غيبتها عند ضراتها، فيجب عليه أن يقضيَ حقَّها، كما بيِّنا كيفية القضاء فيما مضى.

стр. 6802

والمسألة الثالث - أن تخرج بإذن الزوض في حاجة نفسها ومُهمٍّ سَنَحَ لها، فإذا كان ذلك، فالمنصوص عليه في الجديد: أنه يسقط حقها من القَسْم ونفقتِها، وقال في القديم: لها القسم والنفقة؛ لأنها خرجت بالإذن والرضا. والصحيح: القول الجديد؛ فإنها اشتغلت عن الزوج بما هو خالص حقها، فيبعد أن يثبت حقها على الزوج وهي مشتغلة عنه، وهذا في القَسْم على نهاية الوضوح؛ من جهة أن طمعها في استمرار حقها من القسم مع اشتغالها بغرضها عن استيفاء الحق طمع في غير مطمع، فالإذن لا يفيدها إذاً إلا سقوطَ المأثم. ٨٦٤٠ - ثم قال: "وعلى ولي المجنون أن يطوف به على نسائه ... إلى آخره" (١). ذهب أئمة المذهب إلى أنَّ الزوج إذا جُنَّ، فإنَّ حق القَسْم ثابت، كما كان من قبل، وعلى ولي المجنون أن يطوف به على نسائه، مع رعاية التسوية، وإن رأى، دعاهن إليه في نُوَبهن. ثم قالوا: لو ترك الوليُّ حقَّ واحدة، وخصَّ الزوجَ بالباقيات، فهذا ظلمٌ يجب تداركه بطريق القضاء كما تقدم، فإنْ تداركه الوليُّ بنفسه جاز. وإن أفاق المجنون، وقامت البينة على ما جرى من الظلم، واعترف به اللواتي وقع الظلم بهن، فيجب عليه أن يقضي إذا [استبلَّ] (٢) واستبد (٣) به. وإن لم تقم بيِّنة، ولم يثبت اعتراف، فقول الولي غيرُ مقبولٍ في دعوى ظلمٍ جرى؛ لأنَّ الولاية قد انقطعت بالإفاقة؛ فلم يبق للولي سلطان. وإذا زال سلطان الولاية، زال بزواله قبولُ القول. هذا مسلك الأئمة المعتبرين. ٨٦٤١ - وذكر بعض المصنفين وجهين: أحدهما - ما ذكرناه. والثاني - أن حق القسم يسقط بالجنون، فلا مطالبة على الولي برعايته؛ فإنَّ الغرض الأظهر من القَسْم الإيناسُ، والمحذورُ من التحيف فيه إظهارُ الميل،

стр. 6803

والإضرارُ بهذه الجهة بالتي يقع التخلف عنها، وهذان المعنيان مفقودان من المجانين. وهذا لا بأس به، وإن لم أرَه إلا في هذا التصنيف ومؤلفه مجهول (١) عثورٌ (٢) في المذهب. وعندي وراء ذلك نظر، وهو أن مخاطبة الولي بأنْ يطوف به عليهن لا وجه لها؛ فإنَّ الزوج العاقل لو أراد التخلف عنهن، فلا مطالبة عليه، وإنما يُطَالَبُ الوليُّ بما يُطَالَبُ به الزوجُ لو لم يكن مَوْلياً [عليه] (٣). ولو أدخل الوليُّ واحدةً على الزوج، فهل يجب عليه أن يُثبت لكل واحدة مثلَ هذا؟ هذا محل النظر، فالذي ذكره معظم الأصحاب: أنه يجب؛ تنزيلاً للولي منزلة الزوج. والذي ذكر في هذا التصنيف أن ذلك لا يجب على الولي؛ فإنَّ عماد القَسْم ما ذكرناه من اجتناب إدخال المغايظ على المحرومات بتمخصيص المخصَّصات، وهذا إنما يُفزع قلوبَهن من جهة الزوج، فأما الولي، فلا يتعلق بفعله هذا. وما ذكره الأصحاب أظهرُ؛ طرداً للقياس الذي مهدناه من أن الولي مُخاطبٌ في المجنون بما يُخاطب به الزوجُ لو كان عاقلاً. ونحن وإن راعينا ترك الإضرار واجتناب المغايظ، فلسنا ننكر كونَ القسم حقاًً مطلوباً. وبقي في المسألة نظر في أنهن لو جِئْنَ وقُلنَ: للزوج أن يتخلف عنا بجملتنا لو كان عاقلاً، بناءً على الاختيار والإيثار، ونحن في أثناء ذلك نرجو عودَه إلى القَسْم، وإذا

стр. 6804

جُن الزوج وأطبق الجنون، فلا إيثار له، فلو منعْتَه عنا، لكان ذلك إضراراً [بنا] (١)؛ فقد يتجه إذا لم يكن على الزوج ضرر من الوقاع أن تجب إجابتهن، فظاهر النص دال عليه، فإنَّ الشافعي قال: وعلى ولي المجنون أن يطوف به على نسائه، وفحوى كلام الأئمة دالةٌ على حمل ذلك على التسوية، حتى لو فرض الامتناع عن إدخاله عليهن [جملةً] (٢)، فالمسألة محتملة جداً. وقد أشرنا إلى وجوه الكلام في أطراف المسألة، وما حكيناه من الوجهين في بعض التصانيف يمكن حمله على هذا الطرف أيضاًًً. ٨٦٤٢ - ثم إن كان يُجن يوماً، ويُفيق يوماً، فليس من العدل أن نجعل نوبة الجنون لواحدة، ونوبةَ الإفاقة لواحدة، ولكن الوجه: أن [نبني] (٣) نوبة الجنون ونوبة الإفاقة إمَّا على التناوب، وإمَّا على الجميع. وحكى الأئمة أيضاًً للشافعي [قولاً] (٤) في أنَّ الرجل إذا كان مفيقاً في نوبةِ واحدةٍ، مجنوناً في نوبة الأخرى، فأيام الجنون غيرُ محسوبة على التي كان الزوج مجنوناً في نوبتها، ونجعلُ كأنَّه غاب عنها، فإذا أفاق، وفّاها حقها مثلما وفَّى للأولى في حالة الإفاقة. وهذا [يُحوج] (٥) إلى تدبر؛ فإنَّ أيام الجنون على الجملة أيام قَسْم على ظاهر النص. وقول الأصحاب، [بإخراج] (٦) أيام الجنون عن الاعتبار فيه بعضُ النظر: يجوز أن يُقال: إن لم ترض بالإقامة عندها في أيام الجنون وانتظرت الإفاقة، فلها ذلك؛ فإنها تقول: أقام عند صاحبتي عاقلاً والتسويةُ مرعية، فأما إذا [أقام عندها] (٧) في الجنون، فهذا منها بمثابة الرضا بعيبِ ما يجوز رده بالعيب، فإن لم يكن بأيام

стр. 6805

الجنون اعتبار، فهذا يؤكد سقوطَ حكم القَسْم في أيام الجنون بالجملة، كما نقلنا التردد [فيه] (١)، والله أعلم. ٨٦٤٣ - ثم قال الأئمة: إن كان الزوج محجوراً سفيهاً، فهو في نفسه مخاطب بالتسوية بينهن؛ فإنه عاقل مكلف، ولا مدخل للولي في هذا. ٨٦٤٤ - ثم قال: "وإن خرج من عند واحدة في الليل أو أخرجه السلطان ... إلى آخره" (٢). إذا كان الزوج عند واحدة في نوبتها، فخرج في بقية الليل باختيارٍ، أو أخرجه السلطانُ، فقد تبعض على صاحبة النوبة حقُّها في هذه الليلة، فيجب على الزوج قضاءُ ما فاتها من حقها، ولم يصر أحدٌ من الأصحاب إلى أن ما مضى من الليل يبطُل ويتعطل حتى يجب قضاء الليلة بتمامها، وإن كنَّا ذكرنا وجهاً في أنه لو جامع في نوبةِ واحدةٍ ضرّتها، فقد بطلت الليلة، وهذا الوجه حيثما ذكرناه ضعيف. ثم الفرق لائح؛ فالذى يجب قضاؤه المقدارُ الذي فات. ثم إذا أراد قضاءه وتحته امرأتان مثلاً، فالوجه: أن يبيت المقدار الذي كان فيه عند تلك الزوجة عند صديقٍ، أو في مسجدٍ، فإذا انتهى إلى الزمن الذي خرج فيه، عاد إليها وأقام عندها، ولا يضر تخلفه عن ضرتها في ليلة تامة؛ فإنّ تخلل التفريق والفُرَجُ في خلَلَ القسم ليس ظلماً، إذا لم يكن فيها مقيماً عند واحدة؛ فإذاً المقدار الذي كان فيه [ثاوياً] (٣) عند صديق مستثنى من حساب نُوَبِ القَسْم، وإنما المحسوب المقدار الذي [يقضيه] (٤). ثم التبعيض في هذه الصورة محتملٌ على الضرورة، وإن كنا نمنع من وضع القَسْم على أنصاف الليالي؛ فإنما نمنع ذلك على الاختيار، وإذا حَمل عليه اضطرارٌ في القضاء، فلا بد من احتماله.

стр. 6806

وإن أراد الذي يبغي قضاء نصفِ ليلة أن يبيت في النصف الأول عند زوجتيه؛ فهو ممكن، فليجعله نصفين في المقدار متساويين، يقيم في أحد النصفين -وهو ربع الليلة - عند إحداهن، ويبيت في الربع الآخر عند الأخرى، وقد حان وقت القضاء. والأشبه أن يقيم عند التي يقضي لها ثلاثةَ أرباع ليلةٍ ليلةً وِلاءً حتى [لا] (١) يحتاج إلى الانتقال. ٨٦٤٥ - ثم قال: "وليس للأماء قَسْمٌ، ولايُعطَّلْن" (٢)، [لا] (٣) خلاف أنه لا قَسْم للإماء، ولا قَسْم للمستولدات أيضاًًً، وإن ثبت لهن أحكام الفراش عند بعض العلماء، ثم كما لا قَسْم لهن مع الزوجات، لا قسم بينهن [والمولى] (٤) بالخيار فيهن -وما ينشأ من إسقاط حكمهن، وهو عظيم الوقع على الحرائر المنكوحات-[أن] (٥) الزوج لو أقام عند أَمَةٍ دهراً، فلا اعتراض عليه، مع العلم بما يتداخل الزوجات من ذلك، ولكن مقتضى الشرع أنهن مخرجات من الاعتبار نفياً وإثباتاً، وإنما يُطلب حق القسم إذا دخل على واحدة من المنكوحات، فللباقيات جينئذٍ أن يُطالبنه بالتسوية. ٨٦٤٦ - ثم ذكر الشافعي فصلاً في إضرار الرجل بامرأته، ورفْعِها شكواها إلى مجلس القاضي، ونحن نرى تأخير ذلك إلى باب الحَكَمَيْن، وفيه نذكر إضرارها ونشوزَها عليه، والتباسَ الأمر بينهما، وقد عقد الشافعي في النشور باباً مُفرداً. ٨٦٤٧ - ثم قال: "وله منعها من شهود جنازة أمها وأبيها، وما أحب ذلك ... إلى آخره" (٦). للزوج أن يُلزم المرأةَ لزومَ البيت، ويمنعَها من الخروج حسماً (٧)، ويمنعها عن

стр. 6807

عيادة الوالدين إذا مرضا فضلاً عن زيارتهما، ويمنعها عن شهود تجهيزهما إذا ماتا، هذا الحق ثابت له إجماعاً. ولكن قال الشافعي: "وما أحب ذلك". أراد: أني لا أستحب للزوج الغلوّ إلى هذا الحد؛ فإنه سرف يُفضي إلى الحمل على قطيعة الأرحام، ثم فيه حملُها على ما تمقُت به الزوَج وتفرَكُه (١) لأجله، ثم يتنغص العيش عليه، فيؤدي الأمر إلى قطع الوُصلة، والمسلك المستقيم رعايةُ القصد على التعميم، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، فلا ينبغي أن يأذن لها في التبرج، ولا يمنَعها عن زيارة الأبوين وعيادِتهما، وشهودِ تجهيزهما، أو زيارةِ القبر، فأمَّا اتباع الجنازة إلى المقبرة؛ فإنه هُتكة وتكشف؛ فالأولى منعها. ...

стр. 6808

باب الحال التي يختلف فيها حال النساء (١) ٨٦٤٨ - مضمون الباب الكلامُ في حق [الزِّفاف] (٢). فنقول: إذا نكح الرجل بكراً أو ثيّباً، وعنده زوجات، فتُخَص المزفوفةُ إليه بحقٍّ في العقد غيرِ محسوب في نُوَبِ القَسْم، فإذا انقضى ذلك، كما سنصفه، عاد إلى ترتيب النُّوَب، فإن كانت الجديدة بكراً، خَصّها بسبع ليالٍ، وإن كانت ثيِّباً خَصّها بثلاث ليالٍ، ثم لا تحسب السبع والثلاث على الجديدتين، ولا يلزمه قضاؤهما في حقوق المتقدمات. وأبو حنيفةَ (٣) يجوِّز التخصيصَ، ويُلزم القضاءَ في البكر والثيب. ومعتمد الشافعي ما روي أن رسول الله ﷺ أقام عند أم سلمة لما زُفت إليه ثلاثَ ليال، فلما انقضت، فارقها، فتعلقت برسول الله، فقال ﷺ : ليس على أهلك هوان! إنْ شئت سبَّعتُ عندك وسبَّعت عندهن، وإن شئت ثلّثت عندك ودُرت " (٤). وعن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "للبكر سبع، وللثّيبِ ثلاث" (٥). فالباب موضوع على الخبرِ، ومقتضاه ما ذكرناه، فللبكر سبعٌ، فإنها نفورةٌ، فلا يزول ما بها من الحشمة والحياء إلَاّ بمدة، والثيِّبُ في ذلك دونها، ثم الرجوع في المقادير إلى التوقيف. ٨٦٤٩ - ثم لو أقام عند الثيِّب سبعاً بطلبها ورضاها، أقام عند كل واحدة من

стр. 6809

صاحباتها سبعاً سبعاً، وبطل حقُّ اختصاصها بحق العقد. وإن أقام عندها ثلاثاًً، لم يقض الثلاث. وإن أقام عندها سبعاً من غير طلبها، لم يبطلُ اختصاصُها بالثلاث، ولم يقض لصواحباتها إلا الأربع الزائدة على مقدار حقها، والتعويل فيما ذكرناه على الخبر، فإنه قال ﷺ : "إن شئت سبَّعت لك وسبعت لهن -وهذا تصريح بقضاء السبع- وإن شئت ثلثت عنك ودُرت". معناه: عدت في الأدوار إلى أحسابها، ولم أقض الثلاث. وإنما قال هذا، إذ طلبت منه أم سلمة أن يقيم، فإذا لم يكن منها طلب، لم يملك الزوج إبطالَ حقِّ عقدِها بإطالة المقام عندها. وذكر الأصحاب لِمَا ذكرناه من بطلان حقِ العقد نظيراً، وفي ذلك النظير كلامٌ، ولكنا نذكره، قالوا: لو قطع الجاني يدَ إنسانٍ من المرفق، فقطع المجنيُّ عليه يدَه من الكوع في القصاص، فليس له حكومة في الساعد؛ فإنه قَطَعَ ما لم يكن له قَطْعُه، وعدل عن حقه. وكذلك الثيب إذا عدل عن حقها إلى ما هو حق غيرها. ٨٦٥٠ - ولو أقام عند البكر أكثرَ من سبع، لم يقض لضراتها إلَاّ مقدار الزيادة. ولسنا نفي بمعانٍ جامعة فارقة، وإنما ندور على مقتضى الخبر، فإذا لم نجد متعلقاً فيه، رجعنا إلى التمسك بالقياس. ومن القياس الجلي ألَاّ يبطل حقُ صاحبِ الحقِ إذا أخذَ أكثرَ من حقه، فأجرينا الزيادةَ على حقِّ البكرِ على هذا القياس، وتركنا ما ذكرناه في حق الثيب من بطلان حقها -إذا طلبت الزيادةَ وأُجيبت- على موجب الخبر. ٨٦٥١ - ولو طلبت الثيب أن يقيم عندها خمسَ ليال، فهل يبطلُ حقُها بهذا المقدار من الزيادة أو بما دونها؟ أم يتوقف بطلانُ حقِها في الثلاث على أن تطلب السبعَ أم ببعض هذا؟ لم أرَ فيه نصاً، وفي المسألة احتمال تشيرُ إليه الترديداتُ التي ذكرناها. ٨٦٥٢ - ومما يتعلق بالباب أنَّ المنكوحةَ إذا كانت أَمَة؛ فكيف القول في حق عقدها إذا زُفت؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: هي كالحرة، وإن كانت (١) أعلى منها في القسم المستمر في دوام النكاح؛ لأنَّ حقَّ العقدِ لغضِّ الحياء وكسر

стр. 6810

الحشمة، وهذا يرجع إلى الجِبلَّة، وما يتعلق بالجبلات من المُدد لا يختلف بالرق والحرية [ولذا لم يتطرق إليه فرقٌ في مدة العُنَّة والإيلاء] (١) وفيما ذكرناه احتراز عن العدّة. ومن أصحابنا من رأى تنصيف حق العقد بالرق؛ فإنَّ هذا على مضاهاة القَسْم، وإن اختص بمزيد غرض، فإلحاقه بقاعدة القَسْم أولى. فإنْ فرعنا على هذا الوجه الأخير، فلا وجه إلَاّ التنصيف، فللأَمَةِ البكر ثلاثُ ليال ونصف، والأيام على حسب ذلك، وللأَمَةِ الثيب ليلةٌ ونصف، والأيام كما ذكرناه، وليس ذلك كالأقراء، فإنَّا لا نثبت للأَمة في العدة قرءاً ونصفاً؛ فإنَّ القروء لا تتبعض، والليلة تتبعض. فإن قيل: أليس تردَّدَ الأصحاب في الاعتداد بالأشهر، فقال قائلون: تعتد الأمة بشهرين، قلنا: سبب ذلك أنهم رأوا الأصل الأقراء، فأثبتوا شهرين في مقابلة قرأين. والأصح أنَّ اعتداد الأمة بشهر ونصف. وهاهنا قطعوا بالتنصيف؛ إذ لا أصل يمتنع التبعيض فيه. ٨٦٥٣ - ثم قال الشافعي: "ولا أحب أن يتخلف عن صلاة ولا عن شهود جنازة ... إلى آخره" (٢). أراد بهذا أنَّ الزوج في إقامته أيام الزفاف عند زوجته ينبغي أن لا يترك إقامة الجماعات والخروج لها، وهذا إنما ذكره الشافعي على ظهوره؛ لأنَّ أهل الحجاز يعتادون لزومَ بيت العرس إلى انقضاء أيامٍ، لا يرون البروز فيها، فأبان أنَّ تلك العادة لا أصل لها. ...

стр. 6811

باب القَسْمِ للنساء إذا حَضَرَ سفرٌ ٨٦٥٤ - نقول في صدر الباب: إذا أراد الانتقال إلى بلدة أخرى، فهو بين أمرين، إمَّا أن يستصحبَ جميعَ زوجاته، وإمَّا أن [يخلّفهن] (١)، ولا معترض عليه في ظاهر الحكم في واحد من الأمرين. وأمَّا إذا أراد أن يستصحب بعضَهن، وينتقلَ معها، ويخلِّف الباقيات، فهذا حرامٌ محض. وإذا كنا نُحرِّم تفضيل امرأة بلحظة من القَسْم؛ لما فيه من إثبات التخصيص والميل، فالانتقال ببعضهن وتعطيل الباقيات أعظم من هذا. والذي يدور في الخَلَد أنه إذا انتقل إلى بلدة أخرى، وأزمعَ إدامةَ الإقامة، وخلّف الزوجات بجملتهن، فقد يخطِر للفقيه أنهن يتضررن باحتباسهن عمرَهن. وليس كما لو كان يمتنع من الدخول عليهن وهو حاضر؛ فإنهن كنَّ يرجون أن يعود إلى المألوف من معاشرتهن، والعَوْدُ ممكن، [وأما] (٢) إذا انتقل وخلّفهن، فهذا ضرر بيِّن، وليس ينتهي الأمر إلى التحريم. ٨٦٥٥ - فإنْ لم يكن سفرُه سفرَ نُقلةٍ، فهو في الخِيرَتين المذكورتين في سفر النُّقلة على ما ذكرناه، فإنْ شاء خلّفهن ولم يستصحب واحدة منهن، وإن شاء سافر بهن. ولو أراد أن يسافر ببعضهن ويخلِّفَ الباقيات، فليس له أن يفعل ذلك بانياً على تخيّره وإرادته؛ إذ ذلك لو فعله مناقضٌ لوضع القَسْم، من المنع عن إظهار الميل. وحقه إذا أرادَ المسافرةَ ببعض نسائه أن يقرع بينهن، فيسافرَ بمن تخرجُ القرعةُ

стр. 6812

عليها، وإذا فعل ذلك، فالأيام التي تنقضي في سفره لا يلزمه [قضاؤها] (١) للمخلّفات إذا رجع إليهن. والأصل في الباب، ما روي عن عائشة أنها قالت: "كان ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فمن خرجت قرعتُها سافر بها" (٢). ثم صح بطريق الاستفاضة أنه كان إذا رجع يجري على النوب في القَسْم. وذكر الأئمة معنى كلياً -والتعويل على الخبر- ونحن نذكر منه ما ينضبط به المذهب إذا تفرعت مسائل الباب، فنقول: المرأة التي تخرج مع زوجها مسافرة، وإن كانت تحظى بصحبة الزوج، فإنها تشقى بما تلقى من محن السفر، وينضم إلى هذه سقوطُ اعتبار الرجل في تحكيمه القرعة. والمخلّفةُ وإن كانت تشقى بفُرقة الزوج، فهي على حظٍّ بالتردد والتودع (٣) في البلد. فهذا أصل الباب. وأبو حنيفة (٤) يُلزم قضاء أيام السفر للمخلّفات، ولا يجعل للقرعة أثراً في إسقاط القضاء. ٨٦٥٦ - ثم ذكر أئمتنا مسائلَ مرسلةً تأتي على أطراف الباب، ونحن نأتي بها، ثم نجمعها في ربقة جامعة.

стр. 6813

فمما ذكروه: أن الرجل إذا بلغ المقصد، فلو نوى مقام أربعة أيام، فعليه قضاؤها للمخلَّفات إذا رجع؛ فإنه في إقامته خرج عن حكم المسافرين، وهذا مما أجمع عليه أئمة المذهب، القاضي، والصيدلاني وغيرهما. ثم إذا ابتدأ الرجوعَ، فهل يلزمه قضاءُ مدة الرجوع؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - يلزمه؛ فإنه من وقت الخروج عن حد المسافرين، انقطع حكم السفر المُسقط للقضاء، فتلتحق أيام رجوعه بأيام إقامته. والوجه الثاني - أنه لا يقضي للمخلفات أيام الرجوع؛ فإنه من وقت ابتداءِ الرجوعِ تركَ ما لابَسَهُ من الإقامة، وعاد إلى حكمِ السفر، وقد اقتضى السفر سقوطَ القضاء، وهو من وقت الرجوع مسافر. وناصر الوجه الأول يقول: الظاهر يقتضي أن يقضي للمخلَّفات إذا خصص واحدة من الضَرَّات بالصحبة، ولكن القرعة اقتضت جواز التخصيص من غير قضاء، فإذا انقطع حكم القرعة بالإقامة، لم يعد حكمُها، ولا بد من استفتاح قرعة أخرى، ولا سبيل إلى ذلك إلَاّ عند العَوْد، وفرضِ إنشاء سفر، وابتداء إقراع عنده، وهذا بمثابة ما لو اعتدى المودَع وضمن، فإذا ترك العُدوان، لم يعد أميناً؛ [إذ] (١) جرى الائتمان أولاً مطلقاً. ثم إن حكمنا بأنه يقضي أيام رجوعه للمخلفات، فلا كلام، وإن حكمنا بأنه لا يقضي؛ فالذي قطع به الأئمة: أن الأيام التي لا يقضيها أولها من وقت خروجه متوجهاً إلى الوطن الذي به المخلّفات. ٨٦٥٧ - وفي بعض التصانيف أنَّ أول الوقت [عند] (٢) عزمه على [الانكفاء] (٣) وقصده. وهذا غلط [صريح] (٤)؛ فإنَّ حكم الإقامة إذا ثبت لا يزول إلا بمزايلة المكان الذي ثبت حكم الإقامة فيه.

стр. 6814

وإنما وقع لهذا المصنف هذا من قول الأصحاب: إنه إذا قصد الإقامة، لزمه القضاء من هذا الوقت؛ فظن أن قصد الرجوع في قطع الإقامة كقصد الإقامة في قطع السفر، وهذا ظاهر السقوط، ولا مصدر له عن فكرٍ؛ فإنَّ الإقامة تحصل بمجرد القصد، كما تحصل [القِنية] (١) في البضائع لمحض النية، ولا تنقطع الإقامة إلَاّ بفعل السفر، كما لا ينعقد حول التجارة إلا بإنشاء عقد التجارة، فليس هذا إذاً معدوداً من المذهب. وقد ذكر العراقيون اختلافاً للأصحاب على مناقضة هذا، فقالوا: إذا سافر الرجل ببعض نسائه عازماً على الانتقال إلى البقعة المقصودة، فهذا ظلم منه، وإذا انتهى إلى البقعة [المأمومة] (٢)، فالأيام التي تتفق الإقامة فيها (٣) بها مقضية، والأيام [التي] (٤) قطع [فيها] (٥) المسافة من الوطن إلى البقعة، فعلى وجهين: أحدهما - أنها لا تُقضى؛ فإنها أيام سفر، والمسألة مفروضة في الإقراع واتباع خروج القرعة لا محالة. والثاني - أن تلك الأيام مقضية؛ فإنها قصدُ ظلم، فكانت في معنى الظلم، وهذا [أوجه] (٦)، والوجه الأول مزيف، وليكن ميل الفقيه في الباب إلى القضاء، مهما وجد فيه مستمسكاً. ٨٦٥٨ - وإذا أقام في البقعة التي قصدها، وثبت له حكم الإقامة، وانقطعت رخص المسافرين، ثم إنه أنشأ سفراً من تلك البقعة قُدُماً، وهو مُستدبر وطنَه مثلاً، فإن قلنا: أيام رجوعه إلى الوطن مقضية- فهذه الأيام مقضية، وإن قلنا: أيام الرجوع

стр. 6815

لا تُقضى، فالحال ينقسم في تقدمه بالسفر، فإن بدا له هذا السفر الآن، ولم يكن [عازماً] (١) عليه في خروجه الأول، فهذه الأيام مقضية؛ فإنه أنشأ السفر عن إقامةٍ، وما كان عزم عليه قبلُ. وإن كان نوى أن يمتد إلى بغداد، فأقام بالرَّي الإقامة التي وصفناها، ثم استتم سفرته إلى بغداد؛ فهذا فيه احتمالٌ، على قولنا: أيامُ الرجوع غيرُ مقضية، والأوجه هاهنا: وجوب القضاء. ويجوز أن نَفْصل بين أن يقطع نيةَ السفر، ثم تبدو له فيعود، وبين أن يكون مستديماً لنية السفر الأقصى، ولكن نوى إقامة أيامٍ في بقعة، فتنتظم أوجه، وجهان عامَّان في النفي والإثبات، ووجه مُفَصَّل، كما نبهنا عليه. ولو نوى مُقام المسافرين، فهو مسافر، لا يتغير من الحكم الذي ذكرناه في القسم شيء. ٨٦٥٩ - وذكر العراقيون أنه إذا سافر ببعض نسائه سفراً قصيراً، فيلزمه القضاء، وزعموا أن القضاء إنما يسقط في السفر الطويل عند فرض القرعة المسقطة للاختيار، وكأنهم عدُّوا سقوط القضاء في مقابلة المشقة التامة. وكان شيخي يتردد في هذا ويقول: من الرخص ما يتعلق بالسفر القصير والطويل وفاقاً، أو على قولٍ، وأحراها بالذكر الجمع بين الصلاتين تقديماً وتأخيراً. والوجه عندي: القطع بما ذكره العراقيون (٢)؛ فإنَّ ما نحن فيه يضاهي إسقاط العبادات، أو تخلية الأوقات منها. وهذا الفن لا يثبت إلا في السفر الطويل، والله أعلم. فهذه المسائل أطلقها الأصحاب وما أحوجَها إلى رباط يحويها.

стр. 6816

٨٦٦٠ - وقد أجرى الأصحاب في صدر الباب النُّقلة، وهذا قد يخيِّل أن إقامة أيام وإن جرى العزم عليها لا توجب القضاء، ثم صرحوا بأنه لو أقام أربعة أيام على قصد وعزم- فهذه الأيام مقضية. وكل ما [ذكروه] (١) صحيح. والضبط فيه أنَّ سفر النُّقلة ببعض النساء محرَّم، يعني تخصيصَ المخرَجة. والسفرُ إذا لم يكن سفرَ نُقلة، وكانت الحاجة تَمَسُّ إلى إقامة أيام بالقصد، فهذا النوع من السفر مما يسوغ فيه تخصيص بعض النسوة بالقرعة، وليس كسفر النقلة، ويجب قضاء أيام الإقامة؛ لمكان التودّع (٢) وزوال المشقة. وإن كان السفر عرياً عن قصد النقلة، ولم تكن [فيه] (٣) إقامة تزيد على مدة المسافرين؛ فيجوز الخروج ببعض النسوة بالقرعة ولا يلزمه القضاء. ٨٦٦١ - فالأسفار إذن على ثلاث مراتب. [المرتبة الأولى:] (٤) سفر النقلة، وهذا هو الذي لا يجوز الخروج فيه ببعض النسوة؛ فإنه لا يتصور أنْ يجمع من يقصد الانتقال بين قصد الانتقال وقصد القضاء، فيجرد قصدَه ظلماً، فكان مقصودُه محرماً. والمرتبة الثانية: سفرةٌ (٥) فيها تودّع يُسقط رخص المسافرين، فالخروج ببعض النسوة على شرط تحكيم القرعة جائز، ثم أيام الإقامة إذا انقضت مقضيةٌ؛ لما فيها من التودّع. والمرتبة الثالثة -[هي] (٦) سفرة طويلة لا [يتخللها] (٧) ولا يتصل بمنتهاها،

стр. 6817

[إقامة] (١) في أيام تزيد على مدة إقامة المسافرين، فيجوز تخصيص بعض النسوة [بالإقراع] (٢)، والقضاءُ منتفٍ في جميع الأيام، فإنَّ حكم السفر مطرد فيها. ٨٦٦٢ - ثم ننعطف ونقول: إذا خرج بالبعض وقصدُه النقلة، وأقرع، فعلى أيام خروجه إلى الانتهاء إلى المقصد خلاف، ذكره العراقيون وإذا كان على قصد إقامة أيام في منتهى السفر مثلاً، فأيام خروجه إلى الانتهاء إلى المقصد غيرُ مقضية بلا خلاف. وأما المرتبة الثالثة، فلا كلام فيه؛ فإنَّ جُملة الأيام عرية عن التودّع، وفيها دقيقة لطيفة، وهي: أنَّ المسافر [إن] (٣) كان لا يقيم بمقصده إلَاّ يوماً واحداً؛ فإنه لا يقصر في المقصد ولا يفطر؛ إذ لو عُدَّ ذلك منزلاً، لكانت مرحلة واحدة كافية؛ لأجل أنها إذا حسبت ذهاباً ومجيئاً، صارت مرحلتين، [فإنا نميز] (٤) الرخصة في السفر من غرض القَسْم؛ فإنَّا لا نوجب القضاء إذا لم يُقم في مقصده، وإن كان لا يقصر، لأن [مبنى] (٥) هذا الباب على زوال التودّع، ومبنى الرخص على انتهاء السفر، والرجوع ابتداءٌ آخر. والذي يقتضيه هذا القياس أنَّ السفر إذا كان مرحلة واحدة، فيجب أن يكون في إسقاط القضاء [كمرحلتين] (٦) في التقصير (٧)، فإنَّ مدة الكون في خاصية الباب في منتهى السفر كالإقامة في مرحلة من المراحل، وهذا لطيفٌ حسن، والاحتمال مع ذلك قائم. ٨٦٦٣ - ومما بقي في الفصل: الكلام في أيام الرجوع، فنبدأ بالمرتبة الثالثة، ونقول: أيام الرجوع في السفرة التي لا تودّع فيها كأيام الذهاب، وأيام الرجوع من

стр. 6818

السفرة المبنية على قصد النقلة على وجهين، والأصح فيها: القطع بوجوب القضاء؛ فإنه لم يجر إقراع له حكمٌ في ابتداء الأمر، ولست أرى لنفي القضاء وجهاً، ولكنه مشهور. فأما أيام الرجوع من المقصد الذي أجرى فيه قصدَ الإقامة لا قصدَ الاستيطان، ففيه وجهان: أصحهما - أنَّا لا نقضي؛ فإنَّ السفرة جائزة بسبب القرعة، وإذا اطَّرد الجواز؛ فلا يُستثنى من سقوط القضاء إلَاّ أيام التودع. ٨٦٦٤ - ومما يعترض في الباب أنَّ المسافر إذا قصد بقعة ولم يُزمع الإقامة في مدة، ولكن ربط أمره بانتجاز حاجة، فالقول في أنه هل يترخص إذا زادت إقامتُه على مدة المسافرين مذكور في الصلاة. فإن أدمنا الرُّخَصَ، فالأيام غير مقضية، وإن أسقطناها وألحقناه بالمقيم؛ فالقول فيه كالقول في إبرام العزم على الإقامة أربعة أيام، فإن قيل: لا تودّع بمن يبرم عزمه [على الرحيل بانتجاز حاجته] (١)، قلنا: أُلحق هذا الشخص بالمتودّع [بدليل] (٢) سقوط الرخص. ٨٦٦٥ - ومما يجري ركناً في الباب أنه لو خرج بواحدة من غير قرعة، فإذا آب، قضى للمخلفات إجماعاً، وينضم إلى وجوب القضاء عصيانُه بالخروج بالتي اختارها؛ فإنه أظهر الميل إليها، فاقتضى ذلك تعصيتَه وإلزامَه بالقضاء، فلا نظر -مع ما ذكرناه- إلى مقاساتها المشقة. ٨٦٦٦ - ولم يختلف العلماء في أنه إذا أقام عند واحدة من نسائه في الحضر ليمرضها، فهذه الأيام مقضيةٌ للأخريات، فإن ماتت المريضة، خرجت من البين (٣)، ولم يظهر أثرُ وجوبِ القضاء في حق الباقيات، فالوجه أنْ نقدر كأنَّ التي

стр. 6819

ماتت لم تكن. وإن استبلّت وبرئت، قضى تلك الأيام [للباقيات] (١)؛ فإنَّ قيامه بتمريضها يقع [محضاً] (٢) لها، وليس كذلك الخروج ببعضهن سفراً؛ فإنها وإن حظيت من وجه، شقيت من وجه. ثم لا يجوز للرجل أن يقوم بالتمريض ويقطع النُّوبَ إلَاّ عند حاجة. وقد رأيت في هذا تردداً للأئمة، فالذي ظهر من كلام المعظم أنَّا نشترط أن يكون المرض مخوفاً، وأشار مشيرون إلى أنَّ الحاجة الحاقّة كافية، حتى إذا عظمت الآلام -وإن لم تبلغ مبلغ الإخافة [ولم] (٣) تجد ممرضاً- فللزوج أن يقوم بتمريضها. وإذا كان المرض مخوفاً، ووجدت المرأةُ من يقوم بتمريضها ففي جواز قيام الزوج بتمريضها تردد. وحاصل المذهب أنَّ المرض إذا اشتدَّ ألمُه، [ولم تجد] (٤) المرأة غيرَ الزوج، فللزوج تركُ النوب لتمريضها، [وإن وجدت] (٥) غيرَه، فعلى التردد. وللزوج القيام بتمريضها في المرض المخوف إذا لم تجد من يقوم مقامه، فإن وجدت، فعلى التردد. وقد نجز مضمون الباب تأصيلاً وتفصيلاً، ونحن نذكر على إثر ذلك فروعاً مرتّبة المآخذ .. فرع: ٨٦٦٧ - إذا سافر بواحدة بالقرعة -حيث يسقط القضاء- فلو تزوج بجديدة في خلال الطريق، فإنه يخصها بحق العقد ثلاثاًً أو سبعاً، ثم يَقْسِمُ بينها وبين التي سافر بها، فلو أراد أن يخلّف إحداهما ببلد، لم يجز إلا بالقرعة، وإذا فعل ذلك بالقرعة، فالتفصيل على ما قدمناه.

стр. 6820

ولو خرج بامرأتين بالقرعة، جاز، فلو بدا له أن يخلِّف إحداهما ببلد، لم يجز إلَاّ بالقرعة. ولو ظلم إحداهما في الطريق لصاحبتها، قضاها في الطريق، فإن لم يتفق القضاء حتى رجع، قضى للمظلومة من حق [التي] (١) ظلمها بها دون حق صاحبتها المتخلفتين. ولو خرج منفرداً، ثم تزوج في الطريق، لم يلزمه أن يقضي للمخلَّفات [كل الأيام] (٢) التي صحب فيها المُتَزَوَّجَةَ في السفر؛ لأنه خرج ولا حقَّ لهن، ثم تزوج في السفر، ولا يتصور عليه القَسْم بينهن، وإنما يجب الإقراع في اللواتي يجتمعن تحته حالة السفر، فإذا كان الإقراع يُسقط حق المتخلفات، فابتداء [الزواج] (٣) بذلك أولى. فرع: ٨٦٦٨ - إذا كان تحته زوجتان، فنكح جديدتين، فقد ثبت لهما حق العقد، فلو أراد سفراً وأقرع، فخرجت القرعة على إحدى الجديدتين، فإذا سافر [بها] (٤)، فلا شك أن أيامها تندرج تحت صحبة السفر، إذا كان يصحبها. فإذا عاد، فهل يلزمه أن يوفي الجديدةَ الأخرى حقَّ العقد -إذا لم يكن وفاها من قبل؟ والمسألة فيه إذا زُفَّت إليه، فلم يُقم عندها؟ اختلف أصحابنا في المسألة فيما نقله العراقيون، فمنهم من قال: لا يوفيها حق العقد؛ فإنَّ أيام حق العقد قد انقضت في سفره، كما انقضت نُوبُ القديمتين، ثم لا يجب قضاءُ نوب القديمتين، فلا يجب تدارك حق العقد. ْومن أئمتنا من قال: يجب أن يوفيها حقَّ العقد، ولا يقاس حقُّ العقد في ذلك بالقَسْم، وهذا اختيار أبي إسحاق المروزي؛ والسبب فيه أن معنى التوحش قائم، وحق القَسْم قد يسقط بأسباب، وهو يجب شيئاً شيئاً، فإذا كان الرجل مسافراً على

стр. 6821

شرط الشرع، فلا يجب للمخلَّفات حقُّ القَسْم. وحق العقد يجب دفعةً واحدة، لا على قياس القسم؛ فإنَّ القسم [للتسوية] (١)، وحق العقد حق مستَحقٌّ في الذمة، فلابد من الوفاء به. وعندنا أنَّ ما ذكروه في المزفوفة. فأمَّا التي لم يزفها بعدُ إذا أدخلها في القرعة، ولم تخرج القرعة عليها، فإذا عاد وزفها؛ فيجب القطع بأن حقها -والحالة هذه- قائم. ولو نكح جديدةً وزفها على قديمة، وخرج مسافراً، ولم يستصحب واحدة منهما، فإذا عاد، فالذي أراه أنه يلزمه أن يوفي المزفوفةَ حق العقد هاهنا، فإن مضت أيام في السفر غيرُ محسوبة عليه، وفي المسألة احتمال على حال، والعلم عند الله تعالى. ...

стр. 6822

باب نشوز المرأة على الرجل ٨٦٦٩ - للمطيعة المنقادة النفقةُ والقَسْمُ على زوجها. والناشزة هي الممتنعة من التمكين، والأصل في الباب قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. وقد ذكر الشافعي [للآية] (١) تأويلين: أحدهما - أنَّ هذه الخصال مرتبة على أحوالٍ تصدر منها، فإن خاف الزوج نشوزَها، ولم يبدُ بعدُ عينُ النشوز، بل بدت أماراته، [فيعظها] (٢) حينئذٍ. فإن لم تتعظ وأبدت النشوز، هجرها في المضجع، فإن أصرت وتمادت ولم تحتفل بالهجر في المضجع، ضرَبَها، واقتصد، عالماً بأنه لو أفضى الضربُ إلى الهلاك، أو إلى فساد عضو، ضمن. وقد يرد لفظُ الجمع والمراد به ذكْرُ المراتب، والتخييرُ فيها على حسب وقوعها، قال الله تعالى في آية المحاربة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، فاللفظ للتخيير، والمراد به الترتيب على قدر الجرائم، هذا أحد التأويلين. والثاني - أن [يحصر] (٣) معنى الآية فيما بعد وقوع النشوز، وعند ذلك يجمع بين الوعظ والهجر والضرب، فإذا أمكن حمل هذه الخصال على الجمع -وظاهر الصيغة مُشعرٌ بالجمع-، فالأولى أن يحمل على ذلك، فعلى هذا معنى قوله: تخافون، أي: تعلمون النشوز. وقد يرد الخوف والمراد به العلم.

стр. 6823

٨٦٧٠ - واختلفت الأخبارُ في ضرب النساء، فروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تضربوا إماء الله" (١) فجاء عمر وقال: "يا رسول الله [ذَئِر] (٢) النساء أي [نشزن] (٣) واجترأن، فأذِن في ضربهن، فبسط الرجال أيديهم إلى ضرب النساء، وجاوزوا الحد، فأطاف بآل محمد أي: بحُجَرِ نسائه وأهل بيته ﷺ نساءٌ كثيرات كلهن يشتكين أزواجهن، فخرج ﷺ وقال: لقد أطافَ الليلة بآل محمد سبعون امرأة كلُّهن يشتكين أزواجهن!! خيارُكم خيارُكم لنسائكم، لا يضربن أحدُكم ظعينتَهُ ضربه أَمَته" (٤). ثم تكلم الشافعي في ترتيب الكتاب والسنة، فذكر وجهين: أحدهما - أنه يحتمل أن تكون الآية وردت بإباحة الضرب، ثم نهى الرسول ﷺ عنه تنزيهاً، ثم لمَّا استطالت النسوة [بأذاهن] (٥) على الأزواج أذنَ في ضربهن، فلما بالغوا، قال آخراً: خياركم خياركم لنسائكم، واستحث على الصبر على أذاهن والإعراض عن مجازاتهن على شكاسة الأخلاق وشراستهن، وهذا [لعمري] (٦) هو الأصل.

стр. 6824

٨٦٧١ - فإذا تبيَّن أصل الباب، فَسِرُّه وأهمُّ ما فيه: تصوير النشوز، ونحن نذكر فيه ما يشفي الغليل -إن شاء الله ، ثم نذكر طرفاً من الكلام في ضربهن، ثم نذكر حكم النشوز. ٨٦٧٢ - فنقول أولاً: لسنا نشترط في النشوز أن تمتنع المرأةُ امتناعاًً لا يدخل في إمكان الزوج ردُّها إلى الطاعة قهراً، بل إذا نشزت وتمكن الزوج من ردها، فهي ناشزة، هذا طرف أطلقناه، ويعارضه أنها لو كانت تمتنع امتناعاً يمكن عده من فنون التدلل والمجاذبة لتكون أشهى، فليس هذا من النشوز، وليس من شرط طاعتها المبادرةُ التي تُخرج من [خَفَر] (١) الحياء إلى تشوُّف التوقان، فما المعتبر إذن في تصوير النشوز؟ فنقول: إن خرجت عن مسكنه، فهي ناشزة على تحقيق، وإن استمكن من ردها. وإن كانت معه، ولكن كانت تمتنع على الزوج امتناعاً يحوجه إلى تأديبها، فقد يتعرض الرجل بسبب امتناعها لضررٍ؛ بسبب تخلف قضاء النَّهْمة والشهوة، فهذا نشوز؛ فإنَّ النشوز ضدُّ الطاعة. والطاعة معلومة في المنقادة على حسب العادة، وقد تختلف بالبكارة والثيابة، وعلو المنصب، والتوسط في الدرجة، وهذا على تصوير لزوم المرأة أُبهة الحياء، والامتناع هو الذي يلحق إضراراً بالرجل بسبب تأخر الحاجة، أو يحوجه إلى أن ينتصب مؤدِّباً، والنكاح للإيناس والاستئناس، والذي يحقق ذلك: أن الطاعة تمكينٌ منها، وهي تستفيد به تقرير حقها، فإذا احتاج الزوج في تحصيله إلى تضرر أو مقاساة [كُلفة] (٢)، فله أن يتركها حتى يضيع حقها. ٨٦٧٣ - والترتيب في ذلك أنها إذا خرجت من مسكن النكاح، فهي ناشزة كيف فرض الأمر، وإن لم تخرج وعُدّت مطيعةً، والزوج لا يحتاج في تحصيل الغرض منها إلى مقاساة كلفة، أو تعرض لضرر أو إقدام على ضرب؛ فهي مطيعة. وإن كان

стр. 6825

يحتاج إلى كُلفة أو ضرب أو تعرض لضرر، فهي ناشز. ولو كانت تمكن من الوقاع، وتمنع مما عداه من جهات الاستمتاع، فكيف السبيل وهي ممكِّنةٌ من المقصود؟ فهذا نوع من النشوز، وأقرب أصلٍ إلى ذلك ما ذكرناه في الأَمَة، إذا كان السيد يسلمها ليلاً ولا يسلمها نهاراً، فذاك أولاً سائغ للسيد. ثم في وجوب النفقة خلاف، وما ذكرناه في الحرة غير سائغٍ لها، وهي مُمكَّنةٌ (١) من المقصود، ففي استقرار النفقة تردد، ولكنها مجبرة على ما يحاوله الزوج منها إذا كان لا يكلفها ما لا يسوغ. فهذا قولنا في تصوير النشوز. ٨٦٧٤ - وليس من النشوز أن تبذو (٢) على زوجها، وتستطيل عليه سبَّاً وشتماً، فإنها إذا كانت تُمكِّن مع ذلك، فالتمكين [جارٍ] (٣) ولا نشوز، وهي ممنوعة عن المسابّة مزجورة عنه، وإنْ أفضى الأمر إلى التعزير عُزِّرت، وفيه فضل نظر أذكره في فصل الضرب. ٨٦٧٥ - فأما القول في الضرب؛ فالأولى ألَاّ يضرب، وليس كالولي في حق الطفل [العرِم] (٤)، فإنَّا نؤثر له أن يؤدبه، والفرق أنَّ الولي يؤدبه لاستصلاحه، والزوج يؤدب زوجته لتصلح له، والضرب ليس فيه توقيف، والجبلَاّت تختلف باختلاف الأحوال في احتمال الضرب، فالأولى ألاّ يتعرض للضرب المفضي إلى الغرر لحظّ نفسه [ففيه] (٥) الحيدُ عن الصفح وحُسن المعاشرة.

стр. 6826

وإذا أراد الضربَ، ففي وقته تردد، ذكر العراقيون وجهين في أنَّ الزوج هل يُبادر الضرب بأول نشوز، أم لا يجوز له الضرب حتى يستمر أو يتكرر منها النشوز؟ [وتلقَّوْا] (١) ما حكَوْه من الاختلاف عن ظاهر القرآن؛ فإنَّه عز من قائل قدم ذكرَ الوعظ، ثم عقّبه بالهجر، ئم اختتم بالضرب، فنبّه سياقُ الخطاب على رعاية تدريج، ثم ظاهر كلامهم -[في] (٢) هذا إذا نصروا المنع من الهجوم على الضرب- يشير إلى أنَّ الضرب يقع في الثالثة، [فإنهم] (٣) لما نصروا الوجه الثاني رأَوْا هذه الخصال مجموعة كما (٤) ظهر النشوز. ٨٦٧٦ - وتحقيقُ القول في هذا يعطف الفقيه على النظر في حال من يقصد الإنسان في بدنه أو ماله، فإنَّ الدفْعَ يقع على التدريج، على ما سيأتي مشروحاً -إن شاء الله تعالى- حتى إذا كان الدفع ممكناً بتهييبٍ وزجرٍ في المنطق، لم يجُز الانتهاء إلى الفعل، ثم الأفعال تترتب على أقدار الحاجة، والقول في ذلك متيسرٌ سنضبطه في موضعه، إن شاء الله . ويجوز أن يقول القائل: المنع من النشوز يجري على ترتيبِ دفع الصائل في رعاية التدريج، [ونهايته] (٥) في أنَّ الصائل لا يُدْفع إلا بما يأتي عليه، فيجوز دفعه إلى ما يُفضي إلى هلاكه، وهذا المعنى لا يتحقق هاهنا، فانَّ [للتأديب] (٦) موقفاً من طريق التقريب، لا يُتعدّى، كما سنصفه، إن شاء الله تعالى. ويجوز أن يقال: ليس ضربُ الناشزة في معنى الدفع، وإنما هو في معنى إصلاحها في مستقبل الزمان. وإذا كانت تنزجر في كل نوبة من النشوز، نقول: فقد تعتاد ذلك؛ فلا يمتنع أن يقال: إذا نشزت وظن الزوج أنَّ الوعظ يصلحها والهجرَ،

стр. 6827

فيقتصر. وإن ظن أنها ستمرن (١) وسيفسد حقه منها، فيضربها لتصلح له في المستقبل، وهذا هو الحق لا غير، وعليه يجري تأديب الأب ابنه، غيرَ أن الأب يصلحه له، والزوج يصلحها لنفسه. ٨٦٧٧ - ثم المتبع في ذلك الظن، فإن ظهر للزوج سوء خلقها بنشوزٍ واحدٍ، ضربها، وإن قدر النشوز الواحد نادرة، لم يضربها، ويختلف هذا باختلاف الأحوال والأشخاص، ولا نطلب في ذلك يقيناً، ولا يجوز الإقدام على الضرب من غير ظن في أنَّ الاستصلاح يحصل به. وإنْ أبت المرأةُ وتمادت؛ وكانت لا تنكفّ [إلا] (٢) بالضرب المبرِّح، فليس للزوج أن يبرِّح بها، وينتهي إلى حالة توقع الخوفَ عليها؛ فإنَّ الغرض إصلاحُها، فإذا ظن أنها لا تصلح فَضَرَبَها، كان ذلك [حَنَقاً] (٣) وشفاءَ غليل، وهو غير مسوّغ، هذا هو السر المتبع، ولو أفضى الضرب إلى الهلاك، وجب الضمان، وإنْ أفضى إلى نقيصةٍ ثبتت لمثلها حكومة، فعلى الزوج أن يضمنه. وإن جرَّ الضرب شيئاً، ثم زال نوجب على الجاني (٤) في مثل ذلك شيئاً على وجهٍ بعيد، والوجه هاهنا: القطع بأنه لا يجب على الزوج شيء. فإن قيل ضرب الزوج إذا أفضى إلى نقيصة، فالبعض من هذا لو اقتصر عليه، لما كان موجِباً ضماناً، فهلَاّ جعلتم النقيصة بمثابة أثر يترتب على مستحِق وغير مستحِق؟ قلنا: إذا جاوزَ الزوجُ الحد، أَخرجَ بآخر فِعْلِه أوّلَه عن كونه إصلاحاً، فصار جميع ما صدر منه جناية، وسنصف هذا في أبواب التعزيرات من كتاب الحدود، إن شاء الله .

стр. 6828

٨٦٧٨ - ومما أطلقه الأئمة ونطق به القرآن الهجرُ، وكان شيخي يهجرها في المضجع، ولا يترك [مناطقَتَها] (١) وراء ثلاث ليال؛ فإنَّ النبي ﷺ نهى عن ذلك. وهذا فيه نظر عندنا؛ فلو رأى استصلاحها في مهاجرتها في المنطق، فلست أرى ذلك ممنوعاً، وهو أهون من الضرب. والذي نهى عنه رسول الله ﷺ إنما هو تَهَاجُر الأخوين من غير سبب يقتضيه في الشرع. هذا بيان الهجر والضرب. ٨٦٧٩ - [ويتصل] (٢) به أنها إذا كانت تؤذيه في المنطق ولا تمتنع عليه، فهل له أن يؤذيها، أو يرفعها إلى السلطان؟ فيه ترددٌ بين الأصحاب، قال قائلون: هي فيما تأتي به وراء التمكين من موجبات التعزير، كالأجنبية، كما أنها في منعها حق الزوج من مال أو غيره مما يتعلق بحقوق الزوجية كالأجنبية. وقال قائلون: يؤذيها الزوج على استطالتها، وبذاءة لسانها؛ فإنها وإن كانت ممكِّنةً مع ذلك، فهذا ينكِّد المعاشرة، ويكدّر الاستمتاع، ولسنا ننكر تعلقه بما يوجب استصلاحَ الزوجة في الحقوق الخاصة في النكاح. فأما الحكم في سقوط النفقة، ففيه (٣) تفاصيل تتعلق بكتاب النفقات. ...

стр. 6829

باب الحكمين في الشقاق بين الزوجين ٨٦٨٠ - الأحوال الدائرة في هذه الفنون بين الزوجين تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها - أن يصدر العدوان من الرجل في إيذائها والإضرار بها، فإذا تحقق ذلك منه، منعناه من الإضرار، واستوفينا منه ما يمتنع عنه من الحقوق، وإن كان جسوراً لم نأمن أن يضربها ضرباً مبرِّحاً، وقد يفضي ذلك إلى هلاكها، فنحول بينها وبينه؛ فإنَّا إنْ ضربناه لضَرْبه إياها تعزيراً، فقد يضم لذلك [حنقاً] (١) ويبلغ منها مبلغاً لا يستدرك. ثم إذا استشعر الوالي ذلك وضَربَ الحيلولة، لم يردّها إليه حتى تلين عريكتُه، وتظهر عاطفته، وذلك لا يتبين بقوله، وإنما يتضح بأن يُختبرَ ويوكلَ به في السر من يبحث عن مكنون ضميره فيها، فإذا غلب على الظن أنه مأمون في حقها رُدَّت إليه، وهذا يُضاهي البحثَ عن الإعسار وغيره من الأمور الباطنة المتعلقة بالنفي، ويتصل به استبراؤنا الفاسقَ إذا تاب. وإن لم يتحقق إيذاؤه إياها، بل ظننا ذلك ظناً، فالوجه أن يأمر الحاكم من يراقبهما في السر والعلن، ولا يشترط أن يتحقق ذلك، ولا يضرب القاضي حيلولة بينهما بمجرد الظن إذا لم تبدر منه بادرة، فإذا بدرت، فقد يديم الحيلولة إلى ظهور الظن بالأمر، وإذا تحققنا الإضرار بها، فليس إلَاّ الحيلولة، فأما إلزام الطلاق، فلا. ٨٦٨١ - وإن تحقق العدوان منها، فهو النشوز، وقد مضى فيه باب، وإن توهمنا نشوزاً، فلا يدَ للقاضي، ويدُ الزوجِ متسلطة عليها، فإن بلغ الأمرُ مبلغاً يُعجز الزوجَ، استعان بالسلطان.

стр. 6830

٨٦٨٢ - وإن نشبت خصومة بين الزوجين، وأشكل الأمر، فلم ندر من (١) الظالم منهما؟ وكان الزوج لا يصفح، والمرأة لا تفتدي، واشتبه حال الزوجين، فهذا موضع بعثة الحكمين، فيبعث الإمامُ حكمين عدلين حَكَماً من أهله، وحَكَماً من أهلها، حتى يخلوَ كل واحد من الحَكَمين بصاحبه، فيستطلعَ رأيه، ويعرفَ مكنونَ غرضه، ورغبته في صاحبه أو عنه، ثم [يلتقيان] (٢)، ويُثبتُ كلُّ واحد ما عنده؛ وإنما استحببنا أن يكونا من الأهلين؛ لأن انبساطهم أكثر، واطلاعهم على حقائق الأمور أمكن. فهذا تصوير بعثة الحكمين. والأصل في الباب نص الكتاب لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، [وفي الآية] (٣) وجهان من التأويل. قيل: معناه إن [يُرد] (٤) الزوجان إصلاحاً، يوفق الله بينهما. وقيل: معناه إن يُرد الحكمان إصلاحاً وجرَّدا قصدَهما في ذلك يوفق الله بين (٥) الزوجين ببركةِ قصدِهما. وهذا ما فهمه عمرُ من الآية (٦)، فروي أنه بعث حكمين فرجعا، وقالا: لم يتم الأمر بينهما، فَعَلَاهُمَا بالدِّرةِ وقال: "الله أصدقُ منكما، لو أردتما إصلاحاًً، لوفَّق الله"، فرجعا واعتقدا إصلاحاً، فلما بلغا مكانهما، كانا قد أغلقا الباب [وتلاوما] (٧) واصطلحا (٨). ٨٦٨٣ - ثم [إن] (٩) اتفق التئام الحال واصطلاح الزوجين، فذاك.
следующие страницы →