← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

عند استيفاء الطلقات الثلاث، ولكنه أفسد على نفسه، حيث قال: إذا طلق الرجل امرأته، فبانت ونكحت زوجاً وأصابها، ثم عادت إلى الأول على شرط الشرع؛ فمذهبه: أنها تعود إلى الأول بثلاث طلقات. ثم بنى على هذا المذهب مسألةً في التعليق، فقال: إذا علّق ثلاث طلقات بصفة في النكاح الأول، ثم نجّز طلقتين، فبانت وأونكحتصيبت، وعادت إلى الأول، فوُجدت الصفة؛ قال: تطلق ثلاثاًَ، ومعلوم أنه لما نجّز طلقتين في النكاح الأول، فقد نجّز مما علق طلقتين، فإدامة التعلق بما نجّز محال. وهذه المسألة لا تتصور على أصلنا؛ فإن النكاح الثاني عندنا مبني على النكاح الأول في عدد الطلاق، كما سيأتي القول في هذا [في] (١) الطلاق، إن شاء الله . ٨٧١٧ - وذكر الأئمة في تعليق العتق وعَوْد اليمين ما ذكروه في الطلاق. فإذا قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، ثم زال ملكه عن الرقبة زوالاً لازماً، ثم عادت (٢) إليه، فوُجدت الصفة في الملك الثاني؛ ففي وقوع العتق القولان المذكوران في عود الحنث في اليمين المعقودة بالطلاق إذا تخللت البينونة من غير استيفاء عدد، فإنه تخلل في الموضعين حالةٌ [لو] (٣) فرض فيها وجود الصفة، لما وقع الطلاق ولا العتاق. وذكر الأئمة لتنجيز الطلقات الثلاث بعد التعليق نظيراً من العتاق، فقالوا: إذا علق عتقَ عبد، ثم نجّز إعتاقه، ثم التحق بدار الحرب، وكان كافراً [فسبي] (٤)، وأُرقّ، ورأينا إرقاقه -على تفصيل في السِّير، سيأتي إن شاء الله فإذا عاد ملكاً لمن علّق عتقه، فوُجدت الصفة، ففي وقوع العتق -والحالة هذه- ما في وقوع الطلاق إذا عَلَّق [به، ثم] (٥) نجَّز الطلقات الثلاث، ثم عادت إليه.

стр. 6862

ووجه التشبيه لائح، فإنه إذا علقَ الطلاق، ثم طلق ثلاثاً، فقد نجز ما علق؛ وإذا علّق عتق عبده، ثم أعتقه تنجيزاً، فقد نجّز ما علّق؛ فإن العتق ليس مما يتعدد. ٨٧١٨ - ومما يتعلق بأطراف المسألة: أنا إذا رأينا عَوْد الحنث، فلو علق الطلاق في النكاح الأول، ثم أبان زوجته، فوُجدت الصفة في زمان البينونة، فلا شك أن الطلاق لا يقع لمصادفة الصفة حالةً لو أنشأ الطلاق فيها تنجيزاً لَمَا وقع. وإذا عادت، ثم وجدت تلك الصفة في النكاح الثاني؛ فالذي صار إليه أئمة المذهب: أن الطلاق لا يقع [وإن] (١) فرعنا على عَوْد الحنث، واعتلّوا بأن الصفة لما وجدت في زمن البينونة، انحلت اليمين انحلالاً لم تصادف إمكان إعمال، فانحلّت بلا عمل، فإذا انحلت، استحال أن يقع في النكاح الثاني شيء. ووجه ذلك أن اليمين لا تنعقد إلا مرة واحدة (٢). فإذا وجدت بعد المرة، فقد زال متعلَّق اليمين، وعسر الحكم بالصفة، فكان موجب ذلك أن تنحل اليمين بلا خلاف. وحكى العراقيون عن أبي سعيد الإصطخري وجهاً أن اليمين لا تنحل، لأن يمين الزوج معقودة على طلاق يُمْلَك في زمان يُتصور من فيه التنجيز والتنفيذ، ويستحيل عقد اليمين بالطلاق على زمان البينونة، وإذا لم تنعقد على زمان البينونة، لم تنحل بما يقع في زمان البينونة. وهذا متجه على مذهب الشافعي، ولكنه بعيد في النقل، غيرُ معتد به. ومما يتعلق بهذا الأصل؛ أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق غداً، ثم أبأنها قبل الغد، فانقضى الغد في البينونة، ثم عادت، فلا شك أن ذلك الطلاق المؤقت لا يقع. ولا يخرّج في هذه الصورة وأمثالها مذهب الأصطخري؛ فإن الوقت الذي علق الطلاق به، قد انقضى قبل النكاح الثاني، فلا يتصور وجوده في النكاح الثاني، حتى نتكلم في وقوع الطلاق وعدم وقوعه، وأما مذهب الأصطخري فيه إذا كان متعلق الطلاق صفةً يتصور وجودها في النكاح الثاني.

стр. 6863

٨٧١٩ - ومما يتعلق بأصل عَوْد الحنث؛ أن الرجل إذا قال لامرأته: إذا بِنْتِ ونكحتكِ ودخلتِ الدار في النكاح الثاني، فأنتِ طالق، ثم بانت ونكحها، فدخلت الدار؛ فالذي ذهب إليه أئمة المذهب أن الطلاق لا يقع أصلاً. وإن فرّعنا على عَوْد الحِنث؛ فإنه صرح بتعليق الطلاق في نكاح قبل انعقاده، وهذا لا يراه الشافعي ولا يسوّغه. ومن أصحابنا من قال: يخرّج هذا على قول عَوْد الحِنث؛ فإن النظر إلى وقوع المعلَّق في النكاح مع وقوع الصفة في النكاح، وهذا بعيدٌ مع التصريح بإضافة الوقوع إلى النكاح الثاني، حتى لا يفرضَ انحلال اليمين في النكاح الأول [هكذا أجروه] (١). والوجه أخْذه من عود الحنث بعد استيفاء الثلاث؛ فإن الحنث ينطبق على ما يتجدد بالنكاح الثاني من مِلْك. ٨٧٢٠ - ومما كان يفرعه شيخي في هذا الأصل: أن الرجل إذا علق طلقة واحدة بصفة -وهو يملك الثلاث- ثم قال: نجّزتُ تلك الطلقة التي علّقتها، فتنتجز الطلقة لا محالة. وهل ينحل التعليق؟ هذا ينبني على أنه إذا نجز الثلاث، فهل ينحل التعليق حتى لا يعود في النكاح الثاني؟ فإن قلنا: لا ينحل التعليق، فلا (٢) معنى [لحَلِّ] (٣) التعليق بالجهة التي ذكرناها. فإن قلنا: ينحلّ التعليق لو استوفى الطلقات، فإذا علق واحدةً، ثم نجز واحدة، وزعم أنها التي علقها، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن التعليق ينحلّ، [ووجهه] (٤) بين. والثاني - أنه لا ينحلّ، ويبقى التعليق مرتبطاً بما بقي من الطلقات؛ فإنه ما كان متعلقاً بطلقة معينة. ولا خلاف أنه لو علق طلقة، ثم نجّز طلقة مُطْلَقة، فالتعليق

стр. 6864

لا ينحلّ؛ فقوله: نجزت ما علّقت تصرّفٌ منه في فكّ التعليق، وليس ذلك إلى المعلِّق. هذا تمام البيان في تمهيد أصل عَوْد الحنث، ولهذا الأصل تكرُّرٌ في الكتب على ما يليق بمقاصدها، وفيما ذكرناه الآن مَقْنع. ٨٧٢١ - وقد عاد بنا الكلام إلى مضمون الباب. فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثاًً: في كل سنة واحدةٌ، رجعنا إليه، فإن زعم: أنه أراد مُدَد السنين وتنكيرَها، ولم يرد السنة المعروفة العربية [المستفتحة] (١) بالمحرم، فالجواب -ومراده ما وصفناه- أنه يقع في الحال طلقة؛ لأنه يكون في سنةٍ لا محالة، وقد أوقع الطلقات الثلاث في [ثلاث] (٢) سنين، فلتقع كلُّ طلقة في سنة، وموجب ذلك وقوعُ طلقة في الحال؛ لأنه في سنة، ولم يعلّق الطلقات الثلاث بانقضاء ثلاث سنين. ثم إذا حكمنا بوقوع طلقة في الِحال؛ لأنه في سنة، فلو راجعها، وامتدّت عدة الرجعة بتباعد الحيضة، أو امتداد زمان الحمل، حتى مضت اثنا عشر شهراً؛ [فتقع عليها الطلقة الثانية فإن راجعها، وطالت العدة إلى اثني عشر شهراً] (٣) أخرى، فيقع عليها الطلقة الثالثة، فتلحقها الثلاث في أربعة وعشرين شهراً ولحظةٍ، وهذه اللحظة الزائدة: وقتُ وقوع الطلقة الثالثة. والوقتُ الذي وقع فيه الطلقة الأولى محسوب من السنة الأولى. وهذا بيّن لا يخفى دَرْكُ مثله على الفطن. وما ذكرناه فيه إذا تمادت عدة الرجعية، وارُتجعت المرأةُ على نظمٍ يقتضي وقوع الطلقات كما صورناه. فإن لحقها الطلقةُ الأولى، ولم يرتجعها، وانقضت عدتها قبل مضي السنة الأولى، [وبانت] (٤)، فإن نكحها، فتمت اثنا عشر شهراً من يوم تلفظه بالطلاق

стр. 6865

[وعَقْدِه] (١) اليمين، فهل تلحقها الطلقة الثانية؟ فعلى القول الممهد في عَوْد الحنث. وقد قدمنا فيه الأقوالَ، والترتيبَ البالغَ [الكافي] (٢)، والكلامُ في الطلقة الثالثة على ذلك يخرّج. ولو لحقتها الطلقةُ الأولى، وانقضت عدتها في السنة الأولى، ولم يجدد عليها النكاحَ حتى مضت السنة الثانية، فقد انحلت اليمين في الطلقة الثانية؛ [فإنه كانت نهايتها] (٣) بانقضاء السنة الثانية. وليس هنا محل تخريج الإصطخري (٤)، -بل هو كما لو قال لامرأته: أنت طالق غداً، ثم أبأنها قبل الغد، وتصرّم الغد على البينونة، ثم جدد النكاح- فلا (٥) يقع الطلاق، [ثم هل يقع الطلاق] (٦) الثالث لو امتدت العدة (٧)، [وهل] (٨) تنحل اليمين بمضي تلك اللحظة؟ قلنا: لا تنحلّ؛ فإن أمد الطلاق الثالث منتهٍ. غير أنا ابتدرنا (٩) الحكم بوقوعه لنحقق دخول الوقت، وكل طلاقٍ أضيف إلى زمانٍ ممتد إضافة الشيء إلى ظرفه الزماني، فإنه يقع في أول جزء منه. فإذا كانت المرأة بائنةً في الجزء الأول من السنة الثالثة، لم يقع الطلاق.

стр. 6866

فإذا نكحها [في أثناء السنة الثالثة، فهذا النكاح جرى في أمد الطلاق الثالث] (١) ثم إن قلنا: بعَوْد الحنث، فكما (٢) نكحها، طلقت؛ فإن هذا زمانٌ من السنة الثالثة، وهو بمثابة ما لو قال لامرأته: أنت طالق غداً، ثم أبأنها، فمضى صدرٌ من الغد، ثم جدد النكاح عليها في بقيةٍ من الغد، ورأينا عود الحنث، فالطلاق يقع كما (٣) ينكحها. هذا كله فيه إذا قال: أردت بقولي: في كل سنة طلقة، تنكيرَ السنين، ولم أُرد تعريفها بالسنين العربية. ٨٧٢٢ - فإن قال: أردتُ السنين العربية، طُلّقت في الحال طلقة، لأنها تقع في سنةٍ عربية. وكلما أهلّ المحرم، طُلقت طلقةً أخرى. وقد تقع الطلقة [الأولى] (٤) في آخر لحظة من السنة، وتقع الثانية في اللحظة الأولى من السنة؛ فتلحقها طلقتان في لحظتين. والفرق بين [هذه] (٥) المسألة وبين الأولى مستبين؛ فإن المسألة الأولى مقتضاها تقدير السنين من وقت نطقه، فانتظم ذلك الترتيب على ما مضى، وهذه المسألة مبنية على ما يقع من السنين العربية، لا على ما يقدره الحالف. والغرض التام في ذلك يتّضح بذكر مسألة واستغراب، وجوابٍ عنه. فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثاًً في كل يومٍ طلقة، [فإن] (٦) قال ذلك وهو في يوم، فتقع واحدة في الحال، وتقع الثانية كما (٧) طلع الفجر في اليوم الثاني، ولا يتوقف الوقوع على أن ينتهي في اليوم [الثاني] (٨) إلى الوقت الذي انعقد فيه اليمين في اليوم الأول. وإن قال: أردت تنكير اليوم، فالجواب كذلك. فإن قيل: هلا

стр. 6867

حسبتم بعد وقوع الطلاق [زمانَ] (١) يومٍ: مثلاً يقع الطلاق في وقت الزوال، فيتربص إلى انتهاء اليوم الثاني إلى وقت الزوال. وهذا في التحقيق مضي يوم مضى شطره أمس ولم [يمض] (٢) مقدار يوم في اليوم الثاني؟ قلنا: سبب ذلك أنه إذا علّق الطلاق باليوم وجعله ظرفاً؛ فإذا قال: في كل يوم، فكما (٣) طلع الفجر شرعت في جزء من أجزاء اليوم، وليس كذلك السنة المنكرة؛ فإنها تطلق على اثني عشر شهراً. فإذا نظر الناظر إلى مسألة الأيام، ومسألة السنين المنكرة، ابتدر اعتقاد الفصل بينهما، ثم تعسر العبارة عن مكنون الضمير. ويُستنكر أمثالُ ذلك في مسائل الطلاق؛ فيقع الاعتناء بتَرْصيف العبارة، وتطبيقها على المعنى. ونحن نقول: السنة تنكر، وتعرّف، فيقال: أقبلت السنة إذا قرب هلال المحرم، واليوم يعرّف وينكّر. وليس يبعد اعتقاد التبعيض فيه أيضاًًً؛ فإِن الرجل إِذا قال لامرأته وقت الزوال: إذا مضى يومٌ، فأنت طالق، فلا تطلّقُ حتى تغرب الشمس، ويدخلَ اليومُ الثاني، وينتهي إلى وقت الزوال. ولكن الألفاظ المطلقة في الأيام ظاهرةٌ في الأيام المعرفة. والسنين المطلقة ليست ظاهرةً في السنين العربية؛ فإنّ تعرّف الأيام أظهرُ من تعرف السنين؛ كيف؟ وطبقات الخلق على اختلافٍ في تعريف السنين، ولسنا على توقيفٍ حاقّ في تعريف السنين العربية، فكان قولُ القائل: أنت طالق ثلاثاًً في كل سنة طلقةٌ ظاهراً في احتساب السنة المنكرة من وقت القول، وقول القائل: "في كل يوم" ظاهرٌ في اليوم المعروف؛ حتى يُعدَّ احتسابُ يوم من يومين في حكم الشاذ، الذي [يلتبس] (٤) الفكر عليه، إذا لم يُرِد (٥).

стр. 6868

٨٧٢٣ - [و] (١) هذا يتبين بمسألتين: إحداهما - أنه إذا قال: أنت طالق ثلاثاً في كل سنة طلقة، فراجعناه في قصد التعريف والتنكير، فزعم أنه لم يكن له قصد، فهذا عندنا ملتحق بمسائلَ ستأتي في الطلاق -إن شاء الله تعالى- مستندةً إلى قاعدةٍ لا سبيل إلى الخوض فيها الآن، ولكنا ننجز الجواب والفتوى على حسبها، فنقول: إذا زعم أنه أطلق اللفظ، ولم ينو تنكيراً ولا تعريفاً، ففي المسألة وجهان أخذاً من كلام الأئمة في قواعد الطلاق: أحدهما - لفظه يحمل على التنكير؛ فإن إطلاق الرجل قولَه سنة من غير تعريف محمول على سنة يضعها [ويعتبرها] (٢) من تلقاء نفسه. هذا هو الغالب في حكم الإطلاق. والوجه الثاني - يحمل على السنة العربية؛ فإنه لا تعريف في كلامه. وقد يترجح أحد القولين على الثاني بمصادفته التعريف الشرعي. وإذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً في كل يوم طلقة، وزعم أنه لم ينو تعريفاً ولا تنكيراً، فهذا محمول على اليوم المعرّف بلا خلاف؛ [فإنه] (٣) المفهوم السابق إلى الأفهام، ومبتدأُ الأيام منفصلةٌ في الصورة بتخلل الليالي. ولو قال: أنت طالق ثلاثاً في كل يوم طلقة، وزعم أنه أراد تكميل اليوم الذي كان فيه بساعات اليوم الآتي، فهو إن صدق في حكم الله تعالى محمول على حكم نيّته [تديّناً] (٤). وإن قال: فاقبلوه مني ظاهراً، فهل [يحمل] (٥) على هذا ظاهراً ويقبل قوله؛ فعلى وجهين سيأتي أصلهما، إن شاء الله : أحدهما - أنه يقبل، لظهور الاحتمال مع النية، ولا مطمع في تمهيد هذه القواعدِ بعدُ، ومقدار غرضنا الآن إظهار الفرق بين السنين والأيام، وقد لاح على أبين الوجوه، والحمد لله رب العالمين.

стр. 6869

٨٧٢٤ - وإذا قال: أجرتك هذه الدار ثلاثَ سنين، فابتداء المدّة من وقت العقد، وإذا قال: أجرتكها ثلاثة أيام، وأنشأ العقد وقت الزوال، استكملنا الأيام بالتلفيق كالسنين، ولا فرق بين السنين والأيام في ذلك، والسبب فيه ارتباط الإجارة باستغراق المدة في الموضعين، والطلاق إنما يقع في أوقاتٍ من السنين والأيام. وهذا تمام الغرض. * * *

стр. 6870

باب الطلاق قبل النكاح قال الشافعي ﵀: "ولو قال: كلُّ امرأة أتزوجها فهي طالق ... إلى آخره" (١). ٨٧٢٥ - إذا قال الرجل لأجنبية: إن نكحتك، أو إذا نكحتك، فأنت طالق. فهذا التعليق قبل النكاح لغوٌ، وإذا نكحها، لم تطلق. وإذا قال: كل امرأة أنكحها، فهي طالق، فقوله لغو. وقاعدةُ المذهب أن التعليق تصرفٌ من مالك الطلاق في الطلاق [بما] (٢) يقبله الطلاق من التعليق، فإذا لم يملك الطلاقَ، [كان] (٣) تصرفه فيه لغواً. وقال أبو حنيفة (٤): التعليق إذا أضيف إلى النكاح على [الإطلاق] (٥) أو على التعيين في مخاطبة واحدة، صح، وإذا فرض النكاح عَمِل. وقال صاحب التقريب: تردد جواب الشافعي في القديم، ونقل من كلامه [ما يدلّ] (٦) على أن قوله في القديم مثلُ مذهب أبي حنيفة، وتارة ينقل قولاً [بعيداً] (٧) وتارة ينقل تردداً، وقد يقول: الطلاق لا يعلّق قبل النكاح في المشهور من قوله، والصحيح من مذهبه. وهذا لم أره إلا في طريقته، فنقلته على وجهه، وتعرضت لصيغ كلامه،

стр. 6871

ولا عَوْدَ إليه، والمسألةُ [خلافية] (١) مشهورة. ٨٧٢٦ - وقد أجرى الأئمة فيها مسائلَ مذهبيةٍ، ونحن نذكرها ونستعين بالله تعالى. فمنها أن العبدَ يملك على زوجته طلقتين، فلو علق الطلقة الثالثة مع الطلقتين، فقال لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت طالق ثلاثاًً، ثم عَتَق، ودخلت المرأة الدار بعد العتق، ففي وقوع الطلقة الثالثة وجهان: أقيسهما - أنه لا يقع، تخريجاً على [القاعدة] (٢) التي ذكرناها معتمداً في المذهب، وذلك أنه علق الثالثة في وقت كان لا يملكها، فلزم إلغاء تعليقه. والوجه الثاني - أنه يقع؛ فإنه لما علّق، كان مالكاً للنكاح، فصدر تعليقه عن ملك مستقىً عن ملك الأصل، وشبه بعض الفقهاء هذا بالإجارة، فإنها تصدر عن مالك الرقبة، والمنافُع [مستجدةٌ شيئاً فشيئاً] (٣). وهذا تكلف، فإن الإجارة أُثبت أصلها للحاجة ثم [المنافعُ] (٤) تترتب خِلقةً ووجوداً، فجعلت كالموجود، وأما العتق (٥)، فإنه ليس مما يُقضى بوقوعه، بل هو متوقع، ولو قيل: الغالب دوام الرق، لكان سديداً. ٨٧٢٧ - ومنها أن الرجل إذا قال لأمته: كل ولدٍ تلديه، فهو حر، وكانت حائلاً فعلقت بولدٍ بعد التعليق، فإذا ولدته، فهل ينفذ العتق فيه؛ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا ينفذ؛ لأن الولد لم يكن موجوداً حالة التعليق. والثاني - أنه ينفذ العتقُ لصَدَره عن مالك الأصل، والعتق أولى بالنفوذ في هذه المسألة من الطلاق الثالث في مسألة العتق؛ لأن من ملك الأصلَ، فذلك يملّكه الولدَ، وملك العبد النكاحَ لا يملكه الطلاقَ الثالث. ثم إذا نفذنا العتق والطلاقَ في المسألتين، فلا حاجة إلى إضافة الطلاق إلى حالة

стр. 6872

الملك، بل يكفي أن يقول العبد: إذا دخلت الدار، فأنت طالق ثلاثاً، ثم يعرضُ العتق ويكفي أن يقول لأمته: إذا ولدت ولداً، فهو حر، ولا حاجة أن يقول: إذا ولدت ولداً في ملكي. ٨٧٢٨ - ومنها كلامٌ في النذر، فإذا قال الرجل: إن شفى الله [مريضي] (١) فلله عليّ إعتاقُ عبدٍ، فإذا شفي المريض، [لزم] (٢) الوفاء بالنذر وإن لم يكن في ملكه عبدٌ حالة النذر، والسبب فيه أن التعويل في هذا النذر على الالتزام المطلق في الذمة، والديون كذلك تلزم الذمم؛ فإنها لا تتعلق بالأعيان، وإذا كنا نحتمل هذا في أثمان البياعات مع بعدها عن قبول الأغرار، فلا بعد فيها في النذور القابلة للمجاهيل، وضروب الأغرار. ولو قال: إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أعتق عبداً إذا ملكته، فهذا صحيح؛ فإن النذر على هذا التقدير يُلتزم، وعلى هذا الوجه يُفرض الوفاء به. ولو قال: إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أعتق عبدَ زيدٍ هذا إن ملكتُه، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: النذر يبطل؛ فإن معتمده التصرفُ في ملك الغير قبل ملكه، فيبطل، كما بطل تعليق العتق والطلاق قبل الملك. والوجه الثاني - أنه لا يبطل؛ لأن معتمد النذر الذمة، والذمة مملوكة للملتزم، والطلاق يتمحض إيقاعاً في العين؛ فإذا لم [يملك] (٣) العين، لغا تصرّفُه فيه. ٨٧٢٩ - وإذا قال: [أوصيت] (٤) لفلان بألف درهم، وكان لا يملك إذ ذاك حبة، ثم ملك ما يفي بالوصية، فالمذهب تصحيح الوصية، كما لو نذر نذراً مطلقاً وهو لا يملك شيئاً. وأبعد بعض أصحابنا، فأبطل الوصية بأنها ليست التزاماً في الذمة، والنذر التزامٌ، فكان المنذور ديْناً.

стр. 6873

والذي عليه التعويلُ التسويةُ بين البابين؛ فإن الوصية تقبل من الإطلاق ما يقبله النذر، فمطلَقُها وإن لم يكن دينا كمطلَق النذر [إن] (١) كان ديناً. وإذا استويا في قبول الإطلاق والمطلق لا يرتبط بالعين، فلا فرق في الغرض المقصود. وإذا قال: لو ملكت عبد فلان، فقد أوصيت لك به، ففي الوصية وجهان: أحدهما - أنها لا تصح، لوقوعها في عينٍ غير مملوكة، فكانت كتعليق العَتاق والطلاق قبل الملك. والثاني - تصح، لأن الوصية مبناها على الغرر والخطر، ونفوذها في وقت زوال ملك [الموصي] (٢)، وكان شيخي يقول: إذا صححنا الوصية مضافة إلى العين، وصححنا النذر مضافاً إلى العين، فشرطهما أن يقيّدا بتقدير الملك، فيقول الناذر: إن ملكت هذا العبدَ، ويقول الموصي إن ملكتُ هذا العبدَ، فلو وجه الناذر على عبد الغير مطلقاًً فقال: لله عليّ أن أعتق هذا العبد، ووجه الوصية كذلك على ملك [الغير] (٣) فالنذر والوصية باطلان. والظاهر عندنا ما ذكره. وإذا سلم الخائضُ في المسألة الوصيةَ والنذرَ المتعلقين بالعين، ورتب عليه اشتراطَ الإضافة إلى الملك عسُر عليه الكلام في المسألة. ٨٧٣٠ - وإذا قال: إن تزوجتُ فلانة، فقد وكلتك في طلاقها، فالوجه القطع ببطلان الوكالة؛ فإنه تصرفٌ في الطلاق قبل الملك، وقد اختُلف في أن الوكالة هل تقبل التعليق، والطلاقُ قابلٌ للتعليق، فإذا لم يجز تعليق ما يقبل التعليق قبل النكاح، فكيف تصح الوكالة؟ ولو قال: وكلتك في بيع عبد فلان أو عتقه إذا ملكتُه، وفي طلاق فلانة إذا نكحتُها، ثم ملك، ونكح، ففيما نُقل عن القاضي وجهان في هذا.

стр. 6874

[والوجه] (١) عندي القطع بالفساد؛ فإن الوكالة لا يصح تنجيزها، والتصرف غير ممكن، فلا فرق في المعنى بين هذه الصورة [والصورة] (٢) الأولى. ...

стр. 6875

باب مخاطبة المرأة بما يلزمها من الخلع وما لا يلزمها قال الشافعي ﵁: "ولو قالت له امرأته: إن طلقتني ثلاثاًً، فلك عليّ مائةُ درهم، فهو كقول القائل: بعني ثوبك هذا بمائة درهم ... إلى آخره" (١). ٨٧٣١ - هذا الباب غمرة الخلع، وفيه خاصيته ومعظمُ مسائلِه، وسبيلنا أن نصدّره بذكر قاعدة الخلع وطباعها ومبناها في الاشتراك والتمحض؛ حتى نتخذَها أصلاً متبوعاً، ومتعلَّقاً مرجوعاً، وسنبين ما يجري من المسائل على السَّنَن، وما يميل بعض الميل من الشواذ. قال الأئمة: الخلع إن حكمنا بكونه فسخاً، فهو محمول على حقيقة المعاوضة من الجانبين؛ فإنه فسخٌ بمالٍ، وليس كالفسوخ التي تَرِدُ على العقود الأُخر إذا (٢) حكمنا [بارتداد] (٣) الأعواض من غير ذكرٍ لها، والخلع إذا جعلناه فسخاً لا يَرِد على العوض المسمى في العقد، وإنما يرد على بدلٍ جديد، كما سبق تقريره، وإذا كان فسخاً في نفسه، [حلّ] (٤) محل حقيقة المعاوضة حتى لا يقبَل التعليقَ. وهذا الباب العظيمُ القدر ليس موضوعاً لقول الفسخ، فإن المسائل تتشعب من الطلاق على المال. ٨٧٣٢ - ونقول قبل الخوض في تمهيد القاعدة: في لفظ (السواد) (٥) إشكال، فإن الشافعي قال: "إذا قالت: إن طلقتني ثلاثاًً، فلك مائة درهم، فهو كقول الرجل

стр. 6876

بعْني ثوبك هذا بمائة درهم". وهذا التشبيه فيه اشتباه؛ فإن قول الرجل: "بعني" ليس على صيغة التعليق، وإنما هو التماس إيجاب، وقول المرأة: "إن طلقتني" تعليق منها، فكيف يتشابهان؟ ولو قال الرجل: "إن بعت مني" فهذا اللفظ فاسدٌ، لا ينعقد به البيع. فنقول: غرض الشافعي تشبيهُ أحد البابين بالثاني في وقوعهما التماساً بعوض، ثم يقع الالتماس في كل باب على ما يليق به، فالبيع لا يقبل التعليق، فلم يَلِقْ به [إلا] (١) الاستدعاءُ الجازم، والخلع يتطرق إليه التعليقُ، فيقبل الاستدعاءَ بصيغة التعليق؛ فإذاً قصدُه المقابلة بينهما في المعنى لا في الصيغة. ٨٧٣٣ - ونحن نبتدىء بعد ذلك قاعدةً تبين حقيقة الخلع ووضعَه من جانب الزوج وجانب المرأة، والكلامُ في الطلاق على المال، أو التفريع على أن الخلع طلاق. [فالخلع] (٢) إذاً طلاق مقابَل بعوض، وهو في جانب الرجل ينتمي إلى التعليق والمعاوضة، والخلع في جانبها معاوضة نازعةٌ إلى الجعالة، ثم من حيث اشتمل الخلع في [جانب] (٣) الرجل على الطلاق [واستيداء] (٤) البدل والمال، تطرق إليه حكم التعليق في الطلاق، ومعنى تطرقه إليه أنه قد يجري في مسائل الخلع موجب تعليق الطلاق، ومن آثاره على الإجمال، ألا يفرض الرجوع [عنه] (٥)؛ فإن من علق الطلاق، ثم رام الرجوع عن تعليقه، لم يجد إلى ذلك سبيلاً. وقد يتفرع في جانب الزوج حكم المعاوضة، حتى يثبت له الرجوع عن قوله، كما إذا قال الرجل لمن يخاطبه: بعتك عبدي هذا بألفِ درهم، ثم رجع عن قوله قبل أن يجيبه المخاطَب، فالرجوع يثبت، ولا ينعقد العقد بما يفرض من القبول بعد تقرير الرجوع عن الإيجاب. ْفهذا معنى قولنا: الخلع في جانبه يعتزي إلى التعليق وإلى المعاوضة، وليس من

стр. 6877

حق المنتهي إلى هذا الفصل أن يعتقد تبيّن المقصود منه جزءاً جزءاً على طباع سائر الفصول، بل ينبغي أن يعلم أن تمام البيان فيه موقوف على نجازه، وسبيلُ التدريج إليه إطلاق [الأصول] (١) على الإجمال، ثم بيانها موقوف على انقضاء الفصل. ٨٧٣٤ - وذكر الأئمة أن الخلع في جانبها معاوضة، وزاد المحققون أنها معاوضة نازعةٌ إلى الجعالة، ثم قد يجري لها لفظ التعليق في استدعاء الطلاق، بأن تقول: إن طلقتني، فلك ألف، فإن ظن المبتدىء الفطن أن هذا يناقض ما قدمناه من اختصاص التعليق بجانب الرجل، قلنا له: لسنا ننكر جريان صيغة التعليق في جانبها؛ فإن صيغة التعليق تجري في الجعالات؛ إذ يقول القائل: إن رددت عبدي الآبق، فلك كذا كذا، وهذا سائغ. والغرض من الفصل بين الجانبين أن جانب الزوج يشتمل على تعليق الطلاق، وقد يجري على صيغة لا يُفرض الرجوع عنها، وليس في جانبها تعليقٌ [لا يفرض] (٢) الرجوع [عنه] (٣)؛ فإنها إذا قالت: إن طلقتني، فلك ألفٌ، ثم قالت: رجعت عما قلت، [فإذا] (٤) طلقها، لم يلزمها شيء، ويقع الكلام في أن الطلاق هل يقع أم لا؟ [و] (٥) نفصله في المسائل، إن شاء الله تعالى. ولو قال الرجل: إن أعطيتِني ألفاًً، فأنت طالق، ثم قال على الاتصال قبل أن تعطيه: رجعتُ عما قلت، لم يكن لرجوعه حكمٌ، فالنفي والإثبات في التعليق راجع إلى ما ذكرناه من قبلُ: إنّ في جانب الزوج الطلاقَ، يعلّقُه على وجه لا يملك الرجوع عنه، وليس في جانبها الطلاقُ، وإنما في جانبها سؤال الطلاق، فالتطليق بالمال يكون في معنى التعليق، وسؤال الطلاق في معنى الجعالة. فلا يمتنع جريان صيغة التعليق من الجانبين؛ فإن صيغة التعليق تجري في الجعالة

стр. 6878

والطلاق، وأما الرجوع، فقد يمتنع من جانب الزوج؛ لأنه [تعليق للطلاق] (١) إن عَلّقَ، وتعليق الطلاق لا يقبل الرجوع. [والتعليق] (٢) في جانبها يقبل الرجوع؛ فإنها تسأل الطلاقَ بمالٍ، وسؤال الطلاق يقبل الرجوع. ٨٧٣٥ - ثم جَمَع الحذاق مسائل متفنّنةً، يثبت في بعضها حكمُ المعاوضة في جانب الزوج، ويثبت في بعضها حكمُ التعليق المحض، ويجتمع في بعضها حكم التعليق والمعاوضة، [و] (٣) إذا أطلقنا التعليق في أثناء الكلام بعد هذا، عنينا تعليقَ الطلاق الذي لا يقبل الرجوع، فنأتي بالمسائل، ثم نذكر بعدها وجهَ التحقيق، ثم نذكر تحقيق الكلام في جانبها، ونخوض بعد الانتجاز في مسائل الباب فنبدأ بجانبه فنقول: المعاوضة تُغلَّب في الحكم؛ فإن الرجل إذا قال لامرأته: طلقتك على ألف. أو قال: أنت طالق على ألف، فلو أراد الرجوع وصيغة لفظه على ما ذكرناه، صح رجوعه، فلو قبلت بعد ذلك، فلا حكم لقبولها، والنكاح قائم، وما تقدم من لفظ الطلاق ينتقض [برجوعه] (٤) وهذا من أحكام المعاوضة، فالخلع إذاً في جانبه فيما ذكرناه ينزل منزلة البيع؛ فإن من قال: بعت عبدي بألفٍ، ثم رجع قَبْل القبول، انقطع الإيجاب بالرجوع. ومما يثبت في أحكام المعاوضة أنه يختص القبول بالمجلس كما في البيع. ومنها أنه إذا قال: طلقتك ثلاثاً على ألف، فقالت: قبلت طلقة بثلث ألف، فلا يصح ذلك، ولا يقع شيء، كما لو قال: بعتك هذا العبد بألف فقال المخاطب: قبلت البيع في ثُلثه بثلث ألف، فلا يصح البيع؛ لاختلاف الإيجاب والقبول. فهذه مرامز توضّح أنه قد يثبت حكم المعاوضة في جانبه.

стр. 6879

٨٧٣٥/م- وقد يغلب التعليقُ في مثل قوله: متى ما أعطيتني ألفاًً، فأنت طالق، أو متى شئت، فأنت طالق. أو متى ما ضمِنتِ ألفاًً، فأنت طالق. فأحكام التعليق تتمحّض في هذه [الصور] (١)؛ فإن الزوج لو أراد رجوعاً وألفاظه ما ذكرناه، لم يمكنه، وهذه من مقتضيات التعليق في التطليق، ولا تختص أحكام هذه المسائل بالمجلس، فلو أعطت، وضمنت، أو شاءت بعد انفصال المجلس، حكمنا بوقوع الطلاق، كما لو قال: متى ما دخلت الدار، فأنت طالق، فلا رجوع، ولا اختصاص بزمانٍ، ولا حاجة إلى قبولٍ من جهتهما. وهذا من موجبات التعليق. ٨٧٣٦ - وقد تجري مسائلُ [يجتمع] (٢) فيها حكم التعليق والمعاوضةِ جميعاً: فإذا قال: إن أعطيتني ألفاًً، فأنت طالق، أو إن ضمنتِ ألفاًً، فأنت طالق، وإن شئت، فأنت طالق على ألف، فيثبت في هذه الألفاظ حكم التعليق وحكم المعاوضة، أما حكم التعليق، فلا يملك الزوج الرجوعَ على قياس تعليقه الطلاق، ولا حاجة إلى قبولها لفظاً على حسب قبولها المخالعة المطلقة المعقودة على [نحو] (٣) صيغة التعليق. فإن كان التعليق بالإعطاء، فهو فعلٌ، فإن أتت به، وقع الطلاق. وإن كان معلّقاً بالضمان أو المشيئة، فلا بد من اللفظ، وضمانها ومشيئتها تحقيق لصفة التعليق، وليس في معنى قبول المخالعة المطلقة التي ينزل القبول في مثلها منزلة القبول في البيع. وممّا يَثبتُ مضاهياً لأحكام المعاوضات في هذه المسائل الأخيرة أنا نشترط أن يتحقق متعلّق الطلاق على الفور في زمان اتصال القبول بالإيجاب، فإذا قال: إن أعطيتِني، فليقع الإعطاء على الفور، ولو قال: إن دخلت الدار، فأنت طالق، فلا فور. فهذه تنبيهات، والتحقيق بين أيدينا. ٨٧٣٧ - ومما رأيت إثباته هاهنا سؤالٌ وحكاية جوابٍ، وهذا قضّيتُ العجبَ

стр. 6880

منه، ولست [أثبته] (١) لأنقص به أحداً، فإنما غرضي منه التنبيهُ على الوجه الفاسد، حتى إذا أعقبتُه الوجهَ الحق، استفاد الناظر مُدركَ الحق؛ فالتزمه، ومسلكَ الباطل فاجتنبه. قال من لا أعدل به أحداً من بني الزمان (٢): سألت القاضي -وهو على التحقيق حَبْر المذهب - لِم غلّبنا في بعض هذه المسائل حكمَ المعاوضة؟ وغلّبنا في بعضها حكمَ التعليق؟ وأثبتنا الأحكام على الاشتراك في بعضها؟ وحكى في جوابه: أنه قال: "لما اشتمل الخلعُ من جانبه على التعليق والمعاوضة، وفَّرنا على الأصلين حُكْمَيْهما". فعاد السائل مُباحثاً، وقال: لم أثبتنا حكم المعاوضة حيث أثبتنا، ولم أثبتنا حكمَ التعليق حيث أثبتنا، وحكى من جوابه: "أنه لما ثبت الشبهان، ولم يترجح أحدهما على الثاني، فلا معاب في إثبات الحُكْمين". ثم عاد السائل قائلاً: هلا عكسنا، فأثبتنا حكمَ التعليق حيث أثبتنا حكم المعاوضة، وأثبتنا حكم المعاوضة حيث أثبتنا حكم التعليق، وحكى من جوابه: "إنا لو فعلنا ذلك، لتوجه السؤال كما توجه الآن، وتسلسل الكلام". ولا أدري علام نعمل هذه المفاوضة وما فيها من السؤال والجواب، وهي مبنية على أن ما أثبتنا من أحكام المعاوضة وأحكام التعليق في المواضع التي [ذكرناها] (٣) [إنما تحكّمنا بها وبتعيين] (٤) محالها؟ وسببُ جمعنا لها اشتمال الخلع على التعليق والعوض، ثم انبنى الجواب الأخير على هذا العقد؛ إذ قال: لو [قلبنا] (٥) الأمر، لكان السؤال على هذا النسق، وكيف يسوغ أن يعتقد الجواب التحكُّم في دين الله من غير ثبتٍ ودليلٍ يقتضي تخصيصَ كل حكم بمحله؟ ولست أحمل ذلك إلا على الوهن

стр. 6881

وزيادات الكلام التي لا يحتفل بها، ولا تعد من الأصول، وقد لا يخلو عنها كلام المحققين. ٨٧٣٨ - ونحن نقول والله المستعان، وعليه التكلان: الخلع في جانب الرجل طلاقٌ على مال، أثبته على الصيغة المتهيئة للمعاوضات المحضة، يثبت فيها أحكام المعاوضة من جواز الرجوع، والاختصاص بالمجلس، وامتناع وقوع الجواب مخالفاً للإيجاب، وذلك إذا قال: خالعتك أو طلقتك على مالٍ يذكره ويسميه، فإذا وقع اللفظ كذلك - والمعاوضة المحضة ليس فيها صيغة التعليق- غلب حكم المعاوضة. وإن قال: متى ما أعطيتِني ألفاًً، فأنت طالق، فقد جاء بصيغة التعليق، وبعُد [الفرضُ] (١) من المعاوضة المحضة، فتثبت أحكام التعليق، التي منها: امتناع الرجوع، وعدم اشتراط القبول، وعدم التخصص بالمجلس، وقُرب الزمان، [و] (٢) المتبع في ذلك صيغة اللفظ، فما كان تعليقاً امتنع الرجوع، ولأجله لم يفتقر إلى القبول، ولم يختص بزمان؛ لأن قوله "متى ما" يتضمن التصريحَ بهذا الزمان، فقد جرت هذه الأحكام على موجَب صيغة اللفظ. وإذا قال: "إن أعطيتني"، فهذا تعليق؛ فامتنع الرجوع عنه، ولكن قول القائل: إن أعطيتِني ليس صريحاً في هذا الوقت، ولا ينكر صلاحيته للزمان المتراخي والزمان المتصل، فلما تقابل الاحتمالان، وفي اللفظ ذكر العوض، والمعاوضةُ تقتضي الفور، غلّبنا أحدَ الاحتمالين لذلك، فجرى هذا مأخوذاً من اللفظ ومعنى المعاوضة، ولكن كان اللفظ صريحاً في التعليق، فامتنع الرجوع وتردد في الزمان [متردِّدٌ مردِّداً] (٣) أحد الاحتمالين بموجب المعاوضة. هذا مبنى الاشتراك، وإذا استندت هذه الأحكام إلى موجَبات الألفاظ، فأي حاجة إلى هذا التردد الغث الذي حكيناه في الجواب؟

стр. 6882

٨٧٣٩ - فإن قيل: لم جوزتم ترديد هذه العبارات، ثم رتبتم على الألفاظ مقتضياتها؟ قلنا: فيما مهدناه جوابُ هذا؛ فإن الخلع لما كان طلاقاً بمال، فإلى الزوج أن يوقعه على صيغة المعاوضة، وله أن يوقعَه على صيغة التعليق، وسببُ جواز إيقاعه على صيغة المعاوضة ما فيه من العوض، فإذا سوّغ الشرع مقابلةَ الطلاق بالمال، كان كتسويغه مقابلةَ عبدٍ بمال، فهذا هو الذي جوز إيقاعه معاوضةً، فإن غمض على الإنسان [جوازُ] (١) مقابلة الطلاق بالمال، فهذا خروج عن مقصود الكتاب [وتشوّفٌ] (٢) إلى قاعدة كلية إن أحببنا، اقتصرنا فيها على التعبد، وإن أحببنا، ذكرنا الكلمة الكليّة، وهي [حصولها] (٣) إذا أرادت الافتداء على ما يُشعر به قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وسبب جواز إيقاعه على صيغة التعليق أن الطلاق يقبل التعليق، فلا امتناع في تعليقه بمالٍ، وهذا هيّنٌ [و] (٤) الألفاظُ المشتركة منزّلة على جواز التمحض في الوجهين. فإن قيل: هلا قلتم: الطلاق لا سبيل إلى الرجوع عنه كيف فرض؟ قلنا: إلى مالك الطلاق التصرف فيه، فإن نجّزه، انتجز، وإن جرد تعليقه، فحكمه امتناع الرجوع، وإن أدرجه في صيغة معاوضة، فكأنه يعلّقه إن لم يرجع، وهذا بمثابة [إفضاء] (٥) الكتابة الفاسدة إلى العتق على قاعدة التعليق، ثم الرجوع فيها ممكن؛ لأنها أُثبتت على صيغة يتطرق إليها جوازُ الفسخ، ومالكُ العتق لم يجزم تعليقه، وهذا الفن ليس هو بالعسر. وكل ما ذكرناه في بيان تردد الخلع من جانب الرجل. ٨٧٤٠ - فأما ما ذكرناه من كون الخلع في جانبها معاوضةً نازعةً إلى الجعالة، فإنا نبيّن هذا بالمسائل، فنقول: إذا قالت: "إن طلقتني، فلك ألف" إنما يحتمل

стр. 6883

صيغة التعليق منها على قاعدة الجعالة، تنزيلاً لقولها منزلة قول القائل إن رددت عليّ عبدي الآبق، فلك كذا. وإن قالت: طلقني ثلاثاًً على ألف، فطلقها واحدة، استحق [ثلث الألف] (١). ونفرّق في هذا [بين] (٢) جانب الرجل والمرأة؛ فإن الرجل إذا قال لها: أنت طالق ثلاثاًً بألف، فقالت: قبلت طلقة [بثلث] (٣) ألف، لم يقع شيء. وإذا قالت: طلقني ثلاثاً بألف، فطلقها واحدة، استحق [ثلث الألف] (٤)، والفارق أن قوله: أنت طالق ثلاثاًً بألف على صيغة المعاوضة، وهذا يستدعي في جانبها قبولاً على نعت الموافقة، فإذا لم يكن قبولها موافقاً لإيجاب الزوج، كان باطلاً، فكأن لا قبول. فهذا خارج على الأصل المقدّم. وإذا قالت: طلقني ثلاثاًً على ألف، فطلقها واحدة، فثبوت قسطٍ من العوض يخرّج على قاعدة الجعالة؛ فإن من قال: رُدَّ عبيدي الأوابق ولك كذا، فإذا ردّ واحداً منهم، استحق بحصته. ٨٧٤١ - وإذا قالت امرأتان لزوجهما: طلقنا بألف، فطلق إحداهما، استحق مقداراً من العوض، وفيما يستحقه قولان سبق أصلهما، وسيأتي تفصيلهما في المسائل، إن شاء الله تعالى، وهذا أيضاًًً خارج على قاعدة الجعالة. ثم المرأةُ في جميع الصور تملك الرجوعَ عن قولها قبل صدور الجواب عن الزوج، سواء ذكرت صيغةَ التعليق، فقالت: إن طلقتني، أو ذكرت صيغة الاستدعاء، فقالت: طلقني بألف، وذلك بأنها [إن] (٥) استدعت أو علقت، فليس في جانبها إلا بذل العوض، غير أنا نحتمل ما يسوغ في الجعالات من جهة أنها تلتمس

стр. 6884

من زوجها أمراً قابلاً للتعليق [بالأغرار] (١) والأخطار، فاحتمل منها التعليق. وهذا كما ذكرناه في الجعالة، فنا احتملنا فيها صيغة التعليق لاتّصاف المطلوب بالغرر؛ من جهة الجهالة. وهذا تأسيس الكلام في بيان الخلع من جانبها. ٨٧٤٢ - ومما يتصل بهذا أنها لو قالت: متى ما طلقتني فلك ألف، فظاهر لفظها يقتضي التصريح بالزمان الممتد، وقد أوضحنا في جانب الرجل أنه إذا قال: متى أعطيتني ألفاًَ فأنت طالق، فالإعطاء لا يتخصص بالزمان القريب، فلو أعطت على الاتصال أو بعد طول الزمان، وقع الطلاق. وإذا قالت المرأة: متى طلقتني، فلك عليّ ألف، فإن طلقها على الاتصال، استحق العوض، وإن أخر، ثم طلق، لم يستحق العوضَ. وهذا موضع وقوفِ وتأمل من وجوهٍ فنكشف المباحثة عنها: أحدها - أنا جعلنا الخلع في جانبها في معنى الجعالة، والجعالة تقبل ربطَ المقصود بزمان متراخٍ، فإن الرجل إذا قال: إن رددت عليّ عبدي الآبق، فلك دينار، فمهما رد ذلك الإنسان عبدَه، استحق الجُعل المسمى، فلو كان استدعاؤها الطلاق بمثابة الجعالة، وقد صرحت بالتأخير ومدّ الزمان، وأتت بلفظة تُشعر به، لوجب أن يقال: مهما طلق، استحق العوض اعتباراً بالجعالة؟ قلنا: [هذا] (٢) سؤال واقع؛ فإن التأخير تطرّق إلى الخلع من جانبها، إذ [قالت:] (٣) متى أعطيتني، فكان لا يبعد أن يتطرق التأخير إلى جانبه، إذا كانت هي المستدعية؛ فإن استدعاءها يدور بين طِباع الجعالة والطلاق، وكلاهما قابلان للتأخير؟ وسبيل الجواب عن هذا أن نقول: أما الجعالة، فإنما سوغها الحاجة الماسة إليها، ولا يتأتى فيها تحصيل المقصود على التعجيل، فإنها تُفرض في الأمور

стр. 6885

المجهولة العسيرة كرد الإباق وغيره، فاستحال اشتراط تعجيل المقصود فيها، وإذا استدعت المرأة الطلاق، فتعجيله ممكن، ولو فرض تأخير الطلاق في زمانٍ منفصل، [لخرج] (١) عن أن يكون متعلقاً باستدعائها؛ فإن الزوج مالكٌ للطلاق مستقلٌ بإيقاعه، والعرف غالب باستقلاله فيه، فهو حري بأن يقع صادراً عن ملك الزوج، ولا يقع عن غير هذه الجهة إلا بارتباطٍ ظاهر، ومن ضرورة فرض الارتباط اتصالُ تعليقه باستدعائها، فإذا انقطع، كان في وقوعه عن جهة الاستقلال كالصريح في نفوذه في بابه، ثم الصريح لا ينصرف عن بابه [بالقصد] (٢)، فهذا هو الذي أوجب اتصالَ الطلاق باستدعائها، ليقع مرتبطاً بالمال، والجعالة في هذا الحكم بائنةٌ بعيدةٌ عن الطلاق، وإذا [شبهنا] (٣) أصلاً بأصل [لم يُستنكر] (٤) افتراقُهما. فهذا نوع من البحث. ٨٧٤٣ - فإن قيل: هلا قلتم: الخلعُ [يفسُد] (٥) إذا استدعت الطلاقَ بلفظةٍ مصرِّحة بامتداد الزمان؛ فإن ما ذكرتموه يقتضي أن امتداد الزمان وانفصالَ الطلاق عن استدعائها يُبطل مقصودَ الخلع، وإذا عقد العقد بلفظٍ لا يطابق مقصودَه، وجب الحكمُ بفساده. قلنا: قولها متى طلقتَني فلك ألف، كما (٦) ثبت أول الزمان المتصل، فقد أفاد لفظُها التعرضَ للزمان المطلوب، وتضمّن مَهَلاً بعده هو يفسح على الزوج، فاستقل العقد بالوقت المتصل، وبطل ما فيه من مَهَلٍ، وكأنها ذكرت الوقت المطلوب وزادت. فإن قيل: الزيادة فاسدة، فأفسدوا الخلع بها، وقولوا: إذا أجاب الزوج على

стр. 6886

الاتصال، وقعت البينونة، وفسد العوض لفساد لفظ العقد، ثم لا يخفى حكم فساد العوض. قلنا: ما ألزمت المرأة الزوجَ شيئاً حتى يكون ذلك في حكم الشرط، ولم يتحقق منها التزامٌ أيضاًًً، واللفظة التي ذكرتها صالحة للوقت، وما قدّرناه من اقتضاء التعجيل قرينة في تقييد اللفظ، فصح العقد. وهذا هو المنتهى البالغ. وسيأتي تمام شرحه إذا انتهينا إلى هذا الفصل -إن شاء الله تعالى- فإن ما ذكرناه من المسائل بين أيدينا، وإنما ذكرنا تراجمها للتنبيه على القاعدة، فإذا تقررت القاعدة بها، فسنقررها مفصّلة بالقاعدة إذا انتهينا إليها، إن شاء الله تعالى. ٨٧٤٤ - وكل ما ذكرناه في الطلاق على المال متحقق في [العتق] (١) على المال، فالعتق من جانب المولى تعليق ومعاوضة، وهو من جانب المستدعي معاملةٌ نازعة إلى الجعالة، ولسنا نعني بما ذكرناه الكتابة، وإنما نعني قولَ المولى: أعتقتك على كذا، واستدعاءُ العتق من العبد. فأما الكتابة، فلها طِباع آخرُ، على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، ولا يمكن أن نحكم عليها بمضاهاة الخلع؛ فإن فاسدها جائز، وفاسد الخلع نافذ إذا لم يجر ما يردّ الطلاق، فيرد المال، وفي الكتابة دون تنجيز العتق مقاصدُ، وهي معاملةٌ برأسها، فالذي يشبَّه بالخلع العتقُ على المال. وقد نجز القول في تمهيد القاعدة التي هي مرجوعُ الباب [وقطبُه] (٢). ونحن نخوض بعد ذلك في مسائل الباب -إن شاء الله تعالى- على الترتيب. ٨٧٤٥ - فأول ما ذكره الشافعي التعرض للصلات التي يستعملها الزوج المطلِّق على المال، ثم تتصل به الصلات التي تستعملها المرأة في استدعاء الطلاق. إذا قالت المرأة: طلقني بألف أو على ألف. فقال الزوج: "طلقتك"، أو "أنت طالق"، على الاتصال المرعي، فالطلاق يقع، ويثبت العوض المسمى على

стр. 6887

الصحة، ولا حاجة إلى أن يذكر الزوج المال ويعيدَه، بل يكفي اتصال طلاقه بالتماسها. وإذا قال الرجل: بعتك عبدي هذا بألفٍ، فقال المخاطب: قبلت، أو اشتريت، كفى ذلك، وانعقد البيع، وإن لم يتفق إعادةُ العوض. ويتصل بهذا الطرف أن الزوج لو قال: طلقتها ابتداءً، ولم أقصد جوابَها، وقد يستفيد بذلك الرجعةَ، ونفيَ البينونة، فالوجه تصديقُه؛ فإنه مستقل بالتطليق، وقوله مستقل بالإفادة، وليس كما لو قال القائل للرجل: أطلقتَ امرأتَك؟ فقال: نعم؛ فإنا نجعل ذلك على ظاهر المذهب إقراراً بالطلاق؛ لأن قوله نعم ليس بمفيدٍ على استقلاله، وإنما يفيد بتقدير بنائه على السؤال، وإذا قال: بعتُ منك عبدي هذا بألفٍ، فقال: اشتريت، ثم زعم أنه لم يقصد جواب المخاطَب، فهذا فيه احتمال؛ من قِبل أن قوله ليس [بمستقلٍّ] (١) في الإفادة، وليس كقول الزوج طلقتك؛ فإنه [مستقلٌّ] (٢) دون تقدم ستدعائِها. ولو قالت المرأة: لم تقصد إجابتي، لم يُقبل قولها؛ فإنا لا نشترط قصدَه في الإجابة، بل نشترط ألا يقصد الابتداء، ولا يمتنع أن يقال: لا بد من قصده، حتى لو فرض وقوعُ قوله وفاقاً -من غير ربطٍ بما سبق منها - يقع الطلاق رجعياً؛ فإن التواصل بين الكلام المستقل والاستدعاء إنما يحصل بقصد التواصل. فتحصّل مما ذكرناه أنه إذا وصل الطلاقَ باستدعائها، وزعم أنه قصد إسعافها وبناءَ الجواب على التماسها، صح، وانتظم الخلع. وإن قال: قصدتُ ابتداءَ التطليق، صُدّق؛ فإن اتّهم حُلّف؛ لأنه [يبغي] (٣) نفيَ البينونة، وإن اتفق إطلاقُ اللفظِ من غير قصدٍ في الربط -وفي تصويره عُسْر - فالظاهر أنه محمول على الابتداء، وسيأتي في ذلك نظائرُ في مسائل الطلاق، إن شاء الله.

стр. 6888

٨٧٤٦ - ولو قالت: طلقني، ولك ألف، فطلقها، ثبت العوض. هذا ظاهر ذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة (١): لا يثبت العوض بهذه الصيغة؛ فإن قولها: [ولك ألف] (٢) إخبارٌ، وليس التزاماً بخلاف قولها: طلقني بألفٍ، أو على ألف، المسألة مشهورة معه. وكذلك إذا قالت: طلقني ولك عليّ ألف، فمذهبنا ما ذكرناه. وذكر القاضي في أثناء المسائل وجهاً خرجه من تلقاء نفسه أن هذا لا يكون التزاماً لمال، ثم نظم وجهين: أحدهما - أن المال يثبت، لأن العرف جارٍ باستعمال هذا للفظ على إرادة التزام المال، فقرائنُ المال شاهدةٌ، والغرض من قيود الألفاظ قرائنها الإفهام بها. وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] وهذا جرى ي تسمية أجرةٍ أو جعالة في القصة المشهورة. والوجه الثاني - أن المال لا يثبت بهذه الصلة؛ لأنها ابتداءٌ وليست بناءً على لفظٍ صرِّح به في اقتضاء الإلزام والالتزام، ثم اللفظ الواقعُ ابتداءً صريحٌ في [العلّة] (٣) هذا الذي ذكره وإن [أمكن] (٤) توجيهه، فهو مخالف للنص وما عليه الأصحاب، ثم لظن به أنه لا يطرده فيه إذا قالت: طلقني، ولك عليّ ألف، والعلم عند الله تعالى. هذا قولنا في الألفاظ التي تصدر من المرأة المستدعية للطلاق. ٨٧٤٧ - فأما الرجل إذا ابتدأ وقال: طلقتك بألف، أو قال: طلقتك على ألف، قوله يستدعي المال، فإن قبلته، قُضي بثبوت البينونة، وإن لم تُجب، ولم تلتزم لمال [لم] (٥) يقع الطلاق. ولو قال الرجل ابتداءً: طلقتك، أو أنت طالق، ولي عليك ألف، فهذه المسألة

стр. 6889

ذكرتُها في أثناء الباب، وأنا أرى ذِكْرَها في هذا المقام، حتى ينتظم الكلام في الصّلات التي تصدر منها ومنه جميعاًً. قال الشافعي: "إذا قال الزوج: طلقتك ولي عليك ألف، وقع الطلاق رجعياً، وكان كما لو قال: طلقتك وعليك حج". وتعليل ما ذكره بعد العلم بأنه متفق عليه بين الأصحاب - أن قوله: "طلقتك" [مستقلٌّ] (١) في إيقاع الفراق، فلا يتعلق بشرط وعوضٍ إلا بصلة تُشعر بربط الطلاق إشعاراً صريحاً، وإذا قال: "طلقتك ولي عليك ألف" [فهو] (٢) صريح في الإخبار، ولا يمتنع أن يقال: طلَّق، ونجّز، وأخبر (٣). فإن قيل: إذا قالت: طلِّقني ولك ألف، فلا يمتنع أيضاًًً حملُ قولها على الإخبار، قلنا: نعم هو كذلك، ولهذا اتجه تخريج القاضي، كما قدمنا ذكرّه، وإن أردنا فرضاً، لم نعدمه؛ فإن استدعاء الطلاق ليس كلاماً نافذاً، وإذا اقترن بذكر المال، أفاد المجموعُ استدعاء الطلاق بالمال، وإذا قال الرجل: طلقتك، فهذا ْمستقل في تقيّد (٤) الطلاق على الإطلاق، فلا يرتبط إلا بلفظ صريح. ويتجه أن يقال: قول المرأة: "طلقني" وإن [كان لا يلزمُ به طلاقٌ] (٥)، فهو صريح في استدعاء الطلاق، فلا يتعلق إلا بصلة متصلة تقع صريحاً في اقتضاء الربط. ٨٧٤٨ - ومما يتصل بهذا أن الزوج لو قال بعد صدور الصلة التي وصفناها: أردت بقولي: "وعليكِ ألف" اشتراطَ الألف، وكان مرادي بقولي وعليكِ ألف ما يريده القائل بقوله: "أنت طالق بألف"، فهذا لا يقبل منه في ظاهر الأمر، هكذا قال شيخي وأئمة المذهب.

стр. 6890

ووجدت لأصحابنا تردداً فيه إذا توافقا على أنه أراد ذلك، فمنهم من قال: لا أثر للتوافق، والطلاق [رجعي] (١) بعد قوله: "طلقتك"، وقوله بعد ذلك: "ولي عليك ألف" صلةٌ لا تصلح للتعليق والربط، فهو كما لو قال: "طلقتك فاستعيني" (٢) ثم زعم أنه أراد بذلك أمراً يخالف الحكم بوقوع الطلاق، [فلا] (٣) أثر لقوله، والطلاقُ نافذ. ومن أصحابنا [من قال:] (٤) إذا توافقا، كان الطلاق واقعاً بالمال؛ فإن قول القائل " وعليك ألف " لا ينحطّ عن الكنايات في اقتضاء العوض، وللقائل الأول أن يقول: لو كان كذلك، لصُدِّق الرجل وحده، لأنه قال محتمَلاً، ويجوز أن يجاب عنه بأن هذه الكناية يعارضها التصريح بالطلاق [المستقل] (٥) والأصل تنفيذه على [الاستقلال] (٦). ويتفرّع على ما ذكرناه أن الرجل لو ادّعى أنه عنى بالصلة التي ذكرها المالَ وإلزامَه، فأنكرت المرأة ذلك، فإن قلنا: لو تصادقا عليه، تعلق الطلاق بالمال، فالقول الآن قول الزوجة؛ فإن الأصل والظاهر معها، وللزوج أن يحلّفها على [نفي] (٧) العلم: لا تدري أن الزوج أراد ربطَ الطلاق بالمال. وإن قلنا: لو تصادقا، [لم] (٨) يتعلق الطلاق بالمال، فلا حكم للاختلاف، [والحكم أن الطلاق لا يتصور تعلُّقُه وارتباطه مع هذه الصّلة. وهذا إنما ذكرناه فيه إذا قال الزوج: أنت طالق وعليك ألف. ٨٧٤٩ - فأما إذا قال: أنت طالق على أن لي عليك ألفاًً، قال صاحب التلخيص:

стр. 6891

" هذا شرط والصيغة مشعرةٌ به " ونقول له؛ ماذا أردت بهذا؟] (١) فإن زعم أنه أراد بذلك اشتراط ضمان الألف عليها حتى كأنه قال: أنت طالق إن ضمنت لي ألفاًً، وتفصيل ذلك يأتي على الاستقصاء من بعدُ، إن شاء الله تعالى. قال صاحب التقريب: إذا فسر هذا اللفظَ بهذا، قُبل منه؛ فإنه زاد على الصلة الأولى صلةً رابطةً إذا (٢) قال: على أن لي عليكِ ألفاًً، وليس كما لو اقتصر، فقال: طلقتك ولي عليك ألف، وذلك أنه لو اقتصر، فذلك إخبار بعد تطليق، وإذا قال: طلقتك على أن لي عليك ألف، فهذا شرط بعد التطليق، فإذا استعقب الطلاقُ شرطاً، صار الطلاق

стр. 6892

مشروطاً بالشرط الذي استعقبه، ثم قال صاحب التقريب: إن فسر بالضمان، قُبل، كما ذكرنا. وإن قال: لم أرد تعليق [الطلاق] (١) بضمانها، ولكن أردت تعليق [الطلاق] (٢) بالتزامها وقبولها، وأحللتُ قولي على أن لي عليك ألفاً محل قولي: أنت طالق بألف، أو على ألف. قال صاحب التقريب: لا يقبل هذا التفسير منه. وفي كلام غيره من الأصحاب ما يدل على أن تفسيره بما ذكره مقبول. فانتظم منه [أنه] (٣) لو فسره [بتعليق] (٤) الطلاق بالضمان، قُبل منه، ولو فسره بتعليق الطلاق بقبول المال في الحال، ففيه الخلاف والتردد الذي ذكرناه عن صاحب التقريب وغيره. ثم إذا فَسَّرَ بالضمان وقبلناه وفاقاً، [فلتعليق] (٥) الطلاق بضمان المال صيغتان: إحداهما - أن يقول: "أنت طالق إن ضمنت لي ألفاًً"، والصيغة الأخرى أن يقول: "متى ضمنت لي ألفاً". فإن قال: "إن ضمنت لي ألفاً"، كان ذلك محمولاً على الفور، وإن قال: "متى ضمنت"، كان على التراخي، على ما سيأتي ذلك، إن شاء الله . فإن قال: أنت طالق على أن لي عليك ألفاًً، فهذا متردد بين قوله: إن ضمنت، [وقوله متى ضمنت] (٦) ولعل جملة نقلي (٧) ما يقتضي الفور أشبه. وهذا منتهى الكلام في الصلات التي يستعملها الزوجان في ذكر المال استدعاءً وابتداء. ٨٧٥٠ - ومما يتعلق بهذا المنتهى أن الرجل إذا قال: بعني عبدك بألف، فهذا

стр. 6893

صحيح صالح لعقد البيع. ولو قال: بعني عبدك على ألف درهم، صح. ولو قال بعني عبدك [ولك علي] (١) ألف درهم، فقد ذكر القاضي فيه وجهين: أحدهما - أنه يصح كما يصح ذكر المال بهذه الصلة من التي تستدعي الطلاق. والوجه الثاني - أنه لا يصح، لأن الخلع على الجملة يَقْبل من التوسع ما لا يقبله البيع، ولهذا يصح الاستدعاء فيه بلفظ التعليق، وذلك إذا قالت: إن طلقتني، فلك ألف. ولو قال المستام: إن بعتني عبدَك، فلك ألف، لم يصح. فصل قال: "ولو قالت له: اخلعني، أو بتّني، أو أبنِّي، أو ابرأ مني، أو بارئني، ولك عليّ ألف ... إلى آخره" (٢). ٨٧٥١ - ذكر الشافعي هذه الألفاظَ وهي كناياتٌ في الطلاق، وقرنها بذكر المال، وأجراها على حكم الكناية، وتصرف في تفاصيل القول في [النيات] (٣)، كانت أو انتفت، كما سنصف، وهذا يدلّ من نصه على أن الخلع لا يصير صريحاً بقرينةٍ من المال. وقد ذكرنا عن بعض الأصحاب طريقة في أن الخلع يلتحق بالصرائح على أحد القولين بقرينة المال. وهذه الطريقة تخالف النصَّ، فليقع التفريع على أنها كنايات. ثم قال صاحب التقريب: إذا قلنا: الخلع طلاق، فنجعل هذه الألفاظ كنايات وإن اقترنت بذكر المال، على المسلك الصحيح الموافق للنص. وإذا قلنا: إن الخلع فسخ، فإذا جرت هذه الألفاظ مقرونةً بذكر المال، فهل تكون صريحةً في الفسخ، أو كناية؟ فعلى وجهين.

стр. 6894

وهذا بعيدٌ. والطريقةُ المذكورة على الصحة أن هذه الألفاظَ كناياتٌ في الطلاق على قول الطلاق، وفي الفسخ على قول الفسخ؛ [والوجه] (١) الآخر الذي ذكره صاحب التقريب وجهٌ [ليس] (٢) به مبالاة إلا أن يقول القائل: الكلامُ في الألفاظ [في] (٣) الفسخ أوسع؛ ولذلك قطعنا بأن لفظ الخلع صريح في الفسخ، وإن جعلنا المسألة على قولين في أنها هل تكون صريحاً في الطلاق إذا قلنا: الخلع طلاق. وهذا مما لا يعتد به، ولكن صرح صاحب التقريب بنقله، ولم يقله من تلقاء نفسه. ٨٧٥٢ - فنعود إلى تفصيل الكنايات مع ذكر المال -والتفريعُ على قول الطلاق، والتفريعات التي سنذكرها في الألفاظ التي رسمناها - بمتابعة التفريع في لفظ الخلع على قول الطلاق، مع المصير، إلى أنه كناية، فنقول: إن نويا الطلاق، [وقع] (٤) الطلاق ولزم المال، وإن لم ينويا، لغا اللفظُ، النكاح قائم. وإن نوت المرأة استدعاء الطلاق، ولم ينو الرجل بلفظه الطلاقَ، لغا اللفظ؛ فإن المتبع [في] (٥) إنشاء الطلاق وقَصْدِه الزوجُ. ولو نوى الرجل الطلاقَ ولم تنوِ المرأةُ الطلاقَ في استدعائها، ينظر: فإن كانت قالت: خالعني على ألف، وقال الرجل: خالعتك على ألفٍ، فجرى ذكر البدل من الجانبين، وقد نوى الرجل الطلاق، ولم تنو المرأة استدعاء الطلاق، فالجواب في المسألة أنه لا يقع شيء؛ فإن الرجل صرح بذكر المال، ثم لا سبيل إلى القضاء بثبوت المال إذا لم تنو المرأة استدعاء الطلاق، وإذا لم يثبت -لما ذكرنا - لم يقع الطلاق المرتبط به. فإن قيل: هلا نزّلتم هذا منزلة ما لو خالع الرجل امرأته السفيهة المحجورة؛ فإن

стр. 6895

الطلاق يقع عندكم رجعياً، ويتعلق وقوعه بصورة القبول من المرأة، وإن كان المال لا يلزم؟ فاحكموا بأنها إذا قبلت المال في مسألتنا [بوقوع] (١) الطلاق رجعياً متعلقاً بصورة [قبولها] (٢). قلنا: لا سواء؛ فإن المرأة إذا كانت من أهل الالتزام، فالطلاق معلَّق بوقوع الالتزام منها، فإذا لم تنو، لم تلتزم، وسنتكلم في المحجورة بما يشفي الغليل، إن شاء الله. ٨٧٥٣ - وإن قالت الزوجة: خالعني على ألف، ولم تَنْوِ استدعاءَ الطلاق، فقال الرجل: خالعتُك، ولم يذكر المال، غيرَ أنه نوى الطلاقَ، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يقع به شيء؛ لأنه جواب لسؤالها، وهو مرتب عليها، وهي قد ذكرت المال صريحاً، ولكن امتنع حصول المال؛ لأنها لم تَنْوِ ربطَ التزامها بالطلاق، ولا ارتباط للزومٍ إلا بجهة الطلاق، وإذا لم يلزم المال، فقول الزوج مشروط في قرينة الحال بثبوت المال، وإذا لم يثبت السبب الذي قدمناه، لم يقع شيء. وهذا أقيسُ الوجهين. ومن أصحابنا من قال: يقع الطلاق الرجعي، وينقطع قولُها عن قوله؛ بسبب أنها لم تلتزم المال على الصحة، والزوج في لفظه لم يذكر المال أيضاًً، وكلامه مع النية [مستقلٌّ] (٣) في اقتضاءٍ الطلاق، وليس كما لو أعاد الرجل المال؛ فإن هذا لو فرض الابتداء به، لم يقع به الطلاق من غير فرض جواب. وهذا كلام مزخرف (٤)؛ فإن الحال في اقتضاء المال من جهة بناء قوله على قولها بمثابة تصريحه بذكر المال. وقد يرد على هذا أيضاًًً أن الرجل يقول: قَوْلي: "خالعتك" لا [يقع] (٥) به الطلاق من غير نية؛ فإنا نفرع على أنها كناية، وأنا ما نويت الطلاق على الإطلاق؛

стр. 6896

إنما نويته مقيّداً بثبوت المال، وهذا يُحْوِج إلى نوعٍ من البحث. وإذا قال الرجل لامرأته: أنت بائن، ثم زعم أنه أضمر بقلبه تعليق الطلاق بصفة، كدخول الدار ونحوه، فالأصح أنه مدين فيما بينه وبين الله تعالى، كما سنذكره في مسائل الطلاق -إن شاء الله ولكن لا يقبل قوله باتفاق الأصحاب ظاهراً، وإنما ذلك الذي قدمناه في حكم الباطن والتديين. فأما إذا قال: أنت بائن، وزعم أنه نوى طلاقاًً معلّقاً بصفةٍ، فهذه المسألة فيها تردد بين فحوى كللام الأصحاب: يجوز أن يقال: يُحكَمُ بوقوع الطلاق ظاهراً، كما لو صرح بالطلاق، وزعم أنه أضمر التعليق؛ فإن الكناية مع نية الطلاق بمثابة صريح الطلاق، وقد ألحقتها النية بالصريح، ثم إنه أضمر وراء ذلك تعليقاً، فكان حكمه أن يُدَيَّنَ. ويجوز أن يقال: لا يحكم بوقوع الطلاق ظاهراً؛ فإن النية ليست جازمة، ْواللفظة ليست مستقلة، فقد اعترف بنية مضطربة، فلا نحكم بوقوع الطلاق. عُدْنا إلى المسألة التي كنا فيها: إذا لم يُعدِ الزوجُ ذكرَ المال، [فالوجه] (١) هاهنا ألاّ نحكم بوقوع الطلاق؛ لما بين قوله وقولها من الارتباط. ولكن ذكر القاضي فيه وجهين، وصحح ما لا يصح عندنا غيره. هذا إذا ذكرت امرأة المال في استدعائها، وأعاد الزوج المال، أو لم يُعده. ٨٧٥٤ - فأما إذا قالت: خالعني، ولم تذكر مالاً، ولم تنو الطلاق، فقال الزوج: خالعتك، وزعم أنه نوى الطلاق، فأحسنُ مسلك في هذا أن نقول: أختلف أصحابنا في أن التخالع المعرَّى عن ذكر العوض هل يقتضي المالية؟ وقد ذكرناه وبيّناه على نظائرَ له. فإن قلنا: التخالع مقتضاه المال، وإن لم يجر فيه ذكرُه، فهو كما لو ذكرت المال. وقد مضى التفصيل فيه. وإذا قلنا: مطلق التخالع لا يقتضي المال، وهي لم تَنْوِ طلبَ الطلاق، والزوج نواه، فالظاهر هاهنا يقع. فإن قيل: ألستم ذكرتم خلافاً في أن التخالع إذا عري عن ذكر العوض، ونوى الزوج الطلاق، فهل يفتقر ذلك إلى قبولها، وإن كان المال

стр. 6897

لا يثبت؟ قلنا: ذاك ذكرناه وسردنا نَظْمَه على أحسن وجه، وهذه المسألة تخالف تيك؛ فإنا فرضنا الأولى فيه إذا ابتدأ الزوج، وقال: خالعتك، وهذه المسألة التي نحن فيها مصوّرة فيه إذا استدعت المخالعة، فأجابها الزوج، فالاستدعاء ينزل منزلةَ القبول المتأخر عن الإيجاب. فمن [جمع] (١) ما ذكرناه إلى ما قدمناه، اتسق له من المجموع ترتيبٌ يحوي المقصود. وقد كنت أحلت في التفريع على قولي الفسخ والطلاق تمامَ البيان فيما يتعلق بالنيات على هذا الفصل، وقد وقع الوفاء به. فصل ٨٧٥٥ - إذا قالت المرأة: طلقني بألف، فقال: "أبنتك"، أو أتى بكناية أخرى، وزعم أنه نوى الطلاق؛ فالذي قطع به المراوزة: أنه يستحق المال؛ فإن الكناية مع النية بمثابة الصريح، وحكى العراقيون عن ابن خَيْران أنه قال: لا يقع الطلاق؛ من جهة أنها قد تقصد أن يطلقها صريحاً؛ إذ الرجوع في الكناية إلى نية الزوج، وهو بين أن يَصدُق بالإخبار عنها أو يَكذب، [وللأصحاب] (٢) أن يقولوا إذا كان مؤاخذاً بإقراره ظاهراً، فلا تعويل على قصدها ومرادها. ولو صرح الرجل بالطلاق، تطرق إليه إضمار ما لو صدق فيه لم يقع الطلاق، وهي الإضمارات التي تنبني عليها مسائل التدبير. فصل قال الشافعي: "ولو قالت له: أخلعني على ألف، كانت له الألف ما لم يتناكرا ... إلى آخره" (٣). ٨٧٥٦ - وهذه لفظة مبهمةٌ، يُلغَز بأمثالها، وما كان من حق المزني أن يودعها

стр. 6898

كذلك في (السواد) (١)؛ فإن التصانيف إن بنيت على [البسط، اتسع] (٢) فيها الكلام تكريراً، وتقريراً، وتحريراً. وإن بنيت على الإيجاز، اعتمد الموجِز أقصر لفظةٍ عن المعنى المطلوب، وجعلها ناصّةً عليه من غير قصور ولا ازدياد، وهو الكلام البليغ، فأما التعبير عن المعاني المشكلة بالمجملات، فغير ذلك أجمل بالمزني. [ومَحْمل] (٣) كلامه، ووجه تسويغه أن يقال: قد بناه على ما تقدم، وقد أبان فيما سبق [صريحَ] (٤) الخلع استدعاءً وجواباً، وابتداءً بالإيجاب [أو] (٥) القبول، فكان قوله في هذه المسألة محالاً على ما تقدم من تصوير شِقي الخلع، وفرض التناكر بعده مهمٌّ. ٨٧٥٧ - إن أصحابنا اختلفوا في تفسير قوله: "ما لم يتناكرا" قال قائلون: معناه وقع الطلاق ما لم يتناكرا النية: إذا زعم الزوج أنه لم ينو، وادعت المرأة أنك نويت، فالقول قول الزوج مع يمينه. وقد تجري صورةٌ [تُنكر] (٦) المرأة فيها النيةَ، فلا تلتزم المال، ولا يقع الطلاق، كما تقدم التصوير فيه. فإذا فرض هذا، فالقول قول المرأة مع يمينها، وفائدة حلفها أن تدفع [التزام] (٧) المالِ عن نفسها. فالذي قطع به الأصحاب أنها إذا حلفت، فلا مال عليها [لا] (٨) المسمّى، ولا ما يرجع من المسمى إليه (٩). غير أن الزوج أقر بالبينونة؛ إذ نوى وادعى أنها نوت، فكان مؤاخذاً بإقراره.

стр. 6899

هذا بيان هذه المسألة، ولتكن على الحفظ؛ فإن بين أيدينا مسألةً تكاد تخالف هذه. وإذا انتهينا [إليها] (١) استفرغنا الفكر في الفرق والجمع، إن شاء الله . ثم من حمل كلام الشافعي على هذا المحمل، أو على المحمل الأول في اختلاف [النِّيّتين] (٢) صرف الاستثناءَ في قوله: ما لم يتناكرا إلى وقوع الفراق. وإن صُورت [على] (٣) إنكار المرأة النية، فالفراق واقع بحكم الإقرار، والاستثناء في قوله ما لم يتناكرا راجع إلى الألف، والتأويل في هذه الصورة أوقع؛ فإنه قال: كانت له الألف ما لم يتناكرا، فاقتضى اتصال الاستثناء بالألف رجوعَه إليه. هذا مسلك الأصحاب. ٨٧٥٨ - وقيل معنى قوله: "ما لم يتناكرا" أن الخلع يثبت والمال يلزم، إلا أن يرجع الرجل عن إيجابه قبل قبولها إن كان المبتدىءَ بالإيجاب، أو ترجع المرأة عن استدعائها قبل الإسعاف إن كانت هي المبتدئة. وحظ الفقيه من هذا الفصل ما ذكرناه من أن الرجوع ممكن إذا جرت صيغة العقد من الزوج، ولم يأت بتعليق صريح، والمرأة ترجع عن استدعائها على أي وجه فرضت صيغة كلامها. ويتصل بهذا الطرف أنهما لو [تخالفا] (٤) على التواصل المعتبر ظاهراً، ثم قال الزوج: قد رجعتُ قبل قبولها، فهل يُقبل قوله؟ الذي نراه [القطعُ بأنه] (٥) لا يقبل قوله، فإن صورة قوله مع صورة العقد جرت، وادعى الزوج - بعد جريانها - ما يتعقب العقد بالإفساد، فكان كما لو وكل وكيلاً بعقد، ثم نفذ الوكيل العقد، فادعى الموكِّل أني كنت عزلتك قبل أن عقدتَ، فهذا لا يُقبل بعد جريان ظاهر العقد من الوكيل. فإن ادعى علمها بالرجوع، حلّفها. وما ذكرناه في هذا الطرف يجري في

стр. 6900

جانبها (١). وفائدة إجرائه إلزامُه المالَ المسمّى في ظاهر الأمر، كما ذكرناه. ومن أصحابنا من قال: معنى قوله: "ما لم يتناكرا": ما لم [يتخالفا] (٢) في المسمى مقداراً أو جنساً. وهذا ظاهر كلامه؛ فإنه تعرض للمسمى وثبوته، ثم ذكر التناكر، ثم لم يستتم جواب المسألة، وتمامُ الجواب أنهما يتحالفان، ثم الرجوع إلى مهر المثل، والإخلال بتمام البيان محمول على ظهوره. هذا هو الممكن فيه. فصل "وإن قالت: على ألفٍ ضمنها لك غيري، أو على ألف فَلْسٍ ... إلى آخره" (٣). ٨٧٥٩ - هذا الفصل يستدعي تقديمَ [أكثرَ من] (٤) أصلٍ، والتعرضَ لبيان أطرافها، وإذا أجريناها إلى منتهى الغرض، انعطفنا على (السواد) (٥) وما فيه. الأصل الأول في بيان اختلاف الزوجين في تواجب العقد في جنس المسمّى ومقداره، فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق على ألف درهم، فقالت: قبلت [على] (٦) ألف فَلْسٍ، فيلغو الخلع، والنكاحُ قائم؛ فنّ شرط انعقاده التوافقُ في الاستيجاب والإيجاب، أو في الإيجاب [والقبول] (٧)، فإذا اختلفا، فلا تعاقد، وكلام كل واحد منهما في حكم ابتداء الكلام، لا تعلق له بما قبله وبعده، وسنبين الآن أنها إذا أطالت فصلاً زمانياً بين إيجابه وقبولها، لم نقض بثبوت الخلع أصلاً؛ لما في إطالة الفصل من الإشعار بالإعراض، مع أنا لا نبعد تخلل الفاصل بعذر، فإذا كان نظام العقد ينقطع بما ذكرناه، فكيف يلتئم ولا تعلّق لأحد الكلامين بالثاني.
следующие страницы →