إنما نويته مقيّداً بثبوت المال، وهذا يُحْوِج إلى نوعٍ من البحث.
وإذا قال الرجل لامرأته: أنت بائن، ثم زعم أنه أضمر بقلبه تعليق الطلاق بصفة، كدخول الدار ونحوه، فالأصح أنه مدين فيما بينه وبين الله تعالى، كما سنذكره في مسائل الطلاق -إن شاء الله ولكن لا يقبل قوله باتفاق الأصحاب ظاهراً، وإنما ذلك الذي قدمناه في حكم الباطن والتديين.
فأما إذا قال: أنت بائن، وزعم أنه نوى طلاقاًً معلّقاً بصفةٍ، فهذه المسألة فيها تردد بين فحوى كللام الأصحاب: يجوز أن يقال: يُحكَمُ بوقوع الطلاق ظاهراً، كما لو صرح بالطلاق، وزعم أنه أضمر التعليق؛ فإن الكناية مع نية الطلاق بمثابة صريح الطلاق، وقد ألحقتها النية بالصريح، ثم إنه أضمر وراء ذلك تعليقاً، فكان حكمه أن يُدَيَّنَ. ويجوز أن يقال: لا يحكم بوقوع الطلاق ظاهراً؛ فإن النية ليست جازمة، ْواللفظة ليست مستقلة، فقد اعترف بنية مضطربة، فلا نحكم بوقوع الطلاق.
عُدْنا إلى المسألة التي كنا فيها: إذا لم يُعدِ الزوجُ ذكرَ المال، [فالوجه] (١) هاهنا ألاّ نحكم بوقوع الطلاق؛ لما بين قوله وقولها من الارتباط. ولكن ذكر القاضي فيه وجهين، وصحح ما لا يصح عندنا غيره.
هذا إذا ذكرت امرأة المال في استدعائها، وأعاد الزوج المال، أو لم يُعده.
٨٧٥٤ - فأما إذا قالت: خالعني، ولم تذكر مالاً، ولم تنو الطلاق، فقال الزوج: خالعتك، وزعم أنه نوى الطلاق، فأحسنُ مسلك في هذا أن نقول: أختلف أصحابنا في أن التخالع المعرَّى عن ذكر العوض هل يقتضي المالية؟ وقد ذكرناه وبيّناه على نظائرَ له. فإن قلنا: التخالع مقتضاه المال، وإن لم يجر فيه ذكرُه، فهو كما لو ذكرت المال. وقد مضى التفصيل فيه.
وإذا قلنا: مطلق التخالع لا يقتضي المال، وهي لم تَنْوِ طلبَ الطلاق، والزوج نواه، فالظاهر هاهنا يقع. فإن قيل: ألستم ذكرتم خلافاً في أن التخالع إذا عري عن ذكر العوض، ونوى الزوج الطلاق، فهل يفتقر ذلك إلى قبولها، وإن كان المال
стр. 6897
لا يثبت؟ قلنا: ذاك ذكرناه وسردنا نَظْمَه على أحسن وجه، وهذه المسألة تخالف تيك؛ فإنا فرضنا الأولى فيه إذا ابتدأ الزوج، وقال: خالعتك، وهذه المسألة التي نحن فيها مصوّرة فيه إذا استدعت المخالعة، فأجابها الزوج، فالاستدعاء ينزل منزلةَ القبول المتأخر عن الإيجاب.
فمن [جمع] (١) ما ذكرناه إلى ما قدمناه، اتسق له من المجموع ترتيبٌ يحوي المقصود. وقد كنت أحلت في التفريع على قولي الفسخ والطلاق تمامَ البيان فيما يتعلق بالنيات على هذا الفصل، وقد وقع الوفاء به.
فصل
٨٧٥٥ - إذا قالت المرأة: طلقني بألف، فقال: "أبنتك"، أو أتى بكناية أخرى، وزعم أنه نوى الطلاق؛ فالذي قطع به المراوزة: أنه يستحق المال؛ فإن
الكناية مع النية بمثابة الصريح، وحكى العراقيون عن ابن خَيْران أنه قال: لا يقع الطلاق؛ من جهة أنها قد تقصد أن يطلقها صريحاً؛ إذ الرجوع في الكناية إلى نية الزوج، وهو بين أن يَصدُق بالإخبار عنها أو يَكذب، [وللأصحاب] (٢) أن يقولوا إذا كان مؤاخذاً بإقراره ظاهراً، فلا تعويل على قصدها ومرادها. ولو صرح الرجل بالطلاق، تطرق إليه إضمار ما لو صدق فيه لم يقع الطلاق، وهي الإضمارات التي تنبني عليها مسائل التدبير.
فصل
قال الشافعي: "ولو قالت له: أخلعني على ألف، كانت له الألف ما لم يتناكرا ... إلى آخره" (٣).
٨٧٥٦ - وهذه لفظة مبهمةٌ، يُلغَز بأمثالها، وما كان من حق المزني أن يودعها
стр. 6898
كذلك في (السواد) (١)؛ فإن التصانيف إن بنيت على [البسط، اتسع] (٢) فيها الكلام تكريراً، وتقريراً، وتحريراً. وإن بنيت على الإيجاز، اعتمد الموجِز أقصر لفظةٍ عن المعنى المطلوب، وجعلها ناصّةً عليه من غير قصور ولا ازدياد، وهو الكلام البليغ، فأما التعبير عن المعاني المشكلة بالمجملات، فغير ذلك أجمل بالمزني.
[ومَحْمل] (٣) كلامه، ووجه تسويغه أن يقال: قد بناه على ما تقدم، وقد أبان فيما سبق [صريحَ] (٤) الخلع استدعاءً وجواباً، وابتداءً بالإيجاب [أو] (٥) القبول، فكان قوله في هذه المسألة محالاً على ما تقدم من تصوير شِقي الخلع، وفرض التناكر بعده مهمٌّ.
٨٧٥٧ - إن أصحابنا اختلفوا في تفسير قوله: "ما لم يتناكرا" قال قائلون: معناه وقع الطلاق ما لم يتناكرا النية: إذا زعم الزوج أنه لم ينو، وادعت المرأة أنك نويت، فالقول قول الزوج مع يمينه.
وقد تجري صورةٌ [تُنكر] (٦) المرأة فيها النيةَ، فلا تلتزم المال، ولا يقع الطلاق، كما تقدم التصوير فيه. فإذا فرض هذا، فالقول قول المرأة مع يمينها، وفائدة حلفها أن تدفع [التزام] (٧) المالِ عن نفسها. فالذي قطع به الأصحاب أنها إذا حلفت، فلا مال عليها [لا] (٨) المسمّى، ولا ما يرجع من المسمى إليه (٩). غير أن الزوج أقر بالبينونة؛ إذ نوى وادعى أنها نوت، فكان مؤاخذاً بإقراره.
стр. 6899
هذا بيان هذه المسألة، ولتكن على الحفظ؛ فإن بين أيدينا مسألةً تكاد تخالف هذه. وإذا انتهينا [إليها] (١) استفرغنا الفكر في الفرق والجمع، إن شاء الله .
ثم من حمل كلام الشافعي على هذا المحمل، أو على المحمل الأول في اختلاف [النِّيّتين] (٢) صرف الاستثناءَ في قوله: ما لم يتناكرا إلى وقوع الفراق. وإن صُورت [على] (٣) إنكار المرأة النية، فالفراق واقع بحكم الإقرار، والاستثناء في قوله ما لم يتناكرا راجع إلى الألف، والتأويل في هذه الصورة أوقع؛ فإنه قال: كانت له الألف ما لم يتناكرا، فاقتضى اتصال الاستثناء بالألف رجوعَه إليه.
هذا مسلك الأصحاب.
٨٧٥٨ - وقيل معنى قوله: "ما لم يتناكرا" أن الخلع يثبت والمال يلزم، إلا أن يرجع الرجل عن إيجابه قبل قبولها إن كان المبتدىءَ بالإيجاب، أو ترجع المرأة عن استدعائها قبل الإسعاف إن كانت هي المبتدئة.
وحظ الفقيه من هذا الفصل ما ذكرناه من أن الرجوع ممكن إذا جرت صيغة العقد من الزوج، ولم يأت بتعليق صريح، والمرأة ترجع عن استدعائها على أي وجه فرضت صيغة كلامها.
ويتصل بهذا الطرف أنهما لو [تخالفا] (٤) على التواصل المعتبر ظاهراً، ثم قال الزوج: قد رجعتُ قبل قبولها، فهل يُقبل قوله؟ الذي نراه [القطعُ بأنه] (٥) لا يقبل قوله، فإن صورة قوله مع صورة العقد جرت، وادعى الزوج - بعد جريانها - ما يتعقب العقد بالإفساد، فكان كما لو وكل وكيلاً بعقد، ثم نفذ الوكيل العقد، فادعى الموكِّل أني كنت عزلتك قبل أن عقدتَ، فهذا لا يُقبل بعد جريان ظاهر العقد من الوكيل.
فإن ادعى علمها بالرجوع، حلّفها. وما ذكرناه في هذا الطرف يجري في
стр. 6900
جانبها (١). وفائدة إجرائه إلزامُه المالَ المسمّى في ظاهر الأمر، كما ذكرناه.
ومن أصحابنا من قال: معنى قوله: "ما لم يتناكرا": ما لم [يتخالفا] (٢) في المسمى مقداراً أو جنساً. وهذا ظاهر كلامه؛ فإنه تعرض للمسمى وثبوته، ثم ذكر التناكر، ثم لم يستتم جواب المسألة، وتمامُ الجواب أنهما يتحالفان، ثم الرجوع إلى مهر المثل، والإخلال بتمام البيان محمول على ظهوره. هذا هو الممكن فيه.
فصل
"وإن قالت: على ألفٍ ضمنها لك غيري، أو على ألف فَلْسٍ ... إلى آخره" (٣).
٨٧٥٩ - هذا الفصل يستدعي تقديمَ [أكثرَ من] (٤) أصلٍ، والتعرضَ لبيان أطرافها، وإذا أجريناها إلى منتهى الغرض، انعطفنا على (السواد) (٥) وما فيه.
الأصل الأول في بيان اختلاف الزوجين في تواجب العقد في جنس المسمّى ومقداره، فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق على ألف درهم، فقالت: قبلت [على] (٦) ألف فَلْسٍ، فيلغو الخلع، والنكاحُ قائم؛ فنّ شرط انعقاده التوافقُ في الاستيجاب والإيجاب، أو في الإيجاب [والقبول] (٧)، فإذا اختلفا، فلا تعاقد، وكلام كل واحد منهما في حكم ابتداء الكلام، لا تعلق له بما قبله وبعده، وسنبين الآن أنها إذا أطالت فصلاً زمانياً بين إيجابه وقبولها، لم نقض بثبوت الخلع أصلاً؛ لما في إطالة الفصل من الإشعار بالإعراض، مع أنا لا نبعد تخلل الفاصل بعذر، فإذا كان نظام العقد ينقطع بما ذكرناه، فكيف يلتئم ولا تعلّق لأحد الكلامين بالثاني.
стр. 6901
والآن إذا انتهى الكلام إلى رعاية التواصل، فهو مذكور في الفصل الذي يعقب هذا إن شاء الله تعالى.
٨٧٦٠ - ومما يتعلق بهذا الفصل، وهو مَزِلّةٌ اضطرب فيها الطرقُ، وحقٌّ على من يبغي دَرْك الغايات أن يَصرف الاهتمامَ إليه. والوجهُ فيه أن نذكر [طرق] (١) الأصحاب طريقةً طريقةً، وننقل ما قالوه على ثَبَتٍ، ثم ننعطف، فنبدي ما فيه من الإشكال، ونبيّن على الاتصال ما يُنتج الإشكال، ثم نرجع رجعة أخرى، ونوضّح أن ما ذكرناه، وإن كان قياساً، [فهو] (٢) مائل عمّا قال الأئمة بعض الميل، ثم نذكر وراء ذلك الممكنَ في توجيه ما نقلناه.
فلتقع البداية بتصور ما نريد، والتصوير مختلف أيضاًًً، والذي نقل عن القاضي أن الرجل إذا قال لامرأته: "أنت طالق على ألف"، ولم يتعرض للجنس المعدود بها، وقالت المرأة: "اختلعت على ألف" ولم توضح أيضاًً الجنسَ، ثم قال الرجل: عنيتُ به الدراهم، وأنتِ تعلمين ذلك، وقالت المرأة: عنيتُ به الفلوس وأنتَ تعلم أني عنيت بذكر الألف الفلوسَ، قال القاضي فيما نَقَل عنه من أثق به: يتحالفان، والرجوع إلى مهر المثل.
ووجهُ الإشكال فيما قال أنه فرض العقدَ معقوداً بألف مرسلة، ثم أخذ يدير التنازع على ما صورنا، وبنى عليه التحالف. وهذا في نهاية الإشكال؛ فإن إطلاق الألف حقُّه أن يفسد العقد، حتى يلزمَ الرجوع إلى مهر المثل، ولا أثر للتنازع، وموجَبُ هذا القياسِ البيّنِ أنهما وإن تطابقا على إرادة الدراهمِ بالألف المطلق، فالعقد لا ينعقد على الصحة، و [تحصل] (٣) البينونة، فيقع الرجوع إلى مهر المثل؛ فإن العقود لا تعتمد في إبانة أعواضها النيّات، وإنما النظر في الإعلام والجهالة إلى صيغ الألفاظ لا غير، واللفظ مجملٌ مرسل في صورة المسألة.
стр. 6902
وذكر العراقيون مسلكاً آخر وغيروه قليلاً عما حكيناه عن القاضي، فقالوا: إذا قال الرجل: خالعتك على ألف درهم، ولم يكن في البلد نقد مطرد في الجريان؛ بل كانت فيه نقودٌ مختلفة، قالوا: إن اتفقا على أنهما قصدا ألفاًً معلومة من صنوف الدراهم، وتوافقا، فيصح الخلع، وذكر القاضي في الألف المرسلة مثلَ ذلك، إذا فرض التوافق على الجنس، ثم بنى العراقيون على ما قدروا من التصادق، فقالوا: لو أطلقا ألف درهم، ثم اختلفا، فذكر كل واحد منهم جنساً وصنفاً أنكره الثاني، فهل يتحالفان؟
قالوا: في المسألة وجهان: أحدهما - أنهما [لا] (١) يتحالفان؛ فإن التحالف لا يجري في النيات، وإنما يجري في صفة الألفاظ والعقود. وهذا ليس بشيء، والأصح التحالف، وهو الذي قطع به القاضي.
وذكر صاحب التقريب الألف المرسلة من غير ذكر جنس أصلاً كما ذكره القاضي، ثم سلك مسلك القاضي في التفريع.
٨٧٦١ - ونحن بعدُ في مساق النقل، ولكنا نذكر في كل فصل من المنقولات ما يتعلق به في تهذيب النقل. فنقول الآن: لا معنى للتقييد بألف درهم إن صح الانعقاد مع اختلاف النقود، ولا فصل بين الألف المرسلة والمقيدة بجنس، هذا لا شك فيه. والبحث بعدُ أمامنا.
وذكر شيخنا أبو محمد طريقةً أخرى في المسألة، فقال: إن لم يتعارفا، ولم يتواضعا على أن المراد بالألف ماذا، فليس إلا القطع بفساد الخلع والرجوع إلى مهر المثل؛ فإن الجهالة متمحضة، لا دارىء لها سابقاً ولا [مقترناً] (٢). وإن تواضعا على أن يعيّنا بألفٍ جنساً ونوعاً تواصفاه وأحاطا به، فالذي أطلقه (٣) أنهما لو توافقا على موجب التعارف، وزعما أنهما عيّنا صنفاً تواضعا عليه، فالخلع ينعقد.
стр. 6903
وهذا الذي ذكره -إن كنا نستمسك بالقياس الجلي- يلتفت على التردد في مهر السر والعلانية، كما تقدم ذكرهما في كتاب الصداق، وقد أوضحنا ثَمَّ أن الاعتبار بالعلانية، ولا حكم لما جرى في السر من اصطلاح وتواضع. وإذا كان كذلك، فمقتضى هذا [يوجب] (١) إظهارَ مذهبٍ في أن الخلع يفسد؛ نظراً إلى اللفظ المبهم في صيغته.
ثم قال شيخي بانياً على طريقته: لو قالت المرأة في هذه الصورة: أنا عنيت ألف فَلْسٍ، وإن كان تعارفنا على الدراهم، وقال الزوج: لا، بل أردتِ ما وقع التعارف عليه. قال: في المسألة وجهان: أحدهما - أنهما يتحالفان، وإليه ميل النص، كما سننقله -إن شاء الله تعالى - بعد الفراغ عن نقل الأصحاب.
والثاني - أنهما لا يتحالفان، بل الوجه الرجوع إلى [نيتها] (٢)؛ فإن الاطلاع عليها عسر، فالقول قولها مع يمينها.
ثم قال: إن قلنا: يتحالفان، فإذا حلفا، فالرجوع إلى مهر المثل، وإن قبلنا قولها (٣)، فأثر قبول قولها مع اليمين مُصيِّرٌ الألفَ مبهمة مجهولة؛ فإنها ليست منكرة للمالية في الخلع، فالرجوع إلى مهر المثل لها (٤) هذا ما ذكره، وزاد على الأصحاب، فقال: إبهام الألف مع فرض تقديم التعارف في الصداق والأثمان والأعواض جُمَع يخرّج على هذا التفصيل، فلا فرق. هذا منتهى كلامه.
وقد قال العراقيون إذا ذكروا الخلاف في التعارف إذا قلنا: لا يتحالفان، فالرجوع إلى مهر المثل لوقوع الاستبهام.
стр. 6904
٨٧٦٢ - وعلينا في استتمام النقل صورٌ ذكرها القاضي على منهاج طريقه، فنذكرها، قال: [لو تخالعا] (١) والألف مطلق لا تعرّف بالتعارف. إذا قال الرجل: عنيتُِ بالألف الدراهم وأنت تعلمين [وخالفت] (٢) المرأة، فقالت: بل عنينا الفلوس وأنت تعلم؛ فإنهما يتحالفان، والرجوع إلى مهر المثل.
وقال أيضاًًً: لو تخالعا على ألف مطلق، واتفقا على أنه لم يكن منهما نية، فالخلع فاسد، والرجوع إلى مهر المثل؛ إذ الفرقة لا ترد، وسبب فساد الخلع جهالة البدل في الصورة التي ذكرناها.
وذكر متصلاً بهذا أنه لو خالعها على شيء، أو ألف شيء [فالرجوع] (٣) إلى مهر المثل. وهذا دالٌّ على أن الخلع على الشيء خُلع على مجهول، والجهالة لا تزول بالتطابق على النية، حتى لو قالا: أردنا بالشيء درهماً، فلا حكم لتوافقهما على الإرادة، وكذلك القول فيه إذا قال ألف شيء، وإنما أجرى ما ذكرناه من تنزيل اللفظ على النية إذا جرى ذكر الألف المطلقة، ورأى الألفَ المطلقة قابلةً لأثر النية والقصد، بخلاف الألف المقيد بالشيء.
ومما ذكره أن الرجل إذا قال [و] (٤) قد جرى الألف: عنيتُ بها الدراهم، وأنت عنيتِ الفلوس، وأراد بذلك دفع الفرقة؛ فإن الأمر لو كان كذلك، لم تقع الفرقة، وكان كما لو صرح الرجل بذكر الألف درهم، فقبلت المرأة بألف فلس؛ فإن [القصود] (٥) إذا كانت تؤثر، فهي نازلة منزلة العبارات متفقها كمتفقها ومختلفها كمختلفها، ولما قال الرجل: عنيتُ أنا الدراهم وعنيتِ أنت الفلوس، قالت المرأة: أنا عنيت الدراهم أيضاًًً، فالرجل كما قدمناه يقصد دفع الفرقة، فلا نقبل قولَه عليها
стр. 6905
[ونحكم] (١) بوقوع الفرقة، وهذا منقاس حسن. ثم قال: وله عليها مهر المثل لتعذر تسليم المسمى.
وهذا مشكل كما سننبه عليه.
ومما ذكره أن الرجل لو قال: [عنيتُ] (٢) الدراهم وأنتِ عنيت الفلوس، [فقالت:] (٣) أنا عنيتُ الفلوس كما ذكرتَ، ولكنك عنيتَ الفلوس أيضاًًً. قال: الطلاق واقع لوجود الإيجاب والقبول، وعليها مهر المثل. وهذا مشكلٌ أيضاًًً، كما سنذكره إن شاء الله .
٨٧٦٣ - فهذا منتهى [الغرض] (٤) في نقل قول الأصحاب وتفريعهم، ونحن نتكلم وراء ذلك على جهة المباحثة فيما قدمنا نقله، ونرى الكلام منقسماً إلى ما يتعلق بالأمور الكلية، وإلى ما فرعه الأصحاب عليها.
٨٧٦٤ - فأما الكلام على الكليّات، فحاصل ما ذكره الأصحاب يحصره طريقان: إحداهما -وإليه ميْلُ معظم الأئمة - المصيرُ إلى تثبيت العوض بالنية والقصد، من غير تقدّم تواطؤ وتعارف.
والثانية -[مبناها] (٥) على التعارف. فأما [إن] (٦) لم يكن التعارف، فقد رأيناهم مجتمعين من طريق النقل والفحوى على أن الشيء إذا ذكر، لم يثبت بالنية، وإنما الذي ذكرناه في عددٍ لا يَبين المعدود فيه، [كما] (٧) لو ذكر عدد، وضم إليه مجهول، مثل أن يقال: ألف شيء، فهذا لا يثبت أيضاًًً بالنية، وإنما يثبت عدد لا يقرن بمجهول.
стр. 6906
ثم انقسم هؤلاء بعد الإجماع الذي حكيناه في محله، فاكتفى المعظم بذكر العدد المطلق. وشرط العراقيون ذكر الجنس، مثل أن يقول: "ألف درهم"، ثم قالوا: يتعين بالنية نوع من الجنس، وإن كانت الدراهم مضطربة في البلدة. والممكنُ في توجيه ما قالوه أن الشيء إذا ذُكر، فهو لفظ مصوغٌ للإبهام، وكذلك إذا أضيف إليه، أو فسر العدد به، فقيل عشرون شيئاً، فلا تؤثر النية في إزالة الجهالة واللفظ موضوع لإثباتها. وإذا قيل: ألفٌ، فبيانه إتمامٌ، فاعتقدوا أن النية تتمم، ثم خرّجوا هذا على تطريق الكنايات إلى النوايا بالطلاق، وقالوا: عماد الخلع الطلاق، فإذا كان لا يمتنع انعقاد الخلع بما هو كناية في الطلاق تعويلاً على النية، [فكذلك] (١) البدل إذا ثبت ثبوت الكناية، لم [يبعد إتمامُه] (٢) بالقصد والنية، ثم افتراق الأئمة في ذكر الجنس والسكوت عن النوع، وأن هذا أهل، (٣) يشترط أم لا؛ محمولٌ على ما نذكره. تخيّل (٤) العراقيون أن الألف بمثابة الشيء، فإذا وُصل بجنسٍ (٥)، كان النوع بعده إتماماً.
وهذا إن صحت الطريقةُ خَورٌ وجبنٌ. والسبيل أن العدد المطلق مفسر بالجنس والنوع، وهذا شديد الشبه بترددٍ حكيناه في أن بيع ما لم يره المشتري إذا صح، فهل يشترط فيه ذكر الجنس أم لا، وإن شرط معه ازديادٌ على الجنس؟ فيه تردد قدمناه في موضعه. وهذا تقريب شبَهي، والمأخذان مختلفان.
والمأخذ الحقيقي هاهنا تشبيه أحد ركني الخلع [بالعوض] (٦)، والثاني - يعني تشبيه لفظ العوض- بلفظ الطلاق، وقد تحققتُ أن الأصحاب لم يحتملوا هذا في
стр. 6907
المعاوضات المحضة. وسبب التردد في الخلع ما أشرنا إليه.
٨٧٦٥ - هذا منتهى الإمكان في ذلك الإشكال [بحاله] (١)؛ فإن العوض لا يثبت إلا معلوماً، ويختص الخلع بأن العوض المجهول فيه لا يدرأ البينونة المقصودة، بل يُرجع إلى مهر المثل، فأما إثبات المجهول عوضاً بالنية، فلا سبيل إليه، ولو قيل به، لزم مثله في الشيء قطعاً.
والذي تكلفناه خيالٌ؛ فإن النية تَحمل اللفظَ على إحدى جهات الاحتمال، ولا تصير كالصلة الزائدة فيه، والألف [شائع] (٢) في جميع معدودات العالم كالشيء وأظهر منه الألف المضافة إلى الشيء، فلسنا نرى للنية وقوفاً (٣) مع ذكر الشيء، فليفهم الناظر ما نقدم، وليقطع بما فيه من الاضطراب.
ولو طرد طاردٌ هذا في المعاوضات كلِّها، لكان أقرب، وقد قال الفقهاء: الجعالة مع ابتنائها على الغرر والجهالة يجب أن يكون العوض معلوماً [فيها] (٤) بالجهة التي تعلم بها أعواض البيع، والقدر الذي هو المتعلق أن الجهالة احتملت في الجعالة للضرورة، ولا ضرورة في ذكر لفظ الكناية في الخلع. ثم انعقد الخلع بكناية الطلاق إجماعاً؛ تعويلاً على النية، والدليل عليه أيضاًً أن من محض حكم الطلاق التعليق، ثم وجدنا مالاً يُملّك بالتعليق في الطلاق من غير لفظٍ مملِّكٍ فيه. ولذلك إذا قال الرجل: إن أعطيتني ألفاًً، فأنت طالق، فإذا أعطت ألفاًً، مَلَكَ، كما سيأتي بيانه، إن شاء الله .
ولهذا الفصل وقعٌ عظيم في نفس الفقيه لما فيه من الميل عن القياس، مع ما فيه
من اتفاق معظم الأصحاب، فليقع التعلق بهذا الذي ختمنا الكلام به.
وقد نجز الكلامُ على طريقةٍ واحدة.
стр. 6908
٨٧٦٦ - فأما من يراعي التعارف، فلم أر هذا أوّلاً لغير شيخنا وأنا أخشى أنه ارتاع من مخالفة القياس، فظن أن الأصحاب أرادوا التعارف، وأنا أشك في أن الأصحاب لم يريدوه، فإن صح التعويل على التعارف، فالنظر على حسب ما يليق بهذا أن نقول: المذهب الأصح أن التواضع [السّري] (١) لا تعويل عليه، وإنما الحكم للّفظ المعلن المذكور حالة العقد، فكان يجب على هذا أن يخرّج التعارف على الخلاف، ولكن ينقدح مع ما نبهنا عليه فرقٌ، وهو أن التواضع إذا وقع على ألفٍ في السر، ثم جرى ذكرُ الألفين، فموجب التواضع تغيير اللغة في هذه المسألة، وإذا جرى التواضع على حمل الألف على نوعٍ، فهذا من باب التواضع على تفسير مجملِ [ما ذكراه] (٢) صريحاًً وقصداه آخراً. وهذا وإن كان فيه بعض الإخالة، فليس يَدُلّ (٣).
فإن كان في المسألة فقهٌ، فلا يعدو وجهين: أحدهما - أن الرجوع إلى مهر المثل في جميع هذه المسائل، وهذا هو القياس الجلي، ولكني لم أر هذا لأحدٍ من الأصحاب، حتى [يسند] (٤) إليه مذهباً.
والوجه الثاني - ما ذكرته من فصل الكناية، وهذا وإن كان غامضاً، فهو لائق بفقه الخلع، على ما سنكمل الأنس به في مسائل الباب -إن شاء الله تعالى- أما التعارف والبناء عليه، فليس من القياس الجلي في شيء، وليس من الفقه الذي رأيناه تخصيصاً بالخلع في شيء.
وقد نجز الكلام في هذا الفن مباحثةً في التفصيل، مع تقدير القول بثبوت الألف بالنية.
فإذا اعترف الزوجان بأنهما لم ينويا شيئاً، فالرجوع إلى مهر المثل؛ فإن المعتمد النية، فإذا لم تكن (٥)، تحققت الجهالةُ، فانجرّ القول إلى القياس الجلي المطلوب.
стр. 6909
وكذلك إذا [اتفقا] (١) على أن أحدهما لم ينو، فالألف لا تثبت بمجرد نية من ينوي، ولا يقع الطلاق من غير عوض، فلا طريق إلا مهر المثل.
وإن كان تنازعا في النية، فزعم أحدهما أنه نوى الدراهم المعلومة، وزعم الثاني أنه نوى الفلوس، فهذا فيه [تثبت] (٢)؛ فإن لم يدع أحدهما على الثاني شيئاً، ولكن أخبر عن نية نفسه، فليس هذا محلَّ التحالف بلا خلاف، والسبيل فيه الرجوع إلى مهر المثل، كما قدمناه.
وإن قال الرجل مثلاً: عنيتُ الدراهم وعنيتِ أنت الدراهم، وقالت المرأة: عنيتُ الفلوس وعنيتَ أنت الفلوس، وادعى كل واحدٍ مع ما ذكرناه عِلْمَ صاحبه، فهذا موضع تردد الأصحاب، فمنهم من قال: يتحالفان، وهو بمثابة ما لو اختلفا في عوض الخلع تصريحاً به، فقال الزوج: خالعتك على ألف درهم وقالت: بل خالعتني على ألف فلس، ولو اختلفا كذلك، لتحالفا، ثم الرجوع إلى مهر المثل، وهذا الوجه هو الذي قطع به القاضي، وهو القياس إن يثبت الأصل الذي ذكرناه؛ فإن النية نازلة في هذا الأصل منزلة النطق المصرح به.
٨٧٦٧ - وذكر العراقيون وجهاً آخر: أن التحالف لا يجري؛ فإن هذا تحالفٌ في النية، والقياس أن يرجع في صفة كل نية إلى الناوي، وهذا يعارضه أن القياس أن يرجع في صفة كل قول إلى القائل، وفي صلة كل عقدٍ إلى العاقد، ثم إذا اختلف المتعاقدان في صفة العقد، تحالفا؛ إذ ليس أحدهما بأن يصدق أولى من الثاني، وإذا كانت النية مرجوع العقد، كانت كاللفظ، وليس كما لو وجد التناكر في نية الطلاق؛ فإنا إذا صدقنا الزوج، انعدم العقد، وهاهنا البينونة واقعة، والرجوع في صفتها إلى لفظ.
قال العراقيون: إذا قلنا: لا يتحالفان، فلسنا نحلّف واحداً منهما؛ إذ ليس أحدهما أولى من الثاني، ولو قدرنا تحليف كل واحدٍ منهما، لكان يقتضي هذا ألاّ
стр. 6910
يقع الفراق بمثابة ما لو قال الزوج: خالعتك بألف درهم، فقالت: قبلت بألف فلس، ولو جرى ذلك، لم يقع شيء؛ فإنها لم تقبل ما طلقها عليه. وإذا رجع الخلاف إلى النية، فالبينونة واقعة بلا خلاف. فإن جرى التوافق في اللفظ وهو المعتمد في وقوع البينونة، ولا سبيل إلى دَرْئها، فإن قلنا: القول قولها فيما تعني، عارضه أن القول قوله فيما يعني، [فينتظم] (١) من مجموعه جهالة لا دَرْءَ لها، فالرجوع إلى مهر المثل، وليس في هذا كبير فائدة إلا أن الحلف يسقط، وإسقاط الحلف في نهاية البعد؛ فإن الأيمان لا تُعنى لأعيانها، وإنما يتوقع منها نكولٌ وردّ يمينٍ أو نكول [عن] (٢) يمين الرد وإقرار، فحسْمُ باب الحلف لا وجه له. وإذا لم يحسم، فليس أحد الجانبين أولى من الثاني، ثم ثمرة الوجهين جميعاً الرجوعُ إلى مهر المثل، وإذا كان كذلك، فلا معنى لرد قياس التحليف مع الموافقة في المقصود.
وقد انتهى الكلام في ذلك.
٨٧٦٨ - فلو قال الرجل: عنيتُ بألفٍ [دراهم] (٣)، وأنتِ تعلمين أني عنيتُها، وقالت المرأة: عنيتُ بالألف الفلوسَ وأنت تعلم أني عنيتُها، ولم يزيدا على هذا، ولم يدع واحد منهما على صاحبه أنك عنيتَ ما عنيتُ، فالذي نقله موثوق به عن القاضي أنهما يتحالفان، والرجوع إلى مهر المثل.
وهذه الصورة مشكلة؛ من جهة أن الزوج لا يستمر له دعوى الألف عليها ما لم يدع أنها قبلت الألف، وإنما صح قبولها بلفظها ونيتها، وكذلك القول في الطرف الآخر، فكيف الوجه في ذلك؟ الذي عندي فيه أن المراد بهذه الصورة هو المراد بالصورة الأولى؛ فإنه إذا قال: علمتِ ما عنيتُ معناه قبلتِ ما علمتِ، ففي التصوير إيجازٌ، وإلا، حاصل الكلام: أنك علمتِ قصدي وبنيتِ قبولك على ما علمتِ، وكذلك القول في جانبها.
فأما إذا لم يدّع الزوج عليها قبولَ الدراهم، والمرأة لم تدّع على الزوج التطليقَ
стр. 6911
بالفلوس، فكيف الوجه فيه؟ هذا يستدعي تقديمَ أصلٍ: وهو أنهما لو اتفقا على اختلاف النيتين، وقد قال الزوج: خالعتك على ألفٍ، فقالت: قبلتُ الألف، وتصادقا على اختلاف القصدين، فالذي يجب القطع به أن الطلاق يقع ظاهراً، فإن اللفظين متوافقان ظاهراً، وليقع الفرض في التصريح بالطلاق، ولكنَّ [أثرَ توافقهما في اختلاف القصد أن الزوج لا يطالبها] (١) بمالٍ؛ فإنه معترف بأنه لم يوجد [منها] (٢) التزام ما ألزمها الزوج، ولكن لا يقبل قوله في رد البينونة المغلّظة بظاهر اللفظ.
فإن قيل: هذا حكم الظاهر، فما حكم الباطن في علم الله تعالى لو فرض اختلاف النيتين؟ قلنا: قياس الأصل الذي بنينا عليه هذه التفاريع أن النية مع الألف المطلقة بمثابة اللفظ الصريح.
ولو قال: خالعتك على ألفِ درهم، فقالت: قبلت بألف فلس، لم يقع الطلاق.
ولو قال لامرأته: أنت طالق، وزعم أنه نوى طلاقاً عن [وثاقٍ] (٣)، فإن كان صادقاً، فالحكم أنه لا يقع الطلاق باطناً، ولكن يَعلمُ من نفسه صدقَ نفسه، فهو باطن يمكن الاطلاع عليه، فكان باباً من أبواب الفقه متميزاً عن الغيب. وتخالفهما في النية لا يطلع عليه واحد من الزوجين، فليس هذا من المواطن الملتحقة بأبواب التديين (٤)، بل هو بمثابة ما لو قال زيد: إن كان هذا الطائر غراباً، فامرأته طالق، وقال عمرو: إن لم يكن غراباً، فامرأته طالق، فلا يُحكم بوقوع الطلاق على زوجة واحدٍ منهم، إذا تحقق اليأس من درك الحقيقة، وما يقدّر متعلقاً بعلم الله تعالى غيبٌ لا يقع به حكم، لا في الظاهر، ولا في الباطن، لكن الطلاق يتعلق به احتياطٌ، والاحتياط في مسألتنا الحكمُ بوقوع الطلاق البائن منهما.
٨٧٦٩ - مباحثةٌ أخرى: حكينا من تفريعات القاضي أنه إذا قال الرجل: عنيتُ
стр. 6912
بالألف الدراهمَ، وأنتِ عنيت الفلوس، وقالت المرأة: بل عنيتُ الدراهم، فلا يقبل قوله عليها، وهي تدعي موافقته، ويحكم بوقوع الفرقة المبينة. وحكينا أنه قال: له عليها مهر المثل لتعذر تسليم المسمّى. أما الحكم بوقوع الفرقة فبيّنٌ بناء على ظاهر اللفظ وما فيه من التوافق، وأما إيجاب مهر المثل عليها، فلا يستقيم على الأصل، لأن الزوج يدّعي أن الطلاق لم يقع، وإذا لم يدع الوقوع كيف يثبت له العوض، وهو لا يدّعيه بموجب قول نفسه، ومن لا يدّعى مالاً كيف يطالِب به؟ فإن قال قائل: لو صدّقها من بعدُ أنها عنت (١) الألف التي عناها هو؟ قلنا: إذ ذاك نطالبها بالمسمى المعيّن، لا بمهر المثل.
٨٧٧٠ - مباحثةٌ أخرى: حكينا في تفريع القاضي أن الزوج إذا قال: عنيتُ الدراهمَ وأنتِ عنيتِ الفلوس، وقالت المرأة: بل عنيتَ أنت الفلوسَ، وأنا عنيتُ الفلوس، قال: الطلاق واقع لوجود الإيجاب والقبول، وعليها مهر المثل.
أما وقوع الطلاق، [فبعيد؛ لاعتراف] (٢) الزوج بأنها عنتِ الفلوس، ولو عَنَتْها، لكانت نيتها كلفظها، ولو صرحت، لما وقع شيء إذا تخالفا، وإذا لم يقع شيء، لم يثبت عوض.
ونحن نختم هذه المباحثات بشيء، فنقول: لعل القاضي يقول: إذا توافقا على القصد، فالقصد مع اللفظ كاللفظ الصريح، وإن لم يقصدا شيئاً، فهو خلع بمجمل.
стр. 6913
وإن اختلف قصدهما، بطل القصد؛ فإن شرط صحة القصدين بتوافقهما، فإذا اختلفا، بطلا، وصار كما لو لم يقصدا شيئاً. وهذا يعضده أن الطلاق لا مردّ له إذا وجد التوافق من طريق اللفظ، وعن هذا يظهر أن التردد في الباطن لا حاصل له، وإن كان ذلك غيباً فيما ذكرناه.
٨٧٧١ - فإذاً الأحوال ثلاث: إحداها - أن يتوافقا في القصد، كاللفظ.
والحالة الثانية - أن يختلفا، فيدّعى كلٌّ مقصوداً من نفسه، ويدعي مثلَ ذلك من صاحبه، فهذه صورة التحالف.
والحالة الثالثة - أن يختلف القصدان فيحكم ببطلانهما، ورجع الخلع إلى العوض المجهول.
ويخرج من هذا أن القصد معتبر في الوفاق ساقط في الخلاف، فإن كان هذا ينساغ، فعليه تخرج أجوبة القاضي في التفريع، فإن وجب اعتبار القصد في الخلاف كما يجب اعتباره في الوفاق، فلا تصح أجوبته فيما ذكرناه من التفريعات المتأخرة.
وكل ما ذكرناه أصل واحدٌ من الأصلين الموعودين.
٨٧٧٢ - الأصل الثاني يتعلق بخلع الأجنبي بنفسه، وتوكيل المرأة إياه، وتوكيله المرأة، فنقول: لم يختلف العلماء -في أن الأجنبي لو سأل الرجلَ أن يطلق زوجته على مال، فأجابه- أن الخلع يصح، والعوض يلزم الأجنبي.
والمرأةُ لو وكلت أجنبياً حتى يختلعها من زوجها بمال تبذله المرأة، فذلك صحيح. وإن وكل الأجنبي أجنبياً، صح أيضاًًً، ولو وكل أجنبي المرأة حتى تخلع نفسها عن زوجها بمال يبذله الأجنبي الموكِّل، جاز. وهذه الأصول متفق عليها.
ثم من كان وكيلاً بالاختلاع، نُظر. فإن أضاف لزوم المال إلى موكِّله، لم يتعلق الطَّلِبةُ به، وكان في البَيْن سفيراً رسولاً. وإن التزم مطلقاًً ونوى بالتزام المال جهةَ موكله، فتفصيل القول في مطالبته كتفصيل القول في مطالبة الوكيل بالشراء، وقد سبق الكلام مستقصى في العُهدة. والمقدارُ الذي تمسُّ الحاجة إلى إعادته أن مستحق المال لو لم يصدِّق الوكيل في دعوى الوكالة، فله مطالبته، وإن صدقه، فظاهر المذهب أنه
стр. 6914
يطالبه أيضاًًً؛ لالتزامه وإضافته لفظ الالتزام إلى نفسه، ثم هو يرجع على موكِّله رجوعَ الضّامن على المضمون عنه.
ومن أصحابنا من قال: [إن] (١) اعترف بكونه وكيلاً، لم يطالبه، كما لا [يطالَب] (٢) السفيرُ.
هذا بيان الأصل الذي حاولنا تقديمه.
٨٧٧٣ - ونعود بعد ذلك إلى النص (٣)، فنقول: تعرض الشافعي لاختلاف الزوجين في [أمرين:] (٤) أحدهما - هذا الذي نحن فيه الآن، والآخر - الاختلاف في الفلوس بالدراهم.
فأما تفصيلَ القول في الاختلاف المتعلق بالخلع عن جهة الغير، فإنا نبتدىء تفصيلَ ذلك، ونستعين بالله، وهو خير معين، ونقول: إذا قال الزوج: طلقتك على ألفٍ عليك، وقالت المرأة: أنا لم أتعرض لقبول الألف، وإنما قبلها عنك فلان الأجنبي، وجرى الخلع بينكما، فالبينونة واقعة بإقراره، والقول قولها في نفي الاختلاع مع يمينها، فإنها أنكرت أصل تعلّق العقد بها، [ولا] (٥) يستحق الزوج على ذلك الأجنبي شيئاً أيضاًًً؛ فإنه بريء بموجب إقراره وقوله، فينفذ الحكم بالبينونة (٦)، ثم لا يملك مالاً؛ إذا (٧) اختلعت المرأة على نفي الالتزام. وهذه الصورة بيّنة.
ولو قال: خالعتك على ألف التزمتِه مطلقاًً، وقالت المرأة: قلتُ قبلتُ عن فلان
стр. 6915
ألفاًً، ولم أضف الالتزام إلى نفسي. وقد قدمنا فيما سبق أن السفير لا ضمان عليه، وهي لو صُدِّقت سفيرةٌ على رتبة الرسالة، وإذا جرى الاختلاف على هذه الصيغة، فقد ذكر المراوزة أنهما يتحالفان والرجوع إلى مهر المثل، وعللوا بأنهما اتفقا على جريان العقد مبهماً، واختلفوا في صفة العقد على الوجه الذي وصفناه؛ فاقتضى ذلك أن يتحالفا.
٨٧٧٤ - وذكر العرا قيون وجهين: أحدهما - أنهما يتحالفان، كما ذكره المراوزة.
والثاني - أنهما لا يتحالفان؛ فإنها أنكرت أصل الالتزام كما (١) ادعت السفارة؛ ومن أنكر أصلَ الالتزام والأصلُ براءة ذمته، فالوجه أن يحلّف (٢). وهذا الوجه متجه منقاس، غير أنهم نقلوه، وأفسدوه بالتفريع، فقالوا: لا تحالف ولكن يلزمها مهر المثل، وهذا على نهاية السقوط؛ فإنها أنكرت أصل الالتزام، فإن كانت مصدَّقة، فكيف تطالب، وأثر التصديق أن يثبت الحكم على صفته إذا لم يكن نزاع، ولو صدق الزوج زوجته فيما ادعته من السفارة، لكان لا يلزمها شيء، وهذا واضحٌ لا [دفْع] (٣) له.
فإن قيل: ما الذي تعتمدونه في إثبات التحالف بينهما؟ قلنا: جرى أصل العقد وما فيه من الالتزم، واعترفت المرأة بالالتزام، ولكنها ادعت سقوطه بإضافتها اللزوم إلى غيرها، فأمكن أن يكون في هذا تردد في التصديق [ونقيضه] (٤)، ووجه التصديق أوضح، والوجه الآخر متضح؛ فإنها صاحبة الواقعة، ففي توكّلها عن الأجنبي بعدٌ، وإذا احتمل الأمران على استواء، انطبق عليه احتمال صدق الزوج وكذبه على هذا النسق؛ وهذا يوجب استواء الجانبين، ومقتضاه التحالف. ثم التحالف موجبه الرجوع إلى مهر المثل، ثم الرجوع به على من رجع البضع إليه. هذا وجه التحالف.
والقياس الحق أن لا تحالف؛ فلا مال عليها، ويخاطب الزوج بموجب إقراره،
стр. 6916
ويقضى عليه بالفرقة، ولا مرجع له على أحد بالمال، كما لو قال لامرأته: خالعتك أمس على ألف فقبلتِها، فأنكرت، [فالبينونة] (١) تثبت بموجب إقراره، ولا يثبت المال.
٨٧٧٥ - ثم ذكر صاحب التقريب مسألة متصلة بما نحن فيه، فقال: إذا جرى الخلع بين الرجل وامرأته، فأطلقت المرأة التزامَ المال، ثم قالت: أردت بمطلق قولي ولفظي ألفاًً يؤديها موكلي فلان، ولم أقصد التزاماً يخصّني، فقد ذكر صاحب التقريب هاهنا قولين: أحدهما - أنهما يتحالفان، وأن هذا الاختلاف إلى مقدار العوض وجنسه.
والقول الثاني - أن القول قولُ الزوج؛ فإن المسألة مفروضة فيه إذا [أطلقتْ قولها وقبولها] (٢)، والظاهر أنها التزمت العوض في خاصتها، فالقول قول الزوج لهذا الظاهر؛ والتحالف إنما يجري إذا استوى الجانبان في احتمال الصدق والكذب.
ثم ذكر قولاً ثالثاً - أن القوال قول المرأة؛ فإنها الناوية، فهي أعرف بنيّتها وقَصْدها؛ [فالرجوع إليها] (٣)، وهذا قول ملتبس.
ونحن نقول في كشف الغطاء فيه: إن كنا نطالب الوكيل الملتزمَ باللفظ المطلق -وهو ظاهر المذهب - فهذا الاختلاف لا خير فيه؛ فإنها معترفة بأنها مطالَبةٌ بالمال كيف فرض الأمر.
وإن فرعنا على أن الوكيل لا يطالَب، فإن أضاف الالتزام إلى نفسه، فهذا الكلام مختل محتاج إلى التفصيل، فإن أنكر الزوج أصلَ التوكيل، فلا معنى للترديد الذي ذكر. وإن اعترف بالتوكيل وردّ النزاع إلى نيتها، فهذا [أوان] (٤) الاحتمال على بُعد.
والوجه -مع الاعتراف بالتوكيل والتفريع على أن الوكيل لا يطالب بالعهدة في العهد
стр. 6917
المطلق- أن تُصدّق المرأةُ؛ فإنها الناوية، وهي أعرف بنية نفسها، فالكلام كيفما فرضته [مختبط] (١) لا أصل له.
٨٧٧٦ - وأما الكلام في الاختلاف في الدراهم والفلوس، فقد مضى موضحاً في الأصل الأول إذا (٢) ذكرنا القاعدة ومحل التحالف على أبلغ وجه يتعلق بإمكاننا.
٨٧٧٧ - ولم يبق الآن إلا نقلُ اللفظ في (السَّواد) على وجهه، وردُّ النظر إليه.
قال الشافعي: "فإن قالت: على ألف ضمنَها لك غيري، أو قالت: على ألف فلسٍ وأنكر، تحالفا، وكان له عليها مهر مثلها" هذا هو اللفظ الذي نقله المزني.
أما التحالف في الضمان، فليس يحتمل اللفظُ إلا صورة واحدة، وهي أن يقول الزوج: أطلقتِ الالتزام، وتقول المرأة: بل أضفتُه إلى غيري. هذا هو الذي قطع المراوزة فيه بالتحالف، على موجب النص.
وحكى العراقيون فيه وجهين: أحدهما - التحالف.
والثاني - أنهما لا يتحالفان وعليها مهر المثل، وقد ذكرنا أن القياس ألا يتحالفا ولا [يلزمها] (٣) شيء، ولكن لم أر أحداً من المعتَبرين يصير إلى هذا، [فأُسنِدُه] (٤) إليه أو أعلقه بفحوى كلامه.
فإن قال قائلٌ: هذا القياسُ، أمكن حمل نص الشافعي على مجمل، ولكن لا معنى للتشاغل به. وأما قول الشافعي في الفَلْس، فليس يبعد حمله على اختلافهما في الدراهم والفَلْس صريحاً، ونفرض النص فيه إذا قال الزوج: خالعتك على ألف درهم وقبلتِه، وقالت: بل خالعتني على ألف فلس فقبلتُه. ولكن في المذهب ما فيه من وجوه الإشكال (٥).
стр. 6918
وغايتنا أن ينتهي كل فصل إلى حقيقته، ولا نغادر شيئاً من وجوه الاحتمال، ونحيل المذهب على النقل الصحيح، فنكون جمعنا بين وجوه القياس، وبين تحقيق النقل، والتنبيه على حقيقة الفصل.
٨٧٧٨ - ومما ذكره القاضي في أعقاب المسألة: أن الرجل لو قال: طلقتك على ألف عليك، ولم أشترط ضمان الأجنبي، وقالت: طلقتني بألفٍ عليّ على أن فلاناً الأجنبي ضامن، فهذه المنازعة لا معنى لها؛ فإنها أقرت بالالتزام تحقيقاً، وذكرت شرط ضمانٍ لو صح، لم ينفعها، وإنما كانت تُثبت مزيدَ تعلّقٍ للزوج، فكأنها [ادّعت] (١) للزوج حقاًً، والزوج يُنكر، وهذا ثابت لا شك فيه.
فصل
قال: "ولو قالت: طلقني ولك عليَّ ألف درهم، فقال: أنت طالق على الألف إن شئت، فلها المشيئة وقتَ الخيار ... إلى آخره" (٢).
٨٧٧٩ - نقول في مقدمة الفصل: إذا كانت صيغة قول الرجل على صيغة [المعاوضة] (٣)، فتقتضي جواباً عاجلاً، كما يقتضيه الإيجاب في البيع والإجارة، ونحوهما من المعاوضات [المفتقرة] (٤) إلى الإيجاب والقبول، والذي ذكره
стр. 6919
الأصحاب فيه الاتصالُ، والإحالةُ على العرف، وقد تقصَّيت هذا في البيع، وأوضحتُ أن المنتهى المطلوبَ فيه أن لا يتخلل زمانٌ يشعر تخلُّله بإعراض المخاطَب عن الجواب؛ فإذا تخلل مثله، انقطع.
ومن لطيف الكلام في ذلك أنه لو أمكن تردده ليفكر ويرعى المصلحة، ويرى ما عنده، فلا معوّل على هذا، فإن الإيجاب والقبول مبنيان على تقديم الرأي، ومن يوجب يبتدىء الكلام، وغرضه أَخْذُ الجواب على الفور، لا تفويضُ الأمر إلى المخاطب ليرى [رأيه] (١). فإذا تخلل ما يقطع الاتصال الذي ذكرناه، بطل التواصل، ولو وجد قبول من بعدُ، لم ينفع. والمذهب أنه لو تخلل كلامٌ يسير لو فرض بدله سكوت لما انقطع، فلا أثر لتخلل ذلك الكلام، ونصُّ الشافعي: [شاهد] (٢) فيه؛ فإنه قال: "لو خالع امرأته، فارتدت، ثم قبلت، ثم عادت قبل انقضاء العدة، وهي ممسوسة، فالخلع واقع"، فلم يجعل تخلل كلمة [الردة] (٣) قاطعة للجواب عن الإيجاب.
وذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص أن تخلّل كلامٍ من القابل بين الإيجاب والقبول يقطع القبول، وهذا غير سديد؛ فإنه [لا يدلّ] (٤) على الإعراض، والنص يخالف ما قال، كما ذكرته.
ولو طال الزمان، وكان المجلس الواحد جامعاً لهما، فينقطع العقد، ولا أثر لاتحاد المجلس، لم يختلف فيه أئمة المذهب. وقد يُطلق الشافعيُّ لفظ المجلس في مثل ذلك، ولا يعني به المجلس الذي يتعلق به خيار المجلس؛ فإن ذلك المجلس وإن طال، امتد الخيار بامتداده، فمن أطلق المجلس [عَنَى] (٥) المجلسَ القصير الذي يليق بمجلس المخاطب على ما سبق تفصيله. ولو وُجد الإيجابُ، ففارق المخاطَبُ
стр. 6920
المجلسَ مفارقةً ينقطع بها خيار المجلس، ولكن قَرُبَ الزمان، فأجاب، ففي العقد وجهان، والأصح الانعقاد؛ تعويلاً على الزمان، فمن لم يحكم بانعقاده، جعل المفارقةَ مشعرةً بالإعراض.
٨٧٨٠ - وكل ما ذكرناه فيه إذا كان الخلع عريّاً عن التعليق، وقال الزوج خالعتك، أو طلقتك بألفٍ أو على ألفٍ. فأما إذا ذكر الزوج لفظ التعليق، فقد يستدعي قوله فوراً، وقد لا يستدعيه، فإذا قال لامرأته: متى ما ضمنت، [أو متى ضمنت أو مهما] (١) ضمنت ألفاًً، فأنت طالق، فهذا على التراخي. وإذا قال: إن ضمنت ألفاًً، فأنت طالق، فهذا يقتضي أن تضمن على الفور.
فأما حمل متى، وما، ومهما، وأي وقت على التراخي، فلصريح اللفظ،
ولقبول الخلع لهذا المعنى. وقد قررناه عند تمهيد الخلع وحقيقته وماهيته وما فيه من شوب (٢)، واسترداد، وتمحّض، فأما حمل [إن] (٣) على الفور، فليس من جهة استدعاء (إن) فوراً، فإنه شرطٌ والشرط، ينبسط على الأزمان. وإذا قال الرجل لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت طالق، لم يقبل ذلك فوراً، ولكن يقترن بـ (إن) العوضيةُ، وهي مقتضية التعجيل، و (إن) الشارطة ليست صريحة في اقتضاء التأخير، فاقتضت القرينةُ الفورَ، وليس كما لو قال: متى أو متى ما ضمنت، فإن ذلك تصريح بتجويز التأخير. ومقتضى النصوص لا تدرؤه القرائن.
٨٧٨١ - وإذا قال لامرأته: أنت طالق إن شئت. فهذا يقتضي مشيئتها على الفور والاتصال، وإن لم يكن في الكلام معنى، وليس كما لو قال: إن دخلت الدار، فأنت طالق، وليس هذا من مقتضيات كتاب الخلع. ومهما جرى ذكر طلاقٍ من غير تعرضٍ
стр. 6921
لذكر [عوض] (١)، فهو معترض في الخلع، فليُلْحَقُ بمسائل كتاب الطلاق.
ولكن إذا جرى هذا وهو مجمع عليه، فلا بد من الإشارة إلى تعليله، مع [إحالة] (٢) تحقيقه على كتاب الطلاق، فنقول: أما احتمال دخول الدار للتأخير، وما في معناه في قوله: إن دخلت، فبيّنٌ، لا حاجة إلى كشفٍ، وإنما نميز عن هذا القبيلِ إذا قال: أنت طالق إن شئتِ، فسببه أن قوله: إن شئتِ معناه استدعاء جواب، فكأنه إذا قال: إن شئت يلتمس منها جواباً بذكر المشيئة، وشرط الجواب أن يكون متصلاً بالخطاب، وعليه ابتنى وجوبُ ترتيب الجواب في العقود على الإيجاب، وإلا فالعوضية في عينها ليس فيها إشعار بالتواصل الزماني، ولكنها تذكر في ابتداء وجوب وإيجاب وقبول وتفاوض مبناه في [التجاوب] (٣) على التواصل عرفاً وعادة، حتى يعد السكوت المتطاول فيه إعراضاً.
فإذا كان يتحقق استدعاءُ الجواب في قوله: إن شئت، وإن لم يكن عوضٌ، فهذا يقتضي التواصلَ الزماني لا محالة، وهذا إنما يتحقق فيما يجوز أن يقدر جواباً. فأما الدخول فيما عداه من الأسباب، فلا يصلح أن تكون أجوبةً، فلم يكن لشرط [الاتصال] (٤) فيه معنى.
ومما لا يخفى مُدركه، ولا بد من ذكره في ترتيب الكلام أن المرأة إذا قالت: أشاء أن تطلقني. فقال: أنت طالق إن شئت، فما تقدم من قولها لا يكفي؛ فإن التعليق على هذه الصيغة يقتضي وقوع المشيئة [في] (٥) المستقبل بعد صدور التعليق؛ فإن الشرط لا يعقل تعلقه إلا بالمستقبل.
ولو كانت دخلت الدارَ، فقال الزوج: إن دخلت الدار، فأنت طالق، فلا يقع الطلاق ما لم تستأنف دخولاً، إلا أن يكون قال: إن كنت دخلت الدار، فأنت طالق.
стр. 6922
وستأتي هذه الألفاظ وحقائق معانيها في كتاب الطلاق.
٨٧٨٢ - فإذا ثبتت هذه المقدمات قلنا بعدها: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق على ألفٍ، فهذا يستدعي قبولاً منها على الاتصال. وإن قال: أنت طالق إن شئت [فهذا يستدعي جواباً منها] (١) على الاتصال، كما تقدم، ولو جمع بينهما فقال: أنت طالق على ألف إن شئت، فقد اختلف أصحابنا في المسألة، فذهب بعضهم إلى أنه يكفيها أن تقول (٢): شئتُ على الاتصال، وينتظم الخلع، ولزوم المال ووقوع البينونة بقولها: شئتُ. وهذا قد يدل عليه فحوى كلام الأئمة كالقاضي وغيره، وهو ظاهر كلام الصيدلاني.
ومن أصحابنا من قال: لا بد من الجمع [بين] (٣) لفظ القبول ولفظ المشيئة.
وذهب بعض الأصحاب إلى أنه يكتفى [منها] (٤) أن تقبل.
أما من اكتفى بلفظ المشيئة، فوجهه أن قول الرجل: أنت طالق [إن شئت] (٥) ليس [في صيغته تعرُّضٌ من طريق التصريح] (٦) لقبولها، ولكن لما لم يتصور منه أن يحتكم بإلزامها مالاً، اقتضى ذلك منها التزاماً، فكان قولها في معنى الضَّمَن (٧)، كما وصفناه. فإذا قال: أنت طالق على ألفٍ إن شئت، فقد جعل متعلَّقَ الطلاق ولزومَ المال قولَها المجردَ شئتُ، فيجب أن يتعلق الأمران جميعاً به.
ولو قال الرجل لمن يخاطبه: بعت منك عبدي بألف درهم إن شئت؛ فالبيع
стр. 6923
لا ينعقد؛ فإنه لا يقبل التعليق؛ إذا (١) وضع البيع على المعاوضة المحضة، ومتضمنها أن يكون صَدَرُ شقَّي العقد من المتعاوضين على نسق واحدٍ، مع اجتناب التعليق من الجانبين جميعاًً، فهذا وجه هذا الوجه.
وأما من قال: لا بد من الجمع بين الإيجاب والقبول ولفظ المشيئة، فوجه قوله أن الزوج لما قال: أنت طالق على ألف، فهذا منه لو تجرد يقتضي اجتماعَهما: اجتماع القبول ولفظِ المشيئة منها، فليأت بهما جميعاً. ثم لا ترتيب، فإن شاءت قالت أولاً: قبلت وشئت. وإن شاءت قالت: شئت وقبلت.
والأصح الأول، ولا يستقيم على الفقه المعتبر في الخلع إلا ما ذكرناه في توجيه الوجه الأول. والذي يؤكده أنه لو قال: إن أعطيتني ألفاًً، فأنت طالق، فإذا أعطت ألفاًً، طُلِّقت وإن لم يوجد من جهتها تمليك؛ نظراً إلى ظاهر التعليق، واكتفاء بما يسمى إعطاء في الحقيقة. فإذا كان كذلك، فالاكتفاء بلفظ المشيئة في الحكم بوقوع الطلاق ولزوم المال جائز على هذا القياس.
فأما من يقول: لا بد من قبولها (٢) ويقع الاكتفاء به، فاشتراط قبولها عنده موجبه [ما] (٣) تقدم، وأما عدم اشتراط لفظ المشيئة [فقبولها] (٤) المجرد في العرف يعد جواباً عن جميع كلام الرجل. وهذا القائل يغلّب مقتضى المعاوضة، ويشترط القبول؛ فإنه الركن.
وهذا الوجه عندي غلط صريح، ولم أره إلا لشيخي، فلا يجوز عده من المذهب، ولولا تكرر سماعي [منه] (٥) لما أوردته، فيبقى الوجهان المقدمان، وأوضحهما الاكتفاء بلفظ المشيئة كما تقدم.
٨٧٨٣ - ثم يتفرع على ما ذكرناه أنا إذا اشترطنا لفظ المشيئة، واكتفينا به، فلا يصح
стр. 6924
من الزوج الرجوع عنه؛ فإنه تعليق مجرد، والرجوع عن التعليق غير ممكن.
ومَنْ شرط [الجمعَ] (١) بين القبول وبين لفظ المشيئة، فهل يجوّز للزوج الرجوعَ قبل أن تقبل المرأة [وتشاء] (٢)؟ فيه تردد ظاهر، بسبب اشتمال كلام الزوج على المعاوضةِ (٣) والتعليقِ جميعاًً، ووجه الاحتمال بيّن، ولكن لست أجد لهذا الوجه أصلاً، والوجه الاكتفاء بلفظ المشيئة، ثم مَنعُ الرجوع كما تقدم.
فهذا تمام ما أوردناه في ذلك.
٨٧٨٤ - عدنا إلى صورة المسألة إذا قالت المرأة: طلقني واحدةً بألف، فقال الزوج: أنت طالق بألفٍ إن شئت. فهذا الذي ذكره يُخْرِج كلامَه عن كونه كلاماًً جواباً لها؛ فإنه لو اقتصر على قوله: أنت طالق، لكان ذلك إسعافاً وجواباً، فإذا قال: إن شئت فهذا يقتضي أمراً في الاستقبال؛ لما قررناه من أن الشرط مقتضاه معلّقٌ بالاستقبال لا محالة.
ثم إن كنا نعد اقتصارها على القبول إذا [ابتدأ] (٤) الرجل فقال: أنت طالق بألفٍ إن شئت وجهاً [مرتباً] (٥)، فلا بد على هذا من تجديد القبول، [وما] (٦) تقدم من استدعائها لا يكفي؛ لأن قوله: إن شئت، تضمن معنىً في المستقبل لا محالة، قولاً كان أو لفظ مشيئة، فوضح أن المرأة إذا سبقت واستدعت التطليق بالمال، فقال الزوج: أنت طالق بألفٍ إن شئت، فالقول الوجيز المشعر بكمال المقصود أنا نجعل كأن استدعاءها لم يكن، وكأن الزوج ابتدأ، فقال: أنت طالق بألف إن شئت، ثم التفصيل ما قدمنا ذكره.
٨٧٨٥ - ومما يتصل بتمام البيان في ذلك أن المرأة لو قالت: طلقني واحدة بألف،
стр. 6925
فقال الزوج: أنت طالق، ولم يُعد ذكرَ المال، وقع كلامه جواباً، واستحق المال الذي التزمته. وبمثله لو قالت: طلقني واحدةً بألف، فقال: أنت طالق إن شئت، ولم يذكر المال، فقد بطل أثر استدعائها، وصار الرجل كالمبتدىء، [في هذا] (١) القول، وإذا ابتدأ، فقال: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئتُ، وقع الطلاق [رَجعياً] (٢)، ولم يثبت المال، فكذلك إذا قالت: طلقني بألفٍ، فقال: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئتُ وقع الطلاق رجعياً؛ [فإنا] (٣) جعلنا قوله ابتداء، وقطعناه عن كونه جواباً.
٨٧٨٦ - ثم قال المزني نقلاً عن الشافعي: إذا قال: أنت طالق على ألف إن شئت، فلها المشيئةُ وقتَ الخيار، وأراد بذلك اشتراطَ اتصالِ لفظ المشيئة، كما تقدم، وعبر عن الاتصال بوقت الخيار، وأراد الوقتَ الذي يجري فيه إمكان الرجوع عن الإيجاب قبل القبول، وهو الذي يسمى وقتَ [القبول] (٤).
٨٧٨٧ - ثم ذكر (٥) بعد هذا ألفاظاً مضطربة، وكلاماًً هو جواب مسألة لم يذكرها بعد، فقال متصلاً بما ذكرناه: "وإن أعطته إياها وقت الخيار، لزمه الطلاق". وهذا جواب لما لم يجر له ذكر، وهو أن الرجل إذا قال: إن أعطيتني ألفاًً، فأنت طالق.
فمن جواب هذا أنها إن أعطته على الاتصال، وقع. فلم يذكر المسألة وذكر جوابها.
ثم قال: "وسواء هرب الزوج أو غاب أو أبطأت بالألف" وهذا غير منتظم أيضاًًً، فإنه عطف هذه المسألة على وقوع الطلاق، والحكم فيها أن الطلاق لا يقع إذا شرطنا اتصال القبول والإعطاء. وفي كلامه خبطٌ ظاهر، وشرطنا ألا نطنب في التعرض (للسواد) والاعتراض عليه، إذا لم يكن لنا غرض فقهي، فهذا نجاز المسألة.
стр. 6926
فصل
قال: "ولو قال: أنت طالق إن أعطيتني ألف درهم ... إلى آخره" (١).
٨٧٨٨ - هذا الفصل عُدّ من مشكلات الكتاب (٢)، وسبب الإشكال فيه اشتماله على خواصَّ للخلع سبق تعليلُ بعضها، وفيه أيضاًًً حُكمٌ قدمتُ في الأقارير استقصاءه، يتساهل فيه الفقهاء، ولم يفردوه هاهنا، فاجتمعت جهاتٌ من الإشكال، ونحن نأتي، بمضمون هذا الفصل موضّحاً، إن شاء الله .
فإذا قال الرجل لامرأته: إن أعطيتني ألف درهم، فأنت طالق، فأول ما نذكره أنه لا حاجة في ذلك إلى قولٍ لفظي منها، فإنه لم يعلّق الطلاق على قولٍ؛ فلا يقتضي قولاً أو يتضمنه. وبيان ذلك أنه علق الطلاق على فعلها إذا (٣) قال: "إن أعطيتني" وأخرج قولَه عن صيغة المعاوضة، التي تقتضي إيجاباً وقبولاً، فلا نشترط قولاً منها أصلاً. ثم الذي يجب البحث عنه في ذلك أنها إذا جاءت وسلمته إليه، فقد نقول: إنه يملكه على ما سيأتي ذلك في أثناء الفصل -إن شاء الله تعالى- وهذا تمليكٌ بمجرد فعلٍ من غير قبول.
وليس في قاعدة الفصل خلاف، وغموضه في أنه عديم النظير، وإلا فالتمليك في درك العقول في معنى التمليك بالفعل، والصحيح أن القبض في الهبة هو [المملِّك] (٤) دون اللفظ المتقدم عليه. واتفق الأصحاب على ما ذكرناه أن من الهدايا والمنح ما لا يفتقر إلى اللفظ، وما يؤثر عن ابن سريج من كون المعاطاة معاقدة يتأكد بهذا.
٨٧٨٩ - ثم مما يتعلق بهذا أنها إذا جاءت بالمشروط ووضعته بين يدي الزوج، فإنه يدخل في ملكه قهراً، وإن لم يأخذه؛ فإنه ذكر لفظةً معناها الإعطاء، وهذا متحقق
стр. 6927
من غير أخذ بالبراجم (١)، وليس يملك الزوج الرجوعَ عما قال.
فانتظم من مجموع ما ذكرناه أن الطلاق لما قبل التعليق بالقول والفعل والالتزام والقبول، وقد أثبت الله المال في المفاداة في حكم الرخصة، فثبت المال في الجهة التي يثبت تعليق الطلاق فيها. فهذا ما أردناه في ذلك، وهو واضحٌ -إن شاء الله لائق بخاصية الخلع.
٨٧٩٠ - ثم قال الأئمة: إذا قال: إن أعطيتني ألفَ درهم، فأنت طالق. فيبنغي أن تأتي بالألف وازنةً، فلو أتت بألفِ درهمٍ معدودةٍ لا تزن ألفاًً [لم يقع شيء] (٢). ولتكن نقرة خالصة، ولتكن مضروبةً مسكوكة، والقول في هذا مما تقدم استقصاؤه في كتاب الأقارير.
ونحن نذكر هاهنا ما تمس الحاجة إليه، فنقول: الدراهم في الشريعة وازنة، والدرهم هو النقرة كالرِّقة والورِق، وإذا كانت الفلوس لا تسمى دراهم، فالمغشوش الذي بعضه نحاس [ليس] (٣) درهماً؛ فإن جنس النحاس لا ينقلب بسبب [مخالطة] (٤) النقرة، وقد تقدم تقرير هذا في الأقارير.
ومما ذكرناه ثَمَّ أنه لو أقر بدراهم، وفسرها بدراهم معدودة، لم يقبل منه إلا إذا كان ببلدة يعمّ فيها الدراهمُ النقصُ المعدودة غيرُ الوازنة، فإذا أقر في مثلها بألف درهم، وفسرها بالمعدودة والنقص الجارية الغالبة في البلد، ففي قبول تفسيره وجهان، ذكرناهما في الأقارير.
٨٧٩١ - ولو قال الزوج: إن أعطيتني ألف درهم، وفسرها بالنقص في بلد يغلب فيه جريانها، وزعم أنه أراد النقصَ، فكيف التصرف فيه؟ قال الأئمة: هذا يخرّج
стр. 6928
على الوجهين المذكورين في الإقرار؛ فإن المرعيّ في لفظ الأقارير مثلُ المرعي في صيغ [التعليق] (١) وهذا حسن.
ولكن وراءه غائلة لا بد من التنبيه لها، وهي أن الزوج إذا فسر الدراهم بالنقص المعدودة، فهذا يتضمن وقوع الطلاق دون الوازنة، فإذا كان ما يقوله محتملاً [وفيه] (٢) توسيع وقوع الطلاق، فيجب القطع والحالة هذه [بقبول] (٣) قوله.
وإنما يظهر أثر الاختلاف في عكس هذه الصورة، وهي أنه إذا كان في بلدة دراهم معدودة تزيد على الوازنة في زنتها، فإذا فسر الدراهم التي علّق وقوع الطلاق بعطائها، [بالمعدودة] (٤) التي تزيد زنتها على الوزن المعلوم في الوازنة، وكانت تلك الدراهم غالبة، فينقدح حينئذ فيه ذكرُ الوجهين؛ لمكان النية الموافقة للعادة الجارية.
ولو أقر بألف درهم، ثم فسر إقراره بألف معدودة يزيد زنتها على وزن الوازنة، فلا شك في قبول تفسيره، وإنما الخلاف فيه إذا فسرها بالنقص، ولا حاجة إلى الإطناب في هذا؛ فإنه واضح.
ولو قال المقر: لفلان علي ألفُ درهم. ثم فسره بالمغشوشة، وكانت غالبة جارية في محل الإقرار، ففي قبول تفسيره وجهان، وهما الوجهان المذكوران في النقص؛ فإن المغشوشة نقرتها ناقصة، ونقصانها لا ينجبر بالنحاس.
وإذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، فأنت طالق، وكان لفظه مطلقاًً، فهذا محمول على النقرة الخالصة، ولو قال: أردت بذلك المغشوشة، فيجب القطع بقبول تفسيره؛ فإن ما قاله محتمل، وفيه توسيع وقوع الطلاق.
فليتأمل الناظر هذه الأمور الجليّة التي لم يتعرض لها الأئمة لوضوحها.
٨٧٩٢ - ومما يتعلق بتحقيق القول في ذلك إذا انتهى الكلام إلى هذا المنتهى أن من اشترى شيئاً بألف درهم، في بقعةٍ دراهمُها الجارية نقصٌ، فالذي يرى الأصحابُ فيه
стр. 6929
أن مطلق الدرهم في البيع والمعاوضات محمولة على الدراهم الجارية في العرف.
وليس الأمر على هذا الإطلاق عندنا.
ونحن نفصل القول فيه ونستعين بالله تعالى - فنقول: إذا كان في أيدي الناس نقود من أصنافٍ مختلفة النقوش والسكة، وكان الغالب في المعاملات صنفٌ منها، فإذا أطلقت الدراهم -والحالة هذه- انصرفت إلى ما يغلب، وصار جريان العرف واطراده بالمعاملة في ذلك الصنف بمثابة التقييد لفظاً [فيُفيد] (١) اقترانُ العرف من الإعلام ما يفيد التقييدُ نطقاً ولفظاً.
ولو كانت النقود كما وصفناها، فقال الرجل: لفلان عليّ ألف، فلا يتقيد المقرّ به بالنقد الغالب. وكذلك لو قال الرجل لامرأته - والنقود كما وصفناها: إن أعطيتني ألفَ درهم، فأنت طالق، لم يختص هذا بالنقد الجاري في البلد، بل لو أتت بألف من أي نقدٍ كان، وقع الطلاق بعد أن تكون وازنة.
وهذا موضع استفراق (٢)؛ فإن النقد الغالب يتعين في المعاملات، ولا يتعين في الأقارير، ولفظ التعليق. وهذا عندنا -في المعنى والفقه- ليس بتفاوتٍ، وطريق الكلام فيه [أن المعاملات إخبارٌ عمّا نصف] (٣)، والإقرار إخبارٌ عن ماضٍ، ولا يمكن أن نحكم على العادة بالاطراد فيما تقدم، فلا يتحقق كون العادة قرينة في المخبرَ عنه، فبقي الإجمال في الصنف.
وكذلك إذا قال لامرأته: إن أعطيتني ألف درهم. فليس تعليق الطلاق أمراً معتاداً، فلا يصير اطراد الاعتياد قرينةً فيه، وتحقيقه أن العادة لا معنى لها على الانفراد، والمعنيّ بجريانها، جريانُ المعاملات، والتعليقُ ليس مما يتكرر جريانه في الدراهم، [فكان] (٤) مطلق الدراهم يجري على مقتضى الإطلاق فيها، ومقتضى الإطلاق التعميم بأي صنف أتت به وقع الطلاق، إذا كان نقرة وازنة. هذا في اختلاف النقود.
стр. 6930
٨٧٩٣ - فأما إذا كان الجاري في البلد دراهمُ ناقصةٌ في الوزن، فهذا موضع النظر، فاسم الدراهم [مقيدٌ] (١) بالنقرة الوازنة، فإذا جرى العرف بخلاف ما يقتضيه الاسم، فإذا قال المقر: أردت النقص تمسكاً بالعرف، ففيه وجهان. وإذا أراد من علَّق الطلاق تفسير لفظه في هذا المقام بالنقص المعدودة، فقد ذكر الأصحاب وجهين.
ولا معنى لهما عندي، بل الوجه القطع بالقبول؛ فإن فيه توسيعَ الطلاق، والاحتمال في ذلك كافٍ.
فإذا جرى ذكر الدراهم في المعاملة في الموضع الذي دراهمه الغالبة نقصٌ، فهذا فيه اختلاف بين الأصحاب، فالذي ذهب إليه المعظم أن العرف مقيِّدٌ في المعاملات وطريق الفرق فيه ما ذكرناه من جريان المعاملات، وعدم ذلك في التعليق، وحققنا في الإقرار استناده إلى سابقٍ لا تحكّم فيه بعرف.
ومن أصحابنا من قال: اسم الدراهم صريح في الوازنة، والعرف لا يغيّر الصريح عن معناه ووضعِه، وليس هذا كما قدمنا ذكره من إثبات أثر العرف في إعلام نقدٍ من النقود المختلفة؛ فإن ذلك إعلام بطريق القرينة في محل الإبهام، ولو حملنا الدراهم على الناقص، لكان ذلك تغييراً لموجب النص الصريح، والعرف لا يغير [النصوص ومعناها] (٢) وهذا إن كان له اتجاه في المعنى لكن (٣) المشهور حمل الدراهم في المعاملات على النقص إذا كانت غالبة، وإنما الخلاف في الأقارير، وفي التعليق الذي قدّمته. فهذا ما عليه بناء المذهب. وقد أوضحنا الفرق بين المعاملة.
٨٧٩٤ - ومما [نتمّم] (٤) به الغرض في ذلك، القولُ في الدراهم المغشوشة، وإجمال الكلام فيها أولاً أنها بمثابة النقص في الإقرار والتعليق، وإنما نفصّل [فيها] (٥) ذكر المعاملات. فنقول: يعترض في المغشوشة أصلٌ آخر، وهو أن مقدار النقرة إن
стр. 6931
كان مجهولاً في الدراهم، ولم يكن لها جريان، فلا يصح [التعويل] (١) عليها لا مذكورة ولا معيّنة؛ فإن الجهالة على هذا الوجه تمنع الثبوت في الذمة.
وإذا عيّنت، فأشّر إليها، [فالإشارة] (٢) بمثابة الإشارة إلى تراب المعدن.
[فإن] (٣) كان لها جريان في العادة، مع أن مقدار النقرة [مجهول فيها] (٤)، ففي صحة التعامل بها وجهان، قدمنا ذكرهما في كتاب البيع وأبوابٍ من المعاملات. وتعويل من يجوّز على الجريان، والصحيحُ [المنعُ] (٥).
وإن كان مقدار النقرة معلوماً -ففي طريق العلم به توقف، فإنه مما لا يعاين، فإن أمكن العلم به فبقول ثقات - فيزول في هذه الصورة [الجهلُ] (٦) بالمقصود، وتصير الدراهمُ المعلومةُ العيار المغشوشةُ بمثابة الدراهم المعدودة والنقصُ في الوزن. وقد تفصّل القولُ فيها. فهذا تمام القول في هذا الفن.
٨٧٩٥ - ومما يخرج مما قررناه أنا إذا قيدنا لفظ التعليق بالعرف الجاري في الموضع، فقد يقتضي الحالُ حملَ الدراهم على المغشوشة في الإقرار، ولكن الوجه عندي فيه أنه إذا قال المُقر: أردت المغشوشة، ففي قول منه -وعرف الموضع مساعدٌ - الوجهان، فلو لم يدع أنه أراد المغشوشة، فالوجه عندي مطالبته بالخالصة، وسبب ذلك أن العرف لا جريان له في الأقارير، فاسم الدراهم على اقتضاء الخلوص والزنة التامة. ولكن إن زعم أنه أراد ما يجري به العرف في المعاملة، فقد يعذره بعضُ الأصحاب بسبب جريان المعاملة، وهذا لا قطع به، ولا يمتنع أن يقال: إن تراجع فيما أراد، فإن زعم أنه لم يرد شيئاً، فإقراره محمول على الغالب في المعاملة.
هذا تردد لطيف يجب تدبره.
стр. 6932
وأما إذا جعلنا للعرف أثراً، وقد جرى التعليق في الطلاق، أو العتاق، فإن قال: أردت الدراهم المغشوشة، فالوجه عندي القطع بتصديقه لما فيه من توسيع الطلاق.
وإن أطلق، فالوجه القطع بحمل لفظ المطلق على الخالصة الوازنة.
ومن أصحابنا من ذكر وجهاً وهو صادر عن غير بصيرة ودراية بحقائق الأشياء ووضعها.
وقد انطوى إلى هذا المنتهى أصلان: أحدهما - تعلّق الإعطاء بفعلٍ مجرد من غير قول من جهتها.
والثاني - الكلام في الخلوص والنقصان.
٨٧٩٦ - ونحن نبتدىء -بعد هذا- الكلامَ في مقصود آخر، والبناءَ على الفرق بين المعاملات وألفاظ المُعلِّقين، فنقول: إذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، فأنت طالق، وكان في البلد نقد غالب وزان خالص، فإذا جاءت بألفٍ من النقد ووضعته بين يدي الزوج، قُضي بوقوع الطلاق، لتحقق الصفة، ثم ما أعطته من جنس النقد فيملكه الزوج ولا يجري فيه رد واسترداد، وقد وقع الطلاق وجرى الملك في المعطى معاً.
ولو أتت بألف درهم وازنة خالصة، ولكن النقد الغالب في البلد غيرُ ذلك الذي أتت به، وليقع الفرض إذا كان النقد الغالب خالصاً وازناً أيضاًًً، ولكن الاختلاف في جودة السكة وزكاتها (١)، وفي لين النقرة وانْطراقها، وفي خشونتها، فالذي ذكره الأئمة أن الطلاق يقع، كما ذكرناه، ثم الزوج لا يملك ما جاءت به، ولكن يرده ويسترد ألفاًً من نقد البلد؛ فإن الذي تقتضيه المعاملة التقييد. بنقد البلد، والذي يقتضيه التعليق اتباع الاسم، فوقع الحكم بوقوع الطلاق لتحقق الاسم، وثبت الرجوع إلى النقد الغالب لموجب المعاملة. هذا قول الأصحاب.
وهذا مشكل. فليتأمله المنتهي إليه؛ فإن الطلاق إنما يقع لتحقّق الصفة
стр. 6933
[وتمليك] (١) الدراهم، فلئن كان ما جاءت به على حقيقة الصفة، فليتحقق فيه التمليك؛ فإن الإعطاء معناه التمليك، فالذي يقتضيه القياس الحق أن يتملّك الزوج ما يقع الطلاق بالإتيان به، وإن كان يجب اتباع النقد الغالب، فيجب أيضاًًً أن يتوقف وقوع الطلاق على ما هو المملوك.
وهذا لا مطمع في دفعه.
[و] (٢) في نص الشافعي في (السواد) ما يدل على أنا لا نرجع إلى نقد البلد، ولكن إذا أتت بالدراهم وهي نقرة وازنة، وقع الطلاق للاسم، فإن كانت النقرة معيبة، فعليها ألفٌ خالصة غيرُ معيبة، ولم نرجع إلى النقد الغالب. وهذا فيه دفعٌ لنوعٍ من الإشكال، وهو المصير إلى نقد البلد؛ فإنه لم يعتبره، ولكن لما وضح قصد التمليك في الألف، اقتضى ذلك السلامةَ من العيوب، كما يقتضيه كل ما أُثبت عوضاً. وهذا ليس ينفي الإشكال بالكلية؛ فإن القياس يقتضي ألا يقع الطلاق إلا بما يجري الاستحقاق فيه، وما يقع الطلاق به فينبغي ألا يبدّل.
وقد أجمع الأصحاب في الطرق [على] (٣) أن الرجوع إلى نقد البلد إذا كان في البلد نقد غالب.
وهذا مع اشتهاره لا وجه له أصلاً، وفي إيجاب الإبدال [لعين] (٤) المعيب إشكالٌ قائم أيضاًً، ولكنه أمثل من الرجوع إلى نقد البلد، والله أعلم.
وقال الشيخ أبو علي في شرح التلخيص: من أصحابنا من قال: إذا وقع الطلاق إذا جاءت بالألف الخالصة الوازنة، فالرجوع إلى مهر المثل، وعلَّل هذا القائل [بأن التمليك] (٥) من غير إلزام والتزام، وعقدٍ مشتملٍ على شقيه بعيدٌ. ولكن الزوج لم
стр. 6934
يرض بوقوع الطلاق من غير مال، وفسد التملك بلفظ الإعطاء مع [الفعل] (١)، [فكان] (٢) مجموع ذلك يقتضي الرجوع إلى مهر المثل.
ولو أتت [بألفٍ] (٣)، يقع الطلاق بمثلها، وكان النقد الغالب من ذلك الجنس أيضاًًً، فهذا القائل يقول: الألف الذي به [وقع الطلاق] (٤) مردود، والرجوعُ إلى مهر المثل؛ لما ذكرناه، من أن لفظ التعليق لا يفيد معنى التمليك على التمام، وليس خالياً عن اقتضائه أيضاًًً، فهذا بيان هذا الوجه.
ومما نجري في ذلك أيضاًًً أن من يحمل لفظ المعلِّق على موجب العرف في الدراهم النقص والمغشوشة، كما قدمناه، فيلزمه أن يقول: إذا أتت المرأة بألف -والنقد الغالب غيره- فلا يقع الطلاق؛ لأن اللفظ يتضمن [التقيّد] (٥) بالعرف. وهذا بعيد، ولكنه مستند إلى ما تقدم تقريرُه وحكايتُه عن بعض الأصحاب.
٨٧٩٧ - فهذا تمام ما قيل فيه. والمذهب الحكم بوقوع الطلاق إذا جاءت، بألف وازنة خالصة، ثم إن كانت موافقة لنقد البلد، فالزوج يملكه. وإن كان النقد مخالفاً لما أتت به، وقع الطلاق، ورد الزوج ما جاءت به وطالبها بألفٍ من النقد. وإن لم يكن بين ما أتت به وبين النقد إلا تفاوتٌ في النوعين، فإن [تراضيا بما جاءت به] (٦) جرى الملك فيه، كما سبق تقريره في السَّلم إذا أتى المسلم إليه بما يخالف، النوع الموصوف والجنس جامعٌ، ولا وجه للخصوص في ذلك، والقياس ما تقد التنبيه عليه من وقوع الطلاق إذا أعطت ما وصف، وتعلق الملك بعينه، وما حكاه الشيخ أبو علي من الرجوع إلى مهر المثل فيه [غَوْص] (٧) في الفقه. فهذا تمام الاطلاع على حقيقة هذا الطرف.
стр. 6935
٨٧٩٨ - ومما يتعلق بتمام الكلام أنه إذا قال: إن أعطيتني ألفاًً، فهذا يقتضي أن تأتيَ به على الفور في زمان قبول العقد، حتى لو فرض تخللُ زمانٍ ينقطع بمثله الإيجاب عن القبول، فإذا أتت بالألف بعد ذلك، لم يقع الطلاق.
وهذا مما مهدناه عند ذكر أصل الخلع وماهيته. وقد اتفق الأصحاب على هذا في طرقهم.
ورأيت في شرح التلخيص أن من أئمتنا من قال: قوله: إن أعطيتني ألفاً لا يقتضي الفور، كما أن قوله إن دخلت الدار لا يقتضي الفور، فإن التواصل إنما يليق بكلامين: أحدهما التماس جواب، والثاني جواب عنه.
وهذا وإن أمكن توجيهه، فهو بعيد في الحكاية، لا تعويل عليه، وسيأتي فصلٌ في أنه إذا قال: [إن] (١) أعطيتني ألفَ درهم، فهذا محمول على تسويغ التأخير.
فهذا بيان أصول الفصل، والتنبيهُ على موقع الإشكال فيه، والانفصال عما يمكن الانفصال فيه (٢).
٨٧٩٩ - ثم مما ذكره الشافعي في ذلك أنه إذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، فلو أتته بألفي درهم، وقع الطلاق، ولا أثر للزيادة التي جاءت بها، وليس كما لو قال: أنت طالق على ألف، فقالت: قبلت ألفين، فلا يقع شيء، والفرق أن القبول جواب الإيجاب، فإذا خالفه في الصفة، خرج عن كونه جواباً. وإذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، فالإعطاء ليس جواباً، وإنما هو فعل، وإذا جاءت بألفين، فمما جاءت به ألف درهم، ولا اعتبار بالزيادة.
ولو قال: إن ضمنتِ لي ألفَ درهم، فأنت طالق، فقالت: ضمنت ألفي درهم، وقع الطلاق، ولا يلزمها إلا الألف؛ فإن الضمان وإن كان قولاً منها، فليس أحدَ شِقَّي عقد، حتى يشترط وقوعه على وفق النسق الصادر من. الرجل. والدليل عليه أن