← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

فصل قال: "ولو قال: إن أعطيتني عبداً، فأنت طالق ... إلى آخره" (١). ٨٨٣٤ - مضمون الفصل الكلام فيه إذا ربط الكلامَ بعوض مطلقٍ، أو معين، والقولُ في ذلك مضطربٌ في الطرق، ونحن نرى أن نجمع العوض في نوعين، ونأتي في كل واحد منهما بالمسائل اللائقة مرسلةً، ونذكر في كل مسألة ما بلغنا من قول الأئمة، حتى إذا استوعبنا مضمون كل نوعٍ بالمسائل، انعطفنا بعدها على ذكر جامعٍ ضابطٍ إن شاء الله ، ثم نختتم الفصلَ بعثراتٍ وقعت لا نعدُّها من المذهب، ولا نرى تَرْك نقلها. ٨٨٣٥ - فأحدُ النوعين فيه إذا علّق الزوج الطلاق على عوض يحصل بفعلٍ، مثل أن يقول: إن أعطيتني. والثاني فيه إذا جرى العوض على صيغةِ المخالعةِ والمعاوضة من غير تعليق من الزوج، وهذا النوع يستدعي قبولاً، لا محالة، كما بان فيما تقدم، وسيزداد وضوحاً. ٨٨٣٦ - فأما مسائل التعليق، فإذا قال لامرأته: إن أعطيتني عبداً، فأنت طالق، فإذا جاءت بعبدٍ يتصوّر إجراء التمليك فيه من جهتها، نحكم بوقوع الطلاق لوجود الصفة، ولا فرق بين أن يكون ذلك العبد معيباً، أو سليماً؛ فإن التعويل في الحكم بوقوع الطلاق على تحقيق الاسم، وإمكان الإعطاء، وهذا ناشىء من الأصل الذي تمهد قبلُ في أن الرجل إذا قال لها: إن أعطيتني ألف درهم، فأنت طالق، فإذا أعطته، طُلِّقت، وقد تملّك الزوج عينَ ما تأتي به، إذا كان الألف معلوماً، على ما تقدم تفصيله وإيضاحه. وقد يقتضي الحال ردَّ ما جاءت به ومطالبتَها بألفٍ [غيرِها] (٢) على ما تفصّل، فإذا

стр. 6967

جرى التعليق على العبد المطلق، فهذا مجهولٌ لا محالة، والمجهول لا يُستحق عوضاً، فيقع الطلاق إذاً، [والعبد] (١) مردودٌ عليها، ثم الرجوع إلى مهر المثل في هذه الصورة قولاً واحداً؛ فإنا إذا لم نثبت الشيء عوضاً لكونه مجهولاً، فلا طريق إلا الرجوع إلى مهر المثل. ٨٨٣٧ - هذا إذا أتت بعبدٍ هي مالكته، ويتصور منها إجراء التمليك فيه، فإن غصبت عبداً وجاءت به، فقد ذكر الأئمة وجهين في وقوع الطلاق: أحدهما -وهو الذي مال إليه المحققون، وقطع به معظمهم، منهم القاضي- أن الطلاق لا يقع؛ فإن الإعطاء متضمنه التمليك، فينبغي أن تأتي بما يتصور منها التمليك فيه، حتى إن فرض عدم جريان الملك فيه، فلا يكون من جهتها، وإنما يأتي تعذُّر جريان الملك، من جهةٍ أخرى، فتُسمَّى مُعْطية؛ من حيث بذلت الوسع والإمكان الصادر منها، فعند ذلك تسمى مُعطية، والذي يُحقِّق هذا أن الرجل قد يقول: أعطيت فلاناً شيئاً، فلم يقبله، فإذا أتى بمغصوبٍ، وقال: قد أعطيت فلاناً، فلم يقبل، كان كلامه مضطرباً، ورُدّ عليه: وكيف أعطيتَه، ولم يكن لك؟ فهذا بيان هذا الوجه. والوجه الثاني - أن الطلاق يقع؛ فإنها لو أتت بعبدٍ مملوك لها، وصيغة التعليق ما وصفناه، وهو قوله: إن أعطيتِني عبداً، فالزوج لا يملك عبدها المملوك لها، فإذا كان هذا لا يُفضي إلى جريان الملك فيما تأتي به، فلا معنى لاشتراط كونه مملوكاً لها، بل يكفي أن يكون عبداً يُتصور فيه على الجملة إجراء الملك، حتى لو [أتت بحُرٍّ] (٢)، لم نقضِ بوقوع الطلاق؛ من جهة أنها لم تأت بعبدٍ. والذي أراه من متن المذهب الوجهُ الأول، ولا ينبغي أن يغتر الناظر بما ذكرناه في الوجه الثاني؛ فإن اللائق بعقد الخلع ذلك الوجه.

стр. 6968

٨٨٣٨ - ثم فرع القاضي على ذلك الوجه، فقال: إن قال: إن أعطيتني زقَّ خمر، فأنت طالق، فجاءت بخمرة محترمة مستحَقَّة لغيرها، فهل يقع الطلاق؟ ذكر فيه تردداً، فشبه الخمر في وجهٍ بالعبد المغصوب، وقطعها عن العبد في وجهٍ؛ من حيث لا يتصور في جنسها جريان الملك، وقال في توجيه المسلك الأول: الاختصاص في الخمر [ليس] (١) في حكم الإطلاق إلى إمكان الإعطاء والبذل، وإن كان ذلك الجنس لا يقبل نقل الملك. فهذا منتهى تصرف الأئمة فيه. ٨٨٣٩ - [وإذا عين الزوج عبداً] (٢)، وعلق الطلاق بإعطائها، وقال: إن أعطيتِني هذا العبد، فأنت طالق، فإن كان العبد ملكَها وأعطته إياه، وقع الطلاق، وملك الزوج العبد؛ فإن التعيين أعلمه. ولو خرج ذلك العبد مستحقاً، فقد خرّج العراقيون وجهين في وقوع الطلاق: أحدهما - أن الطلاق لا يقع، وهو اختيار ابن أبي هريرة؛ لأنه علق الطلاق بإعطاء ذلك العبدِ المعيّنِ، والإعطاء تمليك، فإذا كنا لا [نوقع] (٣) الطلاق والعبد المذكور في الإعطاء مطلق إذا جاءت به مغصوباً، وإن كان العبد المطلق لا يتصور أن يملّك على هذه الجهة، فإذا اتجه اشتراط إمكان الإعطاءِ والتمليكِ ثَمَّ، فاتجاه ذلك في العبد المعيّنِ أولى، مع العلم بأنه لو كان مملوكاً لها، وأتت به، لملكه الزوج. وهذا متجه حسن. والوجه الثاني - أن الطلاق يقع، وهو الذي قطع به القاضي؛ لأن الإعطاء جرى ظاهراً، والفرقة لا تُرد، ثم ذكر القاضي أن الفرقة بينونة [مع ردّ] (٤) العبد، والأمر على ما قال، فإنها إن وقعت، فلا سبيل إلى تقديرها إلا بمال، والفرقة الواقعة بالمال بينونة.

стр. 6969

ثم الرجوع إلى قيمة العبد المعيّن أو إلى مهر المثل؟ فعلى قولين معروفين في بدل الخلع والصداق. وإن قال الزوج: إن أعطيتني هذا العبدَ المغصوب، فأنت طالق. هذا يفرّع على ما إذا لم يذكر المغصوب واقتصر على إعطاء العبد المعيّن. فإن قلنا: يقع الطلاق في الصورة الأولى، فلأن يقع في هذه الصورة أولى؛ فإنه إذا ذكر المغصوب أشعر بقناعته بإقباضها إياه هذا العبد، وإن لم يكن ملكاً لها، فيصير الإعطاء مع ذكر المغصوب دالاً على أنه ليس يبغي التمليك. وإن قلنا في الصورة الأولى: إن الطلاق لا يقع، ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما - أنه لا يقع؛ فإن الإعطاء في المغصوب غيرُ ممكن، فإذا ذكر الإعطاء وأضافه إلى المغصوب، فقد علّق الطلاق بمستحيل، فكان كما لو قال لامرأته: إن بعت الخمر، فأنت طالق، أو قال: إن صليتِ محدِثةً؛ فأنت طالق، فإذا أتت بصورة البيع في الخمر، وبصورة الصلاة مع الحدث، لم يقع الطلاق على مذهب الشافعي. والمزنيُّ يخالف في هذا. ونحن لا نجد بداً من رمزٍ إلى المذاهب في ذلك. ٨٨٤٠ - [فإذا] (١) عقد الرجل يمينه على البيع المطلق، لم يحنث بالبيع الفاسد، هذا ظاهر المذهب، وللشافعي نصٌّ في النكاح دالٌّ على أن الفاسد يدخل تحت الاسم المطلق الواقع على الجنس؛ فإنه قال: "لو أذن لعبده في النكاح، فنكح نكاحاً فاسداً، وأصاب، فالمهر يتعلق بكسبه". ولا يُتصوّر أن يتعلق بكسب العبد إلا دينٌ رتب على إذن السيد، وهذا وإن لم يكن منه بدٌّ، فهو ضعيف. فأما إذا علق اليمين على الامتناع عن بيعٍ فاسد، مثل أن يقول: والله لا أبيع الخمر، فإذا باعها، فمذهب المزني أنه [يحنث] (٢)، وقد اشتهر من طائفة من

стр. 6970

الأصحاب موافقتُه. والذي ذهب إليه الجمهور، ودل عليه النص أنه لا يحنث. وهذا فيه إذا أطلق اللفظ. فأما إذا قال: عنيت بيميني أني لا أقول: بعت هذه الخمرة، فيحنث إذا قالها. وسيأتي تفصيل هذا في الأَيْمان، إن شاء الله . فإن قلنا: لا يقع الطلاق (١)، فلا كلام. وإن قلنا: يقع الطلاق، فالذي ذكره القاضي والصيدلاني أن الرجوع. إلى مهر المثل قولاً واحداً في هذه الصورة، لأنه لما قال: إن أعطيتني هذا المغصوب، فلفظه فاسد، وقد ذكرنا هذا الفن في كتاب الصداق، وأوضحنا ما فيه من مستدرك [وحكينا] (٢) عن الأئمة قولين في أن الرجوع إلى القيمة أو إلى مهر المثل. وذكر القاضي في بعض أجوبته أن الطلاق يقع رجعياً؛ لأنه قَنِع بهذا، وطرد هذا فيه إذا قال: إن أعطيتني خمراً، أو هذه الخمرة، فأنت طالق. قال: من أصحابنا من قال: يقع الطلاق رجعياً، وهذا متجه في القياس. [وهو] (٣) في نهاية البعد في الحكاية، ولا يقبل مثله إلا من مثل القاضي. وإذا قال: [إن أعطيتني ميتة، كان كما إذا قال:] (٤) إن أعطيتني خمراً، أجمع الأئمة عليه. وهذا لأمكان الانتفاع بالميتة في وقت الضرورة، أو بأن تجعل طعمة للكلاب والجوارح، أو بأن تعتقد مطلوبة في بعض الملل كالخمر. ٨٨٤١ - ولو قال: إن أعطيتني هذا الحرَّ، فالكلام في وقوع الطلاق كما مضى. وإذا حكمنا بالوقوع، فالأظهر أن الطلاق رجعيٌّ، ومن أصحابنا من أثبت البينونة والمالية، ثم يعود التردد في أنا نخرّج القولين، أو نقطع بالرجوع إلى مهر المثل.

стр. 6971

هذا ما أردناه في أحد النوعين الموعودين، وهو ربط الطلاق على صيغة التعليق بإعطاء العوض. ٨٨٤٢ - فأما الكلام في المخالعة وإجراء الإيجاب والقبول من غير تعليق، فإذا قال الزوج: خالعتك على عبدٍ، فالطلاق يقع بقبولها، ولا حاجة إلى الإتيان بالعبد، والتقدير خالعتك على التزام العبد. ثم إذا قبلت، وكانت عبارتها صحيحة، وكانت من أهل الالتزام أيضاًًً، فيقع الطلاق بقبولها، ويلزمها مهر المثل، إذا (١) العبد مجهول. وإن كانت صحيحة العبارة، ولم تكن من أهل الالتزام، فالذي وجدت [الطرق متفقة] (٢) عليه أن الطلاق يقع رجعياً بقبولها، ولا مال. والمذهب الذي عليه التعويل أنه لو قال لزوجته الصبية: أنت طالق على ألف، فقالت: قبلت [لم] (٣) يقع الطلاق؛ إذ لا قول لها، وهي مسلوبة العبارة. ومن أصحابنا من خرج هذا على خلافٍ سيأتي ذكره -إن شاء الله في أن الرجل إذا قال لزوجته الصبية: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئت، فهل نحكم بوقوع الطلاق؟ فقال هذا المفرّع: إذا حكمنا بوقوع الطلاق بلفظها في المشيئة فنحكم أيضاًًً بوقوع الطلاق بلفظها في قبول العوض. وهذا وإن كان له اتجاه، فهو بعيد؛ فإن ألفاظ العقود مستلبة على أصل الشافعي من الصبي والصبية، ولا يطرد سلب قولها في غير العقود. ٨٨٤٣ - ولو خالع الرجل على معين وجرى القبولُ ممن هو من أهله، ثم خرج ذلك المعيّن مستحقاًً، فلا خلاف في وقوع الطلاق، وليس كما لو علّق الطلاق بإعطائه، فخرج مغصوباً؛ فإن التعويل على صيغة المخالعة في وقوع الطلاق، على الإيجاب والقبول. ثم إن صح المسمى سُلِّم، وإن فسد وأمكن إثبات المالية، وقعت البينونة،

стр. 6972

وفي المال الذي يثبتُ التفصيل المشهور. وإن عسر إثبات [المالية] (١)؛ بأن تكون المختلعة سفيهة، أو رجعية، وقلنا: لا تخالع الرجعية- فالطلاق يقع لصورة الإيجاب والقبول، ثم يكون رجعياً. هذا وضع الباب في ذلك. والأصل مطرد، لا اضطراب فيه إلا عن جهة أصلٍ لا نجد بداً عن ذكره مقصوداً ثم إذا ذكرناه ونقلنا ما فيه، نبهنا على مخالفته الأصلَ الذي مهدناه في النوع الثاني، ثم ننظر فيما ينقدح في المباحثات. ٨٨٤٤ - ونبتدىء فنقول: إذا [جاء أبُ] (٢) الصبية إلى زوجها وقال: خالعها بهذا، وأشار إلى عبد هو ملك الأب، فإذا خالعها الزوج على ذلك العبد، صح الخلع، واستحق الزوج ذلك العبد. ولو جاء أجنبي واختلعها عن زوجها بمالٍ يبذله، [فالخلع] (٣) صحيح، على ما مضى ذلك في صدر الكتاب. ولو جاء الأبُ بعبدٍ من مال ابنته، واختلعها عن زوجها به، وظن الزوج أنه مِلْك الأب، فالبينونة تقع، والرجوع على الأب بقيمة ذلك العبد المعين أو بمهر المثل؟ فعلى قولين. ولو قال الأب: هذا عبدها وقد اختلعتها به، فقال الزوج: خالعتها به، فالذي أطلقه الأصحاب أن الطلاق يقع رجعياً. أما الوقوع، فسببه ثبوت الإيجاب والقبول، [وأما] (٤) سقوط المالية، فسببه أن الأب أضاف العبد إلى ملكها، وفي ذلك قطع طمعه عنه، فكانت هذه مخالعة لا مالية فيها، ووقوع الطلاق بعد الإيجاب والقبول بمثابة مخالعة المحجورة؛ فإنّ تعذر استحقاق عبد الصبية بمثابة تعذر التزام ذمة المحجورة مالاً. هذا ما ذكره الأصحاب. وقالوا: لو لم يُضِف العبدَ إلى ملك الزوجة، وورد الخلع عليه مطلقاً، وكان

стр. 6973

الزوج عالماً بأنه ملك الزوجة، ففي المسألة وجهان: [أحدهما -] (١) أن الطلاق يقع رجعياً، كما لو أضيف العبد إلى ملكها لفظاً، وكان علمه بكون العبد ملكاً لها بمثابة إضافة العبد إلى ملكها. والوجه الثاني - أن الفرقة بينونة، ويرجع الزوج [على] (٢) الأب بقيمة العبد، أو مهر مثل الزوجة. هذا ما نقله الأصحاب، وقالوا على معارضته: إذا قال الرجل لامرأته: خالعتك على هذا العبد المغصوب، فقالت: اختلعت، وقعت الفرقة بائنةً، وفيما يرجع [به] (٣) الزوج على زوجته قولان: أحدهما - أنه يرجع عليها بقيمة العبد المعين. والثاني - أنه يرجع عليها بمهر مثلها، وليس يخفى أن هذه المسألة في ظاهرها تخالف مسألة اختلاع الأب مع إضافة [العوض] (٤) إلى ملك الصبية، وذلك أن الإضافة إلى ملكها بمثابة إضافة العبد المغصوب في المسألة الأخرى إلى ملك المغصوب منه، واعترف كل من نحا نحو الغوّاصين ولم يرض بالاختصار على الظواهر أن الفرق بين المسألتين عسر؛ فإن الأب من أهل الاختلاع استقلالاً، كما أن المرأة تختلع نفسها، وفي العبد المضاف إلى ملكها مالية، والعصاة يتنافسون على الأموال المغصوبة، كما يتنافس أصحاب الخمور في الخمور، وإن لم تكن متمولة. ٨٨٤٥ - ثم أتى بعض النقلة عن القاضي بما لا أوثر نقلَه [والاحتفالَ] (٥) به. والذي يتعين نقلُه أن كثيراً من أئمتنا صار إلى أن المخالع على العبد المغصوب لا يستحق مالاً، ويقع الطلاق رجعياً، كما ذكرناه في اختلاع الأب ابنته بعبد يضيفه إلى ملكها، ثم طرد [هذا] (٦) في المخالعة على الخمر، وقضى بأن الرجل إذا قال لامرأته:

стр. 6974

خالعتك على هذه الخمرة، أو على هذا [الخنزير] (١)، أو على هذه الميتة، وقالت: قبلت، قُضي بوقوع الطلاق رجعياً. ولست أنكر إمكانَ توجيه هذا؛ فإن من يذكر الخمر لا يبغي غيرها، وليست الخمر مالاً، وليس الخنزير مالاً، وليس يبعد عن قاعدة القياس إبطالُ المقصودِ الفاسد والاعتقاداتِ الحائدة عن موجب الشرع، وبناءُ الأمر على حكم الدين، وكذلك إذا جرى التصريح بذكر [الغصب] (٢). ولكن هذا لا يوافق ظاهر المذهب، ومقتضى النصوص. وإن عُدّ هذا الذي ذكرناه قولاً، فيجب لا محالة على مقتضاه أن نُخرِّج في هذه المسألة -وهي مسألة الأب- قولاً آخر من ظاهر المذهب، فكان يجري قولان في المسألتين: أحدهما - أن الطلاق [يقع] (٣) رجعياً في هذه المسائل، سواء فرض من الأب في حق ابنته، أو فرض بين الزوج وزوجته. هذا لا بدّ منه على مقتضى الترتيب الذي ذكرناه. ٨٨٤٦ - والذي أراه في هذا المجال أن معظم الناظرين في هذه المسائل المتعارضة، لم يُنعموا النظرَ فيها، ولم يجشّموا أنفسهم دَرْك معانيها، والذي يجب القطع به أن مخالعة الزوج زوجته على مغصوبٍ مع التعرض لذكر الغصب، أو على خمرٍ أو خنزير، مع التعرض لذكرهما يوجب بينونةً وماليةً، كما مهدنا [المذهب] (٤) فيه. فبقي لنا النظر في مسألة الأب، وأنا أقول فيها: تلك المسألة مفروضةٌ فيه إذا كان يختلع الأبُ ابنته بحكم الولاية متصرفاً عنها، [فذكره] (٥) عبدَها مع إضافة الملك إليها مشعر بهذا القصد، وكل من يتصرف عن الغير فيضيف التصرف إليه، فليس قبولُه

стр. 6975

التزاماً في حق نفسه، وليس كالمرأة إذا التزمت الخمر؛ فإنها قصدت خلعَ نفسها، [وافتداءَها] (١) بما تبذله من مالٍ أو شيء يُحصَّل في العرف بمال. وهذا فرق ظاهر. وإذا كنا نقول: إذا خالع الرجل امرأته المحجورة لا تثبت المالية؛ لأنها ليست من أهل الالتزام في حق نفسها، فالأب ليس من أهل الالتزام في حق ابنته إذا كان يتصرف بحكم الولاية لها. ووراء ما ذكرناه سرٌّ، لا اطّلاع عليه إلا عند نجاز الفصل، وتمامُ الكلام أن الأب يُتصوّر أن يختلع ابنتَه اختلاع الأجنبي إياها؛ فإن هو قصد أن يختلعها اختلاع الأجنبي لا على حكم الولاية، فالاختلاع على هذا القصد يُلزمُه الماليةَ، حتى لو اختلعها بعبد ابنته، [وكان] (٢) كما لو اختلعت المرأة نفسها بعبد مغصوب. وتمام البيان بين أيدينا بعدُ. ٨٨٤٧ - وقدرُ غرضنا الآن التنبيهُ على مسلك الفرق على الجملة [فممّا] (٣) نذكره وننقل ما فيه، وإن أخر الشافعي ذكره أن الأب إذا قال لزوج ابنته: طلِّقْها وأنت بريء عن صداقها، أو على أنك بريء عن صداقها، فإذا طلقها الزوج بناءً على ما ذكره الأب، فالذي صار إليه جماهير الأصحاب أن الطلاق [يقع] (٤) رجعياً، ولا شك أن هذه المسألة تخرّج أولاً على أن الأب هل يملك الإبراءَ عن الصداق، وقدمنا تفصيل ذلك في موضعه. فإن رأينا للأب الإبراء، فقد نقول: له أن يختلعها على البراءة من الصداق، والزوج يبرأ. وهذا مما قدمناه، فلا عَوْدَ إليه، والتفريع على أنه لا يملك الإبراء، فعلى هذا لا يبرأ الزوج بسبب الاختلاع، ويقع الطلاق رجعياً، هذا مقتضى النص، وهو الذي ذهب إليه جمهور الأصحاب. وذكر صاحب التقريب وجهين في أن الطلاق هل يقع إذا حكمنا بأن البراءة

стр. 6976

لا تحصل، وقد ذكرهما بعض المصنفين، ولا تعويل على ما ينفرد ذلك المصنف بنقله؛ فإنه كثير العثرات غيرُ موثوق به، ولكني رأيت لصاحب التقريب وجهين في وقوع الطلاق، ذكرهما، وكررهما فنقلناهما على تحقيقٍ. ٨٨٤٨ - ونحن الآن -بعون الله- نوضّح المسالك وننزل المسائل على مراتب، ينجح الفقيه بها، ويرتاح بذكرها، [ولا تظن بعدها أن الشافعي في أسطر مقاربة بين كلام متهافت] (١). فنقول: إذا خالع الرجل زوجته المبذرة، فقبلت، فهي صحيحة العبارة، وقد وجد منها صيغة الالتزام على الصحة، ولكن قضى الشرعُ بأنه لا يلزمها شيء؛ فاعتمدَ وقوعُ الطلاق صحةَ قبولها، [ولم يلزم] (٢) المال، ونتيجة هذه الجملة وقوعُ الطلاق. وإذا قال الأجنبي: وكّلتني فلانة بأن أختلعها بكذا، فقال الزوج بانياً على ذلك: خالعتها بكذا، فقال الوكيل: قبلت عنها، وكان كاذباً في التوكيل، لم يقع الطلاق، لأن الأجنبي لم يضف إلن نفسه، ولم يصدُق في دعواه الوكالة، فلم يعتمد الطلاقُ قبولاً صحيحاً. وإذا اختلع الأب ابنته بحكم الولاية، وأبان ذلك في صيغة لفظه، فهذا خارج عن ولايته، ولكنه أطلق الاختلاع، ولم يضف لفظ الاختلاع إلى ابنته، بل بناه على ولايته، وهو ممن يتصور منه أن يخالع بنفسه مخالعة الأجنبي، فتردد الأمر وتطرّق إليه إمكان المصير إلى الطلاق، فلا يقع كما ذكرناه في مثله الأجنبي الآن، وإن وقع فهذا القبول أضعف من قبول المحجورة، فقد بان وجه التردد في الوقوع، وينبني عليه وجه سقوط المالية. ونحن نقول الآن: إذا اختلع الأب ابنته بمال نفسه، فهذا محمول على اختلاع

стр. 6977

الأجنبي، وإن اختلعها بمالها، وأضاف المال إلى ملكها، فهذه المسألة التي ترددنا فيها وقوعاً أولاً، ثم أوضحنا سقوط الماليّة. وإن قال الزوج: اختلعتَها عن نفسك اختلاع الأجنبي، وبذلت مالَها بذلَ المغصوب، ولكن الاختلاع وقع مطلقاًً، فالظاهر في هذا تصديق الأب، فإنّ إضافة العوض إلى مالها أصدقُ شاهد فيه. ولم يبق في المسألة إلا نظرٌ واحد، وهو أن صاحب التقريب ذكر الوجهين في وقوع الطلاق في البراءة عن المهر، ولم يذكر ذلك الوجه في اختلاعه بعبدها، والصحيحُ عندنا أنه لا فرق بين المسألتين إذا ظهر قصده التصرف عنها. وإن أردنا فرقاً، فتنزيل الخلع على البراءة نصٌّ في التصرف عنها في ذلك العقد، وتنزيله على عبدها قد يتأخر عن هذا، وفيما ذكرناه انتجاز المقصود بكماله. ٨٨٤٩ - ووراء ذلك مسألة: وهي أن الأب إذا قال: خالعها، وقد ضمنت لك براءتها عن مهرها، قال الأصحاب في هذه الصورة: المذهبُ وقوع الطلاق، وإذا وقع الطلاق، فهل يجب على الأب مال، فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يلزمه شيء كما لو قال: وأنت بريء أو على أنك بريء، فإن البراءة لا يصح ضمانها بل لا ينتظم الضمان فيها. والوجه الثاني - أن الغرم يتعلق بالأب في هذه اللفظة، فإنه أضاف الضمان لنفسه. وذكر بعض المحققين وجهاً مفصلاً حسناً، فقال: نراجعه فيما عنى الضمان، فإن قال: أردت ضمان البراءة في عينها من غير مزيد، لغا ضمانُه. وإن قال: أردت أنك إذا غرمت أو طالبت أديت عنك، فهذا التزام مالية، فيجوز أن يقتضي ضمانَها. وهذه المسائل بجملتها فيما إذا جرت المخالعة إيجاباً وقبولاً، واستدعاءً وإسعافاً. فأما إذا قال الزوج: إن برئتَ عن صداقها، فهي طالق، فلا شك أن الطلاق لا يقع إذا كانت البراءة لا تحصل. ٨٨٠٥ - وقد حان أن نذكر ضابطاً على التحقيق، فنقول: إذا جرى التخالع إيجاباً وقبولاً، فالطلاق يعتمد صحةَ القبول، ثم ثبوت المالية يعتمد كون القابل من أهل الالتزام، وصحة العوض لا تخفى جهاتها.

стр. 6978

وإن تردد الأصحاب في وقوع الطلاق، فليُطْلب ذلك من ضعف القبول، وإن ترددوا في سقوط المالية مع وقوع الطلاق، فذلك مأخوذ من صحة القبول، وضعف الالتزام، وإن كان لفظ الزوج مبنياً على التعليق، مثل أن يقول: إن أعطيتِ، فالطلاق يقع من تحقيق الصفة، فإن كانت مقتضية تمليكاً، فلا يتوقع فيها طلاق رجعي [وإذا] (١) لم يكن التمليك ممكناً، فإن الصفة معدومة. وأنا أقول: إذا قال للمحجورة: إذا أعطيتني ألفاًً، فأنت طالق، فأعطته، لم يقع شيء. فهذا تنزيل هذه المسائل على منازلها، وتخريجها على أصولها [ما أمكن] (٢) [وأملنا] (٣) ألاّ ينتهي إلى هذا ناظرٌ إلا ترحم على جامعه (٤). والله ولي الأجابة بمنّه ولطفه. فصل قال: "ولو خالعها بعبدٍ بعينه، ثم أصاب به عيباً، ردّه ... إلى آخره" (٥). ٨٨٥١ - بدل الخلع ينزل منزلة الصداق في كل تفصيل ويجري فيه القولان في أنه مضمون باليد أو بالعقد، فبدل الخلع في يدها كالصداق في يد الزوج. ثم الكلام فيما إليه الرجوع كالكلام في الصداق، بلا تباين، ولا مزيد حرف. وقد تقصّينا القول في الصداق، فلم أر لإعادة ما قدمته معنى. ومن جملة [ما نذكره] (٦) هاهنا الردُّ بالعيب، فإذا جرت المخالعة هاهنا على صيغة الإيجاب والقبول على عين مالٍ، نفذت الفرقة؛ تعويلاً على القبول، فإذا وجد الزوجُ

стр. 6979

بالعوض المعيّن عيباً، مَلَك ردَّه، كما تملك المرأة رد الصداق، ثم القول فيما يرجع به الزوج عليها كالقول فيما ترجع [به] (١) على الزوج في الصداق. ٨٨٥٢ - ثم قال الشافعي: "ولو خلعها على ثوب على أنه مَرْوي، فإذا هو هَرَوي ... إلى آخره" (٢). يقول: إذا خالعها على ثوب هروي، فالصورة في ذلك تختلف، ونحن نُجري أمثلةً والخلعُ إيجاب وقبول، ثم نذكر أمثلةً والخلعُ على صفة التعليق. فأما إذا كان إيجاباً وقبولاً، وفُرض اشتراط صفة في العوض [وقع] (٣) اختلافها، فذلك ينقسم إلى العوض الموصوف في الذمة وإلى العوض المعيّن؛ فإن كان موصوفاً في الذمة مثل [أن] (٤) يقول: خالعتك على ثوب هروي، صفته كذا وكذا، وأخذ يُطنب إلى استغراق المقصود، فإذا قبلت المرأة، قُضي بوقوع البينونة بنفس القبول؛ بناء على ما تمهد من الأصول. ثم هي مطالبة بالثوب الموصوف، فإن أعطته مروياً، ردّه عليها، وطالبها بالثوب المستحق الذي أحاط الوصفُ به. ولو قال: خالعتك على هذا الثوب المروي أو على هذا الثوب، على شرط أنه مروي، فإذا قالت: قبلت، حكم بوقوع الطلاق. قطع الأئمة أجوبتهم به؛ فإن الفرقة بالمخالعة المتعلقة بالإيجاب والقبول، تعتمد القبول، ولا نظر إلى الصفة المشروطة، كانت [أو تخلّفت] (٥). والدليل عليه أنه لو قال: خالعتك على هذا الخلّ، فقالت: قبلت، ثم تبين أن المشار إليه خمر، فالفرقة تقع، وكذلك إذا قال: خالعتك على هذا العبد؛ فإذا المشار إليه حر، وقعت الفرقة. فإذا كان الخروج من المالية لا يمنع وقوع الفرقة، فالخروج من صفةٍ إلى صفةٍ بهذه المثابة.

стр. 6980

ثم إذا شرط كونَ الثوب المشار إليه مروياً، [فبان] (١) أنه هروي، وقع الحكم بنفوذ الفرقة، فالعوض [لا] (٢) يفسد بالاختلاف في الصفة، وآيةُ ذلك أن الزوج لو رضي به، جاز له ذلك، وإذا كان [الاختلاف] (٣) في صفاتِ الأعواض في المعاوضات المحضة لا يوجب فساد العوض، فبدل الخلع بذلك أولى. ثم إن رضي الزوج بذلك، فلا كلام، وإن لم يرض به، فله الرد، وليس ذلك بدعاً؛ [فإن] (٤) ما يتطرق إليه خيار الرد بالعيب يتطرق إليه خيار الخُلف، ثم إذا [ردّ] (٥)، ففيما يرجع به قولان: أحدهما - أنه يرجع إلى مهر المثل. والثاني - أنه يرجع بقيمته. وهذان القولان في أنه إذا ردّ العوضَ بالعيب، فإلى ماذا يرجع؟ ثم إذا أثبتنا له الرجوع [يرجع] (٦) بقيمة الثوب المروي على ما شرط، إذ لو كان يرجع بقيمة الهروي، لقنع بالثوب الهروي من غير رد. وما ذكرناه فيه، إذا اتحد الجنس، فكان الثوبان من القطن مثلاً، لكن [إن] (٧) اختلف النوع بالجنس، فالأمر على ما بيناه. فإن كان الثوب الذي أشار إليه، وشرط كونه مروياً، كان كتاناً، [والهروي] (٨) قطن، فإذا اختلف الجنس، فلو أراد الزوج أن يستمسك بالثوب المعاين المعيّن، فهل له ذلك؟ اختلف أصحابنا، فمنهم من قال: ليس له ذلك، ولو رضي به، لم يملكه؛ فإنه ليس من جنس ما ذكره، فلم يجد إلى ملكه سبيلاً، وهو كما لو خالع على عبدٍ، ثم قبض أمةً من غير فرض اعتياض، حيث يجوز الاعتياض، وليس كذلك

стр. 6981

إذا اتحد الجنس؛ فإنّ قبض النوع عن النوع سائغ على [ما سنذكر] (١) في ذلك ضابطاً جامعاً. وذكر الشيخ أبو حامد وجهاً آخر أن [للزوج] (٢) أن يقنع بالثوب المعين، وإن لم يكن من جنس ما وصفه، وذلك أنه أشار إليه الزوج، إذ خالع عليه، وقال: خالعتك على هذا الثوب، فكانت الإشارة غالبةً على الذكر والوصف. وهذا يداني اختلافَ الأصحاب فيه إذا قال: بعتك هذه النعجة، فإذا هي عجل، ففي صحة العقد، وانعقاده خلاف معروف، ذكرناه في البيع. ٨٨٥٣ - والأمر المتبع في هذا أن ما لا يجوز الاعتياض عنه كالمسلم فيه لا يجوز أن يؤخذ فيه جنس عن جنس، ويجوز أن يؤخذ المعيب عن السليم. وهل يجوز أن يؤخذ فيه نوع عن نوع؟ فيه اختلاف، وإذا جوزنا الاعتياض عن الثمن، فكل ما منعناه في السلم نجوّزه في الثمن، ولكنا نشترط إجراء عقد، وما نجوّزه في السلم نجوّزه في الثمن من غير عقد، ومحل الاختلاف جوازاً ومنعاً في السلم يستعمل في الثمن في الافتقار إلى عقد، وعدم الافتقار إليه. وما يُفرض من خُلف في الأعيان المعيّنة، فإن اتحد الجنس، انعقد العقد، وجاز الاستمساك بالمعيّن، فإن اختلف الجنس، ففي انعقاد المعاوضة خلاف، وفي فساد الخلع به خلاف، والفرقة جائزة على اعتماد القبول، ثم إن لم يفسد العوض، جوزنا الاستمساك به، وإن أفسدنا العوض ردّدنا القولين في الرجوع، ففي قولٍ يرجع إلى مهر المثل، وفي قولٍ يرجع إلى قيمة الثوب لو كان على ما وُصف به. وكل ما ذكرناه ترديد للمسائل، والخلع إيجابٌ وقبولٌ. ٨٨٥٤ - فأما إذا كان الخلع على صيغة التعليق، فإذا قال: إن أعطيتني ثوباً مروياً، فأنت طالق، فإذا أعطته هَرَوياً، لم تطلق؛ فإنّ معتمد الطلاق وجودُ الصفة في هذا النوع. ثم إن جاءت به مروياً، وقع الحكم بالطلاق، ولم يخْفَ التفصيلُ بعده إذا كان

стр. 6982

الثوب مجهولاً، وكان بمثابة ما لو قال لها: إن أعطيتِني عبداً، فأنت طالق. فإن كان الثوب موصوفاً بالصفات المرعية في السلم، فلا يقع الطلاق ما لم تتحقق الصفات فيما جاءت به. وليس هذا بمحل الرضا إنما يتعلق الإتيان به؛ فإن الطلاق لا يقع إذا علق بصفاتٍ ما لم تتمحض تلك الصفات. وإن كان على الصفات المذكورة المستقصاة، وقع الطلاق، وملك الزوج ما جاءت به؛ فإن الثوب أثبت مُعْلَماً مبيّناً، فصح عوضاً، وصلح لكونه مملوكاً عوضاً. ٨٨٥٥ - ولو علق الطلاق وأشار إلى العين وذكر الوصف، ففي لفظه تعليق وإشارة ووصف، وذلك مثل أن يقول: إن أعطيتني هذا الثوبَ وهو هروي، فأنت طالق. فإن أعطته، وكان مَرْوياً، لم يقع الطلاق؛ لأن قوله [وهو] (١) هروي معناه الشرط المحقق، والتقدير إن أعطيتني هذا الثوب، فأنت طالق إن كان هَرَوياً. فإذا تعلّق الطلاق بصفتين، استحال أن يقع بإحداهما. ولو قال: إن أعطيتني هذا الثوب الهَرَوي، فأنت طالق، فكان [مَرْويّا] (٢) على خلاف ما ذكر، فقد ذكر القاضي جوابين في هذه الصيغة: أحدهما - أن الطلاق لا يقع، كما لو قال: إن أعطيتني هذا الثوب وهو هروي. والثاني - أنه يقع؛ [لأن] (٣) الهروي لا يعطى معنى (٤) الشرط في قوله: هذا الثوب الهروي، إذ معناه الثقة بكونه هروياً، والثقةُ تنافي الشرط. وقوله: وهو هروي، فيه معنى التردد، فيتطرق إليه إمكان الشرط والتعليق، [والتعليق] (٥) على التحقيق في معنى الشرط.

стр. 6983

فصل قال: "ولو أخذ منها ألفاًً على أن يطلقها إلى شهر ... إلى آخره " (١). ٨٨٥٦ - مضمون الفصل يتعلق بثلاثة أشياء: أحدها - في طلب التزام طلاق مؤخر في الذمة بمال مبذول في الحال. والثاني - استدعاء تعليق الطلاق ومقابلته بمال. والثالث - استدعاء طلاق على الفساد بمال. فأما استدعاء التزام الطلاق مؤخراً، فمن صورته أن تقول المرأة لزوجها: [طلقني] (٢) غداً أو بعد شهر -على ما يتفق الاستدعاءُ فيه- ولك ألف درهم، فمقتضى [الاستدعاء] (٣) التأخيرُ في التنجيز، ومقابلة الالتزام في الحال [بالمال] (٤). فنقول: إن طلق الزوج في الوقت المعين على حسب الاستدعاء، فإن قصد إيقاعَ الطلاق في ذلك الوقت جواباً عمّا التمسته ووفاءً بما التزمه لها، واعتقد صحة ذلك، فالطلاق يقع بائناً، ويثبت المال على الفساد؛ فإنّ شرط المال مع استئخار الطلاق، [يوقع] (٥) الشرط فاسداً؛ إذ وضع الخلع مع ارتباط المال بالطلاق على الاتصال. ثم قال الأصحاب: الواجب في هذه الصورة مهرُ المثل؛ فإن فساد العقد جاء من فساد الصيغة ومخالفتِها وضعَ الشرع. وإنما يجري القولان في أن الرجوع إلى مهر المثل أو قيمة المسمى إذا كان الفساد ناشئاً من المسمى، فيجري قول في العدول عنه إلى قيمته، فأما إذا جاء الفساد من الصيغة، فلو ثبتت المالية على الصحة، لثبت المسمى، فاقتضى ما ذكرناه الرجوعَ إلى مهر المثل.

стр. 6984

ولو أنشأ الزوج الطلاق في الوقت المعيّن، وقصد أن يكون ذلك ابتداءَ إيقاعٍ منه، من غير تقدير وفاء بملتزَم، فيقع الطلاق رجعياًً. وإذا قالت المرأة لزوجها: طلقني واحدة بألف، فقال: " أنت طالق "، على الاتصال، وقصد ابتداءَ الطلاق، لا إيقاعَه جواباً، فالطلاق يقع رجعياً، ولكن بينه وبين الله تعالى، ولا يصدّق في دعواه الانفرادَ والاستبدادَ مع اتصال لفظه بلفظها. وإذا انفصل الطلاق ووقع في الوقت المستدعى في المسألة التي نحن فيها، ثم زعم أنه قصد ابتداءً، فالظاهر عندنا أنه يُصدّق ظاهراً، وتنفصل هذه المسألة عن الجواب المتصل في الأمر الظاهر. ولو قال: قصدتُ جوابها وإسعافَها، ولكن علمت فساد العوض، فالذي قطع به الأصحاب أن الطلاق مُبينٌ، فيثبت الرجوع إلى مهر المثل، كما قدمناه لا يتغير الحكم بعلمه بالفساد وجهله [به؛ فإن المسلمَ يعلم تسميةَ الخمر فاسدة] (١)، وإذا سماها، ثبتت المالية في الخلع، وسبب هذا أن المالية تثبت بقصد المالية، والعلم بالفساد لا ينافي قصد المالية، وكيف ينافيه والشرع قاضٍ بالمالية. وفيما نقل عن القاضي أنه إذا علم الفساد، لم يستحق، وكان الطلاق رجعياً في محل الرجعة. وهذا كلام رث لا حاصل له. والممكن في توجيهه أن الطلاق إذا انفصل عن استدعائها، ضعف عن اقتضاء المال، ورجع إلى عنصره (٢) ووجب حمله على إطلاقه. وهذا إنما كان يستقيم لو كان يبغي البدل، مع ظن الصحة مصيراً إلى أن الطلاق إذا انفصل، فلا محمل له إلا الابتداء، فإذا لم يقل هذا، فلا رجوع إلا إلى الفرق بين [العلم] (٣) بالفساد والجهل به.

стр. 6985

٨٨٥٧ - ومما يتصل بهذا القسم الذي نحن فيه أن المرأة إذا قالت: خذ مني ألف درهم، وأنت متخير في تطليقي إلى شهر، فإن عجلْتَه أو أخرته، فلك ألف إذا أوقعته في المدة المذكورة. قال الأصحاب: إذا أخر ثم طلق (١)، فهو كما لو قالت: لك ألف لو طلقتني غداً أو بعد شهر، فطلقها في الوقت المعيّن، وزعموا أن التفاصيل بجملتها تعود كما قدمناها. وفصل القاضي في هذه الصورة بين أن يكون عالماً بالفساد، وبين أن يكون جاهلاً به. وهذا منه (٢) وإليه، ولو صح، فهو متروك عليه. والذي قطع به الأصحاب أنه إذا طلق على قصد الوفاء لها، استحق مهر المثل لفساد الصيغة. ٨٨٥٨ - وهذا أوان التنبيه لأصل عظيم قد ذكرناه في تمهيد ماهية الخلع، وهو في ظاهر الأمر على مناقضة ما ذكرناه الآن، وذلك أن المرأة إذا قالت لزوجها: متى ما، أو مهما طلقتني فلك ألفٌ، فهذا اللفظ صريح في التأخير، ثم المأثور عن الأصحاب أنه إن طلقها على الفور، استحق المسمى، وإن تأخر الزمان، فطلقها، لم يستحق شيئاً. وهذا على القطع يخالف ما ذكرناه الآن في الصورة الأخيرة؛ فإن قول القائل متى ما صريحٌ في اقتضاء التأخير، وتسويغه، فهو يناظر قولها: أنت بالخيار في تطليقي عاجلاً أو إلى شهر، فلئن كان الزوج بمبادرة الطلاق في المسألة المبنيّة على (متى ما) يستحق البدل المسمى، فيجب أن يستحق أيضاًً البدلَ المسمى إذا ابتدر الطلاق وإن خيرته؛ فإن (متى ما) يعطى إفادة التخيير في التعجيل والتأخير، وإن كان لفظ التأخير في مسألتنا مفسداً للمسمى؛ حتى يقال: وإن ابتدر الزوج الطلاق لا يستحق المسمى، وإنما يستحق مهر المثل، فيجب على مساق هذا أن يفسد الخلع إذا وقع استدعاء الطلاق بلفظ (متى ما).

стр. 6986

وإنما نشأ هذا الإشكال من المسألة الثانية، وهي إذا قالت: "لك ألف، وأنت بالخيار في تطليقي عاجلاً، وفي تأخير الطلاق إلى شهر"، واستدعاؤها يستحيل على التعجيل والتأخير، ويلزم أيضاًً أن يقال: إذا كان الاستدعاء بلفظ (متى ما)، فأخر الطلاق على قصد الإجابة إنه يستحق مهر المثل. وبالجملة، لا فرق بين المسألتين، وقد انتظم في مسألة (متى ما) صحةُ الخلع إذا ابتدر، وعري الطلاق عن البدل إذا تأخّر، وانتظم هاهنا للأصحاب الرجوع إلى مهر المثل إذا اتصل الطلاق، وإثبات مهر المثل إذا انفصل على قصد الإجابة، فيجب قطعاً نقل جواب كل واحدٍ من المسألتين إلى أختها، وإجراء وجهين فيهما جميعاً. وقد وجدت هذا الذي ذكرتُه في مرامزِ كلام صاحب التقريب، حكاية عن تصرفات ابن سريج. ٨٨٥٩ - ومما يكمل به البيان أنها إذا قالت: طلقني غداً بألف، وأثبتنا العوض على الشرط المقدم إذا أجابها في الوقت المعين، فلو عجل الطلاق قبل الوقت المؤقت، ففي استحقاقه العوض احتمال؛ من جهةٍ خالف غرضها، [ومن جهةٍ] (١) عجل الفراق، وقد تقدم لهذا نظير فيه إذا استدعت الفسخ -على قولنا الخلع فسخ- فطلقها، فكيف يكون الأمر في ذلك؟ فيه اختلاف قدمنا ذكره. ولو قالت: طلقني غداً بألفٍ، وطلقها بعد غدٍ، لم نثبت شيئاً بلا خلاف؛ فإنه أخر الطلاق، وهو في وضعه منافٍ لاستحقاق العوض، فلا هو وصل، ولا هو أتى به على وفق استدعائها، بل أخر عنه، فهذا منتهى القول في ذلك. ومن القول الجليّ في هذا النوع أنه لا يستحق عليها شيئاً ما لم يأت عليها العدد (٢) فيطلقها، إذا كان يبغي التأخير؛ فإن استحقاق المال يقترن في كل حساب بوقوع البينونة لا يتصور ترتب أحدهما على الثاني، لأن البينونة تقع بالمال. ومهما رجعت المرأة عن قولها قبل تنفيذ الطلاق، بطل المال، وانقطع مسلك

стр. 6987

استحقاقه، ولا فرق بين أن تقول: إن طلقتني غداً، فلك ألف، [وبين أن تقول: طلقني غداً على ألف] (١) والأمر في جانب الزوج بخلاف هذا؛ فإنه إن قال: خالعتك على ألف، ملك الرجوع قبل إجابتها، وإن قال: إن أعطيتني ألفاًً، فأنت طالق، لم يملك الرجوع، والسبب فيه أن الطلاق إذا علق، لم يتصور الرجوع عنه [لا] (٢) لصيغة التعليق، وذلك أن الطلاق في نفسه إذا علق، لم يملك الرجوع عنه. وكم من تعليق يُرجَع عنه. والمرأة إنما تعلق المالَ وذكرَه، فكانت بمثابة ما لو قال الرجل: إن رددت عبدي الآبق، فلك كذا، فإذا أراد الرجوعَ، كان له ذلك، وقد ذكرنا أن الخلع في جانبها معاوضةٌ نازعةٌ إلى الجعالة. وهذا نجاز الكلام في نوع واحد من الأنواع الثلاثة المذكورة في الفصل. ٨٨٦٠ - فأما النوع الثاني وهو الكلام في مقابلة تعليق الطلاق بالمال وهذا يفرض على وجهين: أحدهما - أن يبتدىء الرجل، فيقول: أنت طالق غداً على ألف درهم، فتقول: قبلت. والصورة الأخرى - أن تقول المرأة مبتدئةً: علق طلاقي على مجيء الغد، ولك ألفُ درهم. وذكر صاحب التقريب وجهين في أن الخلع هل يصح كذلك، وهل يثبت البدل المسمى أم لا؟ حكاهما عنه الصيدلاني، ورأيتهما في كتابه: أحد الوجهين - أن المسمى يثبت؛ فإن معلَّق الطلاق كمنجزه؛ من جهة أنه لا مردّ له بعد إجرائه، وليس في حكم الوعد والالتزام في الذمة، حتى يظهرَ فيه الوجه الذي قدمناه في الفساد، والتعليقُ متصل بذكر المال وقبوله، ومن لم يستبعد إثبات المسمى في قول الرجل: متى أعطيتني ألف درهم مع الاستقصاء في وصفه، فينبغي ألا يستبعد تصحيح مقابلة التعليق بالمال. هذا أحد الوجهين.

стр. 6988

والوجه الثاني - أن الخلع يفسد على معنى أن المسمى لا يثبت؛ فإن وضع الخلع على تنجيز تخليص المرأة بما تفتدي به نفسَها، والتي عُلّق طلاقها زوجة قبل وجود الصفة، وقد تتأخر الصفة، فكان ذلك مخالفاً لوضع الخلع، فلزم الرجوع إلى مهر المثل، ولا خلاف أن المال لا يثبت في ذمتها، ما لم تتحقق الصفة؛ فإن الطلاق يقع عندها، ويستحيل ثبوت المال عليها متقدماً على حصول الفراق. وذكر شيخي أبو محمد وجهاً ثالثاً، حكاه عن [شيخه] القفال، وذلك أنه قال: من أصحابنا من فرق بين الابتداء إذا كان منه وبين ما إذا ابتدأت؛ فإن ابتدأ الزوجُ، وقبلت المرأة، صح البدل، وثبت المسمى، وإن ابتدأت المرأة بالاستدعاء ووضعت استدعاءها على تعليق الطلاق، لم يصح ذلك منها، وكان مآلُ الأمر بالرجوع إلى مهر المثل. وهذا عندنا تخيل لا حاصل له؛ فإن التعليق إذا كان يقبل المقابلة بالمال، فإذا استدعت، فقد استدعت بالمال قابلاً للمقابلة، فلا أثر لتقدم قولها وتأخره. وذكر القاضي وجهاً آخر- أن المال لا يثبت؛ لأن المعاوضة لا تقبل التعليق، وإذا لم يثبت المال، لم يقع الطلاق؛ فإنه علق على مال. وهذا أولاً ضعيف؛ فإن وقوع الطلاق ينبغي أن يناط بالقبول، فإذا قال الزوج: أنت طالقٌ غداً بألف، فقالت: قبلت، فحصول القبول في هذه الصورة على صيغة حصول القبول في الطلاق المنجّز؛ إذ لا تعليق للطلاق بثبوت المال، وإنما تعليقه بصفة وبوقتٍ، فالمصير إلى أن الطلاق لا يقع غفلةٌ عظيمة. نعم، إن قيل: لا يثبت المال بجهة التعليق، فهو [فقهٌ] (١) على حال. ثم يجب أن يكون التفريع عليه أن الطلاق يقع رجعياً. ٨٨٦١ - ومما يتعلق بهذا الفصل أن الرجل إذا علق الطلاق، وذكر مالاً، كما وصفناه، فقبلت المرأة، فلو أرادت المرأة الرجوعَ قبل وقوع الطلاق، لم تجد إلى ذلك سبيلاً؛ فإن الأمر استقر بالتعليق والقبول، وصار التعليق كالتطليق.

стр. 6989

فإذا فرعنا على فساد المسمى [كان الجواب كمثله] (١)، والسبب فيه أن الطلاق تعلق تعلقاً لا يُستدرَك، وارتبط بالمال ارتباطاً لا يحتاج معه إلى تجديد قبول، فلا يختلف الأمر بفساد المسمى وصحته، وليس كما لو استدعت منه أن يطلقها غداً؛ فإنها تملك الرجوع [لو أرادت] (٢) حتى نقول: لو رجعتْ، ولم يشعر الزوجُ، فطلقها على قصدِ الإسعاف، نفذ الطلاق عارياً عن العوض. وقد ينقدح فيه اشتراط بلوغ الخبر، كالتوكيل والعزل، والأظهر أنا لا نشترط بلوغ الخبر؛ فإن هذا في حكم الرجوع عن أحد شقي العقد قبل صدور الشق الثاني من العاقد. فقد انتظم مما ذكرناه أن المرأة في صورة التعليق لم تلتزم بعدُ مالاً عليها، ولا نجد سبيلاً إلى دفع ما سيلزمها عند وقوع الطلاق، وكأنها التزمت أن تلتزم، وينشأ من هذا المنتهى تأكيدٌ لما قدمناه، وهو أن الطلاق [لو] (٣) أُخّر، ثم أوقع، لم يتعلق به استحقاق مالٍ، وقد استنبطتُ هذا من قول الأصحاب فيه إذا قالت: متى طلقتني، فلك ألف. وقد صرح القاضي في التعليق بأن المال لا يثبت في وجهٍ إذا كان لا يثبت هاهنا وقد انعقد التعليق، فلأن لا يثبت في الطلاق المنشأ بعد زمان مستأخر أولى. وقد نجز القول في مقابلة تعليق الطلاق بالمال. ٨٨٦٢ - فأما الفن الثالث، فهو أن تستدعي طلاقاً، وتذكر من حكمه ما لا يوافق الشرع، مثل أن تقول: طلقني بألفٍ طلقةً يمتد تحريمها إلى شهر، ثم ينقضي. فإذا قال: أنت طالق طلقةً إلى شهر، فالطلاق يقع على موجَب الشرع، مسترسلاً على الأزمان، ثم قال الأصحاب: يفسد العوض [الذي] (٤) سمَّت، بسبب فساد الصيغة، والرجوع إلى مهر المثل، وقياس هذا بيّن، على ما ذكرناه. ولو قالت لزوجها: طلقني نصف طلقة بألف، فقال: أنت طالق نصف طلقة،

стр. 6990

فكيف السبيل؟ هذا فيه تردد؛ من قِبل أن ما استدعته فاسد في لفظه، وإن كان الشرع يكمله، وهذا بمثابة استدعائها طلاقاً إلى شهر، فوقوعُ الطلاق مطرداً على الأزمان حكمُ الشرع، كذلك تكميلُ الطلقة الملفوظ بها نصف طلقة موجب الشرع، فوجب أن لا يكون بين المسألتين فرق. وكذلك لو قالت: طلق يدي أو طلق نصفي بألف، ففي المسألة تردد، واحتمال، والاحتمال في هذه الصورة الأخيرة أظهر، فإنها تُبنى على خلافٍ للأصحاب -يأتي- في أن من قال لامرأته: نصفك طالق، فالطلاق يصادف النصفَ، ويسري، كما يفرض مثل ذلك في العتق، أو يكون تطليق النصف عبارة عن تطليق الكل؟ والظاهر في المسائل كلها الرجوع إلى مهر المثل. وقد نقلنا نصَّ الأصحاب فيه إذا استدعت الطلاق إلى شهر أن الرجوع إلى مهر المثل. فليتأمل الناظر هذه المسائل. فصل قال: "ولو قالتا: طلقنا بألفٍ، ثم ارتدتا ... إلى آخره" (١). ٨٨٦٣ - نُجدد العهدَ في مقدمة الفصل بما مهدنا ذكره في كتاب الصداق. نقول: إذا خالع الرجل امرأتيه بمالٍ سماه، فقبلتا، فالبينونة تقع، وفي صحة البدل قولان تمهد أصلهما فيما مضى: أحدهما - أنه لا يصح؛ فإنه لا يدري بماذا يطالِب كلَّ واحدة، وكلُّ واحدة منهما مستقلّةٌ بنفسها فيما تلتزِم وتطالَب به. والقول الثاني - أن الخلع صحيح، وتعدُّدُ المرأتين بمثابة ابتياع عبدين بألف. فإن لم نصحح التسميةَ، فالرجوعُ إلى مهر المثل، فيطالِب كلَّ واحدة منهما بمهر مثلها؛ فإنّ سبب الفساد الجهالة، ومهما (٢) كان فساد البدل بسبب الجهالة، فالرجوع إلى مهر المثل.

стр. 6991

وإن حكمنا بصحة المسمى، فالأصح الذي عليه التعويل أنه يتوزع على مهور أمثالهما، فإن كان مهراهما متساويين، فعلى كل واحدة نصفُ البدل المسمى، وإن كانا مختلفين، وزعنا المسمى على مقداريهما، وتطالَب كل واحدة منهما بما يخصها. وذكر الشيخ أبو بكر (١) قولاً آخر: أنا نوزع المسمى بالسوية على رؤوسهما، فلا ننظر إلى تفاوت المهرين وتساويهما. وهذا لم أره إلا له، وأجراه القاضي قولاً، ولم يزيفه، ثم وجّهه الصيدلاني بأن الطلاق هو المقابَل بالمال، وطلاقُها وطلاق صاحبتها لا يختلفان في سبيل العدد، كما لا تختلف طلقات امرأة. وهذا ضعيف، لا أصل له؛ فإن المقابَل بالمال أبضاعُهما، وسبيل حَلِّ النكاح عنهما الطلاقُ، فلا معنى للنظر إلى أعداد الطلاق، ثم أعداد النسوة. ثم إن صح هذا الذي ذكره، فيتفرع عليه أمران: أحدهما -[أنه] (٢) يجب القطع بصحة الخلع إذا كان تفريع التوزيع يُفضي إلى هذا، وربّ أصلٍ [يستبدل] (٣) بفرعه في إجراء الترتيب. هذا لا بد منه، فيقال: إذا كنا نرى التوزيع على الرؤوس، فالبدل

стр. 6992

المسمى ثابت، وإن كنا نقدر التوزيع على مهر المثل، ففي صحة المسمى الخلاف الذي ذكرناه. ومما يجب تفريعه على ذلك أن الرجل إذا قال في مخاطبة امرأتيه، وكان يملك على كل واحدةٍ ثلاث طلقات: طلقتك يا زينب واحدةً، وطلقتك يا عَمْرة اثنتين بألف درهم، فإذا كنا نرى التوزيع على التسوية، فهذا فيه تردد، والظاهر أن المطلقة اثنتين تلتزم ثلثي الألف، والمطلقة واحدة تلتزم الثلث؛ نظراً إلى أعداد الطلاق في المرأة الواحدة، وفي كلام الصيدلاني ما يدل على أن التوزيع على الرؤوس، [ولا نظر] (١) إلى أعداد الطلاق، فيكون البدل المسمى منشطراً أبداً بين اثنتين، وإن تفاوت الواقع عليهما من أعداد الطلاق. ٨٨٦٤ - ولو قال الزوج لامرأتيه: أنتما طالقان على ألف، فقبلت إحداهما، ولم تقبل الأخرى، لم تطلق واحدة منهما. [هكذا] (٢) ذكر الأصحاب. وهذا لعمري جارٍ على ظاهر المذهب فيه إذا قال الرجل لشخصين: بعت منكما عبدي هذا بألف درهم، فقال أحدهما: قبلت البيعَ في نصفه بخمسمائة، فالذي ذكره أئمة المذهب أن القبول لا يصح على هذا الوجه، ما لم يساعد صاحبه، وإن فرعنا على المذهب المشهور والقول المنصور على أبي حنيفة، ورأينا أن لأحدهما أن يتفرد برد ما اشتراه عند الاطلاع على العيب، وإن لم يساعده الثاني في الرد (٣). هذا الذي ذكرناه في القبول هو المذهب المقبول، وقد اشتهر عن الأصحاب ذكرُ منعٍ فيه، والحكمُ بتصحيح القبول من أحدهما في القدر الذي يخصه من الملك، بالقدر الذي يلزمه من الثمن، ولم أر هذا لمعتمدٍ في المذهب. وغالب ظني أنه من

стр. 6993

ارتكاب (١) الخلافيين، وقد حكيت هذا في كتابٍ واستشهدت بمسألةٍ من الخلع، ولم أتثبت فيها على ما ينبغي. ٨٨٦٥ - وهذا أوان التفصيل على التحصيل الذي عليه التعويل. فنقول: إذا كان البادىء الزوج، فقال لامرأتيه: أنتما طالقان بألف. فإذا قبلت إحداهما، ولم تقبل الثانية، لم يقع شيء، كما لو قال مالك العبد: بعت عبدي هذا منكما بألف درهم، فقبل أحدهما دون الثاني، لم يصح. والخلع أولى بألا يصحَّ ببعض القبول فيه، لما فيه من تضمين التعليق. وإن صح في البيع تصحيحُ القبول من أحدهما دون الثاني، لم يمتنع خروج مثله في

стр. 6994

الخلع؛ فإنه وإن اشتمل على معنى التعليق، فهو في هذا المقام كالمعاوضة المحضة؛ إذ يجوز للمخالع إذا لم يأت بلفظ التعليق أن يرجع قبل القبول، وهذا أصدق الآيات في تغليب معنى المعاوضة في الفن الذي نطلبه. والمعتمد في منع تبعض القبول مخالفة القبول لما أشعر الإيجاب باستدعائه، فإن من قال: " بعت منكما " مستدعٍ لجوابهما على الاقتران، فهذا ما يجب التعويل عليه، ولهذا قلنا: لو قال الرجل: بعتك عبدي هذا بألفٍ، فقال المخاطب: اشتريت بألفين، فالبيع لا ينعقد، وكان من الممكن إحباط الألف الزائدة والمصير إلى أنها ملغاة، ولكن شرط القبول موافقة الإيجاب على وجهٍ [لو فرض غير مستقلٍّ] (١) لانْبنَى على ما تقدم، وذلك أن المخاطَب إذا قال: قبلت، فهذا لا يستقلّ لو انفرد، ولكنه نفذ لابتنائه على ما تقدم. وإذا قال البائع: بعت عبدي هذا منكما بألف، فقالا: اشتريناه بالألف، صح وقد تحققت الموافقة على النهاية. ولو قال: بعت هذا العبدَ منكما بألف، فقال كل واحد منهما: اشتريتُ نصفه بنصف الألف. فهذا فيه احتمالٌ عندي؛ من قِبَل أنه خاطبهما على صيغة تقتضي جوابهما، فإذا ذكر كل واحد منهما عبارة تصلح للانفراد ورّث ذلك احتمالاً، والظاهر الصحة بحصول الغرض من الموافقة في المعنى، ثم لا نشترط أن ينطقا معاً، بل إذا قال أحدهما: قبلت، ثم قال الثاني بعده: قبلت، والأمر على التواصل، والزمان الجامع المرعي الشامل، جاز. وهذا هو الممكن. ولو قال رجلان: بعنا عبدنا هذا -وهو بيننا نصفان- منك بألف، فقال لأحدهما: اشتريت نصيبك بخَمسمائة، فالذي أطلقه الأصحاب أن البيع لا يصح في بعض العبد إذا أراد الاختصار عليه، ومنعُ الصحة في هذه الصورة أَعْوصُ وأغمض من منعها [إذا] (٢) اتحد البائع وتعدد القابل، فكل واحد منهما يعرب عن ملكه، ولا تعلّق له بملك صاحبه، فإن صح تبعيض القبول فيه إذا قال الشخص الواحد: بعت عبدي

стр. 6995

منكما، فلا شك أن هذا يُخرّج فيه إذا قالا بعنا منك. وسنذكر صوراً في استدعاء النسوة الطلاق؛ فإنا الآن فيه. إذا ابتدأ الزوج وقال: خالعتكما، أو خالعتكن. [فلو خالع] (١) امرأتين بألف، وكانت إحداهما سفيهة، والأخرى مُطْلقة (٢)، فقبلتا، وقع الطلاق وفاقاً، ثم الطلاق الواقع على السفيهة رجعي، وطلاق المُطْلقة بائن. فإن قيل: قد [تبعض] (٣) الأمر في لزوم العوض، فهلا حكمتم بأن ذلك يمنع وقوع الطلاق؟ قلنا: المرعي القبول. وقد ذكرنا أن قبول المحجورة في اقتضاء الطلاق، كقبول المُطْلقة، فإذا حصل الوفاق في القبول، لم يمتنع افتراق الأمر في لزوم المال وانتفائه. ووقوع البينونة على إحداهما، والطلاق الرجعي على الأخرى. فهذا قدر غرضنا الآن في ابتداء الرجل بالمخالعة. ٨٨٦٦ - فأما إذا سألت امرأتان الطلاق، وقالتا: خالعنا بألفٍ، فإن أجابهما، وقال: خالعتكما، أو طلقتكما: فالبينونة واقعة، وفي صحة المسمى القولان المقدّمان؛ فإن مأْخذهما لا يختلف بأن يكون الزوج هو المبتدىء، أو تبتدىء النسوة بالاستدعاء. ولو قالت امرأة: طلقني [وضَرَّتي] (٤) بألف، فقال: طلقتكما، فالمسمى صحيح هاهنا، بلا خلاف، فإن القائلة متحدة، غير أنها أدخلت نفسها وضرتها في العقد، وتعدّدُ المعقود عليه لا يؤثر، إذا تحقق اتحاد العاقد، وليس كما إذا سألتا، فأجابهما؛ فإن كل واحدة منهما مستقلّة بالالتزام. وهذا ظاهر مغنٍ بظهوره عن مزيد الكشف. ولو [قالتا] (٥): خالعنا أو طلقنا بألف، فقال في جواب إحداهما: طلقتك،

стр. 6996

فالطلاق يقع [بائناً] (١)، وهذا التبعيض لا ينافي وقوع الطلاق، وليس كما إذا قال: خالعتكما بألف، فقبلت إحداهما؛ فإن الطلاق لا يقع على القابلة، كما حكيناه عن الأصحاب؛ فإن قوله محمول على مقتضى المعاوضة والمعاوضة في مثل هذه الصورة تقتضي الاجتماع في القبول، فجرى ما قدمناه على هذا القياس. فأما إذا قالتا: طلقنا بألف، فطلق إحداهما، فكل واحدةٍ على استدعائها، لا تعلق لها بصاحبتها، وليس كما لو قال الطالبان: بع منا هذا العبد بألف، فباع نصفه من أحدهما، فالبيع باطل؛ لأنه معاوضة [محضة، والمعاوضة] (٢) المحضة تقتضي توافقاً حقيقياً بين الجواب والإيجاب، واستدعاءُ الخلع في النسوة، وإن كان معاوضة، فهي نازعة إلى جعالة، ولو قال: رجلان أبق عبداهما: رُدّ عَبْدَيْنَا ولك كذا، فرد عبد أحدهما، استحق مقداراً، فإذا [استدعتا] (٣)، فأسعف إحداهما، استحق مقداراً من المال، ثم لا يتصور استحقاقُه المالَ من غير تقدير [وقوع] (٤) البينونة. ومن استنبط في (٥) تبعيض القبول في البيع قولاً، إنما استنبطه من إجابة [الزوج] (٦) إحداهما وقد ابتدأتا الاستدعاء، ثم طرد هذا حيث يلزمه، وقال: إذا قال مالك العبد: بعت منكما هذا العبدَ بألف، فقبل أحدهما دون الثاني، صح. وهذا [الباني] (٧) ليس على وجهه؛ فإن الذين قالوا في الخلع إذا استدعتا ابتداءً،

стр. 6997

فأجاب إحداهما، ثبت المال وتقع البينونة أطلقوا [القول] (١) بأن الزوج إذا ابتدأ، فقال: خالعتكما بألفٍ، فقبلت إحداهما دون الثانية، لم يقع شيء. فإذا لم نُجز [استنباط] (٢) التبعيض من صورة إلى صورة في الخلع، فكيف يجب استنباط التبعيض في (٣) الصورة التي ذكرناها في البيع مع إطلاقنا بأن الخلع في مثل تلك الصورة لا يتبعض القول فيه. ٨٨٦٧ - ومن الأسرار اللطيفة فيما نحن فيه في قواعد الخلع أن الزوج إذا استعمل في مقابلة الطلاق بالمال صيغة المعاوضة، اقتضى ذلك عدمَ التبعّض في القبول قياساً على المعاوضة [المحضة] (٤). وإن استعمل صيغة التعليق، فأولى، وذلك بأن يقول لامرأتيه: إن أعطيتماني ألفاًً، فأنتما طالقان. فإذا إعطته [الألف] (٥) إحداهما دون الأخرى، لم تطلق المعطية؛ فإنّ التعليق بالصفتين فصاعداً يقتضي الاجتماع في الصفات. وهذا بيّن في قاعدة التعليق، [فإن إيجاب الزوج] (٦) لا يخلو عن المعاوضة والتعليق، وكل واحدة منهما تقتضي الجمع. وإن كان الاستدعاء من النسوة، فهن يلتمسن ما يقبل الغرر، فيصير قبول الطلاق للغرر في حقهن مُلحِقاً استدعاءَهن باستدعاء الأعمال في الجعالة؛ إذ ليس منهن تعليق، وإنما منهن بذلُ مال غيرَ أنهن يبذلن الأموال في مقابلة ما يقبل الغرر، ولهذا قال المحققون: ما يصدر منهن معاوضة نازعة إلى الجعالة. وانتظم من هذا أن الزوج إذا ابتدأ [فمعاوض] (٧) أو معلّق، والمرأة إذا استدعت، فليس من جانبها ما تملك [تعليقه] (٨). فإذا ارتبط المال بما يقبل الغرر، كان إسعاف

стр. 6998

الزوج على قياس إسعاف العامل المجعول له؛ فإذا تحقق هذا، وقال: طلقتك يا هذه، فالبينونة تثبت، والكلام بعد ذلك فيما يلزمها، وهذا خارج على ما إذا [خالعهما فقبلتا] (١). فإن قلنا ثَمَّ: على [كلّ] (٢) واحدة منهما تمامُ مهر مثلها، فعلى التي خصها بالإجابة مهرُ مثلها، وهذا حكمٌ بفساد العوض. وإن قلنا ثَمّ: المسمى يوزع عليهما بالسّويّة، فهذه التي خصها الزوج بالإجابة عليها نصف البدل الذي ذكرناه. وإن قلنا: إذا خالعهما بألف، فقبلتا الألف، فعلى كل واحدة منهما من المسمى مقدار مهر مثلها، فهذا القول لا يخرج هاهنا؛ لأنه إذا خالعهما، فقبلتا، وصححنا المسمى، فنقول: المسمى معلوم في نفسه، فلا يضر الجهل في التوزيع، وإذا خص إحداهما بالإجابة، فإذا كنا نفرع على التوزيع على مهر المثل، فلم يثبت في حق هذه المجابة إلا مقدارٌ مجهول من المسمى في أول الأمر، وليس هذا جهالة توزيع بعد إعلام العوض على وجهٍ. وإذا صدر القبول منهما، فالألف بكماله ثابت، وهو معلوم، فأمكن أن يعتمد العقد إعلامَ الألف، وإذا لم يجب [إلا] (٣) إحداهما، فأول [العوض] (٤) مجهول إذا كنا نرى التوزيع على أقدار مهر المثل؛ فإذاً لا ينقدح فيه إذا أجاب إحداهما إلا قولان: أحدهما - الواجب مهر المثل. والثاني - أن الواجب نصف المسمى إذا كنا لا نرى التوزيع، فأما إثبات مقدار من المسمى بتقدير توزيعه على المهرين، فلا سبيل إلى المصير إليه. وإذا أجابهما، انتظم على إفساد التسمية وتصحيحها ثلاثةُ أقوال: أحدها - أن على كل واحدةٍ مهر مثلها. والثاني - أن على كل واحدة من المسمى مقدار ما يقابل مهرها عند القسمة على أقدار المهرين (٥).

стр. 6999

وقد نجز تمام المقصود في ابتدائه بالمخالعة وابتدائهن بالاستدعاء وما يفرض من جمع وتفريقٍ في القبول منهم، وفي إجابة من الزوج. ٨٨٦٨ - ثم ابتدأ الشافعي هذا الفصل وغرضه الكلامُ في طريان الردة، ونحن نقول: إذا قالت المرأة: طلقني بألف، ثم ارتدت قبل إجابة الزوج، فأجابها الزوج بعد ردتها، فنذكر غرضَ الشافعي، ثم ننعطف على ما يتعلق به من الإشكال، قال الشافعي: إذا كانت المرأة غيرَ مدخول بها، فإذا ارتدت، انقطع النكاح بردّتها، ولغا طلاق الزوج؛ فإنه يقع بعد انفساخ النكاح. وإن كانت مدخولاً بها، فليس يخفى أن انفساخ النكاح موقوفٌ عندنا، فإن أصرت على الردة، تبيّنا أن النكاح انفسخ مع الردة وأنها استقبلت العدة بعد الردة. وإن عادت إلى الإسلام في زمن العدة، تبيّنا أن [الردة] (١) لم تقتضِ انفساخ النكاح، والخلعُ يخرج على هذا التقدير، فإن أصرت حتى انقضت مدة العدة، لغا طلاق الزوج، وبان أن صدوره من الزوج بعد الانفساخ، وإن عادت، فالطلاق واقع، والخلع صحيح، هذا مراد الشافعي. ٨٨٦٩ - ثم يتطرق إلى ما ذكر أسئلةٌ وأجوبة عنها، مثلاً: إنّ قائلاً لو قال: هذا النص هل يدل على أن تخلل كلام بين الإيجاب والقبول لا يوجب انقطاع أحدهما عن الثاني؟ قلنا: قد استدل بهذا النص من صار إلى أن تخلل الكلام اليسير بين الإيجاب والقبول، لا يؤثر، ووجهُ الاستدلال أن الشافعي صحح الخلع مع تخلل كلمة الردة إذا جرت بعد الدخول، وفرض العوْد إلى الإسلام قبل مدة العدة. وهذا فيه نظر عندي من قِبل أن الشافعي صور مسألته فيه إذا استدعت المرأة الطلاق، ثم ارتدت، ثم أجاب الزوجُ، فالكلام صادر من المرأة بعد فراغها عن الاستدعاء، وإنما يقع التناقش والبحث [فيه إذا] (٢) جرى الإيجاب، فتكلم القائل بكلامٍ غير القبول، ثم قبل. وهذا يناظر ما لو تخالع الرجل مبتدئاً، فارتدت المرأة،

стр. 7000

ثم قبلت، والشافعي لم ينص على الردة في هذه الصورة، وإنما ذكر الردة في الصورة الأولى. وقد يجري في هذا نوع آخر من السؤال، وهي أنها لما ارتدت، كان يجب أن نجعل ارتدادها رجوعاً [منها] (١)؛ فإن الردة تُغنيها عن طلب الفراق، فهلا أشعرت الردة برجوعها؟ وسبيل الجواب أن الردة لا تَعْني الرجوعَ عن الاستدعاء، ولكن المرأة إذا لحقتها شِقوةُ الردة، لم تقصد بالردة أمراً سوى ما بدا لها، ثم الانفساخ حكم الشرع. فهذا وجه التنبيه على ذلك. ٨٨٧٠ - ومن تمام الكلام في ذلك أن الرجل إذا خالع امرأتين، ثم ارتدتا بعد الدخول، وقبلتا أو استدعتا وارتدا، وأجابهما الزوج، فإن أصرّتا، لم يخف حكمهما، وإن رجعتا، لم يخف أمرهما. وإن أصرت إحداهما ورجعت الأخرى؛ فإن كان الاستدعاء منهما، ثم جرى الأمر كما ذكرنا، فهذا بمثابة ما لو استدعتا ولا ردة، فأجاب إحداهما. وقد مضى هذا. وإن ابتدأ الزوج المخالعة، فارتدتا، ثم قبلتا، فقد يتجه ألاّ نصحّح قبولهما وإن عادتا؛ لتخلل الكلام؛ بناء على أن الكلام اليسير بين الإيجاب والقبول قاطعٌ؛ وليس هذا كالصورة الأولى. وإن صححنا الخلع ولم نجعل الكلام في نفسه قاطعاً، فإن أصرتا أو عادتا، لم يخف الحكم. وإن أصرَّت إحداهما وعادت الأخرى، فليتأمل الناظر هذا الموقف؛ فإنَّ القبول في حق المُصِرَّة باطل؛ فقد ذكرنا أن إحداهما إذا قبلت دون الأخرى، لم يثبت الخلع في حق القابلة، ولم يقع الطلاق؛ فقد ينظر الناظر إلى أنهما قبلتا، ثم أبطلنا قبول إحداهما، وقد يخطُِر له تقريب هذا مما إذا كانت إحداهما محجورة، والأخرى مطْلَقة، وليس الأمر كذلك. فنجعل كما لو قبلت إحداهما، ولم تقبل الأخري؛ فإنا أبطلنا القبول في حق التي قبلت، وجعلنا كأنا لم تقبل، فوجود ذلك القبول وعدمه بمثابةٍ، ووضوح ذلك يغني عن كشفه. وقبول السفيهة صحيح إذا

стр. 7001

انفردت، فإن الطلاق يتعلق به، وإن كان رجعياً. فصل ٨٨٧١ - ثم قال الشافعي: "ولو قال لهما: أنتما طالقان إن شئتما ... إلى آخره" (١). مضمون هذا الفصل قد سبق موضحاً، فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شئت ولم يذكر عوضاً، اقتضى ذلك مشيئةً على الاتصال، وإذا قال لها: أنت طالق بألف إن شئت، فقد ذكرنا تردد الأصحاب في ذلك، واخترنا أنه يكفيها أن تقول: شئت، ثم ذكر الشافعي فرضَ الكلام في امرأتين بأن يقول الزوج لهما: أنتما طالقان بألف إن شئتما، والغرض لا يختلف، وإنما قصد الشافعي أنه لا بد من [مشيئتهما] (٢). وهذا بيّن مبيّنٌ على الأصول المقدمة. فصل " قال الشافعي ﵁: "ولو قال له أجنبي: طلق فلانة ولك عليّ ألف ... إلى آخره" (٣). ٨٨٧٢ - غرض الفصل أن بذل المال على الطلاق من الأجنبي جائز وإن لم تشعر المرأة، ولم تأمر، وهذا لا خلاف فيه. والتردُّدُ الذي ذكرناه في صدر الكتاب في الخلع الذي يختلف القول. في كونه فسخاً أو طلاقاًً، فأما الطلاق نفسه، فيجوز للأجنبي بذلُ المال عليه، ثم يصح منه أن يختلع [امرأةً] (٤) على عينٍ من أعيان مال نفسه، ويصح منه أن يختلعها على مالٍ يلتزمه في ذمته، ثم إذا انفرد بذلك، نفذ اللزوم عليه، ولم يجد مرجعاً. وإن أمرته المرأة بأن يختلعها، نُظر: فإن شرطت له الرجوعَ [عليها] (٥) بما يغرَم،

стр. 7002

رجع إذا غرِم، وإن أطلقت الإذن، فغرم الأجنبي، فهل يرجع عليها؟ فعلى وجهين. وكان شيخي يقول: من ضمن مالاً عن إنسان بإذنه، ولم يشترط الرجوع عليه، فإذا غرِم، ففي الرجوع خلافٌ مشهور. وإذا وكل رجلٌ رجلاً حتى اشترى له عبداً بمال في الذمة، فاشترى، وغرم الثمن، فالمذهب الذي يجب القطع به أنه يرجع على الموكِّل، وذلك أنه حصّل له ملكاً بعوض، فيبعد أن يعتقد المشتري سلامةَ الملك له في المبيع من غير عوض. وإذا اعترف الموكِّل بالتوكيل، لم يختلف الأصحاب في أنه لو أراد البائع مطالبته بالثمن، أمكنه، فالإذن في البيع إذاً بمثابة الإذن في الضمان مع التقيد بالرجوع. وأبعد بعضُ أصحابنا، فألحق المشتري إذا ضمن بالضامن إذا غرم. وهذا بعيد. والمرأة إذا أذنت لأجنبي في الاختلاع، ولم تذكر الرجوع عليها، فهذا بين الضمان وبين التوكيل بالشراء: شَبَهُه بالتوكيل من جهة أن منفعة الخلاص تعود إليها، كما أن الملك في المبيع يقع للموكِّل بالشراء. ويُضاهي الضمانَ من جهة أن الضامن يُتصور أن ينفرد بالضمان والأداء، والأجنبي يُتصور أن ينفرد بالاختلاع والتخليص. فهذا بيان هذه المنازل. وحقيقةُ القول في الوكيل بالخلع والاختلاع ستأتي في فصلٍ مفرد بعد هذا، إن شاء الله . ٨٨٧٣ - ثم اختلاعُ الأجنبي الزوجةَ مع كونه مُجْمَعاً عليه خارجٌ على مذهب الافتداء؛ فإن المرأة في أسر الزوجية، [وحِبَالة] (١) النكاح، وقد سمى الله تعالى الاختلاعَ افتداءً، وأثبته على صيغةٍ تُشعر بالرخصة، فقال : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وشبه الشافعي اختلاعَ الأجنبي بافتداء الأسرى. ولو قال الرجل لمالك المستولدة: أعتقها، ولك ألف، أو على ألف، فأعتقها، استحق الألفَ المسمى على باذله، وخرج هذا على مذهب التخليص والافتداء؛ فإن الملك في رقبة المستولدة لا يقبل النقل، كحق الزوج في زوجته. ولو قال الرجل لمالك عبدٍ: أعتقه عنِّي بألفٍ، فأعتقه، صح، ووقع العتق عن

стр. 7003

المستدعي بناء على تقدير انتقال الملك إليه أولاً، ونفوذ العتق عن المستدعي في ملكه. ولو قال: أعتق عبدك عن نفسك بألف، فأعتقه، ولو قال: [أعتقه بألف] (١)، ولم يضف العتق إلى نفسه، فأعتقه، وقع العتق عن المالك. وهل يستحق العوض على المستدعي؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يستحقه إذا (٢) كان من الممكن أن يقابل المالَ المبذول بنقل الملك إليه ونفوذ العتق عليه، وهذا لو فعله، كان على قياس المعاوضة، فإذا كان قياس المعاوضة ممكناً، فالمعاملة التي مساغها الافتداء يبعد أن تنفذ؛ إذ محلها الضرورة. ولو قال: أعتق أم ولدك عني بألف، فإذا أعتقها، وقع العتق، ولم يستحق على المستدعي شيئاً؛ فإنه شرط في استحقاق المال عليه وقوع العتق عنه. هكذا ذكر الأصحاب. ولو قال الأجنبي للزوج: " طلق زوجتك عني بألف "، فطلقها، فالوجه القطع أنه يستحق الألف؛ فإنه لا تخيّل لوقوع الطلاق عن المستدعي، ووقوع العتق عن المستدعي ممّا يُتخيل على الجملة. نعم، لا يمتنع أن يقال: يفسد لفظ الأجنبي بقوله: " طلقها عني ". ثم أثر فساد اللفظ الرجوعُ إلى مهر المثل. والذي يتعلق بتمام البيان في المسائل أن الأجنبي إذا قال: " طلقها بألفٍ أو على ألفٍ "، فإذا طلقها، استحق عليه الألف. ولو قال الأجنبي: " طلقها ولك ألف " فقد ذكرنا تردُّداً في أن المرأة لو استدعت الطلاق بهذه [الصيغة، فهل] (٣) يُستحق العوض عليها. والأجنبي [أولى بالتردّد من المرأة] (٤)؛ فإنه أبعد عن غرض الخلع، فكان جانبه أولى بصلةٍ مصرِّحة بمعنى المعاوضة.

стр. 7004

فصل قال: "ولا يجوز ما اختلعت به الأمة إلا بإذن سيدها ... إلى آخره" (١). ٨٨٧٤ - الأمة إذا اختلعت نفسها عن زوجها، فلا يخلو إما أن تختلع بإذن السيد أو تختلع بغير إذنه. فإن اختلعت بإذن السيد، لم يخل إما أن تختلع على عينٍ من أعيان مال السيد، وإما أن تختلع بمالٍ ملتزَم في الذمة. فإن اختلعت بإذن السيد على عين من أعيان ماله، صح ذلك، واستحق الزوج تلك العين فإن اختلعت بعوض ملتزَم تعلّق العوض بكسبها، وكان عوض الخلع عليها بمثابة الصداق على العبد المأذون له في النكاح، ويُخرَّج في بدل الخلع [القول القديم] (٢) في أن السيد هل يصير بنفس الإذن ضامناً لعوض الخلع، وهذا أجريناه في الصداق، ولا فرق بينه وبين الخلع. هذا إذا اختلعت بإذن السيد. ٨٨٧٥ - فأما إذا اختلعت نفسَها عن زوجها بغير إذن مولاها، فلا يخلو إما أن تختلع بمالٍ في الذمة، أو تختلع [بعين من أعيان] (؛) الأموال. فإن اختلعت بمالٍ في الذمة، فقد تردد الأئمة في هذا، فذهب طوائفُ إلى أن اختلاعها فاسد، والمراد بفساده فساد التسمية، أما البينونة فواقعة، والمال يلزم ذمةَ الأمة على التفصيل الذي سنذكره في التفريع، إن شاء الله تعالى. هذا ما ذكره الصيدلاني وشيخي وبعض المصنفين. وقطع الشيخ أبو علي جوابه بأن الخلع يصح، والمسمى يثبت. فحصلنا على وجهين. وقد ذكرت اختلاف الأصحاب في العبد لو ضمن مالاً بغير إذن مولاه، فهل يصح ضمانُه أم لا؟ وذكر الشيخ أبو علي في هذا الفصل أن العبد لو اشترى شيئاً بغير إذن مولاه، ففي صحة شرائه وجهان، وقد فصلنا هذا فيما تقدم في موضعين. والذي يتعلق بغرضنا الآن في ضمان العبد بغير إذن مولاه وجهان، وفي اختلاع

стр. 7005

الأمة بغير إذن مولاها وجهان. والضمان والاختلاع في مرتبةٍ واحدة؛ لأنه لا يتضمن واحد منهما تصرفاً في حق المولى، لا في الرقبة، ولا في الكسب [وإنما] (١) تفرض المطالبة بالملتزم بعد العتق [إذا] (٢) فرض يوماً من الدهر. وإذا اشترى العبد بغير إذن مولاه، ففي صحة الشراء وجهان مرتبان على الضمان، والشراءُ أولى بألا يصح؛ لأن من ضرورته ثبوت الملك [في] (٣) المبيع، ويستحيل أن يملكه العبد، وإن ملكه المولى قهراً، كان بعيداً. ثم إن صححنا الضمان، لم يطالب العبد من مكاسبه، ولا تتوجه [عليه] (٤) الطّلبة ما دام الرق. وإن أفسدنا الضمان، فأثر إفساده إلغاؤه، حتى لا تتوجه الطَّلبة بالمضمون بعد العتق أيضاًً. [وأما الاختلاع] (٥) فسواء أفسدناه أو صحَّحناه، فالبينونة واقعة، والأمة مطالبة إذا أعتقت. وأثر الخلاف ثبوت المسمّى، ولا مطالبة به إلا بعد العتق. وإن أفسدنا الاختلاع، فالحكم ثبوت مهر المثل، والمطالبة به بعد العتق. وأما التفريع في البيع إذا صححناه، فقد مضى مستقصىً في كتاب البيع. ٨٨٧٦ - ومما نفرعه اختلاع المكاتبة، فإذا لم نصحح اختلاع الأمة، لم نصحح اختلاعها بعوض ملتزم في الذمة، ولكن البينونة واقعة، والطّلبة تثبت بعد العتق؛ فإن بدل عوض الخلع مشبَّهٌ بالتبرع، وبذل ما يستغنى عن بذله. وإن جرى اختلاعها بإذن المولى، فهو [كالتبرع] (٦) بإذنه، وفي تبرع المكاتب بإذن المولى قولان سيأتي ذكرهما -إن شاء الله فيِ كتاب الكتابة، والغرضُ أن نبين أن اختلاعها بمثابة تبرعها.
следующие страницы →