← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

كان مجهولاً في الدراهم، ولم يكن لها جريان، فلا يصح [التعويل] (١) عليها لا مذكورة ولا معيّنة؛ فإن الجهالة على هذا الوجه تمنع الثبوت في الذمة. وإذا عيّنت، فأشّر إليها، [فالإشارة] (٢) بمثابة الإشارة إلى تراب المعدن. [فإن] (٣) كان لها جريان في العادة، مع أن مقدار النقرة [مجهول فيها] (٤)، ففي صحة التعامل بها وجهان، قدمنا ذكرهما في كتاب البيع وأبوابٍ من المعاملات. وتعويل من يجوّز على الجريان، والصحيحُ [المنعُ] (٥). وإن كان مقدار النقرة معلوماً -ففي طريق العلم به توقف، فإنه مما لا يعاين، فإن أمكن العلم به فبقول ثقات - فيزول في هذه الصورة [الجهلُ] (٦) بالمقصود، وتصير الدراهمُ المعلومةُ العيار المغشوشةُ بمثابة الدراهم المعدودة والنقصُ في الوزن. وقد تفصّل القولُ فيها. فهذا تمام القول في هذا الفن. ٨٧٩٥ - ومما يخرج مما قررناه أنا إذا قيدنا لفظ التعليق بالعرف الجاري في الموضع، فقد يقتضي الحالُ حملَ الدراهم على المغشوشة في الإقرار، ولكن الوجه عندي فيه أنه إذا قال المُقر: أردت المغشوشة، ففي قول منه -وعرف الموضع مساعدٌ - الوجهان، فلو لم يدع أنه أراد المغشوشة، فالوجه عندي مطالبته بالخالصة، وسبب ذلك أن العرف لا جريان له في الأقارير، فاسم الدراهم على اقتضاء الخلوص والزنة التامة. ولكن إن زعم أنه أراد ما يجري به العرف في المعاملة، فقد يعذره بعضُ الأصحاب بسبب جريان المعاملة، وهذا لا قطع به، ولا يمتنع أن يقال: إن تراجع فيما أراد، فإن زعم أنه لم يرد شيئاً، فإقراره محمول على الغالب في المعاملة. هذا تردد لطيف يجب تدبره.

стр. 6932

وأما إذا جعلنا للعرف أثراً، وقد جرى التعليق في الطلاق، أو العتاق، فإن قال: أردت الدراهم المغشوشة، فالوجه عندي القطع بتصديقه لما فيه من توسيع الطلاق. وإن أطلق، فالوجه القطع بحمل لفظ المطلق على الخالصة الوازنة. ومن أصحابنا من ذكر وجهاً وهو صادر عن غير بصيرة ودراية بحقائق الأشياء ووضعها. وقد انطوى إلى هذا المنتهى أصلان: أحدهما - تعلّق الإعطاء بفعلٍ مجرد من غير قول من جهتها. والثاني - الكلام في الخلوص والنقصان. ٨٧٩٦ - ونحن نبتدىء -بعد هذا- الكلامَ في مقصود آخر، والبناءَ على الفرق بين المعاملات وألفاظ المُعلِّقين، فنقول: إذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، فأنت طالق، وكان في البلد نقد غالب وزان خالص، فإذا جاءت بألفٍ من النقد ووضعته بين يدي الزوج، قُضي بوقوع الطلاق، لتحقق الصفة، ثم ما أعطته من جنس النقد فيملكه الزوج ولا يجري فيه رد واسترداد، وقد وقع الطلاق وجرى الملك في المعطى معاً. ولو أتت بألف درهم وازنة خالصة، ولكن النقد الغالب في البلد غيرُ ذلك الذي أتت به، وليقع الفرض إذا كان النقد الغالب خالصاً وازناً أيضاًًً، ولكن الاختلاف في جودة السكة وزكاتها (١)، وفي لين النقرة وانْطراقها، وفي خشونتها، فالذي ذكره الأئمة أن الطلاق يقع، كما ذكرناه، ثم الزوج لا يملك ما جاءت به، ولكن يرده ويسترد ألفاًً من نقد البلد؛ فإن الذي تقتضيه المعاملة التقييد. بنقد البلد، والذي يقتضيه التعليق اتباع الاسم، فوقع الحكم بوقوع الطلاق لتحقق الاسم، وثبت الرجوع إلى النقد الغالب لموجب المعاملة. هذا قول الأصحاب. وهذا مشكل. فليتأمله المنتهي إليه؛ فإن الطلاق إنما يقع لتحقّق الصفة

стр. 6933

[وتمليك] (١) الدراهم، فلئن كان ما جاءت به على حقيقة الصفة، فليتحقق فيه التمليك؛ فإن الإعطاء معناه التمليك، فالذي يقتضيه القياس الحق أن يتملّك الزوج ما يقع الطلاق بالإتيان به، وإن كان يجب اتباع النقد الغالب، فيجب أيضاًًً أن يتوقف وقوع الطلاق على ما هو المملوك. وهذا لا مطمع في دفعه. [و] (٢) في نص الشافعي في (السواد) ما يدل على أنا لا نرجع إلى نقد البلد، ولكن إذا أتت بالدراهم وهي نقرة وازنة، وقع الطلاق للاسم، فإن كانت النقرة معيبة، فعليها ألفٌ خالصة غيرُ معيبة، ولم نرجع إلى النقد الغالب. وهذا فيه دفعٌ لنوعٍ من الإشكال، وهو المصير إلى نقد البلد؛ فإنه لم يعتبره، ولكن لما وضح قصد التمليك في الألف، اقتضى ذلك السلامةَ من العيوب، كما يقتضيه كل ما أُثبت عوضاً. وهذا ليس ينفي الإشكال بالكلية؛ فإن القياس يقتضي ألا يقع الطلاق إلا بما يجري الاستحقاق فيه، وما يقع الطلاق به فينبغي ألا يبدّل. وقد أجمع الأصحاب في الطرق [على] (٣) أن الرجوع إلى نقد البلد إذا كان في البلد نقد غالب. وهذا مع اشتهاره لا وجه له أصلاً، وفي إيجاب الإبدال [لعين] (٤) المعيب إشكالٌ قائم أيضاًً، ولكنه أمثل من الرجوع إلى نقد البلد، والله أعلم. وقال الشيخ أبو علي في شرح التلخيص: من أصحابنا من قال: إذا وقع الطلاق إذا جاءت بالألف الخالصة الوازنة، فالرجوع إلى مهر المثل، وعلَّل هذا القائل [بأن التمليك] (٥) من غير إلزام والتزام، وعقدٍ مشتملٍ على شقيه بعيدٌ. ولكن الزوج لم

стр. 6934

يرض بوقوع الطلاق من غير مال، وفسد التملك بلفظ الإعطاء مع [الفعل] (١)، [فكان] (٢) مجموع ذلك يقتضي الرجوع إلى مهر المثل. ولو أتت [بألفٍ] (٣)، يقع الطلاق بمثلها، وكان النقد الغالب من ذلك الجنس أيضاًًً، فهذا القائل يقول: الألف الذي به [وقع الطلاق] (٤) مردود، والرجوعُ إلى مهر المثل؛ لما ذكرناه، من أن لفظ التعليق لا يفيد معنى التمليك على التمام، وليس خالياً عن اقتضائه أيضاًًً، فهذا بيان هذا الوجه. ومما نجري في ذلك أيضاًًً أن من يحمل لفظ المعلِّق على موجب العرف في الدراهم النقص والمغشوشة، كما قدمناه، فيلزمه أن يقول: إذا أتت المرأة بألف -والنقد الغالب غيره- فلا يقع الطلاق؛ لأن اللفظ يتضمن [التقيّد] (٥) بالعرف. وهذا بعيد، ولكنه مستند إلى ما تقدم تقريرُه وحكايتُه عن بعض الأصحاب. ٨٧٩٧ - فهذا تمام ما قيل فيه. والمذهب الحكم بوقوع الطلاق إذا جاءت، بألف وازنة خالصة، ثم إن كانت موافقة لنقد البلد، فالزوج يملكه. وإن كان النقد مخالفاً لما أتت به، وقع الطلاق، ورد الزوج ما جاءت به وطالبها بألفٍ من النقد. وإن لم يكن بين ما أتت به وبين النقد إلا تفاوتٌ في النوعين، فإن [تراضيا بما جاءت به] (٦) جرى الملك فيه، كما سبق تقريره في السَّلم إذا أتى المسلم إليه بما يخالف، النوع الموصوف والجنس جامعٌ، ولا وجه للخصوص في ذلك، والقياس ما تقد التنبيه عليه من وقوع الطلاق إذا أعطت ما وصف، وتعلق الملك بعينه، وما حكاه الشيخ أبو علي من الرجوع إلى مهر المثل فيه [غَوْص] (٧) في الفقه. فهذا تمام الاطلاع على حقيقة هذا الطرف.

стр. 6935

٨٧٩٨ - ومما يتعلق بتمام الكلام أنه إذا قال: إن أعطيتني ألفاًً، فهذا يقتضي أن تأتيَ به على الفور في زمان قبول العقد، حتى لو فرض تخللُ زمانٍ ينقطع بمثله الإيجاب عن القبول، فإذا أتت بالألف بعد ذلك، لم يقع الطلاق. وهذا مما مهدناه عند ذكر أصل الخلع وماهيته. وقد اتفق الأصحاب على هذا في طرقهم. ورأيت في شرح التلخيص أن من أئمتنا من قال: قوله: إن أعطيتني ألفاً لا يقتضي الفور، كما أن قوله إن دخلت الدار لا يقتضي الفور، فإن التواصل إنما يليق بكلامين: أحدهما التماس جواب، والثاني جواب عنه. وهذا وإن أمكن توجيهه، فهو بعيد في الحكاية، لا تعويل عليه، وسيأتي فصلٌ في أنه إذا قال: [إن] (١) أعطيتني ألفَ درهم، فهذا محمول على تسويغ التأخير. فهذا بيان أصول الفصل، والتنبيهُ على موقع الإشكال فيه، والانفصال عما يمكن الانفصال فيه (٢). ٨٧٩٩ - ثم مما ذكره الشافعي في ذلك أنه إذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، فلو أتته بألفي درهم، وقع الطلاق، ولا أثر للزيادة التي جاءت بها، وليس كما لو قال: أنت طالق على ألف، فقالت: قبلت ألفين، فلا يقع شيء، والفرق أن القبول جواب الإيجاب، فإذا خالفه في الصفة، خرج عن كونه جواباً. وإذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، فالإعطاء ليس جواباً، وإنما هو فعل، وإذا جاءت بألفين، فمما جاءت به ألف درهم، ولا اعتبار بالزيادة. ولو قال: إن ضمنتِ لي ألفَ درهم، فأنت طالق، فقالت: ضمنت ألفي درهم، وقع الطلاق، ولا يلزمها إلا الألف؛ فإن الضمان وإن كان قولاً منها، فليس أحدَ شِقَّي عقد، حتى يشترط وقوعه على وفق النسق الصادر من. الرجل. والدليل عليه أن

стр. 6936

الضمان مما يقبل التأخير إذا ذكر الزوج لفظاً مقتضاه التأخير، وذلك إذا قال: متى ضمنت لي ألفاًً، فأنت طالق. ٨٨٠٠ - ومما نذكره وهو ختام الفصل أنه إذا قال: إن أعطيتني ألفَ درهم، فأنت طالق، والتفريع على أن الطلاق لا يقع إلا بالنقرة الخالصة، فلو أتت بالنقرة المطبوعة وكان النقد الغالب مغشوشاً معلومَ العيار، والبناءُ على أخذِ التملك من النقد الغالبِ وأخذِ الوقوعِ من الدراهمِ الخالصةِ الوازنة، فموجب ذلك أن تسترد الدراهم الخالصة وتغرم للزوج المغشوشة. وهذا في نهاية الإشكال، كما تقدم من الكلام الواضح في المسألة أنها إذا أتت من التبر بزنة ألف درهم [أو بما] (١) فيه وزن الألف، فلا يقع الطلاق، إذا كان المذكور دراهمَ؛ فإن النقرة لا تسمى دراهم ما لم تطبع، وإذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، فأتته بدرهم خسرواني وزن ألف درهم، ففيه كلام ذكرته في الإقرار بألف درهم، فيطلب في موضعه. فصل قال: "ولو قال: متى أو متى ما أعطيتِني ... إلى آخره" (٢). ٨٨٠١ - قد ذكرنا التفصيل فيه إذا قال: إن أعطيتني، وأوضحنا أن هذا محمول على الفور، وكذلك إذا قال: إذا أعطيتني، فهو في اقتضاء الفور بمثابة قوله: إن أعطيتني. ولو قال: متى أعطيتني، أو متى ما أعطيتني، فهذا لا يقتضي التنجيز، ولكن الأمر موسّعٌ عليها؛ فإن اللفظ صريح في اقتضاء التأخير، فإن أخرت، فمهما أعطت على القرب أو البعد، حُكم بوقوع الطلاق، وليس هذا بدعاً إذا ثبت ما قدمنا ذكرَه من إيقاع لفظ التعليق من غير اشتراط لفظٍ من جهتها في القبول. وكذلك إذا قال: متى ضمنت لي ألفاًً، فمهما ضمنت على القرب أو البعد، وقع

стр. 6937

الطلاق؛ فإن ضمانها ليس يُنحى به نحو قبول المال المذكور في صيغة المعاوضة. وإنما سبيله سبيل تحقيق الصفة التي هي متعلق الطلاق، وهو بمثابة الإعطاء إذا قال: إن أعطيتني، أو متى أعطيتني. ٨٨٠٢ - فإذا تبين هذا، فنقول: إذا قال: متى أعطيتني، فلا شك أنها بالخيار إن شاءت أعطت، وإن شاءت لم تعط، ولكن إذا جاءت بالألف على الوجه الذي يقع به الطلاق [ووضعته] (١) بين يديه، فلا حاجة إلى قبضه إياه بالبراجم (٢)، هذا يسمى إعطاء على الحقيقة، ثم إن كان لا يفرض فيه إبدال، فكما (٣) جاءت به ملكه الزوج، [ردّه أو لم يردّه] (٤)، فإنه بعد ما قال، فلا يجد سبيلاً إلى الرجوع عن موجب قوله، وإذا حصل ملكه فيه، فلا يمكنه إخراجه عن ملكه إلا بطريق شرعي من الطرق المُرسِلة للأملاك. وإذا جاءت بها وجرى الملك فيها، سقط خيارها أيضاًًً، فلا تملك استرداده؛ فإن الملك يثبت فيه على اللزوم. وإذا كان علق الطلاق بضمانها، فهي بالخيار [إن شاءت، ضمنت] (٥) وإن شاءت لم تضمن، فإذا ضمنت، لزمها الوفاء بما ضمنت، ولا خِيرَةَ بعد الضمان، وجريان الالتزام. ٨٨٠٣ - ومما يتعلق بهذا أنه إذا قال إن أعطيتني ألف درهم، فهذا مذكور على الجهالة، ولكنه يحصل الحنث (٦) بالاسم، ثم يتفرع المذهب على حسب ما تقدم.

стр. 6938

وإذا قال: متى ضمنتِ، أو إن ضمنت ألفَ درهم، فالألف مجهول، والضمان فيه على الجهالة ضمانُ (١) مجهول، ولكنه يتعلق بما إذا أعطت ألفَ درهم، ثم سبيل الرجوع إلى النقد الغالب على ما تقدم، ويتجه في الضمان جدّاً الرجوع إلى مهر المثل كما ذكرناه في مسألة الإعطاء؛ فإن التعويل على اللفظ في الضمان، فإذا جرى على صيغة الجهالة، اتجه فيه الرجوع إلى مهر المثل. فظاهر المذهب أنها تضمن الألف، وتطلّق، ثم يستحق عليها ما يستحق إذا قال: إن أعطيتني ألف درهم. هذا هو المذهب. ثم الوجه الذي ذكره الشيخ (٢) في الرجوع إلى مهر المثل يعود. وإن وصف، فقال: إن أعطيتني ألف درهم صفتها كذا وكذا، وبالغ في الصفة، فإذا أتت به، فيجب القطع على الطريقة المشهورة بأنها إذا جاءت بها على [ما] (٣) وصف، استحق الزوج عينَ تلك الدراهم، وإنما التردد في الرجوع إلى نقد البلد على قول الأصحاب، أو إلى ألفٍ سليمة من العيب على ظاهر النص فيه إذا ذكر الألف مطلقة. ويجري مع الإعلام واستقصاء الوصف الطريقةُ التي ذكرها الشيخ؛ من جهة أنه تلقَّى الفساد من جهة أن التمليك من غير لفظ من جهتها بعيد. وإذا كان السبب هذا، لم يختلف بأن يكون الألف موصوفة، أو لم تكن. ومما يتعلق بهذا أنه إذا قال: إن ضمنت لي ألفاًً ووصف الألف، واستقصى الوصف، فضمنت، فما ذكره الشيخ أبو علي من الرجوع إلى مهر المثل يجري هاهنا أيضاًًً. فإن قيل: معتمده في مسألة الإعطاء أن التمليك من غير قبولٍ من جهتها بعيد. وإذا كان متعلق الطلاق بالضمان وهو يحصل بقولها، فما وجه الرجوع إلى مهر المثل؟ قلت: ضمانها ليس قبولاً لإيجاب، وإنما هو التزام مستقل بنفسه منقطعٌ عن إيجاب من جهة الزوج، ولذلك يُتصور تأخير الضمان عند قول الزوج إذا قال: متى ضمنتِ، كما يتصور ذلك في الإعطاء. فهذا منتهى ما أردناه في ذلك.

стр. 6939

٨٨٠٤ - ولو قال: إن أقبضتني ألف درهم. فهذا على ظاهر المذهب لا يتضمن تمليكاً، فإذا أقبضته، لم يملك الزوج ما قبض، ولم يملك عليها شيئاً غيره، وكان الطلاق الواقع رجعياً، بمثابة ما لو قال: إن دخلت الدار، فأنت طالق. ومن أصحابنا من قال: قوله " أقبضتني " بمثابة قوله: "أعطيتني" في التفاصيل التي قدمناها. وهذا بعيد لا تعويل عليه. وإذا قال: "إذا أقبضتني"، وحملناه على التعليق المحض من غير تمليك، فلا يبنى ذلك على الفور، كما لو قال: إن دخلت الدار، وليس كما لو قال: إن أعطيتني ألفاًً. فإن هذا محمول على الفور، لما فيه من معنى المعاوضة. ٨٨٠٥ - ولو قال: إن أعطيتني ألف درهم، أو متى أعطيتني، ثم أكرهها على الإعطاء، فلا يقع شيء؛ لأن هذا عطاء تمليك والإكراه ينافي التملك. وإذا قال: إن أقبضتني، وقد بان أنه محمول على التعليق من غير رعاية العوضية، فإذا أكرهها، فأقبضته، مكرهةً، فهذا يخرّج على القولين في أن الصفة التي علق الطلاق بها إذا وجدت على صفة الإكراه، فهل نحكم بوقوع الطلاق. وسيأتي شرح ذلك بما فيه في كتاب الطلاق، إن شاء الله . ثم إذا قال: إن أقبضتني، فجاءت به وأوقعته بين يديه، فهذا إقباض، لا يشترط في تحقيق الإقباض أن يقبض الزوج بالبراجم. ولو قال: إن قبضتُ من مالِكِ ألفاًً، فأنت طالق، فقبض من مالها قهراً، وقع الطلاق قولاً واحداً، فإنه قَبَضَ مختاراً وقبضُه متعلَّق الطلاق، فيعتبر الاختيار فيه، ولو أُكرِه فقبض مُكرَهاً، فقولان. ٨٨٠٦ - فهذا غاية ما يتعلق بهذا الفصل في هذا المعنى، والغائلة الكبرى من الفصل فيه إن قال: إن أعطيتني ألف درهم، فجاءت بألفٍ مغصوبة، وسيأتي هذا في فصل مفرد على ترتيب (السواد) (١) ويستكمل فيه الغرض، إن شاء الله .

стр. 6940

فصل قال: "ولو قالت له: طلقني ثلاثاًً ولك ألف درهم ... إلى آخره" (١). ٨٨٠٧ - إذا قالت المرأة لزوجها: طلقني ثلاثاًً بألف درهم، فطلقها واحدة، وقعت الطلقة بثُلث الألف، سواء أعاد ذكر العوض، أو لم يتعرض لذكره، إذا خرج كلامه جواباً، وأجراه على شرط الاتصال الزماني. هذا مما مهدناه عند ذكرنا أصلَ الخلع [وماهيتَه] (٢)، وفرقنا فيه بين الجانبين، فأوضحنا أن المرأة إذا استدعت ثلاثاًً بمال، فأجابها الزوج إلى بعض ما استدعت بقسطه من المال، [نفذ] (٣)، وثبت قسطٌ من المال. ولو قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثاً بألف، وقالت: قبلت طلقةً بثلث الألف، لم يقع شيء، وقدمنا في إيضاح الفرق بين الجانبين ما فيه مَقْنع. ثم إذا كانت المرأة هي المستدعية، فلا فرق فيما ذكرناه من جريان التبعيض [بين] (٤) صلةٍ وصلةٍ إذا استوت الصلات في جواز الاستعمال واقتضاء التعويض. فإذا قالت: طلقني ثلاثاًً على ألف، أو طلقني ثلاثاً، ولك عليّ ألف، أو طلقني ثلاثاًً ولك ألف، فإذا طلقها واحدةً، بانت به، واستحق عليها ثلثَ الألف، كما لو قالت: طلقني ثلاثاًً بألف. وأبو حنيفة (٥) خصص جريان التبعيض بصلة (الباء) فقال: إذا قالت: طلقني ثلاثاًً بألف، فطلقها واحدةً، استحق ثلث الألف، وأما إذا قالت: على ألف، أو لك ألف، فلا يستحق الزوج بإجابتها إلى بعض ما سألت شيئاً؛ واعتقد الفرق بين (الباء) و (على) صائراً إلى أن الباء تقتضي التعويض المحقق، والتعويضُ من مقتضاه مقابلة

стр. 6941

الجملة بالجملة وتوزيع الأبعاض على الأبعاض. (وعلى) كلمةُ شرطٍ ومن مقتضى الشرط وجودُ كمال الشرط في ثبوت المشروط. وهذا الذي ذكره خيالٌ لا أصل له، والصلات مستوية في اقتضاء التعويض، وجريان التبعيض. ثم ما أشرنا إليه من التعويض لا يكفي في إجراء التبعيض، حتى نضم إليه نزوعَ المعاوضة في جانبها إلى الجعالة، كما سبق تقريرها. وإذا جرى كلام على البسط تأصيلاً، فلتقع القناعة بإحالة الفروع عليها. هذا أصل الفرع. ٨٨٠٨ - ولو سألت المرأة ثلاثاً بألف. وكان الزوج لا يملك إلا الطلقة الأخيرة، فطلقها تلك الطلقة. قال الشافعي: يستحق عليها تمامَ الألف. وقال المزني: لا يستحق عليها إلا ثُلثَ الألف، وذكر أبو إسحاق المروزي طريقة أخرى، اختارها لنفسه، وقد نزّل عليها نصَّ الشافعي بزعمه، فنذكر طريقته، ثم نذكر تصرفه على النص. قال: الحكم يختلف بعلم المرأة وجهلها، فإن كانت تظن أن الزوج يملك عليها ثلاث طلقات، فإذا طلقها الطلقةَ الأخيرة، وكان لا يملك غيرها، لم يستحق عليها إلا ثلث الألف، ولو كانت عالمةً بأنه لا يملك عليها إلا الثالثة، فسألت الثلاث بالألف، فطلقها الثالثة، استحق تمام الألف، كما قاله الشافعي؛ لأنها لما سألت الثلاث مع العلم بأنه لا يملكها، حُمل سؤالها على تحصيل [الحُرمةِ] (١) الكبرى. هذا أصل كلامه. ثم تصرف على النص، وزعم أن قول الشافعي، في ثبوت الألف بالطلقة الثالثة محمول على ما إذا كانت عالمةً [بأن] (٢) الزوج لا يملك إلا الثالثة. فنقول: لا يستقيم تصرفُ المروزي على النص لمسألةٍ تص عليها الشافعي في [الكبير] (٣)؛ فإنه قال: لو قالت له: طلقني ثلاثاًً بألفٍ، وكان بقي له عليها طلقتان، فإن طلقها واحدة، استحق ثلث الألف، وإن طلقها ثنتين، استحق كل الألف. ولم

стр. 6942

يفرق بين حالة العلم وحالة الجهل، وهذا لا يستقيم على مذهب المروزي؛ فإن المرأة لو كانت عالمة، فمقتضى أصله أن الزوج يستحق عليها بالطلقة نصف الألف، تنزيلاً للعوض على معلومها. وقد قال الشافعي: لو طلقها طلقة استحق ثلث الألف، فإن حُمل استحقاق الثلث على جهلها، [فمذهبه] (١) أنها إذا كانت جاهلة فلو طلقها الطلقتين، استحق ثلثي الألف، فلا يستمرّ مذهب المروزي في هذه المسألة منطبقاً على النص، ولأن الشافعي أجرى جوابه في الطلقتين على نسق واحد، فقد بطل تصرفه (٢)، وبقي مذهبه. ٨٨٠٩ - ومسائل الفصل مُدارة على ثلانة مذاهب: أحدها - النص، والآخر مذهب المزني، [والثالث مذهب المروزي] (٣) ونحن نذكر قواعد المذاهب موضحة، ثم نذكر وجوهَها، ثم نفرع المسائلَ عليها. أما مذهب الشافعي، فقاعدته أن المرأة إذا سألت الثلاثَ، فحصَّل الزوج لها الحرمة الكبرى، استحق عليها تمامَ العوض المسمى، ولا نظر إلى العدد، ولا فرق بين أن يكون الزوج مالكاً للثالثة أو لاثنتين، ومهما حصلت الحرمة الكبرى، تعلق (٤) به استحقاق تمام العوض. وإن لم تحصل الحرمة الكبرى يوزّع المال المبذول على [العدد] (٥) المسؤول، ونُظر إلى ما أوقعه الزوج، فوجب بقسطه من العوض؛ نظراً إلى التوزيع الذي ذكرناه، ولا فرق بين أن تكون عالمة أو جاهلة. وبيان ذلك -على قدر الحاجة إلى تمام التفريع- أنها لو سألت ثلاثاًً وكان الزوج يملك واحدة أو اثنتين، فاستوفى ما يملكه؛ فإنه يستحق تمام العوض. ولو كان يملك طلقتين مثلاً، فطلقها واحدة، استحق ثلث الألف؛ لأنه لم يحصّل الحُرمة

стр. 6943

الكبرى، فيوزع المبذول على العدد المسؤول، وهي قد سألت الثلاث، فلم يجبها إلا إلى واحدة. هذا [أصل] (١) النص. وأما قاعدة مذهب المزني، فتوزيع البدل على العدد المسؤول أبداً، سواءٌ حصّل الزوجُ الحرمةَ الكبرى، أو لم يحصِّلها. وأصل مذهب المروزي أنها إن كانت جاهلة، فالبدل موزع على العدد المسؤول كما قاله المزني. وإن كانت عالمة بأن الزوج لا يملك تمام المسؤول، فالعوض يقابِل معلومَها وإن علمت أنه لا يملك إلا واحدة، فالعوض في مقابلته. فإن علمت أنه يملك طلقتين يوزع البدل على ما علمته ملكاً للزوج. فإن طلقها بثنتين استحق التمام؛ فإنه استوفى جميع ما علمت. وإن طلقها واحدةً، وهو يملك اثنتين، استحق نصف البدل؛ توزيعاً على معلومها، لا على مسؤولها. هذا بيان أصول المذاهب الثلاثة. ولم ينسب أحد من الأصحاب مذهبَ المزني إلى مذهب الشافعي ومتبعيه إلا الشيخَ أبا علي، فإنه حكى أن بعض الأصحاب رأى مذهب المزني تخريجاً ملحقاًً بالمذهب. وهذا متجه؛ [و] (٢) في كلام المزني، ما يدل عليه؛ فإنه قال: قياس مذهب الشافعي كذا وكذا، والذي يقتضيه الإنصاف تقديمُ تخريجه على تخريج غيره، فإذا كان تخريج ما ذكره على قياس الشافعي، فهو تخريج منه وقد يجانب مذهبُه الشافعيَّ ويخترع لنفسه مقالة؛ فإذ ذاك لا يُلحق بالمذهب. ٨٨١٠ - توجيه المذاهب: أما مذهب المزني، فوجهه ظاهر؛ فإنها إذا سألت الثلاث بالألف، فقد قابلت عدداً بمبلغٍ، فإذا لم يحصّل الزوج من العدد إلا بعضَه بَعُد أن يستحق تمامَ البدل المسمى. ثم أكد المزني ذلك وتشوف إلى تقدير سؤال وأجاب عنه، فقال: إن نظرنا إلى حصول الحرمة الكبرى، فليست هي حاصلة بالطلقة الثالثة، وإنما تحصل باستيفاء العدد، والاستيفاءُ لا ينحصر معناه على الثالثة، بل إنما يحصل بالطلقتين السابقتين وبالثالثة المنجّزة، وإذا لم يجبها إلى العدد، فلم يأت بما

стр. 6944

هو مقتضى الحرمة، ومقتضى اللفظ مقابلةُ الألف بالثلاث. وأما وجه النص، فهو أن الطلقات لا تُعنَى لأعيانها، وإنما الغرض الأحكامُ المرتبةُ عليها، والمقصود الأقصى منها الحرمةُ الكبرى، فإذا حصّلها الزوج بالطلقة الثالثة، فقد حصل تمام مقصودها، والعدد لعينه لا معتبر به، فإن الأموال إنما تقابل بمقاصدَ معقولةٍ. فلا يبقى بعد ذلك إلا ما أورده المزني من إحالة الحرمة على الطلقات الثلاث، وقد يشبِّه المزني ذلك بإحالة السُّكر على الأقداح السابقة واللاحقة. وهذا موضع التثبت، [فللقدح الأول والأخير] (١) أثرٌ في العقل مخامرة وتخميراً. ولا يحصل بالطلقة الأولى من تحريم النكاح شيء، ولو فرض حصولٌ لا يتبعّض، وإذا شبه المشبه ما نحن فيه بتغريق السفينة بتثقيلها بكثرة الشِّحنة، وكلُّ قدرٍ يُغوِّص من السفينة قدراً، فلا نظر إلى هذه الأجناس، والذي نحن فيه ليس في معناها؛ فإن شيئاً من حرمة العقد لم يحصل، وإنما تحصل حرمةُ العقد خصلةً واحدةً -من غير ترتب وتبعّض- بالطلقة الثالثة. ثم إذا وضح أن النظر إلى تحصيل المقصود، فالمناقشة في العلة لا معنى لها. وقد حصّل الزوج كلّ المقصود، وما كان حَصل من هذا المقصود شيء قبلُ. وأما وجه مذهب المروزي، فهو أنها إن كانت جاهلةً، فقد ثبتت المقابلة على معادلة المسمى ما سألته من العدد، فيجب رعاية قصدها، وهي مقدورة. فأما إذا سألت الثلاث، والسؤال يتعلق بالاسقبال، فيستحيل حمل سؤالها على محالٍ، فيتعين حمله على المقصود الذي علمته. وهذا ليس بشيء، وليس ينقدح إلا النص، ومذهبُ المزني؛ فإنه يجوز أن يقال: إذا علمت أنه لا يملك الثلاث، وسألت الثلاث، قصدت تنقيص المسمى، إذا استوفى الزوج ما يملك. هذا بيان أصول المذاهب تمهيداً وتوجيهها.

стр. 6945

٨٨١١ - ونحن نوضحها الآن بالمسائل الجليّة، ثم نأتي بعدها بالمسائل التي فيها بعض الغموض، ونختتم الفصل بمسائل أوردها صاحب التلخيص، ونذكر فيها ما ذكره الشارحون، إن شاء الله تعالى. فنقول: إذا كان يملك عليها طلقة، فسألت ثلاثاًً بألف، فطلقها الثالثة؛ فإنه يستحق تمام الألف على النص، ويستحق ثلثه على مذهب المزني توزيعاً للبدل المبذول على العدد المسؤول، والمروزي يقول بمذهب الشافعي إن كانت عالمة، وبمذهب المزني إن كانت جاهلة. وإن كان الزوج يملك عليها طلقتين، فسألت ثلاثاً بألف، فتفريع المسألة على النص أنه إذا طلقها الثنتين، استحق الألفَ بحصول الحرمة الكبرى، وإن طلقها واحدةً من الثنتين، استحق ثلث الألف توزيعاً للمبذول على العدد المسؤول؛ فإنها سألت الثلاث، ولم يحصّل الزوجُ مقصود الثلاث، ولم يوقع إلا طلقة واحدة. وأما المزني؛ فإنه يقول: إن طلقها ثنتين، استحق ثلثي الألف، وإن طلقها واحدةً، استحق ثلث الألف؛ فإنه يوزع البدل على العدد المسؤول أبداً. والمروزي يفصّل بين أن تكون عالمة أو جاهلة، ويقول: إن كانت جاهلة، فطلقها طلقتين، استحق ثلثي الألف، وإن كانت عالمةً فطلقها طلقتين، استحق تمام الألف، وإن طلقها طلقة، استحق نصف الألف؛ توزيعاً للبدل على معلومها لا على مسؤولها، فيكون مذهبه في حالة علمها وقد طلقت طلقةً واحدة مخالفاً للنص ومذهب المزني. ٨٨١٢ - ولو قالت: طلقني عشراً بألف وكان يملك عليها ثلاثاًً أو اثنتين أو واحدة. فالتفريع على النص أنه إن حصّل الحرمة الكبرى، استحق تمام العوض المسمى، وإن لم يحصّل الحرمةَ الكبرى، بل طلّق واحدة من الثلاث، أو واحدة من اثنتين؛ فإنه يستحق عُشر البدل؛ توزيعاً له على العدد المسؤول. فإن كان يملك ثلاثاًً فطلق اثنتين استحق خمس البدل؛ لأن ما أتى به خمس العشرة. وعلى مذهب المزني البدل يتوزع أبداً على العدد المسؤول، حتى لو كان لا يملك

стр. 6946

إلا واحدة، لم يملك بإيقاعها إلا عشر البدل، وإن حصلت الحرمة الكبرى. وذكر الشيخ أبو علي في بعض مجاري كلامه أن المزني لا يوزع إلا على العدد الشرعي، فإن زاد السؤال، فالتوزيع مردود إلى الثلاث. وهذا فيه احتمال على مذهبه؛ فإن مذهبه مدارٌ على ركنين: أحدهما - رعاية المقابلة اللفظية، وهذا القياس يقتضي التوزيع على العشر فصاعداً، كيفما اتفق السؤال؛ نظراً إلى اللفظ. والركن الثاني - أنه يقول: الحرمة لا تحصل بالطلقة الأخيرة وحدها، بل تحصل [بها] (١) والطلقتين السابقتين، فعلى هذا لا يبعد رعايةُ الثلاث، والمنعُ من [تعدّيها] (٢) في الاعتبار؛ فإن الحرمة الكبرى تتعلق في الثلاث على رأيه. وهذا وإن كان له اتجاه، فالمذهب المعروفُ به التوزيع على العدد بالغاً ما بلغ. وأما المروزي، فإنه يبني مذهبه على العلم والجهل، ولا تكاد المرأة تجهل أن عدد الطلاق لا يزيد شرعاً على الثلاث، فنذكر السؤال على هذا التقدير: فإذا سألت عشراً، وكان الزوج يملك ثلاثاًً مثلاً، فالبدل موزع على الثلاث، فإنها منتهى العدد في علمها، فيقع التوزيع على معلومها، ويكمّل البدل باستيفائه تمام المعلوم. وإن فرض فارض امرأة حديثة العهد بالإسلام، لم يبلغها العدد الشرعي في الطلاق، فإذا سألت عشراً على تقدير أن الزوج يملك ذلك، فالتوزيع يقع على مسؤولها. ومن أصحابنا من تصرف على المروزي، وقال: إنما يؤثر جهلها إذا لم يتعدَّ الحصرَ الشرعي، فإن تعدته، فلا معوّل على جهلها. وهذا ضعيفٌ، ومذهبه أن جهلها مهما تُصوّر معتبرٌ في العدد الشرعي، وفي الزائد عليه. فإن قيل: حكيتم على الجملة خلافاً (٣) على طريقة المروزي والمزني في العدد الزائد على العدد الشرعي، وقطعتم باعتبار العدد الزائد على مذهب الشافعي، فما السبب فيه؟ قلنا: ما حكيناه أولاً من مذهب المزني، والمروزيِّ مزيفٌ، لا اعتداد

стр. 6947

بمثله. ثم له (١) وجه على المذهبين، أما مذهب المزني، [فمعوّله] (٢) أن الحرمة تناط بالثلاث، وهذا يوجب حصره النظر في الثلاث. والمروزي إنما يحصر اعتبار الجهل فيما يفرض جهله، وما يندر جهله لا معوّل عليه. أما إذا فرعنا على النص [فالتعويل] (٣) على شيئين: أحدهما - تحصيل الحرمة الكبرى، وهي المقصود، فإذا لم تحصل الحرمة، فلئن قيل: الزائد على الحرمة لغوٌ، فالمرأة قابلت المال بالثلاث. وبالزائدة (٤) عليها، فليقع نظر الفقيه في مقابله، وليعتقد أنه إذا ألغى مقابل المال، لغا المال، وهذا المعنى يوجب التقسيط على المقصود لا محالة، وهذا التقسيط لضبط [المذهب] (٥) وإلا فالتقدير إسقاط سبعة أعشار الألف بطريق الإلغاء، فلا تبقى إلا ثلاثة أعشار، فيثبت بالواحدة عشر، وبالثانية عشر آخر، وبالثالثة التمام لحصول الحرمة الكبرى، وكأن الألفَ على حصول المقصود، ويتطرق الإلغاء إليه دون المقصود. فهذا تفريع جليات المسائل على أصول المذاهب. ٨٨١٣ - ونحن الآن نأخذ في المسائل الغامضة، فنقول: إذا قالت: طلّقني ثلاثاً بألف، وكان يملك عليها ثلاثاًً، فقال في جوابها: أنت طالق واحدةً بألف واثنتين بغير شيء، فتلحقها الطلقة الأولى، وتبين بها، ولا يقع الأخريان؛ لأنها تصير مختلعة بالأولى، والمختلعة لا يلحقها الطلاق. هذا ما ذكره الصيدلاني والقاضي، والأئمة المعتبرون في المذهب. وفي المسألة إشكالٌ لا دفع له، وذلك أنها لما سألت الثلاثَ بألف، فقد سألت كل طلقة بثلث ألف، وقد قال الزوج في جوابها: أنت طالق واحدة بالف، فلم يقع

стр. 6948

كلامه على موافقة تقديرها، وعلى مقتضى مقابلتها، وإذا خالف كلامُ الزوج استدعاءَ المرأة، لم يكن كلامه إسعافاً، وإذا أظهر الزوج خلافاًً، صار مبتدئاً غير مجيب، فالذي يقتضيه القياس الحقُّ أن الطلقة الأولى لا تقع؛ لأنه ربط وقوعها بالتزام الألف، ولم يسبق من المرأة استدعاء ذلك، ولم تقبل أيضاًً الألف على حسب قوله بعد قوله (١)، وإذا لم تقع الطلقة الأولى، وقعت الطلقتان الأخريان رجعيتين. هذا هو الذي لا يجوز غيره، وإذا كان الكلام على مقتضى لفظٍ، وهو على حسب ما ذكرناه قطعاً ولم نصادف على مخالفته نصاً، فلا وجه للتماري في التعلّق بالحق. هذا منتهى المراد في ذلك، نقلاً واستدراكاً. والذي ذكره الأصحاب أن الطلقة الأولى تقع بثلث الألف، وتصير المرأة مختلعة، وهذا على نهاية الخبط (٢) والفساد. ٨٨١٤ - ولو قالت: طلقني ثلاثاًً بألف، فقال: أنت طالق طلقة مجاناَّ بلا عوض، وطلقتين بألف درهم. فنقدم على المسألة تجديد العهد بأن الرجعية هل تُخالع؟ وفي ذلك قولان: أصحهما - وهو المنصوص عليه في الجديد أن مخالعتها تصح؛ فإنه إذا كان يلحقها الطلاق بلا عوض يلحقها الطلاق بالعوض. والقول الثاني - أن الطلاق بالعوض لا يلحقها، وهو منصوص عليه في القديم. وهذه المسألة مفرعة على هذا الأصل، ونحن نصوّرها على وجهٍ لا يلحقها غائلة، ونعيد تصوير الأولى على حسبها حتى يتبين الغرض في النفي والإثبات، ثم نعود إلى ما في المسألة من غائلة، فنقول: إذا قالت: طلقني ثلاثاًً بألفٍ، فقال الزوج: طلقتك واحدة بثلث الألف، واثنتين مجاناً، فتقع الواحدة بثلث الألف، فإن الزوج موافق فيها موجب استدعاء زوجته، ولا تلحق الطلقتان بعدها؛ فإنها صارت مختلعة.

стр. 6949

ولو قال في جوابها وسؤالها كما مضى: أنت طالق واحدةً مجاناً بلا عوض، واثنتين بثلثي الألف. فهذا يخرّج على أن الرجعية هل تخالع؟ فإن قلنا: إنها تخالع، ثبت ثلثا الألف، وإن قلنا: إنها لا تخالع، فلا يثبت للزوج شيء من المال، ثم إذا لم يثبت المال، فالذي قطع به الأصحاب وقوع الطلاق من غير عوض. وهذا من الأصول، فليتنبه له الناظر، وليقف عنده؛ فإنا نبتدىء فنقول: من طلق امرأته طلقةً رجعية، وقلنا: الرجعية لا تخالع، فإذا قال لها: أنت طالق على ألف درهم، فقالت: قبلت، فالطلاق يقع رجعياً؛ فإنه إن كان لا يلحقها الطلاق بعوض يلحقها الطلاق بغير عوض، فتصير الرجعية في هذا المقام كالمبذرة السفيهة. وقد نص الشافعي وأطبق الأصحاب على أن الزوج إذا قال لامرأته السفيهة المبذرة: أنت طالق على ألف درهم، فقالت: قبلت، فالطلاق يقع رجعياً. ولا شك أن الرجعية في المعنى الذي ذكرناه بمثابة المبذرة، إذا تُصوِّر تطليقُها من غير عوض، وقد وُجد القبول منها على صيغةٍ واحدة، وهما من أهل العبارة، بل عبارة الرجعية إذا لم تكن مبذرة أولى بالصحة. فإن عاود معترضٌ، وأبدى إشكالاً ينعكس على السفيهة، كان كلاماًً في غير موضعه. ثم الذي عليه التعويل في السفيهة أن الطلاق على صيغة المعاوضة يعتمد صورة القبول، ولا يعتمد اللزوم، والدليل عليه أنه إذا قال لامرأته المُطْلَقة (١): أنت طالق على زِقِّ خمر، فقالت: قبلت، وقع الطلاق، والمقبول لا يلزم. ولو التزمت مهر المثل في مقابلة قول الزوج، لم يقع شيء، فاستبان أن التعويل في وقوع الطلاق على التوافق في القبول، على شرط صحة العبارة. وسنُجري مسألة السفيهة بعد ذلك [ونزيدها] (٢) كشفاً، والغرض المنتجز الآن تشبيه الرجعية بالمبذرة. وهذا واقعٌ لا رفع له. فخرج من مجموع ما ذكرناه أنها إذا قالت: طلقني ثلاثاًً بألف، فقال: طلقتك واحدة بلا عوض، وطلقتين بثلثي الألف، فلا خلاف في وقوع الثلاث، ولكن إن

стр. 6950

صححنا [مخالعة] (١) الرجعية، وقعت الطلقتان الأخيرتان بثلثي الألف، وإن منعنا مخالعة الرجعية، وقعت الطلقات الثلاث من غير عوض؛ فإن الأولى وقعت رجعية، ثم امتنع بعدها ثبوت العوض. هذا تفصيل القول مع فرض المسألة من غير غائلة. ٨٨١٥ - فأما إذا سألت ثلاثاًً بألفٍ، فقال: أنت طالق واحدةً مجاناً، واثنتين بالألف، فإن جوزنا مخالعة الرجعية، فالوجه القطعُ بثبوت الألف، ولا حكم لما في لفظه من مخالفة المرأة؛ فإنها قابلت الثلاث بالألف، وقابل هو طلقتين بالألف، والسبب فيه أنه حصّل الحرمة الكبرى، وقد ذكرنا أنه إذا حصلها، فلا نظر إلى العدد، وهذا حكم النص، وعليه التفريع. فإن فرع مفرّع المسألة على مذهب المروزي في حاله، فينقدح في هذه الصورة ألا تقع الطلقتان على موجب القياس الذي ذكرناه، من جهة مخالفة الزوج استدعاءها، وليست هذه المسألة بمثابة الأولى؛ فإنها مفروضة فيه إذا طلق الطلقة الأولى بالألف، مع العلم بأن الأولى لا تفيد الحرمة الكبرى، فاتجه فيها القياس الذي ذكرناه، من جهة [مخالفة الزوج استدعاءها] (٢) وإن كان مذهب الأصحاب على مخالفته. ٨٨١٦ - ومما نفرعه أن المرأة إذا قالت: طلقني واحدة على ألف، فقال: أنت طالق ثلاثاًً، قال الشافعي في هذه المسألة: طلقت ثلاثاً وله الألف. وقال أبو حنيفة (٣): لا يستحق عليها شيئاً، وأبو يوسف ومحمد مع الشافعي. معتمد المذهب أنه أجابها إلى ما سألت، وزاد. ولم يخالف أبو حنيفة في أنها إذا سألت ثلاثاً بالألف، فطلقها واحدةً، استحق ثلث الألف، وهذا أقرب إلى مخالفتها. وما ذكرناه فيه إذا قال: أنت طالق ثلاثاًً في مقابلة قولها: طلقني واحدة. فإذا لم يُعد الزوج ذكرَ المال، فالجواب كما ذكرناه.

стр. 6951

وإذا قالت: طلقني واحدةً بألف، فقال: أنت طالق ثلاثاً بألف، أو على ألف، فهذا موضع التردد؛ من قِبَل أنها قابلت واحدةً بألف، فقابل الزوج في جوابها ثلاثاًً بألف، فاقتضى ما جاء به الزوج مقابلة طلقة بثُلث الألف، فالذي ذهب إليه معظمُ الأصحاب وقوع الثلاث [و] (١) استحقاق الألف كالصورة الأولى، وهي إذا لم يُعد الزوج ذكرَ المال؛ ووجهه أنه أتى بما سألت وزاد. [و] (٢) في بعض التصانيف عن القفال أن الثلاث تقع، ويستحق الزوج ثلث الألف؛ لأنها رضيت بواحدة على العوض، ولم يثبت العوض إلا على مقابلة ملك الواحدة، ولكن لا ترتّب في الطلقات حتى يقال: ثبت الطلاق بمالٍ، ولم [يلحقه] (٣) غيرُه. وفي هذا التصنيف وجهٌ آخر، وهو أنه يقع طلقة واحدة فحسب؛ لأن التوافق لم يقع إلا على طلقة واحدة، والزوج قابل الطلقتين الأخريين بمالٍ، والمرأة لم تقبله، وهذا والذي حكاه عن القفال ليسا بشيء؛ إذ لوْ صحّ هذا المسلك، لوجب أن لا يقع شيء؛ من قِبل أنه قابَل كلَّ طلقة بثلث الألف. وهذا يخالف استدعاءها. ٨٨١٧ - ولو قالت المرأة لزوجها: طلقني واحدة بألف، فقال: أنت طالق واحدة بثلث الألف، لم يقع شيء؛ فإن الاختلاف [بين] (٤) الإيجاب والقبول لا فرق فيه بين الزيادة وبين النقصان. ولو قال الرجل: بعتك عبدي هذا بألف درهم، فقال: اشتريته بألفين، لم ينعقد البيع، ولم نقل: أتى بالألف وزاد فلغت الزيادة، فلو كانت المسألة التي نحن فيها تخرّج على القاعدة التي شبَّب بها هذا المصنف حكايةً عن القفال، لوجب المصير إلى أنه لا يقع شيء، ثم كان لا يفرّق بين أن يعيد الزوج ذكرَ الألف وبين أن يذكرَ

стр. 6952

الألفَ إذا [طلق] (١) ثلاثاًً؛ فإنه وإن لم يُعد ذكرَ الألف، [فهو] (٢) معادٌ ضمناً، وعلى هذه القاعدة تثبت الأعواض. فإن قال قائل: فما الجواب [فيما] (٣) شبّبتم به في إعادة الألف، وفي السكوت عنه؟ قلنا: خروج المسألة على أنه إذا طلقها ثلاثاًً، فقد حقق غرضها، فلا نظر بعد ذلك إلى شيء. وهذا مشكلٌ في صورةٍ سَهْلُ المحتمل في الأخرى، فأما الصورة السهلة، فهي إذا طلقها ثلاثاًً؛ فإنه استوفى ما عنده، وصارت الحرمة الكبرى في حكم الخَصْلةِ الواحدة، فلا تقسيم ولا تبعيض بعد حصولها، وكانت سألت فُرقةً مخففة، فأجابها مغلظة، وينقدح عليه عكس هذه الصورة. وأما الصورة التي فيها عسر هي (٤) إذا قالت: طلقني واحدةً بألف، فقال: أنت طالق ثنتين بألف، فلم يتحقق في هذه الصورة حرمةٌ مغلّظة، نتّبعها ونترك العدد، والمقابلة تختلف في الصورة ويترتب على اختلافها اختلاف الاستدعاء والإجابة، ولم ينص أصحابنا على هذه المسألة بعينها، ولكن قياس كلامهم القطعُ بوقوع الطلقتين. وينقدح عندي في هذه الصورة مذهب أبي حنيفة، فليتأمل الناظر مواقف الكلام ومواقع الأشكال. ٨٨١٨ - وقد انتهى ما أضمرناه من تفريع المسائل الغامضة على القواعد المقدّمة. ونحن نذكر بعدها ما يتعلق بكلام صاحب التلخيص (٥) من الزوائد -والله المستعان. فمما ذكره أن المرأة إذا سألت طلقتين [أو ثلاثاً وهو لا يملك] (٦) إلا الواحدة،

стр. 6953

والتفريع على النص، وقال الزوج في جوابها: طلقتك اثنتين [الثانية منهما] (١) بألف، فلا يستحق من العوض شيئاً؛ فإنه عرَّى الطلقة الأولى عن العوض، وكان لا يملك غيرها. وقد أتى بذكر الطلقتين أولاً على صيغةٍ تقتضي الجمع، ثم جاء بها تقتضي الترتيب؛ إذ ذَكرَ الثانية، ومن ضرورة الثانية أولى، وهذا لائح، فإن قال في جوابها: أنت طالق اثنتين الأولى منهما بألفٍ، استحق تمام الألف، ولغا تقدير الطلقة الثانية. وكل ذلك يخرّج على أنا لا نرعى العدد مع تحصيل الحرمة الكبرى. ولو سألت طلقتين، وهو لا يملك إلا واحدة، فقال في جوابها: أنت طالق طلقتين، ولم يتعرض لذكر المال وتقديرهِ المقابلةَ، ولما راجعناه، قال: لم يكن لي نية تقدير مقابلة، ولكني زدتُ على ما أملك لفظاً، فكيف السبيل فيه؟ نقول أولاً: لو نوى صرفَ الألف إلى [الأولى] (٢) استحق تمام العوض، [أما] (٣) لو لفظ أو نوى صرف الألف إلى الثانية -كما صورناه أولاً- لم يستحق شيئاً. وإذا قال: لم يكن لي نية، فقد ذكر الشيخ وجهين: أحدهما - أنه لا يستحق شيئاً؛ فإنه يجوز تقدير الأمر على وجهِ لا يستحق شيئاً، ويجوز خلافه، [والأصل] (٤) براءة الذمة. والوجه الثاني - وهو اختيار [أبي زيد] (٥) المروزي أنه يستحق تمام العوض لتحصيل الحرمة الكبرى؛ فإنه لم يأت بما يناقض استحقاقَ العوض. وهذا هو الصحيح. والذي يقتضيه كلام الشيخ أنه لو قال: نويت مقابلة الثانية بالعوض لا يستحق. وهذا فيه نظر عندي، فإنه إذا لم يتلفظ بهذا، ولفظه للجمع، فلا يختلف مقتضاه الصريح بنية باطلة.

стр. 6954

ومما ذكره من هذا الجنس أنه لو كان يملك طلقة كما صورنا، فقالت المرأة: طلقني اثنتين بألف، فقال في جوابها: طلقتك اثنتين بألف، فقابل الأولى في لفظ بهما، والتفريع على مذهب الشافعي ونصه، قال الشيخ: اختلف أصحابنا في هذه المسألة، فمنهم من قال: يستحق تمام الألف، وهو الصحيح؛ فإن الحرمة الكبرى مهما حصلت، لم يبق بعد حصولها نظر إلى تفصيل المقابلة، وكما لا يعتبر التوزيع على ما سألت إذا أجيبت إلى الحرمة الكبرى، فلا يعتبر التوزيع على ما لفظ الزوج به. ومن أصحابنا من قال: لا يستحق إلا نصف العوض، وهو خمسمائة؛ فإنه قابل الطلقة المملوكة بخمسمائة، فلا يستحق أكثر منها. وهذا ساقط مع حصول الحرمة الكبرى، كما قدمنا. وليس كما لو قالت: طلقني اثنتين بألفٍ، وكان يملك ثلاثاًً، فقال: طلقتك واحدة بخمسمائة؛ فإن تلك الواحدة تقع بالخمسمائة؛ إذ ليس فيها تحصيل الحرمة الكبرى. ٨٨١٩ - ومما فرعه أن المرأة لو سألت طلقة بألف، وكان الزوج يملك عليها ثلاثاًً، فقال في جوابها: أنت طالق وطالق ثم طالق، نُراجعه. فإن قال: أردتُ مقابلة الألف بالطلقة الأولى، فلا يلحقها بعدها طلاق. فإذا [قال:] (١) أردت [إيقاع] (٢) الطلقة الأولى بلا عوض، [وإيقاع] (٣) الثانية بالألف، ثم إيقاعَ الثالثة، فهذا يخرّج على مخالعة الرجعية، فإن قلنا: يلحقها الطلاق بالعوض، طُلّقت طلقتين الأولى بغير عوض، والثانية بالألف، ولا تقع الثالثة. وإن قلنا: الرجعية لا تخالع، لم يستحق الزوج من العوض شيئاً، [وطلقت] (٤) المرأة ثلاثاً بناء على أن الرجعية إذا خولعت، وقلنا: لا يصح مخالعتها، فيقع الطلاق من غير عوض، قياساً على السفيهة.

стр. 6955

ولو قال الزوج: أردت بالطلقة الأولى والثانية رجعتين بلا عوض، [وأردت] (١) مقابلة الثالثة بالعوض، فالذي ذكره الأصحاب أن ذلك يخرّج على القولين في مخالعة الرجعية، وهو بيّن لائح. فإن جوّزنا مخالعتها، وقع الطلاق، واستحق الزوج الألف كَمَلاً، وإن منعنا مخالعة الرجعية، وقع الثلاث، ولم يستحق الزوج شيئاً. وقال الشيخ أبو علي في الشرح: إذا طلق الرجل امرأته طلقتين، وجرت في عدة الرجعية، فخالعها على الثالثة، صحت المخالعة على الثالثة قولاً واحداً؛ فإنه يتعلق بها مزيد فائدة، وهي الحرمة الكبرى، وإنما القولان في مخالعتها بالطلقة الثانية، وهذا تفصيلٌ لم أعرفه (٢)، ولم أره إلا له، وليس فيه كبير معنى؛ فإن الخلع بالطلقة [الثانية] (٣) يفيد البينونة وبتَّ النكاح، فإذا لم يصحح الخلع مع ذلك، فأي أثر للحرمة الكبرى في التصحيح. ٨٨٢٠ - ثم إن صاحب التلخيص أتى بكلام مضطرب، وأعاد صوراً أجاب فيها بخلاف ما سبق من جوابه في أعيانها، فكانت هذه المسألة معروفةً بكثرة عثراته، ونحن لا نذكر ما لا يفيد معنى ولا يجدي فقهاً، فالذي يتعلق به -على كل حال- شيٌ أنه قال: إذا [كان] (٤) الرجل يملك طلقة واحدة، فسألت المرأة ثلاثاًً، فقال في جوابها: أنت طالق ثلاثاً، قال: يثبت الرجوع إلى مهر المثل، وقد سألت الطلاقَ الثلاثَ بالألف (٥)، ولم يتعرض لهذا الكلام فيما تقدم، بل أطلق ما أطلقه الأصحاب من ثبوت البدل المسمى إذا [حصلت] (٦) الحرمةُ الكبرى، واتفق معظم الأصحاب على

стр. 6956

تغليطه في إثبات مهر المثل، وتناقضُ كلامه بيّنٌ لا حاجة إلى تكلفٍ في إيضاحه. قال الشيخ أبو علي: وجدت نسخاً من التلخيص أصلح فيه ذكر مهر المثل [وحذفه] (١). ووجدتُ (٢) لبعض الأصحاب وجهاً غريباً أنها إذا سألت ثلاثاًً والزوج لا يملك [إلا] (٣) واحدة أو اثنتين، فحصّل الحرمة الكبرى بإيقاع ما يملك -أن البدل المسمى يسقط، والرجوع إلى مهر المثل؛ لما حصل من الاختلاف بين القولين، والمسمى إنما يثبت عند التوافق المحقق؛ ولا سبيل إلى تعرية الحرمة الكبرى عن العوض؛ فكان الرجوع إلى مهر المثل. وهذا ليس بشيء، وبأمثاله تختبط أصول المذهب. وأنا لم أذكره وأنا أسوق ترتيبَ المذهب، وأخّرت ذكره؛ حتى لا يعدّ من المذهب. وقد [انتهى] (٤) هذا الأصلُ العظيم من الخلع مشتملاً على أكمل البيان، منبهاً على مواقع الإشكال، وإلى الله الابتهال في الإكمال. فصل قال: "ولو بقيت له عليها طلقة، فقالت: طلّقني ثلاثاً بألف، واحدةً أحرم بها عليك ... إلى آخره" (٥). ٨٨٢١ - إذا كان الرجل يملك طلقة واحدة، فقالت المرأة: طلقني ثلاثاً واحدةً أحرم بها، وثنتين إن نكحتني، فقد ذكر أصحاب القفال صورتين: إحداهما - أن تستدعيَ منه ثلاثَ طلقات بألفٍ: واحدةً تنجز الحرمة، واثنتين يلتزمهما في الذمة إذا نكحها يوماً، نجّزهما. هذه صورة. فإذا نجّز الطلقة التي يملكها، والتزم طلقتين، فالذي ذكره الأئمة المراوزة أن

стр. 6957

الطلاق المنجز ينفذ بالمال، ولكن المسمى لا يثبت، والرجوع إلى مهر المثل. والسببُ فيه أنها قابلت المال بتنجيز والتزامٍ في الذمة، والتزامُ الطلاق في الذمة فاسدٌ، فشرطه فاسد مفسد؛ وإذا فسدت صيغة العقد والطلاقُ المنجَّز لا مردَّ له، وقد تثبت المالية، فينحصر [أثر] (١) الفساد الواقع في صيغة العقد في المال المسمى. وهذا النوع من الفساد يوجب الرجوع إلى مهر المثل، على ما سنعقد في ذلك فصلاً جامعاً لمحل الخلاف والوفاق. ثم لو فرض نكاحٌ، فلا شك أن الزوج لا يطالَب بالوفاء بما التزمه من الطلاق؛ فإنا أفسدنا الالتزامَ، ولو وجب الوفاء، لصح الالتزام. ٨٨٢٢ - الصورة الثانية: أن تقول: طلقني الواحدة التي تملكها، وعلّق طلقتين إن نكحتني يوماً ولك ألف، فإذا نجّز ما ملك، وعلق الطلقتين، كما استدعت، فالتعليق مردود، فإنه تعليقٌ للطلاق قبل النكاح، وصيغة استدعائها فاسدة [و] (٢) الرجوع إلى كمال مهر المثل، كما ذكرناه في الصورة الأولى المشتملة على التزام الطلاق بدل التعليق. فهذا منتهى ما بلغنا من قول أصحاب القفال. ٨٨٢٣ - وذكر صاحب التقريب في المسألتين طريقةً أخرى حسنةً، فقال: قد جمعت المرأة بين طلاقٍ يصح الاعتياض عنه، وبين طلاقين لا يصح الاعتياض عنهما، وقابلت الكلَّ بعوض، فالوجه تخريج ذلك على تفريق الصفقة، ولو جمع الرجل في صفقة واحدة بين عبد يملكه، وعبدٍ مغصوب أو حُرٍّ، وفسد العقد في المغصوب أو الحر، ففي فساده في المملوك قولان، فليكن الأمر كذلك في الطلاق. فإن قلنا بصحة تفريق الصفقة، فيصح الخلع متعلّقاً بالمسمى في الطلاق المنجز. وإن حكمنا بالفساد لم يُرَدّ الطلاق، ولكن نحكم بفساد ما يقابله من المسمى، ثم نفرِّع عليه أنا إذا صححناه، فللمرأة الخيار، بسبب تبعّض المقصود صحةً وفساداً. فإن أجازت، فبكم تجيزه؟ فعلى قولين: أحدهما - أنها تجيز بتمام المسمى. والثاني

стр. 6958

-أنها تجيز بقسطٍ، فيلزمها ثلثُ المسمى، والطلقات في حكم التوزيع متساويةً بلا خلاف بين الأصحاب. وإن فسخت، ارتد البدل بجملته إليها، وكان الرجوع إلى مهر المثل في المذهب الظاهر. وكل ما ذكرناه تفريع على تصحيح تفريق الصفقة، وإن أفسدناها، فالرجوع إلى مهر المثل، لا غير، كما حكيناه عن الأولين. وهذا الترتيب حسن، لم يتعرض القفاليون إليه، ذكره صاحب التقريب، وأورده العراقيون على هذا الوجه. فإن قيل: إذا [لم تصححوا] (١) باب التفريق، فهلا قلتم: إنا وإن أفسدنا الصفقة بسبب التفريق، فلا يلزمها إلا قسط من المسمى؟ قلنا: هذا ليس بشيء، فإنا إذا أفسدنا العقد، ولزم الرجوع إلى المال، فالوجه الرجوع إلى قيمة ما فات على الزوج، وقيمة ما فات على الزوج مهر المثل، ولو [عُدْنا] (٢) إلى أعداد الطلقات والتوزيع عليها، لكان هذا حكماً بالصحة، وقضاءً بثبوت المقابلة، وهذا ظاهر، ولكني لا أرى التبرّم بذكر الظواهر في الكتب المنعوتة بالإشكال. فإن قيل: هل تتوجه طريقة القفالين بشيء؟ قلنا: أجل، وجهُهُ أن الطلاق الملتزمَ في حكم ما لم يحصل (٣)، ولا يقدّر مضموماً إلى غيره، حتى يخرّجَ على قاعدة التفريق، ولا وقع له إلا من جهة تنزيله فاسداً مفسداً. ٨٨٢٤ - ومما يهجِس في القلب تقويةُ الصحة على نص الشافعي، فإن المرأة لو سألت ثلاثاً وكان الزوج لا يملك إلا واحدةً، فطلقها [تلك] (٤) الواحدة، فإنه يملك تمام المسمى من غير حكمٍ بتقسيطٍ ولا فسادٍ؛ [نظراً] (٥) إلى تحصيل الحرمة

стр. 6959

الكبرى، فإذا كنا نُحبط أثر سؤالها في طلقتين، ونصحح البدل المسمى ونُثبته، فإلغاءُ سؤالها التزامَ طلقتين أو تعليقَهما أولى. ويجب أن يخرّج على هذا القياس ثبوتُ البدل المسمى، وإن أفسدنا البدلَ، و [قلنا] (١): الرجوعُ إلى مهر المثل، اتجه ما [ذكره] (٢) في شرح التلخيص من الرجوع إلى مهر المثل إذا سألت الطلاق [ثلاثاًً] (٣) والزوج لا يملك إلا واحدة أو اثنتين. فليتأمل الناظر ذلك يرشُد. ٨٨٢٥ - ومن بقية الكلام في المسألة أنا إذا جرينا على طريقة المراوزة، ورأينا إفساد المسمى والرجوعَ إلى مهر المثل، فلو نجّز الطلقة التي يملكها، ولم يسعفها بالتزام طلقتين، ولا بتعليقهما، فكيف الوجه؟ هذا مُتَرَدَّ؛، فليتأمله الناظر، فإن قلنا: لا أثر لإسعافه بذكر الالتزام والتعليق، فكلاهما في حكم اللغو المطَّرح، ويجب على مساقه إثبات البدل المسمى على الصحة، نظراً إلى ما حصل من الحرمة الكبرى. وإن قلنا: لا بد (٤) أن يذكر الزوجُ الالتزام أو [التعليق] (٥)، فيجب أن يقال: إذا لم يفعل، فتقع الطلقة الثالثة (٦) [بلا عوض] (٧)، وهذا بعيد جداً. وإن قيل: يجب [بما] (٨) نجّز ثلثُ العوض، فهذا تصحيح [التفريق] (٩) وهو خوضٌ في طريق صاحب التقريب في تفريع التفريق، إجازةً وفسخاً، وصحة وفساداً. ٨٨٢٦ - فإذاً اتجه في الصورتين المذكورتين في الفصل ثلاثُ طرق: أحدها- طريقة التفريق.

стр. 6960

والأخرى - تصحيحُ المسمى، وإلغاءُ التعرض للزائد على الطلقة المملوكة، والاكتفاءُ بتحصيل الحرمة؛ تخريجاً على النص في أن الزوج إذا [كان] (١) يملك واحدةً والتمست المرأة ثلاثاًً، فلا نظر إلى التماسها، والتعويلُ على تحصيل الحرمة. والطريقة الثالثة - لأصحاب القفال: وهي القطع بإفساد المسمى، وحملُ ما جاءت به على شرطٍ فاسد مفسد. وهذه الطريقة هي التي تصح على السَّبْر. والفصلُ بين ما نحن فيه وبين استدعائها ثلاثاًً والزوج يملك واحدة أنها لم تُظهر مقصوداً مرتقباً، وإنما طلبت أمراً ناجزاً، ومقصودُها تحصيل الحرمة الكبرى. وفي مسألتنا طلبت الحرمة الكبرى، ورامت وراءها أمراً مرتقباً معلقاً، أو ملتزماً، ففسد قصدُها، وهو معقول، وليس ما أبدته مما ينضم إلى ما طلبته في الحال، حتى يلحق بالتفريق، ولا وجه لإلغائها، فكان مؤثراً في إفساد الصيغة. ثم إذا ذكرت اشتراط الالتزام [أو] (٢) التعليق، فالوجه بعد المباحثات القطعُ بأنا لا نشترط أن يتلفظ بالتزام أو تعليق؛ فإنهما فاسدان، ولا معنى لاشتراط الإتيان بالفاسد، وليس كما لو علق طلاقاً بأمر يفسد من جهتها؛ فإنه لا بد لها من الإتيان به لتطلّق؛ فإن تعليق الطلاق بما يفسد في نفسه صحيحٌ في ذاته، فخرج [أنها] (٣) إذا اشترطت الالتزام أوالتعليق، فطلقها الزوج الطلقة التي يملكها، كفى ذلك والرجوع إلى مهر المثل. فصل قال: "ولو خالعها على أن تكفل ولده عشر سنين ... إلى آخره" (٤). ٨٨٢٧ - هذه المسألة عدها بعضُ الناس من مُعْوصات الخلع، وليست منها، وهي في التحقيق متلطفة (٥) في الكتاب، وفي مثلها أوثر قبضَ الخُطَى في البيان، والإحالةَ

стр. 6961

على الأصول، وهي في التحقيق مبنية على الاستئجار على الإرضاع والحضانة، وأن الصفقة إذا جمعت عقدين مختلفي الحكم كالبيع والإجارة، ففي صحة الصفقة خلاف. ومما يجرى في أركان المسألة أن السَّلم في شيء واحد إلى [آجال] (١) هل يجوز؟ وفيه قولان. وكذلك السلم في أصنافٍ إلى أجل واحد فيه قولان؟ وجملة هذه الأصول سبقت مقررة في مواضعها، ونحن نكتفي بالإحالة عليها إذا تعلقت أطراف الكلام بها. ٨٨٢٨ - ومما يجرى في المسألة [أن] (٢) من استأجر امرأة لترضع له مولوداً عيَّنه، فلو مات ذلك المولود في أثناء مدة الرضاع، فهل تنفسخ الإجارة؟ فيه نظر. فإن كانت أجنبية منه، ففي فسخ الإجارة [واستبقائها] (٣)، وجواز الإتيان بولد آخر تفصيلٌ طويل، ذكرته في أول كتاب الصداق، فيه إذا استأجر رجل خياطاً حتى يخيط له ثوباً معيناً، أو حتى يعلّم له صبياً، فإذا فات المحل الذي تضمنت الإجارة إيقاعَ العمل فيه، ففي انفساخ الإجارة الخلاف المقدم. فإن حكمنا بأن الإجارة تنفسخ لفوات المحل الذي تقع فيه، فلا كلام. وإن حكمنا بأن الإجارة لا تنفسخ، فلو كانت المستأجرة أمَّ الرضيع، فإذا مات الرضيع، ففي انفساخ الإجارة قولان: أحدهما - وهو الأقيس أنها لا تنفسخ، كما لو كانت أجنبية من الرضيع. والثاني - أنها تنفسخ؛ فإن الغرض يختلف في درور اللبن [ونكادته] (٤) وكل ذلك

стр. 6962

مستقصىً في موضعه. وسيأتي قواعد في الاستئجار على الإرضاع في كتاب الرضاع مشتملة على ما ذكرناه. ويتصل بالمسألة الكلامُ في بدل الخلع إن أفسدناه أو صححناه، ويتصل الكلام بالتبعيض إذا جرى الاستيفاء في البعض، وعَسُر استيفاء الباقي. فهذه الأصول إذا كانت على ذُكر الإنسان لم يخف عليه تفريع المسألة. ٨٨٢٩ - وصورة مسألة الكتاب أن يخالع الرجل امرأته على أن ترضعَ ولده، وتكفله عشر سنين، [ويذكر] (١) الإرضاعَ والحضانةَ، وقد نقول: الإرضاع يكفي؛ فإنه يستتبع الحضانة، ويذكرَ أجناس الأطعمة في كل يوم قدراً وصنفاً، ويتعرضَ [للكسوة] (٢) إن كانت مقصودة في المعاملة، ويعتني بالإبانة فيها؛ فإنها تختلف بالصغر والكبر، والصبي إلى النمو ما هو. هذه صورة المسألة؛ والشافعي نص على تصحيح المعاملة [تفريعاً] (٣) على تصحيح الصفقة إذا اشتملت على عقود مختلفة؛ إذ في المعاملة إجارةٌ واستحقاقُ عينٍ، وأجناسٌ موصوفة إلى أجل واحدٍ في كل يوم، وجنسٌ إلى آجال، ولا حاجة إلى الإطناب. ثم إن كان الطعام كِفافاً، فلا كلام، وإن كان المقدّر فاضلاً عن الكفاية، فهو للزوج. وإن كان الصبي [رغيباً] (٤)، لا يكفيه المقدّر، فالمزيد على الأب إن لم يكن الطفل [غنياً] (٥). وإن ماتت المرأة وراء مدة الإرضاع، فلم يبق عليها عمل، فالأعواض المؤجلة عليها تحل بموتها، وإن كان عليها عمل، فالإجارة تنفسخ في بقية المدة، ولا تنفسخ

стр. 6963

فيما مضى على الأصح، فإن المقبوض التالف (١) لا يقبل الفسخ على الظاهر. وإن حكمنا بالانفساخ في المستقبل، فلا تنفسخ المعاملة في الأعيان على الأصح وإن اتحدت الصفقة، لاختلاف الصنف والحكم والمقصود. ثم يتفرع وراء ذلك الكلامُ في أن بعض العوض إذا انفسخت المعاملة فيه، فالرجوع إلى قيمته، أو إلى قسط من مهر المثل. كل ذلك بيّنٌ، لا حاجة إلى الإطناب بذكره. ومن لا يستفيد الاستقلالَ بتفريع مثل ذلك [إذا انتهى] (٢) إلى هذا المنتهى، فليس من أهل النظر في هذا المجموع. ٨٨٣٠ - وما ذكرناه مرامزُ مفرّعةٌ على تصحيح المعاملة، فإن أفسدت (٣) ففي المسألة طريقان: أحدهما - أن المسألة تخرّج على قولين في أن الرجوع إلى مهر المثل أو إلى أبدال هذه الأشياء مِثلاً أو قيمةً. ومن أصحابنا من قال: الرجوع إلى مهر المثل قولاً واحداً، فإن الفساد راجعٌ إلى صيغة المعاملة. ولو كنا نجوّز الرجوع إلى الأبدال المختلفة، لأثبتنا المبدلات المختلفة. وهذا سيأتي مشروحاً في الفصل الذي نجمع فيه تفصيلَ القول في فساد بدل الخلع -إن شاء الله . فصل قال: "ولو قال: أمرك بيدك فطلقي نفسك إن ضمنتِ لي ألف درهم ... إلى آخره" (٤). ٨٨٣١ - وإذا قال الرجل لامرأته: طلقي نفسك، فهذا توكيل منه إياها أو تمليك؟ في المسألة قولان: أحدهما - أنه توكيل، فعلى هذا إن طلقت نفسها على الفور، جاز. وإن طلقت نفسها بعد زمان، وبعد مفارقة المكان الذي جرى التفويض فيه،

стр. 6964

جاز، وكانت بمثابة الأجنبي يقول له الزوج: طلق زوجتي؛ [فإن] (١) ذلك تفويض لا يستدعي استعقاب تنفيذ الطلاق. والقول الثاني - أن التفويض إلى المرأة تمليك، وليس بتوكيل؛ فإن البضع يرجع إليها. بتطليقها نفسها تصير مالكةً لنفسها، وسيأتي القولان بتوجيههما وتفريعهما في كتاب الطلاق، إن شاء الله تعالى. ٨٨٣٢ - وقدر غرضنا منهما الآن أنا إن جعلنا ذلك تمليكاً، اقتضى ذلك استعقابَ تطليق نفسها؛ فإن التمليك يجري مجرى المعاقدة، على ما سيأتي ذكره مشروحاً، إن شاء الله تعالى. ثم إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن ضمنت لي ألفاًً، فإذا ضمنتْ، طُلّقت. وإذا قال لها: طلّقي نفسك إن ضمنت لي ألفاًً، فإنها تملك تطليق نفسها بشرط أن تضمن ألفاًً، فإذا ضمنت [وطَلَّقَتْ] (٢) فقد تعاطت الشرطَ والمشروطَ، وكل ذلك مسوّغ في اتساع باب تعليق الطلاق بإعطاء المال، [واتساع] (٣) صدره لقبوله؛ [فلم يَخْفَ] (٤) بعده اتباع التعليق، فإن قيل: هي المتسببة إلى السبب الملزم للمال، وهي الملتزمة؟ قلنا: الالتزام بالضمان في التطليق يقع بإيقاع الزوج، أو بإيقاع من يفوِّض إليه الزوج. ثم [لو] (٥) قال لها: طلقي نفسك إن ضمنت لي ألفاًً، ورأينا أن تفويض الطلاق بمجرده يقتضي استعجالَ التطليق، فإذا ضمّ إلى تفويض الطلاق شرط ضمان المال، تأكد اشتراط الابتدار. وإن قلنا: مجرد التفويض لا يوجب الابتدار، فإذا قال لها: طلقي نفسك إن ضمنت لي ألفاًً، فالأصح أن هذه الصورة تقتضي الابتدار في الضمان والتطليق؛ فإنه

стр. 6965

لو قال لها: إن ضمنت لي ألفاًً، اقتضى ذلك بداراً، فليكن الأمر كذلك والطلاق مفوض. ومن أصحابنا من قال: إذا جعلنا التفويض توكيلاً، وهو على التراخي، ثم ما فيه من اقتضاء التراخي يستتبع أمر المال في معنى التأخير، فمهما ضمنت ملكت أن تطلق نفسها بحكم التوكيل، وهو كما لو قال الرجل لأجنبي: طلق امرأتي إن ضمنت لي ألف درهم، فهذا محمول على التأخير؛ إذ قد يجري مثل هذا في [غيبتها] (١). والآن يتعلق هذا الكلام بأطراف التوكيل في الخلع، وسيأتي مستقصىً في موضعه، إن شاء الله . ٨٨٣٣ - ثم إذا قلنا: تطليقها وضمانها على الفور، فإليها التقديم والتأخير، وليكن الأمران جميعاً على التواصل، فتقول: طلقت نفسي، وضمنت ألفاًً أو ضمنت ألفاًً وطلقت نفسي، ولا حرج فيما تُقدِّم أو تؤخر. فإن قيل: إذا قالت: طلقت نفسي تحكمون بوقوع الطلاق؟ قلنا: لا يقع الطلاق حتى تضمن، ولا نقول: إذا ضمنت، تبيّنّا وقوعَ الطلاق قبل الضمان؛ فتطليقها نفسها مع الضمان كتطليق الزوج إياها على شرط الضمان. ولا يتخيل الفقيه غير ذلك. ولو قالت: ضمنت الألف، وطلقت نفسي، فلا نحكم بأن الضمان يُلزمها مالاً قبل أن تطلّق، بل يقع [الاثنان معاً] (٢). ومما يتعلق بذلك أنا إذا قلنا: التفويض إليها توكيلٌ، ولم نحكم بأن ذكر المال يقتضي فوراً، فلو أخرت تفريعاً على هذا الوجه، فطلقت نفسها، ثم ضمنت المال بعد زمان متخلل بين التطليق والضمان، فلا ينفذ الطلاق؛ فإنا وإن أخرنا تطليقها، فلا فصل بين الطلاق والضمان؛ فإنه لا يثبت واحد منهما. دون الثاني. وكذلك لو قال: طلقي نفسك متى ضمنت، فقوله " متى " يؤخر عن تفويضه لا عن تطليقها.

стр. 6966

فصل قال: "ولو قال: إن أعطيتني عبداً، فأنت طالق ... إلى آخره" (١). ٨٨٣٤ - مضمون الفصل الكلام فيه إذا ربط الكلامَ بعوض مطلقٍ، أو معين، والقولُ في ذلك مضطربٌ في الطرق، ونحن نرى أن نجمع العوض في نوعين، ونأتي في كل واحد منهما بالمسائل اللائقة مرسلةً، ونذكر في كل مسألة ما بلغنا من قول الأئمة، حتى إذا استوعبنا مضمون كل نوعٍ بالمسائل، انعطفنا بعدها على ذكر جامعٍ ضابطٍ إن شاء الله ، ثم نختتم الفصلَ بعثراتٍ وقعت لا نعدُّها من المذهب، ولا نرى تَرْك نقلها. ٨٨٣٥ - فأحدُ النوعين فيه إذا علّق الزوج الطلاق على عوض يحصل بفعلٍ، مثل أن يقول: إن أعطيتني. والثاني فيه إذا جرى العوض على صيغةِ المخالعةِ والمعاوضة من غير تعليق من الزوج، وهذا النوع يستدعي قبولاً، لا محالة، كما بان فيما تقدم، وسيزداد وضوحاً. ٨٨٣٦ - فأما مسائل التعليق، فإذا قال لامرأته: إن أعطيتني عبداً، فأنت طالق، فإذا جاءت بعبدٍ يتصوّر إجراء التمليك فيه من جهتها، نحكم بوقوع الطلاق لوجود الصفة، ولا فرق بين أن يكون ذلك العبد معيباً، أو سليماً؛ فإن التعويل في الحكم بوقوع الطلاق على تحقيق الاسم، وإمكان الإعطاء، وهذا ناشىء من الأصل الذي تمهد قبلُ في أن الرجل إذا قال لها: إن أعطيتني ألف درهم، فأنت طالق، فإذا أعطته، طُلِّقت، وقد تملّك الزوج عينَ ما تأتي به، إذا كان الألف معلوماً، على ما تقدم تفصيله وإيضاحه. وقد يقتضي الحال ردَّ ما جاءت به ومطالبتَها بألفٍ [غيرِها] (٢) على ما تفصّل، فإذا

стр. 6967

جرى التعليق على العبد المطلق، فهذا مجهولٌ لا محالة، والمجهول لا يُستحق عوضاً، فيقع الطلاق إذاً، [والعبد] (١) مردودٌ عليها، ثم الرجوع إلى مهر المثل في هذه الصورة قولاً واحداً؛ فإنا إذا لم نثبت الشيء عوضاً لكونه مجهولاً، فلا طريق إلا الرجوع إلى مهر المثل. ٨٨٣٧ - هذا إذا أتت بعبدٍ هي مالكته، ويتصور منها إجراء التمليك فيه، فإن غصبت عبداً وجاءت به، فقد ذكر الأئمة وجهين في وقوع الطلاق: أحدهما -وهو الذي مال إليه المحققون، وقطع به معظمهم، منهم القاضي- أن الطلاق لا يقع؛ فإن الإعطاء متضمنه التمليك، فينبغي أن تأتي بما يتصور منها التمليك فيه، حتى إن فرض عدم جريان الملك فيه، فلا يكون من جهتها، وإنما يأتي تعذُّر جريان الملك، من جهةٍ أخرى، فتُسمَّى مُعْطية؛ من حيث بذلت الوسع والإمكان الصادر منها، فعند ذلك تسمى مُعطية، والذي يُحقِّق هذا أن الرجل قد يقول: أعطيت فلاناً شيئاً، فلم يقبله، فإذا أتى بمغصوبٍ، وقال: قد أعطيت فلاناً، فلم يقبل، كان كلامه مضطرباً، ورُدّ عليه: وكيف أعطيتَه، ولم يكن لك؟ فهذا بيان هذا الوجه. والوجه الثاني - أن الطلاق يقع؛ فإنها لو أتت بعبدٍ مملوك لها، وصيغة التعليق ما وصفناه، وهو قوله: إن أعطيتِني عبداً، فالزوج لا يملك عبدها المملوك لها، فإذا كان هذا لا يُفضي إلى جريان الملك فيما تأتي به، فلا معنى لاشتراط كونه مملوكاً لها، بل يكفي أن يكون عبداً يُتصور فيه على الجملة إجراء الملك، حتى لو [أتت بحُرٍّ] (٢)، لم نقضِ بوقوع الطلاق؛ من جهة أنها لم تأت بعبدٍ. والذي أراه من متن المذهب الوجهُ الأول، ولا ينبغي أن يغتر الناظر بما ذكرناه في الوجه الثاني؛ فإن اللائق بعقد الخلع ذلك الوجه.

стр. 6968

٨٨٣٨ - ثم فرع القاضي على ذلك الوجه، فقال: إن قال: إن أعطيتني زقَّ خمر، فأنت طالق، فجاءت بخمرة محترمة مستحَقَّة لغيرها، فهل يقع الطلاق؟ ذكر فيه تردداً، فشبه الخمر في وجهٍ بالعبد المغصوب، وقطعها عن العبد في وجهٍ؛ من حيث لا يتصور في جنسها جريان الملك، وقال في توجيه المسلك الأول: الاختصاص في الخمر [ليس] (١) في حكم الإطلاق إلى إمكان الإعطاء والبذل، وإن كان ذلك الجنس لا يقبل نقل الملك. فهذا منتهى تصرف الأئمة فيه. ٨٨٣٩ - [وإذا عين الزوج عبداً] (٢)، وعلق الطلاق بإعطائها، وقال: إن أعطيتِني هذا العبد، فأنت طالق، فإن كان العبد ملكَها وأعطته إياه، وقع الطلاق، وملك الزوج العبد؛ فإن التعيين أعلمه. ولو خرج ذلك العبد مستحقاً، فقد خرّج العراقيون وجهين في وقوع الطلاق: أحدهما - أن الطلاق لا يقع، وهو اختيار ابن أبي هريرة؛ لأنه علق الطلاق بإعطاء ذلك العبدِ المعيّنِ، والإعطاء تمليك، فإذا كنا لا [نوقع] (٣) الطلاق والعبد المذكور في الإعطاء مطلق إذا جاءت به مغصوباً، وإن كان العبد المطلق لا يتصور أن يملّك على هذه الجهة، فإذا اتجه اشتراط إمكان الإعطاءِ والتمليكِ ثَمَّ، فاتجاه ذلك في العبد المعيّنِ أولى، مع العلم بأنه لو كان مملوكاً لها، وأتت به، لملكه الزوج. وهذا متجه حسن. والوجه الثاني - أن الطلاق يقع، وهو الذي قطع به القاضي؛ لأن الإعطاء جرى ظاهراً، والفرقة لا تُرد، ثم ذكر القاضي أن الفرقة بينونة [مع ردّ] (٤) العبد، والأمر على ما قال، فإنها إن وقعت، فلا سبيل إلى تقديرها إلا بمال، والفرقة الواقعة بالمال بينونة.

стр. 6969

ثم الرجوع إلى قيمة العبد المعيّن أو إلى مهر المثل؟ فعلى قولين معروفين في بدل الخلع والصداق. وإن قال الزوج: إن أعطيتني هذا العبدَ المغصوب، فأنت طالق. هذا يفرّع على ما إذا لم يذكر المغصوب واقتصر على إعطاء العبد المعيّن. فإن قلنا: يقع الطلاق في الصورة الأولى، فلأن يقع في هذه الصورة أولى؛ فإنه إذا ذكر المغصوب أشعر بقناعته بإقباضها إياه هذا العبد، وإن لم يكن ملكاً لها، فيصير الإعطاء مع ذكر المغصوب دالاً على أنه ليس يبغي التمليك. وإن قلنا في الصورة الأولى: إن الطلاق لا يقع، ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما - أنه لا يقع؛ فإن الإعطاء في المغصوب غيرُ ممكن، فإذا ذكر الإعطاء وأضافه إلى المغصوب، فقد علّق الطلاق بمستحيل، فكان كما لو قال لامرأته: إن بعت الخمر، فأنت طالق، أو قال: إن صليتِ محدِثةً؛ فأنت طالق، فإذا أتت بصورة البيع في الخمر، وبصورة الصلاة مع الحدث، لم يقع الطلاق على مذهب الشافعي. والمزنيُّ يخالف في هذا. ونحن لا نجد بداً من رمزٍ إلى المذاهب في ذلك. ٨٨٤٠ - [فإذا] (١) عقد الرجل يمينه على البيع المطلق، لم يحنث بالبيع الفاسد، هذا ظاهر المذهب، وللشافعي نصٌّ في النكاح دالٌّ على أن الفاسد يدخل تحت الاسم المطلق الواقع على الجنس؛ فإنه قال: "لو أذن لعبده في النكاح، فنكح نكاحاً فاسداً، وأصاب، فالمهر يتعلق بكسبه". ولا يُتصوّر أن يتعلق بكسب العبد إلا دينٌ رتب على إذن السيد، وهذا وإن لم يكن منه بدٌّ، فهو ضعيف. فأما إذا علق اليمين على الامتناع عن بيعٍ فاسد، مثل أن يقول: والله لا أبيع الخمر، فإذا باعها، فمذهب المزني أنه [يحنث] (٢)، وقد اشتهر من طائفة من

стр. 6970

الأصحاب موافقتُه. والذي ذهب إليه الجمهور، ودل عليه النص أنه لا يحنث. وهذا فيه إذا أطلق اللفظ. فأما إذا قال: عنيت بيميني أني لا أقول: بعت هذه الخمرة، فيحنث إذا قالها. وسيأتي تفصيل هذا في الأَيْمان، إن شاء الله . فإن قلنا: لا يقع الطلاق (١)، فلا كلام. وإن قلنا: يقع الطلاق، فالذي ذكره القاضي والصيدلاني أن الرجوع. إلى مهر المثل قولاً واحداً في هذه الصورة، لأنه لما قال: إن أعطيتني هذا المغصوب، فلفظه فاسد، وقد ذكرنا هذا الفن في كتاب الصداق، وأوضحنا ما فيه من مستدرك [وحكينا] (٢) عن الأئمة قولين في أن الرجوع إلى القيمة أو إلى مهر المثل. وذكر القاضي في بعض أجوبته أن الطلاق يقع رجعياً؛ لأنه قَنِع بهذا، وطرد هذا فيه إذا قال: إن أعطيتني خمراً، أو هذه الخمرة، فأنت طالق. قال: من أصحابنا من قال: يقع الطلاق رجعياً، وهذا متجه في القياس. [وهو] (٣) في نهاية البعد في الحكاية، ولا يقبل مثله إلا من مثل القاضي. وإذا قال: [إن أعطيتني ميتة، كان كما إذا قال:] (٤) إن أعطيتني خمراً، أجمع الأئمة عليه. وهذا لأمكان الانتفاع بالميتة في وقت الضرورة، أو بأن تجعل طعمة للكلاب والجوارح، أو بأن تعتقد مطلوبة في بعض الملل كالخمر. ٨٨٤١ - ولو قال: إن أعطيتني هذا الحرَّ، فالكلام في وقوع الطلاق كما مضى. وإذا حكمنا بالوقوع، فالأظهر أن الطلاق رجعيٌّ، ومن أصحابنا من أثبت البينونة والمالية، ثم يعود التردد في أنا نخرّج القولين، أو نقطع بالرجوع إلى مهر المثل.
следующие страницы →