← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

الصورة، وهو أنا قد نجري فيه إذا سمت شيئاً قولاً في أنه يلزمها أكثرُ الأمرين مما سمّت أو مهر المثل. وهذا لا يتصور جريانه في الإطلاق، فإنها ما سمت شيئاً، فلا ينتظم التردّد في حقها [بين] (١) شيئين، ولكن لا يلزمها إلا مهر المثل، والكلام في أن الوكيل هل يلتزم تتمة المسمّى يخرّج على القياس المقدّم؟ فإن أضاف الالتزام إليها، لم يضمن شيئاً، وإن أضاف الالتزام إلى نفسه، فهو كما لو أضاف الالتزام إلى نفسه في صورة التسمية. هذا منتهى القول في تصرف وكيل المرأة ألاختلاع. وكل ما ذكرناه فيه إذا اختلع الوكيل بجنس ما سمت -إن كانت سمت- فوافق المقدارَ، أو زاد، أو نقص. ٨٩٠٩ - فأما إذا حاد الوكيل عن الجنس الذي سمت، وذكر جنساً آخر، وذلك بأن تسمّي دراهم، فيختلع الوكيل على الدنانير، قال القاضي: إن أطلق الاختلاع، صح، ووقع عن [الوكيل] (٢)، وبطل أثر الوكالة، وكان بمثابة ما لو اختلع أجنبيٌّ [زوجة] (٣) إنسان بمالٍ من عند نفسه، وهذا إذا أطلق الالتزام. وإن أضاف الالتزام إليها، فسد ولم يقع الطلاق، وهذا يؤكد مذهب المزني في الصورة الأولى؛ فان أصل التوكيل جارٍ منها، والفساد راجع إلى التسمية، فإذا كان فساد التسمية في المقدار لا يمنع وقوع الطلاق، ففساد الجنس لا يبعد ألا يؤثر، ولم أر هذا التفصيل (٤) في الجنس والمقدار إلا للقاضي، وإن أراد المريد فرْقاً، لم يعدمه على شرط أن ينطاع لتركيب (٥) الخلع [ولا يبغي] (٦) فيه كلاماًً مجرداً، فنقول:

стр. 7037

[المخالفة] (١) في الجنس إعراضٌ بالكلية عما قالت، [والمخالفة] (١) في المقدار [إتيان] (٢) بما ذكرت مع مزيدٍ، كما تقدم. ومما يجب تجديد العهد به التوكيلُ في النكاح، فإذا وكلت المرأة في أن تُزوَّج بمائة، فزُوِّجت بخمسين، فالذي ذهب إليه القفال أن النكاح لا ينعقد. وقال بعض الأصحاب: ينعقد بمهر المثل، فإن حكمنا بأنه ينعقد، فهذا يطابق الخلع في أصله؛ من حيث إنه لا تندفع البينونة [بخلافٍ] (٣) يجري في العوض. وإن جرينا على طريقة القفال، احتجنا إلى فرقٍ بين النكاح والخلع، والممكن فيه التعلّق (٤) بغلبة الطلاق وجريانه، وتصحيح فاسده، وتكميل مبعّضه، وتأبيد مؤقته، والنكاح لا يحتمل شيئاً من ذلك؛ [فإذا] (٥) وكل الرجل وكيلاً حتى يقبل له نكاح امرأة بألف (٦) فقبل الوكيل النكاح بألفين، [فاختيار] (٧) الشيخ (٨) أن النكاح لا ينعقد، وقال بعض الأصحاب: ينعقد، والرجوع إلى مهر المثل، والحكم بالانعقاد بعيد (٩) في هذا الطرف. وقد انتهت المسألة نهايتَها، وبلغت مبلغاً لا مزيد عليه، ولكن ليس من الممكن

стр. 7038

إنهاء كل مسألة إلى حدٍّ يفهمه كل أحد، ولن يحيط بمأخذ الكلام في هذه المسألة إلا دربٌ (١) فقيهٌ عالم في الفقه سديدُ القريحة شديدُ الطلب للغايات (٢). فرع: ٨٩١٠ - إذا وكل الرجل وكيلاً حتى يخالع زوجته بمائة، فوكلته المرأة حتى يختلعها بمائة، فكان وكيلَه ووكيلَها، فهل يصح ذلك؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يصح، كما لا يصح مثله في البيع والإجارة، والسبب فيه أنه إيجاب وجوابٌ، ولا ينتظم صدورهما عن شخص واحد، والأب مستثنىً عن هذا القياس، كما قدمناه في كتاب النكاح. والوجه الثاني - أنه يصح؛ لأن الطلاق يقبل ما لا تقبله المعاوضات المحضة، ولذلك صح فيه الخلع، وجرت البينونة، ولزم العوض من غير فرض قبول إذا قال الزوج: إن أعطيتني ألفاًً، فأنت طالق، فجاءته (٣) بالألف، وقع الطلاق، وثبت المال، على التفاصيل المقدمة، فإذا لم يبعد هذا، وفيه اكتفاءٌ بقولِ واحدٍ من أحد الجانبين، [فالاكتفاء بشخصٍ واحدٍ] (٤) لا يكون بدعاً، [فإن منعنا هذا (٥)، لغا لفظ الوكيل] (٦)، ولم يقع شيء. وإن صححنا، فهل يقتصر الوكيل على أحد الشقين، أم لا بد من الإتيان باللفظين المعبّرين عن الشقين؟ فعلى وجهين ذكرناهما في الأب إذا كان يعامل ابنه الطفل، وكان شيخنا أبو محمد يحكي في هذه المسألة مسألةً عن القفال وتردداً من جوابه فيها، وهي أن [مستحق] (٧) الحق إذا وكل رجلاً باستيفاء حقه من إنسان، فوكّله ذلك الذي

стр. 7039

عليه الحق بإيفاء حقه، فانتصب وكيلاً عن الموفي والمستوفي، فكيف سبيل هذه الوكالة؟ لا شك أنه لا يظهر للفساد في هذا أثر، ولكن لو فرض منه الاستيفاء، ثم تلف في يده ما قبضه، فإن حملناه على كونه وكيلاً بالاستيفاء [فما يتلف في يد وكيل الاستيفاء] (١) يكون من ضمان مستحِق الحق، وإن قدرناه موفياً، فما يتلف في يد وكيل الموفي يكون من ضمان من عليه الحق. وإذا كان موكلاً من الجانبين [وفرض] (٢) التلف في يده، فهو ضمان مَن؟ ترددَ جوابُ القفال في ذلك، والوجه أن نقول: إن قصد القبضَ عن جهة من وكله بالاستيفاء، فلا شك أن ما يتلف في يده يكون من ضمان مستحق الحق. وإن لم يقصد شيئاً، فالمسألة مترددة قريبةٌ من تقابل الأصلين، والعلم عند الله تعالى. وإن قصد القبض عن الموفي، فليست المسألة خاليةً عن الاحتمال أيضاًً والله أعلم. ...

стр. 7040

باب (١) الخلع في المرض قال الشافعي ﵁: "ويجوز الخلع في المرض كما يجوز البيع ... إلى آخره" (٢). ٨٩١١ - نجدد العهد بالنكاح في المرض، ثم نذكر الخلع، فالمريض إذا نكح بقدر مهر المثل، أو أقل، فلا حرج عليه [ولا يحتسب ما يسوقه صداقاً من الثلث؛ لأن ذلك معدودٌ] (٣) من حاجته، ولا مطلع على حاجته إلا من جهته، فنكاحه بمثابة شرائه لذائذ الأطعمة، ولا معترَض عليه في شيء من ذلك، [وإن] (٤) استوعب مالَه بمهور الأبكار وقضاء الأوطار. وإن نكح بأكبر من مهر المثل، فالزيادة تبرع، فإن كانت المرأةُ وارثةً، فالزيادة مردودة، وإن كانت ذمّية لا ترث هذا المسلم، أو كانت أمة والمهر لمولاها، فالزيادة تبرعٌ محسوب من الثلث (٥). ٨٩١١/م- ولو خالع المريض زوجته، فلا معترض عليه، ولا مؤاخذة بمقدار بدل الخلع، فإنه لو طلق مجاناً، جاز فإذا طلّق بمالٍ ثبتَ وإن قلّ. وهذا كما ذكرناه في مخالعة السفيه زوجته، والزوجات لا يتعلق بهن حقوق الورثة، كأمهات الأولاد. وقد ذكرنا طرفاً من الكلام فيه إذا أعار المريضُ نفسَه، وخدم غيره، وأوضحنا كلام الأصحاب في أن بذل منافعه هل يحسب من الثلث، أم يقال: لا يحتسب؛ فإن

стр. 7041

منافع بدنه لا تبقى لورثته؟ وقد ذكرنا هذا ونظائره في كتاب الوصايا. ٨٩١٢ - فأما المرأة إذا نكحت في مرض الموت، نظر: فإن نكحت بمهر المثل أو أكثر، فذاك. وإن نكحت بأقلَّ من مهر المثل، فإن كان الزوج حراً يرثها، انعقد [العقد] (١)، وثبت مهر المثل، ولا وصية لوارث (٢). وإن كان الزوج عبداً فالمسامحة مع السيد، وظاهر المذهب أن ما حابت به وصيةٌ محسوبةٌ من الثلث. ومن أصحابنا من قال: ليس بوصية؛ فإن منافع بضعها لا تبقى لورثتها، وإنما الشرع فيما يبقى للورثة لولا التبرع. ٨٩١٣ - وإن اختلعت المرأة في مرض الموت نفسَها من زوجها بمهر المثل، أو أقل، لم يحتسب من [ثُلثها] (٣) وقال أبو حنيفة (٤): يحتسب، وهذا بناه على أصله في أن البضع لا يتقوّم عند الخروج من النكاح. وإن كان قد تقوّم عند الدخول في النكاح. وأما المكاتبة إذا اختلعت أو المكاتب إذا نكح، فينبغي ألا تُتلقّى هذه التصرفات من تصرفات المريض؛ فإن لها مأخذاً سيأتي موضحاً في كتاب الكتابة، إن شاء الله . وإن اختلعت نفسها بأكبر من مهر المثل، فالزيادةُ وصية (٥).

стр. 7042

فصل قال: "ولو كان خالعها بعبد يساوي مائةً ومهر مثلها خمسون ... إلى آخره" (١). ٨٩١٤ - صورة المسألة عرية عن مقصود الفقه، ولكن في لفظها وفتوى الشافعي فيها تعقيد، والغرض التنبيه عليه، ووجه الجواب عنه. والصورةُ مريضةٌ اختلعت نفسها على عبدٍ يساوي مائة، وهو جميع مالها، ومهر مثلها خمسون، فالخلع يثبت، وقدر مهر المثل يثبت لا محالة، والزائد عليه وصية، فينفذ ما يسعه الثلث، وهو سدس العبد، فيسلم للزوج ثلثاه: النصفُ بحكم الاستحقاق، والسدس بحكم التبرع، فإن السدس ثلث الباقي. غير أن الزوج بالخيار من جهة التبعّض (٢). ثم إذا فسخ، فالرجوع إلى مهر المثل أو إلى القيمة. هذا جواب المسألة. غير أن المزني نقل في جواب المسألة: " أن الزوج بالخيار إن شاء أخذ نصف العبد ونصف مهر مثلها، وإن شاء، رده ورجع بمهر مثلها "، وأخذ يعترض ويقول: "لا بل يستحق نصف العبد، لأنه [قدر] (٣) مهر المثل، ويستحق من الباقي ما يحمله الثلث " (٤). قال أصحابنا: ما ذكره المزني صحيح. ثم منهم من غلطه في النقل، وقال: إنما قال الشافعي: الزوج بالخيار إن شاء أخذ ما يخصه من العبد، وإن شاء رده ورجع بمهر المثل، ولم يقل ونصف مهر المثل. وهذه المسألة لا تُلفى منصوصة على الوجه الذي نقله المزني في شيء من كتب الشافعي. وقال بعض أصحابنا: لفظ الشافعي أن الزوج بالخيار إن شاء أخذ نصف

стр. 7043

العبد، ونصفُه (١) مهر المثل، فحذف المزني الهاء، وقال: إن شاء أخذ نصف العبد، ونصفٌ (٢) مهر مثلها، فنوَّن النصفَ، وحذف المزني التنوين. ومن أصحابنا من حمل ما نقله المزني على ما إذا أصدقها عبداً يساوي مائة درهم، ثم خالعها عليه قبل الدخول، فعاد النصف إليه بحكم الطلاق قبل الدخول، فله الخيار بين أن يأخذ النصف [الباقي مع نصف مهر المثل، لأجل النصف] (٣) المستحَق له بالطلاق، وبين أن يرده ويرجع بمهر المثل. وهذا منتظم، ولكن لا فائدة في قوله: ومهر مثلها خمسون. فهذا منتهى القول في ذلك والله أعلم. ...

стр. 7044

باب خلع المشركين حكم خلع المشركين حكمُ أنكحتهم وما يبذلون من الأبدال، كما يبذلون منها في الصداق وقد مضى القول مفصلاً فيما يقبض في الشرك، وفيما يقبض في الإسلام، فلا معنى لإعادة [ما مضى مقرّراً] (١)، ثم يذكر الأصحاب مسائل خالف أبو حنيفة فيها، ونحن نذكرها ونبين مذهبنا فيها. فرع: ٨٩١٥ - إذا اختلعت قبل قبض المهر على عين أو دين، لم يسقط مهرها عن ذمة الزوج عندنا، خلافاً لأبي حنيفة (٢)، فإنه قال: المخالعة توجب براءة ذمة الزوج عن مهر المرأة قبل المسيس وبعده، وإن لم يجر للمهر ذكر، وهذا أخذه من لفظ الخلع والاختلاع، وهو وسوسة لا حاصل وراءها. فرع: ٨٩١٦ - إذا خالع امرأته على خمرٍ أو خنزير، فالخلع فاسد، وعليها مهر المثل، على الرأي الظاهر؛ فإن الخمر والخنزير يعسر تقويمها. وقال أبو حنيفة (٣): [يقع] (٤) الطلاق، ولا شيء عليها، وإن كان العوض يثبت لو كان صحيحاً وهذا بناه على أصله في أن البضع لا يتقوّم في الخروج من النكاح، والرجوع إلى مهر المثل تقويم للبضع. فرع: ٨٩١٧ - إذا خالع على مالٍ مؤجل على الحصاد والدياس، فسد العوض، والرجوع إلى مهر المثل، وعند أبي حنيفة (٥) يصح، ويتعجل المال ويفسد الأجل.

стр. 7045

فرع: ٨٩١٨ - إذا خالعها على ما في كفها، فسد العوض، والرجوع إلى مهر المثل، وقال أبو حنيفة (١): إذا أصاب في كفها شيئاً، فهو العوض، فإن لم يصب، فله ثلاثة دراهم. وما ذكرناه تفريع على الرأي الظاهر في أن بيع الغائب لا يصح على هذه الصفة. فرع: ٨٩١٩ - إذا قالت: أبرأتك عن مهري بشرط أن تطلّقني، فقال الزوج: أنت طالق، فالبراءة لا تصح؛ فإنها معلّقة والتعليق يفسدها، ثم طلاق الزوج جرى مطلقاًً من غير تعليق، ولو قال الزوج: إن أبرأتني، فأنت طالق، فقالت: أبرأتك، فالطلاق بائن، فإن التعليق من جهته غير ممتنع، وهو بمثابة ما لو قال: أنت طالق إن ضمنت لي ألفاًً، ولو قال الزوج: طلقتك فأبرئيني، وقع الطلاق، ولا يلزمها الإبراء؛ لأنه نجّز الطلاق، واستدعى الإبراء. وفي كتاب الخلع فروع ممتزجة بقواعد الطلاق، رأينا تأخيرها إلى آخر الطلاق والله المعين. ...

стр. 7046

ولو اعتنى الفقيه بحل مشكلات الفقه، كان أولى من الاشتغال بتعقيدات في الصورة. الإمام في نهاية المطلب

стр. 7047

كتاب الطلاق قال الشافعي ﵁: "قال الله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ... إلى آخره" (١). ٨٩٢٠ - الأصل في الطلاق آيات في الكتاب معروفة، وسننٌ ستأتي في مواضعها على حسب مسيس الحاجة إليها، إن شاء الله ، وأجمع المسلمون على أصل الطلاق. وهو في اللسان من الإطلاق يقال: أطلقتُ البعير إذا أرسلته وحللت عقاله، وأطلقتُ الأسيرَ إذا خلّيته، وهو لفظ جاهلي ورد الشرع باستعماله وتقريره، وقيل: كان الطلاق الجاهلية على أنحاءٍ: الطلاق، والفراق، [والسَّراح] (٢)، والظهار، والإيلاء، وأنتِ عليّ حرام. قالت عائشة ﵂: جاء الشرع بنسخ البعض وتقريرِ البعض. ثم الشافعي صدّر الكتاب بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. قيل: التقدير: يأيها النبي قل لأمتك: إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن. وقيل: المذكور النبي في صدر الآية وهو وأمته معنيّون، والشاهد فيه رجوعُ الخطاب إلى الجمع في قوله إذا طلقتم النساء، والكلام في ذلك يطول، وما ذكرناه كافٍ، ثم قوله: "طلقوهن لعدتهن" معناه طلقوهن لوقت يشرعن عقيبه في العدة، وقيل: كان ﷺ يقرأ: "فطلقوهن لقُبل عدتهن" والظاهر أن هذا كان يذكره تفسيراً.

стр. 7048

ثم الكتاب [مبدوءٌ بالكلام] (١) في الطلاق البدعي والسني، وهما لفظان أطلقهما أئمة السلف، وتداولهما فقهاء الأعصار، ونحن نذكر فقه الفصل موضحاً، ثم نأتي بالعبارات، ونستعين بالله تعالى، وهو خير معين. ٨٩٢١ - فنقول: يحرم على الرجل أن يطلق زوجته المدخول بها في زمان الحيض من غير عوض ولا رضاً من جهتها، هذا متفق عليه. وكذلك إذا جامع امرأته في طهر، ولم يتبين أنها حامل أو حائل، فيحرم عليه تطليقها في الطهر الذي جامعها فيه من غير عوض. هذان أصلان ثابتان بالوفاق، ومستند الإجماع فيهما الحديث، وهو: ما روي أن ابنَ عمرَ طلق امرأته في الحيض، فسأل عمر ﵁ النبي ﷺ ، فقال: "مُره فليراجعها حتى تطهرَ، ثم تحيضَ، ثم تطهرَ، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء" (٢) هذا رواية مالك عن

стр. 7049

نافع عن ابن عمر. وروى سالم ويونس بن جبير ومحمد بن سيرين عن ابن عمر، وفيه: "مره فليراجعها حتى تحيض ثم تطهر" (١)، وسنتكلم على هاتين الروايتين بعد تمهيد القاعدة في السُّنّة والبدعة، فنقول: يحرم إنشاء الطلاق بعد الدخول عرياً عن العوض في زمان الحيض، والذي نضبط المذهب به أن هذا يؤدي إلى تطويل عدتها؛ فإن بقية الحيض لا يعتد بها، وإلى ذلك أشار الرسول ﷺ ؛ إذ قال: "فتلك العدة التي أمر الله أن تُطلق لها النساء" فعلل تحريم الطلاق بإفضائه إلى تطويل العدة، ولا مزيد على علة صاحب الشرع صلوات الله عليه. ولو خالعها، فلا حظر ولا تحريم. ولو طلقها [برضاها] (٢) من غير ذكر عوض، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن ذلك سائغ؛ لمكان رضاها، فصار كما لو اختلعت نفسها. والثاني - لا يجوز (٣)؛ فإن حدود الشرع ومواقف التعبدات لا تختلف بالرضا والسخط. ٨٩٢٢ - فإن قيل: [على] (٤) ماذا بنيتم أولاً تحريم الطلاق في الحيض؟ قلنا: صح أن رسول الله ﷺ لما قال: "مره فليراجعها" ارتفع عبد الله إلى مجلس رسول الله ﷺ ، فقال: "أرأيت لو طلقتُها ثلاثاً"؟ فقال ﷺ : "إذن عصيت، وبانت امرأتك" وما قال عبد الله ما [قال] (٥) معانداً، وقدرُه أعلى من هذا، وإنما قال مستفهماً؛ لأنه ما كان بلغه أمرُ (٦) البدعة

стр. 7050

والسنة في الطلاق، وبنى الأمر على ظاهر الشرع في أن من ملك تصرفاً، لم يُحْجر عليه فيه، وأشعر بذلك قوله: "أرأيت لو طلقتها ثلاثاً" فأبان له رسول الله ﷺ أن التطليق في الحيض عصيان. فإن قيل: من أين أخذتم نفي التعصية في المخالعة؟ قلنا: أخذناه من حديث زوجة ثابت في أصل الخلع؛ فإن النبي ﷺ أمرها بالافتداء وأمره بالقبول، ولم (١) يستفصل، وهو يجري افتداء مخلِّصاً ولا يليق بروْم التخليص [والتخلّص] (٢) تخير الأوقات، والنظر في تفاصيل الحالات. هذا أصل المذهب. ثم اتفق حملة الشريعة على أن الطلاق -وإن كان محرَّماً (٣) - نافذٌ، ولا اكتراث بمخالفة الشيعة في ذلك. فهذا ركن. ٨٩٢٣ - والركن الثاني في المنع من الطلاق في الطهر الذي وقع الوقاع فيه، [والطلاق عريٌّ عن البدل. وذكر القاضي خلافاً في أن الخلع في الطهر الذي جرى الوقاع فيه] (٤) هل (٥) يحرم؟ والسبب فيه أن تحريم (٦) الطلاق في عقد المذهب [يرتبط] (٧) بما يفرض من التندّم إن ظهر ولد؛ فإن الإنسان قد يُؤثر طلاق زوجته، وإن كانت أم ولده، لم يطلقها، فيلحقه الندمُ لو طلق (٨) ثم تبين الحَبَل، (٩ وفي حالة الحيض يرتبط بتطويل العدة ٩)، فإذا كان المستند هذا فقد نقول: اختلاعها [في الحيض] (١٠) يشعر بكمال رضاها؛ فإنها لا تبذل المال إلا على طمأنينة، فيؤثِّر هذا

стр. 7051

في رضاها بطول العدة، وأما الطلاق في الطهر الذي جرى الوقاع فيه، فمستندٌ إلى أمر الولد، ولا يؤثر رضاها في أمر الولد. وهذا الذي ذكره القاضي غيرُ مرضي؛ فإن التعويل على الندم لأجل الولد ليس بالقوي، وقد أوضحنا فساد ذلك في (الأساليب)، ولولا أن الشرع تعرض للعدة والنهي عن تطويلها، لما عللنا بذلك أيضاً، فالوجه تنزيل الخلع على الخروج عن السنة والبدعة؛ تعويلاً على الحديث، والمعنى الكلي الذي أشرنا إليه. وكان شيخي أبو محمد يحكي عن شيخه القفال أن الأجنبي إذا اختلع المرأة من غير رضاها (١ في زمان الحيض فالخلع محظور؛ فإنه لم يصدر عن رضاها ١). وهذا الذي ذكره متجه حسن (٢). ويجوز أن يقال: الخلع كيف فرض [لا يكون بدعياً] (٣). وهذا الذي يليق بمذهب الاقتداء، والظاهر ما ذكره القفال؛ فإن المعتمد (٤) في إخراج الخلع عن البدعة الحديث، وهو وارد في المرأة التي رامت الاختلاع بنفسها. ٨٩٢٤ - ثم قال الأصحاب: المذهب ينضبط في السنة والبدعة [ونفيهما] (٥) من جهتين، فإن أحببنا (٦) أخرجنا اللواتي لا يلحقهن سنة ولا بدعة وقلنا: هن خَمْسٌ: [المختلعةُ] (٧)؛ للمعنى الذي ذكرنا، وغيرُ المدخول بها؛ فإنه لا عدة عليها، ولا دخول، فيتوقع منه الولد، والحاملُ ليس في طلاقها بدعة؛ فإن عدتها لا تطول،

стр. 7052

وإذا كان حملها بيّناً، فالظاهر أن الطلاق يصدر على وجه لا يستعقب ندماً، ولا بدعة في عدة الصغيرة؛ فإنها تعتد بالأشهر، وهي لا تطول ولا تقصر، وكذلك الآيسة لا بدعة في طلاقها. فإن قيل: إن كانت الصغيرة لا يتوقع حبلها، فالآيسة قد يتوقع ذلك منها، وقد ينفتق رحمها ويعود حيضها، فتَعْلَق. قلنا: البناء على ظواهر الظنون، ولو [راجع] (١) الرجل امرأته الآيسة، وكان قد واقعها، فليس فيها مرد متوقع حتى يطلّق عنده. فهذا ضبط اللواتي لا يلحقهن سنة ولا بدعة، والطلاق فيهن لا ينعت بحظر [ولا] (٢) بسنة. وإن أردنا الضبط من جانب الإثبات قلنا: البدعة إنما تلحق الحائض الممسوسة في الطلاق العريّ عن البدل والرضا، وتلحق التي جومعت في طهرها، وهي من ذوات الأقراء. ثم الطلاق المحظور البدعي ما يصادِف -على الشرائط المقدَّمة- حيضاً، أو طهراً وقع فيه وقاع، والطلاق السني هو الذي يصادف طهراً عرياً عن الوقاع. هذا هو الأصل المعتبر في الباب. ٨٩٢٥ - [وقد قال الشيخ أبو علي] (٣): إذا استدخلت المرأة ماء الزوج، كان ذلك في إثارة البدعة كالجماع؛ فإنه يتعلق به خشية ندامة الولد. ولو أتاها في غير المأتى، وعلم أن الماء لم يسبق إلى الرحم، فهل يثير هذا الوطءُ بدعة؟ فيه تردد، وميل الشيخ إلى أنه لا يثيرها. والظاهر عندنا أخْذُ ذلك من العدّة، وقد ذكرنا أن هذا الوطء هل يتضمن العدة؟

стр. 7053

ولو وطىء امرأته في زمان الحيض، ثم مضت بقية الحيض، قال (١): البدعة قائمة حتى تحيض حيضة أخرى بعد الطهر. وهذا فيه احتمال؛ فإن بقية الحيض يدل على عدم العلوق. وقال: المرأة إذا طلبت الفيئة من الزوج المولي بعد المدّة، فلم يفىء، وطلبت الطلاق وهي في زمان الحيض، طلقها الزوج (٢) أو القاضي ولا بدعة، وهذا متفق (٣) عليه. وإن ذكرنا خلافاً في سؤال الطلاق؛ لأن هذا طلب حق، فكان مخالفاً لسؤالٍ من غير استحقاق. فصل قال: "وأحب أن يطلقها واحدة لتكون له الرجعة ... إلى آخره" (٤). ٨٩٢٦ - قال الأئمة: إيقاع الطلاق في الأصل مكروه من غير حاجة، واحتجوا عليه بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق، وأحبها إليه العتاق" (٥) والفقهاء قد يتساهلون في إطلاق الكراهية، وأرباب الأصول

стр. 7054

لا يطلقون هذا اللفظ إلا على تثبت، فإن ظهر غرض يستحثّ على الطلاق كمخيلة ريبةٍ واستشعار نشوز، فالكراهية لا تتحقق، وإذا كان لا يهواها وربما لا تسمح نفسه بالتزام مؤنتها من غير حصول غرض الاستمتاع، فلا كراهية في الطلاق والحالةُ هذه. فالكراهية لا يتجه إطلاقها إلا عند زوال الحاجات والأغراضِ التي يُطلِّقُ العقلاء لأجلها، وإن لم يكن غرضٌ ولا حاجة، فلا بأس بإطلاق الكراهية. ثم حيث تُطلق الكراهية، لا نفرق بين [الواحدة] (١) والعدد. وإن ظهر غرضٌ ترتفع الكراهية لأجله، فقد نقول: لا يستحب جمع الطلقات، ويستحب أن يفرقها، ولسنا ننكر أن وضعها في الكتاب والسنة يشعر [بالاستحثاث] (٢) على تفريقها؛ حتى لا يلقى الإنسانُ ندماً، ولا ينتهي الأمر إلى [إطلاق] (٣) لفظ الكراهية، حيث لا كراهية، في أصل التطليق. ٨٩٢٧ - ومذهب الشافعي أن الجمع بين الطلقتين والثلاث، لا سنة فيه ولا بدعة، وإنما تتعلق السنة والبدعة بالزمانين المذكورين على التفاصيل المقدمة: أحدهما - زمان الحيض. والثاني - الطهر الذي وقع [الوقاع] (٤) فيه. وأبو حنيفة (٥) يحرم الجمع، كما يحرم التطليق في الحيض وفي الطهر الذي جرى الوقاع فيه، والمسالة مشهورة معه في الخلاف. وقد قال الشيخ أبو علي في شرح التلخيص: جمع الطلقات لا معصية فيه. ولكن هل يقال: السنة تفريقها؟ فعلى وجهين، واحتمل كلامه معنيين: أحدهما - التردد في استحباب التفريق حكماً. وأحد الوجهين أن ذلك لا يوصف بالاستحباب، [والأمر] (٦) فيه إلى مالك الطلاق، وفي كلامه ما يدل على أن اسم السنة هل يتناول

стр. 7055

التفريق؟ فعلى وجهين، ولا شك أن البدعة لا تتناول الجمع عندنا، ومقتضى هذا أنه لو قال: أنت طالق ثلاثاً للسنة، وزعم أنه نوى التفريق على الأقراء يُصدَّق ظاهراً، وهذا بعيدٌ مخالفٌ للنص والمذهبِ، والسنةُ والبدعةُ يتعاقبان، أما التردد في الاستحباب، فللاحتمال إليه تطرُّقٌ، والظاهر الاستحباب، ومنع لفظ السنة. ٨٩٢٨ - ثم قال الشافعي: "لو طلقها طاهراً بعد جماع، أحببت أن يرتجعها ... إلى آخره" (١). والمراد بذلك أنه إذا طلقها بدعياً في زمان الحيض، فإنا نستحب ونؤثر له أن يرتجعها، والأصل في ذلك قول الرسول ﷺ [في قصة ابن عمر] (٢)؛ حيث قال: "مُره فليراجعها". وتعليل ذلك أنه إذا طلقها في الحيض، فقد طوّل العدة عليها، وإذا طلقها في طهر جرى الجماع فيه، تعرّض لندامة الولد، فإذا تمادى، ولم يرتجع، كان في حكم من يُديم المعصيةَ مع القدرة على قطعها، وإذا ارتجع، زال ما كنا نحرّم الطلاق لأجله، من تطويل العدة، والتعرض للندامة. وقد ينشأ من هذا الموضع سؤال: بأن يقول قائل: هل توجبون الارتجاع؛ فإن في الارتجاع قطعُ الضرار عنها بتطويل العدة، وكذلك القول في الارتجاع في الطهر الذي جرى الجماع فيه؟ وقد يشهد لوجوب الارتجاع لو صِير إليه ظاهرُ قوله ﷺ : "مره فليراجعها". قلنا: أجمع الأصحاب على [أن] (٣) الارتجاع لا يجب، ثم أجمعوا على [أن] (٤) ترك الارتجاع لا [يلتحق بما] (٥) يُقضى بكونه مكروهاً (٦)، وأكثر ما أطلقوه في ذلك أنا نستحب أن يرتجعها.

стр. 7056

فالجواب إذاً عن السؤال أن الارتجاع مقصوده الظاهر تداركُ حقٍّ (١) وجلبُ منفعةٍ، ويبعد المصير إلى وجوبه؛ لينبني عليه انتفاء تطويل العدة، وأصل التطليق محرّم للخبر وللمعنى، فإذا جرى، فلا يبلغ المحذور من الطلاق المحظور مبلغاً يوجب لأجله رجعةً مقصودها في الشرع جلبٌ أو استدراكٌ. ٨٩٢٩ - فإذا ثبت أن الرجعة لا تجب، ولكنها تُستَحَب، فقد قدمنا في صدر الكتاب روايتين وهذا أوان الكلام عليهما: روي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى [تطهر، ثم] (٢) تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء". وروى سالم بنُ عبد الله ويونس بنُ جبير ومحمد بن سيرين: ["مره فليراجعها، فإذا طهرت، فإن شاء فليطلقها"] (٣) وفي ظاهر الروايتين

стр. 7057

تفاوت، وموجب الرواية [الأولى] (١) أنه يراجعها إذا طلقها في الحيض، ثم يمسكها، حتى تنقضي بقية الحيض ثم تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر. وظاهر الرواية [الثانية] (٢) فيه تردد؛ فإنه قال: "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تحيض" ثم تطهر، فظن بعض الناس أن المراد بقوله: "حتى تحيض" حتى تنقضي بقية الحيض، فإذا طهرت، فإن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها. وكان شيخي أبو محمد يذكر في ذلك وجهين من متن المذهب: أحدهما - أن المستحب ألا يطلقها كما (٣) طهرت من بقية الحيض، وهذا هو الذي ذهب إليه

стр. 7058

الجمهور، والسبب فيه أنه لو طلقها كما طهرت، لكانت الرجعة مقصودة لأجل الطلاق، حتى كأنه (١) ارتجعها ليطلقها، وهذا لا يليق بمحاسن الشرع في آداب العشرة بين الزوجين في الدوام والفراق. نعم، إذا تركها على حكم النكاح طهراً كاملاً، ثم حاضت، ثم طهرت، فنحمل مضي الطهر الأول على إمساكها في زمان الاستمتاع. ٨٩٣٠ - ومن أصحابنا من قال: [لا بأس] (٢) لو طلقها في الطهر الأول؛ فإن الرجعة قطعت أثر الطلاق البدعي، وأزالت تطويل العدة، فإذا طلقها كما (٣) طهرت، فهذا الطهر محسوبٌ، وليس فيه ندامةُ ولدٍ. ثم على هذين الوجهين يُخَرَّج تنزيل رواية ابن عمر، فإن قلنا: لا بأس لو طلقها كما طهرت، فقوله: حتى تحيض ثم تطهر محمول على انقضاءِ الحيض (٤ واستفتاح الطهر. وإن جرينا على الوجه الأصح، فقوله حتى تحيض ٤) محمول على حيضة مستأنفة بعد طهر، وهذا ظاهر اللفظ؛ فإنَّ حَمْل الأفعال والأحوال مع صيغة الشرط على استفتاح الأمور في الاستقبال أظهر من حملها على انقضاء ما به الملابسة. فإن فرعنا على الوجه الظاهر، فقد ذكر الأئمة وجهين في أنا هل نؤثر وهل نستحب للزوج أن يجامعها في الطهر الأول؟ فقال قائلون: لا يُطْلَقُ في هذا الاستحبابُ، والأمر إلى الزوج. وقال آخرون: يستحب ما ذكرناه إذا لم يكن عذر؛ فإنه إذا لم يواقعها، كان تربّصه في الطهر والحيضة بعده محمولاً على أن يطلقها في الطهر الثاني، وقد بنينا الأمر بالرجعة على خلاف هذا. ولو طلقها في الحيض، وراجعها في الحيض، وأصابها في زمان الحيض، ثم طهرت، والتفريع على أنا نؤثر للزوج أن يطلّق في الطهر الثاني، فذلك الأمر مستدام، ولا حكم للوطء الذي جرى في زمان الحيض؛ فإنه وطء محظور منهي عنه، فلا يتعلق

стр. 7059

به غرض مطلوب في الشريعة فوجودُه كعدمه، وإنما ذكرنا هذا حتى لا يظن ظان أنه إذا راجعها ووطئها في الحيض، فقد أخرج الرجعة عن أن تكون لأجل الطلاق. ولو طلق امرأته في طهرٍ جامعها فيه، ثم راجعها، كما ذكرناه (١)، فلا شك أنه لا يطلقها، ولو طلقها، لكان الطلاق بدعياً؛ لأنه وقع في طهر جرى فيه وقاع، فإذا حاضت، ثم طهرت، فله أن يطلقها الآن، ولا يشترط في إقامة الأَوْلى والمستحبِّ أكثرُ من ذلك. ولو طلق [امرأته] (٢) في طهر جامعها فيه، ثم راجعها في الحيض، والتفريع على الأصح؛ فإنه لا يطلقها في الطهر الذي يلي هذا؛ لأن الرجعة تكون لأجل الطلاق. ولو طلقها في طهر لم يجامعها فيه، ولم يكن الطلاق بدعياً، غير أنه راجعها في الحيض، حكى القاضي عن الأصحاب أنهم قالوا: لا نستحب له أن يطلقها إذا طهرت؛ فإنه لو طلقها كما (٣) طهرت -وقد راجعها في الحيض- لكانت الرجعة لأجل الطلاق، ثم قال: والذي عندي أنه لا بأس عليه لو طلقها كما طهرت؛ لأن الطلاق الأول لم يكن بدعياً في الأصل، ونحن إنما نأمر بالرجعة، ثم بالإمساك على التفصيل المذكور إذا كان الطلاق الواقع بدعياً، وهذا الذي اختاره القاضي هو المذهب الذي لا يُعْرَف غيره، ولم أر حكاية غيره لغير القاضي (٤). فهذا تفصيل القول في استحباب الرجعة والإمساك بعدها، وما يتعلق به من خلاف ووفاق. فرع: ٨٩٣١ - إذا قال الرجل لامرأته التي هي بمحل السنة والبدعة: أنت طالق مع آخر جزء من حيضك، فمعلوم أن الطلاق ينطبق على الجزء الأخير، وذلك الجزء

стр. 7060

لا يكون من العدة، وهي تستفتح طهراً معتداً به؛ فليس في هذا التطليق تطويل العدة عليها؛ فاختلف أصحابنا فيه: فذهب القياسون إلى أن الطلاق لا يكون بدعياً؛ لأنه ليس فيه تطويل عدة، ولا ندامة ولد، وذهب آخرون إلى أن الطلاق بدعي؛ لمصادفته الحيض، وهذا القائل يعتضد بالرجوع إلى التوقيف والتعبد، ويهون عليه تضعيفُ طريقِ الرأي والتعويلِ على المعنى؛ لما نبهنا عليه قبلُ وقررناه في المسائل. ولو قال لامرأته: أنت طالق مع آخر جزء من طهرك، فللشافعي قول: إن الانتقال من الطهر إلى الحيض قرءٌ معتد به. فإن فرعنا على هذا، فالطلاق سنّي لمصادفته الطهر، وإفضائه إلى تقصير العدة. وإن قلنا: لا يعتد بذلك قرءاً، فللأصحاب وجهان: أقيسهما - أن الطلاق بدعي؛ لأنها تستقبل حيضة كاملة لا يعتد بها، وإذا كنا نجعل الطلاق في أثناء الحيض بدعياً؛ لأن بقية الحيض غيرُ معتد بها، فلأن نقول: الطلاق بدعي إذا استقبلت حيضة لا اعتداد بها أولى. وذهب بعض أصحابنا إلى أن الطلاق سني؛ لمصادفته الطهر الذي لم يجرِ فيه جماع، وهذا القائل يلتفت على التعبد واتباع التوقيف، كما تقدم شرحه. فصل قال: "وإن كانت في طهر بعد جماعٍ ... إلى آخره" (١). ٨٩٣٢ - هذا الفصل مُصدَّر بقُطبٍ يتعلق بمقتضى الألفاظ، فنقول: الطلاق يُنجَّز ويُعلّق، ثم تعليقه تارة يكون على صيغة الشرط، وتارة يكون على صيغة التأقيت، وهما جميعاً معدودان من التعليق. فأما الشرط، فهو الذي يتعلّق بما يجوز أن يكون ويجوز ألا يكون، مثل أن يقول لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، فهذا شرط محقق، وأما التأقيت، فمثل قول الزوج: إذا استهل الهلال، فأنت طالق، فهذا تأقيتٌ وليس شرطاً؛ فإن الشرط هو الذي [لا يُقطع] (٢) بوقوعه، والتأقيت مبني على

стр. 7061

القطع في المتعلَّق، وعن هذا قال سيبويه: "إذا قال القائل: إذا قامت القيامة كان (١) كذا وكذا: فهذا إيمان بالقيامة (٢)، وإذا قال: إن قامت، فهذا تردد في التصديق بها". وعن هذا قال أئمة اللسان: قول القائل: إن طلع الفجر، فأنت (٣ طالق، كلامٌ معدول عن الوجه المستحسن، فإن الفجر يطلع لا محالة، وإذا قال: إذا ٣) طلع الفجر، فأنت طالق، فهذا هو النظم الجاري في كلام الفصحاء. وقد يجري الطلاق معللاً بعلة، فحكم الطلاق أن يتنجّز، ثبتت (٤) تلك العلة أو انتفت، وبيانه أنه لو قال: أنت طالق لرضا فلانٍ، [وزعم] (٥) أنه أراد تعليل إيقاع الطلاق بالرضا، فالطلاق ناجزٌ رضي ذلك الشخص أو سخط، وذلك أن المعلِّل ليس يعلِّل (٦) الطلاق بالعلة، وإنما يُنجِّز الطلاق ثم يبتدىء، فيعلل تنجيزَه بسبب، فالتعليل كلام مبتدأ لا ينشأ ليرتبط الطلاق به وجوداَّ وعدماً. وسنذكر مسائل هذا الأصل، إن شاء الله . ٨٩٣٣ - ثم نقول بعد هذا: استعمال اللام في الأوقات محمول على التأقيت بالاتفاق، وبيانه أنه إذا قال: أنت طالق لهلال رمضان، فهو بمثابة قوله: إذا استهل هلال رمضان، فأنت طالق؛ والسبب فيه أن اللام مستعملة مع الأوقات للتأقيت بها، وهذا شائع في لغة الفصحاء، وهي أظهر من قول القائل: إذا استهل الهلال، فأنت طالق، وينضم إلى ذلك أن تخيّل التعليل بالأوقات بعيد عن الوهم؛ فإن التعليل إنما

стр. 7062

يقع بمثل السخط والرضا، و [ما في] (١) معناهما، فأنتج [مجموع] (٢) ما ذكرناه أن اللام مع الوقت تأقيت. ٨٩٣٤ - وإذا قال الرجل لامرأته التي تعتورها حالةُ السنة والبدعة: أنت طالق للسُّنة، نُظر: فإن كانت في زمان سُنَّة، وهو طهر لم يجامعها فيه، انتجز الطلاق في الحال، وهو بمثابة ما لو قال عند الاستهلال: أنت طالق لهلال رمضان، فيقع الطلاق مع الهلال. وإذا قال لامرأته في زمان الحيض: أنت طالق للسُّنة، لم تطلق في الحال حتى تطهر، ثم تُطلَّق، فتحمل اللام على التأقيت بوقت السنة، كما قدمنا ذلك في إضافة اللام إلى الأوقات؛ والسبب فيه أن اعتوار زماني السنة والبدعة على المرأة يُظهر قصدَ التأقيت من اللام. وكذلك لو قال لها: أنت طالق للبدعة، وكانت في زمان الحيض، أو كانت في طهر جامعها الزوج فيه، فالطلاق ينتجز، ولو قال لها وهي في طهرٍ لم يجامعها فيه: أنت طالق للبدعة، لم ينتجز الطلاق، حتى تصير إلى زمان البدعة، فإن لم يجامعها، فحاضت، طُلِّقت، وإن جامعها في ذلك الطهر، فقد انتهت إلى زمان البدعة، فتطلق أيضاً، كما سنفصل هذا في آخر الفصل، إن شاء الله تعالى. والغرض الآن أن نبين أن قول الزوج: أنت طالق للسنة وللبدعة محمول على التأقيت، لا على التعليل. ٨٩٣٤/م- ولو قال [لامرأة] (٣) لا يتصور فيها سنة ولا بدعة: من النسوة الخمس اللواتي قدمنا ذكرهن: أنت طالق للسنة، انتجزت الطلقة في الحال. وكذلك لو قال لها: أنت طالق للبدعة، انتجزت الطلقة، ولم نرتقب فيها المصير إلى حالة السنة والبدعة، وبيان ذلك بالتصوير أنه إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق للسنة أو للبدعة، فلا يحمل الأمر على تقدير دخول ومصيرٍ [بعده] (٤) إلى التعرض لطوارىء السنة

стр. 7063

والبدعة، وإن لم يكن هذا بعيداً عن التوقّع والانتظار. وقد نص العراقيون على أنه إذا قال لها: إذا صرت من أهل السنة، فأنت طالق، ولم يكن مدخولاً بها، فالطلاق لا ينتجز، بل يرقب الدخولَ، والمصيرَ إلى حالة السنة. فإن قيل: إذا كان هذا غيرَ بعيد عن التوقع، فهلا حملتم قولَ الزوج عليه؟ قلنا: حمل السنة والبدعة على الوقت إنما يظهر في التي تتصدّى لهما، وتتعرض لاعتوارهما [عليها] (١)، فيصيران في [حقها] (٢) كاعتقاب الجديدين (٣)، وتوالي الليل والنهار، فيستبق إلى الفهم والحالة هذه إرادة الوقت، واللامُ في وضعها للتعليل، وإنما تستعمل في الوقت إذا قُرنت بذكر الوقت أو قرنت بما يمرّ ويجري جريان الوقت، وإلا فالسنة والبدعة لفظتان مستعملتان في الشرع، لا جريان لهما في اللغة، وإنما استعملتا شرعاً على الخصوص، فلا يُعدَّى بهما موضعهما، ولا تحمل اللام في حق من يعتورها السنة والبدعة على التأقيت، وصرح الأئمة لفظاً [وفحوى] (٤) بما يدل على أن من قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق للسنة، فلا يقبل ذلك منه ظاهراً، بل يديّن باطناً، كما سنذكره في باب أصل التديين؛ وإنما لم نقبل ما ذكره باطناً لظهور اللام في التعليل، وانعدام القرينة في اقتضاءِ التأقيت. ٨٩٣٥ - ولو قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق لوقت السُّنّة، فهذا فيه تردد عندي؛ من حيث صرح بالوقت: يجوز أن يقال: قوله لوقت السنة، كقوله للسنة، ويجوز أن يقال: إن فسر لفظه بمصيرها إلى حالة السنة يقبل ذلك منه، ويجوز أن يقال: إن فسره بالطهر، وفسر وقت البدعة بالحيض، وإن لم يكن دخول قبل ذلك منه، ولو أطلق اللفظ، وزعم أنه لم يكن له نية، فالظاهر وقوع الطلاق. فليتأمل الناظر المسالة؛ فإنها محتملة.

стр. 7064

٨٩٣٦ - ولو قال لامرأته: أنت طالق لرضا فلان، فإن زعم أنه أراد بما قال تعليلاً، وقع الطلاق ناجزاً، سواء رضي فلان أم سخط، على ما قررناه في أصل التعليل. ولو أطلق لفظه، وزعم أنه لم يرد تعليلاً، ولا تأقيتاً، انتجز الطلاق؛ فإن صيغة اللفظ تقتضي تنجيزها، ولم يظهر ما يدفع التنجيز. ولو زعم أنه أراد التعليق بوقت رضا زيد، فهذا مقبول باطناً إن صُدِّق، فهل (١) يقبل ذلك منه ظاهراً؟ فعلى وجهين، ذكرهما الصيدلاني: أحدهما - أنه لا يقبل منه؛ فإن الرضا ليس مما يؤقت به، وهو مما يعلل به، فكان التعليلُ أظهرَ، وإذا غلب التعليل، كان موجبه انتجاز الطلاق. والوجه الثاني - أن ما قاله مقبول [ظاهراً] (٢)؛ فإنه مُحْتَمَل غيرُ بعيد، فإذا (٣) لم يَبْعُد ما قال، صُدِّق، وسيأتي ضبط هذه الأبواب -إن شاء الله على ما ينبغي. ثم قال الصيدلاني: إذا قال: أنت طالق لقدوم فلان، فمطلق هذا محمول على التأقيت؛ فإنه يَظهر التأقيت بالقدوم، ويبعد التعليل به، بخلاف الرضا. ثم ينتظم من هذه الجملة أن اللام مع الوقت تأقيت، وهو (٤) مع الرضا وما في معناه مما يُتخيل التعليل به [تعليلٌ] (٥) في الإطلاق. وإن أريد به [التأقيت] (٦) صُدق المرء باطناً، وهل يصدق ظاهراً، فعلى وجهين. وما يظهر التأقيت به ينقسم إلى ما يتكرر بتكرر الزمان كالسُّنّة والبدعة، وإلى ما لا (٧) يتكرر تكرر الأزمان، [كقدوم زيد.

стр. 7065

فأما ما يتكرر تكرر الأزمان] (١) وَيَكُرّ كُرورَها، فمطلق اللام فيه للتأقيت، كقول الرجل للمرأة (٢) التي هي [بصدد] (٣) السُّنة والبدعة: [أنت طالق للسُّنّة أو للبدعة] (٤) هذا للتأقيت كما ذكرناه. وأما ما يظهر فيه قصد التأقيت ولا يكرّ كرورَ الزمان، كقول القائل: أنت طالق لقدوم زيد، وزيدٌ غير قادم، وإنما يُنتظر قدومُه، فالذي قطع به الصيدلاني أن مطلق ذلك تأقيت، ولم أر في الطرق ما يخالف هذا، وهو متجِهٌ، فلا [مزيد] (٣) عليه. ولو قال لامرأته: أنت طالق لدخول الدار، فالظاهر أن مطلق هذا محمول على التعليل، وإن زعم أنه أراد بذلك تأقيتاً، فهو قريب من قوله: أنت طالق لرضا فلان مع زعمه أنه أراد بذلك تأقيتاً وتعليقاً بوقت الرضا، ومعنى التعليق في الرضا قد يغلب وإن أمكن أن يُتخيل في دخول الدار؛ فالوجه ألا يُفرّق بين البابين. هذا [هو] (٦) الضبط في استعمال اللام فيما نحن فيه من السنة والبدعة، وفيما في معناه. ٨٩٣٧ - وذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص أنه إذا قال للتي لا سنة فيها ولا بدعة: أنت طالق للسنة، انتجز الطلاق للسنة، كما ذكره الأصحاب. ولو قال: أنت طالق للبدعة، فالمذهب أن الطلاق ينتجز، كما ذكرناه عن الأصحاب، وحكى عن الأصحاب وجهاً: أنا ننتظر مصيرها إلى حالة البدعة؛ فإن طلاق السُّنَّة يمكن حمله على ما يسوغ، وأما طلاق البدعة، فلا مساغ له إذا لم تكن المرأة من أهل البدعة.

стр. 7066

قال الشيخ: والصحيح وما عليه الأئمة أنه يقع الطلاق في الموضعين سواء [وصف] (١) الطلاق بالسنة أو البدعة. ٨٩٣٨ - ثم نعود إلى تفصيل الطلاق [السني والبدعي في حق التي يُتصور في حقها السنة والبدعة] (٢): [فإذا] (٣) قال لامرأته وهي في طهر [لم] (٤) يجامعها فيه: أنت طالق للسنة، وقع الطلاق، فانطبق انتجازه على وقت السنة، وإن كانت في حالة الحيض، لم تطلق حتى ينقضي حيضها وتشرع في الطهر، فإذا شرعت فيه، وقع الطلاق مع أول جزء من الطهر، ولا يتوقف وقوعه على أن تغتسل، خلافاً لأبي حنيفة (٥)، ولا فرق عندنا بين أن يكون حيضتها منقطعة على أكثر الحيض أو على أقله أو أغلبه. ولو قال [لها] (٦): أنت طالق للبدعة. فإن كانت في حالة البدعة، وقع في الحال، وإلا فحتى تصير إلى حالة البدعة: فلو كانت في طهر لم يجامعها فيه، وقد قال لها: أنت طالق للبدعة، فإن كان خلاّها ولم يجامعها حتى حاضت، طلقت مع أول جزءٍ من الحيض. وإن كان قال لها [ذلك] (٧) وهي في طهر لم يجامعها فيه، فلو جامعها في هذا الطهر قبل أن تحيض، وقع الطلاق كما (٨) غيب الحشفة؛ فإنها انتهت إلى وقت البدعة.

стр. 7067

٨٩٣٩ - ثم الكلام مفروض فيه إذا كان الطلاق المعلَّق رجعياً، [فينظر] (١): فإن أَخْرجَ ثم أولج، فالحد لا يجب؛ لأنها رجعية، والمهر سيأتي مفصلاً في كتاب الرجعة. وعقد المذهب فيه أنه إذا وطىء الرجعية وتركها حتى انسرحت، التزم مهر مثلها. وإن راجعها، ففي المسالة وجهان. هذا ظاهر المذهب وأصله، وسيأتي ذلك مشروحاً في كتاب الرجعة، إن شاء الله . كذلك إذا غيب الحشفة ووقع الطلاق، ثم نزع وأعاد فأولج، فهذا جماع مستحدث صادف رجعية. ولو أولج الحشفة أول مرة، وحكمنا بوقوع الطلاق، فمكث أو تمم الإيلاج، فلا شك أن الحد لا يجب؛ لأنه مخالطٌ رجعية، فأما المهر، فقد سكت الشافعي عن ذكر وجوب المهر هاهنا، ونص على أنه إذا أصبح المكلف مجامعاً في نهار رمضان ولم ينزع، تلزمه الكفارة، والنصان في ظاهر الأمر مختلفان: قول الشافعي هاهنا يدل على أن المكث والاستدامة لا يكون بمثابة النزع والإعادة، ونص الشافعي في الصيام مصرح بأن الاستدامة بمثابة ابتداء الجماع. وقد ذكر القاضي هاهنا طريقين للأصحاب: قال: منهم من قال: في المهر والكفارة قولان: أحدهما - أنهما يجبان تنزيلاً للاستدامة منزلة الابتداء. والثاني - (٢) لا تجب الكفارة ولا المهر. توجيه القولين: من لم يوجبهما قال: الجماع واحد، فلا ينقسم حكمه، ولم يتعلق بأوله كفارة، [ولا مهر] (٣)، فلا يتعلق بالدوام ما لم يتعلق بالابتداء ومن قال بالقول الثاني (٤) قال: صورة الجماع موجودة بعد وقوع الطلاق وطلوع

стр. 7068

الفجر. قال القاضي: ومن أصحابنا (١) من لم يوجب المهر هاهنا وأوجب الكفارة وأقر النصين على ظواهرهما، وفرق بأن قال: الزوج إذا وطىء زوجته وقع الطلاق بأول وطءٍ، وهذا الوطء قد تعلق به المهر؛ من جهة أن مهر النكاح يشمل على الوطآت كلها، فوقع الاكتفاء باشتمال ذلك المهر على هذه الوطأة [والوطأة] (٢) الواحدة لا يتعلق بها مهران. والوطء في حكم الكفارة ليس في هذا المعنى؛ فإنه لم يتعلق بأوّله كفارة، وقد وجدت صورته في وقت العبادة ومن أصلنا أن الجماع المانع من الصيام كالجماع القاطع للصيام، فهذا وجه الفرق. وما ذكره القاضي من تخريج [نفي] (٣) الكفارة غريب في النقل، وإن كان متجهاً. وما ذكرناه في المهر فيه إذا استدام الوطء، ووقع التصوير فيه إذا كنا نوجب المهر عند النزع والإعادة، ثم نتردد في أن الاستدامة هل تكون بمثابة النزع (٤) والإعادة. ولو أصبح وهو مخالط أهله، ثم قرن بأول الإصباح النزعَ، فلا كفارة، ولا [فطر] (٥) كما قدمناه في كتاب الصيام. ولو وقع الطلاق في الصورة التي نحن فيها، وكما (٦) وقع، نزع ولم يعرّج (٧)، فالأصحاب متفقون على أن المهر لا يجب؛ لأن النزع انكفاف عن العمل، ولا يتعلق بالانكفاف عن العمل ما يتعلق بالإقدام عليه. ٨٩٤٠ - ومما يتعلق بما نحن فيه أنه لو قال لامرأته في الطهر الذي لم يجامعها فيه: أنت طالق ثلاثاً للبدعة، ثم جامعها، فكما غابت الحشفة طلقت ثلاثاً، ثم ننظر: فإن أخرج ثم أولج، فهذا إيلاج بعد وقوع [الثلاث،] (٨) وهو موجب للحد مع العلم

стр. 7069

بحقيقة الحال، وإن مكث أو تمم الإيلاج مع العلم بوقوع الطلاق، فظاهر المذهب أنه لا حد عليهما؛ فإن الوطأة لا يتبعض حكمها، والحد لم يتعلق بأول هذه الوطأة، فلا يتعلق بدوامها. وذهب بعض أصحابنا إلى إيجاب الحد؛ فإن صورة الوطء ثابتة مع القطع بالتحريم. ولو غيّب الحشفة واستدام، وتمم الإيلاج كما صورنا، فإن أوجبنا الحد، لم يجب المهر، وإن لم نوجب الحد، فالمهر على الخلاف الذي تقدم. ولو وقع الثلاث بالتغييب، كما صورنا، ونزع كما (١) وقع، فلا حد ولا مهر، لما ذكرناه من أن الانكفاف عن الفعل لا يحل محل الإقدام عليه. ولو قال لامرأته وهي في زمان البدعة: أنت طالق للسُّنّة في هذا الوقت، وأشار إلى وقت البدعة وقع الطلاق، ولغا [التقييد] (٢) بالسنة؛ لأن الإشارة أغلب في هذا المقام من العبارة. فهذا تفصيل القول وترتيبه في ذكر السُّنة والبدعة. فصل قال: "ولو كان قال في كل قرءٍ واحدة ... إلى آخره" (٣). ٨٩٤١ - قد ذكرنا من أصل الشافعي ﵁ أنه ليس في [جمع] (٤) الطلقات وتفريقها سُنَّة ولا بدعة، ونقول على موجب هذا: إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً للسنة، وكانت في زمان السُّنّة ولفظُه [مطلق] (٥)، فالطلاق (٦) الثلاث ينتجز في الحال، وكذلك لو كانت في زمان البدعة، فقال: أنت طالق ثلاثاً للبدعة، فلا أثر

стр. 7070

لذكر البدعة في الثلاث، كما لا أثر (١) لذكر السنة، واللفظ مطلق. ولو زعم أنه أراد بقوله: أنت طالق ثلاثاً للسنّة تفريقَ ثلاث طلقات على ثلاثة أقراء فهل يقبل ذلك منه ظاهراً أم باطناً؟ وكيف التفصيل فيه؟ هذا سنذكره في آخر الفصل مع إمكان البيان في التديين، إن شاء الله تعالى. ولو قال: أنت طالق ثلاثاً في كل [قُرء] (٢) طلقة، فالقرء في قاعدة المذهب عند الشافعي طهر بين حيضتين، هذا هو الأصل. فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً في كل قرء واحدة، فلا تخلو المرأة إما أن تكون مدخولاً بها أو تكون غير مدخول بها. فإن لم تكن مدخولاً بها، وكانت من ذوات الحيض، نظر: فإن كانت في حال الطهر، وقعت عليها طلقة، وبانت. وإن كانت في حالة الحيض، لم يقع في الحال شيء؛ فإن اسم القرء لا ينطلق على الحيض عند الشافعي، فإذا انقطع دمُها، وشرعت في الطهر، وقعت الطلقة وبانت، وإن تركها، لم يَلْحَقْها إلا تلك الطلقة. وإن نكحها (٣) وشرعت في الطهر الثاني، ففي لحوق الطلاق في النكاح [الثاني] (٤) بعد تخلل البينونة قولا حِنث اليمين، وقد استقصينا ذكرهما. ولو لم يجدد النكاح حتى مضت الأقراء المتوالية، ثم نكحها، لم تطلّق؛ لأن السبب المحنِّث قد جرى في حالة البينونة، ولم يتعلق الحنث به، فانحلّت اليمين، وقد استقصينا هذا الطرف فيما تقدم متصلاً بالكلام في عَوْد الحِنث. هذا إذا لم تكن مدخولاً بها. ٨٩٤٢ - فأما إذا كانت مدخولاً بها، فلا يخلو: إما أن تكون حائلاً أو حاملاً، [فإن كانت حائلاً] (٥) وهي من ذوات الأقراء، وقال الزوج ما قال وهي في حالة الطهر،

стр. 7071

فتلحقها طلقة رجعية، ثم إذا طهرت ثانياً، لحقتها طلقة أخرى، فإذا طهرت ثالثاً، وقعت الطلقة الثالثة. ثم الطلقةُ الثانية والثالثة لحقتا وهي في حالة الرجعة، ووقوع الطلاق على الرجعية هل يقتضي عدة (١) مستأنفة؟ هذا مما قدمنا اختلاف القول فيه، وأحلنا استقصاءه على كتاب العدة، فلا معنى للخوض فيه. وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت حائلاً. ٨٩٤٣ - فأما إذا كانت حاملاً، فلا يخلو: إما إن كانت ترى الدم، أو كانت لا ترى الدم: إن كانت لا ترى الدم: [وقد] (٢) قال الزوج: أنت طالق ثلاثاً في كل قرء طلقة، فتلحقها طلقة في حالة الحمل لا محالة، وهذا مما يجب التثبت فيه. وقد ذكرنا أن القرء عبارة عن حال احتباس الدم بين حيضتين، والحامل تكون كذلك؛ فإن الحيضة تحتبس في زمان الحمل، وحكم الحامل كحكم الحائل في طهر يتطاول زمانه، ثم إذا وضعت الحملَ، انقضت العدة، وبانت، فإذا طهرت من النفاس، لم يلحقها الطلاق الثاني؛ لأنها بائنة؛ فإن نكحها في مدة النفاس، ثم طهرت [من] (٣) النفاس في النكاح الثاني، فيعود اختلاف القول جديداً وقديماً في عَوْد الحِنْث. ولا معنى لتكرير الصورة بعد وضوح المقصود. ولو راجعها في زمان الحمل قبل الوضع، فإذا طهرت من النفاس، لحقها طلقة أخرى؛ فإن النكاح لم يتعدد، وإذا لحقها هذه الطلقة، استأنفت العدة قولاً واحداً؛ لأن انقضاء العدة يتعلق بوضع الحمل، وهو إن ارتجعها قبل الوضع، فقد مضى بعد الرجعة ما يتعلق به انقضاء العدة لولا الرجعة، فلا وجه لتخيّل بناء القرء على وضع الحمل، وهذا موضع رمزٍ وعقد جُمل في العِدد، واستقصاءُ الكلام فيها محالٌ على كتاب العدة.

стр. 7072

٨٩٤٤ - وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت الحامل لا ترى دماً، فأما إذا كانت ترى دماً [على] (١) ترتيب الأدوار ونظمها، فقد اختلف قول الشافعي في أن دم (٢) الحامل على الترتيب المنتظم هل يكون حيضاًً أم لا؟ فإن قلنا: إنه دم فسادٍ، فلا حكم له، وهو كما لو قال: لو لم (٣) تَرَ دماً، وقد تقدم التفصيل. فإن حكمنا بأن ما تراه دمُ حيض فإذا كان قال: "أنت طالق ثلاثاً في كل قرء طلقة"، وكانت الحامل في حالة الحيض، لم يقع الطلاق؛ لأن القرء عبارة عن طهر محصور بين حيضتين، وهذه الحامل لها حيض وطهر. وإن قال لها ذلك وهي في زمان الطهر، فيقع لتحقق اسم القرء، وهل يتكرر الطلقات الثلاث بتكرر الأقراء عليها وهي حامل؟ فعلى وجهين: أقيسهما (٤) - أنه يتكرر؛ لأنا إذا أثبتنا الحيض والطهر، وحققنا اسم القرء، فيجب على موجب ذلك أن يتكرر الطلاق بتكرر الأقراء. الوجه الثاني - أنه لا يتكرر؛ لأن الطلاق إنما يتكرر إذا كان الطهر محتوشاً بدمين دالّين على براءة الرحم، [وهذا] (٥) المعنى لا يتحقق في هذه الأطهار، وأما الطلقة الأولى، [فإنا] (٦) حكمنا بوقوعها كما نحكم بوقوع الطلاق إذا كانت لا ترى دماً، ولكنا توقفنا في وقوع الطلاق، ولم نوقعه وهي حائض. ثم قال الأصحاب: من حيث إنه يوجد طهر محتوش بدمين يختص وقوع الطلاق به، ومن حيث إن الدمين لا يدلاّن على براءة الرحم قلنا: لا يتكرر وقوع الطلاق بتكرره، وهذا وإن كان ظاهراً في الحكاية (٧)، فالقياس ما تقدم؛ فإن الطلاق إنما يتحقق بتحقق الاسم، واسم الأقراء يتكرر، والزوج لم يعلّق الطلاق بأقراء دالة على

стр. 7073

براءة الرحم، فلا معنى لاعتبار البراءة في هذا المقام. وكل ما ذكرناه إذا قال لامرأته وهي من ذوات الأقراء: أنت طالق ثلاثاً في كل قرء طلقة. ٨٩٤٥ - فإذا قال لامرأته- ولم تحض قط: أنت طالق ثلاثاً في كل قرءٍ واحدة، فالذي عليه الأصحاب أنا لا نحكم بوقوع الطلاق في الحال، ولكن إذا حاضت هل نتبين أن الطلاق وقع عليها باللفظ السابق؟ فعلى وجهين مبنيين على أنها إذا رأت الدم في خلال العدة بالشهور، فهل نحتسب ما مضى قرءاً؟ فيه قولان (١) مبنيان على أن القرء عبارة عن ماذا؟ وفيه قولان: أحدهما - أنه عبارة عن طهرٍ يحتوشه دمان، فعلى هذا لا نحتسب ما مضى لها قرءاً؛ لأنه لم يكن بين دمين. والقول الثاني - أن القرء عبارة عن الانقلاب من الطهر إلى الحيض [أو من الحيض إلى الطهر] (٢)، فعلى هذا نحسب ما مضى لها قرءاً من العدة، ونحكم بوقوع (٣) الطلاق تبيّناً. وإذا قال للآيسة القاعدة (٤) عن الحيض: أنت طالق ثلاثاً في كل قرء طلقة، فإن عاودها الدم بعد ذلك، فلا خلاف في وقوع الطلاق، وإن استمرت على التقاعد واليأس، فهل يلحقها الطلاق أم لا؟ فعلى وجهين ذكرهما القاضي: أحدهما - أنه يلحقها الطلاق؛ لأنها انتقلت من الحيض إلى هذه الحالة. والثاني - أن الطلاق لا يلحقها؛ فإن القرء طهر بين دمين، وهذا نقاء تقدمه دمٌ، ولم يستأخر عنه دم، والقرء بمعنى الطهر (٥) محمول على قول القائل: قرأت الماء في الحوض، والطعام في الشدق، وهذا إنما يتحقق إذا كان يجتمع في زمان النقاء دمٌ في الرحم، ثم يزجيه الرحم. هذا تصرف الأصحاب في تعليق الطلقات بالأقراء.

стр. 7074

٨٩٤٦ - وذكر صاحب التقريب وجهاً غريباً أن الرجل إذا قال لزوجته الصغيرة: أنت طالق ثلاثاً في كل قرء طلقة: أن الأقراء في حقها هي الأشهر، فتلحقها ثلاث طلقات في ثلاثة أشهر؛ فإن الأشهر في حقها مُقامة مقام الأطهار المحتوشة بالدماء. وهذا ضعيف جداً؛ لأنه مائل عن مأخذ الباب، والتعليقاتُ تؤخذ من قضية اللسان، وقد يُلتفت فيها على العادات، فأما النظر إلى تنزيلات الشرع أشياء مقام أشياء، فليس [من] (١) حكم هذا الكتاب (٢) وموجبه أصلاً. ولا شك أن العرب لا تسمِّي الأشهر أقراء أصلاً، لا في الصغيرة، ولا في حق الآيسة، فليكن التعويل على موجب اللفظ. فهذا إذاً وجهٌ غير معتد به. وقد انتهى تفصيل القول في [تعليق أعداد الطلاق] (٣) على الأقراء. ٨٩٤٧ - [ونحن الآن نستفتح] (٤) مسألة متصلة بهذا النوع، ونبتدىء بسببها القولَ في التديين (٥)، فنقول: إذا قال الرجل: أنت طالق ثلاثاً للسُّنة [ونوى تفريقها على ثلاثة أقراء، فقد ذكرنا أن السُّنة والبدعة لا تتعلقان بالجمع والتفريق، فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً للسّنة] (٦)، وزعم أنه أراد تفريقها، لم يقبل ذلك منه في ظاهر الحكم، وإن علم الله تعالى منه الصدق فيما ادّعاه، فلا تقع [الطلقات] (٧) الثلاث معاً بَيْنه

стр. 7075

وبين الله تعالى، وعبّر الفقهاء عن هذا فقالوا: لا يُقبل منه في الظاهر، ولكن يُدَيّن بينه وبين الله. ٨٩٤٨ - ونحن نذكر الآن قاعدة التديين، ونستعين بالله تعالى، فنقول: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق، فالذي جاء به لفظ صريح، فلو قصد به الطلاق أو أطلقه ولم يقصد به شيئاً، ولم يَهْذِ بلفظه، ولم يحكه، وقع الطلاق ظاهراً وباطناً. ولو نوى بقوله طالقٌ التطليق عن وثاق، أو حل أسير وحَجْر، فإذا أبدى هذا، لم يقبل منه في ظاهر الحكم، ولكن إذا لم يثبت لفظه في مجلس القضاء، وكان صادقاً بينه وبين الله تعالى، لم يقع الطلاق في حكم الله وعلمه. ولو قال: أنت طالق وأضمر (١) ألا يقع، وأجرى على ضميره: أنت طالق طلاقاً لا يقع عليك، فهذا يقع ظاهراً وباطناًً. ٨٩٤٩ - وطريق الضبط في هذا الطرف أنه إذا ذكر لفظاً صريحاً، وزعم أنه أضمر [معنىً] (٢) محتملاً، وفي صيغة اللفظ احتماله، فلا سبيل إلى مخالفة الصريح في ظاهر الحكم، ولكن إن صدق وفي اللفظ احتمال، فلا يقع الطلاق بينه وبين الله تعالى، وسنقرر ذلك عند ذكرنا الصرائح وأحكامها، إن شاء الله تعالى. ولو أضمر مع صريح الطلاق شيئاً [لا ينبىء] (٣) اللفظ عنه في صيغته ووضْعِه، ولو جرى (٤) ذكرُ المعنى الجاري في الضمير متصلاً بالكلام الظاهر، لما كان الكلام منتظماً، ويُعدّ ما جاء به متهافتاً، لا يجرّد العاقلُ القصدَ إلى نظم مثله، فهذا مردود ولا حكم له. ومثال هذا القسم ما لو قال: أنت طالق، ونوى طلاقاً لا يقع، فهذا لو صرح به، لكان لغواً مُطَّرحاً، لا مبالاة بمثله، والطلاق واقع، فقد خرج الضمير عن صيغة
следующие страницы →