← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

فتلحقها طلقة رجعية، ثم إذا طهرت ثانياً، لحقتها طلقة أخرى، فإذا طهرت ثالثاً، وقعت الطلقة الثالثة. ثم الطلقةُ الثانية والثالثة لحقتا وهي في حالة الرجعة، ووقوع الطلاق على الرجعية هل يقتضي عدة (١) مستأنفة؟ هذا مما قدمنا اختلاف القول فيه، وأحلنا استقصاءه على كتاب العدة، فلا معنى للخوض فيه. وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت حائلاً. ٨٩٤٣ - فأما إذا كانت حاملاً، فلا يخلو: إما إن كانت ترى الدم، أو كانت لا ترى الدم: إن كانت لا ترى الدم: [وقد] (٢) قال الزوج: أنت طالق ثلاثاً في كل قرء طلقة، فتلحقها طلقة في حالة الحمل لا محالة، وهذا مما يجب التثبت فيه. وقد ذكرنا أن القرء عبارة عن حال احتباس الدم بين حيضتين، والحامل تكون كذلك؛ فإن الحيضة تحتبس في زمان الحمل، وحكم الحامل كحكم الحائل في طهر يتطاول زمانه، ثم إذا وضعت الحملَ، انقضت العدة، وبانت، فإذا طهرت من النفاس، لم يلحقها الطلاق الثاني؛ لأنها بائنة؛ فإن نكحها في مدة النفاس، ثم طهرت [من] (٣) النفاس في النكاح الثاني، فيعود اختلاف القول جديداً وقديماً في عَوْد الحِنْث. ولا معنى لتكرير الصورة بعد وضوح المقصود. ولو راجعها في زمان الحمل قبل الوضع، فإذا طهرت من النفاس، لحقها طلقة أخرى؛ فإن النكاح لم يتعدد، وإذا لحقها هذه الطلقة، استأنفت العدة قولاً واحداً؛ لأن انقضاء العدة يتعلق بوضع الحمل، وهو إن ارتجعها قبل الوضع، فقد مضى بعد الرجعة ما يتعلق به انقضاء العدة لولا الرجعة، فلا وجه لتخيّل بناء القرء على وضع الحمل، وهذا موضع رمزٍ وعقد جُمل في العِدد، واستقصاءُ الكلام فيها محالٌ على كتاب العدة.

стр. 7072

٨٩٤٤ - وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت الحامل لا ترى دماً، فأما إذا كانت ترى دماً [على] (١) ترتيب الأدوار ونظمها، فقد اختلف قول الشافعي في أن دم (٢) الحامل على الترتيب المنتظم هل يكون حيضاًً أم لا؟ فإن قلنا: إنه دم فسادٍ، فلا حكم له، وهو كما لو قال: لو لم (٣) تَرَ دماً، وقد تقدم التفصيل. فإن حكمنا بأن ما تراه دمُ حيض فإذا كان قال: "أنت طالق ثلاثاً في كل قرء طلقة"، وكانت الحامل في حالة الحيض، لم يقع الطلاق؛ لأن القرء عبارة عن طهر محصور بين حيضتين، وهذه الحامل لها حيض وطهر. وإن قال لها ذلك وهي في زمان الطهر، فيقع لتحقق اسم القرء، وهل يتكرر الطلقات الثلاث بتكرر الأقراء عليها وهي حامل؟ فعلى وجهين: أقيسهما (٤) - أنه يتكرر؛ لأنا إذا أثبتنا الحيض والطهر، وحققنا اسم القرء، فيجب على موجب ذلك أن يتكرر الطلاق بتكرر الأقراء. الوجه الثاني - أنه لا يتكرر؛ لأن الطلاق إنما يتكرر إذا كان الطهر محتوشاً بدمين دالّين على براءة الرحم، [وهذا] (٥) المعنى لا يتحقق في هذه الأطهار، وأما الطلقة الأولى، [فإنا] (٦) حكمنا بوقوعها كما نحكم بوقوع الطلاق إذا كانت لا ترى دماً، ولكنا توقفنا في وقوع الطلاق، ولم نوقعه وهي حائض. ثم قال الأصحاب: من حيث إنه يوجد طهر محتوش بدمين يختص وقوع الطلاق به، ومن حيث إن الدمين لا يدلاّن على براءة الرحم قلنا: لا يتكرر وقوع الطلاق بتكرره، وهذا وإن كان ظاهراً في الحكاية (٧)، فالقياس ما تقدم؛ فإن الطلاق إنما يتحقق بتحقق الاسم، واسم الأقراء يتكرر، والزوج لم يعلّق الطلاق بأقراء دالة على

стр. 7073

براءة الرحم، فلا معنى لاعتبار البراءة في هذا المقام. وكل ما ذكرناه إذا قال لامرأته وهي من ذوات الأقراء: أنت طالق ثلاثاً في كل قرء طلقة. ٨٩٤٥ - فإذا قال لامرأته- ولم تحض قط: أنت طالق ثلاثاً في كل قرءٍ واحدة، فالذي عليه الأصحاب أنا لا نحكم بوقوع الطلاق في الحال، ولكن إذا حاضت هل نتبين أن الطلاق وقع عليها باللفظ السابق؟ فعلى وجهين مبنيين على أنها إذا رأت الدم في خلال العدة بالشهور، فهل نحتسب ما مضى قرءاً؟ فيه قولان (١) مبنيان على أن القرء عبارة عن ماذا؟ وفيه قولان: أحدهما - أنه عبارة عن طهرٍ يحتوشه دمان، فعلى هذا لا نحتسب ما مضى لها قرءاً؛ لأنه لم يكن بين دمين. والقول الثاني - أن القرء عبارة عن الانقلاب من الطهر إلى الحيض [أو من الحيض إلى الطهر] (٢)، فعلى هذا نحسب ما مضى لها قرءاً من العدة، ونحكم بوقوع (٣) الطلاق تبيّناً. وإذا قال للآيسة القاعدة (٤) عن الحيض: أنت طالق ثلاثاً في كل قرء طلقة، فإن عاودها الدم بعد ذلك، فلا خلاف في وقوع الطلاق، وإن استمرت على التقاعد واليأس، فهل يلحقها الطلاق أم لا؟ فعلى وجهين ذكرهما القاضي: أحدهما - أنه يلحقها الطلاق؛ لأنها انتقلت من الحيض إلى هذه الحالة. والثاني - أن الطلاق لا يلحقها؛ فإن القرء طهر بين دمين، وهذا نقاء تقدمه دمٌ، ولم يستأخر عنه دم، والقرء بمعنى الطهر (٥) محمول على قول القائل: قرأت الماء في الحوض، والطعام في الشدق، وهذا إنما يتحقق إذا كان يجتمع في زمان النقاء دمٌ في الرحم، ثم يزجيه الرحم. هذا تصرف الأصحاب في تعليق الطلقات بالأقراء.

стр. 7074

٨٩٤٦ - وذكر صاحب التقريب وجهاً غريباً أن الرجل إذا قال لزوجته الصغيرة: أنت طالق ثلاثاً في كل قرء طلقة: أن الأقراء في حقها هي الأشهر، فتلحقها ثلاث طلقات في ثلاثة أشهر؛ فإن الأشهر في حقها مُقامة مقام الأطهار المحتوشة بالدماء. وهذا ضعيف جداً؛ لأنه مائل عن مأخذ الباب، والتعليقاتُ تؤخذ من قضية اللسان، وقد يُلتفت فيها على العادات، فأما النظر إلى تنزيلات الشرع أشياء مقام أشياء، فليس [من] (١) حكم هذا الكتاب (٢) وموجبه أصلاً. ولا شك أن العرب لا تسمِّي الأشهر أقراء أصلاً، لا في الصغيرة، ولا في حق الآيسة، فليكن التعويل على موجب اللفظ. فهذا إذاً وجهٌ غير معتد به. وقد انتهى تفصيل القول في [تعليق أعداد الطلاق] (٣) على الأقراء. ٨٩٤٧ - [ونحن الآن نستفتح] (٤) مسألة متصلة بهذا النوع، ونبتدىء بسببها القولَ في التديين (٥)، فنقول: إذا قال الرجل: أنت طالق ثلاثاً للسُّنة [ونوى تفريقها على ثلاثة أقراء، فقد ذكرنا أن السُّنة والبدعة لا تتعلقان بالجمع والتفريق، فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً للسّنة] (٦)، وزعم أنه أراد تفريقها، لم يقبل ذلك منه في ظاهر الحكم، وإن علم الله تعالى منه الصدق فيما ادّعاه، فلا تقع [الطلقات] (٧) الثلاث معاً بَيْنه

стр. 7075

وبين الله تعالى، وعبّر الفقهاء عن هذا فقالوا: لا يُقبل منه في الظاهر، ولكن يُدَيّن بينه وبين الله. ٨٩٤٨ - ونحن نذكر الآن قاعدة التديين، ونستعين بالله تعالى، فنقول: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق، فالذي جاء به لفظ صريح، فلو قصد به الطلاق أو أطلقه ولم يقصد به شيئاً، ولم يَهْذِ بلفظه، ولم يحكه، وقع الطلاق ظاهراً وباطناً. ولو نوى بقوله طالقٌ التطليق عن وثاق، أو حل أسير وحَجْر، فإذا أبدى هذا، لم يقبل منه في ظاهر الحكم، ولكن إذا لم يثبت لفظه في مجلس القضاء، وكان صادقاً بينه وبين الله تعالى، لم يقع الطلاق في حكم الله وعلمه. ولو قال: أنت طالق وأضمر (١) ألا يقع، وأجرى على ضميره: أنت طالق طلاقاً لا يقع عليك، فهذا يقع ظاهراً وباطناًً. ٨٩٤٩ - وطريق الضبط في هذا الطرف أنه إذا ذكر لفظاً صريحاً، وزعم أنه أضمر [معنىً] (٢) محتملاً، وفي صيغة اللفظ احتماله، فلا سبيل إلى مخالفة الصريح في ظاهر الحكم، ولكن إن صدق وفي اللفظ احتمال، فلا يقع الطلاق بينه وبين الله تعالى، وسنقرر ذلك عند ذكرنا الصرائح وأحكامها، إن شاء الله تعالى. ولو أضمر مع صريح الطلاق شيئاً [لا ينبىء] (٣) اللفظ عنه في صيغته ووضْعِه، ولو جرى (٤) ذكرُ المعنى الجاري في الضمير متصلاً بالكلام الظاهر، لما كان الكلام منتظماً، ويُعدّ ما جاء به متهافتاً، لا يجرّد العاقلُ القصدَ إلى نظم مثله، فهذا مردود ولا حكم له. ومثال هذا القسم ما لو قال: أنت طالق، ونوى طلاقاً لا يقع، فهذا لو صرح به، لكان لغواً مُطَّرحاً، لا مبالاة بمثله، والطلاق واقع، فقد خرج الضمير عن صيغة

стр. 7076

اللفظ، وعن معنىً ينتظم مع اللفظ لو فرض وَصْلُه [به] (١) فلا طريق (٢) إلا الإلغاء ظاهراً وباطناً. ولو أضمر ما لا يُشعر اللفظ به في صيغته، ولكن لو وُصل بالكلام وأظهر، لكان ينتظم الكلام معه، وذلك مثل أن يقول: أنت طالق، ثم يقول: نويت وأضمرت إن دخلتِ الدار، وأضمرت إلى شهرٍ، أو ما جرى هذا المجرى من تأقيتٍ أو تعليقٍ، فإذا أضمر شيئاً مما ذكرناه، وذكرنا ضبطه، فلا شك [أنا لا نقبل] (٣) منه في الظاهر ما زعم أنه أضمره، ولكن هل يُديّن بينه وبين الله تعالى؟ فعلى وجهين: أقيسهما أنه لا يديّن؛ فإن التديين يجري إذا كان ما يضمره [لائقاً] (٤) بمعاني اللفظ [على بُعدٍ] (٥)، فأما إذا لم يكن اللفظ مشعراً به على قرب ولا بعد، فالإضمار فيه نيّةٌ مجردة، ولا تعلق لها بلفظٍ، والنية المجردة (٦) لا أثر لها عند الشافعي؛ ولهذا نقول: إذا أجرى معنى الطلاق [جزماً على قلبه، لم يقع الطلاق] (٧) ظاهراً وباطناًً، وخالف مالك (٨) في هذا. والوجه الثاني - وهو ظاهر قول الأصحاب أنه إذا علَّق بضميره، تعلّق بينه وبين الله، والتحق بقواعد التديين. ٨٩٥٠ - وعلى هذا الخلاف يُخرّج ما إذا قال: أنت طالق، ثم زعم أنه أضمر (إن

стр. 7077

شاء الله تعالى) وقد نص الشافعي في عيون (١) المسائل: أنه [لو] (٢) قال لامرأته: إن كلمت زيداً، فأنت طالق، ثم قال: أردت بذلك إن كلمتِه شهراً، [فالحكم] (٣) بعد انقضاء الشهر يرتفع، فلو كلّمتْه (٤) بعد الشهر، لم يقع الطلاق باطناًً. وللفقيه في هذا أدنى نظر؛ فإن قول القائل: إن كلمتِ زيداً يتعلق بالأزمان على العموم، وحملُ اللفظ الصالح للعموم على الخصوص من تأويل اللفظ على بعض مقتضياته، وانتهى الأمر في تردد الألفاظ بين العموم والخصوص [إلى] (٥) نفي طائفة من العلماء [صيغةً] (٦) مجردة ظاهرةً في العموم، وهذا لاعتقادهم تردّدَ الألفاظ في هذين المعنيين. وليس هذا كما لو قال: أنت طالق، وزعم أنه أضمر: إن دخلت الدار، فإن هذه الصيغة وما في معناها لا التفات للفظ عليها بوجهٍ من الوجوه. [فما] (٧) نقل عن الشافعي ملحق بقوله: أنت طالق مع دعواه أنه نوى الطلاق عن الوثاق. فهذا تصرّف الأصحاب في أصول التديين. ويلتحق بالأصل الذي مهدناه ما لو قال: أنت طالق ثلاثاًً وزعم أنه أراد التفريق على الأقراء، فهذا لا يُقبل ظاهراً، وهل يُدَيَّن؟ يلتحق هذا بما لو زعم أنه أضمر تأقيتاً أو تعليقاً؛ فإنه ليس في قوله: أنت طالق ثلاثاً ما يشعر بما ذَكر. ولكن لو ذكره، لانتظم الكلام معه.

стр. 7078

وإن قال: أنت طالق ثلاثاًً للسُنة، ثم زعم أنه نوى التفريق على الأقراء، فالظاهر [إلحاق] (١) هذا بما لو أضمر تأقيتاً أو تعليقاً، كما ذكرناه، ولا يتغيّر الحكم بتقييد الثلاث بالسُّنة، فإن هذا اللفظ في إشعار اللغة لا يقتضي تفريقاً، وإذا رددنا لفظ السنة إلى موجب الشريعة، فقد قدمنا من مذهب الشافعي أن السُّنة والبدعة لا تعلق لهما بالجمع والتفريق. فهذا بيان الحكم في هذه المسألة وتنزيلها على مرتبتها في التديين. ٨٩٥١ - [وللألفاظ في الطلاق] (٢) مسالك كنت أوثر جمعها، فبدا لي أن أؤخرها حتى يحصل الإلف بمجاري الكلام في الألفاظ. ومعظم مسائل هذا الكتاب مُدارةٌ على مقتضى الألفاظ، وهي معتبر الكتب المتعلّقة بقضايا الألفاظ، فالوجه أن نُجري في كل فصل ما يليق به، ثم نختتم الكلام بضوابط [تُنزَّل الألفاظ] (٣) على مراتبها، ونبيّن مقاصد الشرع فيها، إن شاء الله تعالى. فصل قال: "ولو قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاًً بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة ... إلى آخره" (٤). ٨٩٥٢ - إذا قال لامرأته المتعرضة للسُّنة والبدعة: أنت طالق ثلاثاًً بعضهن للسُّنة وبعضهن للبدعة، راجعناه فإن أراد تنجيز طلقة واحدة في الحال توافق السُّنة (٥) أو البدعة وتأخير اثنتين إلى الحالة الثانية، فيقع على هذا الترتيب، فإن تفسيره البعض [بواحدة] (٦) في الحال ليس بعيداً عن مقتضى الظاهر.

стр. 7079

[وإن] (١) أراد فيما زعم تعجيل طلقتين على حسب موافقة الوقت في السُّنة والبدعة وتأخير طلقة إلى ارتقاب الحالة الأخرى، فهذا ممكن محتمل، وتفسيره فيه مقبول ظاهراً، وذلك أن البعض لا يختص في حكم اللسان، ولا في موجب العرف بمبلغ، وهو لفظ مبهم يتناول الواحد والزائد على الواحد، فإذا فسره كان بمثابة من يفسر مجملاً، فيحمله على بعض جهات الاحتمال، فلم يمتنع قبول حمل (٢) البعض على الواحدة و [على] (٣) الثنتين. وإن زعم أنه أراد بالبعض نصف الثلاث وقعت ثنتان في الحال، لأن نصف الثلاثة واحدة ونصف، وكأنه نجّز طلقة ونصفاً، ولو فعل ذلك، لوقعت طلقتان، وهذا بيّن في جهات الاحتمال. ولو طلق وزعم أنه ما نوى شيئاً، ولكن أجرى هذا اللفظ، فالذي نقله المزني عن الشافعي أنه يقع في الحال ثنتان، ثم قال من تلقاء نفسه: "أشبه بمذهبه عندي أن قوله بعضهن يحتمل واحدةً، فلا يقع غيرها" (٤)، فأوضح من قياس الشافعي أنه لا يقع عند الإطلاق إلا واحدة، وأورد هذا على صيغة التصرف على مذهب الشافعي وقياسه، ولم يورده مختاراً لنفسه، وأنا أوثر أن ننظر في كل كلام له إلى ما أشرنا إليه، فإنْ تصرف على المذهب وأجرى قياسه، فهو تخريج على مذهب الشافعي وتخريجه أولى بالقبول من تخريج غيره، وإن لم يتصرف على قياس المذهب، واستحدث من تلقاء نفسه أصلاً، فيعدّ ذلك مذهبَه، ولا يلحق بمتن المذهب، فليكن ما قاله في هذه المسألة تخريجاً، والمنصوص وقوع طلقتين، ومذهب المزني وتخريجه على مذهب الشافعي أنه لا يقع إلا طلقة. ٨٩٥٣ - التوجيه: وجه النص أن الثلاث موزعة على بَعْضَين مضافة إليهما،

стр. 7080

فاقتضى إطلاق الإضافة التقسيط، على التنصيف (١) وموجب هذا إثبات طلقةٍ ونصف على حسب الحالة الناجزة، والطلقة والنصف طلقتان، فينتجز طلقتان، ويتأخر طلقة. وهذا القائل يوجّه النص بمسألة: وهي أن صاحب اليد في الدار لو قال: بعضها لفلان وبعضها لفلان، فمقتضى هذا اللفظ الاعتراف لكل واحد منهما بشطر الدار. وأما وجه مذهب المزني، فهو أن البعض لفظ مجمل، كما قدمنا تقريره؛ فإن ذكر صاحب اللفظ تفسيراً، قبلناه وإن أطلقه، تردد بين القليل والكثير، فوجب تنزيله على الأقل؛ فإنا لا نوقع من الطلاق إلا المستيقن، وما تقدم ذكره من التسوية خيال لا يقع [بمثله] (٢) الطلاق. فإذا نصرنا مذهب المزني وعددناه قولاً مخرجاً، لم نسلم مسألة الإقرار بالدار. ومن عجيب الأمر أن الأصحاب نقلوا مسألة الدار (٣) [نقل] (٤) من يرى أن الدار مشطرة بموجب اللفظ، حتى [لا يراجَع فيها] (٥) المقِر. وهذا خارج عن الضبط، فالوجه القطع بأنا إذا فرعنا على تخريج مذهب المزني، فما ذكره المقر لفظٌ مبهم لا استقلال له، ولا بد فيه من مراجعة المقِر، وإن عسرت مراجعته، كان إقراراً مبهما لا يُطَّلَع على معناه ومقدارِ المقَرّ به. ونظائر ذلك كثير في الأقارير. وإذا فرعنا على النص، فيجب القطع بالرجوع إلى قول المقر، كما ذكرناه في الطلاق، فإن عسر الرجوع عليه، فقد يجوز حمل اللفظ على التنصيف والتشطير. وهذا كلام ملتبس، ولا وجه في مسألة الإقرار إلا الرجوع إلى قول المقر، وكل ما كان مُجملاً يُرجع فيه إلى تفسير مُطلِقه، فإذا عسر درْك تفسيره، استحال أن يُتََلَقَّى

стр. 7081

من اللفظ ما يُلحقه بالظواهر، [ويخرجه عن المجملات] (١)، فإن مخالفة الظاهر غيرُ مقبولة في المعاملات، وإن عُدّ التفسير بياناً للمجمل، وجب القضاء بالإجمال عند عدم التفسير. ٨٩٥٤ - وقد يخطر [في] (٢) ذلك للفطن شيء، وهو أن المعظم لا يسمى بعضَ الشيء، واسم البعض ينطلق على النصف فما دونه، وإذا تقابل البعضان، أشعر ذلك بأن كل بعض ليس المعظم، فيجب القضاء بتنزيل البعضين على الشطرين. [وهذا الآن يُظهر] (٣) استفادة التنصيف من اللفظ، ومساق هذا يقتضي ألا يقبل منه حمل البعض على الطلقة الواحدة، وقد ذكرنا أنه لو حمل البعض على طلقة منجزة وطلقتين مؤخرتين، قُبل ذلك منه، وهذا يلتحق بفن من الفنون في الطلاق، وهو أنا قد نحمل لفظاً في الإطلاق على محمل، فإذا قال صاحب اللفظ أردت غيره يُقبل منه ذلك ظاهراً، [وهذا] (٤) فوق درجة التديين، وسيأتي نظائر لهذا، إن شاء الله تعالى. فإذاً المطلق محمول على التنصيف لما ذكرناه، وإذا حمل البعض على الواحدة، ففي قبول ذلك منه احتمال. وقد ذكر صاحب التقريب أوالعراقيون، (٥) فيه وجهين: أحدهما - أنه يقبل، وهو الصحيح، إذ لفظ البعض يحتمل الواحدة احتمالاً بيناً. والثاني -وهذا اختيار ابن أبي هريرة- أنه لا يقبل؛ فإن مقتضى اللفظ ينجز الطلقتين على النص، وإذا لاح هذا، انتظم منه أن مقتضى النص أن اللفظ ظاهر في التنصيف مستقلٌّ بإفادته وفي (٦) حمله على خلافه احتمال ظاهر النص، وهل يقبل

стр. 7082

الحمل على خلاف الظاهر؟ فعلى ما ذكرناه من الوجهين، ومقتضى مذهب (١) المزني أن اللفظ مجمل لا ظاهر له، وموجب هذا قبول تفسيره، فإن عدمنا [التفسير] (٢)، نزلناه على الأقل. ولو قال صاحب المقالة: أردت تعجيلَ بعضٍ من كل طلقة في الحال، فهذا مقبول وينتجز الطلقات الثلاث؛ فإن أبعاض الطلاق مكمّلةٌ على ما سيأتي شرح ذلك، على ترتيب مسائل الكتاب، إن شاء الله . فصل قال: "ولو قال: أنت طالق أعدل أو أحسن ... إلى آخره" (٣). ٨٩٥٥ - إذا قال لامرأته: أنت طالق أعدل الطلاق، أو أكمل، أو أحسن، أو أفضل، أو أجمل الطلاق، فإنْ أجمل هذه الألفاظ، انصرفت إلى ما ينصرف إليه لفظ السُّنة، فكأنه قال لها: أنت طالق للسنة، فإن كانت حالها موافقة للسنة، تنجزت الطلقة، وإلا انتظرنا حالة السنة. وما ذكرناه فيه إذا كانت المرأة بصدد السنة والبدعة؛ فإن أراد بهذه الألفاظ السُّنة، فقد طابق قصدُه ظاهرَ ألفاظه. وإن قال: عنيت بما أطلقته من هذه الألفاظ تنجيز الطلاق في الحال، فرأيت أحسن أنواع الطلاق أعجلَها، فيتعجل الطلاق؛ فإن ما ذكره محتمل، ومهما ذكر احتمالاً مقتضاه (٤) إيقاع الطلاق، فهو مقبول، وإن كنا قد لا نقبل في نفي الطلاق مثل ذلك المعنى ظاهراً، وإنما نحيل قوله على التديين. فإن (٥) قال: أردت بما أطلقت من الألفاظ تأخير الطلاق، وإن كان في زمن

стр. 7083

السّنة؛ فإني رأيت المَهَل أجملَ من مفاجأة الطلاق، فهذا لا يقبل، إذا كان حالها موافقاً للسُّنة؛ والسبب فيه أنه يبغي نفيَ الطلاق في الحال، ثم ليس لمنتهى وقوع الطلاق ضبط لفظي ولا شرعي، فإنه إن أراد التأخير من حال السُّنة إلى حال البدعة، فهذا يخالف الشرع، والألفاظَ الشرعية، وإن أراد التأخير إلى طهرٍ آخر، فلا ضبط له، فليس انتظار طهر ثانٍ أولى من انتظار طهر ثالث، والمرأة في الحال في طهر لم يجر فيه جماع، فخرج من مجموع ما ذكرناه أن هذه الألفاظ عند إطلاقها محمولة على السنة، حتى إذا كانت [المرأة] (١) في حالة بدعةٍ، تأخر الطلاق إلى وقت السنة، وإن نوى تعجيلاً على خلاف السنة، فقوله عليه مقبول. وإن كانت في حال السنة، ونوى تأخيراً عن احتمالٍ يُبديه، فذلك غير مقبول منه ظاهراً. ولا شك أنه يُديّن على ما مهدنا أصل التديين. ٨٩٥٦ - ولو قال لامرأته: أنت طالق أقبح الطلاق وأسمجه وأوحشه، أو أفضحه أو أفظعه؛ فإن أطلق هذه الألفاظ، ولم ينو بها شيئاً، فهو كما قال: أنت طالق للبدعة، ولا يخفى حكم هذه اللفظة، فإن كانت في زمان بدعة، تنجز الطلاق. وإن كانت في زمان سُنة، تأخر وقوع الطلاق إلى مصيرها إلى حالة البدعة. ولو كانت في حالة سُنّة، فقال: أردت بأقبح الطلاق أعجله، قُبل ذلك منه وانتجز الطلاق، وإن كان في حالة بدعةٍ، فقال: [أردت بالأقبح ما يتأخر] (٢) ويُنتظر، لم يقبل ذلك منه؛ لأنه لا ضبط ولا توقف ينتهي إليه، كما ذكرناه في الأحسن واكمل. والذي يختلج في الصدر من هذه المسألة أنه إذا قال: أنت طالق [للسنة، وكان وقت السنة منتظراً، فالكلام محمول على التأقيت، وكذلك القول فيه إذا قال: أنت طالق للبدعة] (٣). فأما إذا قال: أنت طالق أجمل الطلاق [أو] (٤) أقبح الطلاق، فهذا في ظاهره

стр. 7084

تنجيزٌ مع وصفٍ، وليس في صيغة اللفظ ما يقتضي تعليقاً، أو تأقيتاً. ولو قال قائل: مُطلَقُ هذا اللفظ التنجيز، ثم ينظر في مُفسده على التفاصيل المقدمة، لكان هذا كلاماً جارياً على صيغ الألفاظ ومعناها. وليس ما ذكرناه مذهباً لذي مذهب؛ فإن الأصحاب مجمعون في الطرق على أن الأحسن وما في معناه مطلقُه محمول على ما يحمل عليه قول القائل: أنت طالق للسُّنة، والأقبح محمول عند الإطلاق على ما يحمل عليه قول القائل: أنت طالق للبدعة فهذا بيان الفصل نقلاً واحتمالاً. ٨٩٥٧ - ثم ذكر الشافعي أنه لو قال: أنت طالق طلقةً حسنة، [كان] (١) كما لو قال: أنت طالق للسنة، وكذلك ما في معنى هذا اللفظ. وإذا قال: أنت طالق طلقة قبيحة، فهو كما لو قال: أنت طالق للبدعة. ومنتهى التقريب (٢) في هذا الفصل أن الأحسن صفةُ مدح، وهذا مفهوم من هذا اللفظ، فلا محمل له أولى من [السُّني، والأقبح صفة ذم، فلا محمل له أولى من] (٣) المحظور المحرّم. ولو قال: أنت طالق طلقة حسنةً قبيحةً، فقد جمع بين النقيضين، وتنتفي الصفتان لتناقضهما، ويبقى الطلاق المطلق، وهو محمول على التنجيز، وكذلك لو قال: أنت طالق طلقة لا سُنيّة ولا بدعية، وكانت متعرضة لهما جميعاً، فتتعارض الصفتان وتسقطان في النفي، كما سقطتا في الإثبات، ويبقى الطلاق المطلق. ولو قال للتي لا تتعرض للسنة والبدعة: أنت طالق للسنة والبدعة، فالصفة ساقطة والطلاق مُطلق، وحكم الانتجاز كما ذكرناه.

стр. 7085

٨٩٥٨ - ثم قال الشافعي: "لو قال: أنت طالق إذا قدم فلان للسُّنة ... إلى آخره" (١). إذا قال لامرأته: إذا قدم فلان، فأنت طالق للسُّنة، فالقول الوجيز في هذا الفصل أنا ننظر إلى قدوم فلان، وإلى حالة المرأة عند قدومه، ونقول: كأنه قال لها عند قدومه: أنت طالق للسنة، ثم لا يخفى حكم ذلك. وكذلك لو قال: إذا قدم فلان، فأنت طالق للبدعة، فهو كما لو قال: عند قدومه أنت طالق للبدعة. ومما يتعلق بهذا الفصل أنه لو قال هذا القول والمرأة حالة قوله لم تكن من أهل السنة، ولا من أهل البدعة، ثم صارت من أهلها، فقدم زيد، فالحكم بحالها عند قدوم زيد، ولو كانت من أهل السنة والبدعة، ثم خرجت عن أن تكون من أهل السنة والبدعة باليأس والتقاعد، فالاعتبار بحالها عند قدوم زيد. وكل ما ذكرناه يندرج تحت قولنا: نجعل ما ذكره بمثابة ما لو قال لامرأته عند قدوم زيد: أنت طالق للسنة أو البدعة. ومما يتعلق بهذا الفصل أن الرجل إذا قال لامرأته: إذا قدم فلان، فأنت طالق للبدعة، فهذا التعليق في نفسه بدعة؛ لأن الطلاق لا يقع به إلا موجب البدعة، وإذا قال: إذا قدم فلان، فأنت طالق للسنة، فتعليقه هذا ليس محظوراً، ولو قال لامرأته: إذا قدم زيد، فأنت طالق، ولم يتعرض لوصف الطلاق عند القدوم بالسُّنّة والبدعة، فإذا قدم زيد، طلّقت، وإذا (٢) كان في زمان بدعة، وقع الطلاق [بدعيّاً، وإن كانت في زمان سنة، وقع الطلاق] (٣) سنياً. هذا قولنا في صفة الطلاق الواقع. ٨٩٥٩ - فأما التعليق نفسه، فليس فيه تعرض لسنة وبدعة، وإنما هو تعليق طلاق بصفة، فظاهر كلام الشافعي على أن التعليق لا يتصف بالبدعة؛ فإن الأمر متردد، ولم

стр. 7086

يقصد المعلّق اعتماد إيقاع الطلاق في وقت البدعة. وحكى من يوثق به من أصحاب القفال أنه كان يقول: التعليق [على] (١) الإطلاق بدعة، إذا كان لا يمتنع وقوع الطلاق في وقت البدعة؛ لأنه متردد بين أن يقع الطلاق بدعيّاً، وبين أن يقع سنياً وغيرَ بدعي، والتردد بين المعصية وغيرها في نفسه معصية. وهذا الذي ذكره القفال وإن كان معتضداً بمسلك من المعنى [فهو] (٢) بعيد من وجهين: أحدهما - أنه في حكم الهجوم على ما اتفق عليه الأولون؛ فإن تعليق الطلاق على الصفات [لم] (٣) يحظره أحد، والآخر - أن تحريم الطلاق بسبب تطويل العدة أو بسبب ندامة الولد ليس جارياً على قياس جلي؛ فإنما التعويل الأظهر فيه التعبّد، فلا ينتهي الأمر إلى مصير التعليق بدعيّاً لجواز إفضائه إليه، إذا لم يوجد من المطلّق تجريد قصد إلى مصادفة البدعة. فصل قال: "ولو قال: إن لم تكوني حاملاً، فأنت طالق ... إلى آخره" (٤). ٨٩٦٠ - مضمون هذا الفصل الكلامُ في مسألتين: إحداهما - أن يقول الرجل لامرأته: إن كنت حاملاً، فأنت طالق، والأخرى أن يقول لها: إن كنت حائلاً، فأنت طالق، فنبدأ بما إذا قال لامرأته: إن كنت حاملاً، فأنت طالق، فالطلاق معلق بوجود الحمل في بطنها حالة التعليق، فلا نحكم بوقوع الطلاق في الحال للشك القائم والتردد، والأصل بقاء النكاح، ولكن إن أتت بولد لستة أشهر (٥)، فقد استيقنّا وجود الحمل حالة التعليق، فنقضي بوقوع الطلاق تبيّناً، واستناداً (٦)، ثم تقضي العدة بوضع

стр. 7087

الحمل، ولو أتت بولد لأكثر من أربع سنين، فكما (١) مضت أربع سنين تبيّنا حيالها (٢) حالة التعليق، فلا يقع الطلاق. وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر، وأقلَّ من أربع سنين، فإن لم (٣) يطأها بعد عقد اليمين، وقع الطلاق، لأنا وإن كنا نجوّز أن يكون علوقها بعد العقد، فالأمر محمول على أن العلوق من الزوج والوطء [المتقدّم] (٤) على اليمين، وإذا كان كذلك، فيقدر الحمل موجوداً حالة التعليق، ونقضي بوقوع الطلاق. وذكر الأئمة قولاً آخر: أن الطلاق لا يقع، لجواز أن يكون العلوق بعد اليمين، والأصل بقاء النكاح، وهذا القائل يقول: لا نحكم بوقوع الطلاق ما لم [نتيقن] (٥) وجود الحمل حالة اليمين. وإذا كان (٦) الزوج يطؤها بعد اليمين، وأمكن إحالة العلوق على الوطء المتجدد بعد اليمين، فلا خلاف أنا لا نحكم بوقوع الطلاق، ولو وطئها بعد اليمين فأتت بولد لأقل من ستة أشهر من ذلك الوطء الجاري بعد اليمين، فلا أثر لذلك الوطء، فإن إمكان العلوق لا يسند إليه (٧). فتحصل من مجموع ما ذكرناه أنه إذا جرى بعد اليمين وطء يمكن إحالة العلوق

стр. 7088

عليه (١)، لم يقع الطلاق، وإن استيقنا وجود الولد حالة التعليق، بأن أتت به لدون ستة أشهر، حكمنا بوقوع الطلاق، وإن لم يجر وطء بعد اليمين، أو جرى وطء لا يمكن إحالة العلوق عليه، ولكن كان يمكن إحالة العلوق على وطء من غير الزوج، فالشرع في إلحاق النسب يقدر استناد العلوق إلى الوطء المتقدم على اليمين (٢) غير أن سبيل الاحتمال غير منحسم بأن يفرض العلوق بعد اليمين من غير الزوج، فظاهر المذهب الحكم بوقوع الطلاق. وفي المسألة قول آخر [أنّا لا] (٣) نحكم بالوقوع للتردد الثابت والأصل بقاء النكاح. ٨٩٦١ - ثم إذا قال لها: إن كنت حاملاً، فأنت طالق، فإلى أن نتبين (٤) من العواقب ما ذكرناه، هل يحل للزوج وطؤها أم كيف الطريق؟ قال الأصحاب: لا يطؤها حتى يستبرئها، فإنه ذكر لفظة الطلاق، ووقوعه غير بعيد، وأمر الأبضاع على التشديد. ونقل العراقيون قولاً [آخر] (٥) أن الوطء لا يحرم، بل يكره، فحصل قولان في تحريم الوطء: أحدهما - أنه محرم، لما قدمناه. والثاني - أنه مكروه غير محظور، لأنا لم نستبن وقوعَ المحرم، ثم إذا حرمنا الوطء، وقلنا: يستبرئها، فلا يطؤها حتى تنقضي مدّة الاستبراء. وبكم يستبرئها؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون، والقول في حرةٍ خوطبت بما ذكرناه. فأحد الوجهين أنه يستبرئها [بثلاثة أقراء؛ فإن الاستبراء في حق الحرة لا ينقص عن ذلك. والثاني أنه يستبرئها] (٦) بقرء واحد، كما تستبرأ الأمة المملوكة؛ لأن هذا ليس بعدّة، واعتبار العَدد في الأقراء يتعلق بالعِدد، وإنما الغرض بهذا الاستبراء استظهارٌ

стр. 7089

وتعلق بعلامة. ثم قالوا: إن قلنا: يستبرئها بثلاثة أقراء، فهي أطهار [على] (١) ما سيأتي في العِدد، إن شاء الله تعالى. وإن قلنا: يستبرئها بقرء واحد، فسبيله كسبيل استبراء المملوكة، ثم المذهب الصحيح أنه حيضة، وفيه وجه أنه طهر، وسيأتي ذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى. ثم إذا مضى الاستبراء على ما ذكرناه، فيحل للزوج وطؤها. ومما ذكره العراقيون أنه لو استبرأها أولاً -إما بقرء أو أقراء، وظهر عنده براءتها في ظاهر الحال- ثم قال: إن كنت حاملاً، فأنت طالق. فهل يحل وطؤها بناءً على الاستبراء المتقدم؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يحل لحصول علامة براءة الرحم، وليست في اعتداد على التحقيق؛ حتى نعتبر فيه الترتيب، ونقضي بأن العدة إنما يعتد بها إذا ترتبت على الطلاق. والوجه الثاني - أنه لا حكم للاستبراء المتقدم، كما لا حكم للعدة قبل الطلاق، والاستبراء قبل الشراء (٢). ٨٩٦٢ - ومما يتعلق بذلك [أنا] (٣) إذا أمرناه بالاستبراء، فمرّت بها صورة الأقراء، ثم أتت بولدٍ لزمانٍ يُعلم وجوده حالة اليمين، فنتبين بالأَخَرة أن الوطء صادف مطلَّقة، وأن [ما] (٤) كنا نحكم به أمرٌ ظاهر، وقد بان أن الحكم بخلافه، ثم لا يخفى تفصيل القول في المهر، وتجدّد العدة، وغيرهما من الأحكام. وإذا أمرناه بالاستبراء، فمضى شهر أو شهران وأكثر، فلم ير قرءاً وهي من أهل الأقراء؛ فإنه يجتنبها، فإن انقطاع الحيض عنها من مخايل الحمل، وهذا يؤكد التحريم، ثم الأمر يبين بوضعها الحمل وعدم وضعها، كما تقدم. ولو كانت في سن الحيض، ووقت إمكان الحيض، فقال: إن كنت حاملاً، فأنت طالق، وما كانت حاضت من قبل، فالعدة في حق مثل هذه -لو طلقت- بالأشهر؛

стр. 7090

فإذا اعتدت بالأشهر، نكحت، وجعلنا مضيّ الأشهر علامة على براءة الرحم؛ حتى يجوز لها أن تنكح، وإذ ذاك توطأ، ثم في الحكم بانقضاء العدة حكمٌ بانبتات النكاح، [فإن] (١) الرجعية زوجة ما دامت في العدة. فخرج مما ذكرناه أن الأشهر في حق هذه في مسألتنا إذا لم تكن حاضت [قبلُ] (٢) بمثابة الأقراء، فإذا مضت الأشهر، حلّ له وطؤها إلا أن تظهر بعد الأشهر علامة الحمل، فإذ ذاك يمتنع. وذاتُ الأشهر إذا رأت علامة [الحمل] (٣) بعد الاعتداد بالأشهر لم تنكح، وإذا استرابت، ففيها كلام (٤)، سيأتي في كتاب العدد، إن شاء الله تعالى. هذا تمام البيان فيه إذا قال لها: إن كنت حاملاً فأنت طالق. ٨٩٦٣ - وقد يتعلق بهذا أنه لو قال للمتقاعدة الآيسة: إن كنت حاملاً، فأنت طالق، فهل يحل له الإقدام على وطئها؟ حق هذه المسألة أن تبنى على أن الاستبراء المتقدم هل يؤثر في إباحة الوطء أم لا؟ فإن جعلناه مؤثراً وقد تحقق اليأس، فالظاهر أنه يحل له وطؤها. وإن لم نعتبر ما تقدم على عقد اليمين، فاستبراؤها بالأشهر محتملٌ. وكل ذلك كلام في مسألة واحدة من المسألتين الموعودتين. ٨٩٦٤ - فأما المسألة الثانية، وهي أن يقول لها: إن كنت حائلاً، فأنت طالق، ومعناه إن لم تكوني حاملاً، فأنت طالق، فالطلاق معلق في هذه المسألة بعدم الحمل، وكان معلقاً في المسألة الأولى بوجود الحمل، فنقول أولاً: لو أتت بولد لأقل من ستة أشهر، فلا يقع الطلاق؛ لأنا تحققنا وجود الحمل عند عقد اليمين، والطلاق معلق على عدم الولد، وإن أتت بالولد لأكثر من أربع سنين، أو لم تأت بولدٍ

стр. 7091

في أربع سنين ولا بعدها، نحكم بوقوع الطلاق، لعلمنا بأنها لم تكن حاملاً حالة عقد اليمين. وإن أتت بولد لأكثر من ستة أشهر، ولأقلَّ من أربع سنين، واحتمل أن يكون الحمل موجوداً يوم الحلف، واحتمل ألا يكون، فإن لم يطأها الزوج بعد اليمين، فالأظهر أنها حبلت بما سبق من الوطء قبل اليمين، وأنها كانت حاملاً قبل (١) اليمين، ونحكم في هذه الصورة بأن الطلاق لا يقع وجهاً واحداً؛ إذا الأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق، والظاهر استناد العلوق إلى ما تقدم، فاجتمع الظاهرُ والأصلُ في نفي الطلاق. ولو حلف كما صورنا، ثم وطىء بعد اليمين، فأتت بولد لأكثرَ من ستة أشهر من وقت اليمين، نظر: فإن أتت به لأقلّ من ستة أشهر من وقت الوطء بعد اليمين، فلا أثر لذلك الوطء؛ فإن إمكان العلوق لا يستند إليه، فوجوده في غرضنا كعدمه. وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت اليمين ومن وقت الوطء بعد اليمين، ففي وقوع الطلاق وجهان في هذه الصورة: أحدهما - يقع؛ لأن الظاهر [أنه محمول] (٢) على الوطء بعد اليمين، وأنها كانت حائلاً قبله. والوجه الثاني - أنه لا يقع؛ لجواز أن [تكون] (٣) حاملاً وقت اليمين، وأن الزوج وطئها، وهي حامل، ولا يقع الطلاق بالشك، وإنما يقع باليقين، وقد يقع بالظاهر، وليس في الوطء المتجدد ما يظهر الحيال وعدم الحبل قبله وهذا ما اختاره صاحب التقريب، وهو لعمري مختار. ٨٩٦٥ - ثم نتكلم وراء هذا في حل الوطء وتحريمه، ووجوب الاستبراء، فإذا قال: إن لم تكوني حاملاً، فأنت طالق، فلم نتبين بعدُ حِيالَها وحَملَها، فهل يحرم الإقدام على وطئها قبل أن نتبين الأمرَ؟

стр. 7092

قد ذكرنا تعليق الطلاق بالحمل قبلُ، وهذا تعليق الطلاق بعدم الحمل، وذكرنا فيه إذا علق الطلاق بالحمل قولين في تحريم الوطء، والأصل عدم الحمل، فإذا علق الطلاق بالحيال، فالتحريم أغلب هاهنا؛ من جهة أن الأصل عدم الحمل، والطلاق يقع بعدم الحمل. ٨٩٦٦ - والذي تحصّل من مسلك الأصحاب في المسألتين طريقان: أحدهما - أنه إذا قال: إن لم تكوني حاملاً، فأنت طالق، يحرم الوطء في الحال قولاً واحداً. وإذا قال: إن كنت حاملاً، فأنت طالق؟ فهل يحرم الوطء في الحال؟ فعلى قولين. والطريقة الأخرى عكس هذه، فإذا قال: إن كنت حاملاً فأنت طالق، فمن أصحابنا من قال: لا يحرم الوطء، بل نكرهه قولاً واحداً؛ فإن الأصل عدم الحمل. وإذا قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق، فهل يحرم الوطء أم يكره؟ فعلى قولين. فإذا جمع الجامع الطريقين، فحاصل القول في المسألتين ثلاثة أقوال: أحدها - التحريم فيهما. والثاني - الكراهية فيهما، مع رفع التحريم. والثالث - أن الوطء يحرم إذا كان الطلاق معلقاً بعدم الحمل، ولا يحرم إذا كان معلقاً بالحمل. ثم إذا بان الكلام في التحريم، وجرينا على أن الوطء يحرم فيه إذا قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق، فإذا انكف عنها، فمضى بها قرء أو قرءان على انتظام الأقراء، ولم يظهر بها حمل، قال صاحب التقريب والقاضي: نحكم بوقوع الطلاق وتبيّنا حِيالَها حالة [عقد] (١) اليمين، ثم تكون الأقراء بعد عقد اليمين عدتَها، فلها أن تنكح. وإذا جعلنا الاستبراء في هذه المحال بقرء واحد، حكمنا بوقوع الطلاق إذا مضى قرء، واحتسبنا هذا القرء من عدتها، وأمرناها باستقبال قرأين آخرين بَعْده، ويتم انقضاء العدة، فالذي ذكره المحققون أنا نحكم بوقوع الطلاق عند مضي ثلاثة أقراء تبيّناً وإسناداً

стр. 7093

إلى وقت اليمين. وإذا مضى قرء واحد، فهل نحكم بوقوع الطلاق؟ فعلى وجهين. ٨٩٦٧ - وفي هذا المقام وقفة على الناظر؛ فإنا إن ذكرنا تردّداً في المسألة الأولى: وهي إذا قال: "إن كنت حاملاً، فأنت طالق" - في أن وطأها هل يحل بقرء واحد، فسببه أن الأصل الحِل، ونحن نبغي علامةً على البراءة، فأما الحكم بوقوع الطلاق بقرء واحد، فبعيد، وليست النفس خالية عن التردد في الحكم بوقوع الطلاق بعد ثلاثة أقراء، فما الظن بالقرء الواحد؛ فإن الرجل إذا طلق امرأته، فأصل الطلاق البتُّ، [ولذلك] (١) حرمت الرجعية، فإن نحن أحللنا الرجعية بعد ثلاثة أقراء للأزواج، فسببه مضي علامات البراءة بعد الطلاق (٢)، وهاهنا الطلاق واقع بالعلامات عند الأصحاب. ولكن هذا الذي ذكرناه توسّع في الكلام؛ فإن الذي رأيناه للأصحاب أنه إذا مضت ثلاثة أقراء، حكمنا بوقوع الطلاق؛ فإن الأقراء علامة على براءة الرحم، وعلى هذا بنينا انقطاعَ الرجعة [وبينونةَ] (٣) الرجعية وحِلَّ نكاحها لغير المطلّق، وكان من الممكن أن نأمرها بالتربص إلى انقضاء أكثر مدة الحمل (٤)، فإذا قضى الشرع بإحلالها بناء على علامة البراءة، فيقع القضاء بوقوع الطلاق بناء على علامة البراءة، وقد عَلَّق الطلاقَ على عروّ رحمها عن الولد، إذ قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق، فإذا قامت علامة الاستبراء بقرء أو أقراء قَبْل اليمين، فهل نحكم بوقوع الطلاق كما (٥) علقه بالحيال؟ فعلى وجهين قدمنا ذكرهما. ومما يجب ترتيبه على ذلك أنه إذا قال لامرأته: إذا برىء رحمك فأنت طالق، يجب تخريج هذا على ما ذكرناه من مضي القرء والأقراء، ويجب القطع بأنه إذا مضت ثلاثة أقراء والزوج مجتنبها، فيقع الطلاق، وفي القرء الواحد الخلاف. ٨٩٦٨ - ولو قال: إن استيقنت براءة الرحم، لم نقض بوقوع الطلاق ما لم يمض

стр. 7094

أكثر مدة الحمل، ونعود إلى التنبيه مرة أخرى، ونقول: بنى الأصحاب وقوع الطلاق على حكم الشرع بأن الأقراء دالة على براءة الرحم، وذلك حكم مقتفىً، وتعبد متبع بعد وقوع الطلاق، وكنت أود لو طلبنا في تعليق الطلاق يقين الصفة؛ فإن الأيمان مبنية على معاني الألفاظ، ولا فرق بين أن يقول القائل: إن قدم زيد، فأنت طالق، [وبين أن يقول: إن استيقنت قدوم زيد، فأنت طالق] (١)، فتحقيق القدوم مطلوب، وإذا قال: إذا استيقنت حيالك، فأنت طالق، فوقوع الطلاق بثلاثة أقراء محال، فإذا قال: إن كنت حائلاً، فأنت طالق، فالحكم بوقوع الطلاق من غير استيقان الحيال بعيد عن موجب الأيمان، وقضايا الألفاظ. وقد وجدت لشيخنا (٢) ما يدل على هذا، فلذلك عدت إليه، والعلم عند الله تعالى. ٨٩٦٩ - ومما يتعلق بتمام الكلام في ذلك أنه إذا قال لها: إن كنت حائلاً، فأنت طالق، ثم مرّ بها ثلاثة أشهر، ولم تر دماً، فإن كانت من ذوات الأقراء، لم نحكم بوقوع الطلاق؛ فإنا لا نحكم بأن عدتها تنقضي بالأشهر لو كانت مطلَّقة، ولو كانت على سن الحيض ولكن لم تحض، وقد قال: إن لم تكوني حاملاً، فأنت طالق، ومضت بها ثلاثة. أشهر، فالأشهر في حق هذه عدةٌ بعد الطلاق، مسلِّطةٌ على التزويج، فإذا قال لها: إن لم تكوني حاملاً [أو كنت حائلاً] (٣)، فأنت طالق، فقياس قول الأصحاب وقوع الطلاق. وهذا على نهاية البعد؛ فإن مضي الأشهر الثلاثة أو مضي شهرٍ واحدٍِ على طريقةٍ أخرى يُفضي إلى الحكم بوقوع الطلاق، مع أن الأصل بقاء النكاح، والطلاقُ لا يقع بالشك. ثم قال الأصحاب: إذا حكمنا بوقوع الطلاق بعد مضي ثلاثة أقراء في ذوات الأقراء، فأتت بولد بعد ذلك لأقل من ستة أشهر [من وقت اليمين] (٤)، بان أن الطلاق الذي حكمنا بوقوعه لم يقع؛ فإنا استيقنا أنها حامل حالة عقد اليمين، والطلاق

стр. 7095

معلّق بالحيال. [وإذا] (١) أتت بالولد لأكثر من ستة أشهر، فإن لم يطأها بعد اليمين، قالوا نتبين أن الطلاق لم يقع أيضاً، وإن وطئها بعد اليمين وطأً يمكن إحالة العلوق عليه، ففي [نقض] (٢) ما حكمنا به من الطلاق وجهان. هذا كلام الأصحاب، وقد أتينا فيه بأكمل البيان، نقلاً وتنبيهاً على محالٌ الاحتمال. والله المستعان. فصل قال: "ولو قالت له: طلقني، فقال: كل امرأة لي طالق، طلقت امرأته التي سألته إلا أن يكون عزلها بنيته ... إلى آخره" (٣). ٨٩٧٥ - صورة المسألة أن الزوجة جاءت إلى زوجها مشاجِرةً، وهي تزعم: أنك نكحت امرأة وهو يترضّاها ويأبى، ويزعم أنه لم ينكح، وهي مصرّة في خصامها، فقال: كل امرأة لي فهي طالق، وهو يبغي تصديق نفسه، فلو استثنى باللسان السائلة المشاجرة، وقال: كل امرأة لي غيرُك فهي طالق، فلا تطلق السائلة، وطُلِّقت سائرُ زوجاته سواها، وإن لم يستثنها باللسان، ولا عزلها بالقلب، فظاهر كلام الشافعي أن الطلاق لا يقع ظاهراً، فإنه قال: طلقت امرأته التي سألته إلا أن يكون عزلها بنيته. فاختلف أصحابنا فذهب بعضهم إلى أن الطلاق يقع على السائلة؛ فإن قوله: كل امرأة لي، لفظٌ يعم السائلَة وغيرَها، فيجب إجراؤه على عمومه، فإذا زعم أنه خصصه، لم يقبل ذلك منه في الظاهر؛ فإنه خلاف الظاهر، وهذا القائل سلك مسلكين في نص الشافعي: أحدهما - أنه حمله على التديين والباطن، ولا يخفى على من أحاط بأصل التديين أنه إذا كان صادقاً في استثناء السائلة بنيته، لم يقع الطلاق عليها باطناً. هذا مسلك. وربما قال هذا القائل: النقل مختلٌّ، والخلل من المزني. وذهب بعض أصحابنا إلى أن الطلاق لا يقع على السائلة ظاهراً، والزوج مصدَّق،

стр. 7096

وإذا اتهم حلّف، وقد مال القاضي إلى هذا، واحتج عليه بأن قرينة الحال تصدقه فيما يدّعيه، والكلام يظهر بقرينة الحال ظهورَه بقيود المقال، وسنذكر في ذلك أصلاً ممهداً في الفروع، ومن صوره أن الرجل إذا حلّ القيد عن زوجته، ثم قال: أنت طالق، وزعم أنه أراد تطليقها عن قيدها، وإنشاطها عن عقالها، وقد جرى ذلك ظاهراً، [فهل] (١) يصدَّق في حمل لفظ الطلاق على حل الوثاق والحالةُ هذه؟ فعلى اختلاف [بين] (٢) الأصحاب، وهذا يجري مهما (٣) اقترن باللفظ ما يُظهر قصد (٤) التديين، وسيأتي ذلك مفصلاً، إن شاء الله . ٨٩٧١ - ثم ذكر القاضي كلاماً آخر بدعاً، فقال: "إذا قال: نسائي طوالق، وله أربع نسوة، ثم زعم أنه عزل واحدة منهن بقلبه، فهل نقبل ذلك منه في ظاهر الحكم؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يُقبل؛ لأن اللفظ العام قابل للتخصيص، وإذا وجدنا جريان ذلك في الكتاب والسنة، لم نُبعِد قبولَه ظاهراً، ويُصدَّق الزوج فيه". وهذا غريب، لم أره لغيره، ويلزم على مقتضاه أنه إذا قال: عبيدي أحرار، ثم

стр. 7097

زعم أنه لم يرد بالعبيد إلا ثلاثة منهم واستثنى الباقين، فيجب خروج تصديقه ظاهراً على هذا الخلاف، ولم يفرض هذه المسألة في قرينةِ حالٍ؛ حتى يستمر تخريجها على رفع القيد مقترناً بقوله: أنت طالق عن وثاق، ثم قال القاضي لو قال: نسائي طوالق، وزعم أنه عزل ثلاثاًً وبقّى واحدة، فلا يقبل ذلك منه؛ فإن الواحدة لا ينطلق عليها لفظ النساء، ولا توصف بالطوالق، ولم يذكر التفصيل فيه إذا زعم أنه استثنى ثنتين وأراد بالطلاق ثنتين. [ولعلّنا] (١) نذكر هذا الجنس في مسائل الاستثناء. وبالجملة قبول الخصوص مع صدور اللفظ عاماً من الزوج في هذا (٢) الحكم غلطٌ عندنا صريح، وإنما صار إلى هذا من صار؛ من ظنه أن تخصيص العموم سائغ مطلقاً، وليس كذلك؛ فمن قال: نسائي لم يحمل هذا إلا على جميعهن، ولا يجوز تقدير التخصيص في هذا المقام، ومن أحاط بمسالك كلامنا في الأصول، لم يخف عليه دَرْكُ هذا، ولا مطمع في دركه (٣) هاهنا. ثم [من] (٤) أخذ من ظاهر كلام الأصوليين أن العموم يخصص، وجب معه مطالبة المخَصِّص بالدليل، فكان يجب أن يحمل هذا على طلب قرينة مُصدِّقة. فهذا منتهى القول في الفصل. ٨٩٧٢ - وقد ضَرِي أئمةُ المذهب بحكاية شيء عن بعض المعتبرين في هذه المسألة (٥): قيل: إن رجلاً من أئمة المذهب ب (طَبَسَ) (٦) كان يستقرىء (٧) إلا أن

стр. 7098

يكون عزلها (بثُنْيته)، والثُّنية هي الاستثناء، وكان يرى أن السائلة تُطلّق إلا أن تُستثنى لفظاً. وهذا الذي ذكره كلام منعكس عليه؛ فإنه نسب الأصحاب إلى التصحيف، والتصحيف مع اعتدال الحروف قد يقع سيّما إدْا قرب المعنى، فأما الغلط في الهجاء فممّا يوبّخ به صبيان المكاتب، وقول القائل: (بثنيته) خمسة أحرف سوى الضمير، وقوله بنيّته أربعة أحرف، فلا حاصل لما [جاء] (١) به، وليس كلُّ ما يهجِس في النفس يُذكر. ٨٩٧٣ - وقد جرى في هذا الفصل ما ينتظم أصلاً، وشرطنا أن نذكر في كل فصل ما يليق به، ثم نذكر -إن شاء الله في آخر الكتاب فصلاً ضابطاً، يقع جمعاً للجوامع وربطاً للأصول اللفظية. فمما انتظم في هذه المسألة أن تخصيص العموم إذا جرى في الضمير، امتنع معه وقوع الطلاق باطناً، وهل يقبل ذلك ظاهراً إذا اقترن باللفظ قرينة كسؤال السائلة في لفظ الكتاب (٢)، ففيه التردد الذي ذكرناه للأصحاب، وإن لم تكن قرينة، فادّعى اللافظ باللفظ العام التخصيص، فقد ذكر القاضي في قبول ذلك وجهين، وأسلوب كلامه أن الطلاق صريح في حكم النص، فلا يقبل في الظاهر ما يخالفه، والعام ظاهرٌ في وضع الشرع ليس بنص، فهل يُقبل من اللافظ به تخصيصُه؟ فعلى التردد الذي ذكرناه. وإذا أطلق الزوج كناية ولم ينو شيئاً، لم يقع شيء، فالألفاظ إذاً في طريقه: نصٌّ: لا يُقبل في الظاهر ما يخالفه. [وظاهر] (٣): لو أطلق، نفذ كاللفظ العام، وإذا ادّعى مُطلِقه تخصيصَه، ففي قبوله وجهان.

стр. 7099

وكناية لا يسمَّى لفظاً ظاهراً في اقتضاء الطلاق، فلا يُعْمَلُ مطلقُه. وهذا ترتيب حسن، ولكن العموم في المقام الذي ذكره في حكم النص عند المحققين، كما نبهنا عليه. وسنعود إليه في مسائل الطلاق، إن شاء الله تعالى (١). ...

стр. 7100

باب ما يقع من الطلاق وما لا يقع (١) قال الشافعي: "ذكر الله الطلاق في كتابه بثلاثة أسماء ... إلى آخره" (٢). ٨٩٧٤ - هذا الفصل مشتمل على بيان صرائح الطلاق وكناياته، فنقول: الألفاظ التي تستعمل في الطلاق تنقسم إلى الصريح والكناية، فالصريح ما يَعْمل من غير افتقارٍ إلى النية، وهو مُنحصر في ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والفراق، والسراح، وأخذ الشافعي الصرائح من التكرر في ألفاظ الكتاب، قال الله: ﴿فَارِقُوهُنّ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال: ﴿سَرِّحُوهُنّ﴾ [البقرة: ٢٣١] وقال: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وتكرُّرُ لفظ الطلاق في الكتاب ظاهرٌ، وأشهر هذه الألفاظ وأظهرها الطلاق، فهذا الذي جرى في الجاهلية والإسلام، وأطبق عليه معظم طبقات الخلق، ولم يختلف في كونه صريحاً العلماء، ومذهب أبي حنيفة (٣) أن الصريح هو الطلاق لا غير، وقد حكى العراقيون قولاً قديماً للشافعي موافقاً لمذهب أبي حنيفة في أن الصريح لفظ الطلاق لا غير، والفراقُ والسراحُ ملتحقان بأقسام الكنايات. ثم الألفاظ الصادرة عن الطلاق صرائحُ: جرت أسماء، أو أفعالاً، فإذا قال: أنت طالق، أو طلقتك، أو أنت مطلَّقة، وقع الطلاق. وإذا جرينا على الأصح، وقضينا بأن الفراق والسراح صريحان، فلو قال: فارقتك أو سرحتك، فالذي جاء به صريحٌ. ولو قال: أنت مفارَقة أو مسرَّحة، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن اللفظ صريح، كما لو قال: أنت مطلقة.

стр. 7101

والثاني - أن اللفظ كناية؛ فإن الفراق والسراح [ما] (١) ظهرا وما اشتهرا اشتهار الطلاق، ومعتمد الشافعي في إلحاقهما بالصريح جريانهما في الكتاب، ثم لم يجر ذكرهما إلا على صيغ [الأفعال] (٢)، فأما المفارقة والمسرَّحة، فلا ذكر لهما، والمطلقة مذكورة في القرآن مع شيوع لفظ الطلاق. ولو قال لامرأته: أنت الطلاق، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: إنه ليس بصريح؛ فإنه غير معتادٍ، وليس جارياً على قياس اللسان، أيضاً، وكان كالمعدول عن الوضع والعرف. ومن أصحابنا من قال: إنه صريح، لأن لفظ الطلاق، لا يطلق -كيف فرض الأمر - إلا على قصد الفراق، فإن جرى لفظٌ على خلاف ما يعرف ويؤلف، فالاعتبار بأصل الكلمة. ولو قال لامرأته: أطلقتك، أو أنت مُطْلَقة، واستعمل صيغة الفعل أو الاسم، من الإطلاق، فهذا لم يتعرض له الأصحاب، وفيه تردد بيّن؛ فإن الإطلاق شائع في حلّ الوثاق وإطلاق الدواب عن رباطها، وإطلاق الأسرى والمحبوسين، وإخراج اللفظ عن كونه صريحاً أقربُ وأظهر عندنا في هذا منه إذا قال: أنت الطلاق؛ فإن الطلاق لا معنى له في الاستعمال إلا الفراق، بخلافه. ومن أسرار الصرائح أن يظهر اللفظ على غرض، [ويعد استعماله في غيره نادراً] (٣) وإذا كان الاستعمال في غير جهة الطلب شائعاً، أشعر هذا بالخروج عن الصرائح في الجهة المطلوبة، على ما سنذكر التحقيق في آخر الفصل، عند نجاز المنقولات.

стр. 7102

٨٩٧٥ - وممّا يتعلق بذلك أن الأصحاب قالوا: معنى الطلاق بالعجميّة صريح، وزعموا أن معناه: "توهشته اي". وحكى بعض المصنفين (١) عن الأصطخري أنه لا صريح بغير لسان العرب، وهذا غريب لا أصل له (٢)، وإنما اشتهر الخلاف عن الأصطخري في النكاح، كما قدمنا ذكره في الألفاظ المشتملة على ألفاظ النكاح. ثم كان شيخي أبو محمد يقول: كل لفظةٍ معدودة من الصرائح في العربية إذا ذكر معناها الخاص بلسان آخر، فهو صريح؛ فمعنى قول القائل: أنت طالق "توهشته اي" ومعنى قوله: طلقتك "دشت بازْداشْتَم"، ومعنى فارقتك: "از تو جُدَا كَرْدَم، ومعنى سرحتك: "تُراكسيل كردم". وقال القاضي: الصريح من هذه الألفاظ "توهشته اي"، فأما قوله: "دستت باز داشتم" فليس بصريح. وهذا غير سديد؛ فإن قول القائل: "دشت بازداشتم" هو تفسير قوله طلقتك، وإذا كان قوله: "توهشته اي" صريحاً؛ من حيث إنه معنى قوله: "أنت طالق" فقوله: "دشت بازداشتم" هو معنى قول القائل: "طلقتك" فلا معنى لإبداء المراء في هذا. أما معنى فارقتك وسرحتك، فالظاهر أنه ليس بصريح؛ فإنا في المفارقة والتسريح على تردد، كما نبهنا عليه. وإذا اختلف الأصحاب في المفارقة والمسرَّحة مع اتحاد اللغة، فهذا في معنى المفارَقة والتسريح أظهر. فهذا ما رأينا نقلَه، ولا بد الآن من الكلام في مأخذ الصرائح. ٨٩٧٦ - الذي يقتضيه الفقه أن الصريح إذا لم يتعلق به توقيف وتعبد، يؤخذ من الشيوع، ومحاولةِ أهل العرف حصرَ اللفظ في مقصودٍ، فإذا اجتمع هذان المعنيان، ترتب عليهما ابتدار المعنى إلى الأفهام؛ فإن التردد ينبت من إشكال اللفظ في نفسه،

стр. 7103

ومن جريانه في معانٍ، فإذا ظهر لفظٌ على إرادة معنى واحد، فهو يُفهِمه ويُعلِمه، وحكمنا في مساق الفقه أن من صدر منه لفظ يبتدر فهمُ الناس معناه، فإذا زعم أنه أراد خلاف ما تبتدره الأفهام، كان ما أضمره خلافَ ما أظهره، وعند ذلك تترتب مسائل التَّديين؛ فإنّ ما يُدَيّن المرء فيه يتعلق بمقتضى اللفظ، ولكنه خلاف ما يظهر منه، ويندر من ذي الجدّ أن يطلقه على خلاف معناه المستفيض إلا أن يريد إلغازاً أو تعقيداً، ثم حُكمنا أنا لا نقبل في الظاهر خلاف الظاهر، ولا نصدِّق من يبدي إضماراً على خلاف ما أظهره، هذا معنى الصريح. وقد يثبت في النكاح تعبّد قررناه في بابه، فلا ينبغي أن يكون على ذلك الباب التفات. وقد أطبق الفقهاء قاطبة على أن المعتبر في الأقارير والمعاملات إشاعة الألفاظ وما يفهم منها في العرف المطرد، والعباراتُ عن العقود تُعنَى لمعانيها، وألفاظ الطلاق عبارات عن مقاصد، فكانت بمثابتها، وموجب هذه الطريقة أن لفظة أخرى لو شاعت في قُطْرٍ وقومٍ شيوع الطلاق -كما قدمنا معنى الشيوع- فهو صريح، وعلى هذا الأصل قول القائل لامرأته: أنت عليّ حرام، أو حلال الله عليّ حرام، ملتحق في قُطرنا وعصرنا بالصرائح. ٨٩٧٧ - وذهب ذاهبون من الأصحاب إلى أنا لا نزيد على الألفاظ الثلاثة: الطلاق، والفراق، والسراح. ولا نظر إلى الظهور والشيوع، وهذا القائل اعتقد أن مأخذ الصرائح يتعلق بالتعبدات والتلقِّي من لفظ الكتاب وتوقيف الشارع، وقد يعتضد في ذلك بإلحاق الشافعي الفراق والسراح بالصرائح، [وليست أكثر اختصاصاً] (١) من

стр. 7104

البائن، والبتة (١)، والبَتْلَة (٢)، والخليّة، في لسان العرب فإذا خصّصها الشافعي بالإلحاق وبالصرائح، أشعر هذا برجوعه إلى مورد الشرع. وهذا يتطرق إليه نوعان من النظر: أحدهما - أنا لا نُبعد شيوع الفراق والسراح في العرب في بلادها، وهذا فيه بعض النظر، فإن الشافعي تعلق بالقرآن. والوجه الآخر من النظر - أنه ليس في إلحاق الفراق والسراح بالصّرائح ما ينفي التعلق بالإشاعة؛ إذ لا يمتنع أن يقول القائل: للصرائح مأخذان: أحدهما - الجريان في ألفاظ الشرع. والثاني - الشيوع في الاستعمال، كما سبق تفسيره. وفي [النفس] (٣) شيء من الفراق والسراح؛ فإنه لم يظهر لنا من الخطاب قصد بيان لفظ التسريح والمفارقة، ولكن جرى معنى ترك النسوة وحل ربقة النكاح في مقابلة ذكر الإمساك، فإنه قال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] ففهم المخاطبون أن الزوج مأمور بأن يمسك المرأة أو يخلّي سبيلها، فالغرض الذي سيق الخطاب له ترديد الزوج بين هذين المقصودين، وليس من الغرض الظاهر أن يقول لها: سرحتك، وهو بمثابة قول القائل: أكرم هذا السائل، أو سرحه. ليس المراد بهذا: قُلْ له: انسرح. وكذلك القول في فارقوهن. وأما الطلاق، فقد اشتملت الآي على الاعتناء بألفاظها وعددها، ويقوى على هذا المسلكِ القولُ القديمُ الموافق لمذهب أبي حنيفة في حصر الصريح في لفظ الطلاق. وتحصَّل من مجموع ما ذكرناه تردّدُ الأصحاب في مأخذ الصريح، كما أوضحناه. ٨٩٧٨ - وحكى القاضي عن شيخه القفال أنه كان يقول في لفظ التحريم: إذا قال الرجل: حلال الله عليّ حرام، ونوى طعاماً صُدّق، وإن أطلقه وكان أَنِساً بالفقه عالماً

стр. 7105

بأن الكناية لا تعمل إلا مع النية، فإذا أطلق اللفظ ولم ينو، لم يقع الطلاق، فإن كان [عاميّاً] (١)، سألناه عما سبق إلى فهمه من إطلاق عامّي آخر لهذه الكلمة، فإن زعم أنه يسبق إلى فهمه الطلاق قيل له: لفظك محمول على فهمك لو كان اللافظ غيرك. وهذا توسط بين الصريح والكناية وضربٌ من التحكم. ٨٩٧٩ - ونحن نبُدي في هذا أصلاً ضابطاً ونقول: اللفظ الصريح المتفق عليه الشائع في طبقات الخلق هو الطلاق، فحكمه أن يعمل مطلَقُهُ ممن صدر منه، ومن أبدى فيما زعم عقداً ونيّة بخلاف موجب اللفظ، التحق بباب التديين. هذا قسم. ويعارضه الكناية التي سنصفها، وهي لفظة محتملة غير شائعة في الطلاق، فسبيل هذا القسم ألا يعمل اللفظ إلا مع النية، ومطلَقُه لاغٍ، والرجوع إلى قصد المطلِق. ويتخلل بين الصريح الّذي قدمناه وبين الكناية قسم ثالث يعمل مطلَقه عند الأصحاب من غير نيّة، فإذا زعم صاحب اللفظ أنه قصد خلاف الظاهر، فقد يقبل ذلك منه ظاهراً، ويكون في قبوله خلافٌ. وبيان ذلك بالمثال أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق أحسن الطلاق، فمطلَق هذا محمول على الطلاق السُّني، وإن لم ينو الزوج الطلاق السّني، ولو زعم أنه أراد بالأحسن تعجيل الطلاق في زمن الحيض، فهو مقبول منه، فهذا يحمل مُطلَقه على محملٍ، ويجوز العدول عنه بالقصد. وسيأتي لهذا نظائر. ثم تنقسم المسائل: فقد يتفق الأصحاب على إعمال اللفظ على جهةٍ عند الإطلاق، ويختلفون في أن تلك الجهة هل تتغير بالقصد المخالف لها، وقد يتفق الأصحاب على إعمال القصد على وجه ويختلفون في الإطلاق، وهو مثل قول القائل: أنت طالق طالق طالق، فلو زعم أنه أراد التأكيد، قبل منه، ولم يقع إلا طلقة واحدة، ولو قال: لم أقصد التأكيد، ولكن أطلقت هذه الألفاظ، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنا نحكم بوقوع الثلاث إذا كانت المرأة مدخولاً بها.

стр. 7106

والقول الثاني - أنه لا يقع إلا واحدة. ولكل أصلٍ من هذه الأصول ضابطٌ سيأتي مشروحاً -إن شاء الله- وإنما ذكرنا هذا المقدارَ لغرضٍ، فنقول: الطلاق لا يصرفه عن معناه إلا هازل، أو منفردٌ بقصد إلغازٍ، ولفظ التحريم قد يجرى استعماله مصروفاً عن قصد الطلاق، فإذا أُطلق، فهو شائع في قصد الطلاق، فينقدح [فيما] (١) هذا سبيله أن يصدّق في الظاهر من زعم أنه نوى غير الطلاق. وإن قال: لم أنو شيئاً، انقدح فيه الحمل على موجب الألفاظ. وانتظم من هذا أن ما استمرت الاستفاضة فيه كلفظ الطلاق، فلا معدل عنه إلا على حكم التديين، وما شاع شيوعاً بيّناً، ولكن قد يعتاد بعض الناس استعماله على قصدٍ آخر، فما كان كذلك، وهو زائد على الألفاظ الثلاثة، فهو محلّ تردد الأصحاب: فمنهم من لم يلحقه بالصرائح، ولم يُعمل مطلَقه، ومنهم من ألحقه بالصرائح، وجعله كلفظ الطلاق. ومنهم من فصَّل بين أن يقصد غير الطلاق، وبين أن يُطلقه، كما حكيناه عن القفال ﵁، ثم على رأيه إن صار لفظ التحريم في الشيوع كالطلاق، التحق بالطلاق، فهذا وجه في الصرائح. ٨٩٨٥ - فأمّا الكنايات فقد وصفناها ومن ضرورتها أن تكون مشعرة بمعنى الطلاق، ولكن لا تكون شائعة على التفسير المقدم، فما كان كذلك، افتقر إلى النية ولغا مطلَقُه، وهذا كالخليّة (٢)، والبرية (٣)، والبائنة (٤)، وما يشبهها وقد قسمها الأصحاب إلى الجلية وإلى الخفية، فالجلية منها ما ظهر معناها، وقد يجري

стр. 7107

استعمالها جرياناً ينحط عن الاستفاضة والحصر في معنى الطلاق، وما ذكرناه من الألفاظ من الجليّات ومنها: الخلية، والبريّة. والخفيةُ كقول القائل لامرأته: اعتدي، واستبرئي رحمك، والحقي بأهلك، وحبلُكِ على غاربكِ، ولا أَنْدَه سرْبَك (١)، واغربي، واذهبي، وتجرّعي وتجردي، وما في معناها، مما يشتمل على تقديرٍ أو استعارةٍ. والتقدير في مثل قولك: اعتدّي: معناه طلقتُ، فاعتدي، والاستعارة في مثل قولك: تجرّعي، أي معناه: تجرعي مرارة الفراق، وكذلك حبلك على غاربك، وما في معناه. وإذا ذكر لفظة ليس فيها إشعارٌ بمعنى الطلاق، وزعم أنه نوى الطلاق، لم يقع شيء؛ لأن اللفظ غير مشعرٍ، والنية المجردة لا تتضمن وقوع الطلاق، وقد يتردد الأصحاب في بعض الألفاظ، فإذا قال لها: كلي، أو تنعمي، فهذه الألفاظ لا إشعار فيها، ولو قدّر مقدر فيها معنى الطلاق على بُعدٍ، عُدَّ ذلك من التعقيد الذي لا يتعلق بأصناف البيانا، ودرجاتِ الألفاظ المستعملة في المقاصد. ولو قال: اشربي، فالظاهر أنه لا يقع الطلاق وإن نواه. ومن أصحابنا من قضى بوقوع الطلاق حملاً على تقدير: اشربي كأس الفراق، وهذا بعيد. فهذا بيان مراتب الألفاظ في عقد الباب. ولو قال لامرأته: لستِ لي بزوجة، فهذا إقرار صريح بنفي الزوجية، كما سنفصله في فروع الطلاق. ولو قصد به إنشاء الطلاق، فالمذهب أنه يقع، لإشعار اللفظ بذلك. ومن أصحابنا من قال: لا يقع الطلاق؛ فإن اللفظ صريح في الإقرار والإخبار، وهذا ليس بشيء.

стр. 7108

٨٩٨١ - فإذا تبين أن الكنايات لا تعمل بأنفسها، فمذهب الشافعي أنها لا تعمل مع القرائن أيضاً من غير نيّة، والرجوعُ في النية إلى الزوج، فإذا سألت الطلاق، فقال: "أنت بائن"، وظهر من مخايله أنه قصد إسعافها، فلا تعويل على ذلك عند الشافعي، وإذا قال: لم أقصد الطلاق، فالقول قوله مع يمينه، وكذلك الكلام فيه إذا أجرى الزوج بعض هذه الألفاظ في حالة الغضب، وقد ظهرت على مخايله التبرم بالمرأة، ومحاولة الخلاص منها، فالرجوع مع ذلك كلِّه إلى نيته. وخالف أبو حنيفة (١) على تفصيل له في الألفاظ، فأعمل قرائن الأحوال، وقرينة السؤّال. فإن قال قائل: قد ذكرتم في مأخذ الأصول (٢) أن قرائن الأحوال تثير العلوم الضرورية، فإذا اقترنت تلك القرائن بألفاظ الزوج، فكيف ترون الرجوع إلى نيَّة الزوج، وقد علمتم قصده بقرائن الحال؟ قلنا: لا ينتهي الأمر في قرائن الأحوال في مأخذ الفقه إلى هذا المنتهى، وهي متفاوتة جداً، وليس من قواعد الفقه فتح أمثال هذه الأبواب؛ فإن مُدركَ قرائن الأحوال في القصود عسرٌ جداً، فحسمنا هذا الباب حسماً. وقد تُعتمد القرائن في تحمل الشهادات مع ابتناء أمرها على طلب التحقيق، فالذي يشاهد صبياً يمتص ثدياً فيه لبنٌ قد يشهد على ارتضاعه، ولا تعويل على القرائن فيما نحن فيه، وسبب ذلك أن الصبي لا تردد فيه إذا كان يمتص ثدياً فيه لبن، ومخاطِب زوجته لا ينتهي إلى منتهى يحكم على قصده قطعاً، وقد يشهد بذلك اختياره كنايةً مع إمكان التلفظ الصريح. فهذا ما يجب التنبيه فيه. ٨٩٨٢ - ثم إذا بان أن النية لا بد منها، فلو قدّم النيةَ، ولما تلفظ، لم يكن ناوياً مع اللفظ، لم يقع شيء؛ فإن النية منقطعة عن اللفظ، واللفظُ متأخر عن النية، ولو قدّم اللفظ، ثم نوى، فالجواب كذلك.

стр. 7109

ولو استفتح النية مع اللفظ وتمت نيته، وبقي من لفظه شيء، فظاهر المذهمب وقوعُ الطلاق. ومن أصحابنا من قضى بأنه لا يقع. ولو استفتح اللفظ عريّاً عن قصد الطلاق، ثم أتى بالنية في أثناء اللفظ، وانطبق آخر النية على انتجاز اللفظ، ففي المسألة وجهان مشهوران: أحدهما - أن الطلاق يقع؛ نظراً إلى وقت انتجاز اللفظ. والثاني - أن الطلاق لا يقع؛ لأنه لم ينشىء اللفظ على قصد الطلاق، فقد مضى صدرٌ منه عرياً عن قصد الطلاق، وباقي اللفظ لا يستقل بنفسه فتجرّدت النية عن اللفظ. ولو فرضنا إنشاء النية واللفظ، ثم انتجز اللفظ وما تمت النية بعدُ، لم يقع الطلاق. وقد ذكرنا أمثال هذه الصور في نية الصّلاة مع تكبيرة الإحرام، وبين الأصلين فرق يتنبه له الفقيه، وهو أن نية الصلاة ليست قصداً إلى معنى التكبير، ونيةُ الطلاق قصدٌ مختص بمعنى اللفظ واللفظ دونه لا يستقل، والنية وتكبيرة الإحرام ركنان في الصلاة [وليست] (١) النية قصداً إلى خاص معنى التكبير. ثم سرُّ النية القصدُ، والقصد لا يطول، [وقد] (٢) يفرض فيه تردد إلى التجرُّد، ومن كان هذا على ذُكره استغنى عن كثير من تطويلات الفقهاء، ثم القصد خصلةٌ، فلا يتصور انبساطها، واللفظ منبسط، فحق الاقتران أن يُقرن اللافظ القصدَ بأول اللفظ، ثم يُديم ذكرَ القصد لا عينَه، والذكر العلمُ، وكذلك الحفظ. ٨٩٨٣ - وإذا أطلق الزوج لفظاً في الكناية، وزعم أنه لم ينو الطلاق، فالقول قوله، وللمرأة تحليفه، فإن حلف، فذاك، وإن نكل عن اليمين، فلها أن تحلف، فإذا حلفت يمينَ الرد، قُضي بوقوع الطلاق، فإن قيل: على ماذا يُحمل يمينها ولا اطلاع لها على قصد الزوج؟ قلنا: معتمد يمينها قرائن الأحوال والمخايل الدالة على القصود، فلها أن تعتمد أمثال ذلك، وتبني يمينها عليه، وسنوضح في الدعاوى والبينات أن الأيمان تعتمد ذلك.

стр. 7110

فصل قال: "ولو قال: أنت طالق من وثاقٍ ... إلى آخره" (١). ٨٩٨٤ - كل ما لو ادعى الزوج القصدَ فيه،؛ دُيّن (٢)، ولم يُقبل في الظاهر، فإذا وصله بلفظٍ حُمل أول اللفظ عليه، فإذا قال: أنت طالق عن وِثاقٍ، لم نقضِ بوقوع الطلاق، بهذا اللفظ؛ فإن الكلام منتظم، وأول النطق مربوط بآخره، وهذا يضاهي أصلَ الاستثناء، وحكمنَا بتصحيحه، كما سيأتي، وكذلك إذا قال: فارقتك إلى المسجد، أو سرحتك إلى أهلك، حتى تتنزهي وتعودي، فكل ذلك مقبول. ومما ذكره الفقهاء أن الرجل إذا أطلق لفظةً صريحةً ونوى ما لا يقبل، [فهو لا يقبل] (٣) ظاهراً، ولكن يُديَّن الزوج فيه، فلو ادعى الزوج شيئاً من هذا، لم يقبل قوله، ولو قال لامرأته: أنت تعلمين ذلك مني، فهو لغو؛ فإنها وإن صدّقته فيما ادعاه، فالطلاق لا يندفع رعايةً لحق الله تعالى، فلا مساغ للتحليف في هذا المجال؛ فإن الغرض من عرض الأيمان أن يرعوي المستحلَف أو يقرّ، [وقد] (٤) ذكرنا أن إقرار المرأة لا أثر له، فلا معنى لتحليفها. فصل قال: "ولو قال لها: أنت حرة يريد الطلاق ... إلى آخره" (٥). ٨٩٨٥ - غرض الفصل أن لفظ الإعتاق كنايةٌ في الطلاق، ولفظ الطلاق كناية في الإعتاق، وأبو حنيفة (٦) يمنع إعمال الطلاق في الاعتاق، ومعتمد المذهب أن الكناية
следующие страницы →