← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

بائنة، ولو نكحها فدخلت، لم يعد الحِنث؛ فإن التعليق وقع بعد البينونة حيث انتهينا إليه. وحكى الشيخ وجهاً عن بعض الأصحاب أن هذا يخرّج على عَوْد الحنث، ولولا عِظم قدر الشيخ، لما نقلت هذا الوجه. فرع: ٩٢٩٢ - إذا قال لامرأته: إن دخلت الدّار طالقاً فأنت طالق، أو قال: أنت طالق إن دخلت الدار طالقاً، فإن دخلت الدار وما كان طلقها قبل الدخول، فلا يقع بالدخول طلاق؛ فإنه علّق الطلاق على صفتين إحداهما دخول الدار، والثانية أن تدخلها طالقةً، وهذا يبتني على أن الطلاق المعلّق بالصفة يترتب على الصفة، ولا يقع معها. وقد كرّرت هذا مراراً، ونبهت على ما فيه من الإشكال، ثم أوضحت استمرار اتفاق الأصحاب في التفريع. ولو كنا نقول: يقع الطلاق المعلّق بالدخول مع الدخول، لكنا لا نوقع الطلاق أيضاًً؛ فإن قوله: إن دخلت الدار طالقاً يقتضي أن تكون طالقاً بغير الدخول حتى يتعلقَ الطلاقُ بكونها طالقاً مع الدخول، ويستحيل أن يكون الطلاق المعلق هو الطلاق الذي علق به الطلاق، واقتضاء اللفظ التغاير الذي ذكرناه بيّن لا إشكال فيه. فرع: ٩٢٩٣ - إذا نكح الرّجل أمةً، ثم قال: إن اشتريتك، فأنت طالق ثلاثاًً، وقال مالكها: إن بعتكِ، فأنت حرّة، فإذا باعها (١) عَتَقت في زمان خيار المجلس. قال ابن الحداد: ويقع الطلاق؛ فإن الشراء قد وجد. قال أصحابنا: هذا تفريع منه على أن الملك في زمان الخيار للبائع. فإن قلنا: الملك بنفس العقد ينتقل إلى المشتري، فينفسخ النكاح بالملك على المشهور، ولا يقع الطلاق، فإن قيل كيف ينتقل الملك إليه بعد نفوذ عتق البائع؟ قلنا: لما صح البيع، فمن حكم صحته نقل الملك على هذا القول، وهو كما ذكرناه في شراء من يعتِق على المشتري؛ إذ لولا ذلك، لما انعقد العقد على القول الذي عليه نفرع.

стр. 7352

فرع: ٩٢٩٤ - إذا قال لامرأته: إن كان أول ولدٍ تلدينه ذكراً، فأنت طالق واحدة، وإن كان أول ولدٍ تلدينه أنثى، فأنت طالق ثلاثاًً، فولدت ذكراً وأنثى، ولم يخرجا معاً، ولكن أشكل المتقدم، فلا يقع إلا طلقة واحدة، هكذا قال أصحابنا أخذاً بالمستيقن، وهذا واضح. ولو خرجا معاً دفعة واحدة، قال الشيخ: ما ذهب إليه معظم الأئمة أنه لا يقع الطلاق أصلاً؛ فإنه علق طلقةً بأن يخرج ذكرٌ أولاً، وثلاثاًً بأن تخرج الأنثى أولاً، فإذا خرجا معاً، لم يتحقق الأوّلية في واحد منهما. قال الشيخ: لو قلت: وقع الثلاث، كان محتملاً؛ فإن الأول هو الذي لا يتقدمه شيء، وليس من ضرورة الأول أن يستأخر عنه شيء، والدليل عليه أنه لو قال لها: إن كان أوّل ولدٍ تلدينه ذكراً فأنت طالق، فولدت ذكراً، ولم تلد سواه في عمرها، فيقع الطلاق؛ فعلى ذلك يجوز أن يقال: [الذكر] (١): لم يتقدمه أنثى، والأنثى لم يتقدمها ذكرٌ. قال الشيخ: عرضت ذلك على القفال، فقال: المسألة محتملة. والمذهب ما قدّمناه؛ لأن الرجل لو قال لعبديه: من جاء منكما أولاً، فهو حرٌّ، فلو جاءا معاً، لم يعتِقْ واحد منهما، هكذا ذكر الأصحاب، ولا يجوز أن يُتَخيّل في هذه المسألة خلاف، فإنه علق العتق على السّبق، ولا سبق إذا جاءا متساوقين، وليس كما إذا ولدت ولداً واحداً؛ فإنه لم يتعرّض في تلك المسألة لولدين وتقدير أولية فيهما. فرع: ٩٢٩٥ - إذا نكح جارية أبيه، أو أخيه، ثم قال: إذا مات سيدك، فأنت طالق، فإذا مات، فملكها الزوج، أو ملك بعضها -على ما يقتضيه التوريث- فلا يقع الطلاق، بل ينفسخ النكاح. قال ابن الحداد: هذا هو الصحيح. ومن أصحابنا من قال: يقع الطلاق، وقد قدمت هذا في الأصول.

стр. 7353

ولو قال السيد لها: إذا متُّ، فأنت حرّة وقد سبق من الزوج التعليق كما ذكرنا، فمات، وهي خارجة من الثلث؛ فيقع الطلاق لا محالة، ولو علق الزوج الطلاق، فقال السّيد: إذا متّ، فأنت حرّة بعد موتي بشهر، فإذا مات، فتبقى تلك مملوكةً إلى شهر، والتفريع على ما اختاره ابن الحدّاد، وهو أن الفسخ أولى بالتنفيذ من الطلاق، وفي هذه الصورة في وقوع الطلاق وجهان مبنيان على أن الملك فيها إلى أن تعتق لمن؟ وفيه وجهان: أحدهما - أن الملك للوارث. والثاني - أنه تبقى على ملك الميت إلى أن تَعتِق، فعلى هذا يقع الطلاق، ولا ينفسخ النكاح، وإن قلنا: الملك للوارث، ففي الانفساخ وجهان: أحدهما - أنه ينفسخ، وهو الأصح لحصول الملك. والثاني - لا ينفسخ؛ لأن هذا ملك تقديري، ثبت لانتظام كلام، وإلا فلا حقيقة له، ولا يُفضي إلى مقصود. فرع: ٩٢٩٦ - إذا قال: أنت طالق أكثرَ الطلاق، فتطلق امرأته ثلاثاً؛ فإن الأكثر صريح في أقصى عدده، والكثرة مُصرِّحة بمعنى العدد، ولو قال: أنت طالق أكبرَ الطلاق، ولم ينو عدداً، فلا يقع إلا واحدة؛ لأن الكِبَر لا يُنبىء عن العدد، وكذلك لو قال: أعظم الطلاق، أو قال: أنت طالق ملءَ الأرض أو ملءَ العالم، فلا يقع بمطلق اللفظ إلا طلقة، ولو قال: أنت طالق ملءَ هذه البيوت الثلاثة، فهذا يقتضي تعدّد الطلقات وكذلك إذا قال: أنت طالق ملءَ السموات. فرع: ٩٢٩٧ - قال ابن سريج إذا قال لامرأته: أنت طالق هكذا، وأشار بأصبع واحدة، فهي طلقة، وإن أشار بأصبعين، فطلقتان، وإن أشار بثلاث، فثلاث. هذا إذا قال: (هكذا)، وأشار إلى أصابعه. فإن قال: أنت طالق، ولم يقل: (هكذا) ولكن أشار بأصابعه، فلا نحكم بوقوع الثلاث ما لم ينوها، وهذا بيّن، ولم أر فيه -إذا قال (هكذا) وأشار إلى أصابعه الثلاث- خلافاً، وذاك فيه إذا أشار إلى أصابعه إشارة تكون قرينةً مثبتةً للعلم، فلو لم تقم قرينةٌ، فلا وجه للحكم بالثلاث؛ فإن الرجل قد يعتاد الإشارة بأصابعه الثلاث في الكلام، فإذا لم يوضح ينظر إلى الأصابع أو ترديد نغمة على صيغة إلى أن

стр. 7354

يتبين الغرض، فلا نحكم بالوقوع، وما أجريناه من الكلام على القرائن من الأصول والأقطاب. فرع: ٩٢٩٨ - إذا قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار إن كلمت زيداً، فيقف وقوع الطلاق على الدخول والكلام. ثم قال الأصحاب: يشترط ترتُّبُ الكلام على الدخول، حتى لو كلمتْ، ثم دخلتْ، لم تطلق؛ لأنه في الحقيقة علّق وقوع الطلاق عليهما عند الدخول بكلام، فكان هذا تعليقَ التعليق، والتعليقُ يقبل التعليق، كما [أن] (١) التنجيز يقبل التعليق، وهذا كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار، فأنت مدبّر، فالتدبير يقف على دخول الدار، ثم لا عتق حتى يموت السّيد بعد دخول العبد الدار، وليس كما لو قال: أنت طالق إن كلمت ودخلت، بشرط وجود الوصفين لا غير، لأن الواو للجمع خصوصاً في المعاملات. هذا ما ذكره القاضي والأصحاب: أما المسألة الأخيرة، فسديدة، وأما المسألة الأولى، ففيها نظر؛ فإنه ذَكَر صفتين من غير عاطف، فالوجه الحكم بتعلّق الطلاق بهما، فأما الترتيب، فلا معنى للحكم [به] (٢). ولو قال: إن دخلتِ الدار إن كلمتِ زيداً إن أكلتِ رغيفاً، فأنت طالق، فالطلاق يتعلق بوجود هذه الصفات، والحكمُ بترتّب بعضها على بعض تحكُّمٌ، لا أصل له، فإن كان هذا مسلماً، فلا فرق بين أن يُقدِّم ذِكْرَ الطلاق وبين أن يؤخره. وإن كان ممنوعاً، فما قدمناه من الكلام كافٍ (٣). ولو قال: أنت طالق إن كلمت زيداً إلى أن يقدَمَ فلان، فالتأقيت راجع إلى الصفة، والتقديرُ: إن كلمته قبل قدوم زيدٍ، فأنت طالق، ولا يرجع هذا التأقيت إلى أصل الطلاق؛ إذ لو رجع إليه، لتنجز في الحال، كما لو قال: أنت طالق إلى شهرٍ،

стр. 7355

ثم إن كلّمتْه قبل أن قدِمَ زيد، طلقت، ولو لم تكلمه حتى قَدِم زيد، لم تطلق، ولا يضر التكلم بعدُ. هذا معنى التأقيت. فرع: ٩٢٩٩ - لو قال: "إن دخلتِ الدار فأنت طالق" ثم كرّر هذا اللفظ ثلاثَ مراتٍ، فإن أراد التأكيد، فطلقة واحدة عند دخول الدار، وإن أراد التجديد، فإن دخلت الدار، طُلِّقت ثلاثاًً بدخلةٍ واحدة. ولو قال: أردت عقد ثلاثة أيمان، حتى تطلقَ طلقاتٍ [ثلاث] (١) بثلاث دخلات، فهذا لا يحمل عليه مُطلقُ الكلام بالإجماع؛ فإن اليمين الأخيرة حقها أن تنحل بأول دخلةٍ لتحقق الصّفة، وكذلك القول في الثانية والأولى، ولكن يُديّن فيما يقول باطناً، ولا وجه لقبوله ظاهراً. فرع: ٩٣٠٠ - إذا قال لأربع نسوة: أربعكن طوالق إلا فلانة، أو إلاّ واحدة على الإجمال، لغا الاستثناء، لأنه أوقع الطلاق على الأربع بجملتهن، فإذا قال: إلا فلانة، فقد قصد إبطال اللفظ في حقها، ورفْعَ مقتضاه بالكلية، فصار كما لو قال: أنت طالق ثلاثاًً لا تقع، أو ثلاثاًً إلا ثلاثاًً، وليس كما لو قال ثلاثاًً إلا واحدة، فإن الاستثناء في الواحدة صحيح. ولو قال: أربعكن إلا فلانة طوالق، فيصح الاستثناء في فلانة. هذا ما أورده القاضي والمسألة [مخيلة] (٢) حسنة. [و] (٣) يحتمل أن نقول: يصح الاستثناء؛ طرداً لقاعدة الاستثناء، فإنه إذا قال: أنت طالق ثلاثاً، فقد تعرّض لعدد الطلقات، ولو سكت عليه ولم يستثن، لكان الكلام مستقلاً في إيقاع الثلاث، ثم صح مع هذا استثناء الواحدة والثنتين بعد ذكر الثلاث، فلا فرق بين عدد الطلقات وبين عدد المطلّقات.

стр. 7356

ووجه ما قاله القاضي أنه إذا قال: أربعكن طوالق إلا فلانة، فهذا اللفظ لا يستعمل كذلك في الاعتياد، كما لا يستعمل قول القائل ثلاثاًً إلا ثلاثاً، [ويستعمل] (١) أنت طالق إن شاء الله، ولو تكلفنا فرقاً سوى ذلك، لم نجده، ولعلّ القاضي يقول: إذا قال: "هؤلاء العبيد الأربعة لك إلاّ هذا"، وأشار إلى واحد منهم، قال: الاستثناء باطل، ولعلّ ممّا يقوّي كلامَه ثبوتُ الكلام بالإشارة، وللإشارة أثر ووَقْعٌ في تثبيت الكلام. ولو قال: "لفلان أربعة أعبدٍ عليّ إلا عبداً" فالاستثناء صحيح. فرع: ٩٣٠١ - إذا قال قائل للزوج: أطلّقت امرأتك؟ فقال: نعم، فقال (٢): ذكر صاحبُ التلخيص في ذلك قولين: أحدهما - أن الطلاق يُحكم بوقوعه لقوله: (نعم) مع السؤال المتقدِّم، وإن لم ينو الطلاق. والقول الثاني - إن الطلاق إنما يقع به إذا نوى، فإذا لم ينو شيئاً، لم يقع. قال الشيخ: حكمَ بأن الطلاق يقع بهذه اللفظة مع النيّة في قولٍ، ويقع من غير نيّة في قولٍ، وجعل هذا إنشاءً للطلاق صريحاًً أو كناية. ووافقه بعض أئمتنا، وقال: ما ذكره من [القولين] (٣) مبنيّ على قولين للشافعي فيه إذا قال الولي: زوجتك هذه، فقال في جوابه: قبلتُ، ولم يقل قبلت نكاحها، فهل ينعقد النكاح بذلك؛ بناء على ما تقدم من الإيجاب؟ فعلى قولين. قال الشيخ: هذه الطريقة غير مرضية، فقوله (نعم) في جواب السؤال ينبغي ألا يكون صريحاًً في الطلاق ولا كناية، بل هو صريح في الإقرار بالطلاق، ثم إن كان صادقاً، فلا كلام، وإن كان كاذباً، فلا يقع به الطلاق باطناًً، وينفذ الحكم بالإقرار ظاهراً، ثم لا يجوز أن يكون في ثبوت الإقرار اختلافُ قولٍ، ومن قال لرجل بين يدي القاضي: ألي عليك ألف درهم؟ فقال: نعم، قضى القاضي بكونه مُقرّاً، ولو جرى ذلك بين يدي الشهود تحمّلوا الشهادة على صريح إقراره، فعلى هذا لو قال في جواب

стр. 7357

السؤال كما ذكرنا، ثم قال: أردت بذلك أني كنت نكحتها من قبل هذا، وطلقتها في ذلك النكاح السابق، فهذا ينزل منزلة ما لو قال لامرأته: أنت طالق الشهر الماضي، ثم فسّره بأنه كان طلقها في نكاحٍ سابق، وقد تقدم تفصيل ذلك. ٩٣٠٢ - ولو قيل: ألك زوجة؟ فقال: لا. قال أصحابنا: هذا كذبٌ صريح لا يتعلق به حكم، وقال المحققون: هذا كناية في الإقرار، قال القاضي: عندي أن هذا صريح في الإقرار بنفي الزوجية، وقال ﵁: إذا أشار المشير إلى امرأةٍ، فقال لبعلها: هذه زوجتك، فقال: لا، كان ذلك تصريحاًً بالإقرار بنفي الزوجية. ولو قيل له: أطلقت زوجتك، فقال: قد كان بعض ذلك، فلا نجعل هذا إقراراً بالطلاق؛ لأنه يحتمل التعليق، ويحتمل أنها كانت تُلاجّه (١) وتخاصمه، وتسأل منه الطلاق، ولم يكن قد أوقع بعد، فعبّر عن بعض المفاوضة التي جرت. ولو قال الدّلال لصاحب المتاع: بعتَ متاعك هذا بألف درهم من هذا الرجل، فقال: نعم، فلا يكون هذا إيجاباً بلا خلاف؛ فإنّ نعم خبرٌ يدخله الصّدق والكذب، فلا يصلح للإنشاء، وكذلك لو قال القابل: نعم، لم يكن ذلك منه قبولاً. ولو قال الدلال لصاحب المتاع: بعتَ متاعك هذا بألفٍ من هذا الرجل، فقال: "بعتُ" فالوجه القطع بأن هذا لا يكون بيعاً، إذا لم يُعِد [ذكرَ] (٢) الثمن وخطابَ الطالب، ولم يأت بكلام ينتظم مبتدءاً، وليس كما لو قال المخاطب: قبلتُ؛ فإن قوله مع الإيجاب كلامان ينتظم أحدهما مع الثاني. وإذا قال الدلال: بعتَ عبدك هذا من هذا الرجل، فقال: بعتُ، فيقع قوله جواباً للدلال، وما كان جواباً له لم يصلح أن يكون خطاباً لذلك [الطالب] (٣)، فلا يتجه في كونه جواباً إلا الخبر، وهو مضطرب في كونه إقراراً أيضاًً؛ فإن قرينة استدعاء الدلال شاهدة على أنه يبغي منه الابتداء.

стр. 7358

وقال الأصحاب: لو قالت المرأة لزوجها؛ طلاق ده مرا، فقال: "دادم" لا يقع به شيء، لأن قوله: "دادم" (١) لا يصلح للإيقاع. قال القاضي: عندي يقع الطلاق؛ لأن المبتدأ يصير معاداً في الجواب، وهذا الذي ذكره مذهب أبي يوسف، وهو متجه؛ فإن السؤال مع الجواب يترتبان ترتب الإيجاب والقبول. فأما إذا قال الدلال: بع عبدك هذا بألف، فقال: بعت، فلا يستقل قول صاحب العبد: "بعت" كلاماً مبتدأ، ولا يترتب على قول الدلاّل جواباً. فرع: ٩٣٠٣ - لو قال: أنت طالق طلقةً عددَ التراب، وقعت طلقة واحدة؛ لأن التراب في نفسه جنس واحد. فإن قال: أنت طالق عدد أنواع التراب، طلقت ثلاثاً. فرع: ٩٣٠٤ - لو قال: أنت طالق طلقةً وطلقتين، وقع الثلاث، فإن قال: أردت إعادة تلك الطلقة الأولى في الطلقتين، وضمَّ أخرى إليها، قيل: يقبل ويقع طلقتان؛ فإن هذا محتمل. والذي صار إليه الجمهور أنه تقع الثلاث؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه. ولو قال بالفارسية: (تو از زني مَن بيك طلاق ودو طلاق هشته اي) (٢)، كان القفال يفتي بالثلاث قياساً على ما ذكرناه في العربية قال القاضي يقع عندي طلقتان، لأن الناس يقصدون منه إيقاع طلقتين، ومن أراد منهم الثلاث زاد، فقال: (بيك طلاق وبدو طلاق وبسه طلاق هشته اي). فرع: ٩٣٠٥ - إذا قال الزوج: طلّقي نفسك إن شئت ثلاثاً، فلا بُدّ في هذه

стр. 7359

المسألة من أن تشاء، هذا هو الذي عليه التفريع، فلو أنها شاءت، فتطلِّق نفسها، وتقول: شئت، وطلقت نفسي، ولا يكفي أن تقول: شئت؛ فإنه لم يعلّق الطلاق على مشيئتها بل علق تفويض الطلاق إليها على مشيئتها. فلو قال: طلقي نفسك ثلاثاًً، فطلقت واحدة، وقعت الواحدة، وهذا الأصل مشهورٌ قدمنا ذكره. فلو قال: طلقي نفسك إن شئت ثلاثاً، فلو أنها شاءت طلقةً واحدةً، وطلقت نفسها واحدة، قال صاحب التلخيص لا يقع شيء، وكذلك لو قال لها: طلقي نفسك إن شئت واحدة، فشاءت ثلاثاًً، فطلقت نفسها ثلاثاًً، فلا تقع واحدة منها. وعلة ما ذكره أنه لم يملّكها الثلاث ولا الواحدة في المسألتين تمليكاً مجرداً، بل علّق التمليك بمشيئة موصوفة بصفةٍ، فإذا قال: طلقي نفسك إن شئت ثلاثاًً، فقد شرط في ملكها الطلاق أن تشاء ثلاثاً، وكذلك عكس هذا. وذكر الأصحاب ما ذكره، ووافقوه. ومسألتاه مصورتان فيه إذا خلّل ذكرَ المشيئة بين قوله: طلقي وبين قوله ثلاثاًَ أو واحدة، فلو قال: ثلاثاًَ إن شئت، أو طلقي نفسك واحدة إن شئت، فذكر المشيئةَ بعد ذكر العدد أو بعد ذكر الواحدة، فلو شاءت واحدةً وقد جرى التفويض في ثلاث، وقعت الواحدة. ولو طلقت نفسها في مسألة الواحدة ثلاثاً، وقعت الواحدة، كما لم يكن في المسألة مشيئة، ولكن لا بدّ من أن تذكر المشيئة. ومجرد تطليقها نفسها لا يكفي. والفرق بين ذكر المشيئة قبل [العدد] (١)، وبين ذكرها بعدَه أنه إذا قال لها: "طلقي نفسك إن شئت ثلاثاً"، فإذا لم تشأ ثلاثاًَ لم تتحقق مشيئتها؛ فإنه وصف مشيئتها بالتعلّق بالثلاث، فإذا لم تحصل المشيئة المشروطة، فلا يقع الطلاق، فمهما (٢) ذكر العدد بعد المشيئة فالعدد متعلق المشيئة، وكذلك لو قال: طلقي نفسكِ

стр. 7360

إن شئت واحدة، وليس كذلك قوله: طلقي نفسك ثلاثاًً إن شئت. وهذا الذي ذكره الأصحاب ظاهر إذا كان الكلام مطلقاً. وإن زعم أني أردت بقولي ثلاثاًً بعد المشيئة تفسيرَ الطلاق، لا وصفَ المشيئة، فهذا مقبول. وإذا قال لها: طلقي نفسكِ إن شئت واحدةً، فطلقت نفسها ثلاثاًً، فهذا فيه احتمال عندي؛ فإن من شاء الثلاث فقد شاء واحدة؛ إذ الثلاث تنطوي على الواحدة، ويحتمل ما قاله الأصحاب؛ فإنه جعل الواحدة متعلَّق المشيئة، فلا يمنع أن تكون المشيئة موصوفة باتحاد المراد. فرع: ٩٣٠٦ - قد ذكرنا أنه إذا قال: إن حلفت بطلاقك، فأنت طالق، ثم قال: إذا طلعت الشمس أو مطرت السماء، أو هبت الريح، أو ما أشبه ذلك، مما لا يتعلق باختيارٍ لها، ولا يتصور فيه منع ولا تحريض، فلا يقع الحِنث بذلك. ولو زعم الزّوج أن الشمس قد طلعت فخالفته المرأة، فقال: إن لم تطلع، فأنت طالق، فيحنث بهذا في يمينه الأولى، وهو قوله: إن حلفت؛ فإنه قصد تصديق نفسه، وهذا من مقاصد الأَيْمان، فصار قوله يميناً على هذا الوجه. فروعٌ تتعلق بالمعاياة وطرائف الأسئلة: ٩٣٠٧ - إذا قال لها: إن لم تعرّفيني عدد الجوز الذي في هذا البيت، فأنت طالق، وكان البيت ممتلئاً جوزاً، وربما يضيق عليها الزمان الذي تجيب فيه، قال الأصحاب: الحيلة في نفي الطلاق أن تذكر المرأة عدداً يقدّر الجوز عليه، فإن استرابت زادت حتى تستيقن أنها ذكرت فيما ذكرت عدد الجوز، ولا يضرها الزيادة على العدد، فإنها وإن زادت، فقد ذكرت العدد المطلوب. وهذا خطأ عندي إن ذكر في سؤاله التعريف؛ فإنّ اللفظ يشعر بأن [غرضه أن] (١) تفيده المعرفة بعدد الجوز، والذي ذكرْته على مجازفةٍ ليس بتعريفٍ، وإنما فرض الفقهاء هذه الصورة فيه إذا قال لها: إن ذكرت لي عدد ما في البيت وإلا فأنت طالق،

стр. 7361

فإذا ذكرت عدداً على النسق الذي ذكرناه، فتكون ذاكرةً لذلك العدد فيما تذكره من الأعداد، ولكن الشيخ ذكر في المسألة التعريف. ثم إذا فرضنا في الذكر -وهو الوجه- فلتأخذ من عدد [تستيقنه] (١) مثل أن تعلم أن عدد الجوز في البيت يزيد على ألفٍ، ثم تذكر الألف، وتزيد ضمّاً للعدد إلى العدد، حتى تنتهي إلى مبلغٍ تستيقن أن ما في البيت لا يزيد عليه، ولا يتصور هذا ما لم تزد [إلى] (٢) أن يفرض وفاق، وهو نادرٌ في التصور. ومما يجب الاعتناء به أنها إذا ذكرت الألف، كما صوّرناه، فقد ذهب القاضي إلى أنها تزيد على ما استيقنته واحداً واحداً، فلو قالت: ألفاً ثم ألفين، أو مائة ألفٍ، لم يكفها ذلك، إذ لو كان يكفيها ذلك، لذكرت عدداً على مبلغ عظيم أوّل مرّةٍ، فإذا قال الأئمة: تذكر ما تستيقن، ثم تزيد عليه، فلا وجه للزيادة إلا ما ذكرناه؛ فإنها سَتَمُرّ إذا كانت تزيد واحداً واحداً بالعدد الخاص بجَوْزِ البيت، وإذا لم تفعل هكذا، وذكرت مائة ألفٍ وعددُ ما في البيت ينقص عن هذا، فما ذكرت عدد الجَوْز في البيت، وإنما ذكرت عدداً عددُ ما في البيت بعضه. ثم هذا الذي ذكرناه في اللفظ المطلق، فلو أراد الزوج بهذا تنصيصها على العدد المطلوب، فلا ينفع ما ذكرناه. والذي يدور في خلدي من هذه المسألة أن مطلق هذا في العرف لا يُشعر إلا بالتنصيص، وقد نصّ الأصحاب على خلاف هذا، وكنت أودّ لو فرضت هذه المسألة فيه إذا نوى الزوج ما ذكرناه، ثم كان يقال: هل يزال ظاهر الإطلاق بنيّته، فعلى تردد. ٩٣٠٨ - ولو قال: إن لم تعُدِّي الجوز الذي في هذا البيت في ساعة، فأنت طالق، ذكر أصحابنا وجهين: أحدهما - أنها تأخذ من مبلغ [تستيقنه] (٣)، ثم تأخذ في

стр. 7362

الزيادة، كما ذكرناه فيه إذا قال لها: إن لم تذكري عدد الجوز. ومنهم من قال: إذا كانت اليمين معقودة على العدّ، فلا بد وأن تبتدىء من الواحدة، وتأخذ في الزيادة، حتى تنتهي إلى الاستيقان كما ذكرناه؛ فإن العدّ متضمّنه التفصيل من الواحدة إلى المنتهى، وليس كالذكر، ولم يذكر أحد من الأصحاب أن العدّ محمول على تولّي العدّ، فعلاً، وزعموا أن العدّ إنما هو العدّ باللسان. ولست أرى الأمر كذلك؛ فإن من [جلس] (١) نَبْذةً من بيتٍ فيه جَوْز، ثم أخذ يهذي ويذكر باللّسان أعداداً، فهذا لا يسمى عدّاً في الإطلاق، وإن حمل [لفظُهُ] (٢) عليه، كان تأويلاً، والنظر في أن التأويل المزيل للظاهر، هل يقبل؟ نعم، إذا قال: "إن لم تعدّي"، فرمقت الجوز، وأخذت تعدّ وترمق كل جوّزة، فهذا عدٌّ، وإن لم يوجد فعلٌ باليد، فأما قول اللسان، فلست أراه عدّاً. ٩٣٠٩ - ولو قال - وقد خلط دراهم لامرأته بدراهمَ كانت في كفّه: إن لم تميّزي دراهمَك من هذه الدراهم، فأنت طالق. قال الأصحاب: المخلّص أن تميز الدراهم كلها تمييزاً عاماً، بحيث لا تبقي منها درهماً ودرهمين ملتصقين. وكذلك إذا كانا يأكلان تمراً أو مشمشاً، فقال: إن لم تميزي نوى ما أكلت، فأنت طالق، فالطريق ما ذكرناه. وهذا فيه نظر عندي، فإن نوى التنصيص في التمييز، فالذي ذكرناه ليس بمخلّص، وإن أطلق اللفظ، فالذي ذكره الأصحاب أن ما ذكرناه [مُخلِّص] (٣). ولست أرى الأمر كذلك إن كنا نأخذ المعاني مما تبتدره الأفهام، ولئن كان للفقه تحكم في حصر الصرائح أخذاً من التعبد [والتكرّر] (٤) في الشرع، فألفاظ المعلِّقين لا نهاية لها، وليس للصفات التي يذكرونها ضبط، فسبيل الكلام على الظواهر تنزيلها

стр. 7363

على ما يُفهم، وإنما يتميز الظاهر عن الكلام المتردد بشيء واحدٍ، وهو أن يفرض الإطلاق، ثم لا يفرض مراجعة المطلِق واستفسارُه، فما كان كذلك، فهو ظاهرٌ، والنص كذلك، غيرَ أن مُطْلِقَه لو ذكر له تأويلاً، لم يُقبل، ولم يُرَ له وجهٌ في الاحتمال، وأمثال هذه الألفاظ لا يستريب الفاهمون أن معانيها على خلاف ما وضعها أصحاب المعاياة، فالوجه وضعها مع تجريد القصد إليها على حسب ما يذكره الفقيه. ٩٣١٠ - ولو كان في فم المرأة تمرة، فقال الزوج: إن بلعتيه، فأنت طالق، وإن لفظتيه، فأنت طالق، وإن أمسكتيه، فأنت طالق، فالمخلِّص أن تأكل نصفه وتلفظ نصفه، ولا يحصل الحِنث بوجهٍ من الوجوه التي ذكرناها. ٩٣١١ - ولو قال - وهي في ماءٍ جارٍ: إن مكثت فيه، فأنت طالق، وإن خرجت منه فأنت طالق. قال الأصحاب: لو مكثتْ، لم تطلق، لأنّ الدُّفع من الماء التي تَلْقاها قد جرت وانحدرت، فلم تمكث فيه، ولم تخرج منه. وهذا قريب من الفنون المقدمة. فإن نوى الزوج الخروج من ماء النهر، فما ذكرناه ليس بمخلِّص، وإن خطر له ما ذكرناه، أمكن أن يقبل، وإن أطلق، ففيه نظر، وهذا من الأقطاب؛ فإن أمثال هذه الألفاظ لو ردّت إلى اللغة، فيمكن تنزيلها على ما ذكره الفقهاء، وإن ردّت إلى ما يفهم منها في الإطلاق، فالأمر على خلاف ما ذكروه، والحمل على موجب الفهم عند الإطلاق أوْلى. هذا منتهى القول في هذه الأجناس. ٩٣١٢ - وإذا كانت على سلّم، فقال: إن نزلت من هذا السّلم، فأنت طالق، وإن زَنأتِ (١)، فأنت طالق، وإن وقفت، فأنت طالق، فالوجه أن تطفر إن قدرت عليه، وإلا تُحْمل من السلم، أو يُضْجَع السلم وهي عليه، أو ينصب بجانب السُّلّم سُلَّم آخر حتى تتحول إليه.

стр. 7364

ولست بالراغب في هذه الفنون، واللائق بهذا المجموع [أن] (١) يبتنى على ما هو الوجه، وما ذكرته من نظر الناظرين إلى اللغة والإضراب عن المفهوم من الألفاظ. ولو قال لامرأته: إن أكلت هذه الرمانة، فأنت طالق، فأكلتها إلا حبة، لم تطلق، وهذا سديد في اللغة والعرف، وقد يقول القائل: أكلتُ رمانة، وإن فاتته حبّة، ولكن للاحتمال فيه مجالٌ. وإذا اجتمعت اللغة وتردد العرف، فالحكم بوقوع الطلاق لا وجه له، ولا يعدُّ من قال: لم يأكل رمانةً إذا ترك حبّةً حائداً عن ظاهر الكلام. ولو علق الطلاق بأكلِ رغيفٍ، فجرى الأكل فيه، وبقيت فُتَاتةٌ، قال القاضي: لا تطلق، واعتبر الفتاتة بحبات الرمانة. والقول في هذا مفصل عندي، فإن كان ما سقط قطعةً محسوسةً وإن صغرت، فهي كالحبة من الرمانة، وأما ما دق مُدركه من الفتاتة، فما عندي أنه يؤثر في الحِنث والبر، وهذا عندي مقطوع به في حكم العرف إن كان على العرف معوّل في الأَيْمان. وسمعت شيخي كان يقطع بهذا في الفتاوى. والضبطُ لهذه الأجناس أن من سئل عن لفظة، فإن كان لا يدري معناها في اللغة، فلا يهجم على الجواب، ولكن من جوابه: إني أراجع في هذه من يعرف اللغة، وإن كان يعرف معناها في اللغة وأحاط بأنه منطبق على العرف، جرى في الجواب. وإن جهل العرف، سأل عنه أهل العرف، وإن كان العرف متردّداً كان صغوه الأكثر إلى استبقاء النكاح. وإن صادف العرفَ على خلاف اللغة في وضعها، كان واقعاً في المعاياة، والوجه عندي تحكيم العرف على اللغة، كما أوضحته وبينت مسلك الأصحاب، ولا يسوغ الميل عن جادّة الفقه، حتى تحلو المسائل في استماع العوام. فروع في المكافأة والتعليقات بالصفات النادرة: ٩٣١٣ - وهي كثيرة الجريان في الخصومات الناشئة بين الزوجين، وأكثر ما تقع هذه المسائل فيه إذا بدأت المرأة، فواجهت زوجها بما يكرهه، ووصفته بصفةِ ذمٍّ،

стр. 7365

وقال الزوج: إن كنتُ كما قلتِ، فأنت طالق، فهذه المسائل تجري على ثلاثة أقسام: أحدها - أن يقصد الزوج تعليقاً على التحقيق. والثاني - أن يقصد مكافأتها ليغيظها بالطلاق، كما غاظته بما أسمعته. والثالث - أن يُطْلِق اللفظَ. فإن قصد التعليق، فلا بدّ من النظر في الصّفات: فإن تحققت، وقع الطلاق، وإن انتفت، لم يقع، وإن أشكلت، فالأصل أنْ لا طلاق، ثم كثيراً ما يجري في المهاترات، والإفحاش، والخنا (١) في المنطق - صفاتٌ لا تكون، فيقع الناظر في التطلب، فالوجه الحكم بأن الطلاق لا يقع. وأنا أذكر من جملتها واقعةً رُفعت في الفتاوى، وهي أن المرأة قالت لزوجها: يا (جهوذروى) (٢)، فقال في جوابها: إن كنت كذلك، فأنت طالق؛ فوقع المسْتَطْرِفُون وبَنُو الزمان في طلب هذه الصفة، فذهب بعضهم إلى الحمل على صفار الوجه، وسلك سالكون مسلك مخيلة الذل في خبطٍ لا أصفه، وكان جوابنا فيه: إن المسلم لا يكون على النعت المذكور، فلا يقع الطلاق، ولم أوثر ذكر ما فيه فحش، وفيما أوردته التنبيه التام للفطن. وإن قصد الرجل بذلك مكافأتها، فاللفظ صريح في التعليق، ولكن إذا أراد الزوج مكافأةً، فلها وجه، والتقدير: إن كنت كذلك، فأنت طالق إذاً. ومما مهدته أن الاحتمال الخفي مقبول في وقوع الطلاق إذا أراده اللافظ. وإن أطلق اللفظَ، فهو محمول عندي على التعليق، إلا أن يعم عرفٌ في المكافأة، فيجتمع وضع اللغة والعرف، وقد سبق الكلام فيه. وقد رأيت كثيراً من المشايخ يميلون إلى المكافأة للعجز عن النظر في الصفات،

стр. 7366

وسبب ذلك أنهم حسبوا كلّ مذكورٍ كافياً. ومعظم بدائع الشتائم غير كائنة، فلا يقع الطلاق. فرع: ٩٣١٤ - إذا قال: أنت طالق يوم يقدَم فلان، فقدم ليلاً، فالمذهب أن الطلاق لا يقع، فإنه لم يعلّق الطلاق على مجرّد القدوم، حتى ربطه بالوقوع في يوم، وذكر بعض الأصحاب وجهاً أن مطلق هذا يحمل على وقت القدوم، وهذا بعيد لا أعده [من المذهب] (١) ومن أحكم الأصول إلى هذا المنتهى، لم يخف عليه دَرْكُ مثل هذا. فرع: ٩٣١٥ - حكى العراقيون عن ابن سريج أنه قال: إذا قال الزوج لامرأته: إن لم أطلقك اليوم، فأنت طالق اليوم، فلا يقع الطلاق أصلاً؛ وذلك أنه ما دام اسم اليوم موجوداً، فيقدّر التطليق فيه، فلا يقع الطلاق. وإذا انقضى اليوم، فقد فات الإيقاع والوقوع جميعاً. قال الشيخ أبو حامدٍ: وهذا هفوة، والوجه القطع بأن الطلاق يقع في آخر جزء من اليوم، ونتبين ذلك بعد انقضائه، والدليل عليه: أنه لو قال: أنت طالق إن لم أطلقك، فإذا مات ولم يطلقها، فيتضح لنا أنها طلقت قُبيل موته، وما ذكره ابن سريج يقتضي ألا يقع الطلاق، ولو هجم هاجم على ركوب هذا، لكان خارقاً للإجماع. فرع: ٩٣١٦ - إذا قال لامرأته: إن خالفت أمري، فأنت طالق، ثم قال لها: لا تكلمي زيداً، فكلمته، لم تطلق؛ لأنها خالفت نهيه، ولم تخالف أمره. ولو قال لها: إن خالفتِ نهيي فأنت طالق، ثم قال لها قومي، فقعدت، فقد ذهب الفقهاء إلى أن الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به، وقالوا على حسب معتقدهم: إذا قعدت، فقد خالفت نهيه، فيقع الطلاق، وقد أوضحنا في مجموعاتنا في الأصول أن الأمر لا يكون نهياً، ولا يتضمن نهياً، فلا يقع الطلاق إذاً. ولو كنا نعتقد اعتقاد الفقهاء، لتوقفنا في وقوع الطلاق أيضاًً؛ فإن الأيْمان لا تحمل على معتقدات الناس في الأصول، وإذا قال لها الرجل: قومي، فلم يوجد منه نهي

стр. 7367

حتى يفرض تعلّق الطلاق بمخالفته، والطلاق لا يقع بالضِّمْن إذا لم يجر الوصف الذي هو متعلق الطلاق تحقيقاً. فرع: ٩٣١٧ - إذا قال لنسائه: من أخبرتني بقدوم زيدٍ، فهي طالق، فأخبرته منهن واحدة، طلقت، صادقةً كانت أو كاذبةً. وقال بعض المصنفين: لا يقع الطلاق ما لم تكن صادقة، وهذا فيه احتمال. ولو قال: من أخبرتني أن زيداً قَدِمَ، فهي طالق، فأخبرته واحدة، طلقت، وإن كانت كاذبة، وإنما أوردنا هذا الفرع لحكاية هذا الفرق بين اللفظين، وهو حسن، فانتظم منه أنه إذا قال: من أخبرني بأن زيداً قد قَدِمَ فلا فرق بين الصّدق والكذب، وإن قال: من أخبرني بقُدومِ زيدٍ، فأخبرت واحدة كاذبةً، ففي المسألة وجهان، لم أقدّم ذكرهما. فرع: ٩٣١٨ - إذا قال: أنت طالق بمكة، وأراد تعليق الطلاق على أن تأتي مكة وتطلّق حينئذ، فهذا محتمل، وإن قال: أردت التنجّيز، قَبِلْنا، ولم نتأنّق في إظهار وجهٍ من الوقوع. وإن أطلق لفظه، فقد حكى شيخي وجهين في أنه هل يحمل على التعليق، أو على التنجيز، ففي المسألة احتمال، أما التعليق، فسابق إلى الفهم، وأما التنجيز، فسببه أنه ليس في اللفظ أداة تصلح للتعليق. فرع: ٩٣١٩ - إذا قال لامرأته: إذا دخلت الدار، فأنت طالق، ثم قال: عجّلت تلك الطلقة المعلقة وجعلتها منجّزة، فإنها تقع في الحال. ولو وُجدت تلك الصفة، ففي وقوع الطلاق وجهان ذكرهما شيخي، وحاصلهما يرجع إلى [أن] (١) الطلاق المعلق هل يقبل التنجيز أم لا؟ وقد قدمت هذا في أول كتاب الخلع، ولكن رأيت هذين الوجهين للشيخ أبي عليّ، فأحببت نقلهما. فرع: ٩٣٢٠ - إذا قال: أنت طالق إلى حين، أو زمان، فإذا مضت لحظة وإن لطفت، حكمنا بوقوع الطلاق؛ فإن اسم الحين والزمان ينطلق عليه.

стр. 7368

ولو قال لها: إذا مضى حِقَبٌ أو دهرٌ، فأنت طالق، قال الأصحاب: هذا كما لو قال: إذا مضى زمان أو حين، وهذا مشكل جداً؛ فإن اسم الدهر والحقب لا يقع على الزمان اللطيف، وإيقاع الطلاق بعيد مع حسن قول القائل هذا الذي مضى ليس بدهرٍ، وقيل: سُئل أبو حنيفة (١) عن تعليق الطلاق بالدهر، فقال: لا أدري، وروجع مراراً فأصرّ عليه. والذي أراه فيه أن العَصر عبارة عن زمانٍ يحوي أمماً، فإذا انقرضوا، فقد انقرض العصر، أو من قول الناس: انقرض عصر الصحابة. ومن كلام الأصوليين هل يشترط في انعقاد الإجماع انقراض العصر؟ هذا بيّن في معنى العصر، والحكم بوقوع الطلاق دون ذلك، أو في الزمن القريب بعيد عندي، وأما الدّهر، فإطلاقه على الزمان القريب بعيدٌ، [بعد] (٢) ما تمهّد من وجوب إمالة الفتوى إلى نفي الطلاق. وهذه الألفاظ تُصوّر مطلقةً، وفيها يقع الكلام، وبحقٍّ توقّف أبو حنيفة في هذه المسألة، وفي القرآن ما يدل على أن الحين من الدّهر، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان:١] وسُمي القائلون بقدم العالم دهريةً، وقد يطلق الدهر، ولا يراد به الزمان، وهو معنى تسمية الملحدة دَهْرية، فإنهم يضيفون مجاري الأحكام إلى الدّهر، وإلى هذا أشار الرسول ﵇، وقال: "لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر" (٣) وليس ينقدح لي في الدهر معنى إذا كان مطلقاً، وقرن بالمضي إلا الحمل على العصر، فإنه يقال مضى عصر الأكاسرة، وانقضى دهرهم، ولست واثقاً بهذا أيضاًً، والذي حكيته عن الأصحاب تنزيل الدهر والعصر منزلة الحين والزمان. فرع: ٩٣٢١ - قال صاحب التقريب: إذا قال: أنت طالق اليوم إذا جاء الغد، فلا يقع أصلاً، فإنه علق وقوع الطلاق في اليوم على مجيء الغد، فلا يقع الطلاق قبل

стр. 7369

مجيء الغد، ثم إذا جاء الغد، فقد مضى اليوم، فلا يمكننا أن نوقع الطلاق في الزمان الماضي. ولا يبعد أن يقال: يقع الطلاق إذا جاء الغد مستنداً إلى اليوم، كما لو قال: إذا قدم زيد، فأنت طالق قبل قدومه بيوم، فالمسألة مشكلة. فروع ذكرها ابن الحداد من مسائل الخلع ٩٣٢٢ - منها: إن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق ثنتين إحداهما بألف، فنقول: لا تخلو المرأة إما أن تكون مدخولاً بها، وإما ألا تكون مدخولاً بها، فإن كانت مدخولاً بها، فلا يخلو إما أن قبلت الألف أو لم تقبلها: فإن قبلت الألف، حكمنا بوقوع الطلقتين على الصحيح، وسنذكر فيها خلافاً في أثناء المسألة، إن شاء الله. وإن لم تقبل الألف، فهل يقع طلقة واحدة أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يقع شيء؛ فإنه ذكر عوضاً في مقابلة إحداهما، وجعل الأخرى تابعة لها، فإذا لم تقع التي هي بعوض، فلا تقع الأخرى. والوجه الثاني - تقع واحدة من غير عوض رجعية؛ فإنّه علق إحداهما بعوض، ولم يعلق الأخرى بالعوض، فينبغي أن تقع، فلا تفتقر إلى القبول، قال الشيخ هذا هو القياس، واختار ابن الحداد الوجه الأوّل. ثم قال ﵁، ولا خلاف أنه لو قال: أنت طالق ثنتين واحدة بألفٍ، والأخرى بغير شيء، فتقع تلك الواحدة من غير قبول، [وحكي] (١) الوفاق في هذه الصيغة، وليس يبعد عندنا طرد الوجهين فيها أيضاًً تشبيهاً (٢) بالمسألة الأولى. فإن قلنا: إنه لا يقع شيء أصلاً لو لم تَقبل، فإذا قبلت وقعتا جميعاًً. وإن قلنا: إن طلقةً تقع من غير قبول، فعلى هذا كما (٣) قال الزوج ما قاله،

стр. 7370

حكمنا بوقوع طلقة رجعيةٍ، فإذا قبلت فيكون ذلك بعد وقوع طلقة رجعية، فإذا قبلت، فيكون ذلك اختلاعاً بعد وقوع طلقةٍ رجعيةٍ. وقد اختلف المذهب في أن الرجعية هل يصح اختلاعها؟ فإن جوّزناه، فقد لزمها الألف وبانت، وإن قلنا: لا يلزمها المال أصلاً، قال الشيخ: فهل يقع الطلاق الثاني رجعياً مع الأوّل، فيقع طلقتان رجعيتان، فعلى وجهين: أحدهما - لا يقع؛ فإن المال لم يلزم وهو [ملازمٌ للمال] (١). والثاني - إنه يقع؛ فإن المرعي في وقوع الطلاق القبول، وقد جرى، فأشبه ما لو خالع امرأته المحجورة. هذا كله إذا كانت المرأة مدخولاً بها. ٩٣٢٣ - فإن كانت غير مدخول بها والمسألة بحالها، فإن قلنا: لا يقع طلقة من الطلقتين إلا بالقبول، فإن قبلت، صح الخلع ووقعتا جميعاًً. وإذا قلنا: تقع طلقة مجّاناً، فتبين بها قبل أن تجيب، ولا يصح الخلع أصلاً، فلا حكم لقبولها، فإنه جرى بعد البينونة. وفي المسألة مباحثةٌ نُطلع على لطفها وسرِّها، وذلك أنا إذا قلنا: لا يقع شيء إذا لم تقبل، فإذا قبلت، وقعت الطلقتان، فإحداهما تُقابل بالعوض والأخرى عريَّةٌ عن العوض، والطلاق المقابَل بالعوض في حق المدخول بها مُبينٌ، والطلاق الذي لا عوض معه، ولا يحصل استيفاء العدد به ليس بمُبين، فيقع طلاقان: أحدهما - المبين ويقترن [به] (٢) طلاق على نعت الطلاق الرجعي. ٩٣٢٤ - ولو قال لامرأته التي دخل بها: إذا طلقتك، فأنت طالق، ثم خالعها، طُلِّقت طلقةً بعوض، ولم تلحقها الطلقة المعلقة؛ فإنها لو لحقتها، لصادفت بينونةً، واقتران البينونة يمنع وقوع الطلاق، كما أن تقدّم البينونة يمنع استعقاب الطلاق، فكيف يقع طلاقان مختلفان أحدهما بمال والآخر عريٌّ عن العوض، فالطلاق المُبين

стр. 7371

ينافي وقوع الطلاق الذي لو انفرد، لكان رجعيّاً. وإن قيل في جواب ذلك: لا يمتنع في الاجتماع هذا؛ فإن من طلق امرأته ثلاثاً، فلو فرضنا الاقتصار على طلقتين، لكانتا رجعيتين، والثالثة توقع الحرمة الكبرى، ثم لم يمتنع الاقتران. وهذا لا يدفع بالسؤال، فإن الثلاث إذا جمعت، فحكمها تحريم العقد، ولا يتصف طلقة منها بكونها رجعية، بل حكم جميعها تحريم النكاح، والطلاق بالمال متميز عن الطلاق المقترن به صفةً وحكماً، فيقع الطلاق المقترن به مع البينونة، والواقع مع البينونة يصادف بائنة، وإذا صادف بائنةً، وجب ألا يمتنع وقوعه بعد البينونة. فوجه الجواب إذاً أن نقول: إذا فرعنا على أن المرأة لو لم تقبل المال، لم يقع واحدة من الطلقتين، فاستحقاق المال يتعلق بالطلاقين، وإن أثبت أحدهما أصلاً والثاني تبعاً، فسبب وقوع التابعة ارتباطها؛ بالأخرى؛ من حيث إنها تتوقف على قبول المال توقف الأخرى. هذا هو الوجه في الانفصال عن السؤال، وقد تركنا على الناظر فضلَ نظر، فلينظر، فقد مهدنا السبيل. ٩٣٢٥ - ولو قال: أنت طالق ثلاثاًً على ألف، فقالت: قبلتُ واحدة، أو قالت: قبلت واحدةً بثلث الألف، فلا يقع الطلاق أصلاً، وبمثله لو قالت المرأة لزوجها: طلقني ثلاثاً بألف، فطلقها واحدة، استحق ثُلثَ الألف. وقد قدمنا هذا في أصول الخلع، واستفرغنا الوُسع (١) في الفرق. قال الشيخ: رأيت لبعض أصحابنا تخريجاً في جنب الزوج، أنها إذا سألت ثلاثاًً بألف، وأجابها إلى واحدةٍ لم يستحق شيئاً، ولم يقع الطلاق قياساً على جانبها. وهذا غريب جداً. ولو قال لامرأته: أنت طالق على ألف، فقالت: قبلت واحدة بألفٍ، قال

стр. 7372

الشيخ: المذهب الصحيح أن الطلاق يقع على الجملة على ما سنفصله، إن شاء الله، وإنما قلنا ذلك، لأن التعويل في جانبها على قبول المال، وقد قبلت المال. ومن أصحابنا من قال: لا يقع الطلاق لاختلاف الإيجاب والقبول، فأشبه ما لو قال الرجل: بعت منك هذين العبدين بألف، فقال المخاطب: قبلت البيع في هذا العبد بألف، فلا يصح البيع. قال الشيخ ويحتمل أن نقول: يصح البيع في ذلك العبد بالألف، تخريجاً على أصلٍ وهو أنه لو قال لوكيله: بع عبدي هذا بألفٍ، فباعه بألفٍ وثوبٍ، فهل يصح ذلك؟ فيه قولان وتفصيلٌ طويل. وهذا التخريج في البيع بعيد؛ من قِبل أن المخاطب في البيع إذا غير طريق المقابلة يخرج كلامه عن كونه جواباً، والمرأة إذا قبلت الألف، فتعرضها لعدد الطلاق وتوحيده لا معنى له، فإذا عرفت أن الأصح وقوع الطلاق، فكم يقع؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: يقع واحدة، فإنها قبلت واحدة، وهذا ظاهر كلام ابن الحداد. وإن لم يصرح به، وذلك أنه قال: قد أجابته وزادته خيراً، فلو كان يقع الثلاث، لما كان لما قاله ابنُ الحداد معنى. والوجه الثاني - وهو اختيار القفال أنه يقع الثلاث، وهذا هو المذهب الصحيح، وذلك أن قبول الطلاق وتفصيله ليس إليها، وإنما إليها قبول المال فحسب، فمهما (١) قبلت ما رامه الزوج من المال، وقع ما قاله الزوج من الطلاق، وما ذكره الشيخ أبو علي من التخريج في البيع ينقدح على رأي ابن الحداد، ولا خروج له على الأصح الذي اختاره القفال، ولا يخفى دَرْكُ ذلك على الناظر. ثم إذا حكمنا بوقوع الطلاق، فالمذهب الصحيح أن الألف يلزم. قال الشيخ: رأيت لابن سريج وجهاً أن العوض يفسد، والرجوع إلى مهر المثل، قال الشيخ، وهذا محتمل [إن] (٢) قلنا: يقع طلقة واحدة، بل هذا [أوجه] (٣) على

стр. 7373

هذا الوجه، وإن قلنا يقع الثلاث، ففساد العوض أبعد على ذلك. ٩٣٢٦ - ثم ذكر ابن الحداد مسائل في الاختلاف نشير إلى بعضها؛ فإن أكثرها متعلق بكتب ستأتي، إن شاء الله. فمما ذكره أن الرجل إذا كان تحته صغيرة وكبيرة، فخالع الكبيرة، على مال، وأرضعت الكبيرة الصغيرة، وأشكل الأمر، فلم ندر أيهما أسبق، ولا يخفى حكم سبق كل واحدٍ منهما لو ظهر، فلو سبق الرضاع، لغا الخلع، ولو سبق الخلع صح، ولا أثر للرضاع في الإفساد؛ فإن اختلف الزوجان، نُظر: إن اتفقا على وقت الخلع، وأنه جرى يوم الجمعة، واختلفا في وقت الرضاع، فقال الزوج: جرى يوم السبت، فقالت: بل يوم الخميس، فالقول قول الزوج، والأصل بقاء النكاح يوم الخميس، وإن اتفقا على أن الرضاع كان يوم الجمعة، واختلفا في الخلع، فقال الزوج: كان يوم الخميس وقالت: لا بل يوم السبت، فالقول قولها؛ فإن الأصل بقاء النكاح، وذكر من هذا الجنس مسائل ستأتي في كتبٍ، إن شاء الله، فلم نأت بها. فرع: ٩٣٢٧ - إذا قالت المرأة لزوجها، طلقني على ألف درهم طلقة، فقال: طلقتك بخمس مائة، فالمذهب أن الطلاق يقع بمجرد ذلك. ومن أصحابنا من قال: لا يقع لاختلاف الإيجاب والقبول، كما لو قال: بعني عبدك بألفٍ، فقال بعتكه بخمسمائة، قال الشيخ أبو علي: تصحيح البيع محتمل عندي، وقد قدمنا لذلك نظيراً. ثم إذا وقع الطلاق، فكم يستحق الزوج؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ: أحدهما - أنه يستحق تمام الألف؛ فإن تقدير المال إليها، والطلاق إليه. والوجه الثاني - أنه لا يستحق إلا خمسمائة؛ فإنه رضي بها ولم يقبل الملك إلا فيها، والعوض لا يُمْلَك إلا بتمليك وتملك، ويحتمل عندي أن يُخرّج وجهٌ في المسألة في فساد العوض، والرجوع إلى مهر المثل. وقد ذكر الشيخ لهذا نظيراً فيما سبق، ولم يذكره هاهنا. ولو قال الرجل لآخر: إن رددت علي عبدي الآبق، فلك عليّ دينار، فقال

стр. 7374

المخاطب: أرده بنصف دينارٍ، فالوجه عندي القطع بأنه يستحق الدينار؛ فإن القبول لا أثر له في الجعالة، وقد ينقدح فيه خلاف أيضاًً؛ فإن قبول المال لا أصل له في الخلع أيضاًً، فالطلاق ثَمَّ كردّ العبد هاهنا، غيرَ أن الطلاق قولٌ شُرط اتصاله بالاستدعاء، فضاهى القبول ولبسه (١). فرع: ٩٣٢٨ - الزوج إذا ادعى اختلاع امرأته بألف درهم، فأنكرته، فأقام شاهداً وحلف معه، أو شاهداً وامرأتين، ثبت المال؛ فإن المال يثبت بما ذكرناه، أما الفرقة، فقد ثبتت (٢) بقوله. ولو ادعت المرأة الخلع، فأنكره الزوج، فلا بد من شاهدين؛ فإن غرضها إثبات الفرقة. قال الشيخ: لو ادعى الرجل الوطء في النكاح، وغرضه إثبات العدة والرجعة، فلا يقبل منه إلا شاهدان [إن] (٣) أراد إقامة البينة. ولو ادعت المرأة مهراً في النكاح، وأنكر الزوج أصل النكاح، فأقامت شاهداً ويميناً على النكاح، وغرضها إثبات المهر، قال الشيخ: لم يثبت شيء بخلاف ما قدمناه، وذلك أن النكاح ليس المقصود منه إثبات المال، وإنما المال تابع، والنكاح لا يثبت إلا بشهادة عدلين. وكان شيخي يقول: يثبت المهر إذا قصدته. وما ذكره الشيخ أبو علي أفقه (٤)؛ فإنها وإن أثبتت مقصود المال، فمقصودها في النكاح غيرُ المال، والشاهد لهذا أن الشافعي لم يقض بانعقاد النكاح بحضور رجل وامرأتين، وهذا مشعر بأن النكاح من الجانبين لا يثبت إلا بعدلين، ولا يثبت شيء من مقاصده، وفي المسألة احتمال على حال.

стр. 7375

وسأجمع بتوفيق الله في الدعاوى والبيّنات قواعدَ المذهب فيما يثبت بالشاهد والمرأتين، وما لا يثبت إلا بعدلين. وإلى الله الابتهال في تصديق الرجاء وتحقيق الأمل، وصرف ما نتعب فيه إلى نفع المسلمين، وقد نجز ما حصرنا من مسائل الطلاق أصلاً وفرعاً، وستأتي بقايا في الرجعة، والإيلاء، والظهار، إن شاء الله. ٩٣٢٩ - وقد كنا وعدنا أن نجمع في آخر الكتاب قولاً ضابطاً يجري مجرى التراجم المذكّرة، والكتابُ مشتمل على أحكام وتصرُّفٍ في ألفاظ، فأما الأحكام، فلها أصول، وقد تمهدت وتفرعت. وأما الألفاظ، فالكلام فيها على أنحاء، منها: القول في الصريح والكناية، وقد مضى موضّحاً، ولا مَعْدِل عما هو صريح لفظاً ومحلاً وصيغةً إلا بجهات التديين، وقد انتظمت قواعد التديين. والقول في الكنايات مضبوطٌ، فلا حاجة إلى إعادته، والصرائح تجري على صيغ، وصلات، وتكريرات تتردد بين التأكيد والتجديد وغيرها، فيلقى الفقيه أقساماً [وربما] (١) يقتضي الإطلاق وقوعاً، وينتظم في إبداء تأويل يخالف الوقوع خلافٌ (٢). وربما يقع الوفاق في قبول التأويل، ويجري في الإطلاق خلاف. وقد قدمت مراتب المذهب فيه. هذا كله تصرف في الصريح والكناية ومبانيها وصلاتها، ومحالّها. ٩٣٣٠ - فأما ألفاظ المطلّقين في صفاتهم وتعليقاتهم، فلا ضبط لها، فكل ما يتفق فيه موجب اللسان والعرف، فالحكم به، ولا حيد عنه إلا بالتّدْيين على شرطه (٣). وإذا أشكل اللفظ في اللسان والعرف، فإن كان مثبَّجاً (٤)، فلغوٌ؛ فإن النية

стр. 7376

المجردة لا توقع الطلاق، وإن كان مردداً بين الاحتمالات، فليس إلا مراجعة صاحب اللفظ. وإن اقتضى اللسان معنىً والمفهومُ في عرف الاستعمال غيره، فيختلف العلماء في أن المتبع اللسان، أو ما يسبق إلى الفهم في اطراد العرف، وعلى هذا التردد خرجت مسائل المعاياة، وذكرنا أن المختار اتباعُ العرف؛ فإن العبارات لا تُعنى لأعيانها، وهي على التحقيق أماراتٌ منصوبة على المعاني المطلوبة، وهذا منتهى المراد. ***

стр. 7377

كتاب الرجعة ٩٣٣١ - الأصل في الرجعة الكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والرد: الرجعةُ باتفاق المفسرين، وقال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قيل: أراد بالإمساك الرجعة في العدة، وأراد بالتسريح أن يتركها حتى تنسرح بانقضاء العدة، وقيل: الإمساك في الآية ليس رجعة، والمراد مخاطبة الأزواج بأن يمسكوا بالمعروف، أو يسرحوا بالإحسان. وذكر الشافعي في أول الكتاب آيتين إحداهما قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] والأخرى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] ثم قال: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين، فالبلوغ في قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ بمعنى مقاربة انقضاء العدة، لأن العدة إذا انقضت، فلا سبيل إلى الإمساك، ولا ينتظم التخيير بينه وبين التسريح، والبلوغُ في الآية الثانية بمعنى انقضاء العدة؛ فإن النهي عن العضل لا يتحقق إلا عند انقضاء العدة، أما البلوغ بمعنى الانقضاء، فبيّنٌ لا يحتاج فيه إلى تأويل، وأما البلوغ بمعنى المقاربة، ففيه ضَربٌ من التوسع، وهو على مذهب قول القائل: "بلغت البلدة" إذا قاربها ودنا منها. والأصل في الرجعة من جهة السّنة ما روي أن النبي ﷺ قال لعمرَ في ابنه عبدِ الله "مُرْه فليراجعها" الحديث. وأجمع المسلمون على ثبوت الرجعة، فمن يملك ثلاثَ طلقاتٍ يُتصوّر منه رجعتان إحداهما بعد الطلقة الأولى، والثانية بعد الثانية، والطلقة الثالثة تُحرِّم عقد النكاح تحريماً ممدوداً إلى التحليل والتخلّي من نكاح المحلِّل وعِدّته. والعبد يملك طلقتين ورجعةً واحدةً، ثم الاعتبار عندنا في عدد الطلاق برق الزوج وحريته، فالحر يملك ثلاثَ طلقات، سواء كانت زوجته حرة أو رقيقة، والعبد يملك

стр. 7378

طلقتين سواء كانت زوجته حرةً أو رقيقةً، وأبو حنيفة (١) اعتبر في عدد الطلاق رق الزوجة وحرّيتها، والمسألة مشهورة في الخلاف. فصل قال: "والقولُ فيما يمكن فيه انقضاءُ العدة قولُها ... إلى آخره" (٢) ٩٣٣٢ - مقصود هذا الفصل يتعلق بالأصناف التي تتعلق العدة بها، فنذكر في كل صنف ادعاء المرأة انقضاء العدة، فإن كانت من ذوات الأشهر، بأن تكون آيسة متقاعدةً عن الحيض، فإذا ادعت انقضاء الأشهر وأنكر الزوج، فهذا الخلاف في التحقيق يرجع إلى وقت الطلاق، وإذا اختلف الزوجان في وقت الطلاق، فالقول قول الزوج مع اليمين لا محالة؛ إذ الرجوع إلى قوله في أصل الطلاق وعَدده، فالقول قوله في وقت الطلاق. وحقيقةُ هذا يرجع إلى نفي الطلاق وإثباته في الوقت المعيّن، فهي تدعي الطلاق فيه، والزوج ينكر. فأما إذا كان انقضاء العدة بوضع الحمل، وهذا ينقسم ثلاثة أقسامٍ: أحدها - أن تدعي إسقاط سقطٍ (٣) ظهر فيه التخطيط والتخليق، فالقول قولها مع اليمين؛ إذ لا طريق إلى معرفة ذلك إلا من جهتها، فكان الرجوع إليها، كما لو ادعت الحيض، ولا يشترط أن تأتي بالسقط وتُريه الناس، وإن كان ذلك داخلاً في الإمكان؛ فإنها وإن فعلت ذلك، لم نتحقق أن السقط منها، فلا معنى لتكليفها ذلك. ثم ذكر القاضي وبعضُ المصنفين أن إسقاط السقط إنما يكون في مائة وعشرين يوماً، فإن ادعت ذلك في هذه المدة من يوم إمكان الوطء بعد النكاح، قُبل ذلك

стр. 7379

منها، وإن ادعت إسقاط السِّقْط لأقلَّ من ذلك من يوم النكاح، لم يقبل ذلك منها. قال ابن مسعود ﵁: قال رسول الله ﷺ : "بدء خلق أحدكم في بطن أمه أربعون يوماً نطفة، وأربعون يوماً علقة، وأربعون يوماً مضغة، ثم يبعث الله ملَكاً فينفخ فيه الروح، ويكتب أجله ورزقه، ويكتب [أشقييٌّ] (١) هو أم سعيد" (٢). ولو ادعت إسقاط لحم، لم يظهر فيه التخطيط ففي انقضاء العدة بوضعه قولان، سيأتي ذكرهما في كتاب العِدد، إن شاء الله. فإذا قلنا: لا تنقضي العدة بوضعه، فلا معنى لادعائها، وإن قلنا: تنقضي العدة به، فالقول فيه كالقول في القسم الأول، فيقبل قولها مع يمينها، ثم إن ادعته لثمانين يوماً من يوم النكاح، صُدِّقت وحُلِّفت، وإن ادعته لأقلَّ من ذلك من يوم النكاح، لم تصدق، وإذا كنا في أمثال هذه المدد والحُكم بالأقل منها والأكثر نرجع إلى الوجود - مع ما فيه من الخبط والاضطراب- فإذا وجدنا فيه مستمسكاً من خبر الرسول ﷺ ، كان أولى بالتعلق، وقد دل حديث ابن مسعود أن التخليق في المائة والعشرين، وانعقاد اللحم على تواصل والتئام في ثمانين يوماً. ولو ادعت ولادة ولدٍ كاملِ الخلقة، فالقول فيه قولها في ظاهر المذهب، وقال أبو إسحاق: لا يقبل قولها؛ لأن الولادة تشهدها القوابل في الغالب بخلاف السِّقْط فإن سقوطه يفجأ، والولد التام يقدُم انفصالَه الطَّلْقُ، والولادة فيه على الجملة مشهودة، وهذا المذهب متروك على أبي إسحاق، والأصح تصديقها؛ فإن النساء مؤتمنات في أرحامهن (٣). ٩٣٣٣ - فأما إذا كانت عدتها بالأقراء، فادعت انقضاء العدة، فهذا من حقه أن

стр. 7380

يذكر في كتاب العِدد، ولكن توافَقَ الأصحابُ في المجموعات والمصنفات على ذكره [في الرجعة] (١)؛ فإن الحاجة ماسة [إلى ذلك] (٢) في أمر الرجعة وبقائها وانقضائها، فالمرأة لا تخلو إما أن تكون مبتدأة، أو معتادة، فإن كانت معتادةً، فلا تخلو إما أن تكون عاداتها مختلفة، وإما أن تكون أدوارها مستقيمة، فإن كانت عاداتها مختلفة، أو كانت عادتها مستقيمة على الأقل في الطهر والحيض، نظر: فإن طلقها في حالة الطهر، فأقل مدة تصدق فيها على انقضاء العدة اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان؛ لأنا نقدر وقوع الطلاق، وقد بقي من الطهر لحظة، فنحسبها قرءاً، ثم بعدها يوم وليلة حيضٌ، ثم خمسةَ عشرَطُهرٌ، ثم يوم وليلة حيضٌ، ثم خمسةَ عشرَ طهر، ثم تطعن في حيضة بلحظة، وهذه اللحظة للاستبانة محسوبةٌ من العدة. فإن ادعت انقضاء العدة في اثنين وثلاثين يوماً ولحظة واحدة، فهذا يخرج على قولٍ للشافعي في أن القرء وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض. فعلى هذا إذا قال: أنت طالق في آخر جزءٍ من طهركِ، فيقع الطلاق في الجزء الأخير من الطهر، ويُحْسَب انتقالها إلى الحيض قرءاً، فيسقط لحظة، وعلى المشهور لا بد من لحظة من الطهر بعد الطلاق، وقول الانتقال لا يتصور إلا إذا كان الطلاق معلقاً، بآخر جزء من الطهر؛ فإنه لا يمكن تنجيز طلاق مع درك مصادفته للجزء الأخير من الطهر، وإذا علق، وقع كذلك. ٩٣٣٤ - وإن طلقها في حالة الحيض، فأقل مدة تُصدَّقُ فيه على انقضاء العدة سبعة وأربعون يوماً ولحظة؛ لأنا نقدر وقوع الطلاق في آخر جزء من الحيض بالتعليق، فيمضي خمسةَ عشرَ يوماً وهي طهر، ثم يوم وليلة حيض، ثم خمسةَ عشرَ يوماً، ثم يوم وليلة، ثم خمسةَ عشرَ، ثم تطعن بلحظة في الدم، وهذه اللحظة للاستبانة، وليست محسوبة من العدة، ولم نشترط في أول العدة أن تبقى من الحيض لحظة؛ لأن زمان الحيض لا يحتسب من العدة، بخلاف ما قدمناه في زمان الطهر؛ فإن اللحظة

стр. 7381

الأخيرة محسوبة من العدة معدودة قرءاً، والانتقال من الطهر إلى الحيض معدود قرءاً في قول بخلاف الانتقال من الحيض إلى الطهر. فهذا بيان أقل زمان يفرض انقضاء العدة فيه، إذا صادف الطلاق الطهر أو الحيض، فإن ادعت الانقضاءَ في زمان ممكن، صُدِّقت مع اليمين. وإذا ادعت الانقضاء في زمان أقلَّ مما ذُكر، فلا شك أنا لا نصدقها؛ فإنها ادعت ما لا يوافقه الإمكان، فلو مضى من الزمان ما انتهى به الأمد إلى حد الإمكان، فإن كذََّبت نفسَها فيما ادعته من قبل، وابتدأت (١) عند مضي زمان الإمكان، فادعت الانقضاء الآن، صُدِّقت بلا خلاف. وإن أصرّت على دعواها الأولى التي كذبناها فيها، ثم انقضى من الزمان ما يتصل به الإمكان، فهل نصدقها الآن؟ فظاهر المذهب أنا نصدقها، ولا معوّل على ما سبق منها، وإصرارُها على دعوى انقضاء العدة بمثابة ابتدائها الدعوى بعد تحقق الإمكان. وهذا يناظر ما لو ادّعى المخروص عليه في الزكاة غلطاً متفاحشاً على الخارص لا يتفق وقوع مثله لخبيرٍ بالخرص، [فقول] (٢) المخروص عليه مردود في المقدار المتفاحش، وهل يقبل قوله في المقدار الذي يقع مثله للخارص المتدرب؟ المذهب أنه يقبل قوله في ذلك المقدار، وإن كانت دعواه متعلقة به وبالزائد عليه المنتهي إلى ما يندر وقوعه. ومن أصحابنا من قال: إذا أصرت المرأة على دعواها الأولى، ولم تكذب نفسها فيما سبق منها، ولم تستفتح دعوى ممكنة، فلا يقبل قولها؛ فإن انقضاء العدة مما لا يتكرر، والذي ادعته مردود، ولم تدع دعوى أخرى، فتقبل والحالة هذه، وهذا الوجه له اتجاه في المعنى، وإن كان الأظهر غيرَه. والقائل الأول يقول: إذا كنا لا نصدقها وهي مصرّة أدّى ذلك إلى أن ينقضي الزمن الأمد ولا نحكم بانقضاء عدتها بالبادرة التي صدرت منها.

стр. 7382

[وكل] (١) ما ذكرناه فيه إذا كانت عادتها مضطربة أو كانت عادتها مستقيمة على الأقل في الحيض والطهر. ٩٣٣٥ - فأما إذا كانت عادتها مستقيمة على الأغلب في الحيض والطهر مثلاً، فادعت انقضاء العدة في أقلَّ من ثلاثة أقراء معهودة في أدوارها، فهل يقبل قولها أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما -وهو الأصح- أنه يقبل؛ لأن العادة قد تتغير وتتبدل بالزيادة والنقصان، والتقدم والتأخر، والأصل تصديقها إذا أخبرت بمُمكن. ومن أصحابنا من قال: لا تصدق؛ لأن العادة المستمرة تخالف ما تذكره، وهذا الوجه وإن كان مشهوراً في الحكاية، فهو بعيد في الاتجاه. ثم اختلف الأئمة في أن العادة هل تثبت بالمرة الواحدة؟ والأصح ثبوتها بها كما قدمناه في كتاب الحيض. وإذا فرعنا على الرجوع إلى عادتها فيما نحن فيه، فيبعد عندي التعويل على المرة، ويبعد أيضاًً التعويل على المرتين، ولست أرى لهذا الوجه ضبطاً نَنْتهي في التفريع إليه، والتفاريع محنة (٢) الأصول بها يبين فسادُها وسدادُها، ثم لا وجه عندنا مع ما نبهنا عليه من الإشكال إلا الرجوعُ إلى العادة المعتبرة في الحيض، ويجب طرد الخلاف في المرة الواحدة. ٩٣٣٦ - وإن كانت المرأة مبتدأة، ففيما تصدق على انقضاء العدة؟ فيه وجهان مبنيان على أن القرء عبارة عن ماذا؟ فإن جعلناه عبارة عن الانقلاب؛ فإنها تصدق في اثنين وثلاثين يوماً ولحظة؛ فإنا نقدر وقوع الطلاق في اللحظة التي تعقبها الحيضة الأولى، وهذا القائل يقول: الصغيرة إذا حاضت بعد الطلاق، [احتسب] (٣) لها ما جرى قرءاً.

стр. 7383

وإن لم نجعل الانقلاب إلى الحيض قرءاً وجعلنا القرء عبارة عن طهرٍ يحتَوِشُه دمان، فلا نعتد بما يتقدم على الحيضة الأولى طهراً، وتفصيل هذا على كمالِه يأتي في كتاب العدة، إن شاء الله؛ فإذاً لا تنقضي عدتها في أقلَّ من ثمانية وأربعين يوماً ولحظة تطعن بها في الدم؛ فإنه تمر عليها ثلاثة أطهار وثلاث حيض، والمسألة فيه إذا صادفها الطلاق قبيل الحيضة الأولى. فهذا تمام المراد في ذلك، فإن أغفلنا البسطَ التام، فذاك لتعلقه بأصول العدد، وقد ذكرنا في هذا الموضع ما فيه كفاية لغرض الفصل. فصل قال الشافعي: "وهي محرَّمةٌ عليه تحريمَ المبتوتة ... إلى آخره" (١). ٩٣٣٧ - الطلاق الرجعي عندنا يحرم الوطءَ، وجميعَ الاستمتاعات من اللمس والنظر، وهي في التحريم كالبائنة، والشافعي شبهها بالمبتوتة في أصل التحريم، لا في صفته؛ فإن تحريم المبتوتة لا يدفعه إلا نكاحٌ مستجمع لشرائطِ الشرع، بخلاف الرجعية، ووطءُ المبتوتة مع العلم بالتحريم يوجب الحد، ووطءُ الرجعية لا يوجب الحد، وقد هَذَى بعض الناس بإيجابه في الرجعية، ولعله أخذه من القول القديم في وجوب الحد على من وطىء مملوكته المحرمة عليه بالرضاع، أو وطىء مملوكته وقد زوجها، وهذا على نهاية البعد؛ فإن الرجعية مستحلّةُ الوطء عند شَطر الأمة، فهذا إذاً غيرُ معتد به، ولا عود إليه. ثم أطلق الأصحاب القول بأن الطلاق الرجعي يؤثِّر في الحل وإزالة الملك، ولكنه قابل للارتجاع والردّ، ورُبَّ ملك يزول مع إمكان التدارك فيه. ٩٣٣٨ - ثم قال الأصحاب: انتظم من قواعد المذهب ثلاثةُ أقوال في أن الطلاق الرجعي هل يزيل الملك، قولان منها مأخوذان من [أصولٍ ثلاثة للشافعي] (٢) أحدها -

стр. 7384

مخالعة الرجعية، وفيها قولان: أظهرها - أنها جائزة، والثاني - الإشهاد على الرجعة، وفي وجوبه قولان. والثالث (١) - أن مدة أربع سنين (٢) تعتبر من وقت الطلاق أو من وقت انقضاء العدة، يعني عدة الرجعية، وفيه قولان. وأما القول الثالث، فهو التوقف؛ فإن انسرحت تبينا زوال الملك بالطلاق، وإن روجعت، تبينا أنه لم يَزُل، وهذا القول مأخوذ من قول بعض أصحابنا: إن الرجعية إذا وطئها زوجها نظر: فإن راجعها في العدة، لم يلتزم المهر بوطئها، وإن تركها حتى انقضت عدتها، لزمه المهر، وسنذكر هذا مفصلاً على أثر ذلك، إن شاء الله. فاستنبط الأصحاب عن هذه الأصول ثلاثةَ أقوال، وهي شبيهة بالأقوال في أن الملك في زمان الخيار في البيع لمن؟ والذي عندنا فيه أن المصير إلى زوال الملك خروجٌ عن المذهب، وقد قال الشافعي: الرجعية زوجة بخمس آيٍ من كتاب الله، وذكر الآيات المتعلقة بالأحكام التي استشهد بها، وكيف لا تكون زوجةً وهي وارثةٌ وموروثةٌ، والتوريث لا يقع من الجانبين إلا بالنكاح، والطلاق يلحقها، ولا تطلق إلا منكوحة، ولا ينكِحها مُطلِّقها، بل يرتجعها، فهي إذاً صائرة إلى البينونة لو لم يرتجعها زوجها. وأما أخذ زوال الملك من وجوب الإشهاد، فساقط؛ فإنه مأخوذ من التعبد لا غير، ولو لم يكن كذلك، لاشترط رضاها والولي، وأما إفساد (٣) مخالعة الرجعية، فهو في الأصل غير متجه. ولو كان عليه معوّل، لكان امتناع الخلع لزوال الملك، ولامتنع التطليق من غير عوض أيضاً بناءً على هذا الأصل، وأما احتساب أكثر مدة الحمل من وقت الطلاق، فسببه أنها غير مستفرشة، ونحن لا نقنع بصورة النكاح في

стр. 7385

الإلحاق، حتى لو غاب الرجل عن المرأة مدة يُقطَع بأنهما ما التقيا فيها، فإنا لا ندخل تلك المدة في الإمكان المعتبر على ما سيأتي في موضعه، إن شاء الله. وأما قول الوقف، فعلى نهاية السقوط؛ فإن مضمونه الحكمُ بالبينونة مستنداً إلى الطلاق، كما نفعل مثل ذلك في الردة الطارئة على النكاح. ٩٣٣٩ - فإن قيل: لم حرمتم وطأها إن كانت منكوحة؛ ولم قضيتم بانقضاء عدتها؟ والعدة لا تنقضي عن الزوج في الزوجية؟ قلنا: هذا مثار الإشكال، فإن كنا ننشىء زوال الملك من أصلٍ، فهذا أولى بالذكر من التحويم على [خيالات] (١)، ثم تحريم الوطء [يستند] (٢) إلى الآثار قبل الحقائق، والتحريمُ قد يحصُل بعوارضَ، والملك تامّ، فكيف إذا ظهر التحلل؟ وهذا مما نستخير الله فيه، ولم يصر أحد من أصحابنا إلى إطلاق البينونة لا تحقُّقاً ولا استناداً، وإنما عبروا بالبينونة عن انبتات الملك على وجهٍ لا يُستدرك بالرجعة. والحاصل عندنا مما قدمناه أن الزوجية باقية، ولكن الطلاق يُجريها -إذا كانت مدخولاً بها- إلى البينونة، وجريانُها إلى البينونة يوجب تحريمَها والاحتسابَ بعدّتها، هذا حكم الشرع فيها، ولا شك أنه خارج عن قياس الأقيسة الجلية، ولا يتخلص أبو حنيفة (٣) عن هذا الإشكال بإباحته وطأَها؛ فإنه وافق في شروعها في العدة، والعدةُ لا تمضي من الزوج في صلب النكاح، بدليل أن عدة التي آلى عنها زوجها لا تنقضي في الأربعة الأشهر، وإن كان الإيلاء طلاقاً عند أبي حنيفة.

стр. 7386

فصل قال: "ولمّا لم يكن نكاح ولا طلاق إلا بكلام، فلا تكون رجعةٌ إلا بكلام ... إلى آخره" (١). ٩٣٤٠ - قصد الشافعي الرد على أبي حنيفة (٢) في مصيره إلى أن الوطء رجعة، وأوضح من مذهبه أن الرجعة لا تحصل إلا بالكلام، وعند أبي حنيفةَ الوطءُ واللمسُ بالشهوة، والنظرُ إلى الفرج بالشهوة يُحصّل الرجعة، سواء جرى على قصدٍ إلى الرجعة أو لم يقصد الزوج الرجعةَ. وعن مالك (٣) أن الوطء يكون رجعةً إذا قصد الزوج به الرجعةَ. فإذا تبين أن الرجعة لا تحصل إلا بلفظ أو إشارة من الأخرس قائمةٍ مقام اللفظ؛ فإن إشاراتِ الأخرس تقوم مقام ألفاظ الناطقين، فالكلام بعد ذلك في العبارات: فإذا قال الزوج: رددتك إليّ، فهذا صريح في الرجعة، وقد قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨] ولو قال: "رددتك"، ولم يقل: "إليّ" فهل يكون ذلك صريحاً في الرجعة أم لا؟ ذكر الشيخ أبو علي والقاضي وغيرُهما وجهين. ولو قال: راجعتك، كفى ذلك من غير صلةٍ؛ فإن هذه اللفظة مُجراةٌ في الاستعمال من غير صلة، وسبب التردد في قوله: "رددتك" أن مُطلِقه من غير صلةٍ بقوله: "إليّ" قد يُفهم منه الرد الذي هو نقيض القبول، وهذا المعنى لا يتحقق في قوله: "راجعتك" وارتجعتك. ولو قال: رَجعْتُك، فهذا مما يستعمل لازماً ومتعدياً، تقول: رجعت رجوعاً ورجعتُ المالَ من زيد رجعاً، فإذا قال: رجعتك، فقد عدى إلى الضمير، وهو الكاف، فالوجه تنزيله منزلة قوله: ارتجعتك.

стр. 7387

ولو قال: أمسكتك، واقتصر على ذلك، ففيه وجهان: أحدهما - أنه صريح في الرجعة، وهذا القائل يتمسك بورود لفظ الإمساك في القرآن [دالاً] (١) على إرادة الرجعة. ومن أصحابنا من قال: ليس لفظ الإمساك صريحاً في الرجعة. ثم اختلف المفرّعون على هذا الوجه، فذهب الشيخ والقاضي إلى أن قوله: أمسكتك وإن لم يكن صريحاً في الرجعة، فهو كناية فيها، فإذا نوى الرجعة، صحت باللفظ والنية. وذكر العراقيون وجهاً آخر أن الإمساك لا يصلح للرجعة، وإن اقترنت النية بها (٢)؛ لأن الإمساك معناه الاستدامة والاستصحاب، والرجعةُ ابتداء استحلال، فلا تحصل بما ليس فيه معنى الابتداء. فتحصّل من مجموع ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه في لفظ الإمساك: أحدها - أنه صريح في الرجعة. والثاني - أنه كناية مفتقرة إلى النية. والثالث - أنه غير صالح للرجعة مع النية أيضاًً. ٩٣٤١ - ومما اختلف الأصحاب فيه الرجعةُ بلفظ النكاح والتزويج، فمن أصحابنا من قال: تحصل الرجعة به؛ فإن اللفظ إذا كان صالحاً لابتداء العقد، وإثبات الاستحقاق؛ فلأن يصلح لتدارك ما وقع من الخرم أولى. ومن أصحابنا من قال: لا تحصل الرجعة بلفظ التزويج والنكاح؛ فإن النكاح للابتداء وليس فيه إشعار بالتدارك. وهذا الخلاف قرّبه الأصحاب من الخلاف إذا قال المُكري: بعتك منافع هذه الدار سنة، ففي انعقاد الإجارة بلفظ البيع وجهان، ووجهُ التقريب أن البيع موضوع لتمليك الرقبة، والإجارةُ موضوعةٌ لاستحقاق المنفعة، فتباعد المقتضيان.

стр. 7388

ثم إن حكمنا بأن الرجعة تصح بلفظ النكاح، فقد ذهب القاضي إلى أنه كناية في الرجعة ولا بد من النية. وقال قائلون: لا حاجة إلى النية، وهو من باب تحصيل الأضعف بالأقوى. وللأصحاب تردُّدٌ في هذه المسألة من وجه آخر: فمنهم من قال: لا يصلح لفظ النكاح للرجعة وإن نوى به الرجعة، ومنهم من قال: تحصل الرجعة مع النية، والخلاف في أن مُطلَقه هل يفيد الرجعة؟ فينتظم من مجموع ما ذكرناه أوجه: أحدها - أن لفظ النكاح والتزويج يُحصّل الرجعة من غير نية. والثاني - أنه لا يحصّلها مع النية. والثالث - أنه كناية لا يعمل بنفسه، فإن اقترن بالنية، نفذ. ووراء ما ذكرناه سرٌّ لا بد من التنبه له، وهو أنا سنذكر تردداً في أن الإشهاد هل يشترط على الرجعة، فإن [قلنا:] (١) لا يشترط الإشهاد، فلا يمتنع حصول الرجعة بالكناية، وإن قلنا: الإشهاد يشترط في صحة الرجعة، فعقْدُ الرجعة بالكناية بعيد؛ فإن الشهود لا يطلعون على النيات. وقد يخطر للمنتهي إلى هذا الموضع أن الزوج إذا تلفظ بكناية في الطلاق، ثم رددنا اليمين على المرأة، فإنا نسمع منها اليمين على أن الزوج نوى الطلاق، ومعتمدها في ذلك التعلّقُ بمخايلِ الزوج، فإذا جاز هذا في اليمين، فلتجز الشهادة. قلنا: لا يجوز تحمّلُ الشهادة بما يجوز الإقدامُ على اليمين به؛ فإنا قد نجوّز للرجل أن يحلف معتمداً [على] (٢) خط أبيه إذا كان موثوقاً به عنده، وسنصف مجال الأيْمان والبصائر المرعيّة في تحمل الشهادات في كتاب الدعاوى والبيّنات، إن شاء الله .

стр. 7389

وقد يجوز أن يقال: يشهد الشاهد على اللفظ، [ويبقى] (١) التنازعُ في النية، وهذا بمثابة قولنا: المقصود من الشهود إثبات النكاح عند فرض الجحود، ثم لا يشترط الشهادة على رضا المرأة، وهو عماد النكاح؛ فإن الرجل لو جحد، لم يبق النكاح مع جحوده، فإذا جحدت [المرأة] (٢)، فالشهادة على عقد النكاح لا تغني شيئاً. والوجه ما قدمناه من تنزيل الأمر في الصريح والكناية على الإشهاد. ٩٣٤٢ - ومن أسرار هذا الفصل أن العراقيين صاروا إلى أن ألفاظ الرجعة محصورة شرعاً في (الرجعة) (والارتجاع) (والمراجعة) (والرد). وفي (الإمساك) (والنكاح) الخلافُ المقدم. وقول الشيخ أبي علي دالٌّ على أن ألفاظ الرجعة لا تنحصر تعبداً، بخلاف النكاح، حتى [لو] (٣) قال الزوج: رفعتُ الحرمة بيننا، أو ما جرى هذا المجرى، كان صريحاًً، وسبب الاختلاف في الإمساك ما فيه من التردد، وسبب الخلاف في النكاح مشابهتُه البيعَ بالإضافة إلى الإجارة. والعراقيون قالوا: سببُ الخلاف في الإمساك تردُّدُ المفسرين في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣١] على ما قدمناه في صدر الكتاب، وسبب الخلاف في لفظ النكاح إقامةُ الأقوى مقام الأدنى. وهذا المسلك قد يجري في مجال الحصر والتقيُّد. والمسألة محتملة؛ فإن الرجعة نازلة منزلة جَلْبٍ في البضع بلفظٍ، فكان قريبَ الشبه بالنكاح في هذا المعنى، وإذا اختلف الأصحاب في انحصار صرائح الطلاق، وأنها مبنية على التعبد، وهي على التحقيق إزالة، فهذا في لفظ الرجعة أمكن وأوجه. ٩٣٤٣ - ومما ذكره الشيخ أبو علي أن الرجل إذا قال للرجعيّة: راجعتك للمحبة أو

стр. 7390

للإهانة، أو بالمحبة، أو بالإهانة، فإن قال: قصدت بذلك الرجعةَ الحقيقيةَ، وعلّلتها بالمحبة أو بالإهانة، فيقبلُ منه، وتثبت الرجعة. وإن قال: أردت بذلك أني راجعتك في المحبة، ولكن لم أرْدُدك إلى استمرار النكاح، فلا تصح الرجعة. وإن أطلق لفظَه في ذلك، ولم ينوِ شيئاً، فقد قال الشيخ: مُطلَقُه يقتضي الرجعةَ، وهذا ما رأيته للمشايخ، وفيه احتمال على بُعدٍ، وإجراؤه على ما ذكر الشيخ هو المتجه، وهو من الأقطاب والأصول؛ فإن قول القائل: "راجعتك" لو فرض الاقتصار عليه، فهو صريح، وفي الصلة الآتية بعده تردّد، فيؤثِّرُ هذا في قبول النية منه في وجهي التردد. وإذا فرض الإطلاقُ، بطلت الصلة، وبقيت اللفظة لو (١) قدّرت مفردة، فينتظم منه قبول التبيين، والمصيُر عند الإطلاق إلى إعمال اللفظ وإلغاء الصلة، ووجه تطرّق الاحتمال أن قائلاً لو قال: كون اللفظ صريحاً يجرّده، وهذا ضعيف؛ فإن المراجعة إذا كانت ملتحقة بالصرائح، فقول الرجل: لم أنو شيئاً يرجع إلى نفي القصد عن الصلة، فينزل هذا منزلة ما لو نطق العربيُّ بصريح الطلاق ووصله بأعجمية لا يفهمها. ٩٣٤٤ - ثم ذكر الشافعي أن الوطء لا يكون رجعة، وقد ذكرت مسلك هذه المسألة في (الأساليب) وأوضحت أن حقها أن تبنى على تحريم الوطء، فليتأمله طالبه في موضعه. ثم إذا لم يكن الوطء رجعةً، فهل يتعلّق به وجوب مهر المثل؟ نصُّ الشافعي دال على وجوب مهر المثل، وقد قال في غير موضع من كتبه: يجب على الزوج المهرُ: راجعها أو لم يراجعها؛ فلم يختلف أئمة المذهب في أنه لو لم يراجعها ويتركها حتى انسرحت بانقضاء العدة، فيلزمه مهرُ المثل. ولو راجعها، فظاهر النص أنه يلزمه مهر المثل، وخرّج الأصحاب فيه قولاً أنه لا يجب، وهذا مشكل في التعليل جداً. وأصدق آية على أن الطلاق يتضمن زوال الملك هذا الذي ذكرناه؛ فإنها لو كانت
следующие страницы →