← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

فصل قال: "ولمّا لم يكن نكاح ولا طلاق إلا بكلام، فلا تكون رجعةٌ إلا بكلام ... إلى آخره" (١). ٩٣٤٠ - قصد الشافعي الرد على أبي حنيفة (٢) في مصيره إلى أن الوطء رجعة، وأوضح من مذهبه أن الرجعة لا تحصل إلا بالكلام، وعند أبي حنيفةَ الوطءُ واللمسُ بالشهوة، والنظرُ إلى الفرج بالشهوة يُحصّل الرجعة، سواء جرى على قصدٍ إلى الرجعة أو لم يقصد الزوج الرجعةَ. وعن مالك (٣) أن الوطء يكون رجعةً إذا قصد الزوج به الرجعةَ. فإذا تبين أن الرجعة لا تحصل إلا بلفظ أو إشارة من الأخرس قائمةٍ مقام اللفظ؛ فإن إشاراتِ الأخرس تقوم مقام ألفاظ الناطقين، فالكلام بعد ذلك في العبارات: فإذا قال الزوج: رددتك إليّ، فهذا صريح في الرجعة، وقد قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨] ولو قال: "رددتك"، ولم يقل: "إليّ" فهل يكون ذلك صريحاً في الرجعة أم لا؟ ذكر الشيخ أبو علي والقاضي وغيرُهما وجهين. ولو قال: راجعتك، كفى ذلك من غير صلةٍ؛ فإن هذه اللفظة مُجراةٌ في الاستعمال من غير صلة، وسبب التردد في قوله: "رددتك" أن مُطلِقه من غير صلةٍ بقوله: "إليّ" قد يُفهم منه الرد الذي هو نقيض القبول، وهذا المعنى لا يتحقق في قوله: "راجعتك" وارتجعتك. ولو قال: رَجعْتُك، فهذا مما يستعمل لازماً ومتعدياً، تقول: رجعت رجوعاً ورجعتُ المالَ من زيد رجعاً، فإذا قال: رجعتك، فقد عدى إلى الضمير، وهو الكاف، فالوجه تنزيله منزلة قوله: ارتجعتك.

стр. 7387

ولو قال: أمسكتك، واقتصر على ذلك، ففيه وجهان: أحدهما - أنه صريح في الرجعة، وهذا القائل يتمسك بورود لفظ الإمساك في القرآن [دالاً] (١) على إرادة الرجعة. ومن أصحابنا من قال: ليس لفظ الإمساك صريحاً في الرجعة. ثم اختلف المفرّعون على هذا الوجه، فذهب الشيخ والقاضي إلى أن قوله: أمسكتك وإن لم يكن صريحاً في الرجعة، فهو كناية فيها، فإذا نوى الرجعة، صحت باللفظ والنية. وذكر العراقيون وجهاً آخر أن الإمساك لا يصلح للرجعة، وإن اقترنت النية بها (٢)؛ لأن الإمساك معناه الاستدامة والاستصحاب، والرجعةُ ابتداء استحلال، فلا تحصل بما ليس فيه معنى الابتداء. فتحصّل من مجموع ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه في لفظ الإمساك: أحدها - أنه صريح في الرجعة. والثاني - أنه كناية مفتقرة إلى النية. والثالث - أنه غير صالح للرجعة مع النية أيضاًً. ٩٣٤١ - ومما اختلف الأصحاب فيه الرجعةُ بلفظ النكاح والتزويج، فمن أصحابنا من قال: تحصل الرجعة به؛ فإن اللفظ إذا كان صالحاً لابتداء العقد، وإثبات الاستحقاق؛ فلأن يصلح لتدارك ما وقع من الخرم أولى. ومن أصحابنا من قال: لا تحصل الرجعة بلفظ التزويج والنكاح؛ فإن النكاح للابتداء وليس فيه إشعار بالتدارك. وهذا الخلاف قرّبه الأصحاب من الخلاف إذا قال المُكري: بعتك منافع هذه الدار سنة، ففي انعقاد الإجارة بلفظ البيع وجهان، ووجهُ التقريب أن البيع موضوع لتمليك الرقبة، والإجارةُ موضوعةٌ لاستحقاق المنفعة، فتباعد المقتضيان.

стр. 7388

ثم إن حكمنا بأن الرجعة تصح بلفظ النكاح، فقد ذهب القاضي إلى أنه كناية في الرجعة ولا بد من النية. وقال قائلون: لا حاجة إلى النية، وهو من باب تحصيل الأضعف بالأقوى. وللأصحاب تردُّدٌ في هذه المسألة من وجه آخر: فمنهم من قال: لا يصلح لفظ النكاح للرجعة وإن نوى به الرجعة، ومنهم من قال: تحصل الرجعة مع النية، والخلاف في أن مُطلَقه هل يفيد الرجعة؟ فينتظم من مجموع ما ذكرناه أوجه: أحدها - أن لفظ النكاح والتزويج يُحصّل الرجعة من غير نية. والثاني - أنه لا يحصّلها مع النية. والثالث - أنه كناية لا يعمل بنفسه، فإن اقترن بالنية، نفذ. ووراء ما ذكرناه سرٌّ لا بد من التنبه له، وهو أنا سنذكر تردداً في أن الإشهاد هل يشترط على الرجعة، فإن [قلنا:] (١) لا يشترط الإشهاد، فلا يمتنع حصول الرجعة بالكناية، وإن قلنا: الإشهاد يشترط في صحة الرجعة، فعقْدُ الرجعة بالكناية بعيد؛ فإن الشهود لا يطلعون على النيات. وقد يخطر للمنتهي إلى هذا الموضع أن الزوج إذا تلفظ بكناية في الطلاق، ثم رددنا اليمين على المرأة، فإنا نسمع منها اليمين على أن الزوج نوى الطلاق، ومعتمدها في ذلك التعلّقُ بمخايلِ الزوج، فإذا جاز هذا في اليمين، فلتجز الشهادة. قلنا: لا يجوز تحمّلُ الشهادة بما يجوز الإقدامُ على اليمين به؛ فإنا قد نجوّز للرجل أن يحلف معتمداً [على] (٢) خط أبيه إذا كان موثوقاً به عنده، وسنصف مجال الأيْمان والبصائر المرعيّة في تحمل الشهادات في كتاب الدعاوى والبيّنات، إن شاء الله .

стр. 7389

وقد يجوز أن يقال: يشهد الشاهد على اللفظ، [ويبقى] (١) التنازعُ في النية، وهذا بمثابة قولنا: المقصود من الشهود إثبات النكاح عند فرض الجحود، ثم لا يشترط الشهادة على رضا المرأة، وهو عماد النكاح؛ فإن الرجل لو جحد، لم يبق النكاح مع جحوده، فإذا جحدت [المرأة] (٢)، فالشهادة على عقد النكاح لا تغني شيئاً. والوجه ما قدمناه من تنزيل الأمر في الصريح والكناية على الإشهاد. ٩٣٤٢ - ومن أسرار هذا الفصل أن العراقيين صاروا إلى أن ألفاظ الرجعة محصورة شرعاً في (الرجعة) (والارتجاع) (والمراجعة) (والرد). وفي (الإمساك) (والنكاح) الخلافُ المقدم. وقول الشيخ أبي علي دالٌّ على أن ألفاظ الرجعة لا تنحصر تعبداً، بخلاف النكاح، حتى [لو] (٣) قال الزوج: رفعتُ الحرمة بيننا، أو ما جرى هذا المجرى، كان صريحاًً، وسبب الاختلاف في الإمساك ما فيه من التردد، وسبب الخلاف في النكاح مشابهتُه البيعَ بالإضافة إلى الإجارة. والعراقيون قالوا: سببُ الخلاف في الإمساك تردُّدُ المفسرين في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣١] على ما قدمناه في صدر الكتاب، وسبب الخلاف في لفظ النكاح إقامةُ الأقوى مقام الأدنى. وهذا المسلك قد يجري في مجال الحصر والتقيُّد. والمسألة محتملة؛ فإن الرجعة نازلة منزلة جَلْبٍ في البضع بلفظٍ، فكان قريبَ الشبه بالنكاح في هذا المعنى، وإذا اختلف الأصحاب في انحصار صرائح الطلاق، وأنها مبنية على التعبد، وهي على التحقيق إزالة، فهذا في لفظ الرجعة أمكن وأوجه. ٩٣٤٣ - ومما ذكره الشيخ أبو علي أن الرجل إذا قال للرجعيّة: راجعتك للمحبة أو

стр. 7390

للإهانة، أو بالمحبة، أو بالإهانة، فإن قال: قصدت بذلك الرجعةَ الحقيقيةَ، وعلّلتها بالمحبة أو بالإهانة، فيقبلُ منه، وتثبت الرجعة. وإن قال: أردت بذلك أني راجعتك في المحبة، ولكن لم أرْدُدك إلى استمرار النكاح، فلا تصح الرجعة. وإن أطلق لفظَه في ذلك، ولم ينوِ شيئاً، فقد قال الشيخ: مُطلَقُه يقتضي الرجعةَ، وهذا ما رأيته للمشايخ، وفيه احتمال على بُعدٍ، وإجراؤه على ما ذكر الشيخ هو المتجه، وهو من الأقطاب والأصول؛ فإن قول القائل: "راجعتك" لو فرض الاقتصار عليه، فهو صريح، وفي الصلة الآتية بعده تردّد، فيؤثِّرُ هذا في قبول النية منه في وجهي التردد. وإذا فرض الإطلاقُ، بطلت الصلة، وبقيت اللفظة لو (١) قدّرت مفردة، فينتظم منه قبول التبيين، والمصيُر عند الإطلاق إلى إعمال اللفظ وإلغاء الصلة، ووجه تطرّق الاحتمال أن قائلاً لو قال: كون اللفظ صريحاً يجرّده، وهذا ضعيف؛ فإن المراجعة إذا كانت ملتحقة بالصرائح، فقول الرجل: لم أنو شيئاً يرجع إلى نفي القصد عن الصلة، فينزل هذا منزلة ما لو نطق العربيُّ بصريح الطلاق ووصله بأعجمية لا يفهمها. ٩٣٤٤ - ثم ذكر الشافعي أن الوطء لا يكون رجعة، وقد ذكرت مسلك هذه المسألة في (الأساليب) وأوضحت أن حقها أن تبنى على تحريم الوطء، فليتأمله طالبه في موضعه. ثم إذا لم يكن الوطء رجعةً، فهل يتعلّق به وجوب مهر المثل؟ نصُّ الشافعي دال على وجوب مهر المثل، وقد قال في غير موضع من كتبه: يجب على الزوج المهرُ: راجعها أو لم يراجعها؛ فلم يختلف أئمة المذهب في أنه لو لم يراجعها ويتركها حتى انسرحت بانقضاء العدة، فيلزمه مهرُ المثل. ولو راجعها، فظاهر النص أنه يلزمه مهر المثل، وخرّج الأصحاب فيه قولاً أنه لا يجب، وهذا مشكل في التعليل جداً. وأصدق آية على أن الطلاق يتضمن زوال الملك هذا الذي ذكرناه؛ فإنها لو كانت

стр. 7391

على حقيقة الزوجية، لاستحال أن يلتزم الزوج بوطئها مهراً وقد غَرِم مهرَ النكاح، فلما نص الشافعي على وجوب المهر، أشعر هذا بكونها غيرَ مُستَحَقةٍ بالنكاح. والتحقيق فيه أنا إذا قلنا: زال الملك بالطلاق، فقد ملكت المرأة نفسها، ولكن للزوج عليها سُلطان الرّد، فإذا لم نجعل الوطء رداً، فقد [وقع] (١) الوطء، وهي غير مملوكة للزوج. نعم، لو كنا نجعل الوطء رجعة، لكان الوطء من الزوج بمثابة وطء البائع الجاريةَ المبيعةَ في زمان الخيار، فالوطء فيه فسخ، فلا جرم لا يلتزم المهرَ بما هو فاسخ به، فإذا لم نجعل الزوج مرتجعاً، جعلنا وطأه إياها بمثابة ما لو وُطئت بشبهة، فيكون المهر لها لا محالة. وقد يلتفت الفطن فيما ذكرناه على تفريعنا على قولنا: إن الملك في زمان الخيار للمشتري، فلو وُطئت الجارية ثم لم يتفق فسخ العقد، فالمهر للمشتري، هذا مسلك الكلام. ولكن تفريعه على أن الرجعية ليست بزوجة، ولا خروج له إلا على ذلك. ولو تكلف متكلف، فقال: منافع بضع المرأة على حكمها (٢)، والدليل عليه أن الزوجة لو وطئت بشبهة في صلب النكاح، فالمهر لها، فإذا انعزلت عن زوجها في الاعتداد، ثم وطئها الزوج -وحُكم الانعزال مستمر عليها- فقد أتلف منفعةً هي بحكمها. وهذا تلبيسٌ؛ فإن الزوج لو كان مستحق المنفعة، لكان بالوطء مستوفياً منفعةً هو مستحقها. ٩٣٤٥ - ثم ذكر أصحابنا تصرفاً على النص فقالوا: قال الشافعي في الرجعية: إذا وطئها الزوج يلزمه المهر، راجعها، أو لم يراجعها. وقال: إذا ارتدت المرأة، فوطئها الزوج وكانت مدخولاً بها، فعادت إلى الإسلام قبل انقضاء العدة، لم يلتزم مهرها، ولو أصرت على الردة حتى انقضت العدة، التزم مهرها؛ فقال الأئمة: أما

стр. 7392

إذا أصرت على الردة حتى انقضت العدة، فلا شك في لزوم المهر؛ فإن الوطء صادف البينونة. وهذا لا يدرج في خيال الخلاف وإمكانه. فأما إذا عادت إلى الإسلام، فمن أصحابنا من قال: ننقل جواب الرجعية إلى المرتدة، وجواب المرتدة إلى الرجعية، ونقول: في المسألتين قولان نقلاً وتخريجاً. وهذا كلام مختلط لا ثبات له: أما المرتدة إذا عادت إلى الإسلام قبل انقضاء العدة، فقد تبينا بالأخرة أن الزوج وطئها، ولا انخرام في النكاح؛ فإن الأمرَ كان على التوقف، فإذا بان من الموقوف أحدُ طرفيه، التحق الحكم فيه بما لو كان مستحقاً في ابتداء الأمر، فلا وجه لذكر الخلاف هاهنا. وأما وجوب المهر في الرجعية، فلا وجه إلا ما ذكرناه من اعتقاد زوال الملك على التدريج المقدّم. ٩٣٤٦ - ثم يحيك في الصدر التوريثُ من الجانبين، وأقصى الإمكان فيه أن يقال: لا يختص التوريث بحقيقة الزوجية، وكيف يختص بهذا والموت يُنهي النكاح، [فوقع] (١) الاكتفاء بعُلقة فيها سلطنةُ الزوج، سواء كانت صلبَ النكاح أو تابعةً (٢) تستدعي قهر الزوج، فإذا ماتت تحت قهره، أو مات عنها وهي مقهورة، فالتوريث ثابت. هذا أقصى الإمكان. وليت شعري ماذا نقول إذا قال الرجل: زوجاتي طوالق؟ فالرجعيات هل يندرجن تحت مطلق هذا اللفظ؟ كان شيخي يقطع بأنهن يدخلن، والوجه عندي تخريج هذا على تردد الأصحاب في أن الرجعية زوجة أم لا؟ وهذا أهون مُحتمَلاً من الأحكام المتناقضة التي ذكرناها. وقد اختلف القول في أن من قال: عبيدي أحرار، فهل يدخل المكاتَبون تحت هذا اللفظ، أم لا؟ وقد يعترض للفقيه أن الكتابة تُوقِع حيلولةً لازمة بين المَوْلى وبين

стр. 7393

العبد، بخلاف الطلاق الرجعي، فإن الأمر في الطلاق وتدارك حرمته إلى الزوج، والمسألة على الجملة محتَمَلة. ٩٣٤٧ - ومما يتصل بالقول في تحريم الرجعية أن الزوج إذا اشترى زوجته الأمة، نُظر: فإن اشتراها في صلب النكاح، فقد اختلف أصحابنا في أنها هل تحل له من غير استبراء، فقال قائلون: لا بد من الاستبراء، لأنه استحدث ملكاً عليها، ومن القواعد الممهدة أن من ملك جارية لم يحل له وطؤها حتى يستبرئها. ومن أصحابنا من قال: له أن يستحلّها من غير استبراء، بخلاف ما إذا اشترى جارية ليست منكوحتَه؛ فإن من ملك جارية، فإنها [إذا] (١) لم تكن مستحَلَّةً له من قبل، فإذا كان الملك المتجدد مترتباً على حظرٍ سابقٍ، فلا يمتنع إيجاب الاستبراء، وإذا اشترى منكوحته، فإنما نقلها من سبب حلٍّ إلى سبب حلٍّ، فلا معنى لتخلل الاستبراء بينهما. ولو طلق زوجته الأمة طلاقاً رجعياً، ثم اشتراها في العدة، فقد قال الأصحاب: لا يحل له وطؤها حتى تنقضي بقيةُ العدة بعد الشراء، أو ينقضي الاستبراء، كما سنوضحه في التفريع، والسبب فيه أنه نقلها من حرمةٍ إلى الملك، وليس كما إذا اشترى زوجته، فإنه نقلها من حلٍّ إلى حل. فإن قيل: أليس لو ارتجعها، استحل وطأها وكانت محرمة عليه؟ فاجعلوا طريان ملك اليمين بمثابة طريان الرجعة؟ قلنا: ملك اليمين يضادّ النكاح، ويتضمّن قطعَه وفسخَه، والرجعة تردّها إلى ماكانت عليه من قبلُ، فإذا اختلف ملك اليمين والنكاح، لم يكن أحدُهما مستدركاً لما وقع في الثاني من خلل. فيجب إذاً أن نقول: من اشترى جاريةً وكانت محرمةً عليه من قبلُ، فلا يحل له ابتدارُ وطئها والتسارع إلى غشيانها من غير جريان ما هو استبراء. ٩٣٤٨ - ثم إن كان بقي من العدة مقدار قليل والاستبراء يزيد عليه، أو كان الباقي أكثرَ من الاستبراء، فقد قال معظم الأصحاب: يُكتفى بأقلِّ الأمرين، وقال آخرون:

стр. 7394

لا بد من الاستبراء الكامل، وهذا قياس؛ فإنا لو نظرنا إلى ما سبق، لقلنا: إنها تحل؛ فإن عدتها تؤثر في تحريمها على الغير، وليست المعتدة عن الرجل محرمةً عليه للعدة، ولكن التحليل يستدعي شيئاً من رجعة أو نكاحٍ مجدد، وقد جرى سبب التحليل وهو الملك، فلو كنا ببقية العدة وبقية العدة ليست استبراء، لكانت العدة مؤثرة في تحليلها له. وهذا غير سديد. فانتظم ما ذكرناه أن بقية العدة إن كانت لا تزيد على الاستبراء، أو كانت تزيد، فالاستبراء كافٍ. وإن كانت بقية العدة أقلَّ من الاستبراء، ففي المسألة وجهان. وفي الكلام نوع من الاختلاط؛ فإن الاستبراء بالحيض، والعدةُ بالأطهار، فكيف يترتب استواء البقية ومدة الاستبراء، فلا وجه إذاً لتصوير الاستواء، فإجراؤه في الكلام مجاز، والحيضة الكاملة لا تقع في العدة إلا وبعدها طهر يتبين انقضاؤه بالطعن في الحيضة الأخرى، فإذا كان كذلك، فيقع الاكتفاء بالحيضة، وإن بقي من العدة بقية طهر، فمن أصحابنا من يكتفي بها، ومنهم من يشترط حيضاًً. وإن فرعنا على وجهٍ بعيد في أن الاستبراء بالطهر كالعدة، فينتظم على هذا الوجه البعيد تصوير الاستواء، ولكن إذا كان بقي من الطهر بقية، فهذه البقية استبراء كامل على هذا الوجه البعيد. وما يتعلق بالاستبراء من هذا الفصل، فسيأتي استقصاء القول فيه في كتاب الاستبراء. ٩٣٤٩ - ولو طلق زوجته ثلاثاًً وكانت مملوكة، فلو اشتراها، فالمذهب أنه لا يستحل وطأها ما لم تنكِح زوجاً على شرط التحليل؛ فإن الطلقات الثلاث تُثبت حرمةً ممدودةً إلى وطء المحلل، والتخلِّي منه. ومن أصحابنا من قال: يحل له وطء المطلقِة ثلاثاًً بملك اليمين، وهذا غريب، ووجهه على بعده أن الطلقات الثلاث خاصّيتها تحريمُ عقد النكاح، وهو لم ينكحها، وإنما ملكها، فلو عَتَقت، فأراد أن ينكحها، لم ينكحها حتى تنكح زوجاً غيره.

стр. 7395

ولا ينبغي أن يُخطر الفقيهُ بباله أنا إذا فرّعنا على هذا الوجه الضعيف، فكأنا أسقطنا حكم الطلقات بالملك، فإذا زال الملك، كان له أن ينكحها؛ فإن هذا مصير إلى إقامة الملك مقام التحليل، وهذا لا يجوز، فالوجه ما قدمناه. فصل قال: "ولو أشهد على رجعته ... إلى آخره" (١) ٩٣٥٠ - الإشهاد على الرجعة مأمور به، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] والمنصوص عليه في الجديد، أنه لا يجب الإشهاد، ولكن يستحب، وسبب استحبابه مقابلة ما يتوقع من الجحود بشهادة الشهود، وقد ندب الله تعالى إلى الإشهاد على المداينات، ونصّ الشافعي في القديم على وجوب الإشهاد، وبه قال مالك (٢). توجيه القولين: من لم يوجب الإشهاد احتج بأن الرجعة في حكم استدامةٍ واستمرارٍ على النكاح السابق، ولذلك لم تفتقر إلى الرضا والولي، ولا يتصور أن يثبت [بسببها] (٣) مهر، وإن سُمِّي (٤)، فكان الإشهاد فيه مستحباً غيرَ مستحَق. ومن نصر القول القديم، احتج بظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ومالك رأى الإشهاد في الرجعة ركنَ الرجعة، ولم يشترط الإشهادَ في النكاح، ولكن اشترط الإعلان بأي جهةٍ تتفق، والرجعةُ على الجملة مردّدة في ظن الأصحاب بين النكاح وابتداء العقد، وبين الاستدامة والاستصحاب، ولما كان الظاهر أن الإشهاد

стр. 7396

لا يُشترط، خرّج القاضي عليه ما ذكره الأصحاب من أن المحرم يرتجع زوجته المطلّقة وإن كان لا ينكِح ابتداء. وذهب شرذمة من الأصحاب إلى أن المُحْرِم لا يصح منه الرجعة. قال القاضي: هذا الخلاف خارج على أن الإشهاد هل يشترط؟ فإن جعلنا الإشهاد شرطاً، فقد أحلَلْنا الرجعة محلَّ النكاح، فلا يمتنع أن لا تصح من المحرم، كما لا يصح منه ابتداء النكاح، وإن لم نشترط الإشهاد على الرجعة، فقد أحللناها محلّ الاستدامةَ. والإحرامُ لا ينافي استدامةَ النكاح. ٩٣٥١ - ومما ذكره [تخريجاً] (١) على ذلك أن العبد إذا طلّق، فله المراجعةُ دون إذن السيد، قال القاضي: هذا إذا لم نشترط الإشهاد، فإن شرطنا الإشهاد على الرجعة، ونزَّلناها منزلةَ ابتداء النكاح، فلا يمتنع أن لا تصح الرجعةُ من العبد إلا بإذن السيد. وهذا الذي ذكره على نهاية البُعد؛ فإنا لا نوجب الإشهاد لكون الرجعة بمثابة عقد النكاح، ولا معتمدَ في اشتراط الإشهاد إلا التعلّق بنص القرآن، ومن طمع في توجيه هذا القول بمسلك من مسالك المعاني، فقد أبعد، ولو كان كما ظن، لتردد الرأي في اشتراط إذنها وفي اشتراط الولي، فلما حصل الوفاق على أنهما لا يُشترطان، تبين أن الرجعةَ ليست عقداً، ووجوب الإشهاد في القول القديم مربوط بظاهر القرآن، كما قدمنا الاستدلال به. وأما ما ذكره في فصل العبد، فمما لا أستجيز إلحاقَه بالمذهب، وهو قول مسبوق بإجماعٍ للأصحاب على خلافه. ولو كان يخرّج من قولِ وجوب الإشهاد قولٌ في أن العبد يحتاج إلى مراجعة سيده في الرجعة؛ من حيث شابهت الرجعةُ النكاحَ في اشتراط الإشهاد، لكان أقربُ تفريع على هذا أن يقال: لا تصح الرجعة ما لم ترضَ المرأة؛ فإن مدار النكاح على رضاها، فإذا لم يُشترط إذنُ المرأة، كان اشتراط إذن السيد بعيداً، بل الوجه القطع ببطلان ذلك.

стр. 7397

٩٣٥٢ - ومما نذكره على الاتصال بهذا أن الرجعة لا تقبل التعليق بالأعذار والأخطار، ولا بالصفات التي ستأتي لا محالة، بل لا صحة لها إلا من جهة التنجيز كالنكاح، والبيع، وغيرهما من العقود، فلو قال لامرأته: مهما (١) طلقتك، فقد راجعتك، فإذا طلقها، لم تثبت الرجعة، لما بيّناه من امتناع تعليق الرجعة، ولو علق الطلاق بالرجعة، فقال لامرأته الجارية في عدة الرجعة: مهما راجعتك، فأنت طالق، فإذا راجعها، طلقت. وقد ذهب شرذمة من أصحابنا إلى أن تعليق الطلاق بالرجعة لاغٍ؛ فإن المقصود من الرجعة الإحلال، فلا يجوز تعليق نقيضه به، وهذا غير معتد [به] (٢) ولولا أن القاضي حكاه، لما حكيته. ٩٣٥٣ - ثم ذكر الأصحاب نوعاً من الاختلاف متصلاً بفصل الإشهاد، وهو قريب المُدرك، فنذكره على ما ذكره الأصحاب، ثم نعقد فصلاً يجمع بيان أحكام اختلاف الزوجين في الرجعة، وانقضاء العدة، فنقول: إذا راجع امرأته وأشهد على ذلك، ثم إنها نكحت زوجاً، ولم تشعر بالرجعة، أو علمتها، ولم تبالِ بها، فنقول: إذا ادعى الزوج تقدم الرجعة على النكاح، فإن أقام بينةً تَبيَّن لنا أن النكاح مردود، والشافعي يُطلق في مثل هذا المقام الفسخَ، فيقول: "النكاح مفسوخ" ومراده بالمفسوخ المردود، كما ذكرناه. هذا إذا أقام الرجل بيّنة على الرجعة. فإن لم يكن له بيّنة -وقد نكحت المرأة زوجاً- فإذا ادّعى المطلِّق الأول الرجعةَ، نُظر: فإن أقرت المرأة بالرجعة، لم يُقبل إقرارُها؛ لأنها تُبطل به حقَّ الغير، وهو حق الزوج الثاني، وإن أنكرت، فهل تحلّف؟ هذا مما تمهد في كتاب النكاح، والقدرُ [المغني] (٣) في نظم الكلام أنها لو أقرت بعد ما نكحت، فإقرارها مردود، ولكنها

стр. 7398

هل تغرَم للمطلِّق الذي ادعى الرجعةَ المهرَ، فعلى قولين، تمهّد أصلُهما، ووضح فرعهما في كتاب النكاح، فقال الأئمة: عرض اليمين عليها إذا أنكرت يخرِّج على القولين في أنها لو أقرت هل تغرَم للمقر له [المهرَ] (١) فإن قلنا: إنها تغرم، فاليمين معروضة عليها فعساها تُقرّ أو تنكُل عن اليمين إذا عُرضت عليها، فيحلف المدير يمين الرد، ويغرّمُها. وإن قلنا: إنها لا تغرَم، فلا فائدة في عرض اليمين. ثم إن عرضنا اليمين، فجحدت ونكلت، وحلف الرجل يمين الرد، فالمذهب أن النكاح لا يُردُّ في حق الثاني. وأبعد بعض أصحابنا، فقال: إذا حكمنا بأن يمين الرد بمثابة البينة المقامة، فالنكاح يبطل، وترتد هذه إلى النكاح الأوّل. وقد ذكرت هذا الوجهَ وزيفته في النكاح، وبنيت عليه أنا إذا كنا نرى ردّ النكاح، فلا يتوقف عرضُ اليمين على مصيرنا إلى أنها تغرَم لو أقرت، بل نعرض اليمين ونحن نتوقع ارتداد النكاح الجديد، وهذا بعيدٌ لا تعويل عليه. ولا أثر عندنا لدخول الزوج الثاني بها خلافاً لمالك (٢). وهذا مما قدمته أيضاً في كتاب النكاح. ٩٣٥٤ - ولو أراد من يدّعي الرّجعة أن يوجه الدعوى على الزوج، فالمذهب أنه لا يجد إلى ذلك سبيلاً؛ لأنّه لا يد للزوج [إلا] (٣) على زوجته، فليدّع على الزوجة لا غير. وذكر العراقيون وجهاً أنه لو أراد أن يدعي على الزوج، جاز لاستيلائه حكماً عليها، وهذا له غَوْرٌ وغائلةٌ، وسنستقصي أسراره في كتاب الدعاوى، فليس هذا من خواصِّ كتاب الرجعة. ٩٣٥٥ - ومما يتعلق بهذا الفصل أن العدة إذا انقضت في ظاهر الحال، وادّعى

стр. 7399

الزوج أنه كان راجعها من قبلُ، فأنكرت المرأة الرّجعةَ -واقتضى ترتيب المذهب تصديقها مع يمينها، كما سنفصل صور اختلاف الزّوجين على أثر هذا، إن شاء الله تعالى- فلو أنها بعد ما أنكرت الرّجعة وصدقناها، عادت فأقرت بجريان الرجعةِ - وما كانت نكحت؛ حتى يؤدي إقرارُها إلى إبطال حق الزوج الثاني- فقد قال العلماء: إقرارها مقبول، وإن سبق منها إنكارٌ، وهذا قد يعترض فيه إشكال؛ من جهة أن قولها الأول، اقتضى تحريمها على ذلك المطلّق، وإذا سبق منها قول يدل على تحريمها، فقبول نقيض ذلك القول مشكلٌ. وقد قال الأصحاب: إذا قالت المرأة: أنا أخت فلان من الرضاع أو النسب، ثم أنكرت ذلك، وكذّبت نفسها فيما سبق منها، فلا يُقبل قولُها الثاني، وقد سبق منها الاعتراف بما يوجب الحرمة، وهذا من مواقف الاستفراق (١)؛ فقال الأصحاب: حرمة الرضاع مؤبّدةٌ مؤكّدة، بخلاف حرمة البينونة بانقضاء العدة. وهذا لا يَشفي مع ثبوت الحرمة في الموضعين، والاستفراق في أصل الحرمتين. وقال قائلون: الفرق أن الرضاع يتعلق [بها] (٢) وهي أحد الركنين فيه؛ فإقرارها به يكون على ثبتِ وتحقّقٍ، فلا يَقبل الرجوعَ، والرجعةُ تثبت وهي لا تشعر، فلا يمتنع أن تنكرها، ثمّ تذكّرَها (٣) وتعترفَ بها. وهذا غير شافٍ أيضاًَ؛ فإن الرضاع يجري في الحولين، والمرتضِع لا يشعر به في الغالب، وإن شعر به في الحال نسيه، وذَهِلَ (٤) عنه في المآل، فلا خير في هذا الفرق. فالوجه إذاً أن نقول: اعترافها بأخوّة الرضاع والنسب مستندٌ إلى ثبوت، فلم يقبل الرجوع فيه قياساً على الأقارير كلها، وجحدُها الرجعة -وإن صُدّقت- يستند إلى نفي ذلك، ولذلك لا تحلف على البتّ، بل تحلف على نفي العلم، ولا امتناع في أن تقول: لا أعلم، ثم تعلم.

стр. 7400

ولو ادعت المرأة على الزوج أنه طلقها، فأنكر، ونكل عن اليمين، وحلفت المرأة، ثم كذَّبت نفسها، فلا معوّلَ على تكذيبها بعد ما ادّعت الطلاق، وإن كان كذبُها ممكناً، ولا يمتنع صدقُها في القول الثاني (١)، ولكن إذا استند قولها إلى إثباتٍ، لم يقبل رجوعها. ولو نكحت المرأة، فقالت: لم أرض -وكانت على صفةٍ يفتقر النكاح إلى رضاها - فإنا نصدقها مع يمينها، فلو قالت: تذكّرت أنّي رضيت، فهذا محتمل عندي، وإن كان نفياً؛ فإنه نفيٌ تتعلق اليمين الباتّة به، فيتجه ألا نصدقها، ويظهر أيضاًً أن نصدّقها. ٩٣٥٦ - ويترتب مما ذكرناه ثلاث مراتب: إحداها - أن يتعلق الاعتراف بإثباتٍ، فلا يُقبل الرجوع عنه، إذا كان يتعلق بحق الغير، كحق الله في الطلاق. وما يتعلق بنفي فعل الغير، فالرجوع عنه لا يَمتنع قبولُه إلا في حكمٍ واحد، وهو أن يتضمن قولُه الأول سقوطَ حقه: مثل أن يقول: "ما أتلف فلانٌ مالي" فإذا عاد وادعى الإتلاف. على مناقضة ذلك القول، لم يقبل منه؛ فإنه بنفي الفعل اعترف بانتفاء استحقاقه. وإذا تعلق الاعتراف، أو القول الذي ليس اعترافاً بنفيٍ يتعلق بالنافي، كقول المرأة: لم أرض مع قولها من بعدُ: قد تذكرت أني كنت رضيت، فهذا فيه احتمال. ولست أخوض في فصلٍ يتعلق بالتنازع إلاّ وأنا أستشعر منه وَجَلاً [لعلمي] (٢) بأنه لا يمكن الانتهاء إلى استقصاء أطرافه، وهو محالٌ على الدعاوى والبينات، وسنأتي فيها بالعجائب والآيات -إن شاء الله- وعندها تنكشف أسرار الخصومات.

стр. 7401

فصل قال: "ولو قال: راجعتك قبل انقضاء العدة ... إلى آخره" (١). ٩٣٥٧ - من أهم ما يجب الاعتناء به، وقد كثر تَرْدادُه في الكتب وتردُّدُ الاستشهاد به، والطرق مضطربة فيه غاية الاضطراب - القولُ في اختلاف الزوج والمرأة في الرجعة وانقضاء العدة، ورَأْيُنا في أمثال هذه الفصول، أن نأتي بجميع المنقول، على ما فيه من الاختلاف، ثم ننعطف عليه بالتنقيح والتصحيح، وهذا الفصل لا يحتمل هذا المسلك؛ فإن القول فيه يتكرر وينتشر، فالوجه أن نأتيَ بمضمون الفصل منقحاً [على] (٢) ما ينبغي، ونجمعَ اختلافَ الطرق، بعد تقرير البحث في النفس، وتعرية الكتاب عن طرق المطالب، فنقول: ٩٣٥٨ - الكلام في هذا المقصود يتعلق بثلاثة فصول: أحدها - فيه إذا جرت الرجعة، وذكرت المرأة انقضاء العدة، وحصل الوفاق على الأمرين، ورجع النزاع إلى التقديم والتأخير، هذا فصلٌ، فنشتغل بما فيه، ثم نذكر بعده الفصلين، فنقول: إذا توافق الزوجان على انقضاء العدة، وجريان لفظ الرجعة، وتنازعا في التقدم والتأخر، فالقول في ذلك يتعلق بمسائلَ: إحداها - أن يتفقا على وقت انقضاء العدّة ويختلفا في وقت الرّجعة: نحو أن يتفقا على أن العدة انقضت يوم الجمعة غيرَ أن الزوج زعم أنه ارتجع يوم الخميس المتقدّم على الجمعة، وزعمت المرأة أن الرجعة جرت يوم السبت. قال المراوزة الآخذون عن القفال: شيخي، والقاضي، والشيخُ أبو علي، ومن صنف في طريقته: القولُ قول المرأة؛ واعتلّوا بأن انقضاء العدة متفق عليه، محكومٌ به، والزوج يدّعي رجعةً قبل الوقت المتفق عليه، والمرأة تنكر ذلك، والأصل عدم

стр. 7402

الرجعة، والمرأة مؤتمنة في انقضاء العدّة، وقد أجرى الزوج الرجعة في وقتٍ مضى زمنُ العدّة قبله، والعدةُ أوانُ الرجعة، ومضطرب (١) سلطان الزوج، فيتنزّل هذا منزلة ما لو وَكَّل رجل رجلاً ببيع مالٍ، ثم إنه عزله على رؤوس الأشهاد، فادعى الوكيل أني كنت بعت المتاع قبل العزل، فلا يقبل قول الوكيل، كما لا يقبل قول الولي بعد زوال الولاية في تصرفٍ يُقرّ به مستنداً إلى حالة الولاية، كما لا يُقبل قول القاضي بعد الانعزال، بأني كنت حكمت لفلان بكذا، فكذلك إذا ادعى الزوج الرّجعة، فالسّبيل فيه ما ذكرناه. ٩٣٥٩ - وذكر صاحب التقريب والعراقيون في هذه الصورة وجهاً آخر مضاداً لما ذكرناه عن المراوزة، وذلك أنّهم قالوا: إذا كان الوقت الزماني في العدة متفقاً عليه، فالقول قول الزوج في ادعاء الرجعة قبل ذلك. ووجه هذا: أن المرأة، إنما تُصدّقُ في إخبارها عن طهر وحيض، وقد صُدّقت، فانتهى قولها، وبقي وراء ذلك ادعاء الزوج رجعةً يوم الخميس المتقدم على الجمعة المتفق عليها، الزوجُ يدعيها، ولو صُدِّق فيها، لما انقضت العدة، بل كانت تنقلب إلى صلب النكاح، وصدْقُ الزوج ممكن فيها، والزوجُ أعرف بالرجعة منها؛ إذ لا يشترط في الرجعة مخاطبتها، أو إعلامها، فنفيها الرجعةَ بعيد عن القبول. وهذا يعتضد بمسألة اتفق الأصحاب عليها، وهي أن الزوج لو أقر بالعنّة، لمّا رَفَعت المرأةُ [الأمرَ] (٢) إلى القاضي، [واقتضى] (٣) ترتيب القضاء تأجيلَه سنة، فإذا انقضت، وادّعى الزوج أنه وطئها، وأنكرت المرأة الوطء، فالأصل عدم الوطء، وقد اعتضد ذلك بإقرار الزوج بالعجز والعنة، ثم جعلنا القولَ قولَ الزوج مع يمينه؛ تشوفاً إلى استبقاء [الزواج] (٤)، [فليكن] (٥) الأمر كذلك في الرجعة.

стр. 7403

[وهنا] (١) مزيد ترجيح، وهو أنها في الغالب تشعر بالوطء، وقد لا تشعر بالرجعة. فإن أُلزم هذا القائلُ ادعاءَ الوكيل البيع بعد جريان العزل مع إسناده البيع إلى ما قبل العزل، فسبيل الجواب: أنا إنما نصدّق الوكيل في البيع؛ من جهة أنه قادر على إنشاء البيع، ومن الأصول الممهّدة أن من قدر على إنشاء شيء، فخبره عنه مقبول، هذا هو الذي يوجب تصديقَ الوكيل لا غيرُ، وإلا فلا يتحقق في الموكَّل بالبيع ما يتحقق في المودَع، والدليل عليه أن المودَع لو ادعى ردَّ الوديعة على غير المودِع بأمر المودِع، فقد لا يصدق، وبيع الوكيل يتعلق بثالث، فاستبان أنه ليس على قانون الودائع والأمانات، فإذا انقطع سلطانه ظاهراً، استحال قبول قوله، وأما جانب الزّوج؛ فإنه يعتضد بما جعلناه عُهدة الكلام من استبقاء النكاح والاستشهاد بالوطء. وقد ينقدح لصاحب الوجه الآخر أن يقول: الطلاق قاطع للنكاح، والزوج يدعي استدراكاً، وفسخ المرأة بالعنة إنشاء قطع، فيتجه ثَمَّ الاستبقاء؛ فإن النكاح بعيد عن الفسخ، وهاهنا انثلم النكاح بالطلاق، وإن كان الزوج على [سلطنته] (٢) في التدارك، فهذا سرّ التوجيه. ٩٣٦٠ - وذكر صاحب التقريب في هذه الصورة وجهاً ثالثاً، لا يكاد يفهم إلا بتقديم المعنى الذي يُنتجه، فنقول: تصديق الزوج في الرجعة أصلٌ على قياس الاستبقاء، وتصديقُ المرأة في انقضاء العدة أصلٌ، فهما متقابلان، فمن سبق إلى دعواه، فالحكم له. فإن قال الزوج أولاً: قد راجعتك يوم الخميس، فقالت المرأة: انقضت عدتي يوم الجمعة، وما راجعتَ يوم الخميس، فالزوج هو المصدَّق مع اليمين؛ والسبب فيه أنّه أنشأ دعوى الرّجعة منتظماً مع تمادي العدة، فإذا ذكرت الانقضاءَ بعد هذا القول، قيل لها: وقع الحكم بالرجعة، ورؤيتُك الدمَ بعد هذا لا تكون انقضاء العدة، وإنما هو

стр. 7404

رؤية الحيض في صلب النكاح، [ولا بدّ] (١) مع هذا من تحليف الزوج. وإن سبقت المرأة وقالت: انقضت عدتي، وكان ذلك صحوة يوم الجمعة، فقال الزوج -بعد قولها-: قد راجعتك أمس، فالقول قول المرأة؛ فإنها لما ذكرت طَعْنَها في الحيض الرابع، فقد وقع الحكم بانقضاء العدة، فإذا أنشأ الزوج بعد هذا قولَه، لم يُقبل منه. وهذا الوجه ارتضاه صاحب التقريب، واختاره العراقيون. وفي الحالة الأخيرة سرٌّ ينبّه على الغرض: فإذا قلنا: المتبع قولها، فاليمين لا تسقط، فتحلف بالله لا تعلم أن الزوج راجعها أمس؛ فإنها بيمينها تنفي فعل الغير، والزوج إذا كان هو السابق المبتدر، فيحلف بالله أنه راجعها، فإنّ [يمينه] (٢) تتضمن إثبات قوله. ٩٣٦١ - فقد انتظمت ثلاثة أوجه في هذه الحالة: أحدها - تصديق الزوج كيف فرض الأمر. والثاني - تصديق المرأة مطلقاً. والثالث - النظر إلى من يبتدر، قال العراقيون: من ابتدر منهما، فالحكم لقوله بلا خلاف، وإن أنشآ قَوْلَيْهما معاً، فحينئذ وجهان: أحدهما - أن القول قول المرأة، وهو فيما حكَوْه اختيار أبي العباس (٣) وأبي إسحاق. والوجه الثاني -ذكره صاحب التقريب وغيرُه- أن القول قول الزوج. التوجيه: من قال: القول قول المرأة إذا أنشآ قوليهما معاً، قال: المرأة مؤتمنة، وليست منشئةً أمراً، وإنما هي مخبرةٌ عما هي مصدّقة فيه، فلا اطلاع عليها إلاّ من جهتها، والزوج يدعي إنشاء رجعةٍ على اختيار منه، فكان أبعد عن التصديق. ومن قال: القول قول الزوج، احتج بأن قال: المرأة لا تخبر عن انقضاء العدة،

стр. 7405

وإنما تخبر عن مَرِّ أطهارٍ وحِيَضٍ، والزوج يُخبر عما ملّكه الله من الرجعة، فكان قوله أوْلى بالقبول، وهذا إذا ضَمْمناه إلى ما تقدّم، انتظم من المجموع أوجهٌ، ونحن نرى إعادةَ جميعها: فمن أصحابنا من صدّق المرأة مطلقاً. ومنهم من صدق الرجلَ مطلقاً. ومنهم من قال: المصدّق منهما من يبتدر، ثم من يدعي الابتدار يُفرِّعُ، ويقول: إن صدر القولان منهما معاً، فوجهان. هذا مجموع ما ذكره الأصحاب في صورة تقدّم الرجعة على يوم الجمعة وتأخرها عنها. ٩٣٦٢ - فأما إذا وقع الوفاق على أن الرجعة وقعت يوم الجمعة، وقالت المرأة: انقضت عدتي يوم الخميس، وقال الزوج: بل انقضت يوم السبت، فهذه الصّورة (١) تجري فيها الوجوه المقدمة، ولا نتبرم بإعادتها لمزيدٍ فيها. قال المراوزة القول قول الزوج؛ لأن الرجعة وقع الوفاق على جريانها، والمرأة ادعت انقضاء العدة والأصل بقاؤها. وقال صاحب التقريب والعراقيون: القول قول المرأة؛ فإنها تقول: ما يقوله الزوج صورةً ولفظاً [اتفقنا] (٢) عليه، فانتهى قول الزّوج نهايته، وأنا ادعيت انقضاء العدة قبل هذا الوقت، فلزم تصديقي. ومن أصحابنا من فَصَل بين أن تبتدر وتقولَ، أو يسبق الزوج فيقولَ، كما مضى، ثم التفريع على وجه الابتدار يجري على النسق المقدم. والذي نَزيده في هذه الصورة أن قول الزوج: "قد راجعتك أمس" مع الوفاق على وقت انتهاء صور الأقراء، ادّعاءُ رجعةٍ فيما سبق، بعد ظهور انقطاع سلطانه بالوفاق

стр. 7406

على وقت انقضاء مدة العدة، فكان ذلك شبيهاً بدعوى الوكيل بعد العزل، أما إذا وقع الوفاق على لفظ الرجعة، ووقتِه، فقول المرأة: "قد كانت عدتي منقضيةً قبلُ"، ليس إنشاءَ أمرٍ منها ولا إخباراً بإنشاء أمرٍ فيما سبق، بل أخبرت عما رأت قبلُ، وهي مؤتمنة فيما تُخبر عنه؛ إذ لا مطّلع عليه إلا من جهتها، وهذا المعنى الموجب لتصديقها يستوي فيه الصور كلُّها، وهذا حسن بالغ، ومقتضاه أن [نغلّب] (١) َ في الصورة الأولى تصديقَها كما مضى، ونغلبَ في هذه الصورة تصديقَها، وهذا بعينه هو الوجه الذي حكاه العراقيون عن أبي العباس بن سريج، وأي إسحاق، وما ذكرناه تنبيهٌ على وجه التوجيه فيه. وقد نجزت مسألتان في هذا الفصل. ٩٣٦٣ - المسألة الثالثة: ألا يقع التعرض لوقت الرّجعة، ولا لوقت انقضاء العدة، ولكن يقول الزوج: راجعتك قبل انقضاء العدة، وتقول المرأة: بل انقضت عدتي قبل الرّجعة. كان شيخي فيما سمعتُه، وبلّغنيه عنه بعضُ الأثبات يذكر وجهين في هذه الصورة: أحدهما - أن القول قول الزوج؛ تغليباً لاستبقاء النكاح. والثاني - أن القول قول المرأة؛ تغليباً لائتمانها وتصديقها فيما لا مطّلَع عليه إلا من جهتها، بخلاف الرّجعة؛ فإنه يُتصور الإشهاد عليها والإشعار بها. قال ابن سريج: إذا تعارض أصلان، فالتحريم أغلب، وظهر هاهنا اعتبار المبادرة إلى الدعوى، فمن سبق، فهو المصدّق، ومن [لا] (٢) يعتبر المسابقة يفرض صدور اللفظين معاً، ويذكر الوجهين، كما قدّمنا. وفي فصل المسابقة والتفريع عليه مزيد شرح لا يتأتى ذكره هاهنا، فإن اختلج في نفس الطالب شيء، فصبراً حتى ينتهي إليه. وقد نجز فصلٌ واحد من الفصول الثلاثة الموعودة.

стр. 7407

الفصل الثاني ٩٣٦٤ - فيه إذا وقع الوفاق على الوقت الذي قالت المرأة فيه: "انقضت عدّتي"، فقال الزوج: "قد راجعتك قبل هذا"، وأنكرت المرأة قوله، وما اعترفت بارتجاعه أصلاً، والفصل الأول فيه إذا اعترفت بارتجاعه، وأنكرت التقدم على وقت انقضاء العدة، فأصل لفظه متفق عليه، والخلاف في وقته، وهاهنا أصل الارتجاع قد أنكرته المرأة. قال صاحب التقريب: هاهنا القول قول المرأة بلا خلاف، من غير تفصيل. وهذا عندي خطأ صريح؛ فإنها إذا اعترفت برجعةٍ بعد العدّة، فذلك الاعتراف لا حكم له؛ فإنها ما أقرّت برجعةٍ، وإنما أقرت بالتلفظ بصيغة الرجعة، وقال الزوج: لو أتيتُ بلفظ الرجعة في الوقت الذي اعترفت المرأة به، لكان لغواً غيرَ مفيدٍ، فإذاً التنازع يؤول إلى ما ادّعاه الزوج من الرجعة يومَ الخميس. هذا مثار الخلاف، والاعتراف بقوله يوم السبت باطل، فتعود المسائل الثلاث في ذلك بما أجرينا فيها من الأوجه. ولا ينبغي للفقيه أن يتمادى فيه. الفصل الثالث في تنازع الزوجين والعدة باقية ٩٣٦٥ - فإذا قال الزوج: راجعتك أمس، وقالت المرأة ما راجعتني أصلاً، والعدّة باقية، وربما يجري هذا في صدر العدّة. قال صاحب التقريب: المذهب أن القول قول الزوج؛ فإنه ادعى الرّجعةَ في وقت لو أراد إنشاءَ الرجعةِ فيه، لأمكنه، فقوي جانبه بذلك، وقُبل قوله فيه. وحكى وجهاً غريباً أن القول قولُ المرأة في نفي الرجعة فيما سبق؛ فإن الأصل عدم الرجعة، وبقاءُ أثر الطلاق؛ فإن أراد الزوج تحقيق ما قال، فليبتدىء ارتجاعاً. وهذا بعيد جداً، ويلزم على قياس ذلك أن يقال: إذا وكل وكيلاً ببيع شيء من ماله، فقال الوكيل: قد بعته، وأنكر الموكِّل بيعَه، ولم يعزله عن الوكالة، فالقول

стр. 7408

قول الوكيل؛ لأنّه ادّعى البيع في وقتٍ لو أنشأه، لنفذ منه، فإنْ طَردَ الخلاف في الوكيل، كان هاجماً على خرق الإجماع، وإن سلّمه، عَسُر الفرق بين رجعة الزوج وتصرف الوكيل. وهذا الوجه أراه غلطاً كالوجه الذي ذكره في الفصل الثاني، وقد ذكرته الآن. ٩٣٦٦ - فإذا قطعنا بأن القول قول الزوج إذا كانت العدة باقيةً، فقد كان شيخي يحكي عن القفال أنّ الإقرار بالشيء في وقت إمكان إنشائه بمثابة إنشائه، وإن كان إقراراً على الحقيقة، وهذا لست أرى له وجهاً؛ فإن الإقرار نقيضُ الإنشاء، فيستحيل أن يفيده ويقوم مقامه، والإقرار يدخله الصّدق والكذب بخلاف الإنشاء، فإذا أقرّ كاذباً كيف نجعله منشئاً؛ فلا وجه لذلك. وكان شيخي يطرد هذا الوجه في الطلاق، ويقول: الإقرار بالطلاق طلاقٌ عند هذا القائل. وهذا خطأ؛ فإن الشافعي وأصحابَه نصّوا على أنّ من أقر بالطلاق كاذباً، فالزوجية قائمةٌ بينه وبين الله، ولو كان الإقرار الكاذب طلاقاً واقعاً ظاهراً وباطناًً، لما تُصوِّرت مسائل التديين، وقد قلنا: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق، ونوى الطلاق عن وِثاق، لم يقع الطلاق باطناًً، ولم نعرف في هذا خلافاً، ومن يقول بوقوع الطلاق باطناًً إذا أقر كاذباً، وهو لا يبغي الإنشاء، بل صرح بإسناد الطلاق إلى ما مضى مخبراً غير موقع، فكيف يقع الطلاق باطناً. فإن قيل: نصَّ الشافعيُّ على أنّ من نكح أَمةً، ثم أقرّ بأني كنت نكحتها وأنا غير خائف من العنت، فهذا طلاق. قلنا: هذا ضمُّ إشكال إلى إشكال؛ [فإنّا] (١) نبُعد كونَ الإقرار بالطلاق إنشاء، وهذا النص يقتضي أن يكون الإقرار بفساد النكاح إنشاءَ طلاق، وهذا كلام متناقض؛ فإن فساد النكاح يمنع وقوعَ الطلاق، فلا وجه عندي إلا حمل هذا النص على خللٍ في النقل، وليس من الحزم تشويش أصول المذهب بمثل هذا.

стр. 7409

٩٣٦٧ - فإن قلنا: لا يكون الإقرار كالإنشاء، وصدقنا الزوج في دعوى الرجعة المضافة إلى أمس، فللمرأة أن تُحَلِّفه، فإن كل مصدَّق في الخصومات محلَّفٌ في أمثال ما نحن فيه. وقد انتهت [الفصول] (١) الثلاثة وبقيت وراءها مسألةٌ، نص الشافعي [عليها] (٢) في المختصر، ولم يقفْ (٣) عليها المزني، ونحن نذكرها، ونذكر لَحْن المزني فيها. ٩٣٦٨ - قال الشافعي: ولو قال: "ارتجعتك اليوم، وقالت: انقضت عدتي قبل رجعتك، صدّقتُها، إلا أن تُقرّ بعد ذلك، فتكون كمن جحد حقاً، ثم أقرّ به" (٤)، هذا لفظ الشافعي. ونحن نقول بعدُ: هذه المسألة نصوّرها إنشاء ونصورها إخباراً، فإذا أنشأ، وقال: راجعتك، فقالت على الاتصال: انقضت عدتي، فالرجعة لا تصحّ، فإنا لو حكمنا بصحتها، لحصلت مع الفراغ من اللفظ، وهكذا سبيل كل ما يتعلق بالألفاظ، وقولُها إخبار، والمخبَر عنه لو صُدّقت يتقدّم على قولها؛ فإن العدة تنقضي ثم تُنشىء على الاتصال -إن ابتدرت- إخباراً عن انقضاءٍ سابق على أول الخبر، وقد ثبت أنها مصدَّقةٌ؛ فإذا قررنا الإنشاء في الرّجعة على حقّه، وصدقناها، وقع انقضاء العدة مع فراغ الزوج من لفظ الرّجعة، فيتبين أنها وقعت في وقتٍ صدّقنا المرأة في انقضاء العدة فيه. وحمل معظم الأصحاب قول الشافعي في رسم المسألة على إنشاء الرّجعة منه، وإخبارِها على الاتصال؛ إذ لا يتصوّر [منها] (٥) إنشاءُ أمر، والعدّة لا تنقضي بالقول

стр. 7410

حسب حصول الرجعة بالقول. وإذا كانت الرجعة توجب الحِلَّ، وانقضاءُ العدّة يوجب البينونة، فإذا انتفى الموجبان، وجب تغليب الحظر، فهذا حمل المسألة على إنشاء الرجعة. فإن زعم الزوج أنّي لم أرد بقولي: "راجعتك" إنشاءَ الرجعة وإنما أردت الإخبار عن رجعةٍ سبقت مني، فإذا قالت المرأة على الاتصال: انقضت عدّتي، فهذه المسألة تنعطف على الصور التي تقدّمت، فيقع الحكم مثلاً بانقضاء زمن العدة بقولها، ونقول للزوج: متى راجعتَها؟ فإن زعم أنه راجعها قبل هذا بيوم مثلاً، فقوله: راجعتك في الحال لا يزاحم خبرَها عن انقضاء العدة، حتى يقالَ: ابتدر بالدعوى، بل قوله صالح للإنشاء، وهو صريح فيه. وقد ذكرنا أن صريح الإنشاء لا يزاحِم خبرها؛ فهي امرأة مبتدئة بدعوى انقضاء العدة، فإذا قال الزوج بعد ذلك: قد راجعتها قبل هذا الزمان، فهذا كلام مؤخَّر عن قولها، وقد سبق التفصيل فيه إذا ابتدرت، فادّعت انقضاء العدة، ثم ادعى الزوج بعد هذا رجعةً سابقةً. هذا بيان المسألة إذا صُوِّرت إنشاءً، أو حُمل قولُ الزوج على الإخبار. ٩٣٦٩ - ولمّا أورد المزني هذه المسألة جعل الزوج مبتدئاً بدعوى الرّجعة، وقدّر المرأة مستأخرة في دعوى الانقضاء، ورأى أن الزوج أولى بالتصديق. والذي ذكره قد يتجه إذا تأخّر قولها ولم يتصل، وتقدّمت دعوى الرجل، فأما إذا قال الزوج: راجعتها، فقالت على الاتصال: انقضت عدتي، فلا يتجه إلا إبطالُ الرّجعة؛ فإنّ لفظه صريح في الإنشاء، والإنشاءُ باطل مع الخبر المتصل. وإن حمله على الإخبار، فلفظه المطلق لا يصل لذلك، فيقع الحكم بالانقضاء، فإن أنشأ بعد ذلك تقديمَ دعوى، فهذا مزيد في تصوير المسألة وإتيانٌ بدعوى أخرى مستَفْتَحةٍ. هذا بيان الأصول والصور في اختلاف الزوجين. والله أعلم.

стр. 7411

فصل قال: "ولو دخل (١) بها، ثم طلقها ... إلى آخره" (٢). ٩٣٧٠ - أراد الشافعي ﵁ بقوله: "دخل بها" خلا بها، ثم تعرض للخلاف في ادّعاء الإصابة ونفيِها، وقد ذكرنا اختلاف القول في أن الخلوة هل تنزل منزلة الوطء في اقتضاء العدة وتقريرِ المهر؟ فإن نزّلنا الخلوة منزلة الوطء في إيجاب العدّة، فالرأي الظاهر الّذي يجب القطع به أن الرجعة تثبت ثبوتَها لو كانت موطوءة. وقال أبو حنيفة (٣): تثبت العدة، ولا تثبت الرجعة، وحكى الشيخ أبو علي وجهاً مثلَ (٤) مذهب أبي حنيفة. وهذا لا اتجاه له في القياس؛ فإن العدة إذا ثبتت في مُطَلَّقة من غير عوض ولا استيفاءِ عدد، فلا معنى لنفي الرّجعة. قال الشيخ: هذا يوجَّه بأن الرّجعة تستدعي عُلقة كاملة، فإذا لم يجر سبب العلوق، لم تتأكد العُلقة، ومقتضى الطلاق القطعُ وإزالةُ الملك. ولا حاصل لهذا الكلام؛ فإن العدة تترتب على اشتغال الرحم، أو على جريان سبب الاشتغال، والعدة بهذا المعنى أخص من الرجعة، فإذا لم يبعد وجوب العدة على خلاف قياس موضوعها، لم يبعد ثبوت الرجعة. وحكى الشيخ أيضاًً وجهين في أنا إذا أوجبنا العدة على المطلقة التي أتاها الزوج في دبرها، فهل تثبت الرجعة في مثل هذه العدة أم لا؟ أحدهما - تثبت الرجعة، وهو القياس. والثاني - لا تثبت؛ فإن إيجاب العدة في حق المأتيّة في غير المأتَى مرتبط بضروبٍ

стр. 7412

من التغليظ، ويليق بالتغليظ نفيُ الرجعة، وهذا الوجه على ضعفه قد يستند إلى ما ذكره الشيخ من التغليظ. أما الوجه الذي حكاه في الخلوة، فلا وجه له أصلاً. ٩٣٧١ - ومما ذكره الشيخ متصلاً بهذا أنه لو قال لامرأته: مهما (١) وطئتك، فأنت طالق، فإذا وطئها، وقع الطلاق، [واستقبلت] (٢) العدة بالأقراء إن لم تَعْلَق. ثم لو وطئها ورأينا إيجاب المهر بوطء الرجعية، فتفصيل القول في المهر لو نزع أو استدام، أو نزع وأعاد، كتفصيل القول فيه إذا قال: [إذا] (٣) وطئتك، فأنت طالق ثلاثاًً، أو نفرض الاستدامة والنزع والإعادة على جهالة. وقد تمهد هذا فيما سبق. ٩٣٧٢ - وإذا حكمنا بأن الخلوة لا تقرّر المهرَ، ولا تحل محل الوطء، فلو ادعى الزوج الإصابة وأنكرتها المرأة، أو ادّعت المرأة الإصابة لتقرير المهر وأنكرها الرجل، ففي المسألة قولان قدمنا ذكرهما في كتاب الصّداق. فصل قال: "ولو ارتدّت بعد طلاقه ... إلى آخره" (٤). ٩٣٧٣ - إذا طلق الرجل امرأته ثم ارتدّ، أو ارتدّت، فارتجعها في حال رِدّتها، أو ردة أحدهما قال الشافعي: الرجعة فاسدة؛ لأنها للإحلال والردة تنافي الإحلال، وقال المزني: إن دامت الردة حتى انقضت العدة، فنتبين أن الرجعة وقعت وراء البينونة؛ فإنا نتبين عند استمرار الردّة إلى انقضاء العدة أنها تضمنت قطع النكاح كما (٥) وقعت. وإن زالت الرّدة في مدة العدة، فنتبيّن أن الرّجعة واقعةٌ صحيحةٌ لمصادفتها محلَّها تبيُّناً

стр. 7413

هذا ذكره المزني واختاره لنفسه، وله عبارات في اختياراته: تارةً يفرط ويسرف ويقول بعد النقل: "هذا ليس بشيء"، وما كان كذلك، فهو من مفرداته. وكلامُه مشعر بمجانبته مذهبَ الشافعي فيما نقله وأخْذِه في مأخذٍ آخر، فلا يعد مذهبُه تخريجاً. وتارة يقول: قياس الشافعى خلافُ ما نقلته، فإذا قال ذلك، فالأوجه عدُّ ما يذكره قولاً مخرجاً للشافعي. وإذا لم يتصرف على قياسه، وقال: الأشبه عندي، كان لفظه متردداً بين التصرف على قياس الشافعي مَصيراً إلى أن المعنيّ بقوله هذا أشبهُ: [أي] (١) هذا أشبهُ بمذهب الشافعي، ويجوز أن يقال: "هذا أشبه" معناه أشبهُ بالحق ومسلك الظن، ولم أر أحداً من أصحابنا يَعُدّ اختيار المزنى فى هذه المسألة قولاً معدوداً من المذهب مخرجاً. وما ذكره متجه على القياس جداً؛ فإن الردة إذا زالت قبل انقضاء مدة العدة، تبيّنا أن النكاح لم ينخرم، وأن الملك لم يزُل أصلاً، وما مضى كنا نحسَبه من العدة، ثم تبينّا أنها لم تخض في العدة، بخلاف الرجعية إذا ارتجعها زوجها؛ فإن العدة تنقطع ولا نتبين أنها لم تخض في العدة، والإشكال يتأكد بأن الإحرام مع أنه يمنع من ابتداء النكاح لا يمنع من الرجعة على النص والمذهب المعتمد، فكان يتجه تخريج الرجعة على الوقف، وليست الرجعية بعيدة عن التفريع على الوقف فيما نحن فيه. ولا خلاف أن المرتدة إذا طُلقت، ثم زالت الردة قبل انقضاء أمد العدة، فالطلاق واقع، وهذا متفق عليه. ٩٣٧٤ - والذي يمكن توجيه النصّ به أن الرّدة إذا تمادت حتى انقضت العدة، وقعت البينونة تبيُّناً مع أول جزء من الردة، ووقع التمادي بعد البينونة، فلا يقع التمادي شرطاً في وقوع البينونة، فإن الشرط لا يتأخر عن المشروط، ويتحقق بذلك أن الردة تمنع الإقدام على الاستحلال ابتداء، ولو فرض زوالها، فهي محتَمَلةٌ في دوام

стр. 7414

النكاح، فأما أن تحتَمل في ابتداء تصحيح تحليل ينشأ، فلا. وينضم إليه ما يقتضيه الشرع من التغليظ على المرتد. وأما المحرم، فلا مجال للمعنى فيه، والمتبع في امتناع نكاح المحرم خبرُ الرسول صلى الله عليه، والردة تنافي الاستحلال على معنىً معتبر، فلا معنى للتصحيح. وأما الخروج على الوفف، فقد ذكرنا توجيهه على رأي المزني، ولكن لم يقل به أحدٌ من أئمة المذهب، ووجه ردّ الوقف أن الردّة التي وقعت لا نتبين آخراً أنها لم تقع، فاقترانها بابتداء الرجعة كاقتران مفسد بالعقد، وهو بمثابة ما لو وهب الخمر أو رهنها، ثم استحالت خلاً، فأقبضَ الخلَّ، فالشدّة المقترنة بالعقد تمنع انعقاد العقد، وقد تطرأ الشدة بعد الانعقاد، فيتوقف على الزوال، كما ذكرناه في مسائل الرّهون. وأمّا وقوع الطلاق عند زوال الرّدّة في مدة العدة، فليس بدعاً؛ من جهة أن الطلاق تحريم كالرّدة، فلا منافاة، وقد تبيّن آخراً أن النكاح كان دائماً. ٩٣٧٥ - وإذا أردنا تقييد المذهب بمراسم قلنا: الوقف الذي رجع إلى الجهالة، كالذي يبيع عبداً كان لأبيه في حالة ظنه بقاءه، فإذا تبين أن أباه كان ميّتاً والعبد انتقل إلى البائع إرثاً قبل البيع، فالضابط في هذا الفن أن ما لا يقبل التعليقَ إذا اقترن به جهلٌ على هذا النسق، نُظر: فإن لم يكن الجهل مستنداً إلى أصلٍ ماضٍ، فلا حكم له، وهو بمثابة ما لو باع عبداً حسِبه لغيره، ثم تبين له أن العبد كان له، فالبيع نافذ. وإن استند الجهل إلى أصل متقدم، كبيع عبد الأب على ظن بقائه إذا تبين أن الأب كان ميتاً وقت البيع، ففي المسألة قولان، أما الطلاق؛ فإنه لا يندفع بالظنون سواء استندت إلى أصول أو لم تستند. ٩٣٧٦ - ومما نذكر في ذلك أن الرجل إذا قال لأَمَته: إن قيّض الله بيننا نكاحاً، فأنت حرة قُبَيْله، فإذا نكحها، فقد قطع صاحب التقريب، ومعظم المحققين بصحة النكاح؛ فإن الإقدام عليه كان على ثبت. وقال بعض الأصحاب: هذا يخرج على الوقف. وهذا لا أصل له. ومن مراتب الكلام في الوقف ما دُفِعْنا إليه، فالمزني ألحق رجعة المرتد والمرتدة

стр. 7415

بالوقف، والشافعي رأى نفس اقتران الرّدة مفسداً للفظ الرجعة، وأجرى عدمَ الردّة شرطاً في الصحة، والتوقف الذي حسبه المزني ذاك في دوام النكاح لا في إنشاء ما ينشأ على الصحة، وينشأ على الفساد، فيفسد. هذا منتهى القول في ذلك. ***

стр. 7416

باب المطلقة ثلاثاًً (١) قال الشافعي ﵁: "قال الله تعالى في المطلقة الطلقة الثالثة ... إلى آخره" (٢). ٩٣٧٧ - إذا طلق الرجل الحرُّ امرأته ثلاثاًً، أو طلق العبد زوجته طلقتين، واستوفى كلُّ واحد منهما أقصى ما أُثبت له من الطلاق، فيحرُم عليه عقدُ النكاح عليها، حتى تنكِح زوجاً آخر نكاحاً صحيحاً، ثم يغشاها الزوج الثاني، وينبتُّ النكاح، وتُخلي (٣) عن العدّة؛ فإذ ذاك يحلّ للزوج المطلِّق تجديدُ النكاح، وسبيلها معه كسبيل أجنبيةٍ يبتغي ابتداء نكاحها، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمعنى: فإن طلقها الطلقةَ الثالثةَ، فلا تحل له بنكاح حتى تتزوج زوجاً آخر. وليس (٤) للإصابة ذكرٌ في القرآن، وإنما هي مستفادةٌ من السنة: روي أن رفاعة بن رافع طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجت من عبد الرحمن بن الزبير، ثم جاءت إلى رسول الله ﷺ شاكيةً، فقالت: يا رسول الله إن ما معه مثلُ هُدبة الثوب، فقال عبد الرحمن: كذبَتْ يا رسول الله، والله إني لأعرُكها عرْك الأديم العُكاظي، فقال ﷺ : "تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؛ حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (٥)، فشرط الإصابة.

стр. 7417

وقال بعض العلماء: جَمْعُ الطلاق مما لا يحبّه الله تعالى. والرجلُ إن لم يكن ممنوعاً عنه قولاً صريحاًً، فلعل الغرض من إثبات التحليل أن ينكف الرجل عن تطليق التي يضمر معاودتها ثلاثاًً، حَذَراً من التحليل الذي يشتد وقعه على كل ذي غَيْرة من الرجال. ٩٣٧٨ - ثم الكلام يقع في فصول: أحدها - القول في الجهة التي يشترط حصول الوطء فيها، فنقول: إذا طلق الرجل زوجته الأمةَ ثلاثاًً، فوطئها مولاها بملك اليمين، لم يحصل التحليل به وفاقاً، والمرعيُّ حصول الوطء في الجهة الكاملة الموضوعة للوطء التي وقع الطلاق فيها. ولو نكحت المطلَّقة ثلاثاً نكاح شبهةٍ، وحصل الوطء على ظن التحليل، ففي حصول التحليل قولان: أظهرهما - أنه لا يحصل؛ فإنه لم يقع في نكاح، ولا معوّل على الظن المخالف للحقيقة. وهذا كما أن الإحصان لا يحصل بالوطء في النكاح الفاسد. والقول الثاني: إن التحليل يحصل، لأن النكاح الفاسد ملحق بالصحيح في معظم الأحكام، والمعنى الذي ذكرناه [فيه] (١) متعلِّقاً بالغَيْرة يحصل به، وليس التحليل كالإحصان؛ فإن الوطء في الإحصان [ركنٌ في إفادة كمال التمتع] (٢) يُنتج التعرض للعقوبة الكبرى، فلئن وُقف على التحقيق، لم يبعد. ثم إذا فرعنا على القول الضعيف، فلو وُطئت تلك المرأة بشبهة، من غير فرض جريان صورة النكاح، فقد اختلف جواب الأئمة، فالذي اختاره المحققون أن التحليل لا يحصل به؛ فإنه لم يجر فيما يسمى نكاحاً.

стр. 7418

ومن يُلحق النكاحَ الفاسدَ بالصحيح، فقد يتخيل اندراج النكاح تحت الاسم المطلق، مع ثبوت الأحكام، والمذكور في كتاب الله النكاحُ. وذهب بعض أصحابنا إلى أن وطء الشبهة بمثابة الوطء في النكاح الفاسد؛ فإن اسم النكاح على الإطلاق لا يتناول الفاسد عندنا، فليس في الوطء في النكاح [الفاسد] (١) إلا ظنُّ الحِل، وهذا المعنى متحقق في وطء الشبهة. التفريع: ٩٣٧٩ - إن جرينا على أن وطء الشبهة لا يحلل، فلا كلام. وإن جعلناه محللاً، فالوجه عندنا أن نفرض جريانه على ظن الزوجية، فلو ألم بها رجل وحسبها مملوكتَه، فحسبان الملك لا يزيد على نفس الملك، والوطء في نفس الملك لا يوجب التحليل، وسيكون لنا عودٌ إلى تفصيل وطء الشبهة واختلاف الظنون فيه، في أحكام الاستيلاد وحرية الولد، إن شاء الله. ولو علمت المرأة فساد النكاح، وتعرضت لحد الزنا، وجهل الزوج، أو كان الأمر على العكس، فقد ذكرنا أوجهاً في أن تحريم المصاهرة هل يحصل مع الجهل في أحد الجانبين؟ والذي أراه القطع بأن التحليل لا يحصل ما لم يكن الجهل شاملاً لهما؛ فإن العلم إذا ألحق أحدَهما بالزنا، استحال تخيُّلُ التحليل مع هذا؛ ولهذا قطعنا القول أن الوطء في نكاح الشبهة يوجب حرمةَ المصاهرة، وقلنا: القول الأصح أن الوطء في نكاح الشبهة الشاملة للجانبين لا يقتضي التحليل. فهذا تمام القول في الجهة التي يشترط حصول الوطء فيها. ٩٣٨٥ - فأما الكلام في الوطء، فتغييب الحشفة -أو تغييبُ مقدارها إن كانت الحشفة مقطوعة- هو المعتبرُ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وأوضحنا أن الأحكام المنوطة بالوطء تحصل جملتُها بما نصصنا عليه. والإتيان في الدّبر لا يفيد التحليل وفاقاً، فالذي هو المقصود في الفصل استدخال المرأةِ الفرجَ بالأصبع، ولا بد من الاعتناء في ذلك بضبط المذهب، فإن حصل

стр. 7419

الانتشار ووقع الإيلاج مع الاستعانة بالأصبع، فهذا وطء. وإن كان العضو [فاتراً] (١) لم يخل إما أن يكون ممن لا يتوقع منه في مثل حده انتشاراً، أو كان يتوقع منه انتشار، فإن كان ذلك ممن يتوقع منه انتشار، ولكن صادف الإدخال والاستدخال فتوراً أو عُنة فالذي أطلقه الأصحاب أن هذا يحصل به التحليل؛ فإن العضو مما يتوقع الإيلاج به، وقد حصل الوصول إلى الباطن، فلا نظر إلى وصوله بصفته وقوته، أو إلى وصوله بإدخال واستدخالٍ. فأما إذا كان الزوج صبيّاً لا يتصور من مثله انتشار، كابن أيامٍ، فإذا استدخلت المرأة ذلك منه، وقد قُبل النكاح له، فالذي أطلقه الأصحاب أن التحليل لا يحصل بهذا؛ فإن ذلك إذا لم يكن في مظنة إمكان الوطء لا يسمى وطءاً، فلا اعتبار به. وهذا مشكل عندنا، وقد وصل الفرج إلى داخل الفرج، ولا يجوز أن يكون في وجوب الغسل خلاف، وإن منع مانع هذا، كان مُبْعِداً، وإن سَلَّم أنه وطءٌ تام في الغسل، استحال تبعيضُ الأحكام، وإن التفت الأصحاب على أن المرعي في وطء المحلّل ما يُنتج انتعاشَ الغَيْرة، وهذا إنما يُفرض عند إمكان الوطء، فهذا أقرب ما يتمسك به. وذكر شيخي قولاً غريباً: أن وطء الصبي لا يفيد التحليل وإن أولج. وهذا لم أره إلاّ له وقد نقلته بعد تكرّر السماع عنه ومصادفتِه في التعاليق، وإن صح، فوجهه أنه لا يحرِّك الغيرة، ولست أعتد بهذا القول من المذهب، ولو ذكر هذا التردد في الإدخال من الصبي الذي لا يتصور من مثله الجماع، لكان حسناً، ولكنه ذكره في غير البالغ، وإن ناهز وأولج الفرجَ المنتشر، وهذا على نهاية البعد (٢).

стр. 7420

وذكر بعض الأصحاب في التخفيف من الغيرة تزويج المطلقة من عبدٍ صغير -إذا قلنا: يقبل السيد النكاح لعبده الصغير- ثم يولج القدر المرعيَّ، ويوهَب العبد منها، فينفسخ النكاح. ولا شك أن وطء الخصي كوطء الفحل. ٩٣٨١ - ومما نذكره الكلامُ في حالاتِ مُحرّمةِ الوطء، مع دوام النكاح، فنقول: إذا أصابها الزوج صائمة، أو مُحْرمة، أو حائضاً، حلت بالإصابة، وإن كانت محرّمةً، خلافاً لمالك (١). ومقصود الفصل أنه لو أصابها وهي مرتدة أو هو مرتد، أو أصابها وهي في عدّة الرجعة، ثم زالت الردّة، فكيف السبيل؟ وهل نقضي بأن التحليل يحصل؟ تكلم الشافعي ﵁ فيما ذكرناه، وأنكر المزني (٢) تصوّرَ المسألة؛ فإن الردة من غير دخول [تبتّ] (٣) النكاح، والطلاق من غير مسيس يستعقب البينونةَ، فكيف تصوير المسألة (٤)؟ فقيل له: إذا استدخلت ماء الرجل تلتزم العدة ولا تحل لزوجها، والإتيان في الدبر يوجب العدة، ولا يتعلق به التحليل، كما قدمناه، والخلوة -في القول البعيد- توجب العدة، ولا تحلل، فهذا تصوير المسألة.

стр. 7421

فأما الحكم، فقد قال الشافعي ﵁: لا يحصل التحليل بالوطء في زمان الردة ولا بوطء الرجعية، فإن هذا وطءٌ في ملك مختل. قال المحققون: إن حكمنا بأن الوطء في النكاح الفاسد يفيد التحليل، فلا شك أن الوطء في الردة ووطء الرجعية يفيد التحليل، وإن حكمنا بأن الوطء في نكاح الشبهة لا يفيد التحليل، فلا شك أن الردة لو دامت حتى انقضت العدة، لم يفد التحليل، وإن زالت الردة قبل انقضاء العدة، فالمسألة -حيث انتهينا إليه- محتملة أيضاًً، وليس الوطء في هذا كالرجعة مع الردة؛ فإن الرجعة في حكم عقد يَفْسُد ويصح، فيجوز أن يتخلّف عنه شرط الصحة، وأما الوطء، فقد بان جريانه في صلب النكاح، ولا يتطرق إليه وقفٌ وامتناعٌ بسببه؛ فإن ذلك يليق بالعقود. نعم، وطء الرجعية قد يفرض في محلّه (١) ضعف، فإن الطلاق يزيل الملك على رأي الأصحاب. والمذهب الذي عليه التعويل أن الوطء يوجب المهرَ، راجعها أو لم يراجعها، والرأي في ذلك أن يَتْبع ما نحن فيه المهرَ، فإن لم يراجعها، ثبت المهر ولا تحليل، وإن راجعها، ففي المهر خلافٌ، وفي التحليل احتمال. وكل هذا إذا لم نجعل الوطء في نكاح الشبهة محللاً، [ولكن] (٢) [إذا جعلنا الوطء في نكاح الشبهة محللاً] (٢) فالوجه ألا نجعله محللاً في الردة إذا دامت، فإن المرتد على اعتقاد استدامته، والله أعلم. وقد يرد على هذا أن الحد مدفوع عنه في الرأي الظاهر. ٩٣٨٢ - ثم قال الشافعي: "ولو ذكرت أنها نكحت نكاحاً صحيحاً ... إلى آخره" (٣). إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاًً، فانسرحت ذاكرةً أنها تنكِح وتسعى في تحليل نفسها،

стр. 7422

فإذا عادت فذكرت أنها نكَحت ووُطئت وتخَلَّت وَحلّت، وكان لا يقترن بقولها ما يكذبها، قال الأصحاب: إن غلب على قلب الزوج صدقُها، فله التعويل على قولها. وإن شك، ولم يترجح له ظن، فالورعُ الاجتنابُ. ولكن لو عوّل على قولها، ونكَحها، صح، ولو غلب على الظن كذبُها، وكان صدقُها ممكناً، فلو نكحها، فالذي قطع به الأصحاب صحةُ النكاح، مع انتهاء الأمر إلى الكراهية. وفي بعض التصانيف أنه إذا ظنها كاذبة، وعوّل على قولها ونكَحها، لم تحل له. وهذا غلط صريح، وهو من عثرات الكُتّاب (١). والذي قطع به الأمامُ وصاحبُ التقريب والشيخُ أبو علي والعراقيون أن النكاح ينعقد، وتحل في ظاهر الحكم، وإن غلب على الظن كذبها إذا كان الصدق ممكناً. ٩٣٨٣ - وهذا المنقول وإن كان هو المذهب فقد يعترض للفقيه فيه إشكال؛ فإن إثبات النكاح بشهادة الشهود ممكن، وكيف لا ولا يصح النكاح إلا بمحضر عدلين، ولكن الجواب أن النكاح يُعنى للوطء وإثباتُه عسر، والزوج يمتنع عن قيام الشهود عليه، فهذا يُفضي إلى حسم الباب، ولا يُغني إثباتُ النكاح شيئاً ٢)، والعسرُ في المقصود قائم. ثم إثباتُ النكاح -من غير جحد وخصومة- مقام [الوطء] (٣) متعذر، وكل [ما لا يجوز] (٤) إظهاره فهو هُتكة؛ فكان التعويل على قولها في الحكم اضطراراً. والأجنبية تنكِح، والتعويل على قولها في أنها خليّةٌ عن الموانع، وهي في مقام

стр. 7423

بائعٍ لحماً: يجوز أن يكون من ذكيّ (١) ومن ميتة، فالرجوع إلى قولها. ولو قال الزوج الثاني ما وطئتها، فلا معول على قول الزوج؛ فإنا لو اعتمدناه لأَحْوجْنا المرأة إلى إثبات الوطء بالبينة، وفيه العُسْر الذي بنينا الفصلَ عليه. فإن قيل: هلا أوجبتم تحليفها؟ قلنا: هذا قول من لم يربط الفقهُ قلبَه، فإن الحلف لا يُثبت يقيناً، وقد أوضحنا أن النكاح ينعقد مع الرَّيب، والله أعلم. ...

стр. 7424

كتاب الإيلاء قال الشافعي ﵀: "قال الله تعالى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧] ... إلى آخره" (١). ٩٣٨٤ - الأصل في الإيلاء قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، والإيلاء في اللسان الحلف والأليّة اليمين، ومنه قول القائل: قليلُ الأَلَايا حافظٌ ليمينه ... وإن بدرت منه الأَلِيَّةُ برّت (٢) والإيلاء في لسان الشرع اسمٌ لحلف الرجل على الامتناع من وطء امرأته، على تفاصيلَ ستأتي، إن شاء الله. وأصل الإيلاء متفق عليه، وكان من طلاق الجاهلية، وصورته وحكمه على الجملة في الإسلام ما نذكره، فنقول: إذا حلف بالله أو حلف يميناًَ سَنصفها: "لا يطأ امرأته"، وأطلق، أو ذكر الامتناع مدّة تزيد على أربعة أشهر ولو بلحظة، فهذا هو المولي، ثم إن جامع في المدة، استمر النكاح كما كان، وسنذكر ما يلتزمه بالمخالفة. وإن بقي على امتناعه حتى انقضت المدة، رفعته المرأة إن أرادت إلى مجلس القاضي، وطالبته بالفيئة، أو الطلاق، فإن فاء وجامع أو طلق، انقطعت الطَّلِبة، وإن أصرّ، فللشافعي قولان فيما يعامل به: أحد القولين - أنه يُحبس حتى يطلِّق. والثاني - أن القاضي يطلِّق عليه زوجته، ثم يكفي في الطلاق أن يطلقها طلقة

стр. 7425

رجعية. وإن حكمنا بأن السلطان يطلّق، لم يطلِّق إلا طلقة واحدة، فإن صادفت محل الرجعة، فرجعيّة، وإن لم تكن محلاًّ للرجعة، فبائنة. وأبو حنيفة (١) يقول: إذا انقضت الأربعة أشهر، طُلقت [طلقةً] (٢) من غير حاجة إلى إنشاء الطلاق، [والفيئةُ] (٣) عنده تدفع الطلاق إذا وقعت في المدة، ثم الطلاق الواقع عند منقرض المدة بلفظ الإيلاء بائنٌ عنده. ٩٣٨٥ - ومما نذكره في تأسيس الكتاب وطلب الإيناس بتصويره: أن الرجل إذا آلى أخذت المدة في الجريان من غير حاجة إلى ضربٍ من جهة القاضي، بخلاف مدة العُنّة، فإنها من يوم الترافع إلى القاضي؛ لأنها مجتهد فيها. والمعنى الكلي الذي عنه صَدَرُ مسائل الكتاب أن الرجل إذا امتنع عن وطء امرأته من غير أَلِيّة؛ فإنها [تُزجي] (٤) الوقتَ بتوقّع الوقاع. وإذا آلى ألاّ يجامعها، فذلك يقطع توقّعَها، ويشتدّ ضِرارُها، وسنذكر قصة حفصةَ وعمرَ ﵄، وهي تدلّ على أن للمدّة المنصوص عليها في القرآن أثراً ووقعاً في الإضرار. ومن الأصول أن الأربعة الأشهر بجملتها فُسحةٌ ومهلةٌ من (٥) الله تعالى أثبتها للزوج، فلتقع الطَّلِبةُ بعدها، وهذا الأصل يقتضي أن تكون المدة التي ذكرها الزوج في يمينه زائدة على المهلة التي أثبتها الله له، ثم لا ضبط للزائد، فيقع الاكتفاء بأقل القليل. ولو قال قائل: هلا راعيتم زماناً بعد الأربعة الأشهر يمكن في مثله فرض الطلب؟ قلنا: هذا لا يُرعى (٦)؛ فإن المدّة إنما تعتمد زمانَ الضِّرار، والمرأةُ تصبر على
следующие страницы →