← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

وفقد أصابع الرجلين لا أثر له وفاقاً، هكذا ذكره القاضي وغيره. والمجنون لا يجزىء إذا كان الجنون مطبقاً، والمريض يفصّل الأمرُ فيه، فإن كان المرض المانع من العمل مرجوّ الزوال، فلا مبالاة به، وهو كالصبي؛ فإن ابن اليوم يجزىء؛ لأنا على رجاءٍ من كبره، فليكن المرض كذلك، وإن كان المرض بحيث لا يرجى زواله، فهو مانع من الإجزاء. ٩٥٨٩ - ثم لا بدّ وراء ذلك من مزيد. فإذا أَعْتَقَ المريضَ الذي لا يُرجى برؤه، فتمادى المرض ومات، فلا إشكال أنه غير مجزىء، وإن استبلّ (١) [وأفاق] (٢)، فهل نتبيّن أن العتق مجزىء أم نقول: برؤه حادثُ نعمةٍ بعد العتق، ولم يكن مقترناً بالإعتاق؟ الرأي الظاهر الإجزاء؛ لأنا كنا نبني المنع على أنه لا يبرأ، فإن برأ، فالحكم كذلك، والمسألة من طريق الترتيب والتلقيب لا من جهة الفقه تلتفت على [المعضوب] (٣) يَستأجِر على الحج ثم يبرأ. وإذا أعتق مريضاً مرجوّاً؛ ثم تمادى المرض به ومات، فهذا فيه احتمال متردّد أيضاًً، والتنبيه فيه كافٍ، ولعل الأوجه الإجزاءُ؛ نظراً إلى الرجاء المقترن بحالة الإعتاق، وحملاً لما كان من الموت على حادثِ مرضٍ. ٩٥٩٠ - واختلف نص الشافعي ﵁ في الأخرس واضطرب الأصحاب، فأجرى بعضهم قولين: أصحهما - الإجزاء؛ لأن الخرس لا يظهر أثره في العمل. والثاني - أنه لا يجزىء، فإن مناطقته عسرةٌ، وهذا يعسّر اختلاطه بالناس، وينعطف على تعذر عمله واكتسابه، وهذا تكلفٌ، والحق يناطق الفقيه بغيره. ومن أصحابنا من نزّل النصين على حالين، فقال: حيث مَنَع أراد إذا كان لا يُفهِم بإشارته، وحيث أجاز أراد إذا كان يُفهِم بالإشارات. وذكر بعض الأصحاب طريقة ثالثة، فقالوا البكم والصمم إذا اجتمعا منعا، وهذا

стр. 7597

يغلب في الذي يولد أصمّ؛ فإنه لا ينطق إذا لم يسمع ولا يَفهم [ولا يُفهم] (١). ومن أجرى القولين في الأخرس طردوا القولين في الأصم الأصلخ (٢)، وهو بعيد، لا يليق بقاعدة الشافعي ﵁ في مراعاة العمل. ونص الشافعي على من كان يُجن ويُفيق فإعتاقه مجزىء، وهذا ظاهر إن قل زمان الجنون وكثر زمان الإفاقة، فأما إذا كان زمان الجنون أكثر، فما نرى الشافعيَّ يقول ذلك ﵁، وإن استوى الزمانان في النُّوَب، فظاهر النص الإجزاءُ، وفيه احتمالٌ من طريق المعنى. ٩٥٩١ - والذي نختم الباب به أن النقصان في العمل لم [يُجْره] (٣) الشافعي ﵁ على قياس النقصان (٤) [في] (٥) المالية حيث تُرعى المالية، فإن النقصان وإن قل إذا أثر في المالية، كفى في كونه عيباً، وهاهنا شَرَطَ الظهورَ، كما شرط أبو حنيفةَ الظهورَ في عيب الصداق، والسبب فيما ذكره الشافعي أن الناس أنفسهم يتفاوتون في القوى، ثم لا يشترط أن يكون العبد المعتَق قويّاً ذا مِرّةً، فقد نجد (٦) ذا مرّة ضعيفَ الكسب، ونصادف ضعيفاً قويّ الكسب، وبالجملة لا ضبط، فلو اعتبرنا أدنى النقصان من العمل، لم يكن لائقاً، فهذا الأصل [مما] (٧) نبهنا عليه. و [أما] (٨) المالية، فإنّ ضبطها هيّن، فاعتُبر ما ينقصها. نعم، النقصان الذي يُتغابن في مثله لا اعتبار به أيضاًً؛ من حيث إنه لا يظهر به المقصود، فالمرعيُّ ظهور الغرض في كل باب على حسب ما يليق به، والهَرِم الذي ظهر عجزه عن العمل، لا يجزىء، والصغر لا يمنع الإجزاء؛ فإنه إلى الزوال.

стр. 7598

٩٥٩٢ - ورأيت في كلام العراقيين ما يشير إلى تردد في أن إعتاق الحمل هل يجزىء، وهذا فيه إذا تحققنا وجوده مع انسلاك الروح فيه، وطريق استبانة ذلك بيّن، [فلا] (١) شك أنا لا نحكم في الحال بحصول براءة الذمة، فلا يسلّط المظاهر على الغِشيان [وإن] (٢) قلنا الحمل يُعرف، هذا لا خلاف فيه؛ فإنا لا نتحقق الحياة إلا بتقدير الانفصال على حدٍّ [يستند] (٣) علمُنا معه بحياة الجنين إلى وقت الإعتاق. والذي رأيت فحوى كلام الأئمة عليه في طرق المراوزة أن الحمل لا يجزىء وإن تحققنا بطريق الاستناد وجود حياته حالة الإعتاق، وهذا ما يجب التعويلُ عليه، وتركُ الاعتداد بما سواه، والله المعين. ...

стр. 7599

باب من له الكفارة بالصيام قال الشافعي ﵀: "من كان له مسكن وخادم لا يملك غيره ... إلى آخره" (١). ٩٥٩٣ - لما ذكر الشافعي في الباب المقدّم العتقَ ومايتعلق به، ثم عقبه بصفة المعتق، وذكر انقسام العيوب إلى ما يمنع من الإجزاءِ، وإلى ما لا يمنع منه، وانتجز غرضُه في العتق، استفتح باب الصيام، فإنّ كفارة الظهار مبدوءةٌ بالعتق، فمن لم يتمكن، صامَ شهرين متتابعين، فجرى على مقتضى ترتيب الكفارة، وخاض في الصوم. وأول ما يجب الاعتناء به بيانُ العجز الذي يسوغ (٢) لأجله الانتقالُ إلى الصوم، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] هذا يشعر بالإمكان ومقتضاه التضييق، حتى إذا كان للوجدان وجه، فلا سبيل إلى الحَيْدِ عن الرقبة والتعلّقِ بالصيام، ولكن اتفق الأصحاب على ضربٍ من الاتساع لا يلائم عندي ظاهرَ القرآن، ولكنا نطرد المذهب على وجهه نقلاً، ثم ننظر فيما نبهنا عليه. ٩٥٩٤ - قال الشافعي ﵁: إذا ملك رقبة غيرَ أنها مستغرَقةٌ بحاجته بأن كان مريضاً زَمِناً لا يستطيع الاستقلال، فلا نكلفه أن يُعتقه، بل له الانتقال إلى الصوم، وكذلك لو كان قادراً على أن يقوم بحاجات نفسه، ويتبذلَ في تصرفاته، ولكن كان لا يليق ذلك بمنصبه، ولو انتشر بنفسه، لكان ذلك غضّاً من مروءته (٣)،

стр. 7600

فله أن يُمسك العبدَ قِواماً بهذه الأمور (١)، فنزّل الأصحاب الحاجة الحاقّة في البدن، وما يؤدّي إلى غض المروءة [منزلة عدم الرقبة] (٢) في قول. وأبو حنيفة خالف في هذا. ولو ملك مسكناً فسيحاً وكان يكتفي ببعضه، فعليه إن أراد الخلاص من الكفارة أن يصرف البعضَ إلى الرقبة. وإن كان لا يتأتى ذلك، والمسكنُ في نفسه على قدر الحاجة، فلا نكلفه بيعَه؛ إذ الحاجةُ إليه أمسُّ منه إلى العبد الخادم فيما يتعلق بحفظ المروءة. ولو كان المسكن ضيقاً لا يمكنه بيعَ بعضه، ولكنه كان نفيساً، ولو باعه أمكنه أن يشتري ببعض الثمن عبداً، وبالبعض منه مسكناً في محِلّةٍ أخرى، فهل نكلفه ذلك؟ فعلى وجهين، قال القاضي: أظهرهما أنا لا نكلفه، ويسوغ له الانتقال إلى الصوم؛ فإن المسكن المألوف يصعب مفارقته، ويكون ضرباً من الجلاء (٣). والوجه الثاني - نكلفه ذلك؛ فإن ضرر الجلاء إنما يظهر في مفارقة البلدة وتخليف الأهلين والمعارف. ولو ملك عبداً ثميناً، وكانت الحاجةُ تمَسُّ إلى اقتناء عبد، ولو باع هذا العبدَ لأمكنه أن يشتري ببعض ثمنه عبداً يُجزىء في الكفارة، ثم كان يتسع باقي الثمن لعبدٍ يخدمه، فهل نكلفه أن يبيع ذلك العبدَ ويفعل ما وصفناه؟ فعلى وجهين مأخوذين من بيع المسكن، والجامعُ الإلفُ. ولو لم يكن ذلك العبد مألوفاً بل كان حصل له من عهد قريب، فعليه أن يفعل ما وصفناه، وكذلك القول في المسكن إذا لم يُؤْلف. ٩٥٩٥ - فهذا ما ذكره الأئمة، وقياسهم هذا يقتضي ضرباً من (٤) التوسعة فيما

стр. 7601

نصفه، فلو كان في يد الرجل من المال ما يستقلّ به، ولو أُخذ بعضُه، [لاسْتحق] (١) بالمسكنة، وصار بحيث يجوز صرف سهم المساكين إليه، فالذي يقتضيه قياس الأصحاب أنا لا نُلزمه هذا؛ فإن الانتقال من الاستقلال إلى اختلال (٢) الحال حتى يصير بحيث لا يفي دخلُه بخرْجه عظيمُ الوقع، وهو لا محالةَ فوق ترك المروءة ومخالفةِ المنصب، مع العلم بأن معظم ما يعدّه الناس من المروءات هو عند ذوي الألباب من رعونات الأنفس. وكذلك لو كان مسكيناً، فلا نكلفه أن يشتري عبداً؛ فإنه يناله بما يخرجه ضررٌ بيّن، وهو أوقع من الانتقال [من] (٣) الاستقلال إلى أول حدّ المسكنة. هذا هو الذي تحققناه نقلاً واستنباطاً من قول الأصحاب. ومما ذكره (٤) أنه لو كان له مال غائب، [فأراد الانتقال] (٥) إلى الصوم في الكفارة المرتبة، لم يكن له ذلك، وليس كالمسافر لا يصحبه من المال ما يشتري به ماءَ الوضوء، وكان له مال في الغيبة، فالوجه أن يتيمم، فإن الصلاة لا تقبل التأخير، وماله في الغيبة لا يُغني عنه شيئاً، وهذا لا يتحقق في الكفارة؛ فإنها تقبل التأخير، وليس وجوبُها على الفور. قال العراقيون: لو كانت المسألة مفروضة في كفارة الظهار، فلا يكاد يخفى أن تحليله زوجته يتوقف على التكفير؛ فإذا كان ماله غائباً، ولم يجد من يقرضه، فلو كلفناه أن يؤخر التكفير، لاستمرّ التحريم، فماذا يصنع والحالة هذه؟ فعلى وجهين ذكروهما: أحدهما - أنه يؤخر؛ طرداً للقياس. والثاني - أنه ينتقل إلى الصيام، فإن الضرر قد يظهر عليه بترك الغِشيان، وقد يخاف الوقوع في الوقاع قبل التكفير.

стр. 7602

ومما نُلحقه بما ذكرناه أن زكاة الفطر لم يُرْعَ فيها إلا ما يفضل من القوت، كما مضى مفصلاً في صدقة الفطر، وقد نُحوج إلى الفرق بين صدقة الفطر وبين ترتب البدل على المُبدَل في الكفارة، ويتجه أن نقول: صدقة الفطر قريبة المأخذ (١)، قليلة المقدار، سهلة المحتمل، فلم يبعد [نزعها] (٢) إلى الوجوب، وهي تجب أيضاًً على الفور، وهذا يؤكدها ويوضح الفرق بينها وبين الكفارة، وهي أيضاًً شديدة الشبه بالنفقات، ولهذا تتبعها. ٩٥٩٦ - وقد نجز الغرض في هذا المقام، وبقي ما أبديناه إشكالاً في أول المسألة؛ إذ نبهنا على الظاهر، وما فيه من الإشكال. والممكنُ في دفع ذلك -والله أعلم- الالتفاتُ إلى ما يحِل محلَّ الإجماع: فإن (٣) الذين كفَّروا بالصيام كانوا أصحاب مساكن يأوون إليها، وهم يصومون عن الكفارة، ومن ادّعى أن أحداً لم يصم في كفارة إلا وهو خليٌّ عن ملك المسكن، فقد ادعى بعيداً. وأيضاًً، فإن البدل والمبدل في الكفارات وجدناهما في مراتب الشرع قريبين، ولعل صوم الشهرين أوْقع من إعتاق عبد على أقل المراتب، سيّما في حق أصحاب النعم، وإذا كانت لا تتفاوت، فالترتب (٤) فيها يجب أن يُقرَّبَ أمرُه، وليس كترتب التيمم في الوضوء، فإن الوضوء يرفع الحدث، ويفيد النظافة، ولا معنىً للتيمم يقرُب دَرْكه بالعقل إلاّ استدامةُ تمرين النفس، فكان التيمم في حقّ الترك للوضوء (٥)، وفي الكفاراتِ يفيد كلُّ بدلٍ عينَ (٦) ما يفيده المبدلُ، فلا يبعد أن يَقْرُبَ الأمر في

стр. 7603

هذا، حتى يدار الأمر على العسر واليسر، والمشقة وعدمها. فإذا تبين هذا، فالخوض بعده في بيان الصيام. ٩٥٩٧ - قال الشافعي ﵀: "إن أفطر من عذرٍ أو غيره ... إلى آخره" (١). صوم الشهرين مقيدٌ مشروطٌ بالوِلاء والتتابع في كفارة الظهار، وكفارةِ القتل، والوقاعِ في رمضان، [فيجب] (٢) رعايةُ التتابع، فلو أفطر في اليوم الأخير عمداً، فسد عليه الاعتداد بجميع ما قدمه. وهل نحكم بفساد الصوم، أم نقضي بانقلابه نفلاً تبَيُّناً؟ فعلى قولين أجريناهما في نظائر ذلك، فكل من نوى عبادة مفروضة، وكان المفروض مفتقراً إلى شرط والنفلُ من قبيله ونوعه لا يفتقر إلى ذلك الشرط، فإذا تخلف الشرط، ففي حصول النفل قولين قدمناهما مقرّرين في كتاب الصلاة. وكذلك لو ترك النية ناسياً في اليوم الأخير حتى أصبح، فلا سبيل إلى الصوم في هذا اليوم. عن جهة الكفارة، ثم يتبين خروج ما مضى من الاعتداد. ولو أنشأ صومَ الشهرين في وقت يتخلله يومُ العيد، لم يصحّ صومه، وأول عقده لا ينعقد من غير حاجة إلى التبيّن، فإنه أنشاه في وقتٍ لا يتأتَّى فيه الوفاء بالتتابع، ويعود القولان في انعقاد الصوم نفلاً، كما قدمناهما. وإن كانت المرأة تصوم الشهرين عن كفارة قتلٍ، فطريان الحيض لا يقطع تتابعهما؛ فإنّ هذا الزمان لا يخلو في الغالب عن طريان الحيض. ولو طرى مرض يبيح مثلُه الفطرَ في رمضان، فأفطر لأجله، ففي انقطاع التتابع قولان مشهوران: أحدهما - أنه لا ينقطع لظهور العذر، والتتابع في صوم الكفارة لا يزيد على أداء صوم رمضان في وقته؛ فإذا جاز الإفطار في رمضان بعذر المرض، وجب أن ينتهض عُذراً في ترك التتابع. والقول الثاني - أن التتابع ينقطع؛ لأن من الممكن أن يصوم شهرين من غير قطع

стр. 7604

الوِلاء، وليس هذا [بتجويز] (١) الإفطار، فإن المرض يقتضيه، ولو مَنَعْنا من الفطر، كان إرهاقاً عظيماً، والذي نحن فيه ليس من قبيل المنع والجواز، وإنما هو نظرٌ في الاعتداد والاحتساب، هذا قولنا في المرض. فأما إذا سافر، وأفطر بعذر السفر، فقد ذكر أصحابنا في ذلك قولين مرتبين على القولين في المرض، وجعلوا الإفطار بعذر السفر لقطع التتابع أولى، والرأي الظاهر أن التتابع ينقطع؛ فإن تجويز الإفطار بعذر السفر رخصة لا تناط بمشقة ولا حاجة، فكيف يجوز أن يعدّى بمثل هذه الرخصة موضعها ومحلّها. ٩٥٩٨ - ومما يجب التفطّن له أنا لو روجعنا، فقيل لنا: الخائض في صوم الشهرين هل يجوز له أن يتركه عازماً على أن يبتدىء صومَ شهرين بعد هذا (٢)، من غير عذر؛ فإنه يجوز له تأخير الكفارة قبل الخوض، فهل يخرّج اختيار قطع الوِلاء تعمّداً على تجويز تأخير الكفارة؟ هذا فيه احتمال ظاهر: يجوز أن يقال: له أن يفعل هذا بأنْ لا ينوي صومَ غده، فأما إذا خاض في صوم يومٍ، فيبعد أن يتسلط على إبطاله، فأما ترك الصوم في بقية الشهرين، فليس اعتراضاً منه على عبادة بالإفساد. ويتجه أن يقال: ليس له ترك الوفاء بالتتابع؛ فإن ما قدمه يخرج عن الفرضية (٣)، فيكون معترضاً على فرضٍ بالرفع، ويقوَى هذا على قولنا ببطلان (٤) الصوم تبيناً (٥).

стр. 7605

ويجوز أن يجاب عنه بأن قطعَ التتابعِ لا يفسد الفرضيةَ، بل إذا انقطع التتابعُ، تبين أن الذي مضى لم يكن فرضاً، وليس يقطع عبادة شرع فيها؛ فإن القطع (١) إفسادٌ لها بعد القطع (٢) بالانعقاد. ويجوز أن يقال: ما مضى وقع حقاً عن الكفارة، ثم بطل وقوعُها عن الكفارة؛ فإن الذي ينوي الصوم عن الكفارة جازمٌ نيته، غيرَ أن ارتباط التتابع لا بد من رعايته، فإذا قطعه، بطل ما تقدم عن جهة الكفارة بطلانَ الصلاة بعد انعقادها. فإذا رأينا جوازَ تركِ الصيام؛ عزماً على افتتاح الشهرين من بعدُ، فلا كلام، وإن لم نجوّز، وقلنا: المرض لا يقطع التتابع، فيجوز الإفطار بسببه (٣)، وإن قلنا: المرض يقطع التتابع، فيجوز الفطر أيضاًَ بسببه، كما يجوز الفطر في رمضان (٤) على التزام القضاء من بعدُ، وكذلك يجوز الفطر بعذر السفر على التزام الاستئناف من بعدُ. وهذه الأمور على وضوحها لا يضر التنبيه لها. ٩٥٩٩ - ومما يليق (٥) بتمام القول في هذا أنا قدمنا أن من نسي النيةَ ليلاً، وأصبح غيرَ صائم، فهذا يقطع التتابع، ولا يبعد عن القياس إلحاق هذا بالمعاذير، وإن كان تَرْكُ المأمور به لا ينتهض عذراً، وإنما النسيان عذر في مظان النهي، ولكن إذا كان السفر عذراً على رأيٍ حتى لا ينقطع التتابع بالفطر فيه، فقد يقرب بعضُ القرب ما ذكرناه، [والأظهر ما قطع به الأصحاب] (٦)؛ فإن النسيان لا يقام عذراً في ترك

стр. 7606

المأمورات. ويشهد لهذا أن من نسي النية في رمضان وأصبح فيلزمه الإمساك على الرأي الأصح، وإن كان الإمساك في حكم التغليظ على من يترك صوماً مستحَقاً في رمضان، فألحقنا الناسي بالذي يتعمد إفطاراً من غير عذر. ٩٦٠٠ - ومن تمام القول في التتابع اختلافُ الأصحاب في أن نيّة التتابع هل تشترط أم لا؟ فمنهم من قال: لا تجب نية التتابع؛ فإنه هيئةُ (١) العبادة، ومن نوى العبادة، لم يلزمه التعرض لبيانها في نيتها. ومن أصحابنا من أوجب نية التتابع، كما يوجب نية الجمع بين الصلوات، وهذا بعيد؛ فإن الأصل إقامة الصلوات في مواقيتها، ورخصة الجمع تخالف هذا الوضع، فاشترط الأكثرون من الأصحاب قصداً (٢) إلى ذلك. ثم إن شرطنا نية التتابع، فهل يجب الإتيان بها كلَّ ليلة، أو يكفي الإتيان بها في الليلة الأولى؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون. والمسألة محتملة إن صح اشتراط نية التتابع، والخلاف في ذلك عندنا يقرب من الخلاف في اشتراط نية التمتع من حيث إن النسكين مجموعان على وجه مخصوص. ٩٦٠١ - ثم قال: "وإذا صام بالأهلّة ... إلى آخره" (٣). إذا ابتدأ الصوم في أول الهلال، صام شهرين بالأهلة، ووقع الاعتداد بما جاء به سواء نقص الشهران أو كملا، أو نقص أحدهما، وكمل الثاني. وإن استفتح الصوم في أثناء شهرٍ، صام بقية ذلك الشهر، وصام الشهرَ الذي يليه بالهلال، ثم استكمل صومَ الشهر الأول ثلاثين يوماً، ولا فرق بين أن ينقص ذلك الشهر -أو يكمل- وقد ذكرنا هذا في مواضع (٤).

стр. 7607

وقال أبو حنيفة (١): إذا انكسر الشهر الأول، بطل اعتبار الأهلة بالكلية، واعتلّ بأَنْ قال: لو كملنا نقص الشهر الأول بأيام من الشهر الثالث، لكان ذلك مناقضاً لقاعدة التتابع، ولأدّى إلى تخلل الشهرِ بَيْنَ كسرِ الشهر الأول وتكملته في الشهر الثالث. وهذا لا بأس به، وقد مال إليه بعض الأصحاب، وقد سبق منّا رمزٌ إليه في تعليق الطلاق بمضي الأشهر، والمذهب ما قدمناه، وهو النص، ولا اعتداد بما سواه. ٩٦٠٢ - ثم قال: "ولو نوى صوم يوم فأُغمي عليه ... إلى آخره" (٢). أشار إلى الإغماء وحكمه، وقد سبق على أبلغ وجهٍ في البيان في كتاب الصوم، والذي يتعلق بهذا الكتاب أنه إذا حصل الفطر بعذر الإغماء، فهو كحصوله بسائر أنواع المعاذير، وفي انقطاع التتابع قولان، كما قدمناه. فصل قال: "وإنما حكمه في الكفارات حين يكفر ... إلى آخره" (٣). ٩٦٠٣ - اختلف قول الشافعي في الحالة المعتبرة في صفة الكفارة المرتَّبة، فقال في قولٍ: الاعتبار بحالة الوجوب، فإن كان موسراً، كانت كفارته كفارة الموسرين، وإن أعسر من بعدُ، لم يجزه الصوم، وصار العتق دَيْناً في ذمته إلى أن يجد وفاءً به. والقول الثاني - أن الاعتبار بحالة الأداء والإقدام على التكفير، فلو كان موسراً حالة الوجوب فأعسر، وأراد التكفير، فله أن يصوم؛ نظراً إلى حالة الأداء. وفي المسألة قول ثالث أنا نراعي أغلظ الطرفين وأشدَّهما، فإن كان موسراً يوم الوجوب، ففرضه الإعتاق، وإن كان مُعسراً يوم الوجوب، وكان موسراً حالة الهم بالأداء، لم يُجْزه إلا الإعتاق. توجيه الأقوال: من قال: الاعتبار بحالة الوجوب، قال: نوع تكفير يختلف

стр. 7608

بالرق والحرية، فالاعتبار فيه بحالة الوجوب كالحدود، والمعنى أنه إذا ثبت موجِب الكفارة، وجب القضاء بوجوب الكفارة، فإن الموجَب لا يستأخر عن الموجِب، وإذا قضينا بوجوب العتق، استحال الخروج عن الكفارة إلا به. ومن قال بالقول الثاني احتج بأن الاعتبار في العبادات بوقت أدائها، قياساً على الصلاة؛ فإن من فاتته صلاة في حالة عجزه عن القيام، ثم أراد إقامتها في وقت القدرة، فإنه يقيمها قائماً، ولو كان الأمر على العكس، أقام الصلاة عاجزاً قاعداً، وإن كان التزمها قادراً على القيام. قال القاضي: القولان مأخوذان من أن المغلَّب في الكفارة العبادةُ أو جهةُ العقوبة: فإن غلبنا جهةَ العبادة، شبهناها بالصلاة، فاقتضى ذلك اعتبارَ حالة الأداء، وإن غلبنا شَبَهَ العقوبات، اعتبرنا حالة الوجوب. وهذا فيه نظر مع إيجابنا الكفارة على من لا نُؤثِّمُه، وقَطْعِنا بانقطاع العقوبة عمن هو في مثل حاله. واعتبارُ الأغلظ والأشد ينزع إلى رعاية الاحتياط. التفريع على الأقوال: ٩٦٠٤ - إن قلنا: الاعتبار بحالة الوجوب، فلو كان معسراً في تلك الحالة، كفاه الصوم، ولو أيسر وأراد أن يعتق، فالذي ذهب إليه الأصحاب أن له أن يعتق؛ فإن العتق هو الأصل، وهو في الرتبة العليا، والصوم دونه، فإن كان يُجزىء الأدنى فلأن يجزىء الأعلى أولى. وذكر صاحب التقريب في ذلك وجهين: أحدهما - ما ذكرناه، وهو الرأي. والثاني - لا يجزئه إلا الصوم؛ فإنه تعيّن في ذمته، وهذا وإن كان بعيداً في الحكاية، فإنه [يقوى بالمعنى] (١) الذي أشرت إليه في صدر الباب، من أن المبدل والأبدال ليست متفاوتة في الرتب، وإنما قُدِّم بعضُها وأُخِّر وفاقاً تعبداً، فإذا وقع الحكم بالوجوب، فلا [معدل] (٢) عن الواجب.

стр. 7609

ومعظم الأئمة قطعوا بإجزاء الإعتاق، وحكَوْا الوجهين فيه إذا كان ملتزمُ الكفارة عبداً، وكان الواجب عليه الصوم؛ تفريعاً على أنه لا يملك، فلو عَتَق وملك، فأراد أن يعتق، فهل يُجزئه العتقُ؟ فعلى وجهين: أحدهما - يُجزئه؛ فإن البدل إذا أجزاً، فالمبدل بالإجزاء أولى. والثاني - لا يجزئه؛ فإنه التزم الصوم في وقتٍ لا يتأتى منه غيرُه، فكأنه لم يكن الصوم في حقه على حقائق الأبدال؛ فإذا تعين الصوم، فلا معدل عنه. وذكر صاحب التقريب في الحرّ المعسر الوجهين، وهذا بعيد، والفرق أن العتق يتصوّر وقوعه من المعسر على الجملة، بخلاف العبد. وإذا فرعنا على أن الاعتبار بحالة الأداء، فليس يخفى تفصيله: فمهما (١) أقدم على التكفير، اعتبرت صفةُ حالة الأداء. ومن راعى الأشد، فمعناه أنه إن كان موسراً وقت الوجوب، فلا يجزئه إلا الإعتاق، ولو فقد يساره صَبَرَ إلى الوجدان، وإن كان مُعسراً حالة الوجوب ثم أيسر، فأراد الصومَ نظراً إلى حالة الوجوب، لم يكن له ذلك. هذا بيان الأقوال. ٩٦٠٥ - وقد قال الأصحاب: لو شرع في صوم الشهرين ثم أيسر، وقلنا: الاعتبار بحالة الأداء، فلا يقطع صومَ الشهرين بعد الخوض فيه، وإنما يعتبر الأداء إذا أيسر قبل الخوض في الصوم، هذا ما وجدته للأصحاب ﵃. وما يدور في الخَلَدِ من المسألة أنا إذا اعتبرنا الأشدّ (٢) والأغلظَ، فتعتبر الطرفين في الشدة، فلو كان معسراً حالة الوجوب، وكان معسراً حالة الأداء أيضاًً، ولكن تخلل بينهما حالةُ يسار، فلم أر أحداً من الأصحاب يعتبر تلك الحالةَ المتوسطةَ، وقد يظن الناظرُ ذلك محتملاً، ولكن المذهب على خلافه. والسبب فيه أن الوجوب على الحقيقة يضاف إلى وقت وجوب الكفارة، ثم وقت

стр. 7610

الأداء منتظر، فلا يتبدل الوجوب من غير تقدير أداء؛ فإن اليسار لا يوجب شيئاً، بل إذا أدى الموسر، فينبغي أن يؤدي ما يليق بحاله. هذا بيانُ الأقوال والتفريع عليها. ٩٦٠٦ - وذهب أبو حنيفة (١) والمزني إلى أنه لا حكم للشروع في الصوم؛ [فلو] (٢) شرع فيه ثم أيسر، وقلنا: الاعتبار بحالة الوجوب، لزمه أن ينتقل إلى الإعتاق، وهذا طرده المزني (٣) على أصله في وجود الماء في خلال الصلاة، حيث قطع بانقطاع التيمم وبطلانِ الصلاة، ونزّل وجدان الماءِ في الصلاة منزلةَ وجدانه قبل الشروع في الصلاة. وقد سمعت شيخي غير مرّة يحكي عن بعض الأصحاب موافقةَ المزني في مذهبه. وهذا (٤) له اتّجاه، وإن كان بعيداً في الحكاية. ومما يجب التنبه له أنا إذا قلنا: الاعتبار بحالة الأداء، فالتعبير عن الواجب قبل اتفاق الأداء قد يغمض؛ فإنا لو قلنا: الواجب ما يقتضيه الحالة التي عنها نُعبِّر (٥) أو حالة الوجوب. فتبديل الواجب بعيد. وإن قلنا: لا تجب الكفارة (٦)، كان خرقاً للإجماع. وفي نقل مذاهب العلماء في هذه المسألة ما يدل على خلاف هذا؛ فإنهم قالوا: اختلفت المذاهب في أن الاعتبار بحالة الوجوب (٧) أم بحالة الأداء، فأثبتوا حالة الوجوب، فلا يتجه إذاً إلا مسلكان: أحدهما - أن نقول: تجب الكفارة ولا يتعيّن صنفها، وإنما تتعين حالة الأداء، ولا يمتنع هذا النوع من الإبهام، وهو بمثابة

стр. 7611

إيجابنا كفارة اليمين على الموسر، مع أنا لا نعيّن خصلة من الخصال الثلاث، فإذا اتفق أداء بعضها فالمؤدّى هو الواجب. هذا مسلك. ويجوز أن يقال: يجب ما يليق بحالة الوجوب، ثم إذا تبدل الحال، تبدل الواجب، وهذا ليس بدعاً، كالصلاة تجب على القادر (١)، ثم يعجز، فتتبدل صفة الصلاة. ...

стр. 7612

باب الكفارة بالطعام ٩٦٠٧ - نصدر هذا الباب بالسبب الذي يجوّز الانتقالَ من الصيام إلى الإطعام، كما صدرنا باب الصيام بمعنى العجز عن الإعتاق، فإن عجز من فرضُه الصيام لهَرمٍ أو مرض يجوز الإفطار بمثله في رمضان، فله الانتقال إلى الإطعام. ومن أسرار ذلك أنا لا نشترط أن يكون المرض لازماً، بحيث يبعد عن الظن زواله؛ بناء على أن الكفارة تقبل التأخير، وقد يتأكد هذا السؤال بشيء، وهو أن من ماله غائب لا ينتقل إلى الصيام لعجزه عن العتق في الحال، وهذا فيه بعض الإعواص (١)؛ فإن الفرق بينهما متعذر، والمرض مرجوّ الزوال، وحضور المال والانتهاء إلى المال ليس بعيداً عن الرجاء، والكفارة ليست على التضييق. ولعل الممكنَ فيه التعلُّقُ بالظاهر، وهو المعتمد، وإليه الرجوع، قال الله تعالى في الانتقال إلى الإطعام: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، وهذا المرض الناجز والعجز العاجل غير مستطيع، وقال تعالى في الرقبة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [المجادلة: ٤] والمراد: "فمن يجد رقبة أو مالاً يشتري به رقبة"، ومن ماله غائب لا يسمى فاقداً للمال. ويجوز أن يقال: إحضار المال والمصيرُ إليه متعلق بالاختيار، والاختيارُ في [مقدمات] (٢) الشيء والتسبّب إليه كالاختيار في عينه، والمرض خارج عن الاختيار، والأولى اعتماد الظاهر، كما ذكرته. ٩٦٠٨ - وقال الأصحاب: إذا سافر من عليه الكفارة وأراد الإطعام في سفره بسبب

стр. 7613

أن السفر الذي هو ملابسه مما يجوز ترك صوم رمضان به إلى القضاء، فقد صار طوائف من أصحابنا إلى جوازِ ذلك، وتشبيهِ السفر بالمرض، وهو الذي ذكره القاضي، ولم ينقل غيرَه، وطرد ما ذكرناه من أن كل ما يجوز الإفطار به في رمضان يجوز الانتقال به إلى الإطعام. وهذا فيه إشكال؛ فإن المسافر قادرُ على الصيام، والفطرُ المثبَتُ رخصةٌ في حقه غيرُ منوطة بالعجز، والفطرُ بالمرض منوطٌ بالحاجة الحاقة، فلا يقع الاكتفاء باسم المرض، واسمُ السفر الطويل كافٍ -إذا لم يكن سفرَ معصية- في الترخّص بالرخص. والانتقالُ إلى الإطعام منوط بعدم الاستطاعة في نص القرآن، فلا وجه لهذا. والذي يدور في الخلد أن المرض الذي أطلقه الأصحاب ليس على ما أطلقوه؛ فإن الإنسان قد يطرأ عليه عارض يعلم أنه لا يدوم يوماً أو يومين، فيجوز الإفطار بمثله، ولا يجوز عندي الانتقال بمثله إلى الإطعام، ولو كان المرض بحيث يتوقع دوامه واستمراره لشهرين، فهذا هو الذي يجوز الانتقال بسببه، ثم الظنُّ يكتفى به. ولو أطعم، ثم اتفق زوال المرض، وتعجّل الشفاء على القرب، فالإطعام مجزىء والقضاء به غير ممتنع، وهذا لا بد منه. ٩٦٠٩ - ومما يتعلق بهذا أن الصيدلاني ﵀ نقل عن الشيخ القفال أنه قال: قال بعض أصحابنا: الشبق المفرط والغُلْمة الهائجة عذرٌ في الانتقال إلى الإطعام، وكان يستشهد بحديث الأعرابي: إذ قال في القصة المشهورة وهل أُتيت إلا من جهة الصوم، فقال ﷺ : "أطعم". [سبَّبَ] (١) الأعرابي بما ذكرناه، فقدّره رسول الله ﷺ عذراً، ونقله إلى الإطعام (٢).

стр. 7614

وذكر القاضي هذا الوجهَ، ولم يذكر غيره، وذكر صاحب التقريب وجهين: أصحهما - أن الغُلمةَ لا تكون عذراً؛ فإن الليالي متخللة، وفيها مقنع ومندوحة، وقصة الأعرابي مشكلةٌ مِنْ وجوهٍ، تعرضنا لها في كتاب الصيام. وقد أجمع الأصحاب على أن فرط الشَّبَق لا يرخِّص في الفطر في رمضان، وإنما هذا التردد في الانتقال إلى الإطعام، ولعل من قال ذلك اعتلّ بطول مدة الامتناع نهاراً عنها، وهذا ينقضه طولُ مدةِ رمضان، وما أوضحناه من تخلل الليالي يُبطل هذا الخيال. وقد انتجز القول في العجز المعتبر للانتقال من الصيام إلى الإطعام. فصل قال: "ولا يُجزئه أقلُّ من ستين مسكيناً، كل مسكين مداً ... إلى آخره" (١). ٩٦١٠ - القول في ذلك يتعلق بالمخرَج والمخرَج إليه، فأما المخرَج، فالكلام في مقداره وجنسِه، أما المقدارُ، فستون مُدّاً، وأما الجنسُ، فالقول فيه كالقول في صدقة الفطر. أما المخرَج إليه، فالكلام في عددهم، وصفتهم، فأما العدد، فليكونوا ستين، ولا ينقص حصة كلِّ واحدٍ عن مُدّ، فلو صرف أمداداً إلى مسكين في أيامٍ؛ صائراً إلى إقامة سدِّ الجَوْعاتِ في الشخص الواحد مقامَ أعداد المساكين، لم يجز، خلافاً لأبي حنيفة (٢). وأما صفتهم فليكونوا مساكين، بحيث يجوز للمكفر صرفُ الزكاة إليهم، ولا يجزىء التغذيةُ والتعشيةُ؛ إذ لا تمليك فيها، والتمليك مرعيٌّ عندنا في إخراج الكفارة، كما نرعاه في إخراج الزكاة. ولو أحضر الطعام، وقد شهد ستون مسكيناً فقال: خذوه، فأخذوه وجَهِلْنا مقدارَ ما أخذه كلُّ واحد منهم، واستبهم الأمرُ، فلا

стр. 7615

نحكم إلا بإجزاء مُدٍّ واحدٍ، فإن واحداً منهم لا بد وأن يكون أخذ مدّاً أو أكثر، فهذا القدر مستيقنٌ، فيحصل براءة الذمة عن هذا المقدار. وهذا بيّن. فروع شذت عن الأصول نأتي بها مجموعة إن شاء الله. ٩٦١١ - إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت عليّ كظهر أمي، فالظهار مما يصح تعليقه كالطلاق، فلو أعتق عبداً عن كفارته قبل أن تدخل الدار، فقد قال ابنُ الحداد (١): تقع الكفارة موقعَها، وبنى هذا على أن تعليق الظهار أحدُ سببي الكفارة، وتقديمُ الكفارة على أحد سببيها جائز. وقد خالفه معظم الأصحاب، فقالوا: هذا تقديمٌ للكفارة على سببيها جميعاًً؛ فإن كفارة الظهار لها سببان: أحدهما - الظهار، والثاني - العودُ، ولا يحصل الظهار قبل دخول الدار. ونظير المسألة التي ذكرناها ما لو قال: إن دخلت الدار، فوالله لا أضربك، ثم قدّم التكفير على دخول الدار، لم يُجْزه. ووافقه بعضُ الأصحاب، وجعلوا تعليق الظهار بمثابة الظهار، وهذا بعيد، ثم هؤلاء لا يسلمون المسألةَ التي وقع الاستشهادُ بها في اليمين، فلو قال لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت عليّ كظهر أمي، ثم قال: إن دخلت الدار فعبدي حر عن ظهاري، فلا يخفى تفريع المسألة على رأي ابن الحداد، والعتق ينصرف لا شك فيه إلى الظهار على طريقته، فإنه إذا جوّز تنجيز العتق قبل الدخول، فما ذكرناه أولى بالجواز. ومن خالفه من أصحابنا منع هذا أيضاًً؛ لأن تقديم [العتق] (٢) قبل الظهار ممتنع، وهكذا جرى الأمر.

стр. 7616

ولو قال: عبدي هذا حر عن ظهاري إذا تظاهرت، لم يقع العتق عن ظهاره، وقد مهدنا هذا فيما تقدم من المسائل. فرع: ٩٦١٢ - إذا قال الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، ثم جن عقيب اللفظ، أو مات، فالذي أطلقه الأصحاب أنه لا يكون عائداً؛ فإنه لم يمسكها مع التمكن من الطلاقِ، تاركاً الطلاق. ولو جُن عقيب الظهار، كما صورناه، فأفاق، قال الشيخ: سمعت بعضَ الأصحاب يقول: نفسُ الإفاقة هل تكون عوداً؟ فعلى وجهين كالوجهين في أن الرجعة هل تكون عوداً، حكى هذا وزيفه، والعجب منه كيف يحكي مثلَ هذا. ولو قال لامرأته: إن لم أتزوج عليك، فأنت عليَّ كظهر أمي، فلا يثبت الظهار ما لم يتحقق اليأس من التزوج، فلو مات، فقد حصل الظهار قبل موته بلحظة، هكذا قال ابن الحداد وهو سديد، لا شك فيه، ثم قال بعده: وهو عائد يلزمه الكفارة، فإنه ظاهر ولم يطلق. وقد غلطه كافةُ (١) الأصحاب، فقالوا: أما الظهار، فقد ثبت ولم يثبت العود، فإنه عقيب الظهار مات، فإن كان يقول ابن الحداد من مات عقيب الظهار، فهو عائد، فقد خالف ما عليه الأصحاب، والموتُ لا ينحط عن الطلاق، والنكاحُ ينتهي به، وإن قال: هو لم يطلق، لم يقبل منه هذا وقد ارتفع النكاح. هذا منتهى ما أردناه، والله المستعان. ...

стр. 7617

الموفق من يهتدي إلى المأخذ الأعلى، فإن مذهب إمامنا الشافعي تدواره على الأصول، ومآخذ الشريعة. الإمام في نهاية المطلب

стр. 7618

كتاب اللعان ٩٦١٣ - اللعان عبارة عن الكلمة المذكورة في كتاب الله تعالى من قوله سبحانه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩]، وسميت الكلمةُ لعاناً لاشتمالها على اللعن، وإنما وقعت التسميةُ به، وهو أقل الكَلِم؛ لأنه غريب في مقام الشهادات والأيْمان، والشيء يشهر بالغريب الواقع فيه، وعلى ذلك جرى معظم تسميات سُوَر القرآن، ولم تقع التسمية بالغَضَب؛ لأن الأصل كلامُ الزوج، وقد يثبتُ دون لعانها. والأصلُ في مضمون الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآيات [النور: ٦ - ٩]، نزلت في عُويمر بنِ مالكٍ العجلاني، وقيل: هلال بن أمية رَمَى زوجتَه بشريك بن سَحْماء، فقال رسول الله ﷺ : " لتأتينّ بأربعة شهداء، أو يُجْلدُ ظهرُك "، فاغتم به، وقال: " أرجو أن ينزل الله فيّ قرآناً يبرِّىء ظهري، فنزلت الآية، فأمرهما النبي ﷺ باللعان فتلاعنا " (١)، وحكم بالفرقة بينهما ونفى الولد. واللعان في ظاهر القرآن مرتبٌ على أن لا يجد الزوج بيّنة على تحقيق زناها؛ فإنه عز من قائل قال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]، وهذا الترتيب عرفناه في منازل البينات من نص القرآن. فكان هذا خارجاً على ذلك المذهب، وإن لم يكن شرطاً، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم شهادة الرجل والمرأتين مقبولة مع التمكن من إقامة شهادة رجلين، فكان قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]،

стр. 7619

محمولاً على اتفاق شهادة رجلين، والتقدير: إن لم يتفق شهادة رجلين، فشهادة رجلٍ وامرأتين. ٩٦١٤ - ثم أول ما نصدر به الكتاب أن الرجل إذا قذف زوجته وسوّغنا له أن يلاعن على ما سيأتي تفصيل ذلك في مسائل الكتاب، فلسنا نقول: اللعان من موجَبات القذف، بل موجَب القذف الحدّ أو التعزير، ولكن لو قذف الرجل أجنبية، فلا نخلّصه من القذف إلا ببينةٍ على زناها، أو على إقرارها بالزنا، وقد تُنشىء الإقرار فيتخَلّصُ. وإذا قذف الرجلُ زوجتَه المحصنةَ، فما ذكرناه من المخلِّص في حق الأجنبيةِ ثابتٌ في حق الزوِج، وله مُخلِّصٌ آخر ضمّاً إلى تلك الجهات، وهو اللعان، فقد أثبت الشرع اللعانَ مُخلِّصاً للزوج يليق بحالة الضرورة، فإن المرأةَ إذا لطّخت فراشه وتحقق ذلك عند الزوج، فلو صمت وسكت، لاطّردَ العارُ، وقد [يلحقه] (١) نسب متعرض للثبوت وهو في علم الله تعالى منفيٌّ، فخصه الشرع بمخلِّصٍ، والرجل على الجملة مبرّأٌ عن التهمة في قذف زوجته هَزْلاً من غير علم أو ظن غالب. ثم اللعان يضاهي البينة ويشابهها في رد الحد عن القاذف وإثبات الزنا عليها، وله مزية على البيّنة؛ فإنه يتضمن قضايا لا تناط بالبينة واحدةٌ منها، وهي نفيُ الولد، ووقوعُ الفرقة، وتأبُّدُ التحريم. وإذا ضممنا خصائصَ اللعان إلى ما يساوي اللعانُ فيه البينة قلنا: ما يتعلق باللعان خمسُ خصال: درءُ الحد عن الزوج، ووجوبُ الحد عليها إلا أن تلتعن، ويلتحقُ بهذا نفي الولد، ووقوعُ الفرقة، وتأبُّدُ التحريم. وأبو حنيفة (٢) يجعل اللعان موجَب القذف، ويقضي بأنه عقوبة، وهو بالإضافة إلى قذف الزوجة كحدّ القذف بالإضافة إلى قذف الأجنبي. فهذا تأسيس الكتاب في ماهية اللعان.

стр. 7620

٩٦١٥ - ومما يُجريه العلماء في ذكر حقيقةِ اللعان أن أصحاب أبي حنيفة يدّعون أن اللعان شهادة، وأصحابُنا يقولون: اللعان يمين، والمنصف من أصحابنا يقول: في اللعان شَوْب اليمين والشهادة، فأما شوب اليمين، فأصدق شاهد فيه صَدَرُ اللعان عمّن هو في مقام الخصومة وهو يحاول تصديق نفسه، ولا يتصور هذا في مساق الشهادات، ثم يثبت في اللعان من أحكام الشهادة قضيةٌ واحدة، وهي أن الزوج إذا لم يلتعن، ونكل، ثم رغب فأراد اللعان، فله ذلك، كما لو لم يُقم المدّعي ببينة، ثم أراد إقامتَها، وليس كاليمين في هذه القضية، فإن من نكل عن اليمين، ثم رغب فيها، لم يُمكَّن من الحلف. فصل قال: " وفي ذلك دلالة أن ليس على الزوج أن يلتعن حتى تطلب المقذوفةُ حقها ... إلى آخره " (١). ٩٦١٦ - الزوج إذا أراد أن يلتعن، فلا يخلو: إما أن يكون ثَمّ ولد يُريد أن ينفيه، وإما أن لا يكون، فإن لم يكن له ولد، نظر: فإن كان القذف يوجب حداً على الزوج لو لم يلتعن، فله أن يلتعن وتنتفي العقوبةُ، ثم تثبتُ سائرُ قضايا اللعان، كما ذكرنا جُمْلَها، وسيأتي تفصيلها. وإن كان موجب القذف التعزير، فسيأتي ذلك مشروحاً، إن شاء الله. وإن كان لا تتوجه العقوبة عليه بسبب عفوها، أو تصديقها إياه، أو بسبب قيام البيّنة على زناها، فلو أراد أن يلتعن والحالةُ هذه، فهل له ذلك؟ فعلى وجهين: أحدهما - ليس له ذلك؛ إذ لا ولد، ولا عقوبة، فإن أراد الخلاص منها، فالطلاق ممكن. والوجه الثاني - له أن يلاعَن؛ ليردّ العار (٢) عليها؛ مجازياً إياها؛ إذ لطخت فراشه.

стр. 7621

٩٦١٧ - ثم قال: " ولما لم يخص الله أحداً من الأزواج ... إلى آخره " (١). غرض الفصل بيان من هو من أهل اللعان. عندنا كل من كان من أهل الطلاق، فهو من أهل اللعان، وإن أردنا الضبط بأمرٍ أخصَّ قلنا: من كان من أهل استيجاب الحد بالقذف، كان من أهل اللعان، وإن قلنا: كلُّ مكلف ملتزم، فكل هذه العبارات جائزة، فالحر، والعبد، والذمي، والمسلم، مستوون. ثم [إن] (٢) تفاوتوا في أقدار الحدّ، فلا تفاوت في اللعان أصلاً وتفصيلاً. وأبو حنيفة (٣) يقول: من لا يكون من أهل الشهادة، فليس من أهل اللعان، وأخرج العبدَ، والذمي، والمحدودَ في القذف، ولم يُثبت لهما اللعان. وناقض في المُعْلِن بالفسق (٤)، وحكم بانعقاد النكاح بحضور محدودين، وإن كان النكاح لا ينعقد إلا بحضور من هو من أهل الشهادة. ومعتمد مذهبنا أن اللعان حجة خاصة أثبتت للضرورة، فهي لائقة بكل مضطر، فمن أراد أن يحمل اللعان على مرتبة الشهادة مع أن الملاعن يُثبت دعوى نفسه، فليس على مُسْكةٍ من البصيرة. ثم إن الشافعي ﵁ رأى اللعان حجةً نادرة، فبنى أصلها على كتاب الله، وليس في الكتاب فصلٌ بين [زوج وزوج] (٥)، ولكن اللعان فيه معلقٌ بالرّمْي فمن كان من أهل الرّمْي، فليكن من أهل اللعان. ٩٦١٨ - ثم قال: " وسواء قال: زنت أو رأيتها تزني ... إلى آخره " (٦).

стр. 7622

أراد بهذا الرد على مالك (١)؛ فإنه قال: يختص اللعان ببعض صيغ القذف، وأجرى الشافعي هذا على الرّمي المطلق المذكور في كتاب الله تعالى من غير اختصاص. ثم إنا نذكر بعد هذا أصلين يتعين على الناظر الاهتمامُ بهما؛ فإنهما يجريان من الكتاب مجرى الأُسّ والقاعدة: أحدهما - يشتمل على بيان اللعان حيث يجوز التسبب إليه ولا ولد. والآخر - يشتمل على ذكر التسبب إلى اللعان وثَمَّ ولد يريد الزوج نفيه. ٩٦١٩ - فأما إذا لم يكن ولد، فالغرض أن نبيّن أنه متى يجوز للزوج أن يقذف ليلاعن، ومتى يحرم عليه ذلك. فنقول: إذا رآها تزني، فلا شك أن له أن يقذفَها ويلتعن، وكذلك لو سمع رؤيةَ الفاحشة ممن يثق به -سواء كان من أهل الشهادة أو لم يكن إذا كان موثوقاً به- فله التعويلُ عند حصول الثقة على قوله المجرد. ولو استفاض في الناس أن فلاناً يزني بفلانة، واتفق أنه رآه معها في الدار، فاجتمعت الاستفاضة والرؤية في الدار على ريبةٍ، فاجتماعهما بمثابة السماع من موثوق به [يخبر عن] (٢) معاينة الفاحشة. والاستفاضة التي أطلقناها أردنا بها أن يلهج الناس بذلك، وليس فيهم من يخبر عن عِيان نفسه، ولو ثبتت الاستفاضة، ولم يُرَ معها على ريبة، فلا يجوز له أن يعوّل على مجرّد ذلك؛ فإنهم قد يلهجون بكلام مستنده سماعٌ من كاذب، ولو تجرّدت رؤيتُه الذي معها في الدار، فلا يجوز له أن يعوّل على ذلك؛ فإن هذا قد يكون ابتداءَ الأمر، وربما كان الرجل طالبها وهي أبيّة. هذا ما ذكره العراقيون، والقاضي ﵀.

стр. 7623

٩٦٢٠ - والقول الجامع في ذلك أن ما ذكرناه على مراتب: المرتبة العليا فيه - إذا عاين، وهذا يورث اليقين، فيجوز إقامة الشهادة بمثله، فلا خفاء بجواز القذف والحالةُ هذه، ولا حاجة إلى أن يقيم شهوداً على زناها؛ فإنه عزّ من قائل قال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، فوضع اللعان حيث لا شهود (١)، ثم الغالب أن الشهود لا يطّلعون، وهذه الفاحشة تهيأ لها خلوات: قد يطلع الزوج على بعضها، فلو توقف الأمر على اطلاع الأجانب، لعظم العار، وظهر الضرار، وعسر استدراكه. وإذا لم يعاين فجواز القذف جارٍ أيضاً؛ فإن الغالب تحفّظُ المرأة عن زوجها، ولعل تصوّنها عنه يُبِرُّ (٢) على تصوّنها على الأجانب، فوقع الاكتفاء بظنٍّ غالب، مستندٍ إلى أمارة لائحةٍ، أَظهرُها إخبارُ موثوقٍ به عن العيان. ثم الاستفاضة [مع أنا لا نجد مخبراً عن عِيان نفسه] (٣) لا تقوى (٤)؛ فإنّ المطاعن كثيرة في البرآء؛ فإذا انضم [إليها] (٥) رؤية رجل معها على ريبة، ثبتت العلامة، ومجرد الاستخلاء مرة لا يورث الاستفاضة في الناس. والذي أراه أن الزوج لو رآها على استخلاء مراراً في محالّ الريبة، فهذا بمثابة انضمام الاستفاضة إلى الرؤية مرةً، ولو رأى الرجلَ [معها] (٦) في شِعارٍ على النعت المكروه، ولم ير عِياناً من كل ما تتحمل الشهادة به على الزنا، فهذا أقوى من جميع ما قدمناه. فهذا هو الأصل المرعي في الباب.

стр. 7624

٩٦٢١ - ثم حيث يجوز القذف لا نوجبه، بل نجوّزه، ونؤثر لذي الدّين (١) ألا يقذفَ ويسترَ، ولا تُستحب مصابرةُ مسافِحةٍ؛ فإنه تعريض الفراش للتضمُّخ (٢)، بل الأولى أن يخلي سبيلها. ورب أصلٍ ظاهر يخوض فيه الخائضون -وهو بديعة الشرع- ولا يتفطنون [لسرّه. فَ] (٣) الزوج يصرّح بقذفها على تهمة، والقذف في نفسه كبيرةٌ موجبةٌ للحد، [والطلاق] (٤) ممكن -وقد يفرض هذا ولا ولد (٥) - وهذا بعيد، مع أنه [جعل ليصدِّق] (٦) نفسه (٧) وكان يتفاقم (٨) الأمر لو كان تجب العقوبة عليها وجوباً لا تجد لها دارئاً، فأثبت الشرع دارئاً من جهتها. ثم العار في طرد العرف من زنا المرأة يرجع على الرجل، ولن يغضب الرجل ويجشَم (٩) بأمرٍ أعظمَ من نسبة أهله إلى فاحشة، وهذه الخصلة تمنعه من القذف من غير ثبت. هذا موضوع اللعن.

стр. 7625

والذي ذكرناه بيان القذف ولا ولد. ٩٦٢٢ - فأما إذا كان على الفراش ولد، والزوج يبغي نفيَه، فهذا الأصل يترتب ويتفصل على مراتب أيضاًً: فإن استيقن الرجل أن الولد ليس منه بأن علم أنه ما وطئها قط منذ نكحها، فإذا أتت بالولد لزمان إمكان العلوق، فللزوج أن ينفي الولد، بل حقٌّ عليه أن ينفيه. وهذا القسم يتميز في بعض صوره عن القسم الأول بما أشرنا إليه، وذلك أنا قلنا: يجب عليه أن ينفي إذا استيقن أن الولدَ ليس منه، ولا يحل للإنسان أن يستلحق دعيّاً، كما لا يحل له أن ينفي نسيباً. وفي القلب من هذا شيء، وهو أن النفي إذا كان لا يتأتى إلا باللعان، فإيجاب اللعان والتعرض للفضيحة الكبرى على رؤوس الأشهاد صعبٌ، وربما يكون الإنسان بحيث لا تطاوعه النفس على احتمال ذلك، والذي أطلقه الأئمة من المنع من استلحاق الدّعي فيه إذا اعتمد استلحاق دعيٍّ قصداً، فأما إذا أَلحقَ الفراشُ به نسباً وهو ساكت، فلست أرى إيجابَ النفي باللعان مذهباً مقطوعاً به. ويلتحق بهذه المرتبة ما لو كان يغشاها، ولكنها أتت بولد لدون ستة أشهر من وقت النكاح، فالقطعُ قائم، كما ذكرناه، ومن هذا القسم ما لو وطئها، فأتت بالولد من وقت الوطء لأكثرَ من أربع سنين، والجامع بمسائلِ (١) هذا القسم حصولُ الاستيقان في انتفاء المولود. والذي أطلقه العراقيون والقاضي وجوب القذف واللعان. ٩٦٢٣ - ومن (٢) مراتب المسألة أن لا يستيقنَ الزوجُ الانتفاءَ، وهذا ينقسم أقساماً نأتي بها على صيغ المسائل: فلو وطئها الزوج، فأتت بالولد لستة أشهر فصاعداً من يوم الوطء في النكاح، ولم يستبرئها بعد الوطء بحيضة، فأتت بالولد للزمان الذي

стр. 7626

وصفناه (١)، فليس للزوج والحالةُ هذه أن يقذف ويلاعن؛ فإن كون المولود منه ظاهر الإمكان، حتى لو جرى الأمر كما ذكرنا، ورآها الزوج على الزنا بعد وطئه إياها أو قبل وطئه والاستبراء، فلا سبيل إلى نفي الولد. ثم إذا ذكرنا هذا في معاينة الزنا، فما الظن بالتهم والأمارات التي وصفناها؟ والحاصل في ذلك أنه إذا لم يَجْر استبراءٌ بعد وطئه، وأتت بولد لزمانٍ يمكن أن يكون منه، فلا سبيل إلى نفي الولد؛ فإن العلوق من الزنا إن كان ممكناً، فالعلوق من وطء الزوج ممكن أيضاً، [ولا مُرجّحَ،] (٢) وقد أمرنا بإلحاق الولد بالفراش، فلا يجوز التهجّم على نفي الولد بالإمكان، ولو فرض تساوي الإمكان حيث لا ولد، لما جاز القذف. ثم هذا الذي ذكرناه بيّن في نفي الولد. والذي ذكره العراقيون والقاضي أنه لا يقذف ولا يلاعن، ويعترض على هذا إشكالٌ وهو أن الولد إن كان لا يجوز نفيه، فالمنع من القذف واللعان لماذا؟ وقد علمنا أن القذف جائز حيث لا ولد، وذكرنا اختلافاً في جواز القذف حيث لا حدّ، ولا تعزير، فالمنع من القذف واللعان في هذا المقام بعيد عن القياس. ٩٦٢٤ - ونحن [نُجري] (٣) بعد هذا شيئين- أحدهما - أن ما ذكره الأصحاب جرى منهم على وفاق؛ من حيث حصروا نظرهم، وردّوا فكرهم إلى الولد، ثم أجْرَوْا نفيَ القذف واللعان على مقصودهم، [فالمرأةُ] (٤) لا تُقذف، ولا يُلاعِن لينفيَ الولد، فإن كان كذلك، فالأمر منتظم. [فإن أرادوا] (٥) بهذا أنه إذا لحق النسبُ، فلا سبيل إلى اللعان، فلست أرى لهذا

стр. 7627

وجهاً؛ إلا أن يقول قائل على بعدٍ: تأَكَّدَ الفراشُ بالنسب اللاحق، [وإنما] (١) يجوز قطع النكاح حيث لا ولد؛ حذاراً من ولد سيكون، مع تضمخ المرأة بالفاحشة، فإذا وقع ما يُحذر توقّعاً، فالأصل أن لا لعان. هذا وجه ذلك، ولم أذكر هذا إلا وظني غالبٌ في أنهم أرادوا المنع من القذف حيث يَلْحقُ النسبُ، فإنك (٢) لا ترى مسألة في اللعان وفيها نسب متعرض للثبوت، ثم إنه يلحق واللعان يجري، فكأن اللعان حجةُ ضرورةٍ لقطع النسب، وهو الأصل؛ [فإنه] (٣) الضرورة الحاقة، أو هو لقطع فراشٍ تلطخ بفاحشة الزنا. وهذا لا يستقيم تعليله. ٩٦٢٥ - صورة أخرى: إذا استبرأها الزوج بحيضةٍ بعد ما وطئها، ثم أتت بولد بعد الاستبراء لزمانٍ يمكن أن يكون العلوق به بعد الاستبراء، فكيف سبيلُ النسب، وهل يجوز اللعان؟ ما حَصَّلْتُه من طرق الأئمة وجهان صريحان، وفي كلام الأئمة ما يدل فحواه على ثالت: أحدها - أنه لا يحرم القذف واللعان والنفي؛ فإن الاستبراء السابق أمارةٌ دالّة على [أن] (٤) الولد ليس من الزوج، والدليل عليه أن وطء السيد أمته يُلحق نسب المولود الذي تأتي الأمة به لزمان الاحتمال بالسيد، ولو استبرأها بعد الوطء، انتفى النسب. هذا كذلك في ملك اليمين، وفراش النكاح أقوى، فَجُوِّز للزوج أن يُقدم على النفي باللعان بما ينتفي بعينه النسب في ملك اليمين، ثم إذا ظهر جواز النفي، كان جوازُ النفي، أقوى أمارة في جوازِ القذف، وهو أَبْيَنُ من الاستفاضة ورؤيةِ الرجل من المرأة على ريبة.

стр. 7628

وقال (١) العراقيون: إن استبرأها، ولم يجر بعد الاستبراء زناً، ولا تهمةَ يسلط مثلُها على القذف حيث لا ولد، فلا سبيل إلى النفي، فإن جرى بعد الاستبراء زنا أو تهمة تسلط على القذف، فينفي النسبَ، ويُقدم على القذف. والوجه الثالث -الذي ذكرته آتي به تفريعاً -فأما من لم يشترط بعد الاستبراء سفاحاً، فقد قطع قوله بأنه لا يجب النفي، بل يجوز، ولما فَصَلَ العراقيون بين أن يجري بعد الاستبراء زناً أو تهمة، وبين أن لا يجري، قالوا: إن لم يجر، لم يجز النفي، وإن جرى، وجب النفي، وإيجاب النفي قد لا يتجه مع إمكان العلوق من الزوج -وهذا هو المسلك الثالث - كيف وقد قدّمت في صدر الفصل أن إيجاب اللعان التّهدُّفَ للشهرة والفضيحة مشكلٌ حيث يستيقن أن الولد ليس منه، فكيف إذا كان للاحتمال مساغ، واللحوق على الجملة أغلب في الشرع في فراش النكاح [من] (٢) النفي. فهذا حاصل الكلام في هذا الطرف. ٩٦٢٦ - ومما ذكره القاضي أن المرأة لو جاءت بالولد، وهو شديد الشبه برجل، فلو أراد التعويلَ على الشبه في النفي باللعان المسبوق بالقذف، لم يجد إليه سبيلاً. ولو انضم إلى الشبه تهمةٌ يسلط مثلها على القذف لو لم يكن ولد، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن النفي جائز؛ تعويلاً على الشبه والتهمة، حيث لم يجر استبراء فاصلٌ، وذلك أن الشبه والتهمة، أو عِيان الزنا إذا اجتمعا، كانت دلالتهما أظهرَ من دلالة دمٍ [تراه] (٣) المرأة، مع العلم أن الحامل قد ترى دماً، وإنما الخلاف في أن ما تراه هل يكون حيضاً أم لا. وذكر العراقيون أمراً بدعاً، فقالوا: لو كان الزوج والزوجة على نعتِ [شديدِ] (٤)

стр. 7629

البياضِ، فأتت المرأة بالولد أسودَ ينأى لونُه عن لون الوالدين نَأْياً بعيداً، فهل يجوز التعويل على ذلك؟ قالوا: في المسألة وجهان: ولم يقيّدوا كلامهم بانضمام الزنا أو التهمة الظاهرة، إلى ما ذكرناه. وظني بهم أنهم أرادوا ما ذكروه مع الزنا أو ظهور أمارة الزنا، وإذا كان كذلك، فهو في معنى الشبه، وإن كان يُحمل لونه البعيد على عرق نازعٍ من أحد الجانبين، فمثل ذلك ممكن في الشبه؛ فإنَّ الأجانب قد يتشابهون، وتُلقى مَشابهُ شخصٍ على شخص، وتعرُّضنا فيما ذكرناه للّون؛ إذ لا اعتبار بغيره من الخَلْق، فقد تلد حُسنى من أحسن الناس خَلْقاً ولداً مشوه الخَلْق، وقد تأتي به ناقص الخَلْق. فأما اللون البعيد، فهو الذي يثير غلبة الظن في انتفاء الولد. ولو قرب اللون، فلا أثر له، كالأُدْمة والسمرة، والشُّقرة القريبة بالإضافة إلى البياض في الأبوين، فهذا كتفاوت الخَلْق. وقد انتجز الأصلان الموعودان جرياً على أبلغ وجه في البيان، نقلأ [عن] (١) الثقة، وتنبيهاً على محالّ الإشكال. ٩٦٢٧ - ثم الذي نحب اختتام الفصل به أن تعويل الشرع في ظاهره على إلحاق النسب بمجرد العلوق في النكاح، وإن بعد، حتى إذا فرض الإتيان بالولد لستة أشهر فصاعداً من وقت النكاح، لحق النسب، وإن لم تُزفُّ الزوجةُ إلى الزوج، إذا كان التقاؤهما ممكناً. وإن لم يكن إمكان أصلاً، لم يلحق النسب، وقال أبو حنيفة (٢): يكفى أن يمضي من النكاح مدةُ الإمكان، وإن قطعنا بامتناع العلوق من الزوج، بأن يكون أحدهما في الشرق والآخر في الغرب. هذا حكم الشرع، وللزوج أن ينفي بالوجوه التي ذكرناها في الأصل الثاني، ثم الشرع لا يحتكم عليه بأن يبين تلك الأسباب التي بانت له، بل هو مؤاخَذٌ برعايتها بينه

стр. 7630

وبين الله، وليس كذلك اللَّوثُ المعتَبرُ في القَسامة؛ فإنه ما لم يظهر للقاضي لا يبدأ في اليمين بالمدعي، وذلك أن تيك الدعوى على صورة الدعاوى في الخصومات، والقاضي لا يبدأ في اليمين (١) إلا بمن يستمسك بشيء يغلِّب على الظن صدقَه، وهذا المعنى إنما يحصل إذا ظهر اللوث عنده. فصل قال: " ولو جاءت بحملٍ وزوجها صبيٌّ دون العشر ... إلى آخره " (٢). ٩٦٢٨ - تفصيل القول في السن التي تحيض عليه الصغيرة فتبلغ مما قدمناه في كتاب الحيض، وأعدنا طرفاً منه في كتاب الحَجْر، وكذلك القولُ في أقل الأسنان التي يُفرض احتلامُ الغلمان فيه مما قدمته. والتي تمس الحاجة إلى إعادته في هذا الفصل سنُّ البلوغ في الغلام، فنقول: إذا استكمل عشراً، احتمل العلوق بعده قطعاً، ولو فرض انفصالُ مادة الزرع في العَشْر قبل استكماله العاشرة، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن ذلك لا يكون بلوغاًً. والثاني - أنه يكون بلوغاً. ثم من قال: يُتصور البلوغ في السنة العاشرة، اختلفوا: فمنهم من ذهب إلى أن الإتيان بالولد ينبغي أن يكون والغلام ابنُ العشر، حتى يُقدَّرَ البلوغُ في أثناء السنة. ومنهم من قال: يجوز أن [يحتلم] (٣) على مُنْقَرض التاسعة، فتأتي الزوجة بالولد لستة أشهر، فيلحقه الولد وهو ابن تسع سنين وستة أشهر. وحكى بعض المصنفين أنه يجوز أن يُفْرضَ بلوغُه في خلال السنة التاسعة، وقد ذهب كثير من الأصحاب إليه في حيض الصغيرة، وهو غريب في الغلمان جداً، وإن اشتهر في الصبيّة.

стр. 7631

فهذا حاصل الاختلاف في أقل سنٍّ يبلغ الغلام فيه. ٩٦٢٩ - ونعود بعد ذلك إلى التصريح بمقصود الفصل. فإذا قبل الأب نكاح امرأةٍ لابنه الطفل، ثم استكمل عشراً، ومضى بعد العشر ستةُ أشهر، فأتت زوجتُه بالولد، وزعمت أنه منه، فالولد يلحقه؛ فإن احتمال الاحتلام على منقرض السنة العاشرة ممكن غيرُ مدفوعٍ باتفاق الأصحاب، وإن أتت بالولد عند انقراض السنة العاشرة، فهذا يخرّج على الخلاف في أن احتلامه هل يمكن في خلال السنة العاشرة. ولو أتت بالولد عند الطعن في العاشرة، فالمذهب أن الولد لا يلحق، وفيه الوجه البعيد الذي حكيته عن بعض المصنفين. ٩٦٣٠ - ومما يليق بتمام الفصل أن المرأة إذا أتت بالولد وهو ابن عشر، والتفريع على اللحوق في هذه الصورة، فلو لم يسبق منه ادعاء الصبيّ، فأراد وقد حقَّ الأمرُ أن يلتعن، وزعم أنه بالغٌ، فله أن يلتعن، فإن القول قولُه فيما يتعلق بهذا المعنى. ولو قال: أنا صبي وأراد أن يلتعن، لم يكن له ذلك؛ فإن الصِّبا يمنع الالتعان، فالجمع بين دعوى الصبا وبين الالتعان متناقض، ولو ادّعى الصبا، ثم قال: كذبت فيما قلت، وإنما أنا بالغ، فألتعن، فله ذلك؛ فإنَّ كذبه لا يمنع من الاعتراف بالاحتلام؛ فان الإنسان لا يؤاخَذُ بما سبق منه في صباه، فإن كان صبياً إذ قال: أنا صبي، فقوله لغو، ولا مطّلع على الصبا بقوله، وإن كان بالغاً، فيجب تصحيحُ اللعان منه، وقبولُ قوله الثاني. وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنه إذا أكذب نفسه فيما قدّمه من دعوى الصبا لا يُقبل ذلك منه، ووجه القبول أن يدّعي أني بلغت بعد هذا، فإن ادعى ذلك، قُبِل منه؛ فإن احتمال الاحتلام مقترنٌ بكل حال، ولا يمتنع أن يكون صادقاً في ذكر الصبا، وهو صادق الآن في طريان الاحتلام.

стр. 7632

فصل قال: " ولو كان بالغاً مجبوباً ... إلى آخره " (١). ٩٦٣١ - لا خلاف بين الأصحاب والعلماء الذين نعرفهم أن الممسوح يَنْكِحُ ويصح نكاحُه، فإذا بان ذلك فيه، فما (٢) الظن بالخَصِيّ والمجبوب، فإذا أتت امرأة واحد من هؤلاء بولد [فالنصوص] (٣) مضطربة والطرق على حسبها مختلفة. والذي تحصّل هاهنا في ترتيب المذهب أن الرجل إذا كان مجبوباً، وبقيت خُصيتاه، فيلحقه النسب؛ فإن الماء كائن في الفطرة، وأوعية المني باقية ببقاء الأنثيين، وليس الذكر إلا آلة مزرِّقة توصّل المني إلى الرحم، وفوات التزريق لا يمنع إمكان الاحتلام، وربما يصل الماء إلى الرحم من غير إيلاج. ولو قطعت خُصيتاه وبقي ذكره، فالذي رأيته للمحققين من الأصحاب أن النسب يلحقه أيضاًً، ولا حاجة إلى مراجعة أهل الطب في أنه هل يولد لمثله أم لا، ولا نبالي بنفيهم، وإن قالوا: قطعُ الخُصيتين يمنع إمكان الولد؛ لأن فيهما أوعيةَ المني والقوة المُحيلة للدم العبيط إلى المني الأبيض الثخين (٤) الدفّاق. وقال بعض المصنفين: يُرجع إلى قول أهلِ الخبرة والأطباءِ في ذلك، فإن قالوا: لا يولد للخَصِي، لم يُلْحق به، وإن قالوا: يولد للخَصِي ألحقنا الولد به، وهذا التفصيل لا أصل له. هذا كله إذا كان مجبوباً والخُصية باقية، أو كان خَصِياً والآلة باقية. ٩٦٣٢ - فأما إذا كان ممسوحاً عديمَ الخُصيةِ والآلةِ: قال العراقيون: لا يلحقه النسب ولا مراجعة، وحكَوْا عن الإصطخري أنه قال: يلحقه الولد بلا مراجعة، وذكر

стр. 7633

القاضي هذا الذي أضيف إلى الأصطخري وصححه، وهو الذي ذكره الصيدلاني، واعتل من صار إلى ذلك بأن الماء معدنُه (١) الصُّلبُ ومنفذه ثُقبةٌ إلى الظاهر، وتلك الثُّقبة باقية. وهذا قولٌ عريٌّ عن التحصيل. وهذا مجموع ما ذكر في ذلك. فصل قال: " ولو قال: قذفتك وعقلي ذاهب ... إلى آخره " (٢). ٩٦٣٣ - إذا قامت بيّنة على إقراره بالقذف، ثم إنه ادّعى أنه كان مجنوناً حين قذف، ففي المسألة طرق: من أصحابنا من قال: إن لم يثبت جنون القاذف في سابق الزمان، فلا يقبل قوله والقول قولُ (٣) المقذوف [مع يمينه، فيحلف] (٤) بالله لا يعلم جنونَه في حالة قَذْفه (٥). ان ثبت أنه كان يُجنّ فيما سبق، ففي المسألة قولان: أصحهما - أن القول قولُ القاذف، فإنه إذا عُهد له جنون فيما سبق، فلا يبعد وقوع قذفه فيه، والأصلُ البراءةُ من وجوب العقوبة، فالقول قوله. والقول الثاني - أن القول قولُ المقذوف؛ فإن البينةَ شهدت على إقراره بالقذف مطلقاً، والقذف المطلقُ محمولٌ على الصحيح التام، كما لو شهد عدلان على البيع مطلقاً، فهو محمول على الصحة. هذه طريقة.

стр. 7634

ومن (١) أصحابنا من قال: إن ثبت أنه كان يجن، فالقول قول القاذف [وللمقذوف أن يحلّفه] (٢) بالله تعالى ما قذفه في حالة عقله. وإن لم يعهد له جنون فيما سبق، فإن ادعى أن القذف كان منه في جنونه، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن القول قول القاذف؛ فإن الأصل براءتُه. والثاني - القول قول المقذوف؛ فإن القذف ثبت، والأصلُ عدمُ الجنون، وهذا يقرب من تقابل الأصلين. ٩٦٣٤ - فإذا جمعنا الطرق، انتظم منها أقوال: أحدها - أن القول قول المقذوف في كل حال. والقول الثاني - أن القولَ قولُ القاذف في كل حال. والقول الثالث - أنه إن عهد جنون، فالقول قول القاذف، وإن لم يعهد جنون، فالقول قول المقذوف. ثم إذا جعلنا القولَ قولَ المقذوف، ورأينا التفريع على هذا، فلو أقام القاذف بينة أنه قذف في حالة الجنون، وأقام المقذوفُ بيّنةً أنه قذف في حالة الإفاقة، فإن كانت البينتان مطلقتين، أو كانتا مؤرختين بتاريخين مختلفين، أو إحداهما مُطْلَقة والأخرى مؤرخة، فليست البينتان متعارضتين، بل هما محمولان على قذفين، فيثبت القذف بالإضافة. وإن كانتا مؤرختين بتاريخٍ واحد -مع التضييق في التصوير-[فالبينتان] (٣) متعارضتين، وفي البينتين المتعارضتين قولان: أحدهما - أنهما يتساقطان. والثاني - أنهما يستعملان. ثم للشافعي ﵁ ثلاثة أقوال في كيفية الاستعمال إذا لم نحكم بالتهاتر (٤): أحدها - قوْل القسمة.

стр. 7635

والثاني - قول القرعة. والثالث - قول الوقف. فإن حكمنا بالتهاتُر، فنجعل كأن البينة لم تكن، وإن حكمنا بالاستعمال، فلا تجري القسمةُ والوقف. وحكى من يوثق به عن القاضي أن قول القرعة يجري هاهنا فنُقرع بين البينتين ونقضي بالتي خرجت القرعة لها. وهذا بعيد عندنا؛ فإن القرعة يستحيل إجراؤها في إقامة العقوبة، (١ بل الوجه حسم استعمال البينتين ١)، والقطعُ بتهاترهما وردُّ الأمر إلى الحالة التي لا يفرض فيها إقامة البينة. ٩٦٣٥ - ومما يتعلق بالفصل أنه لو أقر بالقذف في مجلس القضاء، ثم قال عنيت بذلك قذفاً صدر مني في جنوني أو صباي، فهذا بمثابة ما لو شهدت بينة على إقراره بالقذف، ولو أقر الرجل ببيعٍ أو غيرِه من عقود المعاملات، فلما راجعناه قال: أردت بذلك أني بعت في صباي أو جنوني، فهو بمثابة ما لو قال: قذفت، ثم ادعى ذلك على ما مضى التفصيل فيه، ثم الفرق بين أن يُعهَد جنونٌ أو لا يعهَد فيه إذا أضاف ما صدر منه إلى حالة الجنون، فإن أضافه إلى حالة الصبا، فهو كما لو أضافه إلى حالة الجنون، وقد كان منه جنون معهود. فصل قال: " ويلاعن الأخرس ... إلى آخره " (٢). ٩٦٣٦ - قد ذكرنا أن إشارات الأخرس في عقوده وحلوله ومعاملاته تنزل منزلة عبارة الناطق، وبيّنا أن إشاراته تنقسم إلى الصريح والكناية، وأشبعنا القول في هذا في كتاب الطلاق.
следующие страницы →