فهذا حاصل الاختلاف في أقل سنٍّ يبلغ الغلام فيه.
٩٦٢٩ - ونعود بعد ذلك إلى التصريح بمقصود الفصل.
فإذا قبل الأب نكاح امرأةٍ لابنه الطفل، ثم استكمل عشراً، ومضى بعد العشر ستةُ أشهر، فأتت زوجتُه بالولد، وزعمت أنه منه، فالولد يلحقه؛ فإن احتمال الاحتلام على منقرض السنة العاشرة ممكن غيرُ مدفوعٍ باتفاق الأصحاب، وإن أتت بالولد عند انقراض السنة العاشرة، فهذا يخرّج على الخلاف في أن احتلامه هل يمكن في خلال السنة العاشرة.
ولو أتت بالولد عند الطعن في العاشرة، فالمذهب أن الولد لا يلحق، وفيه الوجه البعيد الذي حكيته عن بعض المصنفين.
٩٦٣٠ - ومما يليق بتمام الفصل أن المرأة إذا أتت بالولد وهو ابن عشر، والتفريع على اللحوق في هذه الصورة، فلو لم يسبق منه ادعاء الصبيّ، فأراد وقد حقَّ الأمرُ أن يلتعن، وزعم أنه بالغٌ، فله أن يلتعن، فإن القول قولُه فيما يتعلق بهذا المعنى.
ولو قال: أنا صبي وأراد أن يلتعن، لم يكن له ذلك؛ فإن الصِّبا يمنع الالتعان، فالجمع بين دعوى الصبا وبين الالتعان متناقض، ولو ادّعى الصبا، ثم قال: كذبت فيما قلت، وإنما أنا بالغ، فألتعن، فله ذلك؛ فإنَّ كذبه لا يمنع من الاعتراف بالاحتلام؛ فان الإنسان لا يؤاخَذُ بما سبق منه في صباه، فإن كان صبياً إذ قال: أنا صبي، فقوله لغو، ولا مطّلع على الصبا بقوله، وإن كان بالغاً، فيجب تصحيحُ اللعان منه، وقبولُ قوله الثاني.
وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنه إذا أكذب نفسه فيما قدّمه من دعوى الصبا لا يُقبل ذلك منه، ووجه القبول أن يدّعي أني بلغت بعد هذا، فإن ادعى ذلك، قُبِل منه؛ فإن احتمال الاحتلام مقترنٌ بكل حال، ولا يمتنع أن يكون صادقاً في ذكر الصبا، وهو صادق الآن في طريان الاحتلام.
стр. 7632
فصل
قال: " ولو كان بالغاً مجبوباً ... إلى آخره " (١).
٩٦٣١ - لا خلاف بين الأصحاب والعلماء الذين نعرفهم أن الممسوح يَنْكِحُ ويصح نكاحُه، فإذا بان ذلك فيه، فما (٢) الظن بالخَصِيّ والمجبوب، فإذا أتت امرأة واحد من هؤلاء بولد [فالنصوص] (٣) مضطربة والطرق على حسبها مختلفة.
والذي تحصّل هاهنا في ترتيب المذهب أن الرجل إذا كان مجبوباً، وبقيت خُصيتاه، فيلحقه النسب؛ فإن الماء كائن في الفطرة، وأوعية المني باقية ببقاء الأنثيين، وليس الذكر إلا آلة مزرِّقة توصّل المني إلى الرحم، وفوات التزريق لا يمنع إمكان الاحتلام، وربما يصل الماء إلى الرحم من غير إيلاج.
ولو قطعت خُصيتاه وبقي ذكره، فالذي رأيته للمحققين من الأصحاب أن النسب يلحقه أيضاًً، ولا حاجة إلى مراجعة أهل الطب في أنه هل يولد لمثله أم لا، ولا نبالي بنفيهم، وإن قالوا: قطعُ الخُصيتين يمنع إمكان الولد؛ لأن فيهما أوعيةَ المني والقوة المُحيلة للدم العبيط إلى المني الأبيض الثخين (٤) الدفّاق.
وقال بعض المصنفين: يُرجع إلى قول أهلِ الخبرة والأطباءِ في ذلك، فإن قالوا: لا يولد للخَصِي، لم يُلْحق به، وإن قالوا: يولد للخَصِي ألحقنا الولد به، وهذا التفصيل لا أصل له.
هذا كله إذا كان مجبوباً والخُصية باقية، أو كان خَصِياً والآلة باقية.
٩٦٣٢ - فأما إذا كان ممسوحاً عديمَ الخُصيةِ والآلةِ: قال العراقيون: لا يلحقه النسب ولا مراجعة، وحكَوْا عن الإصطخري أنه قال: يلحقه الولد بلا مراجعة، وذكر
стр. 7633
القاضي هذا الذي أضيف إلى الأصطخري وصححه، وهو الذي ذكره الصيدلاني، واعتل من صار إلى ذلك بأن الماء معدنُه (١) الصُّلبُ ومنفذه ثُقبةٌ إلى الظاهر، وتلك الثُّقبة باقية.
وهذا قولٌ عريٌّ عن التحصيل.
وهذا مجموع ما ذكر في ذلك.
فصل
قال: " ولو قال: قذفتك وعقلي ذاهب ... إلى آخره " (٢).
٩٦٣٣ - إذا قامت بيّنة على إقراره بالقذف، ثم إنه ادّعى أنه كان مجنوناً حين قذف، ففي المسألة طرق: من أصحابنا من قال: إن لم يثبت جنون القاذف في سابق الزمان، فلا يقبل قوله والقول قولُ (٣) المقذوف [مع يمينه، فيحلف] (٤) بالله لا يعلم جنونَه في حالة قَذْفه (٥).
ان ثبت أنه كان يُجنّ فيما سبق، ففي المسألة قولان: أصحهما - أن القول قولُ القاذف، فإنه إذا عُهد له جنون فيما سبق، فلا يبعد وقوع قذفه فيه، والأصلُ البراءةُ من وجوب العقوبة، فالقول قوله.
والقول الثاني - أن القول قولُ المقذوف؛ فإن البينةَ شهدت على إقراره بالقذف مطلقاً، والقذف المطلقُ محمولٌ على الصحيح التام، كما لو شهد عدلان على البيع مطلقاً، فهو محمول على الصحة.
هذه طريقة.
стр. 7634
ومن (١) أصحابنا من قال: إن ثبت أنه كان يجن، فالقول قول القاذف [وللمقذوف أن يحلّفه] (٢) بالله تعالى ما قذفه في حالة عقله.
وإن لم يعهد له جنون فيما سبق، فإن ادعى أن القذف كان منه في جنونه، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن القول قول القاذف؛ فإن الأصل براءتُه.
والثاني - القول قول المقذوف؛ فإن القذف ثبت، والأصلُ عدمُ الجنون، وهذا يقرب من تقابل الأصلين.
٩٦٣٤ - فإذا جمعنا الطرق، انتظم منها أقوال: أحدها - أن القول قول المقذوف في كل حال.
والقول الثاني - أن القولَ قولُ القاذف في كل حال.
والقول الثالث - أنه إن عهد جنون، فالقول قول القاذف، وإن لم يعهد جنون، فالقول قول المقذوف.
ثم إذا جعلنا القولَ قولَ المقذوف، ورأينا التفريع على هذا، فلو أقام القاذف بينة أنه قذف في حالة الجنون، وأقام المقذوفُ بيّنةً أنه قذف في حالة الإفاقة، فإن كانت البينتان مطلقتين، أو كانتا مؤرختين بتاريخين مختلفين، أو إحداهما مُطْلَقة والأخرى مؤرخة، فليست البينتان متعارضتين، بل هما محمولان على قذفين، فيثبت القذف بالإضافة.
وإن كانتا مؤرختين بتاريخٍ واحد -مع التضييق في التصوير-[فالبينتان] (٣)
متعارضتين، وفي البينتين المتعارضتين قولان: أحدهما - أنهما يتساقطان. والثاني - أنهما يستعملان.
ثم للشافعي ﵁ ثلاثة أقوال في كيفية الاستعمال إذا لم نحكم بالتهاتر (٤): أحدها - قوْل القسمة.
стр. 7635
والثاني - قول القرعة.
والثالث - قول الوقف.
فإن حكمنا بالتهاتُر، فنجعل كأن البينة لم تكن، وإن حكمنا بالاستعمال، فلا تجري القسمةُ والوقف.
وحكى من يوثق به عن القاضي أن قول القرعة يجري هاهنا فنُقرع بين البينتين ونقضي بالتي خرجت القرعة لها.
وهذا بعيد عندنا؛ فإن القرعة يستحيل إجراؤها في إقامة العقوبة، (١ بل الوجه حسم استعمال البينتين ١)، والقطعُ بتهاترهما وردُّ الأمر إلى الحالة التي لا يفرض فيها إقامة البينة.
٩٦٣٥ - ومما يتعلق بالفصل أنه لو أقر بالقذف في مجلس القضاء، ثم قال عنيت بذلك قذفاً صدر مني في جنوني أو صباي، فهذا بمثابة ما لو شهدت بينة على إقراره بالقذف، ولو أقر الرجل ببيعٍ أو غيرِه من عقود المعاملات، فلما راجعناه قال: أردت بذلك أني بعت في صباي أو جنوني، فهو بمثابة ما لو قال: قذفت، ثم ادعى ذلك على ما مضى التفصيل فيه، ثم الفرق بين أن يُعهَد جنونٌ أو لا يعهَد فيه إذا أضاف ما صدر منه إلى حالة الجنون، فإن أضافه إلى حالة الصبا، فهو كما لو أضافه إلى حالة الجنون، وقد كان منه جنون معهود.
فصل
قال: " ويلاعن الأخرس ... إلى آخره " (٢).
٩٦٣٦ - قد ذكرنا أن إشارات الأخرس في عقوده وحلوله ومعاملاته تنزل منزلة عبارة الناطق، وبيّنا أن إشاراته تنقسم إلى الصريح والكناية، وأشبعنا القول في هذا في كتاب الطلاق.
стр. 7636
ولم يختلف أصحابنا في شيء إلا في الشهادة، فإن منهم من قال: هو من أهل الشهادة كالناطق، والأظهر أنه مردود الشهادة؛ لأن الشهادة تتعلق بالغير (١) وللشرع تعبُّدٌ باعتبار كمالٍ فيها، ولهذا لا نقبلها من الرقيق.
فإذن الأخرس من أهل القذف، ثم هو من أهل اللعان عندنا، خلافاً لأبي حنيفة (٢).
ويختلج في الصدر إشكالٌ في تأديته كلماتِ اللعان، سيّما إذا عيّنا لفظَ الشهادة، ولم نُقم غيرَها مقامها، فكيف تُرشد الإشاراتُ إلى تفاصيل الصيغ.
والذي ينقدح في وجه القياس، أن كل مقصود لا يتخصص بصيغةٍ من لفظٍ، فلا يمتنع إقامةُ الإشارة فيه مقام العبارة، وما يتخصص بصيغة مخصوصةٍ، فيغمضُ إعراب الإشارة عنها.
ولو (٣) كان في الأصحاب من يشترط في الأخرس الكِتْبة (٤) إن كان يُحْسِنُها، أو يشترط من ناطقٍ أن ينطق بالصيغة ويشير إليه بها، ويقول: تشهد هكذا وهو في ذلك يقرّره، ويُقرّب (٥) الإشارةَ جهده، فهذا يقرُب بعضَ القرب، فأما إشارةٌ مجردة تدل على صيغةٍ مخصوصة لست (٦) أهتدي إليها.
٩٦٣٧ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أنه إذا أشار بالقذف، وأشار بحكم اللعان إن أمكنت الإشارة بها، ثم نطق فانطلق لسانه، وزعم أني لم أُرد بالإشارة قذفاً
стр. 7637
ولا لعاناً، فلا نقبل ذلك منه، ويكون كما لو صرح بالقذف ناطقاً (١)، ثم أنكر، وهذا لعمري موجَبُ ذلك الأصل، ولكن الأصل في نفسه مشكل.
ولو صرح بالقذف ناطقاً، ثم أُصمِتَ واعتُقِل لسانُه، فقد قال الشافعي ﵁: نمهله رجاء أن ينطق لسانُه يومين. ثلاثة، فإن نطق، وإلا حملناه على إشارة الأخرس.
ونقل بعضُ الأصحاب عن الشافعي: أنه يراجَعُ أهلُ البصيرة، فإن قالوا: سينطلق لسانُه، ولكن بعد مدة، ننتظر، ولكن في إطالة الانتظار إبطالُ حق المقذوفة.
وقد اعتمد الشافعي في إشارة الأخرس ما روي أن أمامة بنت أبي العاص أصمتت، فقيل لها: " لفلان كذا، لفلان كذا، فأشارت برأسها أي نعم، فرُفِع ذلك إلى عثمان، فرأى أنها وصية " (٢) وهذه تدل على أن من طرق التقريب إلى الفهم مع [اعتقال] (٣) اللسان العرضُ على المُعْتَقَلِ لسانُه مع إشارتِه المتضمنة تقريباً.
فصل
قال: " ولو كانت مغلوبة على عقلها ... إلى آخره " (٤).
٩٦٣٨ - نجمع بعون الله في هذا الفصل القولَ في القذف الذي يتعلق به اللعان، والذي لا يتعلق.
فأما القذف الذي يتعلق به اللعان، فأصله أن يجري في النكاح غيرَ مضافٍ إلى زناً
стр. 7638
متقدم على النكاح، والقذف المطلق في النكاح ينقسم إلى ما يوجب (١) الحدَّ، وإلى ما يوجب التعزير، فأما ما يوجب الحدَّ، فيتعلقُ به جواز اللعان.
ولكن المرأة لا تخلو إما أن تطلب الحد وإما أن تعفو عنه، وإما ألا تطلب الحدّ ولا تعفو، فإن طلبت، الْتعن الزوج، واندفع الحد عنه، ثم يُعرض اللعان عليها، فإن التعنت، اندفع حدّ الزنا عنها، وإن نكلت، حُدّت حدَّ الزنا، وإذا كان القذف بحيث يوجب الحدّ على القاذف، فالذي وقعت النسبةُ إليه يوجب حدَّ الزنا على المقذوفة، لو تحقق.
وإن عفت عن الحد وأسقطته، فلا يخلو: إما أن يكون ثَمَّ ولدٌ متعرض للثبوت لا ينفيه إلا اللعان أو لا يكون. فإن تعرض نسبٌ للثبوت، فالزوج يلتعنُ لا محالة؛ فإن المقصود الأظهر من اللعان نفيُ النسب المتعرض للثبوت.
يان لم يكن ثَمّ ولد، فهل يلاعن الزوج، [وقد] (٢) عفت المرأة عن حد الزنا؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يلاعن؛ فإنه ليس في اللعان غرضٌ ظاهر، وهو أُثبت في الشرع حجةً للضرورة؛ ولا نسبَ ولا عقوبةً (٣)، فلا معنى للعان.
والوجه الثاني - أنه يلاعن حتى [يَرْحَضَ ويغسل العارَ عن نفسه] (٤)، ويرَّد العار إليها، وقد تنكُل، فتلتزم حدَّ الزنا.
فأما إذا كان القذف موجباً للحد، فلم تطلبه المرأة ولم تعْف، فالفذهب الصحيح أن الزوج له أن يلتعن.
وقال بعض أصحابنا: لا يثبت الالْتعان ما لم تطلب الحدّ؛ فإنّ اللعان أُثبت لدَرْء الحدّ ونفي النسب، ولا نسب في المسألة، وليس الحد مطلوباً، فيدرَأ.
والأصح أنه يلتعن حتى ينقطع توقُّع طلبها.
هذا كله إذا كان القذف موجباً للحد.
стр. 7639
٩٦٣٩ - وأما إذا لم يكن موجباً للحدّ، ولكن كان يقتضي تعزيراً، فالذي نقدمه أنه إذا كان في الواقعة نسبٌ، وهو يبغي نفيَه، فيلاعن كيف فرض الأمر، سواءٌ طلبت أو لم تطلب، عَفَتْ أو لم تَعفُ، سواءٌ كان التعزير تعزيرَ التكذيب أو تعزيرَ التأديب، على ما سنبين انقسامَ التعزير؛ وذلك أن أعظم المقاصد نفيُ النسب، كما ذكرناه، وهو ثابت، فلا مبالاة مع تعرض النسب لغيره.
وإن لم يكن في الواقعة نسبٌ والقذفُ موجِبُ التعزير، فلا يخلو التعزير إما أن يكون تعزيرَ التكذيب، وإما أن يكون تعزيرَ التأديب، وتعزيرُ التكذيب هو الذي يستوجبه الرامي، وهو مكذَّب في رميه في ظاهر الشريعة، والتعزيرُ يقام لتحقيق تكذيبه، وهو نحو أن يقذف الرجل أمةً أو كتابيةً، فلا حد، ولكنه يلتزم التعزيرَ تكذيباً له.
والنوع الآخر تعزيرُ التأديب، هو أن يقذف امرأةً بزنا قد ثبت عليها من قبلُ: إما ببينةٍ أو إقرار، وقد أقيم عليها حدُّ الزنا، فالرامي يستوجب التعزيرَ؛ من جهة تعرضه لها بالإيذاء، وليس المقصد من هذا التعزير إظهار تكذيب الرامي؛ فإنه مصدَّقٌ، وإنما الغرض منعُه عن معاودة مثل ذلك على طريق التأديب.
فأما تعزيرُ التكذيب فنصوّر فيه ثلاثَ مسائل: إحداها - أن يكون القذف متضمناً تعزيراً والطَّلِبةُ متوجهةٌ به، وذلك مثل أن يقذف الزوج زوجتَه الأمةَ أو الذميّةَ، وطلبت التعزير، فالمذهب الذي قطع به الأئمة المعتَبَرون أن للزوج أن يلاعنَ، ويرفعَ عن نفسه التعزيرَ؛ فإنه عقوبة تتعلق بالطلب كالحد، فإذا طلبته، كان له رفعُه باللعان، وفي بعض التصانيف ذكر خلاف في هذا؛ من حيث إن الواقعة عريةٌ عن نسبٍ متعرض للثبوت، وعن عقوبةٍ لها وقعٌ، وهي الحد. وهذا مما لا يجوز الاعتدادُ به، والوجه بناء المذهب (١) على القطع بجريان اللعان إذا فرض طلبُ (٢) التعزير الذي يُثبت تكذيباً من المرأة.
стр. 7640
*وأما (١) إذا لم يتوجه الطلب، فهذا ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها - أن تعفوَ المقذوفةُ عن التعزير، فإن كان كذلك، فهل يلاعن الزوج؟ فعلى وجهين قدمنا توجيههما ومأخذهما.
والقسم الثاني أن تكون المقذوفةُ بحيث لا يَتأتى منها الطلب، وذلك بأن تكون مجنونةً أو صغيرةً، ولا ينوب غيرُ المقذوفةِ مقامَها في طلب التعزير وفاقاً، فإذا أراد الزوج أن يلتعن قبل أن تبلغ المقذوفة مبلغَ الطلب: بإفاقةٍ أو بلوغٍ، فهل له ذلك؟ فعلى وجهين مرتبين على الوجهين فيه إذا عَفَتْ المقذوفةُ، وكانت من أهل العفو، وهذه الصورة أولى بأن يثبت اللعان فيها؛ فإن الزوجَ لا يأمن توجُّهَ الطّلِبة عليه بالتعزير إذا زال المانع الذي بالمقذوفة.
ولو كانت المقذوفة من أهل الطلب، فلم تعف، ولم تطلب، وسكتت، فأراد الزوج أن يلْتعن قبل أن تطلب، ففي المسألة وجهان مرتبان على الوجهين فيه إذا كان بها مانع من الطلب، كالصغر والجنون، وهذه الصورة الأخيرة أولى بجريان اللعان من التي قبلها؛ فإن التعزير متعرضٌ للإقامة وهي مستمكنةٌ من الطلب متى شاءت.
هذا تفصيل القول فيه إذا كان القذف موجباً لتعزير التكذيب ولا نسبَ.
٩٦٤٠ - فأما إذا كان القذف موجباً لتعزير التأديب، وذلك مثل أن ينسب الزوج زوجته إلى زناً كان قد ثبت عليها ببيّنة أو إقرار، وأقيم الحد، فإذا نسبها الزوج إلى ذلك الزنا، استحق التعزير، من جهة انتسابه إلى إيذائها، فلو طلبت المرأة التعزير، فهل يلتعن الزوج في هذا النوع من التعزير؟ هذا مما اختلف النص فيه، فالذي حكاه المزني عن الشافعي أنه قال: " عُزّر إن طلبت ذلك، ولم يلتعن " (٢) وظاهر الكلام أنه ليس له الالتعان أصلاً وإن طلبت التعزير.
وحكى الربيع عن الشافعي أنه قال: " عُزر إن لم يلتعن، فأثبت له اللعان لدرء
стр. 7641
التعزير "، واختلف الأصحاب على طرق: فمنهم من قال: في المسألة قولان: أحدهما - أنه يثبت اللعان كما يثبت في تعزير التكذيب في صورة الطلب، ويحمل لعانه أيضاً على قطع النكاح ودفع العار.
والقول الثاني - ليس له اللعان أصلاً؛ فإن اللعان بيّنةٌ خاصة متضمَّنُها تحقيق القذف، ولا معنى لهذا فيما نحن فيه؛ فإن الزوج مصدَّق فيما نسبها إليه، فلا يستفيد باللعان تصديقاً، ويخرج اللعان عن [وضعه] (١)، [و] (٢) التعزير إنما أُثبت في هذا المقام تأديباً (٣)، وهو مع اللعان [حريّ] (٤) بالتأديب، فيجب ألا يكون للعان أثر في دفعه.
ومن أصحابنا من صوّب المزني وغلّط الربيع، ونفَى اللعان، وهذا هو القياس الحق، وهو الذي نبهنا عليه في توجيه أحد القولين في الطريقة الأولى.
ومن أصحابنا من صوّب الربيع وأوّلَ كلام المزني على ما سنصفه، وقال: الأصل في اللعان قذفٌ يصدر من الزوج يسوِّغ له الإقدامَ عليه، ليبتني عليه قطعُ النكاح باللعان الذي يتضمن غسلَ العار، وهذا المعنى متحقق فيما نحن فيه، وأوّلَ كلامَ المزني وحمله على موافقة منقول الربيع، فقال: قوله: " عزر إن طلبت ذلك، ولم يلتعن " (٥ فيه تقديمٌ وتأخير، والتقدير عُزّر إن طلبت التعزَير، ولم يلتعن ٥)، وهذا يقع على هذا التأويل على معرض الإخبار بأنه لا يلتعن معطوفاً على الشرط في قوله: إن طلبت، فكأنه قال: إن طلبت، المرأة، ولم يلتعن الزوج عُزِّر.
وهذا لا حاجة إليه، وقصاراه حمل منقول المزني على موافقة ما لا وجه له في الصحة؛ فإن اللعان إذا كان لا يفيد تصديقاً، فهو حائدٌ (٦) بالكلية عن وضعه، وتغليط
стр. 7642
الربيع هو الأولى، ولا يتوجه في القياس إلا نفي اللعان.
٩٦٤١ - ثم يتعلق بتمام البيان في ذلك أمران: أحدهما - أنا إن نفينا اللعان فالتعزيرُ متوجه على الزوج تأديباً، ثم اختلف جواب الأئمة في أن هذا النوع من التعزير هل يتوقف على طلب المقذوفة؟ فمنهم من قال: لا بد من طلبها؛ فإنها المقصودةُ بالأذى، فعلى هذا يسقط بإسقاطها.
ومنهم من قال: لا يتوقف هذا على طلبها؛ والصادر من الزوج سوء أدب يستوجب (١) به من طريق الإيالةِ والسياسةِ تأديباً، وهو بمثابة ما لو قال الرجل: " الناس زناة "، فالسلطان يؤدبه، وإن كان لا يُفرضُ طلبُ التأديب من أحد.
وهذا غيرُ مرضيّ.
والوجه القطع بتعلّق التعزير بطلبها؛ فإنها مخصوصةٌ بهذا الإيذاء، ولفظ الشافعي ﵀ مصرّح بهذا؛ فإنه قال: " عُزّر إن طلبت ذلك ".
وإنما يليق التردد بصورة أخرى: وهي أن الرجل إذا قال لامرأته: زنيتِ وأنت بنت شهر، أو بنت يوم، فالذي ذكره غيرُ ممكن الوقوع تصوّراً، وهو متعرض للتعزير، وفيه ظهر اختلاف الأئمة في أن هذا التعزير هل يتعلق بطلبها؟ ووجه تخريج الخلاف أنها لا [تتعيّر] (٢) إذا نُسبت إلى مُحال، وليس كذلك إذا ما جدد ذكر الزنا، فالتأذّي لاحق.
فهذا بيان القول في الطلب.
٩٦٤٢ - ومما يتم الغرض به: أنا إذا قلنا: لا يتعلق التعزير بطلب المذكورة، فالسلطان يتولاه، وإن قلنا: لا بد من طلبها، فقد يعترض في هذا أمر، وهو أن قائلاً لو قال: ما الذي يمنع السلطان من زجر هذا عن معاودة أمثال ما نطق به تعلّقاً بالسياسة الكلية؟ قلنا: إذا رأينا ذلك متعلِّقاً بالطلب، فالوجه في هذه الواقعة ألا
стр. 7643
يبادره السلطان بالتعزير، بل يصبر إلى أن يتبين (١) الطلبَ؛ لأنه لو ابتدر بالعقاب، لكان تاركاً حقَّ مَنْ له حق الطلب، وهذا إجحافٌ به، فإن الشرع إذا ربط شيئاً بطلبِ طالبٍ، فهو على غرضٍ في التردد بين الصفح والطلب، [وتفويتُ] (٢) هذا عليه إبطال حقه.
فإن قلنا: لا يتعلق هذا التعزير بالطلب، فلا تنقسم المسألة، وإن قلنا: يتعلق التعزير بالطلب، وفرعنا على أنها لو طلبت، لالْتعن الزوج، فلو عفت، فوجهان، ولو لم تعف، ولم تطلب، فوجهان مرتبان على النسق المقدم.
وكل ذلك والقذف مُنْشأٌ في النكاح، من غير إضافة الزنا إلى ما قبل النكاح.
٩٦٤٣ - فأما إذا قذف امرأته بزناً أرّخه بزمانٍ متقدم على النكاح، فقال: زنيتِ قبل أن نكحتك، فلا يخلو إما أن يكون في الواقعة ولدٌ يحاول نفيه، وإما أن لا يكون ولد.
فإن لم يكن، فقد قطع الأصحاب بأنه لا يلتعن (٣)؛ فإنه تعرض لنسبتها إلى الفاحشة في وقتٍ لم تكن فراشَه [فيه] (٤)، وإنما أُثبت اللعان للزوج في مقابلة تلطيخها فراشه. هذا متفق عليه، ولا فرق بين أن يكون القذف موجباً حدّاً أو تعزيراً.
فأما إذا كان في الواقعة مولود والزوج يحاول نفيه، فإذا قذفها بزنا متقدمٍ على النكاح، ورام أن ينسب الولدَ إلى العلوق من ذلك الزنا، فهل يجوز له أن يلاعن والحالة هذه؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنه يجوز -وهو الظاهر- لضرورة نفي النسب المتعرض للثبوت، والزنا وإن أرّخه قبل النكاح، فضرورة الولد حاقّة في النكاح، ونحن نُثبت اللعان لنفي الولد الكائن في نكاح الشبهة، فلا يبعد ثبوته، وإن تأرّخ الزنا بما قبل النكاح.
стр. 7644
والوجه الثاني -وهذا اختيار أبي إسحاق المروزي- أنه لا يلاعن ويلحقه النسب؛ فإن عماد اللعان قذفٌ يتضمن نسبتَه إلى تلطيخ الفراش الكائن.
فإن قيل: هذا يؤدي إلى إلحاق النسب به، كان الجواب أنه المقصّر؛ إذ أرخ الزنا، ولو أطلق النسبة إلى الزنا، ولم يتعرض لتأريخه، لأمكنه أن يلتعن، وينفي النسبَ، فهو الذي فوّت على نفسه الدّفعَ الذي أثبته الشرع [له] (١).
٩٦٤٤ - ومما يتعلق بتتمة الفصل أنه إذا قذفها (٢) بعد البينونة وارتفاع النكاح؛ فإن كان ثَمّ ولد متعرض للثبوت، فله اللعان.
وإن لم يكن ثَمّ ولد، فلا سبيل إلى اللعان، سواء أطلقَ القذفَ، أو أضافه إلى النكاح المرتفع؛ فإنه لا حاجة إلى القذف، ولا فراش ولا نسب.
وكذلك لو نكح امرأة (٣) نكاحاً فاسداً وقذفها، فإن كان ثَمّ ولدٌ يريد نفيه، فله اللعان عندنا، ثم حيث يلتعن لنفي النسب ولا نكاح، فإذا انتفى النسب، (٥ اندفع الحدّ تبعاً؛ فإن اللعان حجة [متضمنها] (٤) إثبات الزنا، ويستحيل أن تقوم حجة شرعية ٥) على الزنا، ويقع القضاء بصحتها، ثم يُحدّ الناسب إلى ذلك [الزنا] (٦).
ولو نكح امرأة وقذفها، وهو على اعتقاد الصحة في النكاح، فالْتعن [ولا] (٧) ولد ثم يتبين فساد النكاح، فهل يُقضَى باندفاع الحد والحالة هذه؟ فعلى وجهين أوردهما المحققون من المراوزة: أحدهما - أن الحدّ يجب؛ فإنا تبيّنا بالأَخَرة (٨ فسادَ اللعان، ولو علمنا ذلك ابتداءً، لمنعنا من الإقدام على اللعان، فإذا بان آخراً، تبيّنا ٨) فساد اللعان.
стр. 7645
والوجه الثاني - أن الحد يندفع؛ لأنه جرى في مجلس القاضي ما هو في الشرع تصديق القاذف، فيبعُد مع جريانه إقامةُ الحدّ، وإذا علمنا فساد النكاح، لم نتركه يلتعن.
ثم مهما (١) جرى اللعان في بينونةٍ أو نكاح فاسد لنفي النسب، فالمرأة هل تلتعن؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أنها تلتعن في مقابلة لعانه، كما لو كانت في نكاح صحيح.
والثاني - أنها لا تلتعن؛ فإن اللعان حيث لا نكاح مقصوده نفي النسب، ولا حاجة إلى لعانها في نفي النسب؛ فإنها (٢) تتعرض لإثبات النسب في مضادة الرجل النافي، فيبعد إثبات اللعان في حقها.
فإن قلنا: إنها لا تلتعن، فلعان (٣) الزوج لا يُثبت عليها الحدَّ، فينحصر الغرضُ (٤) من هذا اللعان في نفي النسب، ثم يتبعه انتفاءُ الحد عن القاذف، وذلك أنا لو ألزمناها الحد، لكان ذلك إرهاقاً منا إياها إلى الحدّ على وجهٍ لا تجد له مَدْفَعاً، فهذا لا يليق بموضوع اللعان ومحاسن الشرع.
وإن قلنا: إنها تلتعن، فإن امتنعت عن اللعان، حُدّت، كما لو امتنعت عن اللعان في صلب النكاح.
ثم إذا جرى اللعان في بينونةٍ أو نكاح فاسد، فهل يفيد [اللعانُ] (٥) [الحرمةَ] (٦) المؤبدة؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يفيده؛ طرداً لهذا الحكم مهما جرى اللعان على الصحة.
стр. 7646
والوجه الثاني - أنه لا يتضمن التحريم؛ فإنه لم يرد على نكاحٍ، والحرمة المؤبدة (١) معلّقةٌ بلعانٍ يتضمن قطعَ نكاح.
وقد انتجز ما أردنا جمعه في هذه القواعد، وإنما جمعناه لأنه مبثوث في الكتاب من غير انتظام، فرأينا أن يُلفى في مكانٍ واحد.
٩٦٤٥ - ثم نعود إلى ترتيب السواد ومسائله.
فإذا قذف الرجل زوجته المجنونة، فإن كان ثَمّ ولد، فله نفيُه باللعان، وتقع الفرقة وتتأبد، ويندرىء التعزير.
وإن لم يكن ثَمّ ولد، ففي جواز اللعان الوجهان المذكوران، فلا شك أنها ليست من أهل الطلب في الحال، ولا يقوم وليها مقامَها في الطلب؛ لأن هذا أُثبت ليشفيَ (٢) الغيظَ ودَرْكِ الثأر كالقصاص، فلا سبيل إلى التفويت (٣).
فإن قلنا: لي له اللعان، [فلو لَمْ] (٤) يتفق حتى أفاقت، فلها طلب التعزير، وللزوج الدرء باللعان الآن، على المذهب الذي يجب القطع به.
ولو قذفها وهي مُفيقة (٥)، فجُنَّت قبل اللعان، فإن كان ثَمّ ولد الْتعن الزوج، ولم يؤخّر، فإن لم يكن ولد وقد تعذر الطلب، ففي جواز اللعان الخلاف المقدم.
ولو قذفها في حالة الجنون بزناً في حالة الإفاقة، فهذا القذف موجِبٌ للحد، نظراً إلى وقت الإضافة، ولا اعتبار بصفة المقذوف في الحال (٦)، وهذا بمثابة قذف الميت مستنداً إلى حياته، فإنه موجبٌ للحدّ، حملاً على التأريخ بالحياة، وكذلك القول في الجنون والإفاقة، غيرَ أنها إذا كانت مجنونة، لم تطلب، ولم ينُب عنها في الطلب
стр. 7647
أحد، فلو ماتت المجنونة قبل الإفاقة، قام بطلب الحد من يرثها الحدَّ، وللزوج اللعان لدرء الحد بعد موت الزوجة.
ولو قذفها وهي مجنونة، فموجَب القذف التعزير إذا لم يؤرِّخ الزنا بالإفاقة، فلو ماتت ورث التعزيرَ (١ من يرث الحد، ثم أَمْر اللعان على ما ذكرناه.
٩٦٤٦ - وإذا قذف امرأته الأمة، فطلبُ التعزير ١) إليها دون مولاها؛ لأن التعزير يجب [للاعتداء] (٢) على العِرْض، ولا حق للمولى في عِرض المملوك، وإنما يملك منها ومن العبد ما يعود إلى المالية، والعِرْض والذمة خارجان عن ملك المولى، وعلى هذا قال فقهاؤنا: لو قذف السيد عبده، وجب للعبد على المولى التعزير، لأنه تصرّف فيما ليس له، وكان كما لو قذف مملوكَ الغير، وليس كالقصاص؛ فإن الجناية تَرِد (٣) على الرقبة، وهي معدن المالية.
ويجوز أن يقال: لا يملك العبد طلبَ التعزير من مولاه، ولكن إذا شكاه، قيل له: لا تُؤذه، فإن أبى، كان كما لو زاد على الحدّ في الاستخدام.
والأوجه ما ذكره الأولون.
ولو قذف زوجته الأمةَ، فماتت قبل أن تطلب، فهل لمولاها طلب التعزير بعد موتها؟ فعلى وجهين: أحدهما - ليس له ذلك؛ فإنه لا يخلفها (٤)، وإنما الوارث يخلف موروثه الحرّ بسببٍ أو نسب.
والثاني - له حق الطلب؛ فإنه أخص الناس به، واختصاصُه قطَع سائرَ جهات الاختصاص عنه، حتى قطع اختصاصَه بنفسه، وما الوراثة إلا ضربٌ من الاختصاص.
٩٦٤٧ - وكل ما ذكرناه ينبني على مذهبنا في أن حدّ القذف موروث، وهذا الأصل
стр. 7648
متفرّع على أن حد القذف حقٌّ للآدمي، وليس حقّاً لله تعالى، خلافاً لأبي حنيفة (١) وأقرب نتيجةٍ لهذا الأصل مسألتان: إحداهما - أن من قُذف فلم يطلب الحدّ حتى مات، ورثه ورثتُه على ما سنفصله، وعند أبي حنيفة لا يرثونه مع قوله: إن من قذف ميتاً، فلورثته طلب الحد.
والنتيجة الثانية - العفوُ والإسقاط، فعندنا يسقط حدُّ القذف بإسقاط المقذوف، إذا كان من أهل الإسقاط، خلافاً لأبي حنيفة.
ثم إذا قضينا بكَوْن الحد موروثاً، فقد اختلف أصحابنا فيمن يرثه: فمنهم من قال: يرثه جملةُ الورثة: من يتعلق منهم [بالنسب] (٢) ومن يتعلق بالسبب.
ومنهم قال: يختص وراثته بمن يتعلق بالنسب؛ فإن الذب عن العِرضِ يتعلق بالذب عن النسب، فاتجه اختصاصه بأهل النسب.
ومن أصحابنا من قال: يختص بعصبات النسب، وهم الذين يثبث لهم حق التصرّف في ولاية التزويج.
فإذا فرعنا على هذا، فلا شك أن الأب يستحق، وفي الابن كلامٌ: من أئمتنا من ورّثه وجعله على ترتيبه في العصوبة، وقدّمه على من عداه.
ومنهم من لم يُثبت له هذا الحق، كما لا يثبت له حق ولاية التزويج.
ولو فرض القذف بعد الموت (٣)، فالمقذوف الميتُ، والطالب بالحد من يرثه لو وجب في حياة المقذوف.
ورتب الأئمة الزوجين والقذفُ مُنشَأٌ بعد الموت عليهما والقذفُ في حالة الحياة، والصورة الأخيرة أولى بقطع الاستحقاق، والفرق أن القذف جرى في الحياة والسبب قائم وهو الزوجية، وهاهنا أنشأ القذف بعد ارتفاع [السبب] (٤).
стр. 7649
٩٦٤٨ - وإذا ثبت حد القذف بحق الورثة لجماعة، فعفا واحد منهم، ففي المسألة أوجه: أظهرها - أن للباقين استيفاء الحد بكماله، ولم يؤثّر عفوُ من عفا، لأنه ثبت للورثة، فلا سبيل إلى إسقاط حقوق الطالبين لا إلى عِوض، بخلاف القصاص.
والثاني - تسقط حقوق الباقين، كما تسقط حقوقهم عن القصاص إذا عفا بعض المستحقين.
والوجه الثالث - أنه يسقط بإسقاط من عفا مقدار حقه لو قُدّر التوزيع عليهم، حتى إذا كان الحد بين ابنين، فعفا أحدهما، سقط بعفوه أربعون جلدة، وبقي مثلها للابن (١) الذي لم يعف.
وهذا الذي ذكرناه الآن تنبيهٌ على التراجم، وسنعود إلى هذا الفصل قاصدين، إن شاء الله ، فإذ ذاك نوضح الأصول والتفريعات، إن شاء الله .
ومن قذف [موروثَه] (٢) فمات المقذوف، سقط الحد بوراثة القاذف، ولا يتصور فرضُ هذا في القصاص؛ فإن من جَرَح موروثَه، فمات، فالقصاص قائم عليه؛ فإنه قاتل والقاتل محروم عن الميراث.
٩٦٤٩ - ثم قال الشافعي ﵀: " ولو التعن وأبَيْنَ اللعان ... إلى آخره " (٣).
فَرَضَ الشافعيُّ [اللعان] (٤) في جمعٍ من النسوة، والحكم. لا يختلف، ومقصود الفصل الكلامُ في امتناع أحد الزوجين من اللعان، فإن امتنع الزوج (٥) -والقذف موجِبٌ للحدّ- حُدّ حدَّ القذف.
وإن التعن الزوج وامتنعت، حُدّت حدَّ الزنا، ولا حاجة إلى تفصيل الحدود؛ فإنها ستأتي في كتابٍ، إن شاء الله .
стр. 7650
فصل
قال: " ولا أَجبُر الذمّيةَ على اللعان إلا أن ترغب في حُكْمنا ... إلى آخره " (١).
٩٦٥٠ - إذا قذف الرجل امرأته الذمية ولاعَن، عُرض اللعان عليها، فإن أبت نصّ الشافعي على أنها لا تجبر على اللعان، ولا تُحد، فإن رضيت بحكمنا، حكمنا عليها حينئذ. هذا هو النص.
واختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من قال: هذا يخرّج على القولين المذكورين في أن أهل الذمة هل يُجبرون على أحكامنا، وقد قدمنا هذا الأصلَ، وسيأتي استقصاؤه في أدب القضاء، إن شاء الله .
فإن قلنا: إنهم مُجْبَرون، فالذمية مجبرة على اللعان، سخطت أم رضيت، حتى إذا امتنعت، قضينا عليها بما نقضي به على المسلمة الناكلة عن اللعان.
والثاني - أنها لا تجبر.
ومن أصحابنا من قطع (٢) القول بأنها لا تجبر على اللعان إلا أن ترضى بحكمنا، وهذا هو الذي صححه المحققون؛ لأنه لا يبقى بعد لعان الزوج إلا ما يتعلق بمحض حق الله تعالى، وحقوقُ الله تعالى مبناها على المسامحة، فلو حملناها على اللعان، لكان ذلك حملاً على أمرٍ مالُه -لو فرض النكولُ- إقامةُ حد الله تعالى، وكان هذا الطرف ليس متعلقاً بحق الزوج، وليس معدوداً من خصومة الزوج.
وألحق الأئمةُ بهذا أمراً بدعاً به تَبين القاعدةُ، فقالوا: إذا كان التلاعن بين مسلمين، فالتعن الزوج، لم يتوقف عرض اللعان عليها على طلبه، حتى لو رضي بأن لا يعرض اللعان عليها، لم نبال به، وقيل لها: قام عليك حجةٌ، فادرئيها، تسْلمي، وإن أبيتِ، أقمنا عليك حدَّ الله تعالى.
стр. 7651
ومن لطيف المذهب في هذا أن الخصومة إذا دارت بين المسلم والذمّي، فقد اتفق الأصحاب على أن الذمِّي محمولٌ على حكم الإسلام.
وهاهنا تردُّد، والتردد الذي ذكرناه سببه انقطاع جانبها عن جانبه، فليلتعن الزوج، وليتركها.
نعم، إن قذف الذمّي زوجتَه الذمية، ففي إجبار الزوج على اللعان إذا طلبت من غير أن ترضى بحكمنا القولان المشهوران في أن أهل الذمة هل يُجبرون على أحكام الإسلام؛ فإن اللعان في جانبه ومطالبته بالتعزير يتعلق بحقوق الآدميين.
٩٦٥١ - ثم قال الشافعي ﵁: " لو كانت امرأة محدودة في زنا، فقذفها بذلك الزنا ... إلى آخره " (١).
وهذا هو الفصل الذي أدرجناه في أثناء الأصل الذي ذكرناه، وأتينا به مقرَّراً، فلا حاجة إلى إعادته.
٩٦٥٢ - ثم قال الشافعي ﵀: " وإن أنكر أن يكون قذفها ... إلى آخره " (٢). إذا ادّعت المرأة على زوجها أنه قذفها، نُظر: فإن سكت الزوج، ولم يُحِرْ جواباً، قام سكوته مقامَ الإنكار (٣) في سماع البينة عليه، فإذا أقامت شاهدين على أنه قذفها، فله أن يلتعن، فإنه لم يصرح بإنكار القذف، وإنما أقمنا سكوته مقام الإنكار في قبول البيّنة، وهو ليس بإنكارٍ على الحقيقة، والبينة تسمع لعدم الإقرار، لا لحقيقة الإنكار.
ولو قال الزوج لما ادّعت القذفَ: ما قذفتُك وما زنيتِ، فأقامت شاهدين على أنه قذفها ونسبها إلى الزنا، فليس للزوج أن يلتعن، فإنه قد أنكر القذف وبرّأها؛ إذ قال: ما زنيتِ، واللعان يستدعي قذفاً.
فإن أنشأ قذفاً، التعن، ثم لا يتوجه عليه الحد بالقذف الذي ثبت وأنكره؛ فإن
стр. 7652
اللعان يُثبت الزنا [عليها] (١) ولا يتصور مع ذلك أن نطالبه بالحد.
ولو قال الزوج لما ادعت القذفَ: ما قذفتُك، فأقامت شاهدين أنه قذفها، فللزوج أن يلتعن، فإن قوله ما قذفتك يمكن حمله على أن الذي تقدم مني لم يكن قذفاً، وإنما كان قولاً حقّاً، فإذا ذكر الزوجُ هذا التأويلَ الذي ذكرناه، وأراد الالتعان من غير قذفٍ جديد، فله ذلك.
ولو قال: ما قذفتك، فلما قامت عليه البينة، لم يذكر التأويل الذي ذكرناه، ولم يجدد قذفاًً، فهل له أن يلاعن؟ فعلى وجهين: أحدهما - ليس له اللعان؛ لأنه يصير [بهذا] (٢) مكذباً نفسه، وقد أنكر أصل الرّمي، وعلى إنكاره قامت البينة، فكيف يقول: " إني لمن الصادقين فيما رميتها به "- وما كان رماها (٣ بزعمه.
والوجه الثاني - له أن يلاعن؛ لأنه وإن أنكر القذف ٣)، فقوله مردودٌ عليه بالبينة، فصار كأنه لم يكن.
وشبه هؤلاء هذه المسألة بما لو اشترى شيئاً، فظهر [أنه] (٤) مستحَق، وقامت الخصومة، فقال: المشتري للمستحِق في أثناء الخصومة: هذا الشيء كان ملك فلان، فاشتريته منه، فإذا قامت البينة على الاستحقاق، وانتُزِع الشيء من يده، فله أن يرجع بالثمن على البائع، وإن كان أقر له بالملك في أثناء الخصومة؛ لأن إقراره رُدّ عليه بالبينة، وأيضاًً، فإن قوله: " أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتُها " يتضمّن قذفاًً، وكأنه ابتداء قذفٍ ولعانٍ.
وهذا ضعيف؛ إذ لو جاز اعتماده، لجاز ابتداء كل زوج باللعان من غير تقديم قذف.
فهذا بيان الفصل.
стр. 7653
٩٦٥٣ - وفيما قدمنا مباحثة في شيء واحد، وهو أنا ذكرنا في أقسام المسألة أن الزوج لو قال: ما قذفتُها، وما زَنَتْ، فنفى القذفَ وبرّأها، فليس له أن يلتعن. هذا سديد لا نزاع فيه.
قال القاضي: إن أراد اللعان ابتدأ قذفاً جديداً، وهذا فيه نظر؛ من جهة أن قوله: ما زنت يتضمّن الإقرار ببراءتها من الزنا، فإذا قذفها إنشاءً، فَقَذْفُه المنشأ يناقض إقراره ببراءتها من الزنا، فكيف يثبت قذفُه، وهو مناقض لقوله الأول؟
والممكن في الانفصال عن ذلك أن يقال: " ما زنت فيما سبق، وقد زنت على قرب العهد ".
والذي يحقق هذا أن الرجل لو برّأ إنساناً عن الزنا، ثم قذفه، فهذا قذفٌ موجبٌ للحد.
فلو قال: هذا القذفُ غير منتظم منّي، فإني قدمت الإقرار بالبراءة، قيل له: قد آذيتَ بقذفك، وتعرّضتَ للعِرْض المصون عن القذف بالحدّ، فلا يراعى في القذف، والمقذوفُ يزعم أنه كذَبَ -على كل حال- إمكانُ الصّدق.
هذا هو الممكن في ذلك.
والإشكال بعدُ قائم؛ فإن التبرئة مطلقةٌ مسترسلةٌ على جميع الأزمان، والقذف بعدها مناقض لها، وقوله وإن كان قذفاً في حق المقذوف، فهو مؤاخذ في حق نفسه [بسابق] (١) قوله.
والذي استقر الكلام عليه أنه إذا برّأ من الزنا، لم يصح القذف منه إلا أن يتخلل زمانٌ يمكن وقوع الزنا فيه، فينشىء قذفاً ويلاعن، ولكن لا يَسقُط الحدّ الأول، إلا على مذهب سقوط حصانتها بلعانه، كما سيأتي تفصيل ذلك.
وبالجملة ما ثبت من القذف بالبيّنة مع ما أنشأه بمثابة ما لو قذف أجنبيةً ثم نكحها وقذفها في النكاح، وسيأتي شرح هذه المسائل، إن شاء الله .
стр. 7654
٩٦٥٤ - ثم قال: " ولو قذفها، ثم بلغ ... إلى آخره " (ا).
قذْفُ الصبي لا يوجب حداً ولا تعزيراً للمقذوف (٢) يتعلّق بطلبه، ولكن يعزره القائم عليه لإساءة أدبه، كما يفعل ذلك به في سائر جهات التأديب والتثقيف.
قال القفال: إذا همّ بتأديب المراهق، فبلغ، انكف عنه وإن كان والياً؛ فإن البلوغ أكمل الروادع، والعقل الذي قضى الشرع بكماله أَبْينُ وازع، فلا يؤدَّبُ مكلَّف على الوجه الذي يُؤدَّبُ عليه الصبي؛ فإن المكلفَ معاقَبٌ، وكل ما يقع به من إيلام، فهو عقابٌ، وما يقع بالصبيّ تأديبٌ بمثابة رياضة الدّوابِّ (٣)، ولهذا نأمر الطفل بقضاء ما فات من الصلوات ما دام طفلاً، فإذا بلغ، كففنا الطلبَ عنه.
٩٦٥٥ - ثم قال: " ولو قذفها في عدة يملك فيها رجعتها ... إلى آخره " (٤).
إذا قذف الزوج الرجعيةَ، لاعن عنها، فإنها ملحقة بالزوجات، ولا يتوقف جريان اللعان على أن يرتجعها، وليس كما لو ظاهر عنها، أو آلى، فإنه إن ظاهر، لم يصر عائداً ما لم يرتجعْها، ولو آلى، لم تحتسب المدة، ما لم تراجَع، وينتجز اللعان في الرجعية انتجازه في الزوجة، وكل أصل مُقَرٌّ على خاصيته وحقيقتِه.
أما العوْدُ، فمناقِضُه ترك الرجعة وهي محرّمة لا مناقضة فيه، ومدّة الإيلاء لا تحتسب، فإنها معتزلة عن زوجها، والمدة مَهَلٌ يتخير الزوج بين الوطء والترك، وهذا لا يليق إلا بحال الحِلّ.
٩٦٥٦ - ثم قال: " ولو بانت فقذفها بزنا ... إلى آخره " (٥).
ذَكَر القذفَ بعد البينونة، وهذا مما قدمنا ذكرَه في أثناء القواعدِ التي مهدناها والأصولِ التي جمعناها، ووصلنا بذلك القذفَ المؤرّخَ في النكاح بغيره، وفي غير
стр. 7655
النكاح بالنكاح، فلا حاجة إلى إعادة ما مضى، وَوَصَلَ بما ذكره (١) من القذف بعد البينونة القذفَ في النكاح الفاسد، وهو مما تقدم أيضاًً، وفيه مَقْنع تام، وقد قدمنا قذفَ الرّجعية واللعانَ عنها.
٩٦٥٧ - ولو ارتد الزوج والزوجةُ مدخولٌ بها، فقذفها في الردّة، فإن لم يلاعن، وعاد إلى الإسلام قبل انقضاء العدة، أمكنه أن يلاعن؛ فإن النكاح قائم.
وإن لاعن في الردة، نُظر: فإن أصرّ (٢) حتى انقضت العدّة، فقد بيّنا أن اللعان وقع في حالة البينونة، فإن كان ثَمّ ولدٌ نفاه، فاللعان ثابت، والحد يندفع بجريان اللعان، كما قدمنا ذكره.
وإن لم يكن ولدٌ، فقد ذكر الأصحاب وجهين في أن الحدّ هل يندفع بذلك اللعان، وقد بيّنا أنه وقع بعد ارتفاع النكاح؟ وكان شيخي يبني هذا على تردد الأصحاب في أن الجاريةَ في العدة بسبب اختلاف الدين سبيلُها إذا بان ارتفاع النكاح سبيلُ الرجعيات أم سبيل البائنات؟ وقد ذكرنا تقديرَ ذلك في كتاب النكاح.
والوجه عندنا تقريبُ هذا من الخلاف الذي ذكرناه فيه إذا قذف زوجته في نكاحٍ ظنه صحيحاً، ثم بان فسادُه، وقد لاعن على ظن الصحة، ووجه التقريب بيّن.
ثم الأصحاب أطلقوا القول بأن المرتد يلاعِنُ، وإن كنا نجوّز أن يصرّ على الردة.
ويمكن فرض هذه المسألة فيه إذا التعن ولم نشعر بردّته، حتى يقالَ: إن علمنا كونه مرتداً، نأمرها (٣) بالتوقف، ولم يصر إلى هذا أحد من الأصحاب، مع إمكان الاحتمال فيه.
٩٦٥٨ - ثم ذكر الشافعي ﵀: أن الرجل إذا قذف امرأته بالإتيان في الدبر، وأثبتَ اللعانَ (٤)، وأخذ المزني يتعجب، وليس هذا موضع التعجب؛ فإن الشافعي
стр. 7656
بنى هذا على الأصح في أن هذه الفَعْلةَ لو تحققت، وجب بها حدُّ الزنا، وكل ما يتعلق به حد الزنا إذا وقع يتعلق بالنسبة إليه حدّ القذف. ثم إذا كان قذفُ الزوج موجباً حدَّ القذف، [فلا استبعاد في جريان اللعان، وسيأتي الكلام في ألفاظ القذف] (١) في باب منفرد بعد هذا، إن شاء الله .
فصل
قال: " ولو قال لها: يا زانية بنت الزانية ... إلى آخره " (٢)
٩٦٥٩ - إذا قال لامرأته، وأمُّها حرة مسلمة، على ظاهر صفات المحصنات: يا زانيةُ بنتُ الزانية، فعليه حدان؛ لأنه أتى بكلمتين مختلفتين، كلُّ واحدةٍ منهما قذفٌ صريح في حق محصَنةٍ، فكان كما لو قال لزوجته: أنت زانية، وأمك زانية.
ْولو قال لمنكوحتين أو أجنبيّتين: أنتما زانيتان، ففي تعدد الحدّ قولان سيأتي ذكرهما: أحدهما - أنه لا يجب إلا حدٌّ واحد، والفرقُ أن الكلمةَ متحدةٌ في المسألة (٣) الأخيرة، وعلى اتحادها التعويلُ على هذا القول، ولا نظر إلى تعدد المعنى.
ولو قال في مسألتنا: أنتِ وأمك زانيتان، فقد رتب أصحابنا هذا على ما لو قال لأجنبيّتين (٤)، أو منكوحتين: " أنتما زانيتان ". إن قلنا: يلزمه هناك حدان، فهاهنا أولى؛ لأن موجَب القذف يختلف في الأجنبية والمنكوحة، ولا يختلف في المنكوحتين والأجنبيتين.
وإن قلنا في الزوجة والأجنبية يلزمه حد واحد، فإن لم يلاعن حُدّ لهما حداً واحداً إذا اتحدت الكلمة، وإن لاعن بقذفها، سقطت طَلِبتُها، والحدُّ باقٍ للأم؛ لأن اللعان حجةٌ خاصة أثرها في قذف النكاح، فإن قيل: هلا كان لعانه شبهةً؛ فإن الحد واحد
стр. 7657
لا ينقسم؟ قلنا: لم يتعرض الزوج في لعانه لزنا الأم، ولو تعرض له، لكان باطلاً، وليس اتحاد الحد على حقيقته، إنما هو على مذهب التداخل، وهذا ينافي حقيقةَ الاتحاد، وما ذكرناه فيه إذا قال لزوجته وأمها أنتما زانيتان.
فأما إذا قال: يا زانيةُ بنتُ الزانية، فقد ذكرنا أن الحد يتعدد قولاً واحداً، ثم طلبُ حد الأم إليها، أو إلى من تستنيبه، وحق البنت مفوض إليها.
٩٦٦٠ - واختلف أصحابنا في تقديم إحداهما على الأخرى: فمنهم من قال: لا يثبت لواحدة منهما حقُّ التقديم بعد ما قذفهما.
وكذلك لو قذف شخصين، فرتب أحدهما على الثاني، فإنه صار بكل قذف مستوجباً للحد، فلا أثر للتقدّم والتأخر، وهو كما لو أتلف مالَيْن على شخصين في زمانين، فلا يتقدم أحدهما، ثم هذا القائل يقول: إذا جاءتا تطلبان، فلا وجه إلا الإقراع بينهما.
ومن أصحابنا من قال: الأم هي المقدمة؛ لأن حدها بعيد عن السقوط، وحدّ البنت يسقط باللعان، فكان الحد المتأكد أولى بالتقديم، واعتل بعض الأصحاب بحرمة الأم، وهذا لا حاصل له.
ومن أصحابنا من قال: البنت مقدّمة، لأن الزوج بدأ بذكرها؛ إذا (١) قال: يا زانيةُ، فثبت الحد لها أولاً، ولا بُعْد في التقديم، بهذا السبب في العقوبات، ولذلك نقول: من قتل رجلين على الترتيب، فهو -[على الترتيب] (٢) - مسلّم إلى أولياء القتيل الأول، وهذا [أبعدُ ترجيح] (٣)؛ فإن المحل يفوت بالتسليم إلى أولياء الأول، فإذا كانت البداية تؤثر والحالة هذه، فلا بُعد في تأثيرها في حد القذف.
والذي يوضح ذلك أنا إذا حَدَدْناه لا نوالي عليه، بل نمهل رَيْثما يبرَأُ جلدُه، وفيه تأخير الحد الثاني.
стр. 7658
ثم بنى الأصحاب على ما ذكروه أنه لو قذف أجنبيتين بكلمتين، فهل تُقدّم المذكورة أولاً بحق الحد؟ فعلى ما ذكرناه.
ولو قدم ذكرَ أم زوجته، ونسبها إلى الزنا، ثم ذكر زوجته، انقدح وجهان: أحدهما - القرعة، وهو حكمٌ بالاستواء.
والثاني - أن الأم مقدمة لتقدم ذكرها في القذف، ولحرمتها.
ولا يكاد يخفى التفريع، وترديد الصور على من أحاط بالمعاني المعتبرة.
٩٦٦١ - ثم قال: " ومتى أبى اللعان ... إلى آخره " (١).
قد ذكرنا أن الشبه الظاهر في اللعان من الشهادة أن النكول عنه لا يمنع العودَ إليه، فلو امتنع الزوج عن اللعان، ثم رغب فيه لمّا همَمْنا بإقامة حد القذف عليه فليلتعن، والمرأة لو امتنعت عن اللعان، ثم رغبت فيه لما هممنا بإقامة حد الزنا عليها، فلها أن تلتعن.
قال الشافعي ﵀: لو امتنع الزوج وأقمنا عليه معظمَ حد القذف، [ولو لم] (٢) يبق إلا سوطٌ، فإذا قال: دعوني ألاعن، تركناه حتى يلاعن، وكذلك لو أقمنا على المرأة معظمَ حد الزنا، وكانت بكراً، فرغبت في اللعان تركناها.
ولعلّ السببَ في ذلك -بعدَ الإجماع- أن الزوج يأتي باللعان إتيانَ المدّعي بالبينة، وإن كان لا تطلب منه، ويؤثِّر لعانُه في إثبات الحد عليها، فلما لم يقف اللعان على العرض والطلب، لم يسقط بالنكول، وشابَه البينةَ من هذا الوجه.
وحق الناظر في الأشباه أن ينظُر إلى أخصها، والنكول عن اليمين امتناعٌ عن المطالبة بها، [فقرب] (٣) أخذ حكم النكول من الطلب من طريق الشبه.
وهذا تَرِدُ عليه أيمانُ القسامة، واليمينُ مع الشاهد، ويمينُ الرد، وللأصحاب
стр. 7659
كلامٌ في [النكول] (١) عن هذه الأيمان؛ من حيث إنها تجري من غير طلب من الخصم [فيها] (٢)، وستأتي أحكامها مشروحة، إن شاء الله .
٩٦٦٢ - وإذا أقمنا حدَّ القذفِ على الزوج، فقال: أنا ألْتعن، لم يُمَكّن. قال الشيخ القفال: لم يَفْصِل الأحاب في هذا بين أن يكون ثَمّ ولد وبين ألا يكون.
والصواب عندي (٣) أن نقول: إن لم يكن ولد، فالجواب كذلك؛ فإنه لا فائدةَ في اللعان بعد إظهار تكذيبه بإقامة الحد عليه، فأما إذا كان ثَمّ ولد، فالوجه أن يلاعن وإن أقيم الحد عليه.
فحصل إذاً في هذا [الطريق] (٤) نقلُ القفال عن الأصحاب أنه لا يلاعن، ووجهُه أن القذف سقط أثره بإقامة الحد، فكأن الزوج بعد (٥) الحد ليس قاذفاً، والقذف لا بد منه في نفي الولد، كما سيأتي شرح ذلك، إن شاء الله .
وأختارُ (٦) أن يلاعن؛ لظهور الغرض في نفي النسب، والقذفُ وإن أقيمت عقوبتُه كائنٌ، ولو قيل: تأكد القذف بالحد لم يكن بعيداً، فإن الذي يلاعن يُخرج نفسه عن كونه قاذفاً.
ثم ذكر الشافعي ﵀ بعد هذا القذفَ في النكاح الفاسد، والتفصيلَ فيه إذا كان ولد أو لم يكن، وتعرض لمحاجّة أبي حنيفة، وذكر بعده الردَّ عليه في لعان الذمي والعبد، وقد تقدم جميع هذا.
стр. 7660
فصل (١)
٩٦٦٣ - قد ذكرنا أن النسب الذي يتعرّض للثبوت في النكاح الصحيح أو الفاسد يُنفى باللعان، فكذلك لو فرض تعرُّض نسب للثبوت بسبب وطء شبهة، فاللعان ينفيه.
فأما النسب الذي يلحق بسبب ملك اليمين، فالمذهب الذي عليه التعويل أنه لا سبيل إلى نفيه باللعان.
وقال أحمد بن حنبل ألا تعجبون من أبي عبد الله، يقول: [يلاعن] (٢) الرجلُ عن أم ولده، فمنهم من قال: أراد مالكاً (٣)، فإنه يُكنَّى بعبد الله، ومنهم من قال: أراد الشافعيَّ (٤)، وأثبت هذا قولاً عنه، وقال: للمَوْلى أن يلاعن عن الأمةِ وأمِّ الولد، فحصل إذاً قولان على رواية أحمد بن حنبل: أحدهما - لا يلاعن [عن الأمة،] وهو المذهب (٥)؛ لأن نص القرآن في الزوجات والأزواج، ولا مجال للقياس.
والذي يجب التنبيه له أن الشافعي في إثبات اللعان بِنَفْي النسب في النكاح الفاسد حاد عن النص (٦) بعض الحَيْد، ولكنه وجَدَ مستمسَكاً قويّاً (٧) في الشبه، مأخوذاً من مثل مسلكه (٨) في إلحاق الشيء بالشيء لكونه في معناه، وأما ملك
стр. 7661
اليمين، فإنه نأْيٌ عن النكاح بعيدٌ، فضَعُفَ تقدير اللعان.
ثم إن لم نثبت اللعان -وهو الرأي- فإذا أقر السيد بوطء أمته، فأتت بولد لزمان يحتمل أن يكون من الوطء المقَرّ به، فالنسب يلحق، ولا دفع باللعان، وتفصيل القول في هذا سيأتي في كتاب الاستبراء، إن شاء الله .
ولو ادعى السيد أنه استبرأها بعد أن وطئها، ثم أتت بالولد لزمانٍ يحتمل أن يكون العلوق به بعد الاستبراء، فتفصيل المذهب في هذا مما لا نرى الخوض فيه إذا لم يكن ملك اليمين مترتِّباً على نكاح؛ فإن ذلك يتعلق بأصول الاستبراء، والذي نذكره هاهنا يترتّب ملك اليمين على النكاح فيه إذا اشترى الرجل زوجته.
٩٦٦٤ - فنقول: إذا اشترى زوجتَه الأمةَ، وأتت بولد لأقلَّ من أربع سنين، ولم يُقرّ بوطئها في ملك اليمين، فله النفيُ باللعان -وإن كنا لا نرى إجراء اللعان فيما يتعلق بملك اليمين على الخصوص- والسببُ فيه أنه لو أبانها، فأتت بولدٍ، فأراد نفيه باللعان (١)، مُكِّن منه؛ فمِلْكُ اليمين لا ينقص عن زمان البينونة، وتحقيقه أن اللحوقَ [بسبب] (٢) النكاح وتوقُّعِ العلوق فيه، فإذا كان اللحوق بسبب النكاح، فاللعان يترتب على النكاح.
وإن هو أقرّ بوطئها في ملك اليمين، وأتت بولدٍ لأقل من ستة أشهر من يوم الوطء المقرّ به، فلا حكم للإقرار بالوطء (٣)، والمسألة كما قدمناها.
وإن كان لأقلَّ من أربع سنين (٤)، فهو منفي عنه باللعان. فإن كان لأكثر من أربع سنين من يوم الشراء، ولأقل من ستة أشهر من وقت الوطء المقرّ به، فالولد منفي من غير لعان (٥).
стр. 7662
وإن أتت به لأكثرَ من أربع سنين من يوم الإقرار بالوطء، فهو منفي عنه بلا لعان (١).
وإن أتت بالولد لستة أشهر فصاعداً من يوم الإقرار بالوطء، فهو ملتحق به، إلا أن يدَّعي استبراءً وتأتي به لستة أشهر من انقضاء الاستبراء، فإن أتت به لأقلَّ من ستة أشهر من يوم الاستبراء (٢) ولستة أشهر فصاعداً من يوم الإقرار بالوطء، فهو ملحق، فلا حكم للاستبراء؛ لأنا علمنا أن ما رأته من الدم، كان على الحمل.
٩٦٦٥ - فإن قيل: إذا أقر بوطئها، فأتت بولدٍ لستة أشهر من يوم الوطء، ولأقلَّ من أربع سنين من يوم الشراء، قُلتم: يَلْحقهُ بحكم اليمين ولا يملك النفيَ باللعان، ومن الجائز أنها علقت به في النكاح قبل الشراء، فهلا (٣) أثبتم النفي [باللعان] (٤) لهذه الجهة من الاحتمال؟
قلنا: وإن احتمل العلوقَ في النكاح، فالوطء بعده قَطَعَ حكمَ النكاح، وصيّر المملوكةَ مفترشَة بملك اليمين، فلئن جُوّز نفيُ ولد النكاح، فالتفريع على أن ولد ملك اليمين لا ينفى، وقد ثبت فراش ملك اليمين، فَنَسَخَ هذا الفراشُ ذلك الفراشَ في المعنى الذي نحن فيه.
وإذا اعتدت المرأة عن طلاقٍ، وَنَكحت زوجاً، وأتت بولد بعد النكاح الثاني لستة أشهر من النكاح الثاني، وأقلّ من أربع سنين من انقطاع النكاح الأول، فالولد ملحق بالزوج الثاني، وإن احتمل أن يكون العلوق به من الأول (٥).
стр. 7663
ولو أقر بوطئها في ملك اليمين، وادعى استبراءً بعد الإقرار بالوطء، فأتت بالولد لستة أشهر من انقضاء الاستبراء، ولأقلَّ من أربع سنين من وقت الشراء قال ابن الحداد: ينتفي النسب بلا لعان؛ وذلك أن فراش ملك اليمين ثبت بالإقرار بالوطء، وانقطَعَ أثرُ النكاح، ثم انقطع النسب في ملك اليمين بدعوى الاستبراء وإتيان الولد بعد الاستبراء (١) لستة أشهر فصاعداً، وتابع معظمُ الأصحاب ابنَ الحداد.
قال الشيخ أبو علي: من أصحابنا من قال: إذا انتفى النسب لأجل دعوى الاستبراء في ملك اليمين، فيلحَقُ بحكم النكاح إذا أتت به لزمانٍ يُحتَمل أن يكون العُلوق به من النكاح؛ فإن الأمة وإن صارت فراشاً بالوطء، فلا يقوى فراش ملك اليمين على نسخ حكم النكاح السابق بالكلية، والدليل عليه أن من وطىء معتدة بشبهة، فلا نقول: إذا (٢) أمكن إلحاق الولد بالثاني لا نلحقه بالأول، بل يتعرض [ثبوت] (٣) الولد لهما، وهو في مجال القيافة.
وهذا الوجه الذي ذكره الشيخ غريب، والمذهب ما اختاره ابن الحداد.
...
стр. 7664
باب أين يكون اللعان
٩٦٦٦ - مقصود الباب ذكر ما يُؤَكَّدُ اللعان به، وهو أربعة أشياء: الألفاظ، والمكان، والزمان، وعددٌ من الناس.
فأما الألفاظ، فهي خمسة في الجانبين، وسيأتي شرحها في بابٍ.
فأما الزمان، فليقع اللعان بعد العصر فال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، قيل في التفسير: أراد صلاةَ العصر، وإن لم يظهر ضررٌ في التأخير، ولم يثبت طلبٌ حثيثٌ يمنع منه، أخرناه إلى يوم الجمعة، فإنه معظَّم في النفوس، وروى أبو هريرة في حديثٍ أن النبي ﷺ قال: " في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله شيئاًً إلا أعطاه إياه " (١)، قال كعب الأحبار: هي بعد العصر، فقال أبو هريرة: إن رسول الله ﷺ قال: " لا صلاة بعد العصر " فقال كعب: أليس قال رسول الله ﷺ : " إن العبد في صلاةٍ ما دام ينتظر الصلاة "، أشار إلى أنه بعد العصر في انتظار المغرب، فهو في حكم المصلي.
" وكُتب إلى عمر ﵁ في جارية ادُّعي عليها القذف، فأنكرت، فكتب في الجواب: احبسوها إلى ما بعد العصر، ثم حلّفوها، ففعل فاعترفت " (٢).
فهذا بيانُ الزمان.
وأما المكان، فليقع اللعان في أشرف المساجد وأحراها بالتعظيم، فإن كانت الواقعة في الحرم، فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة، فبين المنبر ومدفن المصطفى ﷺ ، وهو الروضة، وإن كان في القدس، فعند الصخرة، وفي سائر البلاد في المسجد الجامع في المقصورة.
стр. 7665
وأما العدد فإنا نأمر بإجراء اللعان على رؤوس الأشهاد، فينبغي أن يكود الذين شهدوا غير ناقصين عن عدد بينة الزنا، وهم الذين نُؤثر أن يشهدوا حدّ الزنا، تأسياً بقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
٩٦٦٧ - فأما التغليظ بالزمان والمكان، فمستحق أو مستحب؟ فعلى قولين، ولا اختصاص للقولين في المكان والزمان باللعان؛ فإن كلَّ أمرٍ له خطرٌ كالدماء، والفروجِ، والمالِ إذا بلغ نصاب الزكاة، فتغليظُ الأَيْمان في جميع ذلك في المكان والزمان يخرّج على القولين.
وأما التغليظ بحضور جمعٍ من الناس، ففيه طريقان: من أصحابنا من يراه كالتغليظ بالمكان والزمان، ومنهم من قطع بأنه مستحَبٌّ غيرُ مستحَق.
وقد ذكر بعض الأصحاب في التغليظ بالزمان طريقين أيضاً: أحدهما - القطع بأن التغليظ به مستحَب، فعلى هذا يجري القولان في المكان.
فأما تغليظ الأيمان بالأمور الخطيرة بألفاظ اليمين، فسيأتي مشروحاً في أدب القضاء.
ولا خلاف بين الأصحاب أن كَلِمَ اللعان لا بدّ منها، كما سنصفها على الاتصال بهذا.
وإن كنا نحلّف كافراً، فقد قال الأصحاب: نحلفهم في البقاع التي يعظمونها، كالكنائس والبيع، فنأتيها، ونحلّفهم فيها.
واختلف أصحابنا في أن المجوس هل يحقفون في بيوت النيران: فمنهم من قال: لا نحلفهم فيها، فإنه لا أصل (١) لتعظيم النيران، وبيوتها كمقارّ الأصنام.
ولم يختلف الأصحاب أنا لا نأتي بيوتَ الأصنام إن أمكن تصوُّرُها في طرف بلاد الإسلام، فأما الكنائس والبيع والصوامع؛ فإنها محال العبادات على الجملة.
واختلف الأصحاب في التغليظ بهذه الأسباب على الزنديق فمنهم من قال: لا معنى للتغليظ عليه، وهو لا يعبأ به شيئاً.
стр. 7666
٩٦٦٨ - ولكن لا بد من أصل كلمات اللعان لإقامة الخصومة على قاعدة الشرع، ولئن أُكِّدت (١) الألفاظ باللعن في حق المسلمين، فالزنديق به أولى.
ثم إن الشافعي لما ذكر التغليظ بالمكان قال في الحائض المسلمة: تلاعن على باب المسجد، وذكر أن المشركة تلاعن في المسجد، فاعترض المزني (٢) وقال: المشركة قد تكون حائضاً، وهي شرّ حالاً من المسلمة الحائض وهذا مما قدمنا الاختلافَ في أصله في كتاب الصلاة، فإن أصحابنا اختلفوا في أنا هل نمكِّن المشركَ الجنبَ من دخول مساجدنا: فمنهم من قال: لا نمكنه، ومنهم من قال: نمكنه، لأنه لا يؤاخذ بتفصيل عقد الإسلام في تعظيم الشعائر، وهذا نُجريه في المشركة، فإن علمنا كونها حائضاً، وخفنا تلويث المسجد، منعناها، وإن لم نخف التلويث، خرج على الخلاف الذي قدمناه.
...
стр. 7667
باب سُنّة اللعان ونفيِ الولد وإلحاقِه بالأم وغيرِ ذلك
٩٦٦٩ - غرض الباب أن قضايا اللعان: درءُ الحد عن الزوج، ونفيُ الولد، ووقوعُ الفُرقة، وتأبُّدُ التحريم، وكل ذلك يتعلق بلعان الزوج وحده، لا حاجة في شيء منها إلى لعانها، ولا إلى قضاء القاضي، فإنا نحتاج إلى لعانها في إسقاط الحد عنها فحسب، وأبو حنيفة (١) يخالف في ذلك، وقال: قضايا اللعان تتعلق بلعانهما جميعاً وتتعلق بقضاء القاضي، وأخذ الشافعي ﵁ يحتج بما قررناه في المسائل.
ثم قال: وإذا قال النبي ﷺ : " الله يعلم أن أحدكما كاذب!! فهل منكما تائب؟ " هذا مما نؤثره للقضاة.
ثم إن الرسول حكم بالظاهر، ولم يتعلق بالأمارات المغلِّبة على الظنون، وكان قد ظهرت أمارةٌ دالّة على صدق الزوج، روي أنه ﵇ قال: " إن جاءت به [أدعج العينين، عظيم الإلْيتين، خَدَلّج الساقين] (٢) لا أراه إلا وقد صدق عليها "، فجاءت به على النعت المكروه، فقال ﷺ : " إن أمره لبيّن، لولا ما حكم الله به " (٣)
стр. 7668
وروي أنه ﵇ قال: " لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن " (١).
ومما نؤثره تهديد النساء في أمثال ذلك، فلعلهن ينزجرن، وقال ﷺ : " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يُدخلها الله جنته (٢)، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين "، ومما جاء في تهديد النسوة ما روي في حديث المعراج أنه ﷺ رأى نسوة معلقات بثُدُيِّهن، فسأل جبريل عن حالهن، فقال: " إنهن اللاتي ألحقن بأزواجهن من ليس منهم " (٣). وقال ﵇: " اشتد غضب الله على امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، يأكل جرايتهم، وينظر إلى عوراتهم " (٤) فنُؤثر للقاضي أن يذكر هذه الأشياء حالة إنشاء اللعان، والهمِّ بنفي نسب متعرض للثبوت.
...
стр. 7669
باب كيف اللعان
٩٦٧٠ - مقصود هذا الباب بيانُ كَلِم اللعان وكيفيةُ صيغها، وهي بيّنة في كتاب الله تعالى، فيقول الزوج أربع مرات: أشهد بالله إنني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، وهذا الولد ولد زنا ما هو مني، إن كان ثَمَّ ولد، ويقول في الخامسة: لعنة الله عليّ إن كنتُ من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا، وتقابله المرأة فتشهدُ أربعَ شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به، وتقول في الخامسة: غضب الله عليّ إن كان من الصادقين فيما رماني به.
وذهب معظم الأصحاب إلى تعيين لفظ الشهادة؛ وفاءً (١) بحقيقة الاتباع، وفي بعض التصانيف عن الشيخ أبي حامد أنه لم يُبعد إبدال لفظ الشهادة بالإقسام والحلف أو ترك هذه الصلات، فيقول: بالله إني لمن الصادقين.
والمذهب الظاهر أن اللعنَ في جانب الزوج والغضبَ في جانبها، فلو استعمل الزوجُ الغضبَ، والمرأةُ اللعنَ، فالمذهب أن ذلك لا يجزىء، وحكى بعض الأصحاب جواز ذلك، وعزى (٢) هذا إلى الشيخ أبي حامد.
٩٦٧١ - والمذهب أيضاً أنه يجب رعايةُ الترتيب، فلا يسوغُ تقديمُ اللعن على سائر الكَلِم، وكذلك القول في الغضب في جانبها.
ومن أصحابنا من جوّز ذلك، وهو يُحْكَى عن الشيخ أبي حامد أيضاً.
ولا خلاف بين أصحابنا أن معظم كَلِم اللعان لا يقوم مقام الكل، وخالف أبو حنيفة (٣) فيه، [فأقامه] (٤).
стр. 7670
ثم يتعلق بإقامة هذه الكَلِم ما هو من فن التأكيد، وفي الحديث: " أن رسول الله ﷺ لاعن بين العجلاني وامرأتِه على المنبر " (١) وقد تردد الأصحاب في هذا: فمنهم من قال: كان الملاعِن على المنبر؛ لظاهر الحديث.
ومنهم من قال: لم يكن الملاعِن على المنبر. ثم اختلف هؤلاء في معنى الحديت: فقال قائلون: جرى اللعان على المنبر، وقال آخرون: كان رسول الله ﷺ على المنبر.
ومما نرعاه في التأكيد أن الرجل يلاعن قائماً، فإذا انتهى إلى كلمة اللعن أتاه آتٍ من ورائه، وقبض على فيه، وقال صاحب المجلس: اتق الله؛ فإنها موجبة.
ثم تقام المرأة، فتلتعن، فإذا انتهت إلى كلمة الغضب أتتها امرأة من ورائها، وقبضت على فيها، وقال صاحب المجلس: اتقي الله؛ فإنها موجبة.
فصل
قال: " ولو قذفها برجل ولم يلتعن ... إلى آخره " (٢).
٩٦٧٢ - إذا قذف الرجل امرأته برجل عيّنه، ثم لاعن وسماه، لم يجب عليه الحد لذلك الأجنبي، وإن كان محصناً على ظاهر الحال.
هذا مذهب الإمام الشافعي ﵁، ثم لا يجب حد الزنا على الأجنبي المسمَّى في القذف؛ إذ لو أوجبنا حدّ الزنا عليه، لاقتضى ذلك إثباتَ اللعان في جانبه، وهذا لا سبيل إلى القول به، ولا وجه لالتزامه حد الزنا بلعان الزوج.
ولو سمى الزوج ذلك الرجلَ في القذف، ثم لم يتعرض لذكره في اللعان، ففي