ولا يصح الرجوع ما لم يعترف بالإقرار، ثم ينشىء الرجوعَ إن أراد.
وإن قلنا: لا يثبت الزنا بشهادة عدلين على الإقرار بالزنا، فلو قذف رجلاً أو قذف الزوج زوجته، ثم أقام عدلين، فشهدا على الإقرار بالزنا، فهل يسقط حدُّ القذف والحالة هذه عن القاذف والتفريعُ على أن الزّنا لا يثبت؟ فعلى وجهين.
٩٧٤١ - ثم قال: " ولو قذفها، وقال: [كانت] (١) أمةً أو مشركةً ... إلى آخره " (٢).
لا اختصاص لهذه المسألة وكثيرٍ من المسائل التي نُجريها بالزوج والزوجة.
فإذا قذف الرجل شخصاً، ثم قال: أنت عبد أو مشرك، وكان مجهول الحال، فقال المقذوف: بل أنا مسلم حُرٌّ، فقد اختلف نص الشافعي في ذلك، وهذا مما استقصيناه في أحكام اللقيط، وفرضنا فيه أنه لو قُذف -ثم فرض النزاع على هذا الوجه - ففيمن يصدَّق قولان: أحدهما - أن المصدَّق هو المقذوف؛ فإن الأصل الحرية والدار تُثبت الإسلام.
والقول الثاني - أن المصدَّقَ القاذفُ، فإن الأصل براءةُ ذمته، وهذا مما ذكرناه مستقصًى، فألحقناه بتقابل الأصلين، والقولان مفروضان في اللقيط إذا بلغ وقُذف، والأمر على الاستبهام.
فأما إذا فرض ذلك في رجلٍ مجهول لم يعهد لقيطاً، ولكن ليس يعرف نسبه ودينُه، فقد ذكر الصيدلاني طريقتين فيه: إحداهما - طردُ القولين، كما ذكرناه في اللقيط، والأخرى - القطع بأن القول قولُ القاذف؛ فإنا إنما صدقنا اللقيط في قولٍ؛ من حيث تؤكّد الدّار ما يدعيه من الحرية والإسلام، وهذا المجهول إذا لم يكن لقيطاً في دار الإسلام لا تعلق له بمقتضى [حكمٍ] (٣) من الدار.
ولو قال القاذف: قذفتك وأنت مرتد، فأنكر المقذوف، فإن لم يُعهد له ردة، فقد
стр. 7737
قدمنا أنّ القول قول المقذوف، وعلى القاذف إثباتُ ما ادّعاه، وقد سبقت نظائر هذه المسألة.
ولو قال: كنتُ مرتداً فأسلمت، وجرى قذفُك بعد إسلامي، فلا يقبل ذلك منه.
نعم، له أن يحلّف القاذف.
وكل هذا مما تمهدت أصوله فيما سبق.
٩٧٤٢ - ولو قال: قذفتكِ وأنت صغيرة، وأقام على قذفها في الصغر بينةً، وقالت: بل قذفتني وأنا كبيرة، وأقامت بينةً على حسب قولها، فإن كانت البينتان مطلقتين أو مؤرختين بتاريخين مختلفين، فقد ثبت قذفان، ويتوجّه الحد بالقذف الثابت في حالة الكبر.
وإن وقع التعرضُ لوقتٍ واحد، وآل النزاع إلى كونها صغيرةً في ذلك الوقت أو بالغة، فلو أقامت المرأة بيِّنة على أنها كانت بالغةً في ذلك الوقت، وأقام القاذف شاهدين على أنها لم تكن بالغةً في ذلك الوقت، فهذه شهادة على النفي، فإن وقع التعرض لإثبات الحيض، فنفيه مردود والتعويل على الإثبات.
وقد يعترض في هذه المسألة سؤال، وهو أن قائلاً لو قال: كيف يمكن إثبات الحيض، ولا اطلاع على ذلك إلا من جهتها، إذ لو فرض اطلاع على ظهور الدّم من منفذه على صفة الحيض، فقد تعلم تلك أنه دمُ فسادٍ راجعةً إلى ترتيب أدوارٍ، وهي أعرف بها من غيرها، فكيف سبيل تصور الشهادة على الحيض؟
قلنا: ليس يبعد ذلك؛ فإن نسوة لو رأين نفوذ الدم في أول وقت إمكان البلوغ، ثم تمادى الدم إلى انقضاء أقل الحيض، فيمكن فرض العِيان على عُسرٍ فيما ذكرناه، ويمكن حمل الشهادة على إقرارها بالحيض في ذلك الوقت، والنزاع مفروض بعد انقضاء زمانٍ من تاريخ الإقرار. هذا وجه التصوير.
ومما نجريه في ذلك: أنها لو أقامت بينة على أنها كانت بالغة في ذلك الوقت، وأقام القاذف بينة على أنها كانت صغيرة في ذلك الوقت، فالصغر في ظاهر الأمر صفةٌ ثابتة، ولكنه يكاد يرجع في هذا المقام إلى النفي؛ إذ المقصود منه عدم البلوغ.
هذا وجه.
стр. 7738
ويجوز أن يُحمل ثبوتُ الصغر على أمرٍ يتعلق بالسن، وتاريخ الولادة، فيرجع ذلك إلى الإثبات، والأصل حمل شهادة الشهود على الصحة، فإذا تعارضت بينتان في الصغر والكبر، على التأويل الذي ذكرناه، والوقت متعيَّنٌ باتفاق القاذف والمقذوف، فإن حكمنا بتهاتر البينتين، فلا كلام، فإن رأينا استعمال البينتين ففي الاستعمال في غير هذا الموضع أقوال، وقد زعم الأصحاب أنه لا يجري هاهنا إلا قولُ القرعة.
والذي أراه وقد تلقيتُه من مرامز كلام المحققين أن قول الاستعمال لا جريان له في العقوبات، وكما يتعطل قول الوقف، وقولُ القسمة، يتعطل قول القرعة أيضاً؛ لامتناع إقامة عقوبة لقرعةٍ وِفاقيّة، فلا وجه إلا المصير إلى التهاتر.
٩٧٤٣ - قال: " ولو شهد عليه شاهدان أنه قذفهما وقذف امرأته ... إلى آخره " (١).
إذا شهد شاهدٌ أنّ فلاناً قذفني وقذف فلاناً، فقوله مردود فيما يتعلق به؛ فإن شهادة الإنسان لنفسه مردودة، فأما شهادته على قذفه لغيره، فهي مقبولة لو تجرّدت، ولكنها أتت مقترنةً بشهادته لنفسه، فالذي صار إليه الجمهور ردُّ الشهادة للغير أيضاًً؛ لأنه بذكره قَذْفَ نفسه أقام نفسه خصماً وعدوّاً، وشهادة الخصم والعدو مردودة.
ولو قال الشاهد: قذف زوجتي وفلاناً، أو قال: أشهد أنه قذف أمي وفلاناً، فشهادته لأمه غير مقبولة، وهل تقبل شهادته لغيرها والشهادتان مذكورتان في قَرَنٍ.
هذا مما تردد فيه الأصحاب أيضاًً، على ما سينتظم المذهب بعد إرسال المسائل.
فأما شهادة الرجل بقذف زوجته، فيبتني أولاً على شهادة الزوج هل تقبل لزوجته؟ وفيه اختلاف قولٍ، سيأتي في الشهادات، إن شاء الله.
فإن قبلنا شهادة الزوج لزوجته، فهل تقبل شهادته بقذفها؟ اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: إنها مقبولة، كما لو شهد لها بقصاص، أو [مال] (٢).
стр. 7739
ومنهم من قال: لا تقبل؛ فإن الشهادة [بقذفها] (١) تتضمن إظهار عداوة القاذف.
والرجل يتعيّر بقذف زوجته كما يتعير بقذف نفسه.
وعن هذا الأصل نشأ الاختلاف في الجمع بين الشهادة بقذف الأم وقذف أجنبي، فإذا تبينت المسائل، حان ترتيبها:
٩٧٤٤ - فأما إذا شهد بقذف نفسه وقذْف أجنبي، فشهادته لنفسه مردودة، وفي ردّ شهادته للغير طريقان: من أصحابنا من قطع بالرد؛ لإظهار العداوة.
ومنهم من أجرى قولين مأخوذين من أن الشهادة إذا اشتملت على شيئين رُدّت في أحدهما، فهل تُردّ في الثاني ولو قدِّر مُفرَداً، لقبلت الشهادة فيه؟ وفيه قولان.
فأما إذا شهد بقذف أمه وقذف أجنبي، فهل نجعل قذف الأم إظهاراً للعداوة؟ فيه اختلاف: منهم من لم يجعله إظهاراً للعداوة، فيتجرّد إذاً البناء على قولي تبعض الشهادة.
ومنهم من جعل ذكر قذف الأم إظهاراً للعداوة.
وأما قذف الزوجة إذا شهد به، وضمَّ إليه قذفَ أجنبي، ففي شهادته لزوجته الكلام الذي ذكرناه، ولكن هل نجعل هذا إظهار عداوة؟ فيه اختلافٌ: فإن جعلنا ذلك عداوة، فالشهادة للأجنبي مردودة، وإن لم نجعله إظهار عداوة، فهي شهادة متبعّضة وفيه القولان.
وهذا بيان قاعدة الفصل وترتيب المسائل فيه.
وربما قال الشيخ أبو علي: من أصحابنا من قطع بأن شهادته بقذف الأجنبي مردودة، إذا اقترنت بشهادته بقذف نفسه قولاً واحداً، وإذا اقترنت بشاهدته بقذف أمه فطريقان.
ومنهم من قلب، وقال: إذا قرن بين ذكر الأم والأجنبي، فالشهادة للأجنبي تخرّج على قولي التبعيض لا غير، فإذا جمع بين الشهادة للأجنبي وبين الشهادة لنفسه، فطريقان.
стр. 7740
وقد نعلم أن القناعة قد تقع ببعض ما نُردِّده، ولكنا نقلّب العبارات، حتى يظهر المُدرَكُ، ويستبين الغرضُ.
٩٧٤٥ - ومما يتعلق بتمام الفصل أن من شهد على غيره بمال أو غيره، فقذفَه المشهود عليه، فلا يصير الشاهد خصماً بذلك؛ فإنه قد لا يبغي مخاصمةَ القاذف، ولو جعلنا هذا ذريعة إلى إسقاط الشهادة، لما عجز عن ذلك مشهودٌ عليه في أمرٍ خطيرٍ يهون احتمالُ حد القذف عن (١) مقابلة اندفاعه.
ولو سبق القذفُ، فشهد المقذوف على القاذف بحقٍّ من الحقوق، ولم يبد مخاصمةً في الحد وطلباً له، فشهادته مقبولة أيضاً، وِفاقاً كما لو طرأ القذف.
والقول في العداوة والخصومة وما يوجب ردّ الشهادة منهما وما لا يوجب لا مطمع في استقصائه هاهنا، وموضع ذلك في كتاب الشهادات.
فصل
٩٧٤٥/م- نقل المزني في الجامع الكبير عن الأم: أن ابنين لو شهدا على أبيهما أنه قذف ضَرّة أمهما، ففي قبول شهادتهما قولان: أظهرهما - القبول، والثاني - أنها لا تقبل؛ لتمكن التهمة، فإنهما يقصدان إثبات القذف على أبيهما، فيضطر إلى اللعان، وتبينُ الضَّرّة، وتنتفع أمهما، وهذا إبعادٌ [في] (٢) التهمة، لا يجوز رد الشهادة بمثله.
وألحق العراقيون بذلك ما لو شهد الابنان على أبيهما على أنه طلق ضَرَّة أمهما، ولا شك أن المسألة كالمسألة، والطلاق أوقع إن كان لهذه التهمة موقعٌ في رد الشهادة، فإن الطلاق يُنجِّز الفراق، ولا أصل لقول رد الشهادة في المسألتين؛ فإن الزوج لا ينحسم عليه مسلك التزوّج.
стр. 7741
فصل
٩٧٤٦ - إذا شهد شاهدان على القذف، ولكن قال أحدهما: إن فلاناً قذف فلاناً بالعربية، وشهد الآخر أنه قذف بالعجمية، فالقذف لا يثبت باتفاق الأصحاب؛ لأن المشهود عليه قذفان [لا يجتمع] (١) على واحد منهما شاهدان.
وكذلك لو فُرض الاختلاف في المكان والزمان بأن شهد أحدهما أنه قذف فلاناً في الدار، وشهد الثاني أنه قذفه في السوق.
وكذلك لو فرض القذفان في زمانين، فلا ثبوت.
وكذلك لو شهد أحدهما على إنشاء القذف، وشهد الثاني على الإقرار بالقذف، فلا تلفّق الشهادة والإقرار بها، وهو بمثابة ما لو شهد أحد الشاهدين بأنه باع من فلان، وشهد الثاني أنه أقر بالبيع، فلا يثبت البيع، ولا يلفق الإنشاء والإقرار.
ولو شهد أحدهما أنه أقر بالعربية بالقذف، وشهد الآخر أنه أقر بالقذف [بالعجمية] (٢) لفقنا وأثبتنا أصل القذف، ومعنى ذلك أن يكون لفظه في الإقرار بالعربية وبالعجمية والمقر به لا اختلاف فيه، ويفرض في لك بأن لا يتعرض للغة القذف، أو يتعرض على الاتحاد والاتفاق، وهذا من الأصول، فالأقارير مجموعة ملفقة.
ولو شهد شاهد على [إقراره] (٣) يوم السبت وشهد آخرُ على [إقراره] (٣) يوم الأحد، ثبت الإقرار بالشهادتين، وكذلك [لو] (٤) فرض الاختلاف في المكان، [إذا] (٥) اتحد المخبَر عنه، فتعدد الأخبار غير ضائر؛ فإن الإقرار يُعْنَى للمخبَر عنه، فلا نظر إليه اختلفَت صيغتُه ومكانُه وزمانُه أو اتفقت هذه الخصال، [فالقذف في
стр. 7742
حقيقته خبرٌ] (١)، فهو مقصود في عينه وبه الجناية على العِرض؛ [فلم يعتبر فيه] (٢) الاختلاف والاتفاق.
ولو شهد شاهد أنه أقر أنه قذف بالعربية، وشهد الآخر أنه أقر أنه قذف بالعجمية، قال المراوزة: يلفق، وقال العراقيون: لا يلفق؛ فإنه أخبر عن قذفين مختلفين، وهذا أوفق وأجرى على القياس المرتضى، والله أعلم.
٩٧٤٧ - ثم ذكر الشافعي إن كتاب القاضي إلى القاضي، والشهادة على الشهادة هل يتطرقان إلى حدّ القذف، وفيه اختلافُ قولٍ لا وجهَ للخوض فيه، فإنه يُستقصى في كتابه.
وتعرض الشافعي للتوكيل (٣)، وهو مما سبق، فالتوكيل بإثبات القذف جائز، وفي التوكيل باستيفاء الحد واستيفاء القصاص اختلاف نصوص وأقوال، وقد مضى ذكرهما في كتاب الوكالة، وسيجرى ذكرها في الجراح، إن شاء الله .
...
стр. 7743
باب الوقت في نفي الولد
٩٧٤٨ - إذا ثبت للزوج حقٌّ نفي الولد، فقد اختلف القول في أنه على الفور أم فيه مَهَل؟ فالقولُ الصحيح المنصوص عليه في الجديد أنه يثبت على الفور؛ لأنه لدفع الضرر كالرد بالعيب، وقال في القديم يتقدّر بثلاثة أيام؛ فإنّ خطر النسب عظيم في النفي والاستلحاق، وما يعظم خطره يليق بالمراشد مَهَلٌ فيه للرّويّة، ثم الثلاث تقدّر بها مددٌ [شبيهة] (١) في مقاصدها بما نحن فيه.
وحكى الشيخ أبو علي قولاً ثالثاً: أن النفي على التراخي، لا يبطله إلا الاستلحاق، وهذا قول ضعيف، لا تفريع عليه، ولا عودَ إليه، والتفريعُ على الإمهال ثلاثةَ أيام بيّنٌ، وأما الفور ومعناه، فقد ذكرناه في كتاب الشفعة على أبلغ وجه في البيان، وذكرنا فيه الإشهادَ وبلوغَ الخبر في الغَيْبة؛ فلسنا نعيد شيئاً مما مضى؛ إذ لا فرق بين البابين.
والذي نذكر هاهنا: أنه لو أخبره مخبر بأن زوجتك ولدت، فأَخَّر، ثم لما روجع قال: لم أصدقه، فهو مصدَّقٌ.
ولو أخبره عدلان، كان يعرفهما بالعدالة، فلا يقبل قوله: لم أصدقهما، ولو أخبره عدل واحد، كان يعرفه بالعدالة، فهذا فيه تردد مأخوذ من قول الأصحاب؛ من جهة أن الغرض الثقة، وذلك يحصل بقول الشخص الواحد؛ إذ يجب التعويل على روايته، ويجوز أن يرعى في ذلك عددٌ يتعلّق بالخصومات، وهذا كالتردد في [عدد] (٢) المترجم والخارص، وما في معناهما، مما يتعلق بأطراف الخصومات، فلا تكون شهادةً محضة.
стр. 7744
ولو قال: لم يبلغني خبر أصلاً، فإن كان غائباً، صُدِّق، وإن كان حاضراً والولادة في الدار أو المحِلّة -وما جرت حالةٌ تقتضي المكاتمة- فإذا ادعى عدمَ بلوغ الخبر -والحالة هذه- لم يصدق.
٩٧٤٩ - ولو كانت حاملاً، فقد ذكرنا في أصول الكتاب أنا وإن جوّزنا نفي الحمل باللعان، فليس على الفور؛ لأنه ليس مستيقناً، فلو قال: أؤخر اللعان، فلعله ريحٌ تنفُش، لم يبطل حقه.
ولو قال: أعلم أنها حامل، ولكني أؤخر اللعان، فعساها تُجْهِض وتُلقي جنينها ميتاً، قال الأصحاب: التأخير على هذا الوجه مع الاعتراف بالعلم ثَمَّ (١) بالحمل يُبطل حقه من اللعان على قول الفور، وإنما يكون معذوراً في التأخير إذا حُمل الأمر فيه على أن لا يكون الحمل أصلاً، ويَفْرِض ريحاً غليظة تنفشُ.
ورأيت في كلام الأصحاب ما يدل على وجهٍ آخر: وهو أن الحق لا يبطل؛ لأن الحمل لا يُستقين [قط] (٢)، فقوله: " أعلم الحملَ "، لا حقيقة له؛ فإن المظنون يعتقد ولا يعلم.
وهذا متجه، والأظهر ما حكيناه عن الأصحاب.
٩٧٥٠ - ولو أخبره مخبر بمولودٍ أتت به امرأته على الفراش، وهنأه به فقال: متعك الله به، أو قال: ليهنك الفارس، أو ما جرى هذا المجرى من الألفاظ المعتادة في التهنئة عند الولادة، فإن قابل الدعاء بدعاء، ولم يصدر منه ما يتضمن تقريراً، فلا يكون مقابلة الدعاء بالدعاء إسقاطاً [لحق] (٣) النفي، وهذا مثل أن يقول للمخبر: جزاك الله خيراً، أو أسمعك الله ما تُسرّ به، أو ما أشبه هذا، فهذه الدعوات لا تعلق لها بالتهنئة، وإنما جاءت مُقابَلةً للدعاء بالدعاء، ولأجل هذا لم نجعله مستلحِقاً، ولا مبطلاً حقَّ النفي.
стр. 7745
وبمثله (١) لو قال على أثر دعوة المهنّىء: آمين، مثل أن يقول المبشر: بارك الله لك في المولود الجديد، أو ليهنك الفارس، فإذا قال: آمين، فهذا تقريرٌ للدعاء، ومساعفَةٌ في مقتضاه، وهذا متضمَّنُه الاستبشارُ والرضا بمعنى التهنئة، فيبطل به الحق في النفي.
فهذا القدر هو الذي رأينا أن نذكره.
وغائلةُ الفصل في معنى الفور، والتأخير، والإشهاد، وما يتصل بهما، وقد تقدم هذا مستقصًى في كتاب الشفعة، وسبق طرفٌ صالح منه في الرد بالعيب.
ولو قال: بلغني خبر المولود، ولكني لم أعلم أنه يَثبتُ لي حقُّ نفيه، وأخرت لذلك؛ فإن كان فقيهاً أو أنِساً بالفقه بحيث لا يخفى عليه مثل هذا، فلا يصدق فيما ادعاه.
وإن أمكن صدقه، في دعواه، فقد ذكر أصحابنا وجهين في أنه هل يبطل حقه، وبنوهما على القولين في أن الأمَةَ، إذا عَتَقَت تحت زوجها القنّ، وفرّعنا على أن خيارها في الفسخ على الفور، فلو أخرت الفسخ، ثم زعمت أنها لم تشعر بثبوت الخيار لها، ففي المسألة قولان مع ظهور الإمكان.
فصل
قال: " فأما ولد الأمة لا يلحق المولى ... إلى آخره " (٢).
٩٧٥١ - مضمون الفصل التفصيلُ في النسب الذي يَلْحق في ملك اليمين بالمَوْلى، وذِكْرُنا ما يوجب اللحوقَ، فنقول أولاً:
لا خلاف أن الإمكان بمجرده لا يتضمّن إلحاق النسب في ملك اليمين بخلاف النكاح؛ فإن الإمكان فيه كافٍ في الحكم بلحوق النسب، وإن لم يوجد من الزوج
стр. 7746
إقرارٌ بالوطء، بل يلحق النسب والظاهرُ عدم الوطء، فإن من نكح عذراءَ كريمةً من بيتٍ رفيع النسب، ثم أتت بولد قبل الزفاف لزمان يحتمل أن يكون العلوق به واقعاً في النكاح، فالولد يلحق الزوج، والأصلان ثابتان، ولعل المعنى الفاصل بعد قول المصطفى ﷺ : " الولد للفراش " (١) أن النسب مما اعتنى الشرع بإلحاقه وتغليب أسبابه، كما سبق تقريره، ثم وقع القضاء بهذا في الجهات التي تُعنى وتُطلب لأجل النسب، وهي المناكح.
فأما المملوكة، فالنسب في الغالب لا يُطلب منها، وكان المعتبرون في الأعصار يتعيّرون بإيلاد الإماء، ويذكرون في أوائل مفاخرهم أنهم بنو الحرائر، ومن الكلام الشائع للعرب: " لستُ بابن حرة إن كان كذا وكذا "، فيعدّون هذا من الألايا (٢) التي يُقسم بها، ولهذا المعنى لم يُقم الشرع للإماء وزناً في القَسْم، فلم يُثبت لهن حقّاً، ولم يقع الاحتفال بمزاحمة الحرائر بهن، فهذا عُقر (٣) الباب.
٩٧٥٢ - ثم لا شك أن ملك اليمين وإن تقاعد فيما ذكرناه عن النكاح، فيتصور لحوق النسب فيه، واختلف العلماء فيما يتضمن لحوقَ النسب: فقال أبو حنيفة (٤): لا يلحق النسب إلا بالاستلحاق والدِّعوة (٥) الصريحة، فلو اعترف المولى بوطء جاريته وأتت بمولود، فلا يلحقه نسبه عند أبي حنيفة ما لم يقل هذا ولدي، ثم قال: إذا لحقه نسب مولودٍ واحد، ثم أتت بعد ذلك بأولادٍ، لحقوه من غير احتياج إلى الدِّعوة، أو سبب من الأسباب غير هذا.
وقال الشافعي ﵁: إذا اعترف المولى بالوطء، وأتت الجارية بالولد، لزمان يحتمل أن يكون العلوق به من الوطء، فقاعدة الباب أن الولد يلحق وإن لم يوجد
стр. 7747
دِعوةٌ [صريحة] (١) واستلحاقٌ ناصٌّ على الاعتراف بالوطء.
[فإن أتت] (٢) الجاريةُ بالولد لزمانٍ لا يُحتَملُ أن يكون العلوق به من ذلك الوطء المقَرّ به، فذلك الولد لا يَلْحق؛ فإن معتمد اللحوق الوطءُ المقرّ به، فقد خرج ذلك الوطء عن كونه مستنِداً للولد الذي جاءت به.
وإن أقر بالوطء، وادّعى أنه استبرأها بعد الوطء: أي حاضت بعد الوطء، فالوجه أن [نطرد] (٣) أصل المذهب، ثم نُلحق به وجوهاً حائدة عن القانون، والإحاطةُ بمضمون هذا الأصل موقوفةٌ على نجازه.
٩٧٥٣ - فنقول: إذا اعترف بالوطء، وزعم أنه استبرأها بعد الوطء المقرّ به، فإن أتت بالولد لدون ستة أشهر فصاعداً من وقت الاستبراء المدّعَى، فالولد يلحق استناداً إلى الوطء المقرِّ به؛ فإنا تبيّنا أن الذي جرى لم يكن استبراءً للرحم، وأنها رأت الدم على الحمل.
وإن أتت بالولد لستة أشهر، فصاعداً من وقت الاستبراء، فالمذهب الذي عليه التعويل أن الولد ينتفي.
ومرجع المذهب أنا لم نُلحق النسبَ في ملك اليمين بالإمكان المحض، بخلاف النكاح، ولم نشترط التصريحَ بالاستلحاق، بل اكتفينا بذكر سبب العلوق، وهو الوطء.
ثم كما اكتفينا بما لا يكون تصريحاًً بالاستلحاق نُجري ما يناقض ذلك على حسبه، فالوطء ظاهر في الإعلاق، وجريان الاستبراء ظاهر في براءة الرحم، فيصير الواطىء - بعد الاستبراء، وقد تعارض ظاهرٌ في الإلحاق، وظاهرٌ في البراءة- في حكم المتعلق بالإمكان المحض، وقد ذكرنا أن الإمكان المحض لا يُلحق النسبَ [في] (٤) ملك
стр. 7748
اليمين، بل النفيُ مترجِّحٌ لتأخر الاستبراء، فهو في حكم الناسخ لما مضى.
٩٧٥٤ - ولو ادعى المولى الاستبراء مطلقاً بعد الوطء، وأنكرت الأمة، وزعمت أنها لم تحض بعد الوطء، فقد أطلق الأصحاب أن الرجوع إلى قول المولى.
وهذا فيه إشكال؛ من جهة أن الاستبراء وقوعُ الحيض، والرجوع في ثبوت الحيض ونفيه إلى النسوة؛ إذ لا مطّلع على ذلك إلا من جهتهن، فقد ذكرنا أن الزوج إذا علّق طلاق امرأته بحيضها، ثم زعمت أنها حاضت، صُدّقت مع يمينها، وجرى القضاء بوقوع الطلاق، والأصل استمرار (١) النكاح، فكيف صُدِّق المَوْلى فيما نحن فيه؟
والجواب عن هذا يُفصّل المسألةَ ويوضح الغرضَ منها، فنقول: هذه المسألة فيه إذا كانت الأمة لا تنكر جريان الحيض عليها، [وأن] (٢) الزوج اعترف بالوطء، فإذا قالت: لم أحض بعد الوطء، فكأنها تدّعي وطأً بعد آخر حيض منها، والزوج ينكر ذلك الوطء، وإنما يعترف بوطء سابق على الحيض، [فيؤول] (٣) الاختلاف إلى دعوى الوطء ونفيه؛ إذ أقر المولى بوطءٍ في وقتٍ عيّنه، وادعى بعد ذلك جريان حيض عليها، وأنكرت الأمة، فهذا محل النظر.
والظاهر أنه يُرجع إلى قولها؛ بناء على ما قدمناه من أن الرجوع إلى قولها في الحيض، وفي كلام الأصحاب ما يدل على أن الرجوع إلى قول المولى في هذا المقام -وإن أرّخ الوطء كما صورناه- لأنه لم يعترف بالنسب، ولا اكتفاء بالإمكان، وكأن الشافعي يشترطُ أن يعترف بوطءٍ ويعترفَ بانتفاء الاستبراء، فإن لم يعترف بانتفاء الاستبراء فلا يدّعيه.
٩٧٥٥ - ثم أطلق الأئمة القولَ بأنها تحلِّف المولى في دعوى الاستبراء، وليس هذا
стр. 7749
لمخاصمتها في النسب، وإنما هو لتعلق حقها بأمية الولد، ثم ذكر الشيح أبو علي وجهين في كيفية التحليف: أحدهما - أنه يحلف بالله لقد حاضت بعد الوطء، ولم يطأها بعد الحيض حتى أتت بالولد، فإذا حلف هكذا، انتفى عنه الولد.
والوجه الثاني - وهو أن (١) اختيار الإصطخري -أنه يحتاج أن يحلف بالله لقد استبرأها بعد الوطء، ولم يطأها بعد الاستبراء، وليس الولد منه، فلا ينتفي النسب بعد الإقرار بالوطء إلا على هذا الوجه.
وقد يعنّ هاهنا إشكال، وهو أن الأمة لو لم تتعرض للتحليف وطلبِ الحلف، فكيف الوجه، ولا يخفى أن للشرع حقاً في تأكيد لحوق الأنساب، فلو أقر بالوطء وادعى الاستبراء ومات، فالنسب لاحق أو منتفٍ؟ الوجه عندنا الحكمُ بثبوت النسب؛ فإنه ذكر سببَ ثبوته، ولم يؤكد ما يناقضه، والاستبراء على حالٍ متعلقٌ بالأمة، فلا يعارض الإقرارَ بالوطء، ما لم يؤكَّد.
ويخرج من هذا أنه لا حاجة إلى دعواها، ولو حلف دونها، كفى.
وما ذكرناه من أميّة الولد صحيح في غرضها، ولكن لا حاجة إليه فيما يتعلق بالنسب.
٩٧٥٦ - ولو زعمت الجارية أنه وطئني فأنكر الوطء، فقد حكى القاضي أن الأمة لا تملك تحليفه، بل ليس لها التعرض لذلك، ثم قال: والوجه عندي أنها تملك تحليفه، وهذه الصورة ليست في معنى الأولى؛ فإن النسب في الصورة الأولى لا ينتفي بعد الإقرار بالوطء إلا إذا حلف على الاستبراء، كما فصلناه، وهاهنا لا حاجة إلى الحلف حتى ينتفي النسب، وهذا هو الذي أراده الأصحاب. نعم، إذا طلبت الأمة أمّية الولد، وقد ولدت، فلا يجوز أن يُتوهم خلافٌ في أنها تملك تحليفه.
стр. 7750
٩٧٥٧ - ولو قال السيد: وطئتها وعزلت عنها، فالذي قطع به المحققون أن دعوى العزل لا أثر لها، ومن ادعاه بمثابة من اعترف بالإنزال.
وكان شيخي يحكي وجهاً أن النسب لا يثبت إذا ادعى العزلَ، وهذا بعيد، لم أره إلا له (١)، وما رأيتُ في كتاب، ولست واثقاً بنقلي فيه (٢).
نعم، إذا اعترف السيد بإتيانها دون المأتى مع الإنزال، فهل يكون هذا بمثابة الإقرار بالوطء؟ فعلى وجهين: أظهرهما - أنه لا يكون كالإقرار بالوطء.
والوجه الثاني - أنه كالإقرار بالوطء؛ فإن الماء يسبق.
وهذا ضعيف لا أصل له.
٩٧٥٨ - فإذا أتت الأمة بولد بعد الاعتراف بالوطء وجرى الحكم بلحوق نسبه وثبتت أمية الولد، فإن أتت بولد بعد ذلك لأقلَّ من ستة أشهر، فهذا الولد يلحق لا محالة؛ فإن الأول إذا لحق (٣) -والثاني من ذلك الحمل- وقد ذكرنا أن الحمل الواحد لا يتبعض لحوقاً ونفياً.
ولو أتت بالولد الثاني لستة أشهر فصاعداً، فلا شك أن العلوق به بعد انفصال الأول، فهل يلحق من غير اعتراف بوطء بعد الولادة؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمن أصحابنا من قال: لا حاجة إلى ذلك؛ فإن المستولدة مستفرشة، وقد تأكد الفراش فيها بالولد، فيكفي الإمكان؛ فإنها خرجت عن الرّق المطلق، وانتهت إلى حالة يستفرشها المولى على ضعف ملكه فيها- مع أن حِلّ الوطء يستدعي ملكاً كاملاً، فيظهر من هذا أن للشرع غرضاً في تثبيت حرمة الفراش [للتي] (٤) ولدت نسيباً،
стр. 7751
وأبو حنيفة مع مصيره إلى أن الولد الأول لا يلحق إلا بالدعوة والتصريحِ بالاستلحاق لم يعتبر هذا في سائر الأولاد بعد الأول.
ولكن (١) لا يجري على مذهب الشافعي ما أجراه أبو حنيفة في إثبات خواصّ الفراش، فإنه قال: المستولدة إذا عتَقَت، فاستبراؤها بثلاثة أقراء كالمطلقة الحرة، والشافعي يكتفي في استبراء المستولدة إذا عتَقَت بحيضة واحدة.
ومن أصحابنا من قال: لا يلحق الولد الثاني إذا تحقق أنه ليس من البطن بالأول ما لم يعترف المولى به أو بوطء جديد بعد انفصال الولد الأول؛ فإنها مملوكة وليست ملتحقة بالمنكوحات، والدليل عليه أن استبراءها إذا عَتَقَت بحيضة، ولا حق لها في القَسْم، كما لاحق للرقيقة، فلا يثبت لها حكم الفراش حتى يكتفى بالإمكان المجرد.
٩٧٥٩ - ثم قال الأئمة: هذا الاختلاف ينبني على الاختلاف في مسألةٍ، وهي أن السيد إذا زوّج أم ولده، فألم بها زوجُها، ثم طلقها، فانقضت عدتها، فهل تعود فراشاً للمولى كما (٢) تصرّمت العدة؟ فعلى قولين: أحدهما - بلى تعود، حتى لو مات، أو أعتقها، يلزمها الاستبراء.
والثاني - لا تعود، ولو أعتقها، لم يلزمها الاستبراء.
فإن حكمنا بأنها تعود فراشاً من غير إقرار بوطء جديد، فهذا قضاء منا بان أمية الولد تُغني عن الاعتراف بالوطء، وتقتضي الاكتفاء بالإمكان.
وإن قلنا: لا تعود فراشاً، فلا بد بعد التخلي من اعترافٍ بوطء.
فعلى (٣) هذا إذا أتت المستولدة بولدٍ، فلحق، ثم أتت بولدٍ يقع العلوق به بعد الولادة، فلا بد من الاعتراف بوطء جديد.
стр. 7752
هذا حاصل قول الأصحاب في ذلك.
فإن قلنا: لا حاجة إلى الاعتراف بوطءٍ، فقد ذكر بعض الأصحاب أنه لو ادعى الاستبراء، [لانُتفى] (١) النسب، [وهذا خرقٌ عظيم، لا يلحق بالمذهب] (٢)؛ فإذا كان الولد الثاني يلحق من غير اعترافٍ بوطء، فلا حاصل لذكر الاستبراء (٣).
وقد انتجز ما نقلناه عن الأصحاب (٤).
٩٧٦٠ - ووراء ذلك كلِّه أمرٌ هو الأهم، فنعود على ما رسمنا مباحثين، ونقول: إذا اعترف بوطء مملوكةٍ، وادعى استبراءها بعد الوطء، أو جرى حيضُها حقاً، فإذا أتت بالولد لزمان يحتمل أن يكون العلوق به بعد الاستبراء، فهو منتفٍ على النص وظاهرِ قول الأصحاب.
ومن أصحابنا من قال: يلحق النسب لأن الموطوءة صارت فراشاً في قضية لحوق النسب، والتحقت في هذا المعنى على الخصوص بالمنكوحة.
والسبب فيه أن حرمة النسب في ملك اليمين كحرمة النسب في النكاح، غيرَ أنّا لم نؤاخذ بالإمكان المجرد في ملك اليمين؛ من حيث إن الوطء ليس مقصوداً فيه، فإذا اعترف به، لم يغادر شيئاًً يُطْلِع عليه، والذي يستلحق النسبَ لا يعرف منه إلا الوطء،
стр. 7753
وهذا واقع في المعنى، فإذاً دعوى الاستبراء بعد جريان الوطء كدعوى الاستبراء في النكاح.
ومن هذا المنتهى نقول: النسب على هذا الوجه تعرض للثبوت، ولا يتصور تقدير نفيه بدعوى الاستبراء على الرأي الذي أظهرناه، فنُجري فيه القولَ القديم المحكي عن أبي عبد الله (١) في أن النسب في ملك اليمين ينفى باللعان، ونحن نعلم أن النسب إذا أمكن نفيه بجهةٍ سوى اللعان لا ينتفي باللعان.
٩٧٦١ - ومما ذكره الأصحاب أن المولى إذا اعترف بالوطء، فأتت الأمة بولد لأكثر من أربع سنين من وقت الوطء المعترف به، فهل يلحق بالنسب؟ ذكروا وجهين مرسلين، والوجه فيه عندنا أنا إذا قلنا: النسب ينتفي بدعوى الاستبراء، فينتفي في هذا المقام، بل هو بالانتفاء أولى؛ فإنا على قطعٍ نعلم أن الولد الذي أتت به لأكثرَ من أربع سنين بعد الوطء، ليس من الوطء، وهذا القطع لا يحصل بالاستبراء، فإن الحامل قد ترى دماً، فسبيل ذكر هذين الوجهين أن نقول:
إن حكمنا بأن دعوى الاستبراء تقطع أثر الاعتراف بالوطء، فالإتيان بالولد لأكثرَ من أربع سنين بذلك أولى.
وإن قلنا: دعوى الاستبراء لا تقطع أثر الاعتراف، فإذا أتت بالولد لأكثر من أربع سنين، لحق الولد، كما لو أتت المرأة بولد لأكثرَ من أربع سنين من وقت النكاح مع الإمكان.
ثم على هذا لا بد من إجراء قول اللعان.
وإذا قلنا: لا حاجة إلى الإقرار بوطء جديد بعد أُميّة الولد في سائر الأولاد فأنسابهم لا ينفيه (٢) إلا اللعان.
فهذا وجه إجراء اللعان في نسب ملك اليمين.
стр. 7754
وكنا أطلقنا قول اللعان وأحلنا تفصيله على هذا الفصل، وقد وفّينا بالموعود، وعلى فضل الله التكلان.
٩٧٦٢ - ثم إن الشافعي ﵁ أخذ يستبعد مذهب أبي حنيفة في ملك اليمين والنكاح ويقول: " لا يُلْحِقُ النسبَ في ملك اليمين مع الإقرار بالوطء، ويُلْحِقُ النسبَ في النكاح مع انتفاء إمكان الوطء، وهذا تناقضٌ بيّن " (١) وقد قررنا ذلك في (الأساليب) (٢) و (المسائل) (٣) والله أعلم.
...
стр. 7755
كتاب العدة
باب عدة المدخول بها
٩٧٦٣ - العِدّة من العَدد، استعملت شرعاً في معدودات مخصوصة، فجرت مجرى الصلاة والصيام والحج، ثم العِدّة تنقسم إلى ما يتمحض تعبداً، وإلى ما يشوبه رعاية الاستبراء.
فأما ما يتمحّض تعبداً، فهو العدة التي لا يتوقف وجوبها على جريان السبب الشاغل للرحم، وذلك عدة الوفاة، وعن هذا الأصل تكتفي الممسوسة بها، وإن كانت من ذوات الحيض، من غير جريان حيض، وعماد تلك العدة الأربعة الأشهر والعشر، في حق الحرة، وشَطرها في حق الأمة، وقياسها ألا تتعلقَ بما يدل على براءة الرحم، ولكن ثبت بالخبر أن المتوفى عنها زوجها لو وضعت حملَها وزوجها على السرير تخلّت.
فأما العدة التي يشوبها اعتبارُ براءة الرحم، فهي العدة عن طُرق قطع النكاح في الحياة، وجميعها يتوقف ثبوتها على جريان المسيس، ثم لا نشترط في وجوبها توهم شغل الرحم؛ فإن الصغيرة التي لا يحبل مثلها إذا وطئها الزوج ثم طلقها، اعتدت.
وإذا قال الزوج لامرأته الموطوءة: إذا استيقنتِ براءةَ رحمك فأنت طالق، فاستيقنتها: بأن ولدت، ومضت بعد الولادة ستةُ أشهر، واعتزلت عن زوجها أكثر من أربع سنين، فإذا لحقها الطلاقُ، استقبلت العدة مع القطع ببراءة الرحم، وقد تمر على المطلقة أربعُ سنين، فلا نحكم بانقضاء عدتها (١)، وإن أفاد ما جرى من الزمان القطعَ ببراءة الرحم، فاشتراط المسيس يشير إلى اعتبار براءة الرحم في بعض الصور،
стр. 7756
ووجوب العدّة مع القطع بالبراءة يدل على أن وجوب العدة لا يتوقف على شَغْل الرحم.
ثم هذه العدة تتعلق بوضع الحمل وغيره، فإذا وضعت الحمل بعد الفراق، ولم يكن الرحم مشتملاً على غير ما وضعت، فقد انقضت عدتها، قَرُبَ الزمانُ أو طال.
وإن كانت حائلاً، فلا يخلو إما أن تكون من ذوات الحيض وإما ألا تكون منهن؛ فإن لم تكن من ذوات الحيض، فعدتها بالأشهر، على ما سيأتي في أثناء الكتاب.
٩٧٦٤ - وإن كانت من ذوات الحيض، فعدتها بالأقراء، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
واختلف العلماء في القُرء ومعناه في الشرع، فذهب أبو حنيفة (١) إلى أن القرء الحيض، وقيل: كان هذا مذهباً للشافعي، وكان أبو عبيد (٢) يعتقد أن القرء هو الطهر الذي يحتوشه حيضان، فالتقيا ﵄ وتناظرا، وكان الشافعي يورد عليه من قضايا الأحكام ما يدل على أن الاعتبار بالحيض في العِدة، وأبو عبيد يورد من قضايا اللسان ما يدل على أن القرء الطهر، فافترقا، وقد أخذ الشافعيُّ مذهبَ أبي عبيد، وأبو عبيد مذهبَ الشافعي.
وهذه حكاية لا تعويل عليها؛ فإن الشافعي كان بحرَ (٣) اللغة، وأبو عبيد من نَقَلَتها، وإنما كان ينقل الأئمةُ اللغة من الشافعي ومَنْ في درجته في اللسان، فلا يُعرف للشافعي مذهبٌ في القرء سوى ما يعرفه أصحابه الآن، ولو كان ذلك مذهباً له، لنقل نقلَ الأقوال القديمة.
وقد اضطربت أقوال العلماء في معنى القرء في اللغة: فذهب أصحاب أيي حنيفة إلى أنه الحيض، وذهب أصحاب الشافعي إلى أنه الطهر.
стр. 7757
وقال قائلون من أئمتنا: ما يجمع على وزن فعول، فهو بمعنى الطهر، وما يجمع على وزن أفعال، فهو بمعنى الحيض، ثم زعموا أن الذي هو بمعنى الطهر على وزن الفَعْل، فالفَعْل يُجمع فعولاً كالحرب والحروب والضَّرب والضُّروب، والقَرْءْ -بفتح القاف- والقروء.
وما هو بمعنى الحيض على وزن الفِعْل كالجِرم والأجرام، والقِرء والأقراء. قال رسول الله ﷺ " دعي الصلاة أيام أقرائك ".
٩٧٦٥ - وكل ذلك من اضطراب الفقهاء والذي صح عندنا أن القُرء والقروء بالضم والفتح من الأسماء المشتركة؛ قال رسول الله ﷺ : " دعي الصلاة أيام أقرائك "، وقال الأعشى:
. . . . . . . . . . . . . ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا (١)
ومن صريح اللغة القَرْءْ بمعنى الجمع، ومنه تقول: قرأت الطعام في الشدق، والماءَ في الحوض، وما قَرَأَت الناقةُ سَلىً (٢) قط، أي لم يشتمل رحمها على جنين.
ومما صح النقل فيه القرء بمعنى الطلوع والغروب يقال: قرأ النجمُ إذا طلع، وقرأ إذا غرب، والقراءة يجوز حملها على الجمع، من حيث إن القارىء يجمع الحروف لنظم الكلمة، ثم يجمع الكلمة لنظم الكلام، ويجوز أن يكون بمعنى البدوّ والاكتتام،
стр. 7758
والكلم هكذا تنتظم بحروفها، فيطلع حرف من مخرجه ويغيب ويطلع آخر، فيتحصّل من ذلك أن القُرء من الأسماء المشتركة.
وقد صح عندنا أن الاسم المشتركَ كالجون الذي يطلق على الضوء والظلمة في أصل الوضع موضوعٌ للغلس ووقت اختلاط الظلام بالضياء، ثم قد يميل العرب إلى أحد طرفي الجَوْن فتسمّي الضوءَ جوناً، وكذلك القول في الطرف الآخر، فالقرء جرى بين طوري المرأة في الطهر والحيض، فمال بعض العرب إلى طرفٍ، والبعضُ إلى الطرف الآخر.
ومن علوّ قدر الشافعي ﵁ أنه لم يتعلق في هذه المسألة باللغة لمّا رأى أصولَها متفاوتة، واعتقد أنه من الأسماء المشتركة، وطلب متعلّقاً من الشريعة، فاستمسك بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وإليه أشار المصطفى ﷺ في حديث عبد الله بن عمر؛ إذ قال: " فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " (١)، ثم إذا استقبلت ذاتُ الأقراء العدة، فلا شك أنها معتدة في زمان الطهر والحيض، ولكن أجمع العلماء على أن الاعتداد يقع بأحد الطورين، وهو المقصود، والآخر لا بد منه؛ فإن حكم العدة لا [يتقطّع] (٢)، ثم رأى الشافعي [الاحتساب] (٣) في العدة [بالوقت] (٤) الذي تتهيأ المرأة فيه للاستمتاع في النكاح.
٩٧٦٦ - هذا بيان مذهب الشافعي، وله قولٌ في القديم صح النقل فيه أن القرء هو الانتقال، ثم قال: الانتقال من الحيض إلى الطهر في اللغة كالانتقال من الطهر إلى الحيض، ولكن الشرع خصص القرء بالانتقال من الطهر إلى الحيض، ويظهر أثر هذا القول في التفريع، ثم أول حكم نبتديه تفصيل القول في الأقراء.
стр. 7759
فصل
قال: " ولو طلقها طاهراً قبل جماع أو بعده، ثم حاضت بعده بطَرْفةٍ، فذلك قرء ... إلى آخره " (١).
٩٧٦٧ - نقول: ثبت من مذهب الصاحب (٢) ﵁ أن القرء هو الطهر، هذا هو الأصح إلى أن نفرع [على] (٣) قول الانتقال.
ثم إذا وقع الطلاق والمرأة في بقيةٍ من الطهر، فإذا حاضت، فهذا قرءٌ كامل في معنى الاعتداد والاحتساب، وإن لم يكن طهراً كاملاً، حتى لو طلّقها وقد بقي من طهرها زمنٌ يسع طرفةَ عين، فإذا حاضت، كان ذلك المقدار قرءاً ولا فرق بين أن يكون جامعها في ذلك الطهر، وبين أن لم يكن جامعها، وإنما يقع الفصل بين أن يجامع وبين ألا يجامع في طلاق السنة والبدعة، كما سبق مفصلاً في موضعه من كتاب الطلاق.
ولو قال لامرأته: أنت طالق مع آخر جزء من طهرك، فالطلاق على القول الجديد الصحيح يصادف الطهر، ولكن لا يستعقب طهراً، بل يتصل وقوع الطلاق بأول الحيض ولا يعتد بذلك؛ فإنه لم يمضِ بعد وقوع الطلاق شيء من الطهر، ثم إذا كان كذلك، فهل نحكم بكون الطلاق بدعياً؛ من حيث إن وقوعه في هذا الوقت يتضمن تطويل العدة، أو نحكم بأنه طلاق سنة لمصادفته طهراً، على شرط أن يُفرض عارياً عن المسيس؟ فيه اختلافٌ قدمته (٤).
ولو قال لامرأته: أنت طالق مع آخر جزء من حيضك، فاتصل الطهر بوقوع الفراق، وقد ذكرنا الاختلاف في أن الطلاق سني أم بدعي (٥)؟
стр. 7760
وجمع العراقيون الصورتين وهو إيقاع الطلاق في آخر جزء من الطهر وإيقاع الطلاق في آخر جزء من الحيض، ثم قالوا في الحكم بالسنة والبدعة في الصورتين ثلاثة أوجه: أحدها - أن الاعتبار بالوقت الذي يقع الطلاق فيه، فإن كان طهراً، فالطلاق سني، وإن كان حيضاً، فالطلاق بدعي.
والثاني - أن الاعتبار بالوقت الذي يعقب الطلاق، فإن كان طهراً، فالطلاق سني، وإن كان حيضاً، فبدعي.
والوجه الثالث -[عدم] (١) الفصل بين الصورتين، فإن وقع الطلاق في بقية الطهر - يعني الجزء الأخير-، فهو بدعي اعتباراً بما بعده، وإن وقع الطلاق في آخر الحيض، كان بدعياً اعتباراً بحالة الوقوع، والفرق (٢) أن الحيض لا يمكن قلبه عن اقتضاء البدعة، [والطهر] (٣) يمكن قلبه إلى اقتضاء البدعة بفرض الوطء فيه، وإذا كان كذلك، فيقاع الطلاق في الجزء الأخير يكون من الأسباب المغيرة للطهر عن مقتضاه.
هذا بيان التفريع على الجديد.
٩٧٦٨ - فأما القول الذي نص عليه في القديم وهو أن القرء هو الانتقال، ففيه أولاً سرٌّ بديع، وهو أنه جمعٌ بين الطهر والحيض، [مال] (٤) الشافعي إليه من وجهين: أحدهما - أنه وجد في اللغة القرءَ بمعنى الانتقال طلوعاً وعزوباً، والآخر - أن ن ضرورة كل انتقال الجمع بين المنتقَل منه، والمنتقَل إليه، والانتقال معنىً بينهما.
ثم من آثار هذا القول أنه إذا قال لامرأته: أنت طالق مع آخر جزء من طهرك، فإذا حاضت، فقد تبين أنه مضى من عدتها قرء، وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض وعلى القول الجديد لا يعتد بشيء بعدُ، وأول ما يقع الاعتداد به الطهر بعد الحيض، وهذا
стр. 7761
يظهر أثره إذا احتجنا القولَ في أقل ما يفرض انقضاء العدة فيه من الزمان، إذا كانت المرأة من ذوات الأقراء.
ومما بناه الأصحاب على القولين في أن القرء طهرٌ أو انتقالٌ أن الصغيرة إذا افتتحت العدة في الشهور، ثم إنها حاضت في أثناء الشهور، فلا شك أنها تُردُّ إلى اعتبار الأقراء كما سيأتي، وهل يعتد بما مضى من الشهور قرءاً؟ فعلى قولين مأخوذين مما قدمناه في معنى القرء؛ فإن حكمنا بأن القرء هو الطهر المحقق، فمعناه زمان نقاء بين دمين، فعلى هذا لا يعتد بما مضى قرءاً، وإن حكمنا بأن القرء هو الانتقال، فيعتد بما مضى قرءاً؛ فإنها انتقلت.
ولست أحبّ هذا البناء؛ فإن صاحب قول الانتقال يشترط الانتقال من الطهر إلى الحيض، والذي تقدم للصبية لم يكن طهراً، فالأولى أن نوجّه القولين في الصبية إذا انتهينا إليها.
٩٧٦٩ - وقد كنا ذكرنا الزمان الذي يفرض انقضاء العدة فيه في كتاب الرجعة، ونحن نستقصيه الآن، ونقول: الزوج لا يخلو إما أن يطلقها في زمان الطهر، أو يطلقها في زمان الحيض، فإن طلقها في الطهر، فإذا مضت تلك البقيّة، كانت طهراً، فتحيض ثم تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، فإذا طعنت في الحيضة الثالثة، انقضت عدتها، وأقل زمان يفرض انقضاء عدتها فيه على الشرائط التي سنستقصيها اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان، على القول الجديد.
وإن فرعنا على قول الانتقال، فاثنان وثلاثون يوماً ولحظة، ولكن إن كانت عادتها مضطربة أو كانت عادتها على الأقل، فالأمر على ما ذكرناه.
فإن كانت لها عادة، فادعت انقضاء العدة لأقل من عادتها، فهل يقبل قولها؟ فعلى وجهين: أحدهما - يُقبل؛ تعويلاً على إمكان الصدق، وليس اضطراب العادة أمراً بدعاً، وقد يغلب على النسوة تفاوت [الأدوار] (١)، وهو على الجملة من فضلات
стр. 7762
الطبيعة، ويجوز تفاوت نقصانها وزيادتها بالأغذيةِ، واختلافِ الأحوال، وهي مؤتمنة على الجملة.
والوجه الثاني - أنه لا يقبل قولها. قال القاضي: هذا هو الأظهر، وعليه يدل نص الشافعي في (الكبير)، فإنه قال: " لو كانت لها عادات مختلفة، فادعت انقضاء العدة لأقل عاداتها، قَبِلتُ ذلك "، ومفهوم النص أنها لو ادعت الأقل من أقل عاداتها لا يقبل قولها، وهذا محل الوجهين أيضاً.
٩٧٧٠ - ثم تفصيل الاثنين والثلاثين واللحظتين -على قولٍ، حيث يُقبَلُ- أن يفرض الطلاقُ في آخر الطهر بحيث يستعقب لحظةً واحدة، فهذه اللحظة قرء، ثم إنا نفرض بعدها يوماًً وليلة دماً، وخمسةَ عشرَ يوماًً طهراً، ويوماًً وليلة دماً، وخمسةَ عشر يوماًً طهراً، ثم تطْعَن في الحيضة الثالثة، ومجموع ما ذكرناه اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان.
فإذا فرعنا على قول الانتقال، فنفرض الطلاق معلقاً بالجزء الأخير من الطهر، فيستعقب وقوعُ الطلاق يوماً وليلة [دماً] (١)، والانتقالُ محسوب قرءاً، ثم بعد الدم خمسةَ عشرَ [طهراً] (٢)، وبعدها يوم وليلة [دماً] (٣)، وبعد الدم خمسة عشر يوماً [نقاءً] (٤)، ثم تطعن بلحظة من الحيض، فتنقُصُ المدةُ بلحظة عما ذكرناه؛ لاحتسابنا الانتقال إلى الحيض قرءاً.
هذا أقل الإمكان والطلاقُ واقعٌ في الطهر.
فأما إذا وقع الطلاق في الحيض، فأقل ما تصدّق فيه على انقضاء العدة سبعة وأربعون يوماً، ثم لا بد من لحظةِ الطعنِ في الحيضة الأخيرة، وبها يتبين الانقضاء، كما سنشرح ذلك بعدُ، إن شاء الله، وذلك أنا نفرض وقوع الطلاق في اللحظة الأخيرة من الحيض، وليست محتسبة من العدة، وبعدها خمسة عشر يوماًً طهراً، ويوماًً وليلة
стр. 7763
دماً، وخمسة عشر طهراً، ويوماًً وليلة دماً، وخمسة عشر يوماً طهراً، ثم تطعن في الحيضة الأخيرة.
٩٧٧١ - وإذا قال لها: إذا ولدت، فأنت طالق، فإذا طُلِّقت بالولادة، فقد قال الأصحاب: أقل ما تُصَدَّقُ على انقضاء العدة سبعةٌ وأربعون يوماًً ولحظتان، لحظة للنفاس؛ فإنها أقل النفاس، وخمسة وأربعون يوماًً لثلاثة أطهار، ويومان لحيضتين متخللتين بين الأطهار، واللحظة الثانية لتبين انقضاء العدة.
وهذا يخرّج على أحد المذاهب؛ إذ قد اختلف أصحابنا في أن المرأة إذا عاودها في مدة النفاس بعد مضي أقل الطهر حيضٌ، فذاك نفاس أو حيض؟ منهم من قال: هو حيض، فعلى هذا يخرج ما ذكرناه، ومنهم من قال: ذاك نفاس، فلا نصدقها إذاً في انقضاء العدة في هذه المدة؛ [إذْ] (١) لا يُحتسب الخمسةَ عشرَ الواقعةُ نقاء طهراً معتداً به قرءاً.
وهذا تفصّل في تفريع التلفيق من أبواب الحيض.
ومما يجب التنبه له أن ما ذكرناه في السبع والأربعين ولحظتين إذا نُفست، وقد يتصور عندنا أن تلد المرأة ولا تنفَس أصلاً، ويتصل الطهر بالولادة، فعلى هذا تسقط لحظة وضعناها لأقل النفاس.
٩٧٧٢ - ومما أخرناه وهذا أوان بيانه أن اللحظة التي يقع الطعن بها في الحيض، فهي (٢) التي سميناها لحظةَ التبين فيها كلام، وظاهر النص أن اللحظة الواحدة كافية، وإذا ثبتت، فقد خلت عن العدة، وحلَّت للأزواج.
وحكى البويطي أيضاً عن الشافعي أنه لا يقع الحكم بانقضاء عدتها ما لم يمض بها يوم وليلة؛ فإنا لا نأمن أن ما رأته من الدم دمُ فساد، وقد ينقطع على ما دون الأقل المعتبر في الحيض، فاختلف أصحابنا: فمنهم من قال: في المسألة قولان: أحدهما
стр. 7764
وهو الظاهر أن اللحظة الواحدة كافية؛ لأنها في الظاهر حيض، واليقين ليس مطلوباً فيما نحن فيه.
والثاني - أنه لا يحكم بانقضاء العدة ما لم يمض يوم وليلة، ووجهه بيّن.
وذكر بعض أصحابنا قولاً ثالثاً مخرجاً، وهو أنها إن رأت الدم على موجب عاداتها، فاللحظة الواحدة كافية، وإن رأت الدم على خلاف العادة، فلا بد وأن تتربص يوماً وليلة.
هذا مسلك الأصحاب: منهم من قطع بالاكتفاء باللحظة الواحدة وجعل قول البويطي محمولاً على الاحتياط، والاستظهار.
ثم اللحظة التي يقع اليقين بها أو اليوم والليلة [على القول البعيد] (١) هل تكون محسوبة من العدة أم لا؟ ذكر العراقيون والقاضي وجهين أحدهما -[أنها ليست من العدة] (٢) وهو الأصح الذي لا يسوغ غيره؛ فإنه للتبين حتى نعلم أن الأقراء الثلاثة [انقضت، و] (٢) هي من العدة بمثابة استظهار الصائم بلحظة من أول الليل وآخره، وهو [كأخذ المتوضىء جز] ءاً من رأسه في محاولة استيعاب الوجه بالغَسْل.
والوجه الثاني - أنه من العدة؛ فإنـ[ـه يجب فيه] (٢) الاحتباس؛ لأنه لا بد منه، وهي فيما نسميه طعناً في الحيضة الأخيرة [محتسبة في غير] (٢) هذا الوجه، وقد قضَّيت العجبَ من حكاية القاضي له.
٩٧٧٣ - ومما نذكره في اختتام هذا الفصل أن المرأة إذا ادعت انقضاء العدة في مدة لا يحتمل انقضاءُ العدة في مثلها، فلا شك أنا لا نصدقها؛ فإنها ليست تدعي أمراً ممكناً على قاعدة الشرع، فإذا مضى من وقت دعواها زمانٌ يمكن انقضاء العدة الآن [بجَمْع] (٣) ما تقدم وما تأخر، فهل تصدق والحالة هذه؟
تفصيل المذهب فيه: أنها إن كذّبت نفسها فيما قدمته من دعوى الانقضاء،
стр. 7765
وقالت: الآن انقضت عدتي؛ فإنها تصدق، ويقبل قولها، ولو أصرت على دعواها الأولى، فهل يحكم بانقضاء عدتها إذا انضم إلى الزمن الأول من الزمان ما يظهر الاحتمال فيه؟ فعلى وجهين ذكرهما القاضي: أحدهما - أنه لا يحكم بانقضاء العدة؛ فإنها ليست تدعي الانقضاء على حسب ما يُرى التصديق فيه، وما ادعته باطل، لا سبيل إلى التصديق فيه، وهذا صححه القاضي.
والوجه الثاني - أنها تصدق؛ فإن إصرارها على ادعاء الخلو عن العدة بمثابة تجديد ادعاء الانقضاء، وربما كان يقطع شيخي بهذا ولا يذكر غيره، والأقيس ما ذكر القاضي (١).
ولكن في هذا الوجه غائلة، وهي أنها لو أصرّت على دعواها الأولى إصرار من لا ينزل عن سابق قوله، فلا موقف والحالةُ هذه يُنتهى إليه ويُحكم إذ ذاك بانقضاء العدة، وهذا بعيدٌ إذا لم يكن قد تباعدت حيضتها، فلا وجه إلا تنزيل قولها على أقل مراتب الإمكان.
وما ذكرناه يناظر مسألةً في تكذيب المخروص عليه الخارصَ على قولنا: الخرصُ حكم، فإذا ادعى المخروص على الخارص غلطاً فاحشاً يندُر وقوعُ مثله للخبير بالغرض، فهذا غير مقبول منه، ولكن إذا ردَّ قولَه فيما لا يمكن، هل يقبلُ في القدر الممكن؟
فيه اختلافٌ، والأوضح قَبُول قول المخروص عليه في القدر الذي لو لم يدع غيره، لقُبل، والخلاف وإن جرى في المسألتين، فالأصح في مسألة الخرص التصديقُ في القدر الممكن؛ لأن [عين] (٢) دعواه تشتمل على القليل والكثير، فلا يبعد
стр. 7766
أن يُردّ في مقدارٍ ويقبلَ في مقدار، وهذا لا يتحقق في التي ادّعت انقضاء العدة لزمانٍ لا يحتمل؛ فإن دعواها لا تشتمل على ما ذكَرتْ وعلى ما بعده.
فصل
قال: " فأقل ما علمناه من الحيض يوم ... إلى آخره " (١).
٩٧٧٤ - تعرض الشافعي لأقل الحيض وأكثره، وأقل الطهر، وقد أجرينا فصولَ الحيض في كتابه، على نسقٍ لا نرى عليه مزيداً، فلم نغادر -فيما نظن- لطالبٍ مطلباً، فلتُطْلب هذه الأصول من كتابها.
٩٧٧٥ - ثم قال: " ولو طبق بها الدم ... إلى آخره " (٢).
وهذا خوض منه في أحكام الاستحاضة، فلا مطمع للخوض فيها، وقد جرى على بيانٍ شافٍ.
والذي يتعلق بأمر العدة من جملة تلك الأحكام [أحكامُ] (٣) الناسية، وتفصيل القول في أن عدتها بماذا تنقضي؟ فإن جعلنا الناسيةَ في أحكامها كالمبتدأة، فهي في عدتها كالمبتدأة، وإن أمرناها بالاحتياط في عباداتها ووجوب اجتنابها، كما تفصّل في موضعه، فالذي ذهب إليه الأئمة أنها مردودة في عدّتها إلى الأهلّة [والدم دائم] (٤) عليها؛ فإن الغالب أنه لا يخلو شهر عن حيض وطهر، سيّما إذا كانت ترى الدم المستمر.
ثم الذي نقله المزني أنه إذا أهل الهلال الرابع، فقد انقضت عدتها.
ونقل الربيع إذا أهل الهلال الثالث، فقد انقضت عدتها.
فمن أصحابنا من قال صورة نَقْل المزني إذا كان قد طلقها والباقي من الشهر خمسةَ
стр. 7767
عشرَ يوماً، أو أقلُّ، فلا يحسب ذلك قرءاً لاحتمال أنَّ كله حيض، فإذا أهلّ الهلال، ومضى هلالان بعده، وأهلَّ الرابعُ، حكمنا بانقضاء العدة، فتتربص بقية الشهر في الصورة التي ذكرناها، وثلاثةَ أشهر بعدها، ويقع الحكم بانقضاء العدة عند استهلال الرابع.
وهذا القائل يقول: صورة ما نقل الربيع: إذا كان الباقي من الشهر بعد وقوع الطلاق أكثرَ من خمسةَ عشرَ؛ فإنا نحسب تلك البقية؛ لأنا نقطع بأن فيه جزءاً من الطهر، فهذا مسلك الأصحاب.
٩٧٧٦ - [وهناك] (١) من قال: يحسب بقية الشهر قرءاً، وإن كان أقلَّ من خمسةَ عشرَ؛ لأن الغالب أن طهر المرأة يقع في آخر الشهر. وهذا هذيان عظيم.
ويمكن ذلك بتلفيقٍ في الكلام أحسن من هذا.
ثم هذا القائل زعم أن الشافعي فيما نقله المزني [عدّ] (٢) الشهر الذي وقع الطلاق فيه، وقدّر كأنا استهللنا هذا الهلال التفاتاً إلى الاستهلال الواقع قبل الطلاق، ثم نحسبُ هذا وشهرين بعده، فيقع الاستهلال بعد ذلك رابعاً، وفي رواية الربيع لم يعتبره من طريق الشهر الذي وقع الطلاق فيه، واعتبر شهرين بعد ذلك، وعبّر عن الاستهلال الثالث؛ فآل الاختلاف إلى العبارة، وللعبارتين وجهان سائغان.
وهذا يناظر اختلاف النص في ضبط مسافة السفر الطويل، قال الشافعي في موضع: ثمانيةٌ وأربعون ميلاً، وقال في موضع: ستةٌ وأربعون ميلاً، فحيث ذكر الثمانية عدّد الميلَ الذي هو المبدأ والميلَ الذي إليه الانتهاء وحيث ذكر الستة، لم يعتبر ميلين: المبدأ والمنتهى، واعتبر ما بينهما، والأمر في ذلك قريب.
والذي تحصَّل لنا فيه الاختلاف في أن البقيةَ بعد وقوع الطلاق إن كانت أقلَّ من خمسةَ عشرَ، فهل يقع الاعتداد به قرءاً، وفيه ما قدمناه.
وقد نجز ما اختاره أئمة المذهب.
стр. 7768
٩٧٧٧ - وقد يدور في نفس الفقيه أنا إذا تناهينا في التغليظ على الناسية في عبادتها وتحريم الزوج عليها معظمَ عمرها، فليس يليق بهذا التشديدِ أن نتساهل في أمر العدة، حتى ننتهي إلى اعتبار الأهلة والأشهر، وليست هي من اللائي يئسن من المحيض، ولا من اللائي لم يحضن؟
ذكر صاحب التقريب أن من أصحابنا من [احتاطَ] (١) في عدة الناسية على قول الاحتياط، كما يحتاط في سائر أحكامها، ثم سبيل الاحتياط والتغليظ أن يقدِّر جميعَ ما تراه دمَ استحاضة، ويقدرَ كان الحيضة قد تباعدت، ثم القول في أن المرأة إذا تباعدت حيضتُها إلى ماذا تُردّ مذكورٌ بين أيدينا، فقد نقول: تصبر إلى سن اليأس في قولٍ، وقد نأمرها أن تتربص تسعةَ أشهر، أو أربعَ سنين على ما سنذكر ذلك على أثر هذا.
وهذا الذي ذكره حسن منقاس.
٩٧٧٨ - والذي يجب إنعام النظر [فيه] (٢) طلبُ ما رغَّبَ الأصحابَ عن هذا، وذكرُ السبب الذي منعهم عن رعاية هذا الضرب من الاحتياط، ولا يمكن حمل ما نطلبه على امتناعهم عن التناهي في التشديد؛ فإنهم [شدّدوا] (٣) من وجوهٍ.
فالوجه أن الدم [إن] (٤) تمادى إلى سن اليأس واستمر بعده، فالاحتياطات المتعلقة بالحيض والطهر لا تنقطع (٥) على قول الاحتياط، وأقصى ما يفرض في العدة انتظارُ سن اليأس، وهذا مضطرب مع اطراد الدم، وما ذكره صاحب التقريب مع هذا قائم من وجهين: أحدهما - أنا قد نأمل انقطاع هذا على سن اليأس.
والوجه الأصح- ألا نبالي باستمرار الاحتياط في العدة، والذي يحقق هذا أن
стр. 7769
مصيرها إلى سن اليأس في أقصى نساء العالم لا يغير الاحتياط، وكان لا يبعد عندي أن يتمسك متمسك بهذا؛ فإن سبب الاحتياط في الناسية أنا لا نجد متمسكاً. فالعلم عند الله.
وقد يجوز أن يقال: لو تمادت العدة على ما وصفنا، لعظمت المؤنةُ في السكنى إن كانت بائنة، وهذا يدخل عليه تباعد الحيضة، وكان يليق بتضييق الاحتياط ألاّ تستحق السكنى؛ فإنها مخاطبة بما عليها، وهذا لا بد من إجالة الفكر فيه على الوجه الذي حكاه صاحب التقريب، وفيه احتمال بيّن، والعلم عند الله.
وقد ينقدح هذا الاحتمال إذا جرينا على ظاهر المذهب، وقلنا: إنها تعتد بالأهلة.
[وإذا] (١) قال قائل: لا يمتنع انقضاء عدتها بأقل من ذلك، فلا تثبتوا لها حقَّ السكنى على الزوج إلا في أقل مدة يفرض انقضاء العدة [فيها] (٢).
قلنا: هذا لا قائل به، والأهلّة في حق الناسية أصلٌ معتبر في العدة، يُرجع إليه [في] (٣) جميع قضايا العدة، وعلى هذا يثبت للزوج حقُّ الرجعة في جميع الأهلة المعتبرة؛ فإنا اعتقدنا هذا أصلاً غير مبنيٍّ على الاحتياط، والأهلة في حقها كالأهلة في حق الصغيرة والآيسة، فهذا هو الذي رأينا ذكره من أحكام المستحاضات وما عداه مما اشتمل (سواد المختصر) (٤) عليه كلِّه مستقصىً في كتاب الحيض.
٩٧٧٩ - ثم ذكَرَ التلفيق (٥) وهو باب كبير من أبواب الحيض، وحظّ العدة منه لائح، فإذا كانت ترى يوماًً دماً ويوماً نقاءً، وفرعنا على أنها في أيام النقاء طاهرة، فلا
стр. 7770
يقع الاكتفاء بعددٍ من نُوب النقاء؛ فإن الطهر الواحد ينقطع على الحيض، والحيض ينقطع على الطهر، فإن انضبط لنا مقدار الحيض والطهر في تفاصيلِ المستحاضات، فهي مردودة في العدة إلى ما يتقدر من ذلك، وإن كانت ناسية، فليس يتبين لحيضتها ولا لطهرها مقدارٌ، وترد إلى أحكام [الناسية في عدتها] (١)، ومثل هذا مما يُستأنى به في هذه المنازل.
فصل
قال: " ولو تباعد حيضها، فهي من أهل الحيض ... إلى آخره " (٢).
٩٧٨٠ - الصغيرة عدتها بالأشهر، فلو بلغت بالسن ولم تر دماً؛ فإنها تعتد بالأشهر أيضاً باتفاق العلماء وإن بلغت سنَّ إمكان الحيض وجاوزته، فالتعويل في ذلك على نص القرآن قال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] وهذه من اللائي لم يحضن، وليس في القرآن تعرض للبلوغ في الاعتداد بالأشهر.
ولو رأت الدم بعدما اعتدت بثلاثة أشهر، فلا حكم لما رأت، وقد جرى الحكمُ بانقضاء العدة، وإذا كان هذا قولَنا فيها، فهو إذا رأت الدّم بعد العدة قبل النكاح، فما يُظن بها إذا اعتدت بالأشهر، ونكحت، ثم رأت الدم؟ فلا حكم للدم، وما قضينا به من انقضاء العدة لا ينقضه.
٩٧٨١ - فأما التي حاضت ولو مرة، ثم ارتفعت حيضتها، فبماذا تعتد إذا طُلّقت، وإلامَ ترد؟ لا يخلو ارتفاع الحيضة إما أن يكون لعلةٍ معلومة، وإما ألاّ يعرفَ له سبب وعلةٌ ظاهرة، فإن كان الارتفاع لعذرٍ من مرض، أو رضاعٍ، أو داء بباطنها، فإذا طلقت، فلا بد من انتظار الحيض؛ فإن ارتفاعه معلَّقٌ بسببٍ وعلة، وهي مُرتَقبةُ الزوال.
стр. 7771
فإذا كنا نتوهم عَوْد الحيض بزوال العلة، فلا وجه إلا انتظار ذلك، فإن تمادى الانتظارُ حتى انتهت إلى سن اليأس، فتعتد إذ ذاك بالأشهر، وتندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] الآية.
٩٧٨٢ - وإن ارتفعت حيضتها من غير سبب وعلة ظاهرة؛ فللشافعي ثلاثة أقاويل في اعتدادها: قولان في القديم، وقول في الجديد ونجمع الأقاويل: أولاً قولان: أحدهما - وهو المنصوص عليه في الجديد أنها تنتظر سن اليأس، ثم تعتد إذا انتهت إليه بثلاثة أشهر.
والقول الثاني - أنها لا تنتظر سن اليأس، وعلى هذا القول قولان منصوصان في القديم: أحدهما - أنها تتربص تسعة أشهر، ثم تعتد بثلاثة أشهر ثم تنكِح، وروي مثل ذلك عن عمر (١): " قضى به في التي ارتفعت حيضتها "، وقلّده الشافعي في القديم، وكان يرى إذ ذاك تقليدَ أئمة الصحابة، وقال في القديم في توجيه ذلك: أمير المؤمنين قضى به بين يدي المهاجرين والأنصار، ولم ينكر عليه أحد، وأشار أيضاً إلى أن الحمل في الغالب لا يمكث في البطن أكثرَ من تسعةِ أشهر، فوقع الاكتفاء بذلك في الاستظهار.
والقول الثاني - أنها تتربص أربعَ سنين، ثم تعتد بثلاثة أشهر، وتنكِح؛ إذ الحمل قد يمكث في البطن أربع سنين، فبلّغنا أمد الاستظهار مبلغاً يفيدُنا يقينَ البراءة، ثم لا بد من العدّة بعد ذلك تعبداً، فتتربص ثلاثة أشهر.
ثم أنكر الشافعي في القديم على القولين الردَّ إلى سن اليأس لما فيه من المضرّة العظيمة واستمرار الأَيْمة (٢) في معظم العمر، ثم إذا بلغت سنَّ اليأس، تقاعدت الرغبات عنها، ويعظم الضرر على الزوج من مؤونة العدة.
стр. 7772
والقول الثالث (١) المنصوص عليه في الجديد- أنها تنتظر سنَّ اليأس، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] الآية. ثم قال: ليست هذه من اللائي يئسن، ولا من اللائي لم يحضن، فلا بد فيها من انتظار الحيض، فإن عاد، فذاك، وإن لم يعد، اندرجت -إذا بلغت سن اليأس- تحت قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾.
ثم استأنس بمذهب عبد الله بن مسعود فيما روي أن أبا الأحوص طلّق امرأته وهي من ذوات الأقراء، فارتفعت حيضتها، قال عبد الله بن مسعود (٢): "أبقى الله الميراث بينكما، لا تنقضي عدتها حتى تحيض أو تأيس" وطلق حَبّانُ بنُ منقذ امرأته، وكانت من ذوات الأقراء، وكانت تُرضع ولده، فارتفع حيضتها تسعةَ عشرَ شهراً، فمرض حَبّان، فخاف أن يموت، فترثه، فسأل، فقال عثمان لعلي وزيد ﵃: ما تريان فيهما؟ فقالا: نرى أنها لو ماتت ورثها ولو مات ورثته؛ فإنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض، ولا من اللائي لم يحضن، قال علي: هي على عدة حيضها، فرجع حَبّان إلى الدار وانتزع الولد منها [ففقدت] (٣) الرضاع، وحاضت، فلما مضى بها حيضتان مات حَبان فورثته (٤).
فإن قيل: القصة في انقطاع الحيضة لعلةٍ، وإن كان كذلك، فلا خلاف. قلنا: الحجة في قولهما وتعليلهما، لا في حال المرأة، وقد دل قولُهما على أن المعتبر الحيض إذا لم تكن من اللائي لم يحضن.
ومعتمد هذا القول من جهة المعنى أن العدة مبتنيةٌ على التعبد، ولا يختلف الأمر فيها باستيقان براءة الرحم وعدمِ الاستيقان، فلولا أن عدة الفراق في الحياة يختص وجوبها بالممسوسات، لحسُن إطلاقُ القول بأن العدة مبنية على التعبد المحض، فإذا
стр. 7773
كان ذلك كذلك، فلا وجه فيها إلا الاتباعُ، وقد أوضحنا أن فحوى القرآن يقتضي في هذه الآية ألاّ يكتفى بالأشهر، فإذا سَلّم من يخالف في ذلك انقطاعَ الحيض بعلّة، فكل شابّة ترتفع حيضتها لا ترتفع إلا بعلة؛ فإنها بخروجها عن [اعتدال] (١) البِنْية تتقاعد (٢).
ولما لم يكن استئخار الحيض عن البلوغ معتبراً، وكانت ملتحقة بالصبيّة، لم يفرق بين أن يكون ذلك لعلة ظاهرة وبين أن يكون لأمرٍ خافٍ، تعويلاً على قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].
٩٧٨٣ - هذا بيان الأقوال في الأصل، ونحن نفرع عليها، فنقول: إن رأينا أن نأمرها بالتربص تسعة أشهر والاعتدادِ بعدها بثلاثة أشهر، فلو أنها رأت الدمَ في خلال مدة التربص بالأشهر التسعة، فإنها تنتقل إلى الأقراء؛ فإن هذه المدة ضربت لانتظار الحيض، فإذا عاد، فهو المقصود، ثم إن استمرت الأقراء بها، فذاك، وإن انقطعت، وارتفع الحيض، فقد أجمع المفرعون على أنا نأمرها بأن تستفتح التربصَ تسعةَ أشهر أخرى، ثم تعتد بعد هذه التسعة الأشهر بثلاثة أشهر؛ وسبب ذلك أن الأشهر التسعة مقصودُها طلبُ الحيض؛ فإذا رأت الدم، فهو الأصل، فإذا ارتفع، احتجنا بعده إلى طلبٍ جديد، وانتظارٍ مبتدأ، هذا إذا رأت الدمَ في أثناء التسعة الأشهر.
فأما إذا انقضت التسعةُ، وشرعت في الاعتداد بالأشهر، فمضى شهر مثلاً، فرأت الدم، ردّت إلى الدم، فإن استمرت الأقراء، فذاك، وإن ارتفع الحيض أطلق المفرعون إيجاب التربّص على الابتداء تسعةَ أشهر، لِما بنينا عليه الكلامَ من أن الحيض مطلوبٌ، وسبيل طلبه وانتظارِه في هذا القول ما ذكرناه.
وهذا ينتظم بسؤال وجواب عنه: فإن قيل كانت التسعةُ الأشهر لاستفادة غلبة الظن في براءة الرحم؛ فإنّ الحمل لو كان، لظهر في هذه المدة، فإذا حاضت، فالعود إلى
стр. 7774
التسعة الأشهر لا معنى له؛ فإن الحيضة التي انقضت لم تخرِم ظننا ببراءة الرحم، بل أكدّته؟ قلنا: هذا لا سبيل إليه؛ فإن العدة تجب مع القطع ببراءة الرحم، كما ذكرناه، فلا وجه للتعلق به، وإنما اعتمد الشافعي ﵁ لهذا القول قضاء عمر. فإن ذكر ذاكر معنى طلب [البراءة] (١) فهو ترجيح [لا يعتمد إلا على خياله] (٢) والذي يحقق ذلك أن الحيض إذا طرأ، ثم ارتفع، فليس لارتفاعه منتهى نتخذه موقفنا، ولا بد من الانتظار، فلا وجه إلا التعلق بالمدّة التي جرى القضاء بها.
ثم إذا تربصت بعد أن رأت الحيض في أشهر العدة تسعةَ أشهر، فلم يعاود الدمُ، فنأمرها بالبناء على ما كان مضى من العدة أم نأمرها باستئناف العدة بالأشهر؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أنا نأمرها بالاستئناف، كما أمرناها باستئناف عدة التربص؛ فإن العدة قد تقطعت، وطرأ عليها ما هو أولى بالاعتبار؛ فالوجه الاستئناف.
والوجه الثاني - أنا نأمرها بالبناء على ما مضى، والفرق بين العدة وبين مدة التربص أن المدة التي شرعت للانتظار والتربصِ تنقطع بطريان الحيض، ويليق بهذا المنتهى افتتاح انتظار، والعدة لم تثبت لانتظارٍ.
والأوجه عندنا الأمرُ باستئناف العدة؛ لأن العدة وقعت بعد مدة الانتظار، وقد وقع الشهر قبل تمام الانتظار، إلا أنها عادت إلى مدة التربص، فالوجه أن أتقع العدةُ [كلُّها] (٣) بعد نجاز التربص.
التفريع:
٩٧٨٤ - إن حكمنا بأنها تستأنف، فلا كلام.
وإن حكمنا بأنها تبني، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين في كليفية البناء: أحدهما - وهو المشهور أنها تبني باعتبار حساب الشهور، فإن كان مضى شهر، تربصت شهرين تكملةَ الثلاثة الأشهر، وإن كانت -قبل طريان الحيض- تربصت ثلاثة أشهر
стр. 7775
إلا يوماًً، فتكتفي بالتربص يوماً واحداً، هذا معنى البناء.
والوجه الثاني - أنا نعتد بما مضى قرءاً، إن كانت رأت الدم مرة، ثم نقول: إذا تباعد الحيض، فعليها قرءان، فإذا عدمتهما، أتت ببدل قرأين وهو شهران، وعلى هذا لو رأت الدم في اليوم الأخير من الثلاثةِ الأشهر، فإذا تباعد الحيض، اعتدّت بشهرين، وكذلك لو رأت الحيضَ في اليوم الأول.
وهذا بعيد لا تعويل عليه؛ فإن حاصله تحصيل العدة ملفقة من الأصل والبدل، ونحن لا نرى التلفيق من أصول، فكيف الظن بالتلفيق من أصلٍ وبدل.
وبيانه أن من لزمته كفارة اليمين وكسا خمسةً وأطعم خمسةً، لم يبرأ عن الكفارة، والإطعامُ والكسوةُ أصلان متعارضان.
وقد ذكرنا حالتين في طريان (١) الحيض: إحداهما - فيه إذا طرى في التسعة الأشهر، وهي مدة التربص، والثانية إذا طرأ بعد الاشتغال بالعدة، فأما إذا طرأ