← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

فإذا كنا نتوهم عَوْد الحيض بزوال العلة، فلا وجه إلا انتظار ذلك، فإن تمادى الانتظارُ حتى انتهت إلى سن اليأس، فتعتد إذ ذاك بالأشهر، وتندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] الآية. ٩٧٨٢ - وإن ارتفعت حيضتها من غير سبب وعلة ظاهرة؛ فللشافعي ثلاثة أقاويل في اعتدادها: قولان في القديم، وقول في الجديد ونجمع الأقاويل: أولاً قولان: أحدهما - وهو المنصوص عليه في الجديد أنها تنتظر سن اليأس، ثم تعتد إذا انتهت إليه بثلاثة أشهر. والقول الثاني - أنها لا تنتظر سن اليأس، وعلى هذا القول قولان منصوصان في القديم: أحدهما - أنها تتربص تسعة أشهر، ثم تعتد بثلاثة أشهر ثم تنكِح، وروي مثل ذلك عن عمر (١): " قضى به في التي ارتفعت حيضتها "، وقلّده الشافعي في القديم، وكان يرى إذ ذاك تقليدَ أئمة الصحابة، وقال في القديم في توجيه ذلك: أمير المؤمنين قضى به بين يدي المهاجرين والأنصار، ولم ينكر عليه أحد، وأشار أيضاً إلى أن الحمل في الغالب لا يمكث في البطن أكثرَ من تسعةِ أشهر، فوقع الاكتفاء بذلك في الاستظهار. والقول الثاني - أنها تتربص أربعَ سنين، ثم تعتد بثلاثة أشهر، وتنكِح؛ إذ الحمل قد يمكث في البطن أربع سنين، فبلّغنا أمد الاستظهار مبلغاً يفيدُنا يقينَ البراءة، ثم لا بد من العدّة بعد ذلك تعبداً، فتتربص ثلاثة أشهر. ثم أنكر الشافعي في القديم على القولين الردَّ إلى سن اليأس لما فيه من المضرّة العظيمة واستمرار الأَيْمة (٢) في معظم العمر، ثم إذا بلغت سنَّ اليأس، تقاعدت الرغبات عنها، ويعظم الضرر على الزوج من مؤونة العدة.

стр. 7772

والقول الثالث (١) المنصوص عليه في الجديد- أنها تنتظر سنَّ اليأس، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] الآية. ثم قال: ليست هذه من اللائي يئسن، ولا من اللائي لم يحضن، فلا بد فيها من انتظار الحيض، فإن عاد، فذاك، وإن لم يعد، اندرجت -إذا بلغت سن اليأس- تحت قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾. ثم استأنس بمذهب عبد الله بن مسعود فيما روي أن أبا الأحوص طلّق امرأته وهي من ذوات الأقراء، فارتفعت حيضتها، قال عبد الله بن مسعود (٢): "أبقى الله الميراث بينكما، لا تنقضي عدتها حتى تحيض أو تأيس" وطلق حَبّانُ بنُ منقذ امرأته، وكانت من ذوات الأقراء، وكانت تُرضع ولده، فارتفع حيضتها تسعةَ عشرَ شهراً، فمرض حَبّان، فخاف أن يموت، فترثه، فسأل، فقال عثمان لعلي وزيد ﵃: ما تريان فيهما؟ فقالا: نرى أنها لو ماتت ورثها ولو مات ورثته؛ فإنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض، ولا من اللائي لم يحضن، قال علي: هي على عدة حيضها، فرجع حَبّان إلى الدار وانتزع الولد منها [ففقدت] (٣) الرضاع، وحاضت، فلما مضى بها حيضتان مات حَبان فورثته (٤). فإن قيل: القصة في انقطاع الحيضة لعلةٍ، وإن كان كذلك، فلا خلاف. قلنا: الحجة في قولهما وتعليلهما، لا في حال المرأة، وقد دل قولُهما على أن المعتبر الحيض إذا لم تكن من اللائي لم يحضن. ومعتمد هذا القول من جهة المعنى أن العدة مبتنيةٌ على التعبد، ولا يختلف الأمر فيها باستيقان براءة الرحم وعدمِ الاستيقان، فلولا أن عدة الفراق في الحياة يختص وجوبها بالممسوسات، لحسُن إطلاقُ القول بأن العدة مبنية على التعبد المحض، فإذا

стр. 7773

كان ذلك كذلك، فلا وجه فيها إلا الاتباعُ، وقد أوضحنا أن فحوى القرآن يقتضي في هذه الآية ألاّ يكتفى بالأشهر، فإذا سَلّم من يخالف في ذلك انقطاعَ الحيض بعلّة، فكل شابّة ترتفع حيضتها لا ترتفع إلا بعلة؛ فإنها بخروجها عن [اعتدال] (١) البِنْية تتقاعد (٢). ولما لم يكن استئخار الحيض عن البلوغ معتبراً، وكانت ملتحقة بالصبيّة، لم يفرق بين أن يكون ذلك لعلة ظاهرة وبين أن يكون لأمرٍ خافٍ، تعويلاً على قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. ٩٧٨٣ - هذا بيان الأقوال في الأصل، ونحن نفرع عليها، فنقول: إن رأينا أن نأمرها بالتربص تسعة أشهر والاعتدادِ بعدها بثلاثة أشهر، فلو أنها رأت الدمَ في خلال مدة التربص بالأشهر التسعة، فإنها تنتقل إلى الأقراء؛ فإن هذه المدة ضربت لانتظار الحيض، فإذا عاد، فهو المقصود، ثم إن استمرت الأقراء بها، فذاك، وإن انقطعت، وارتفع الحيض، فقد أجمع المفرعون على أنا نأمرها بأن تستفتح التربصَ تسعةَ أشهر أخرى، ثم تعتد بعد هذه التسعة الأشهر بثلاثة أشهر؛ وسبب ذلك أن الأشهر التسعة مقصودُها طلبُ الحيض؛ فإذا رأت الدم، فهو الأصل، فإذا ارتفع، احتجنا بعده إلى طلبٍ جديد، وانتظارٍ مبتدأ، هذا إذا رأت الدمَ في أثناء التسعة الأشهر. فأما إذا انقضت التسعةُ، وشرعت في الاعتداد بالأشهر، فمضى شهر مثلاً، فرأت الدم، ردّت إلى الدم، فإن استمرت الأقراء، فذاك، وإن ارتفع الحيض أطلق المفرعون إيجاب التربّص على الابتداء تسعةَ أشهر، لِما بنينا عليه الكلامَ من أن الحيض مطلوبٌ، وسبيل طلبه وانتظارِه في هذا القول ما ذكرناه. وهذا ينتظم بسؤال وجواب عنه: فإن قيل كانت التسعةُ الأشهر لاستفادة غلبة الظن في براءة الرحم؛ فإنّ الحمل لو كان، لظهر في هذه المدة، فإذا حاضت، فالعود إلى

стр. 7774

التسعة الأشهر لا معنى له؛ فإن الحيضة التي انقضت لم تخرِم ظننا ببراءة الرحم، بل أكدّته؟ قلنا: هذا لا سبيل إليه؛ فإن العدة تجب مع القطع ببراءة الرحم، كما ذكرناه، فلا وجه للتعلق به، وإنما اعتمد الشافعي ﵁ لهذا القول قضاء عمر. فإن ذكر ذاكر معنى طلب [البراءة] (١) فهو ترجيح [لا يعتمد إلا على خياله] (٢) والذي يحقق ذلك أن الحيض إذا طرأ، ثم ارتفع، فليس لارتفاعه منتهى نتخذه موقفنا، ولا بد من الانتظار، فلا وجه إلا التعلق بالمدّة التي جرى القضاء بها. ثم إذا تربصت بعد أن رأت الحيض في أشهر العدة تسعةَ أشهر، فلم يعاود الدمُ، فنأمرها بالبناء على ما كان مضى من العدة أم نأمرها باستئناف العدة بالأشهر؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أنا نأمرها بالاستئناف، كما أمرناها باستئناف عدة التربص؛ فإن العدة قد تقطعت، وطرأ عليها ما هو أولى بالاعتبار؛ فالوجه الاستئناف. والوجه الثاني - أنا نأمرها بالبناء على ما مضى، والفرق بين العدة وبين مدة التربص أن المدة التي شرعت للانتظار والتربصِ تنقطع بطريان الحيض، ويليق بهذا المنتهى افتتاح انتظار، والعدة لم تثبت لانتظارٍ. والأوجه عندنا الأمرُ باستئناف العدة؛ لأن العدة وقعت بعد مدة الانتظار، وقد وقع الشهر قبل تمام الانتظار، إلا أنها عادت إلى مدة التربص، فالوجه أن أتقع العدةُ [كلُّها] (٣) بعد نجاز التربص. التفريع: ٩٧٨٤ - إن حكمنا بأنها تستأنف، فلا كلام. وإن حكمنا بأنها تبني، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين في كليفية البناء: أحدهما - وهو المشهور أنها تبني باعتبار حساب الشهور، فإن كان مضى شهر، تربصت شهرين تكملةَ الثلاثة الأشهر، وإن كانت -قبل طريان الحيض- تربصت ثلاثة أشهر

стр. 7775

إلا يوماًً، فتكتفي بالتربص يوماً واحداً، هذا معنى البناء. والوجه الثاني - أنا نعتد بما مضى قرءاً، إن كانت رأت الدم مرة، ثم نقول: إذا تباعد الحيض، فعليها قرءان، فإذا عدمتهما، أتت ببدل قرأين وهو شهران، وعلى هذا لو رأت الدم في اليوم الأخير من الثلاثةِ الأشهر، فإذا تباعد الحيض، اعتدّت بشهرين، وكذلك لو رأت الحيضَ في اليوم الأول. وهذا بعيد لا تعويل عليه؛ فإن حاصله تحصيل العدة ملفقة من الأصل والبدل، ونحن لا نرى التلفيق من أصول، فكيف الظن بالتلفيق من أصلٍ وبدل. وبيانه أن من لزمته كفارة اليمين وكسا خمسةً وأطعم خمسةً، لم يبرأ عن الكفارة، والإطعامُ والكسوةُ أصلان متعارضان. وقد ذكرنا حالتين في طريان (١) الحيض: إحداهما - فيه إذا طرى في التسعة الأشهر، وهي مدة التربص، والثانية إذا طرأ بعد الاشتغال بالعدة، فأما إذا طرأ

стр. 7776

الحيض بعد انقضاء التربص والعدة، فقد قال الأئمة إن رأت الدم بعدما نكحت، فلا حكم للدم، ولا نُتْبع النكاحَ بالنقض، وإن رأت الدم بعد الأشهر والحكمِ بانقضاء العدة قبل النكاح، فهل نردها إلى اعتبار الدم؟ المنصوصُ عليه أنها مردودة إلى الدم، فإنا مهما (١) حكمنا بانقضاء العدة على الظاهر وأن الحيض قد انقطع انقطاعاً لا يعود، فإذا عاد، تبيّنا أن ما قدرناه عدة لم يكن عدة. وذكر الأصحاب قولاً آخر أن العدة قد انقضت، ولا حكم لرؤية الدم بعد ذلك، كما لو نكحت. هذا هو الترتيب الذي ارتضاه المحققون، وفيه شيء سنذكره من بعدُ. وكل ما فرعناه على قولنا: إنها مأمورة بالتربص تسعةَ أشهر يجري على قولنا بأنها تتربص أربعَ سنين، حتى لو فرض عودُ الدم في أثناء السنين، فالأمر باستفتاح السنين ابتداءً والقضاءُ بإبطال ما مضى على ما تقدم حرفاً حرفاً. وقد يطرأ في فكر الفطن شيء في هذا المقام، وهو أن التسعة الأشهر قد جرى بها قضاء عمر وليس في اعتبار أربع سنين قضاءٌ ولا فتوى، [وإنما قاله] (٢) الشافعي طلباً به للقطع ببراءة الرحم، فإذا طرأ الحيض، فأي معنى لإعادة السنين مرة أخرى؟ وهذا غير سديد، وإن كان مُخيلاً؛ فإن اعتبار [أربع] (٣) سنين لا يجوز حمله على طلب يقين البراءة؛ إذ لو كان محمولاً على ذلك، لما وجب اعتباره مع القطع ببراءة الرحم، ولكنَّ نظرَ الشافعيِّ يُحمل على تحويمٍ على مسالك التشبيه؛ إذ لو اتجه هذا السؤال في طلب اليقين، لاتجه مثله في طلب غالب الظن بالبراءة بانقضاء تسعة أشهر، فإذا نظمنا على ذلك القولَ [بالاستئناف] (٤)، فهو يجري على القول الآخر لا محالة. ٩٧٨٥ - فأما التفريع على القول الجديد، وهو أنها مردودة إلى سن اليأس، فاول

стр. 7777

ما نذكره التردُّدُ في سن اليأس، وقد ذكر المعتبرون من أئمة المذهب قولين: أحدهما - أنا نردها إلى أقصى سنٍّ في اليأس لامرأة في دهرها، فإنا إذا احتجنا إلى اعتبارها بغيرها، فليس بعض النساء أولى من بعض، وعلى هذا يستقيم طلب النهاية. والقول الثاني - أنها تعتبر بأقصى سنٍّ في قرابتها وعشيرتها، ولا يُخصَّص بذلك جانبُ الأب عن جانب الأم، بل نعتبرهما، وليس هذا كمهر المثل؛ فإنا نعتبر فيه النساء من جانب قرابة الأب؛ إذ الركن الأولى بالاعتبار في مهر المثل النسب، وجانب الأب يختص بالنسب، وإنما تأكد أمر النسب لمكان الكفاءة، وعمادها الأظهر النسب. وذكر بعض المصنفين وجهين آخرين سوى ما ذكرناه: أحدهما - أنا نعتبر أقصى امرأة في بلدتها. والثاني - أنا نعتبر أقصى سن اليأس في نساء عصبتها، كمهر المثل، وهذان الوجهان ضعيفان، أما اعتبار البلدة، فلعله مأخوذ من تأثير الهواء والبقاع والأصقاع في الخِلَق الكلّيّة، كما أنها تؤثر في قِصَر الأعمار وطولها، وفي الألوان وغيرها، ثم لعلّ المرعيَّ فيه الصُّقع والناحية ولا يختص بالبلد، ويُقرِّب [اعتبارَه] (١) ظهورُ اختلاف الأهوية والعلم عند الله فيه، فلا نُمعِنُ الفكر فيما لا أصل له. وأما اعتبار نساء العصبات فلا أصل له. وقد يُعترض على قولنا باعتبار أقصى نساء العالم إشكالٌ؛ من جهة أن ذلك لا يمكن ضبطه، مع اتساع رُقعة الدنيا، والممكنُ في الجواب عن ذلك [أنا لا يمكن أن نكلّف طَوْف العالم والفحص عن سكانه، وإنما المراد ما يبلغ خبرُه ويعرَف] (٢)

стр. 7778

أمكن القضاء به على خِطّة الدنيا، وليس الغرض إلا التعلقَ بمُدرَكٍ من الظن. هذا قولنا في سن اليأس. ٩٧٨٦ - فإن قيل: أيليق بمحاسن الشريعة حبس هذه وضَرْبُ الأَيْمة عليها ما عُمِّرت؟ قلنا: الأصل المرعيُّ في هذا أن ما يعمُّ الابتلاء به لا يبنى إلا على السهل السمح، والأصول لا تُنقض بالشاذ النادر، وتباعدُ الحيض ليس مما يعم، فإن تمسكنا فيه بطرد أصلٍ لم نُبعد؛ سيّما وقد وجدنا في غير ما نحن فيه الوفاقَ إلى الرد إلى اليأس فيه إذا انقطع الحيض، بعلّةٍ ظاهرة، كيف [ولا] (١) ينقطع الحيض إلا لعلة، وكما يرجى زوال العلة الظاهرة يرجى زوال العلة الخفيّة، ولعل ما يخفى أقربُ إلى الزوال؛ إذ لو كان أمراً متفاقماً، لظهر. وهذا يناظر بناءَنا القصاصَ على [الردع] (٢) ومصيرَنا إلى أن السبب في وجوبه عصمةُ الدماء، ولولا القصاص لأدى الأمر إلى الهَرْج (٣). ثم إذا قال القائل: من لا يمين (٤) له يقطع أيمان الناس، ولا قصاص عليه؟ قلنا: هذه صورة نادرة، والأصول لا تنقض بالصور النادرة، ومن الأصول أنه لا يقطع باليمين إلا اليمين (٥). ٩٧٨٧ - فإذا ردَدْناها إلى سن اليأس، كما ذكرنا، فتعتد بثلاثة أشهر، فلو رأت الدم، رُدّت إلى الدم، فإن ما تراه من بطنها على سن اليأس على ترتيب الحيض حيضٌ بلا خلاف، وإن بلغت السنَّ الأعلى -وليس كرؤية الدم على سن الصغر، كما تفصّل

стр. 7779

أقلُّ الأسنان في ذلك (١) -[فنتبين] (٢) أنها ليست آيسة (٣)، فماذا تفعل؟ فإن استمرت عليها الدماء (٤)، تخلت عن العدة، وتخلصنا عن تفريع أمرها. وإن تباعد الحيض (٥)، فما الطريق؟ وإلى متى الانتظار؟ لم أعثر في هذا المنتهى إلا على مسلكين أقْربُهما ما ذكره القاضي من أن الحيض بعد وقوعه إذا ارتفع، احتسبنا من وقت ارتفاعه ثلاثة أشهر، وقلنا: إنها خلت عن العدة، ثم قد [يتغير] (٦) هذا كما سنذكره، إن شاء الله، وإنما قلنا هذا، لأنا لا نجد مردّاً نستمسك به، فليس إلا اعتبار صورة العدة، وفي بعض التصانيف: أنا على هذا القول ننتظر الحيض تسعة أشهر: أغلب مدة الحمل، وهذا -وإن كانت الحاجة ماسةً إلى متعلق- لا أصل له، ولست [أدري] (٧) هل يُجري صاحبُ هذا القول الأربعَ سنين. ثم قال القاضي: إذا شرعت في الاعتداد بالأشهر، ورأت الدمَ، وبطل ما كان مرّ من الأشهر، فتستأنف ثلاثة أشهر، وجهاً واحداً، وقد ذكرنا وجهين في التفريع على أنها لا ترد إلى سن اليأس، بل تؤمر بأن تتربص إلى تسعة أشهر، أو أربع سنين، فإذا حاضت في الاعتداد بالأشهر بعد التسعة أو بعد الأربع، ثم رأت دماً، ثم تباعد، وأعادتْ مدةَ التربص، كما أوجبناه، فهل تبني على ما مضى من عدتها أم تستأنف؟ فإذا كنا نُفرِّع على أنها مردودة إلى سن اليأس، فإذا افتتحت الأشهر، ورأت الدم، ثم تباعد، استفتحت الأشهر ولم تَبْنِ وجهاً واحداً، هكذا ذكره القاضي، وفرّق بأنا على القولين القديمين لسنا نبغي قُرباً من اليقين، فضلاً عن اليقين؛ فإنا نكتفي بتربصٍ

стр. 7780

وأشهرٍ بعده، فإذا طرأ الحيض، ثم تباعد، لم نُبعد البناء على ما كان مضى من الأشهر. والمعتمد على القول الجديد الرد إلى سن اليأس، ووقوعُ الاعتداد بعدَه، وإذا رأت الدَم، ووقع الحكم بكونه حيضاً، فقد تحققنا أن تربصها في تلك الأيام من الأشهر، كان قبل سن اليأس، فلتقع عدة بالأشهر بعد اليأس، وهذا يوجب افتتاحَ العدة، وبطلانَ المصير إلى البناء. وهذا الفرق متجِه حسن. ٩٧٨٨ - ومما نفرعه على هذا القول، أنا لو رددناها إلى السن الذي ظنناه سن اليأس، واعتدت بثلاثة أشهر، ثم رأت الدم قبل النكاح، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنا نحكم بأن ما تقدم منها، لم يكن عدة، فننظر إلى الحيض، فإن استمر حتى انتظمت الأقراء، فهو المراد، وإن لم يستمر، افتتحت الاعتداد مرة أخرى؛ لأنا تبينا أن تلك الأشهر متقدمةً على اليأس. والقول الثاني - لا نحكم ببطلان العدة؛ لأن الحكم نفذ بكونها عدة، وسلّطناها على التزوج، تزوجت أم لم تتزوج، فلا نتتبع الحكم الذي تقدم بالنقض. هذا إذا رأت الدم بعد الأشهر الثلاثة وقبل النكاح. فأما إذا نكحت، ثم رأت الدم، ففي المسألة قولان مرتبان على القولين في الصورة الأولى، والفرق أنها اتصلت بحق الغير لما نكحت، فإن الزوج استحق في ظاهر الأمر منافعَ [بُضعها] (١)، فقطْعُ هذا الاستحقاق [بعيدٌ،] (٢) وإذا رأت الدم بعد الأشهر وقبل النكاح، فلم يتعلق بها استحقاق الغير. وإذا جمعنا المسألة الأولى إلى الثانية، وقلنا: إذا انقضت الأشهر، فرأت الدّم، ففي المسألة أقوال: أحدها - أنا نبطل العدة تبيُّناً سواء نكحت أو لم تنكح، ثم إذا أبطلنا العدة، وقد نكحت، فحكم بطلان العدة يقتضي لا محالة القضاءَ ببطلان النكاح.

стр. 7781

والقول الثالث (١) - أن نفصل بين أن ترى الدم بعد النكاح وبين أن تراه قبله، فإن رأته قبل النكاح، تبيّنا بطلانَ العدة، وإن رأته بعد النكاح، فلا أثر لما رأت، فإن قالوا: كيف يتجه قول من يقول: العدة لا تبطل، وقد بأن أنها مضت قبل سن اليأس؟ قلنا: هذا مبني على أنا لا نشترط استيقان اليأس، بل نكتفي بظهوره، وإذا ابتنى على ظهوره مضيُّ المدة المرعية في العدة، فلا يضر ما يطرأ من بعدُ، وإن كنا نتحقق بما ظهر أن الأمر على خلاف ما ظنناه، [وبنى] (٢) الأصحابُ هذا على قواعد تُبنى على اشتراط أمور، ثم إنها تظهر، ثم يتبين الأمر على خلاف المظنون، وهذا بمثابة قولنا: إن المعضوب الموسر إذا أحجَّ عن نفسه، وكان به عضب يبعُد زوالُه، فإذا حج النائب، ثم زال العضب، ففي وقوع الحج عن المستنيب قولان. ومما يقرُب من ذلك أن من رأى سواداً، فظنه عدوّاً وصلى صلاة الخوف، ثم تبين أن ما تخيله لم يكن عدواً، ففي صحة الصلاة خلاف مشهور، ويقرب من هذه الأصول أن بيع الرجل مال أبيه على ظن أنه حيٌّ، ثم تبين أنه كان مات، وانقلب المبيع ميراثاً للبائع، وصادف معه حصولُ الملك، فهذه القواعد متناظرة، فالخلاف فيها آيل إلى أنَّ الحكم فيها على قولٍ بموجب الحقيقة، ونحكم على قولٍ آخر بموجب الظاهر، وإذا أجرينا الحكم به، لم ننقضه، وإن كان الأمر بخلافه. ٩٧٨٩ - ومن تمام الكلام في المسألة أنا ذكرنا في التفريع على قولي القديم أنها إذا تربصت كما أمرناها، واعتدت بثلاثة أشهر، فلو رأت الدم، ففيه خلافٌ قدمناه، ولو نكحت، ثم رأت الدم، فالذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن رؤية الدم بعد النكاح لا أثر له تفريعاً على قولي القديم، وإنما الخلاف إذا رأت [الدمَ] (٣) قبل النكاح [وبعدَ] (٤) انقضاء الأشهر.

стр. 7782

والفرق بين القول الجديد والقديم في التفريع الذي أشرنا إليه أنا لم نَبْنِ قولي القديم إلا على ظهور أمرٍ، وهذا يتأكد بانقضاء العدة من غير دم، ولسنا نعتمد الغاية القصوى، ولهذا لا نردها إلى سن اليأس، فلم يَقْوَ إذاً الحكمُ بإبطال العدة إذا رأت الدمَ قبل النكاح، فإن نكحت واتصل أمرها بثالثٍ، بَعُد أن نَلتفت على الدم، وعلى قول اليأس إذا رأت الدمَ بعد النكاح، تبين أن اليأس لم يتحقق، وهذا يتضمن الحكم من طريق التبين [بإبطال ما] (١) مضى وانعدام ما كنا نظن. وفي بعض التصانيف ما يدل على إجراء خلاف إذا رأت الدّم بعد النكاح، وإن وقع التفريع على قولي التربص في العدة. وهذا فيه بُعْدٌ، والله أعلم بالصواب. وقد نجز القول في تباعد الحيض وما على المرأة فيه. فصل قال: " ولو مات صبيّ لا يجامِع مثلُه ... إلى آخره " (٢). ٩٧٩٠ - إذا مات الصبيّ الذي لا يولد له، فعدة امرأته بالأشهر والعشر، ولو كانت حاملاً، فوضعت الحملَ قبل انقضاء مدة العدة، لم تنقض العدة بوضع الحمل، خلافاًً لأبي حنيفة (٣)، ولا فرق بين أن تكون حاملاً من الزنا وبين أن تكون حاملاً بولدٍ من وطء شبهة، فإذا كان منتفياً قطعاً عن الزوج، فلا تنقضي بوضعه عدّتُه. وهذا يفرض ويصوّر في حالة الحياة، فإذا طلق الرجل زوجته، فأتت بولدٍ نعلم قطعاً أنه ليس من الزوج، فعدة الطلاق لا تنقضي به، وقد يفرض ارتفاع النكاح في حياة الزّوج بفسخٍ، والزوجُ صبيٌّ لا يتصور أن يولد له، وأبو حنيفة (٤) يخالف في عدة الفراق في الحياة وفي عدة الممات.

стр. 7783

ولو كان نَفَى الزوج الحملَ باللعان -على قولنا: الحمل يُنفى- ثم ولدت الملتعنةُ المنفيَّ، فالذي رأيته مقطوعاً به أن العدة تنقضي بوضعها الولدَ المنفىَّ؛ وذلك لأنا وإن حكمنا بانتفائه، فلسنا نقطع بذلك، فلا يبعد أن يكون الزوج كاذباً في النفي، والقولُ فيما يتعلق بانقضاء العدة قولُها، وهي تدعي أن ولدَ اللعان ولدُ الملاعِن، فإنه ظَلَم لمَّا نفاه، وهي مقبولة القول فيما يتعلق بأمر العدة. هذا ما رأيت الأصحاب مطبقين عليه. ٩٧٩١ - وقد يلتحق بهذا [الفصل] (١) مسألةٌ نرسُمها، ونذكر شرحَها بعد هذا في فصلٍ، فنقول: إذا قال الرجل لامرأته مهما (٢) ولدت ولداً، فأنت طالق، فإذا ولدت ولداً ولحقها الطلاق، ثم أتت بعد ذلك بولد لستة أشهر فصاعداً، فنعلم قطعاً أن الولد الثاني حصل العلوق [به] (٣) بعد البينونة، فإذا وضعت الولد الثاني، فهل نقول: تنقضي العدة بالولد الثاني؟ هذا هو الذي نرى أن نقتصر فيه على الوعد والإحالة، وهو قريب، [سنذكره] (٤) بعد هذا، إن شاء الله تعالى. ٩٧٩٢ - ثم ذكر الشافعي بعد هذا (٥) تفصيلَ القول في الخِصيّ، والمجبوب، والممسوح إذا طلقوا، فأتت نسوتُهم بأولاد، هل نحكم بانقضاء العدة؟ وهذا أمر قد قدمنا أصله في كتاب اللعان، والقولُ الجامع فيه أنا إن ألحقنا النسب، فإذا وضعت المرأة حملاً، انقضت العدة به، فإن نفاه باللعان، فلينتفِ، [ولم] (٦) يتغير أمر انقضاء العدة بسبب اللعان.

стр. 7784

فإن لم يلحق النسب ببعض هؤلاء، ولم نُحْوَج إلى اللعان، فإذا أتت المرأة بولد، لم تنقضِ العدة. ثم قال الشافعي: " وإذا أرادت الخروجَ، كان له منعها ... إلى آخره " (١). ٩٧٩٣ - هذا فصلٌ أورده المزني في غير موضعه، ومضمونُه طرفٌ من الكلام في سُكون المعتدة منزلَ النكاح، والقول في هذا يأتي في بابٍ، ولكنا نذكره هاهنا للجريان على ترتيب [السواد] (٢) مما يليق به، فنقول: إذا كانت المرأة في العدة وكانت تستحق السكنى على زوجها، فللزوج أن يُلزمها السكونَ مسكنَ النكاح، ويمنعَها أن تبرح إلى انقضاء العدة، وكذلك إذا أوجبنا للمعتدة عدة الوفاة السكنى في تركة الزوج، فالورثة يُلزِمون المرأةَ سكونَ مسكن النكاح. وإن حكمنا بأن السكنى لا تجب في عدة الوفاة، فلو تبرع الورثة بإسكانها وتقريرِها في مسكنِ النكاح، أو ببذل المؤنة إذا لم يكن للنكاح مسكن، فالذي ذكره القاضي وشيخي والأئمة: أنه يَلزمُها [ملازمةُ] (٣) المسكن، يعني مسكن النكاح، فإن لم يكن للنكاح مسكن لهم أن يُلزموها بأن تسكن مسكناً يعيّنوه. وهذا قد يعترض فيه سؤال، وهو أن قائلاً لو قال: إذا لم تملك المرأةُ مطالبةَ الزوج أو مطالبةَ الورثة، فكيف يمتلك هؤلاء مطالبتَها، والإنصافُ يقتضي التسويةَ بين الجانبين في حق الطلب؟ ولكن [لا معوّل] (٤) على هذا؛ وذلك أن العدة واجبةٌ عليها وجوباً لا نجد إلى درائه سبيلاً، وعليها لحق الله ورعاية حق الزوج أن تلزم مسكناً يقتضيه الشرع، كما سيأتي تفصيل ذلك؛ فإذا قطعنا المؤنة، لم يبعد أن تتخير [الزوجة] (٥) في الخروج،

стр. 7785

كما لو [أعسر] (١) الزوج بالنفقة، فللمرأة أن تخرج، وإذا أدرّ الزوج النفقة، حرم عليها الخروج، ولزمها لزومُ مسكن النكاح، وشرح هذا يأتي في فصول السكنى، إن شاء الله تعالى. فصل قال: " ولو طلق مَنْ لا تحيض من صغرٍ أو كبرٍ ... إلى آخره " (٢). ٩٧٩٤ - الصغيرة التي لا تحيض، والآيسة التي تباعدت عن الحيض عدتهما بالأشهر، فإن صادف الطلاقُ أول شهرٍ، وهذا إنما يفرض بتقدير وقوع الطلاق في آخر جزء من الشهر تنجيزاً أو تعليقاً، والتعليق أقرب إلى التصوّر، وذلك أن يقول لامرأته: أنت طالق مع آخر جزء من الشهر، فإذا كان كذلك، استقبلت الاعتداد بثلاثةٍ من الأهلة، نقصت الشهور أو كملت، أو نقص بعضها وكمل البعض. فإن وقع الطلاق أو السبب الموجب للفراق في أثناء الشهر، فذلك الشهر يُحتسب بالأيام كاملةً، وإن اتفق نقصان ذلك الشهر (٣). ثم الذي صار إليه الأئمة المعتبرون: أنا نُكمل الشهرَ الأول ثلاثين، ونعتبر شهرين بالأهلة بعد بقيةِ ذلك الشهر، ثم نكمل الشهرَ الذي وقع الطلاق فيه بالأيام من هذا الواقع بعد الهلالين. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه إذا انكسر ذلك الشهرُ من الأول، واقتضى الحال تكميله، فإنا نكمل الأشهر الثلاثة ثلاثين، ولا نعتبر الأهلةَ أصلاً، وهذا مذهب أبي حنيفة (٤)، وله متعلّق معنوي لا بأس به، وهو أن الشهر الأول إذا انكسر، فإكماله يجب أن يكون متصلاً به، فإذا أكملتَ الشهرَ الأول من الثاني، انكسر الشهر الثاني،

стр. 7786

فيجب إكماله، وهكذا القول في الثالث؛ فيلزم من مجموع ذلك إكمال الشهور. وقيل: هذا مذهب [أبو] (١) عبد الرحمن [أحمد] (٢) ابن بنت الشافعي (٣). والمذهبُ ما قدمناه. ثم قال الأصحاب: إذا وقع الطلاق مع أول جزء من الشهر، فالشهرُ منكسر؛ فإن العدة تجب بعد وقوع الطلاق، فلا بد من تصوير وقوع الطلاق في آخر جزء في الشهر. ٩٧٩٥ - ثم الصغيرة إذا حاضت في أثناء الشهر، انتقلت إلى اعتبار الحيض، وهل تعتد بما مضى قرءاً؟ فعلى قولين بناهما الأصحاب على أن القرء ماذا؟ وزعموا: أنا إذا قلنا: القرء هو الانتقال إلى الحيض، فقد حصل هذا المعنى؛ فتعتد بما مضى قرءاً، وإن قلنا القرء طهرٌ أو بقية طهرٍ محتوشٍ بحيضتين، فلا تعتد بما مضى قرءاً. وهذا الكلام فيه اختلال؛ فإن اختلاف القول في الاعتداد بما مضى قرءاً معروف، وقول الانتقال كالمهجور الذي يُذكر استغراباً، وهو في حكم المرجوع عنه. فالوجه أن نقول في التوجيه: إن قلنا: لا يعتد بما مضى، فالسبب فيه أنه لم يكن نقاءٌ بين دمين، والقرء في اللسان عبارة عن الزمان الذي يُرخي الرحمُ الحيضَ فيه على مذهبٍ، أو عن الزمان الذي يَجْمعُ فيه الحيضَ ليُرخيَه، والوصفان جميعاً مفقودان في الأيام التي مضت على الصبية قبل أن (٤) حاضت.

стр. 7787

ومن قال بالقول الثاني، احتج بأن قال: لا يرخي الرحمُ الحيضَ عن غير جمع؛ فإذا حاضت، ألحقنا ما تقدم على الحيض الأول بالقرء؛ حتى لا يحبَط ذلك الزمان من العدة، وهذا أولى من الأخذ من الانتقال؛ فإن صاحب الانتقال يشترط الانتقال من طهر إلى حيض، [فلم تكن] (١) هذه في طهر بين حيضين، فلا بد من إلحاق ذلك الزمان بالطهر إذا التحق به، فأي حاجة إلى التفريع على الانتقال. والآيسة إذا حاضت في الأشهر [ثم انتقلت إلى الأقراء] (٢)، يجب القطع بأن ما مضى يعتد به قرءاً؛ فإنه واقع بين الحيضين: الذي مضى في عمرها وبين الحيض الذي وقع، وأكثر الطهر لا نهاية له. ثم (٣) تعرض الشافعي لأقل أسنان الحيض، وهذا مما تقصّيناه في مواضع، ولا حاجة إلى إعادته. فصل قال: " ولو طرحت ما يعلم أنه ولد ... إلى آخره " (٤). ٩٧٩٦ - المعتدة إذا ألقت جنيناً ميتاً، غير منتفٍ عمن منه الاعتداد، وبرىء الرحم، حكمنا بانقضاء العدة، إذا كان قد بدأ التخليق، وشكّلت الأعضاء، ولو ألقت عَلَقة، فلا حكم لإلقائها- وإن زعمت القوابل أنها أصلُ الولد. وإن ألقت لحماً، وقالت القوابل: إنها لحمُ ولدٍ، فقد نص الشافعي على أن العدّة تنقضي به، ونص في أمهات الأولاد على أن الجارية لا تصير به أم ولد، وقال في الجنايات: لا تجب الغرّة بسببه.

стр. 7788

فاختلف أصحابنا: فمنهم من نقل الأجوبة في المسائل بعضَها إلى بعض، وأجرى في الكل قولين: أحدهما - أنه يتعلق به انقضاء العدة، وتثبت أمية الولد، ويتعلق به الغرة؛ تعويلاً على قول [القوابل] (١)، فإليهن الرجوع مهما (٢) أشكل شيء مما يختصصن بمعرفته. والقول الثاني - أنه لا تثبت هذه الأحكام؛ لأن الملقَى ليس ولداً، وإخبارُهن عما سيكون لا تعويل عليه، وهو بمثابة قولهن: العلَقة الملقاةُ أصلُ الولد. ومن أصحابنا من أقرّ النصوص قرارها، وسلك طريق الفرق قائلاً بأن انقضاء العدة يتعلق ببراءة الرحم بسبب وضع الحمل، والذي وضعته يسمى حملاً، قال الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، والغرّة بَدل مولود، وأمية الولد مربوط صريحاًً بالولد، واسم [الولد] (٣) لا يطلق على اللحم الملقى، ثم هذا القائل يقول: لا نُلْزَمُ (٤) العَلَقَةَ في جانب العدة؛ فإن التي ألقتها لا تسمى حملاً. ثم ما ذكره الأصحاب من قول [القوابل] (٥) في العَلَقة تكلّفٌ؛ فإنهن لا يقطعن بذلك في دمٍ قط، بخلاف اللحم. ومما ذكره الأئمة: القاضي والعراقيون: أنها إذا ألقت لحماً، وزعمت القوابل أنه بدأ فيه التخطيط الخفي، فهذا بمثابة التشكُّل والتخلق في الأعضاء، ولا يُنكَر أن يعرفن [مِنْ] (٦) ذلك ما لا ندركه حسّاً، ومحل النصوص واضطراب الأصحاب فيه إذا قلن: لم يبدأ التخطيط الخفي والجلي، ولكن الملقَى لحمُ ولدٍ، هذا محل الكلام.

стр. 7789

فإذا قلن: لا ندري ما هو، فلا خلاف أنه لا يتعلق به حكم [من] (١) الأحكام: لا انقضاء العدة، ولا غيره. ٩٧٩٧ - ولو ادعت المرأة أنها ألقت جنيناً، فالذي أطلقه الأصحاب أنها مصدَّقةٌ في ذلك، ولو ادعت أنها ولدت ولداً ميتاً، فهل يقبل قولها في انقضاء العدة؟ فعلى وجهين، نصّ عليهما الأئمة في الطرق: أحدهما - أنه يقبل منها، كما يقبل قولها في الحيض وانقضاء العدة في الزمان الممكن، والوجه الثاني - أنه لا يقبل منها، فإن الولادة مما يمكن الإشهاد عليها، والغالب أن المرأة إذا طُلِقَتْ، شهدتها القوابل، فليس كونُها مشهودةً مما يندر، بخلاف إلقاء الجنين؛ فإن ذلك يَفجؤها، فيَصيرُ دعواها فيه بمثابة دعواها في الحيض. هذا هو المسلك المشهور. قال شيخي أبو محمد: من أصحابنا من ألحق إلقاء الجنين بادعاء الولادة؛ فإن المرأة إذا أَجْهَضَتْ، لحقها من العسر قريبٌ [مما يلحق] (٢) الوالدة في أوان الولادة، ثم نحن أحوج إلى أقوال القوابل في الجنين، لنعلم أنه ولد أو لحمة منعقدة لفظتها الطبيعة. وهذا الذي ذكره منقاس، ولكنه غريب (٣). ٩٧٩٨ - ولو قال الزوج قد طلقتك في زمان الحيض، فتطولُ عدتك لذلك، وقالت المرأة: طلقتني في زمان الطهر، فقد أطلق الأصحاب أقوالهم أن القول في ذلك قولُ المرأة؛ فإنها أعرف بما كانت عليه حالة الطلاق، من حيض أو طهر. ثم ذكر الشافعي القولين في أن ما تراه الحامل من الدم في زمان الحمل على ترتيب أدوار الحيض حيضٌ أو دم فساد، وهذا مما تقدم استقصاؤه في كتاب الحيض،

стр. 7790

والذي يتعلق باحكام العدة فيه: أنا وإن حكمنا بأنه حيض، فلا يتعلق بالأطهار المتخللة بين [تلك] (١) الدماء انقضاء العدة، ولا بد من وضع الحمل، وقد ذكرنا في كتاب الطلاق، تعليق السنة والبدعة بها، وما ذكره الأصحاب من خلاف. فصل قال: " ولا تنكح المرتابة ... إلى آخره " (٢). ٩٧٩٩ - إذا انقضت العدة بالأقراء أو بغيرها، فارتابت المرأة في نفسها، وكانت تجوّز أنها حامل، فاستشعرت من نفسها أمارةً على ذلك، فإن بلغت المبلغ الذي يقال فيه: إنها حامل، وإن كان لا يُستَيْقَن الحملُ في أصل الجبلة، فليس لها أن تنكح. وإن ارتابت ووجدت من نفسها علامةً، ولم تبلغ مبلغاً يقال فيها: إنها حامل، فهذا محل الكلام، وهو المعنيُّ بما أطلقه الأصحاب من الارتياب، وذلك بأن تجد ثقلاً في نفسها، فينبغي أن تمتنع من النكاح إلى أن تزول الريبة. فلو نكحت قبل زوال الريبة، فالمنصوص عليه في المختصر أن النكاح موقوف، وقال الشافعي: في موضع آخر: النكاحُ باطل. واختلف أصحابنا: فمنهم من جعل المسألة على قولين، ثم اختلفوا في أصل القولين: منهم من قال: أصله وقف العقود على ما نبيّن، ومن صور هذا الأصل أن يبيع عبداً لأبيه على [تقدير] (٣) حياته، ثم تبين أنه كان ميتاً، وكذلك لو كاتب عبداً كتابة فاسدة، وحسبها صحيحة، ثم باعه، وتبين أن الكتابة كانت فاسدة، ففي صحة البيع قولان. فإذا ارتابت ونكحت، فهذا [يؤخذ] (٤) من الوقف عند هذا القائل.

стр. 7791

قال بعض أصحابنا: هذا البناء غير صحيح؛ فإنه جرى ما هو انقضاء عدّةٍ في الظاهر، ولم يظهر أمر مخالف له، فلو كان مأخوذاً من الوقف، لقيل هذا العقد يصح قولاً واحداً. فالوجه أن نبني القولين على أصل آخر، وهو أن من شك في صلاته في عدد الركعات مثلاً، فإنه يبني على المستيقن ويتمادى في صلاته، ولو شك بعد الفراغ من الصلاة: أصلى ثلاثاً أم أربعاً؟ ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه لا يلزمه الالتفات على شكه، وقد انقضت الصلاة على حقها، ثم من يُلزم تتبع الشك بعد الفراغ، فتفصيله مذكور في كتاب الصلاة. ووجه تشبيه ما نحن فيه بذلك أنها لو ارتابت في أثناء العدة؛ فإنها لا تنكح، وإن انقضت صور الأطهار على ظاهر المذهب، وكانت مؤاخذة بتلك الريبة كما يؤاخذ المصلي، فإذا ارتابت بعد انقضاء ما به الاعتداد، كانت كالمصلي يرتاب بعد التحلل عن الصلاة ظاهراً. ثم ينشأ من اختلاف الأصحاب في مأخذ القولين ما نصفه، فإن حكمنا بأن القولين مأخوذان من وقف العقود، فلو طرأت الريبة في أثناء العدة ونكحت، ثم تبين أنه لم يكن حمل، فالمسألة تخرج على القولين؛ فإن وقف العقود لا اختصاص له بصورة، وإنما هو تردد ثم تبيُّنٌ. وإن أخذنا القولين من شك المصلي، فإنا نقول: لو طرأت الريبة في أثناء العدة، ثم جرت العدة ونكحت على الريبة، ثم تبينت براءة الرحم، فلا نقضي بصحة النكاح. فانتظم مما ذكرناه أنها إذا ارتابت ونكحت، وبان أنها كانت حاملاً حالة النكاح، فلا إشكال في فساده، وإن بأن أنها بريّة، وقد تقدمت الريبة، فثلاثة أقوال: أحدها - الفساد كيف فرض الأمر، والثاني - الصحة. والثالث - الفصل بين أن ترتاب في العدة، وبين أن ترتاب بعد انقضائها، وكل ذلك طريقةٌ. ومن أصحابنا من قال: إذا تبين أنها كانت بريّة، فالنكاح منعقد قولاً واحداً، وليس ذلك من وقف العقود، فإن النكاح مستند إلى عدةٍ ظاهرة والريبة خَطْرة، فإذا بان

стр. 7792

أنه لا أصل له (١)، فلا تعويل عليها، وليس كذلك بيع الرجل مال أبيه على تقدير أنه في الأحياء؛ فإنه ليس مبنياً على أصل ظاهر يُسلِّط على التصرف، وهذه الطريقة حسنة فقيهة موافقةٌ للنص الذي نقله المزني. ٩٨٠٠ - ثم قال الشافعي: " ولو كانت حاملاً بولدين ... إلى آخره " (٢). إذا طلق الرجل امرأته طلقةً رجعية، فولدت ولداً، وكان الرحم مشتملاً على جنين آخر، فلا شك أن العدة لا تنقضي، وإنما نتبين أن الجنين حمل واحد إذا كان الزمان المتخلل بين وضعيهما أقل من ستة أشهر. ٩٨٠١ - ثم قال الشافعي ﵁: لو خرج بعض الولد، لم نحكم بانقضاء العدة إلى الانفصال، ولذلك تصح الرجعة إذا انفصل بعض الولد، وحكم ذلك حكم الجنين المجتنّ في البطن الذي لم يظهر منه شيء. ثم قال الأئمة: لو انفصل بعضُه، فصرخ واستهلّ، وقتله قاتل، والبعض منه في البطن، فالواجب الغرّةُ لا دية، ولا يجب القصاصُ، ولو أعتقه والحالةُ هذه عن كفارته، لم يقع العتقُ عن الكفارة وإن [نوى] (٣) صرفه إليها، ولو باع الأم أو وهبها، دخل الولد في البيع، وهو على الجملة في جميع القضايا والأحكام ينزل منزلة الجنين الذي لم ينفصل منه شيء. وقال بعض أصحابنا: إذا [صرخ] (٤) واستهلّ، فقد استيقنّاه، فلو قتله قتلاً مُذفِّفاً، وبعضه متصل بالأم، استوجب القصاص، فإذا آل الأمر إلى المال، التزم الدية بكمالها، ويصير مستقلاً بنفسه في الإعتاق، وكل ما لا نثبته لعدم الاستيقان في الوجود والحياة فهو مثبت. وهذا وإن كان منقاساً -وقد عزي إلى القفال في بعض أجوبته- فهو ضعيف في الحكاية، ما أراه ملتحقاً بالمذهب.

стр. 7793

ثم إن وقع التفريع على هذا الوجه الضعيف، فالعدة لا تنقضي إلا بانفصال تمامه، لا يجوز أن يكون في هذا تردد، ثم يتعلق ببقائها في العدة تصحيحُ الرجعة، وكل ما يتعلق ببقاء العدة. فصل قال: " ولو أوقع الطلاق، فلم يدر أَقَبْل ولادها أو بعده؟ ... إلى آخره " (١). ٩٨٠٢ - مضمون الفصل ذكر اختلافٍ بين الرجل والمرأة إذا طلقها، وولدت، ثم فُرض النزاع في التقدم والتأخر، وهذا تفصله مسائلُ: منها أن يختلفا على الإطلاق من غير تنصيص على تاريخ واحدٍ منهما، فيقول الرجل: طلقت بعد الولادة فأنت معتدة، ولي عليك الرجعة، وهي تقول: لا بل طلقتني قبل الولادة، وانقضت عدتي بها. قال الأصحاب: القول فيه [قول الرجل] (٢)؛ لأن الرجعة حقُّه، والأصل بقاؤها، والأصل أيضاً عدُم الطلاق وعدم انقضاء العدة. ولو اتفقا على وقت الولادة، واختلفا في وقت الطلاق، وذلك [أن اتفقا] (٣) أنها ولدت يوم الجمعة، واختلفا في الطلاق: فقال الرجل: طلقتك يوم السبت، وقالت المرأة: لا، بل يوم الخميس. قال الأصحاب: القول قوله أيضاًً، إذ الأصل عدمُ الطلاق، وبقاءُ النكاح. وإن اتفقا على وقت الطلاق، وتنازعا في وقت الولادة، فقال الرجل: ولدتِ يومَ الخميس، فلي عليك الرجعة، وقالت المرأة: يومَ السبت، فالقول قولها، لأن الأصل عدمُ الولادةِ يومَ الخميس، والرجوعُ إليها فيما يتعلق بوقت انفصال الولد.

стр. 7794

ولو اتفقا على وقوع الطلاق والولادة واعترفا بالجهالة في التقدم والتأخر، فقالا: لا ندري السابقَ منهما، فعليها استقبال العدة، والرجعةُ ثابتة، فإن الأصل ثبوتها، ولكن الورع ألا يرتجعَها مخافة أن يكون قد فاتت بوضع الحمل. ولكن هذا الإشكال المقترن به لا يُسقط الرجعة؛ فإن الأصل بقاءُ سلطان الزوج، والارتجاعُ من بقاء النكاح. وإن ادعت المرأة أنها ولدت بعد الطلاق، والرجل يقول: أنا لا أعلم؟ قلنا: قد ادعت المرأة أمراً جازماً، فأجِبْها، فإن لم يُجب، جعلناه مُنكراً، ثم نعرض عليه اليمين، فإن نكل، حلفت هي واستحقت ما ادعت. ولو قالت المرأة: أنا أجهل وقت السابق، وأطالب الزوج أن يبيّن، قال الققال: ليس [لها] (١) ذلك، والرجل لا يطالَب، فإنها ما أتت بدعوى صحيحة وقولٍ جازم، فلا يلزم الإجابة. ٩٨٠٣ - ومما يجب الإحاطةُ به في سر المذهب أنا ذكرنا طرقاً مختلفة في تداعي الزوجين في انقضاء العدة، ووقوع الرجعة، وأتينا بذلك الفصلِ مستقصىً، وجمعنا بين طرقٍ متناقضة، ومذاهبَ متباينةٍ. والذي ذكرناه من التقسيم في هذه المسألة اتفق عليه الأصحاب في طرقهم، ومساقُه ما أوردنا ولا غير، والسبب فيه أن الخلاف إذا آل إلى إنشاء الرجعة وانقضاء العدة، فيتعارض في الحكم بتصديق المرأة وتصديق الرجل أمور دقيقةُ المُدرَك، ويعترض أيضاً تنزيلُ الدعوى رجعةً، وعطفُ قول الزوجة انقضت عدتي على زمان منقضٍ، وشيءٌ من تلك المعاني لا يجري في هذه المسألة، ولا يتأتى إيضاح ما ذكرناه إلا بإعادة تلك المسألة، ومن تأمل تيك كما سقناها وتأمل هذه المسألة، استبان الفرق بينهما.

стр. 7795

فصل قال: " ولو طلقها، فلم يحدث لها رجعة ... إلى آخره " (١). ٩٨٠٤ - البائنة إذا أتت بولد من يوم الفراق لأربع سنين أو أقلَّ، لَحِقَ الولدُ الزوجَ، فإنها أتت به لزمان يحتمل أن يكون العلوق به من النكاح، وتعتبر ابتداء مُدّة الحمل تقديراً يوم الطلاق. ولو طلق امرأته طلقة رجعية، فمن أي وقت نعتبر مدة أربع سنين في حقها؟ فعلى قولين: أحدهما - أنا نعتبر ابتداء الحمل من وقت انقضاء العدة، نصّ على هذا في اجتماع العدّتين، ونقله المزني في آخر الباب. والقول الثاني - أن ابتداء مدة الحمل يحتسب من وقت الطلاق، وإن كان رجعياً. توجيه القولين: من قال ابتداء المدّة يحتسب من انقضاء العدة ظاهراً، احتج بأن الرجعية حكمها حكم الزوجات، فينبغي أن يكون اعتبار أول المدة من وقت انقضاء الزوجية. ومن نَصر القولَ الثاني، احتج بأن الرجعية معتزلةٌ عن زوجها، والزوج معتزل عنها، ولا يليق بها الاستفراش، وهذا التوجيه كافٍ. [وبنى] (٢) بعضُ الأئمة القولين على أن الرجعية منكوحة أم لا؟ وقد قدّمنا هذا في كتاب الرجعة، وألحقنا بذلك أمثلةً وبيّنا ما يليق بهذا، فلا نعيده. فإن قلنا: يعتبر مضيُّ أربع سنين من يوم الفراق، فحكمها حكم البائنة، وإن قلنا: يعتبر من يوم انقضاء العدة، فأي ولدٍ أتت به يلحقه، وإن مضت عشرون سنة وأكثر من يوم الفراق، ما لم تقرّ بانقضاء العدة؛ فإن العدة تتمادى على المذاهب الصحيحة إلى آمادٍ طويلة بتباعد الحيض.

стр. 7796

فإذا أقرت بانقضاء العدة، ومضى من ذلك الوقتِ أربعُ سنين، فلا لحوق بعد ذلك. فمن أصحابنا من قال: إذا مضت من يوم الفراق أربعُ سنين وثلاثةُ أشهر، حكمنا بزوال الفراش حتى لو إتت بولدٍ بعد ذلك، لم يلحق؛ لأن الظاهر والغالب أن العدة تنقضي بثلاثة أشهر، والحمل لا يمكث في البطن [أكثرَ من] (١) أربع سنين. وهذا الإنسان تعاظمه ما ذكرنا من لحوق النسب بعد الطلاق إلى عشرين سنة، فصاعداً، ولا معنى للحيْد عن القياس بمثل هذه الترّهات. ٩٨٠٥ - ثم نقل المزني في الكتاب لفظةً ملتبسةً، وذلك أنه قال: " إذا أتت البائنة بولد لأكثرَ من أربع سنين يكون منفياً عنه باللعان " ثم قال: " وهذا غلط: لا يمكن كونه منه موجِبٌ أن لا يحتاج إلى اللعان، ولعل هذا غلط من غير الشافعي " (٢). وهذا من كلام المزني، ثم استدل على أنه منفي عنه من غير لعان [بأن] (٣) الشافعي قال: " لو قال لامرأته: إذا ولدتِ، فأنت طالق، فولدت ولدين وبينهما ستة أشهر يلحقه الولدُ [الأول] (٤) وتنقضي عدته بالثاني ويكون منفياً عنه بلا لعان " (٥). قال الأصحاب: ما ذكره المزني صحيح في المعنى، ولكن الغلط جاء من جهة النقل: إمّا منه وإما من غيره، ثم التعليل الذي ذكره ليس بواضح، ولفظه معقّد.

стр. 7797

٩٨٠٦ - وأما المسألة التي أوردها في الولدين، فهي المسألة الموعودة (١) في الفصل المشتمل على عدة امرأة الصبي: وصورتها: أن تأتي بولد، وقد كان قال الزوج: إذا ولدتِ ولداً، فأنت طالق ثلاثاً، فإذا ولدت، طُلّقت واستقبلت العدة، فلو أتت بولدٍ لستة أشهر من وقت الولادة، فلا شك أن العلوق به جرى بعد الولادة، وهو منفي بلا لعان؛ فإن العلوق به جرى بعد وقوع البينونة، وهذا بمثابة ما لو أتت البائنة بولد لأكثر من أربع سنين بعد البينونة، ثم نقضي بانقضاء عدتها بالولد الثاني مع كونه منفياً. وهل نُنزله منزلةَ الولد المنفي باللعان، وقد ذكرنا أن المرأة إذا وضعت حملها المنفيَّ باللعان، فعدتها تنقضي مع انتفاء الولد. وإنما نحكم بأن العدة لا تنقضي إذا كان الولد ولدَ زنا، كذلك [إن] (٢) كان العلوق بالولد الثاني بعد الفراق، فيحتمل أن الزوج وطئها بشبهة، ولو فُرض ذلك، لتداخلت العدتان، ولجرى الحكم بانقضاء العدة بوضع الحمل. ٩٨٠٧ - حاصل ما ذكره الأصحاب في انقضاء العدة في هذه الصورة ثلاثةُ أوجهٍ أشار إليها القاضي وغيره: أحدها - أن العدة تنقضي كما ذكرناه في الولد المنفي باللعان. والثاني- أنها لا تنقضي؛ فإن العدة إنما تنقضي بولد يمكن تقدير العلوق به في حالة النكاح، والولد المنفي باللعان بهذه المثابة، فليس انتفى بسبب [عدم] (٣) الإمكان، والإمكانُ غير زائل، وهي مصدقة فيما يتعلق بالعدة إذا لم تدع أمراً خارجاً عن الإمكان. والوجه الثالث - أنا ننظر: فإن لم تدع المرأة سبباً محترماً يفرض العلوق منه بعد

стр. 7798

الفراق، فلا نحكم بانقضاء العدة، وإن ادعت [أنه] (١) وطئها بشبهة، فإذ ذاك نحكم بانقضاء العدة، وإن كان القول قول الزوج في نفيه، ولا حاجة به إلى اللعان، ويكفيه أن يحلف على نفي الوطء، إذا ادعته، وذلك لأن الزوج وإن نفى ما ادّعته وحلف فيمينه لا تقطع إمكان صدقها، ويكفيها في دعوى انقضاء العدة إمكان الصدق. ٩٨٠٨ - ثم قال الشافعي: " لو ادعت المرأة أنه راجعها أو نكحها إن كانت بائنة ... إلى آخره " (٢). إذا أتت البائنة بولد لأكثر من أربع سنين من يوم الفراق، أو كانت رجعية، فأتت بولد لأكثر من أربع سنين من يوم وقوع الطلاق، والتفريع على قولنا أنا نعتبر المدة في الرجعية من وقت الطلاق أيضاً، فإذا ادعت المرأة على المطلِّق أنه راجعها فألمّ بها، وحصل العلوق بعد الرجعة، وادعت البائنة أنه نكحها ووطئها والولد من الوطء الجاري في النكاح الجديد، فالقول قول الزوج لا محالة، في نفي ما تدعيه إن نفاه، فإن حلف، انتفى النسب، وكفى ذلك، وأغنى عن اللعان، وإن نكل عن اليمين، فهل يرد اليمين عليها؟ لم يتعرض الشافعي لذلك بنفى، ولا إثباتٍ. ولو زعمت المرأة أنها ولدت، وكان النكاح قائماً، فأنكر الزوج الولادة، فالقول قوله، فإن حلف، فذاك، وإن نكل عن اليمين، قال الشافعي حلفت عند نكوله يمينَ الرد، وقد ذكرنا تصرف الأصحاب في ذلك، في كتاب اللعان، فلا حاجة إلى إعادة ما سبق. والذي نرى التنبيه [إليه] (٣) هاهنا، أن الأصح الردُّ لليمين عليها؛ لأنها قيّمة في نفقة الولد مُطالِبةٌ بها، كما قال المصطفى ﵇ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (٤)

стр. 7799

فهي تستفيد إذاً بالتسبب إلى إثبات الولادة دفعَ النفقة عن نفسها، فالأصح أنها تحلف يمين الرد. ثم لم يختلف الأصحاب في أنها تبتدىء الخصومةَ ويحلف الرجل، وهذا محل سؤال الفطن!! فإن قيل: إذا فرعتم على أن اليمين لا ترد عليها، فكيف بنيتم تحليف الزوج على دعواها؟ قلنا: قد ينتصب للدعوى، وعرضِ اليمين، وطلبِ التحليف مَنْ لا يحلفُ [كالوصيّ] (١) في كثير من الخصومات المتعلقة بحقوق الطفل، وكذلك الوكيلُ بالخصومة يطلب التحليف ولا يحلف، وهذا من الأصول العظيمة في الدعاوى والبينات، وسيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى. ومهما (٢) انتهى كلامٌ إلى استدعاء بيانٍ في طرفٍ وموضعُ كشفه كتابٌ، فالذي يقتضيه الترتيبُ التنبيهَ عليه والإحالةَ على الكتاب الموضوع له، فيجتمع اجتناب التكرار والتنبيهُ لما يجب التنبه له. فصل قال: " ولو نكحت في العدة، فأصيبت ... إلى آخره " (٣). ٩٨٠٩ - المرأة إذا خلت عن العدة ونكحت نكاحاً مستجمعاً لشرائط الصحة في ظاهر الأمر، وأتت بولد في الفراش الثاني، نُظر: فإن أتت به لزمان لا يُحتمل أن يكون العلوق به في الفراش الثاني، مثل أن تأتي به لأقلَّ من ستة أشهر من وقت النكاح وإمكان الاستفراش، وكان العلوق به ممكناً في النكاح الأول، فالولد يلتحق بالزوج الأول، ويتبيّن بطلانُ النكاح الثاني للعالم، فإنه جرى والمنكوحة حامل بولد نسيبٍ. فإن أتت به لزمان لا يحتمل أن يكون العلوق به في الفراش الثاني، وكان لا يحتمل العلوق به في الفراش الأول، وذلك بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر في النكاح الثاني،

стр. 7800

ولأكثر من أربع سنين من البينونة عن الفراش الأول، فالولد منتفٍ عن الزوجين، ولا يُقضى فيه بأنه ولد زنا. ولكن لا أب له، وطريق تحسين الظن حمل العلوق به على وطءٍ بشبهة. وإن أتت به لزمان يحتمل أن يكون العلوق به في النكاح الثاني، مثل أن تأتي به لستة أشهر من النكاح الثاني فصاعداً، فالولد لا يلحق الأول وإن أمكن أن يكون العلوق به من النكاح الأول، ولكن النكاح الثاني في حكم الناسخ للأول والقاطع لعلائقه واحتمالاته. وسبب هذا أنا في إلحاق الولد بالثاني لسنا نعطل النسب، فقد نظرنا للولد، ولو قدرنا الإلحاق بالأول، [لأبطلْنا] (١) النكاح الثاني؛ فإنا على هذا التقدير نتبين أن النكاح الثاني عُقد وهي حامل، والنكاح الذي جرى الحكم بانعقاده ظاهراً لا سبيل إلى الحكم ببطلانه بأمرٍ غيرِ مستيقن، فهذا هو الذي أوجب الإلحاق بالفراش الثاني، وهذا يتأكد بترجيح الاستفراش الناجز على ما مضى وانقطع أثره وخبره. ثم إذا بأن أن الولد يلتحق بالفراش الثاني بالاحتمال، وإن أمكن أن يكون من الفراش الأول، فما الظن إذا أمكن أن يكون من الثاني، ولم يمكن أن يكون من الأول؟ ولا حاجة إلى ذكر مثل هذا إلا لمحاولة استيعاب الأقسام. ٩٨١٠ - وما ذكرناه كله فيه إذا خلت المرأة عن العدة في ظاهر الحال، ونكحت نكاحاً يقضي الظاهرُ بصحته. فأما إذا جرى نكاحُ شبهة، واتصل الوطء به على ظن الحِلّ من الجانبين، وذلك بأن تنكِح في بقيةٍ من العدة ظانَّة أن العدة قد انقضت، فإذا أتت بولدٍ من وقت افتراش الثاني إياها، نُظر: فإن لم يحتمل أن يكون العلوق به من الثاني، واحتمل أن يكون من الأول، التحق بالأول، وإن لم يحتمل أن يكون من الثاني ولا من الأول، انتفى عنهما، وإن احتمل أن يكون من الثاني واحتمل أن يكون من الأول أيضاًً، وذلك بأن تأتي به لستة أشهر من افتراش الثاني، ولأربع سنين من الأول أو لدون أربع سنين، فقد تردّد المولود بينهما، وهذا من محالّ القيافة.

стр. 7801

والذي يليق بغرضنا الآن أن الولد لا يلتحق بالفراش الثاني لحوقَه بالنكاح الصحيح، والسبب فيه ما قدمناه من أن الإلحاق بالأول وقد جرى نكاح ظاهره الصحة، يتضمن إفساد النكاح المحكوم بصحته ولا وجه لهذا، ولا يتحقق مثلُ هذا في النكاح الفاسد. ومن أسرار المسألة أنا ردَّدْنا في النكاح الفاسد ولداً بين النكاح الفاسد والنكاح الصحيح الماضي، ولكن لما لم يؤد إلى إفساد نكاح المتقدم، لم نُبالِ بذلك. والدليل عليه أن المنكوحة لو وطئت بشبهة في استمرار النكاح، وفرض الإتيان بولد وتردد الاحتمال بين الواطىء بالشبهة وبين الزوج؛ فإنا نُري الولدَ القائفَ، وإذا انتهينا إلى باب القيافة في آخر الدعاوى، أوضحنا في صدر الباب الصور التي تجري القيافةُ فيها. فهذا منتهى المراد في ذلك، وسياقةُ أحكام القيافة إلى منتهاها ستأتي، إن شاء الله تعالى. ٩٨١١ - ومما ذكره الأصحاب هاهنا أن المرأة إذا نكحت على الشبهة والفساد، فمتى يثبت حكم الفراش الثاني؟ ظاهر المذهب أنه يثبت بالوطء الأول، وقال القفال الشاشي (١): يثبت حكم الفراش الثاني بالعقد، وفائدة ذلك أنا من أي وقت نحتسب

стр. 7802

زمان الحمل ليتبين الاحتمال، فعلى هذا الاختلاف [متى] (١) ينقطع حكم الفراش الثاني الثابت على الفساد والشبهة؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: ينقطع أثر الفراش الفاسد بالتفريق وإليه النظر، والقفال الشاشي يقول: ينقطع أثر الفراش الثاني من آخر وطأة جرت، ولا يتوقف على التفريق: فمن [راعى] (٢) الوطء في الأول، اعتبر التفريق في الآخر، والقفال راعى العقد في الأول، والوطء في الآخر، وذكْر هذين الخلافين على الإرسال حسنٌ لا بأس به. فأما اعتبارُ العقدِ في الأول والوطءِ في الآخر، فكلام مختلط [حكَوْا أن اعتبار الوطء في الأول والتفريق في الآخر يوجّه بأن الوطء] (٣) إذا أثبت حكمه في الافتراش، لم يبعد أن يتمادى إلى التفريق، ولهذا نظير سيأتي الشرح عليه في أثناء الكتاب. وهو أن من طلق امرأته طلقة رجعية، وكان يخالطها ولا يغشاها، فهل تنقضي العدة مع صورة المخالطة؟ فيه كلام وتفصيل، وكذلك لو فرض ذلك في البائنة على شبهة. فلا ينبغي أن نشتغل بذلك؛ فإنه بين أيدينا. ٩٨١٢ - ومما يتصل بهذا المنتهى أن من نكح امرأة نكاحاً فاسداً، وأتت بولد من غير فرض تردد بين نكاحين، فهل يلتحق الولد بمجرد النكاح مع تبين فساده من غير إقرارٍ من الزوج بالوطء؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: لا بد من الإقرار بالوطء؛ فإن الفاسد لا يكون فراشاً ما لم يمض افتراشٌ على التحقيق. ومنهم من قال: نفسُ النكاح والإمكان كافٍ، وهذا يلتفت على الخلاف الذي ذكرناه من أن المنكوحة على الفساد متى صارت مفترشة؟ وقد قدمنا الخلاف في ذلك.

стр. 7803

ويترتب عليه أيضاً أنه إذا أقر بالوطء -على قولنا: إنه يعتبر إقراره- فلو ادعى الاستبراء، فالمذهب الأصح الذي يدل عليه النصوص أن دعوى الاستبراء لاغية، ووجه دلالة النصوص قَطْعُ الشافعي قولَه بجريان اللعان، مع العلم بأن اللعان في النكاح الفاسد إنما يجرى للضرورة الداعية إلى نفي النسب المتعرض للثبوت، وقد أوضحنا في كتاب اللعان [أن اللعان] (١) حجةُ ضرورة، وأبعد بعض أصحابنا، فجعل النكاح الفاسد كملك اليمين في دعوى الاستبراء: تؤثر فيه، وهذا بعيد عن قاعدة المذهب. فصل قال: " فإن قيل: لمَ لمْ تنفوا الولد إذا أقرت بانقضاء العدة ... إلى آخره " (٢). ٩٨١٣ - إذا طلق الرجل امرأته وزعمت أنه مرّ بها الأقراء الثلاثة، وادعت ذلك في زمان ممكن محتمل، واقتضى الحال تصديقَها، والحكمَ بأنها خلت عن العدة وحلّت للأزواج، فلو أتت بولد لزمان يحتمل أن يكون العلوق به من النكاح: مثل أن تأتي به لأربع سنين فما دونها، فالولد يلحقُ، وإن جرى الحكم بتصديقها، ونتبين أنها كانت ظنت انقضاء العدة، وما كانت منقضية، هذا مذهبنا. ونكتة المذهب أن الاحتمال في لحوق النسب كاليقين في وضع الشرع، وصُور الأقراء تزاحمه، وقد اتفق العلماء، وشهدت المشاهدة على أن الحامل قد ترى الدمَ على ترتيب أدوار الحيض، وإنما الخلاف في أنه هل يحكم بكون ما تراه حيضاً في أحكام العبادات، وتحريم الوقاع ونحوه، فإذا أتت بالولد لزمان الإمكان، لحق وإن أُفحمنا حيضاً وأقراءً.

стр. 7804

وأبو حنيفة (١) يقول: إذا صدقناها في انقضاء العدة، واتصل ذلك بمجلس حاكم، فإذا أتت بالولد لزمانٍ يمكن أن يكون العلوق به في النكاح، لم يلحق. وهذا في التحقيق قطعُ النسب، وإبطالُ حق الولد منه بسبب إخبارها بأنها رأت دماً، فإن خبرها عن انقضاء العدة يرجع إلى ما شاهدت من ذلك. والعلم عند الله . ...

стр. 7805

باب لا عدة على من لم يدخل بها ٩٨١٤ - صدَّر الشافعي ﵁ الباب بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وغرض الباب أن العِدد المتعلقة بطرق الفراق في الحياة مشروطة بالمسيس، والأصل فيه الآية التي ذكرناها. ولو فرضت خَلوة خِلوَةٌ عن المسيس، فالمذهب الظاهر أن المهر لا يتقرّر بالخَلوة العريّة عن الدخول، خلافاًً لأبي حنيفة (١)، وفي المسألة قول يوافق مذهبه، وقد ذكرنا القولين في كتاب الصداق؛ فإن حكمنا أن المهر لا يتقرر بالخَلْوة، فلا تجب العدة بها، وإنْ حكمنا بأن الخَلوةَ تُقرر المهرَ، فالذي ذكره الأصحاب أنها توجب العدة. وهذا فيه أدنى غموض، وكنت أود أن نحمل تقريرَ المهر على التمكين؛ فإن التمكين من المنافع تسليمٌ، كما إذا ألقى المكري مفتاحَ الدار المكراة إلى المكتري، وخلّى بينه وبين الدار. فأما العدة، فكان لا يبعد في القياس ألاّ تجب وإن تقرر المهر؛ فإن تقرير المهر مأخوذ من قياسٍ في المعاوضة لا تؤخذ العدة من مثله، ولكن (٢) لعل الأصحاب رأَوْا العدة عليها من آثار التسليم وتقرير الملك؛ فإن (٣) التي تبين بالطلاق ليس النكاح مقرراً

стр. 7806

فيها، فكما يتقرر العوض على الزوج يتقرر النكاح على الزوجة، ومن أثر تقرره ألا ينبتّ. هذا هو [الممكن] (١) في توجيهه. ٩٨١٥ - ثم إذا كان الطلاق رجعيّاً، فقد قال أبو حنيفة: لا نثبت الرجعة، واختلف أصحابنا في ثبوتها: فمنهم من وافق أبا حنيفة، وهذا يخرم الفقه الذي ذكرناه، ولا ينقدح فيه وجه خالصٌ عن الشوائب، والأوجه إثبات الرجعة إن أثبتنا العدة. ثم الممكن في توجيه نفي الرجعة أن العدة وإن ثبتت، فالرجعة تستدعي كمالاً، وليست المعتدة عن الخلوة على نعت الكمال في تربصها، فكأنها على مَرْتبةٍ بين المرتبتين، فإذا أُحْوِج الفقيهُ إلى مثل هذا الكلام، لم نُقم له وزناً؛ فإن القول يتعارض فيه. ٩٨١٦ - ثم فَصَل أبو حنيفة (٢) بين الخلوة الصحيحة وبين الخلوة الفاسدة، وقال: لو خلا بها وهما مُحرمان أو أحدهما، أو صائمان صوم فرض، أو أحدهما، لم يتقرر المهر، ولم تجب العدة، ولهم في صوم التطوع تردد. قال أئمتنا: إذا فرعنا على القول الضعيف ورأيْنا الخلوة مقرِّرةً، لم نَفْصل بين الخلوة الفاسدة والخلوة الصحيحة، ونقضي بتقرر المهر وثبوت العدة، ولو اعتل معتل في التسوية بإمكان الوطء حسَّاً، اعترض عليه خلوةُ المجبوب، والخلوةُ بالرتقاء، فإن الجماع غير ممكن، وقد قال أبو حنيفة: الخلوة تقرر مع هذه الموانع الطبيعية. ولو روجعنا في ذلك، فالوجه عندنا الحكم بالتقرير مع هذه الموانع؛ فإن المصير إلى أن النكاح لا يتصور فيه تقرير فيه بُعْدٌ، والذي يجرى نهايةُ الأمر. وفي القلب من الموانع الطبيعية كلام؛ فإن الإمكان مقترن بالصوم والإحرام، ولا إمكان مع الجب والرتق، ولو فصل فاصل بين الجب والرتق، صائراً إلى أن تمكين المجبوب يردّ العجز إليه، وهي في نفسها فعلت ما هو تمكين على أقصى الإمكان، ويجوز أن يقال: الرتقاء عاجزة عن التمكين، فقد جاء من جهتها العجزُ عن

стр. 7807

الوفاء بالتمكين، ويعترض على ذلك أنها تستحق النفقة، وإن لم يكن الوقاع ممكناً، على ما سيأتي شرح ذلك، والمريضة التي يرجى زوالها من مرضها قد لا تستحق النفقة، فإنما أُتينا من جهة التفريع على قولٍ لا أصل له. ومعتمد مذهب الشافعي صحة الأصول، والأصول الصحيحة لا تُفضي إلى مثل هذا الخبط. ٩٨١٧ - ثم ذكر الشافعي أن الزوج والزوجة إذا اختلفا في الإصابة، فالقول قول مَنْ ينفيها إلا في مسائل، منها: الاختلاف في جريان الإصابة في مدة العُنّة، فإذا ادعاها الزوج وأنكرت المرأة، فالقول قول الزوج، وكذلك لو فرض مثل هذا في الإيلاء. فإذا ادعت المرأة على الزوج الإصابةَ تبغي بذلك تقررَ المهر، فأنكر الزوج الإصابةَ، فالقول قوله. فإذا طلقها، وجرى التنازعُ على هذا النسق، وصدقنا الزوجَ مع يمينه، فلو أتت بولدٍ لزمان يحتمل أن يكون العلوق به من النكاح، فالنسب ملحق، فلا ينفيه ما تقدم من حلف الزوج على نفي الإصابة، وهذا بيّنٌ. قال الشافعي: إذا ألحقنا النسب أشعر بجريان إصابةٍ في صلب النكاح، فنعود ونقول: القول قول المرأة في ادعاء الإصابة، فتحلف، ويتقرر مهرها. قال الربيع: " وجب ألا يتقرر المهر؛ لأن كلا الدعويين محتمل، فينبغي أن يُصدّق الزوج فيما يتعلق بنفي التقرير، ويُقضى بلحوق النسب؛ لأنه يَلْحقُ بإمكانٍ وإن بعد "، ولا بأس بما ذكره. وهذا شبَّب بعضُ الأصحاب بموافقته، والمذهب ما نص عليه الشافعي، ووجهه أن القول في الدعاوى قولُ مَن الظاهر معه، وإذا كنا نحلّف صاحب اليد -مع انقسام الأيدي- للظاهر، فلحوق الولد يُظهر دعوى الإصابة. ***

стр. 7808

باب العدة من الموت والطلاق والزوج غائب ٩٨١٨ - مضمون الباب مسألة واحدة هي أن المرأة إذا طلقها زوجها في الغَيْبَة، أو مات عنها، ثم لم تعلم بموته أو طلاقه حتى انقضى زمان العدة، فإذا بلغها الخبر، فهي خليّة من العدة، ولا يضرّ عدمُ علمها بكونها في العدة. وعن علي ﵁: أنها تبتدىء العدة من وقت ما أحاطت علماً بطلاقه، أو وفاته، لا يعتد بما مضى. وهذا مذهب مهجور لا معول [عليه] (١). ...

стр. 7809

باب عدة الإماء قال الشافعي ﵁: " فرق الله تعالى بين الأحرار والعبيد ... إلى آخره " (١). ٩٨١٩ - الأحكام على ثلاثة أقسام: منها ما يستوي فيها العبيد والأحرار، والإماء والحرائر، كوظائف الصلوات، وأصل الإسلام، والصيام، وكثير من العقوبات، كالقصاص، وقطع السرقة، والعدة بوضع الحمل. ومنها ما لا مدخل للعبيد فيه كالولايات، والشهادات، والمواريث، وافتراض الجمعة، وحجة الإسلام. ومنها ما يشترك الأحرار والعبيد في أصله ويختلفان في الكيفية، فيَلْحَقُ العبيدَ والإماءَ فيه نقصٌ، وهذا فيما ذكره المرتبون قسمان: منه ما يكون العبد فيه على النصف من الحر وكذلك الأمة تكون على النصف من الحرة، وذلك كالحد بالجلد، والقَسْم في النكاح. ومنها ما تكون الأمة فيه على الثلثين كالأقراء والطلاق، وقد قيل: هذا أصله اعتبار النصف، ولكن لما لم يقبل القدَّ والتنصُّفَ، وكذلك الطلاق، كَمَّلْنا نصفَ طلْقةٍ طلقةً، ونصف قرءٍ قرءاً، وقال داود تعتد بثلاثة أقراء، وقد صح أن رسول الله ﷺ قال: " تعتد الأمة بحيضتين " (٢) وإنما ذكر الحيض لدلالته

стр. 7810

على الطهر، هذا إذا كانت الأَمَةُ من ذوات الأقراء. فإن كانت من ذوات الشهور ففي المسألة قولان مشهوران: أحدهما - أنها تعتد بشهر ونصف؛ لأن الشهر مما يتجزأ ويتبعض وإن كان القرء لا يتبعض، فينبغي أن تكون الأمة على الشطر من الحرة، كما أنها في عدة الوفاة على الشطر، منها تتربص شهرين وخمسة أيام. والقول الثاني - أنها تعتد بشهرين؛ فإن كل شهر في مقابلة قرء، وقد تأصل فيها قرءان، وروي عن عمر أنه قال: " يطلِّق العبد تطليقتين، وتعتد الأمة بحيضتين، وإن لم تحض، فشهران أو شهر ونصف " (١) ومنهم من جعل هذا شكّاً من الراوي، ومنهم من جعله ترديدَ قولٍ من عمرَ، وهذا ظاهر الرواية، وهو شاهدٌ بيّن في أن ترديد القول ليس بِدعاً (٢). وفي المسألة قول ثالث - أنها إذا عدمت الحيض، تربصت ثلاثة أشهر، وقد قيل: أقلُّ زمان يدل على براءة الرحم ثلاثةُ أشهر، وما يرجع إلى الجبلة لا يختلف بالرق والحرية، وإنما خرّج هذا القولَ الثالث من الاستبراء، قال الشافعي: أم الولد إذا لم تكن من ذوات الحيض فعَتَقَت، فبماذا تستبرىء؟ فعلى قولين: أحدهما - أنها تستبرىء بشهر واحد؛ فإنها لو كانت من ذوات الحيض، لاستبرأت بقرء واحد، فإذا كانت من ذوات الشهور، أقمنا شهراً مقام قرء. والقول الثاني - أنها تستبرىء بثلاثة أشهر؛ لأنه أقل زمان يدل على براءة الرحم، وخرج هذا في المطلقةِ الأمةِ إذا كانت من ذوات الشهور.
следующие страницы →